Indexed OCR Text

Pages 1-20

مُدُِّ التَّوَاضِيع ◌ِوَدَّمُ النَّرُ
تصنیف
اُلْإِمَاِالْحَافِظِ أبِي الْفَاسِعَلِينَ الحَسَنِ الَّشْقِ الشَّافِيّ
المُلَقَّبُ دٍ أَبْرٌ عَسَاكِر
تحقيق
محمد عبد الرحمن النّابلسي

الكتاب الثّالث
الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ = ١٩٩٣م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكلّ طرق الطّبع والتّصوير والنّقل
والتّرجمة وغيرها من الحقوق إلاّ بإذن خطي من : دار السَّنابل للطباعة
والتّوزيع والنّشر بدمشق .
دار السَّنابل للطباعة والتّوزيع والنّشر: سوريّة - دمشق -
ص. ب (٣٠٦٠٨) - س.ت (٦٤٢٩٢) - هاتف
(٢٢٧٥٥٩) .
تصميم الغلاف : الفنّان محمد رضى بلال .
الصّف التصويري : زياد السّروجي
- دمشق - هاتف (٢٤٢٣٣٨) .

بسم الله الرحمن الرحيم
مَُّجُ التَّوَاضِيَعَ وَكُمُ الَّكْرِ

مدح التَّواضع وذمِّ الكِبْر/ تأليف أبي القاسم علّ بن الحسن الدِّمشقيّ الشّافعيّ
ابن عساكر؛ تحقيق محمَّد عبد الرَّحمن النّابلسي .- دمشق ؛ بيروت : دار
السَّنابل، ١٩٩٣ ٠- ٦٤ص؛ ٢٤ سم.
١ - ١ و ٢١٨ ع س ١ ك ٢ - ٤ ٣١٢ ع س ١ ك
٣ - العنوان ٤ - ابن عساكر ٥ - النابلسي
مكتبة الأسد
الإيداع القانوني
ع - ١٩٩٢/١٢/١٤٣٣

بسم الله الرحمن الرحيم
مَدْخَل
قبل الدخول في كتاب الحافظ ابن عساكر ، والّذي سرد فيه طائفة من
الأحاديث النّبويّة الشّريفة عن التّواضع وذمّ الكبر، قد يكون من المفيد
التّذكير بأنّ دراسة هذا الموضوع تستوجب مدخلاً يتسع لدراسة التّواضع في
اللّغة، والقرآن الكريم، وفي أخلاق الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام ، وعند
علماء الأخلاق ، والتّفريق بين التّواضع ، والذّلّ ، والكبر ، وحقيقة التّواضع
في علاج الكبر، ثمّ بعض الآثار .
التواضع في اللّغة :
التَّواضُعُ لغةً: التَّذَلَّلُ. وتواضع الرّجل: إذا تذلِّل، وقيل: ذَلَّ
وتخاشع . وهو مأخوذ من تواضعت الأرضُ: انخفضت عمّا يليها ، فالتّواضع
يدلّ على خَفْضِ الشّيء .
التّواضع في القرآن الكريم :
لم ترد كلمة التّواضع بلفظها في القرآن الكريم ، إنّما وردت كلمات
تشير إليها وتدلّ عليها، قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ
عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا .. ﴾(١).
قال القرطبي: ﴿ .. هَوْنًا .. ﴾، الهون مصدر الهيِّن، وهو من
(١) سورة الفرقان ٦٣/٢٥ .
- ٥ -

السّكينة والوقار . وفي التفسير : يمشون على الأرض حلماء متواضعين ،
يمشون في اقتصاد (١) .
كما قال ابن كثير : أي بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار(٢).
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ
الْجِبَالَ طُولًا﴾(٢).
قال القرطبي : هذا نهيٌ عن الخيلاء وأمر بالتواضع .
والمرح : شدّة الفرح . وقيل : التّكبر في المشي . وقيل : تجاوز الإنسان
قدره . وقال قتادة : هو الخيلاء في المشي . وقيل : هو البطر والأشر .
. .. إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ .. ﴾. يعني: لن تتوج باطنها فتعلم
ما فيها ، ولن تخرقها بكبرك ومشيك عليها .
... وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴾ أي : لن تساوي الجبال بطولك
ولا تطاولك (٤).
كما قال ابن كثير: يقول تعالى ناهياً عباده عن التّجبّر والتّبختر في
المشية . ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا .. ﴾، أي: متبختراً متمايلاً مشي
الجبّارين. ﴿ .. وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ طُولًا﴾، أي: بتمايلك وفخرك وإعجابك
بنفسك ، بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده ، كما ثبت في الصّحيح :
(١) الجامع لأحكام القرآن ، ج٦٨/١٣ .
(٢) تفسير القرآن العظيم ، ج١٦٣/٥
(٣) سورة الإسراء ٣٧/١٧ .
(٤) الجامع لأحكام القرآن، ج ٢٦٠/١٠.
-٦ -

(( بينما رجل يمشي في من كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما ، إذ خسف به
الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)) .
وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنّه خرج على قومه في زينته ، وأنّ الله
تعالى خسف به وبداره الأرض(١).
وقال تعالى. ﴿ وَلَ تُصَعِرْ خَذََّ لِلنَّاسِ وَلَنَّمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَهَا إِنَّ اللَّهَ لَ يُحِبُّ
كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ◌َ
قال القرطبي: ﴿الصَّعَرِ﴾: الميل، أي لا تُمِلْ خدّك للنّاس كبراً
عليهم وإعجاباً واحتقاراً لهم، ولا تمش متبختراً متكبراً(٢).
كما قال ابن كثير : لا تتكبر فتحتقر عباد الله ، وتعرض عنهم بوجهك
إذا كلموك . وأصل الصَّعَر : داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها ، حتّى
تفلت أعناقها من رؤوسها ، فشبّه به الرّجل المتكبر، ﴿ .. وَلَا تَمْشِ فِى
اُلْأَرْضِ مَرَحًا .. ﴾، أي: خيلاء متكبراً جباراً عنيداً، لا تفعل ذلك
يبغضك الله . ولهذا قال: ﴿ .. إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
﴾ ، أي :
مختال معجب بنفسه ، فخور على غيره (٤) .
التّواضع في أخلاق الرسل :
كان المسيح عيسى بن مريم عليه الصّلاة والسّلام متجمِّلاً بفضيلة
التّواضع والخضوع لجلال الله ؛ فقد قال تعالى: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
(١) تفسير القرآن العظيم، ج٣٠٨/٤ .
(٢) سورة لقمان ١٨/٣١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ، ج٦٩/١٤ .
(٤) تفسير القرآن العظيم ، ج٣٨٥/٥ .
- ٧ -

أَنْ يَكُونَ عَبْدًالِلَّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنَكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ
وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ
فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (١).
أي : لن يأنف ويستكبر عن عبادة الله، فمن حقّق صفة العبودية لله ،
وكان صادقاً ، لا يمكن أن يكون متكبراً ، بل لا بدّ أن يكون متواضعاً ؛ لأنّ
العبودية لله تذكّره دائماً بأنّ النّاس أخوة له ، فكلٌّ عبيد الله ، ولا يمكن للأخ
أن يتكبر على أخيه .
وكان عيسى عليه الصّلاة والسّلام يقول: ( طوبى للمتواضعين في
الدّنيا ، هم أصحاب المنابر يوم القيامة ) .
ومن قبله موسى عليه الصّلاة والسّلام يروي لنا أنّ ممّا أوحاه الله تعالى
إليه : ( إنّما أتقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعاظم على خلقي ) .
وها هو ربّنا عزّ وجلّ يخاطب نبيّنا محمَّداً صلَّى الله عليه وآله وسلَّم
فيقول: ﴿فَبِمَارَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْكُنْتَ فَظَا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ
ويقول تبارك وتعالى: ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ
اَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
مِنْ حَوْلِكَ .. ﴾(٢).
وكان سيّدنا محمّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بكمال خلقه بما لا يحيط
(١) سورة النساء ١٧٢/٤ - ١٧٣.
(٢) سورة آل عمران ١٥٩/٣.
(٣) سورة الشعراء ٢١٥/٢٦ .
- ٨ -

بوصفه البيان ، كيف لا ؟ وقد وصفه ربّنا عزّ وجلّ في كتابه العزيز :
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(١).
فقد كان عليه الصّلاة والسّلام المثل الأعلى للتّواضع بأقواله وأفعاله ،
فها هو يجالس الفقراء والمساكين ويصغي إليهم ، ويجيب دعوة العبد ،
وينصت للأَمَةِ فلا ينصرف عنها حتّى تنصرف ، ويجلس في أصحابه
كأحدهم ، بل يشاركهم العمل ما قلّ أو كثر .
قالت عائشة رضي الله عنها : ( كان يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ،
ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته ، وكان بشراً من البشر يفلّي ثوبه ،
ويحلب شاته ، ويخدم نفسه ) .
وقد دعا عليه الصّلاة والسّلام إلى التّواضع وحثّ عليه ، يقول: ((إنَّ
اللهَ أَوْحى إليَّ أَنْ تَواضَعوا، حتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ ، وَلا يَبْغِي أَحَدٌ
عَلى أَحَدٍ )) .
ويقول: ((طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ فِي غَيْرِ مَسْكَنٍ ، وَأَنْفَقَ مالاً جَمَعَهُ فِي
غَيرِ مَعْصِيَةٍ، وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلِ وَالمسْكَنَةِ، وَخَالَطَ أُهْلَ الفِقْهِ
وَالْحِكْمَةِ » .
إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي تبيّن ما لفضيلة التّواضع من أثر كبير
في حياة الإنسان وفي تعامله مع الآخرين .
التواضع عند علماء الأخلاق :
التّواضع عند علماء الأخلاق هو لين الجانب ، والبعد عن الاغترار
(١) سورة القلم ٤/٦٨.
-٩ -

بالنّفس ، حيث قالوا: إنّ التواضع هو اللّين مع الخَلْق ، والخضوع للحقّ
وخفض الجناح .
التّفريق بين التواضع ، والذُّلِّ ، والكبر:
قد يُظَنّ أنّ التّواضع يفتح أمام الإِنسان باب المذلّة والهوان ، بل على
العكس ، فإنّ التّواضع يؤدي إلى العزّ الحقيقي المحمود عند الله عزّ وجلّ ،
وعند العقلاء من النّاس، فكما ظهر آنفاً بأنّ معنى كلمة ﴿ .. هَوْنًا .. ﴾
- بفتح الهاء وسكون الواو - السّكينة والوقار ، فإنّ الهون - بضم الهاء -
هو الهوان والدُّلّ ، وهذا من صفة غير المؤمنين ، وإذا استعرضنا قوله تعالى :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ مَنْ يَرْتَدَّ مِنَّكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِّلَّةٍ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ .. ﴾(١).
نجد أنّ المراد بالذُّلّ هنا كما قال القرطبي في ((تفسيره)): هو الرحمة
والشفقة والّين ، وليس المراد بها الهوان، وأنّ العزَّة على الكافرين هي الغلظة
والقوّة في محاربتهم .
قال ابن عبّاس: هم للمؤمنين كالوالد للولد ، والسّيّد للعبد، وهم في
الغلظة على الكفار كالسّبع على فريسته .
مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ
ونجد من هذا المعنى معنى قريباً منه في الآية الكريمة : ﴿
وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمْ .. ﴾(٢).
والتّواضع يصدق إذا كان عن قدرة ، أمّا إذا خاف الإِنسان من شخص
(١) سورة المائدة ٥٤/٥.
(٢) سورة الفتح ٢٩/٤٨ .
- ١٠ -

وذلّ له وانكسر معه ، فليس ذلك من التّواضع في شيء ، وإنّما يصدق
التّواضع من الكبير مع الصّغير ، ومن القوي مع الضّعيف ، ومن العالم مع
الجاهل ، ومن الغني مع الفقير .
حقيقة التواضع في علاج الكبر :
يقول الإمام الغزالي في خُلق التّواضع: ( اعلم أنّ هذا الخُلق كسائر
الأخلاق له طرفان وواسطة .
فطرفه الّذي يميل إلى الزّيادة يسمّى تكبراً . وطرفه الّذي يميل إلى
النّقصان يسمّى تخاسساً ومذلّة . والوسط يسمّى تواضعاً .
والمحمود أنْ يتواضع في غير مذلّة ومن غير تخاسس ، فإنّ كِلا طرفي
الأمور ذميم ، وأحبّ الأمور إلى الله تعالى أوساطها )(١).
من خلال هذا يتبيّن لنا أنّ التّواضع يجب أن يكون مقدَّراً ومِقداراً ؛
لأَنّ الإِنسان إذا أسرف في التّواضع فقد أذلَّ نفسه ، فما من فضيلة إلّ هي
وسط بين الإفراط والتفريط ، وإذا صدق الإنسان في تواضعه ، وجعله وسطاً
معتدلاً حقّق الله له من الثّمرات ووفّقه في أموره كلّها ، فبالتّواضع يصلح
القلب ويطهر .
والتكبر - هذه الصّفة الذّميمة الّتي توعّد الله تعالى من اتصف بها ،
وذمّ كلّ جبّار متكبر - فقد قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِيَ الَّذِينَ
يَتَكَبَّرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ .. ﴾ (٢)
(١) إحياء علوم الدّين، ج٣٦٨/٣.
(٢) سورة الأعراف ١٤٦/٧ .
- ١١ -

وقال تعالى: ﴿ .. إِنَّمُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَّكْرِنَ
(١)
وقال تعالى: ﴿ .. لَقَدِ اسْتَكْبَرُ واْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوَّا كَبِيرًا
(٢).
وقال تعالى: ﴿ .. إِنَّالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِسَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ﴾(٢).
وذمّ الكبر في القرآن العظيم كثير .
وقد نقِّر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من التّكبر وأهله حيث
قال: ((تَحَاجَّت الجنَّةُ والنّارُ فَقَالَتْ النّارُ: أوثرت بالمُتَكَبِرِين والمُتَجَبِّرين،
وقالت الجنَّةُ: ما لي لا يَدْخُلُنِي إِلّ ضُعَفاءُ النّاسِ وَسُقّاطُهُمْ وَعَجَزَتُهُمْ؟
فقال الله لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي، أُرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشاءُ مِنْ عِبادِي ، وقال
للنّارِ : إِنَّما أَنْتِ عَذابي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكُلِّ واحدةٍ مِنْكُمَا مِلُوُها)).
والأحاديث في ذلك كثيرة ، فالكبر من المهلكات ، ولا يخلو أحد من
الخلْق عن شيء منه ، حيث يكون إمّا بالعلم ، وإمّا بالّسب والجمال ، وإمّا
بالقوّة ، وإمّا بالمال وكثرة الأتباع إلى غير ذلك .
ولا يزول التّكبر بمجرد التّمني كما قال الإمام الغزالي ، بل يجب استئصال
أصله وقلع شجرته من مغرسها في القلب ، فعلى الإنسان أن يعرف نفسه
ويعرف ربّه تعالى ، فإذا عرف ربّه علم أنّه لا تليق العظمة والكبرياء إلاّ
بالله ، وأمّا معرفته بنفسه فيكفيه أن يعرف أنّه لم يكن شيئاً مذكوراً ، ثمّ ينظر
إلى بداية خلقه وتمّ خلق .
(١) سورة النحل ٢٣/١٦.
(٢) سورة الفرقان ٢١/٢٥ .
(٣) سورة غافر ٦٠/٤٠ .
- ١٢ -

قٌلِلَ اَلْإِنْسَنُ مَآ أَكْفَرَمُ ◌ْ مِنْ أَعِ شَىْءٍ خَلَقَهُ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَمُ فَقَدَّرَهُ
قال تعالى : ﴿
*ا ثُّ السَّبِيلَ يَشَرَهُ مْ ثُمَ أَمَانَهُفَقْبَهُ مِثُمَإذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ﴾(١).
فقد كان بدء خلقه من تراب ، ثمّ من نطفة ، ثمّ من علقة ، ثمّ من
مضغة ، ثمّ جعله عظاماً ، ثمّ كسا العظام لحماً ، فلينظر إلى نعمة الله عليه
كيف نقله من تلك الذّلَّة ، والقلّة، والخسّة، والقذارة، إلى هذه الرِّفعة
والكرامة ، فصار موجوداً بعد العدم ، وحيّاً بعد الموت ، وناطقاً بعد البكم ،
وبصيراً بعد العمى ، وقويّاً بعد الضّعف ، وعالِماً بعد الجهل ، ومهديّاً بعد
الضّلال ، وقادراً بعد العجز ، وغنّاً بعد الفقر ، فكان في ذاته لا شيء ، ثم
صار بالله شيئاً ، ثمّ ليتذكر بعد ذلك آخره ومورده وهو الموت الّذي لن ينجوَ
منه أحد ، ويوضع في التراب فيصير جيفة منتنة ، كما كان في الأوّل نطفة
مَذِرَة ، ثمّ تَبْلَى أعضاؤه، وتنخر عظامه ، ويصير رميماً رفاتاً ، ويأكل الدود باقي
أجزائه . فمن كان هذا حاله كيف يتجبّ ويتكبّر ؟ !.
فلنبادر جميعاً إلى التّخلّق بأخلاق سيّد المرسلين محمّد صلّى الله عليه
وآله وسلّم ، والاقتداء بسيرته ، فقد كان عليه الصّلاة والسّلام المثل الأعلى
للتواضع وللأخلاق الكريمة الفاضلة الّتي تنجّي صاحبها من عذاب النّار .
بعض الآثار في التواضع :
وتما جاء في ذلك ما أورده الغزالي في ((الإحياء)) (٢):
قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه : لا يحقّرنّ أحد أحداً من
المسلمين ، فإنّ صغير المسلمين عند الله كبير . وقال رضي الله عنه أيضاً :
(١) سورة عبس ١٧/٨٠ - ٢٢.
(٢) إحياء علوم الدّين، ج٣٤٠/٣ - ٣٤١.
-
- ١٣ -

وجدنا الكرم في التّقوى ، والغنى في اليقين ، والشّرف في التّواضع .
وتفاخرت قريش عند سلمان الفارسيّ رضي الله عنه يوماً فقال سلمان :
لكنني خلقت من نطفة قذرة ، ثمّ أعود جيفة منتنة ، ثمّ آتي الميزان فإن ثقل
فأنا كريم ، وإن خفّ فأنا لئيم .
وقال محمّد بن الحسن بن علّ : ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر قطّ
إلّ نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك قلّ أو كثر .
وقال الفضيل وقد سُئل عن التّواضع ما هو ؟ فقال : أن تخضع للحقّ
وتنقاد له ، ولو سمعته من صبي قبلته ، ولو سمعته من أجهل النّاس قبلته .
وقال ابن المبارك : رأس التّواضع أن تضع نفسك عند من دونك في
نعمة الدّنيا حتّى تعلمه أنّه ليس لك بدنياك عليه فضل ، وأن ترفع نفسك
عمّن هو فوقك في الدّنيا حتّى تعلمه أنّه ليس له بدنياه عليك فضلٌ .
وقيل لعبد الملك بن مروان : أيّ الرّجال أفضل ؟ قال : من تواضع عن
قدرة ، وزهد عن رغبة ، وترك النّصرة عن قوّة .
ودخل ابن السّمّاك على هارون الرّشيد فقال : يا أمير المؤمنين إنّ
تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك ، فقال : ما أحسن ما قلت !
فقال : يا أمير المؤمنين إنّ امرأً آتاه الله جمالاً في خلقته ، وموضعاً في حسبه ،
وبسط له في ذات يده ، فعفّ في جماله ، وواسى من ماله ، وتواضع في
حسبه ، كتب في ديوان الله من خالص أولياء الله ، فدعا هارون بدواة
وقرطاس وكتبه بيده .
وكان سليمان بن داود عليهما الصّلاة والسّلام إذا أصبح تصفّح وجوه
الأغنياء والأشراف حتّى يجيء إلى المساكين فيقعد معهم ويقول : مسكين
مع مساكين .
- ١٤ -

هَذا الكِتاب
كتاب (( مدح التّواضع وذمّ الكبر )) مجلس من مجالس الإملاء الّتي كان
يلقيها الحافظ ابن عساكر على تلامذته ، حيث ذكر طائفة من الأحاديث
النّبويّة الشريفة التي تتعلّق بالتّواضع والكبر .
وجدت هذا المخطوط ضمن فهارس العمريّة ، وفهارس المكتبة الظاهريّة
تحت رقم (٣٧٧١) ضمن المجاميع رقم [٣٤]، ويقع في عشرين ورقة ( من
الرّقم ٨٥ وحتّى ١٠٤ ق ) .
وقد كتب بخط جميل ، كتبه أحد تلامذته ، ولحظه العالم الجليل
يوسف بن عبد الهادي (ابن الِبْرَد ) المتوفى (٩٠٩هـ).
وقمت بتخريج ما فيه من الأحاديث ، وعنيت بضبط بعض الكلمات
والأعلام مع شرح ما رأيته محتاجاً إلى توضيح .
ولما كانت نصوص الأحاديث الّتي ذكرها الحافظ ابن عساكر خالية من
أي شرح للموضوع الّذي دارت حوله ، فقد قمت في مقدمة هذا الكتاب
بإعداد بحث موجز عن التّواضع والكبر ممّا جاء في بعض سور القرآن العظيم ،
وما جاء في بعض الآثار عن العلماء والصّالحين ، داعياً أن يوفّقني الله وإيّاكم
إلى ما فيه صلاح نفوسنا ، والفوز بالجنّة والنّجاة من النّار إنّه على كلّ شيء
قدير .
- ١٥ -

آبْرٌ عَسَاكِرْ
٤٩٩ - ٥٧١ هـ
· هو الإمام العلامة، الحافظ، محدّث الشّام، المؤرِّخ الرّحّالة،
أبو القاسم ، علّ بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين ، الدّمشقيّ
الشّافعيّ ، الملقب بثقة الدّين ، المعروف بابن عساكر .
مولده وأسرته :
ولد بدمشق ، في أوائل شهر المحرَّم سنة تسع وتسعين وأربع مئة . أبوه
الحسن بن هبة الله بن الحسين بن عبد الله الشّافعيّ ت (٥١٩هـ)، كان
شيخاً صالحاً صحب الفقيه نصراً المقدسي وسمع منه صحيح البخاري .
وكان أخوه الأكبر الصّائن هبة الله بن الحسن ت ( ٥٦٣هـ ) فقيهاً
ثقة ، مهتمّاً بعلوم القرآن والنّحو واللّغة .
أمّا أخوه الثّاني محمّد بن الحسن ، فقد كان قاضياً ، وقد نشر أولاده
السِّتَّة علم الحديث ودرَّسوه .
(*) مصادر ترجمته :
معجم الأدباء: (٧٣/١٣)، وفيات الأعيان: (٣٠٩/٣)، سير أعلام النبلاء: (٥٥٤/٢٠)،
تذكرة الحفّاظ: (١٣٢٨/٤)، طبقات الشّافعيّة: (٢٧٣/٤)، النّجوم الزّاهرة: (٧٧/٦)،
مفتاح السّعادة: (٢٤٤/١)، هديّة العارفين: (٧٠١/٥)، الأعلام: (٢٧٣/٤)، معجم
المؤلّفين: (٦٩/٧)، مقدّمة تاريخ ابن عساكر للأستاذ صلاح الدّين المنجّد ، دائرة المعارف
الإسلامية: (٢٣٧/١).
- ١٦ -

وكانت أُمُّه من بيت القُرَشي ، وهو بيت ◌ُرف بالعلم وكان منه قضاة
دمشق مدّة طويلة، فجدُّه لأُمّه يحيى بن عليّ بن عبد العزيز ت (٥٣٤هـ)
كان عالماً بالنّحو والفقه والحديث وتولّى القضاء بدمشق مرّة .
وكان له خالان تولّيا قضاء دمشق .
الأوّل: أبو المعالي ، محمّد بن يحيى ت ( ٥٣٧هـ ).
والثّاني: أبو المكارم ، سلطان بن يحيى ت (٥٣٠هـ ).
نشأته وطلبه للعلم :
كان للبيئة الّتي نشأ فيها الحافظ ابن عساكر أثرٌ كبير في اتجاهه نحو
العلم ، فقد أقبل على التلقي وهو صغير ، فما يكاد يبلغ السّادسة من عمره
حتّى نراه مقبلاً على موائد العلم والمعرفة ، يرعاه أبوه ويُسمعه الصّائن أخوه .
ويمضي فيتردّد على كبار الشيوخ يومئذ منهم : أبو القاسم النّسيب ، وقوّام بن
زيد، وسبيع بن قيراط ، وأبو طاهر الحنّائي ، وينتفع بصحبة جدّه فيأخذ
عنه النّحو والعربيّة ، حتّى إنّه لم يكتف بالسّماع والأخذ على شيوخ بلده ،
بل استكتب شيوخ بغداد وخُراسان .
كان الحافظ ابن عساكر يتردّد على مسجد بني أميّة الّذي كان أعظم
مركز للعلم بدمشق يومئذ ، ومن ثمّ المدرسة الأمينيّة الّتي كان يدرّس فيها :
جمال الإسلام أبو الحسن السُّلمي ، والّتي كانت أوّل مدرسة للشافعيّة بنيت
بدمشق ، بناها أمين الدّولة كمشتكين سنة (٥١٤هـ)، وثمّة مكان آخر
كان ملتقى الشّافعيّة هو : الزّاوية الغزاليّة الّتي كان يدرِّس فيها الفقيه نصر
المقدسي ، والسُّلمي ، والصّائن هبة الله، فكان الحافظ يتردّد إليها ويستمع
- ١٧ -
مدح التَّواضع وذمِّ الكِبْر (٢)

فيها ، إضافة إلى دور الشّيوخ الّذين لا يستطيعون التردّد إلى المسجد أو
المدرسة ، وظلّ كذلك حتّى كانت سنة تسع عشرة وخمس مئة حيث توفي
والده وقد بلغ العشرين من عمره ، ليبدأ فيها أولى رحلاته في طلب العلم .
رحلته في طلب الحديث وشيوخه :
يَمَّم الحافظ شطر بغداد سنة عشرين وخمس مئة ، والّتي كانت
ما تزال في أوّل القرن السادس مركزاً علميّاً للحديث والفقه ، رغم زوال
سلطانها السّياسي ، والّتي كان فيها الأجلاء من العلماء، حيث سمع الدّرس
بالنّظاميّة مدّة مقامه بها ، ثمّ حجّ سنة إحدى وعشرين ، وسمع ممن لقي من
العلماءبمكّة ؛ من بينهم عبد الله بن محمّد المصريّ الملقب بالغَزال ، وبالمدينة
المنوّرة من بينهم عبد الخلاّق بن عبد الواسع الهرويّ، ثمّ عاد بعد أن حدّث بمكّة .
أقام الحافظ في العراق خمسة أعوام يتنقل بين مدنه ويستمع إلى شيوخه ،
فسمع أبا القاسم بن الحصين ، وأبا الحسن علّ بن عبد الواحد الدّينوريّ،
وأبا العزّ بن كادش ، وأبا غالب بن البنَّاء ، وأبا عبد الله البارع، وهبة الله بن
أحمد بن الطَّبر ، وأحمد بن مُلوك الورّاق ، والقاضي أبا بكر وطبقتهم ببغداد .
وقد أعجب به البغداديّون وقالوا : قدم علينا من دمشق ثلاثة ما رأينا
مثلهم : الشّيخ يوسف الدّمشقيّ ، والصّائن أبو الحسين هبة الله بن
الحسن ، وأخوه أبو القاسم .
وسمع بالكوفة من عمر بن إبراهيم الزّيديّ ، ثمّ عاد إلى دمشق سنة خمس
وعشرين وخمس مئة ليأخذ فيها عن شيوخ آخرين ، وأقام إلى سنة تسع
وعشرين وخمس مئة ؛ حيث رحل في هذه السّنة إلى خُراسان على طريق
أذربيجان، وأخذ عن أبي عبد الله الفَراويِّ ، وأبي محمّد السَّيِّديّ ، وزاهر
- ١٨ -

الشّحاميّ ، وعبد المنعم بن القُشيريّ ، وفاطمة بنت زَعْبل ، وممن بطبقتهم
بنيسابور . وبأصبهان من الحسين بن عبد الملك الخلال ، وغانم بن خالد ،
وإسماعيل بن محمّد الحافظ . وبمرو من يوسف بن أيوب الهمذاني الزّاهد ،
وبهراة من تميم بن أبي سعيد المؤدِّب .
وعمل الأربعين حديثاً البلدانّة، وعدد شيوخه في ((معجمه)) ألف وثلاث
مئة شيخ وبضع وثمانون امرأة ، وحدَّث ببغداد والحجاز وأصبهان ونيسابور .
تلامذته :
سمع منه : مَعْمَر بن الفاخر ، والحافظ أبو العلاء العطّار ، والحافظ
أبو سعيد السّمعاتي ، وابنه القاسم بن علّ، والإِمام أبو جعفر القرطبي ،
والحافظ أبو المواهب بن صَصْرى ، وأخوه أبو القاسم بن صَصْرى ، وقاضي
دمشق أبو القاسم بن الحرستاني ، والحافظ عبد القادر الرُّهاويّ، والمفتي
فخر الدّين عبد الرّحمن بن عساكر ، وأخواه زين الأمناء حسن ، وأبو نصر
عبد الرّحيم ، وأخوهم تاج الأمناء أحمد ، وولده العزّ النّسّابة ، ويونس بن
محمّد الفارقي ، وعبد الرّحمن بن نسيم ، والفقيه عبد القادر بن أبي عبد الله
البغداديّ ، والقاضي أبو نصر بن الشّيرازي ، وعلّ بن حجاج البتاسيُّ،
وأبو عبد الله محمّد بن نصر القُرشيّ ، ومحمّد بن عبد الكريم بن عبد الهادي
المحتسب ، وفخر الدّين محمّد بن عبد الوهّاب بن الشّيرجيِّ، وأبو إسحاق
إبراهيم وعبد العزيز ابنا أبي طاهر الخشوعي ، وعبد الرّحمن بن شُعْلة البيت
سوائي، وخطّابُ بن عبد الكريم المِزِّي، وعتيقُ بن أبي الفضل السَّلَماني ،
وعمر بن عبد الوهّاب بن البراذعي ، ومحمّد بن رومي السَّقْباني ، والرّشيد
أحمد بن المسْلمة، وبهاء الدّين علّ بن الجُمَّيْزي ، وخلق كثير غيرهم .
- ١٩ -

عودته وتفرغه للتدريس والتصنيف :
عاد الحافظ إلى دمشق سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة ؛ حيث أنهى
تطوافه ورحلاته ، وبدأ بالتحديث والجمع والتصنيف ، حیث تولّی التدريس
بدار الحديث النّوريّة الّتي أنشأها السّلطان نور الدّين محمود بن زنكي ،
والّذي كان له الأثر الكبير في حياة ابن عساكر العلميّة من ناحيتين :
الأولى : إتمام تاريخ مدينة دمشق الّذي تشوّق السّلطان لإنجازه .
والثانية : بناء المدرسة النّوريّة ، والّتي كانت أوّل مدرسة أنشئت لتعليم
الحديث ؛ وقد عُهد للحافظ بالتدريس فيها ، وأصبحت مركزاً عظيماً لنشر
الحديث الشّريف، درَّس فيها بعده ابنه ، ثمّ بنو عساكر وتخرّج منها كبار العلماء.
وقد أعرض الحافظ عن المناصب ومغريات الدّنيا ، واحتقر المال وعَدَّه
من توافه الحياة الّتي ترفّع عنها ، ولهذا أخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنّهي عن
المنكر ، ووقف وقته كلّه على العلم ، فحظي بمكانة رفيعة للغاية بين أهل
دمشق ، واحترمه النّاس جميعاً من عوام وأصحاب السّلطان .
أقوال العلماء فيه :
قال السّمعاني : أبو القاسم حافظ ثقة متقن ، ديِّن خيِّر ، حسن
السّمت جمع بين معرفة المتن والإسناد ، وكان كثير العلم ، غزير الفضل ،
صحيح القراءة متثبّاً ، رحل وتعب وبالغ في الطلب وجمع ما لم يجمعه
غيره ، وأربى على الأقران ، دخل نيسابور قبلي بشهر ، سمعت معجمه
والمجالسة للدّينوريّ ، كان قد شرع في التاريخ الكبير لدمشق .
وقال الذّهبيّ : سمعت أبا الحسين علّ بن محمّد الحافظ ، سمعت الحافظ
أبا محمّد المنذريّ يقول : سألت شيخنا أبا الحسن عليّ بن المفضل الحافظ
- ٢٠ -