Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ باب الواو [ من الوافر] ١٧٨٦ - أنخْنَا حَيَّهُمْ طَعْناً وضَرْباً وخيرُ الطالبي التِّرَةَ الغشَوْمُ(١) بنصب التِّرَةِ على حذف نونِ الطالبينَ تخفيفاً للطّولِ، والجمعُ أوتارٌ. وفي الحديث: ((قُلِّدوا الخَيْلَ ولا تُقَلِّدوها الأوتارَ))(٢) أي لا تَطلبوا عليها الدُّخول التي وَتِرْتُم بها في الجاهلية. وقالَ أَنسُ بنُ مالكٍ: كانوا يُقَلدونها أوتارَ القسيِّ دَفعاً للعينِ، فأمرَهُم بقطعها، ليعلّمَهم أنَّ ذلك لا يردُّ منَ اللّه شيئاً. وقالَ محمدُ بنُ الحسنِ: نَهاهُم عن تقليدها بأوتارِ القِسيِّ لئلا تَخْتَقَ. قولُه تعالى: ﴿وَلَن يَتِرِكُمْ أَعْمالكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] قيلَ: معناهُ لن يُصيبَكُم مبكروه. يقالُ: وتَرْتُهُ، أي أصبتُه بمكروهٍ. وأصلُه ممّا تقدَّمَ. وقيلَ: لن يُنْقِصَكُم شيئاً من ثوابٍ أَعمالِكُم. وفي الحديث: ((من فاتَتْه صلاةُ العصرِ فكأنَّما وُتِرَ أَهلَهُ))(٣) قيلَ: هو منَ النَّقْصِ، أي نُقِصَ أهلَه، بمعنى خسِرَهُم. وقالَ أبو بكرٍ: أصلُه من الوِتْرِ الذي هو الجنايةُ التي يَجْنيها الرجلُ على الرجلِ من قبلِ حميمهِ أو أخذِ مالِه. فشبُّه ما يلحقُ هذا الذي فاتَتْه صلاةُ العصرِ بما يلحقُ الموتورَ من قبلِ حميمهِ وأخذِ مالِه. والوتْرُ: النافلةُ المعروفة؛ سُميت بذلك لختْمِها بالوَتْرِ، وهو ركعةٌ واحدةٌ. يقالُ: أَوْتَرَ صلاتَه، أي جَعَلها وَتْراً. ومنهُ الحديثُ: ((ومن اسْتَجْمَرَ فِلُيُوتِرْ))(٤) أي فليجعلْ ما يتجمَّر به وتراً. قوله تعالى: ﴿ثم أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى(٥)﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي مُتَتَابعينَ بَعضاً في إِثر بعضٍ، منَ المُواتَرَةِ. والأصلُ وَتْرَى فَأُبدِلَتِ الواوُ تاءً على حدِّ إِبدالِها في تُخْمة وتراتٍ. وقالَ الهرويُّ: أي مُتواترةٌ يجيءُ بعضُها في إِثرِ بعضٍ وبينَهم فَتْرٌ. قالَ: ومنهُ حديثُ أبي هريرةَ: ((لا بأسَ بقضاءِ رمضانَ تَتْرَى)) (٦) أي مُتَقطعاً. وقالَ يونسُ: تَتَرى، أي متفاوتةَ الأوقات. وجاءَتِ الخيلُ تَتْری أي متقطعة وفي روايةٍ أخرى عن أبي (١) البيت الوليد بن عقبة في حماسة البحتري ٣٠ واللسان (حلم، غشم) والهمع ١ / ٤٩. (٢) الفائق ٣/ ١٤٢ وغريب ابن الجوزي ٤٥١/٢ والنهاية ١٤٨/٥. (٣) الفائق ١٤٢/٣ والنهاية ١٤٨/٥ وغريب ابن الجوزي ٢ / ٤٥١. (٤) الفائق ٣ /٦٧ والنهاية ١٤٧/٥ وغريب ابن الجوزي ٢ /٤٥١. (٥) قرأ ابن كثير وقتادة وشيبة وابن محيصن والشافعي (تتراً) النشر ٣٢٨/٢ والسبعة ٤٤٦. (٦) الفائق ١٤٣/٣ وغريب ابن الجوزي ٤٥١/٢ والنهاية ١٤٨/٥ ٢٨٢٠ باب الواو هريرةَ: ((في قَضاءِ رمضانَ)) قالَ: مُتواترةً قالَ أبو الرَّقْشِ: يصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً، أو يصومُ يومينٍ ويُفطِرُ يومينٍ، لا تكونُ المتواترةُ مواظبةٌ حتى يكونَ بينَهُما شيءٌ. وقالَ: بعضُهم: التواثّرُ: تتاَبُعُ الشيءِ وتْراً وفُرادىٍ. قالَ تعالى: ﴿ثم أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ قلتُ: أصلُه: أَنْ يَجيئوا وِثْراً وِتْراً. ثم اتّسعَ فيه حتى جُعلَ لمجرَّدِ التّابُعِ. وإِن كانوا أزْواجاً لا أَوْتاراً؛ أي متَنوَّعين بالنَّوعينِ معاً. والتَّواتُرُ في اصطلاحِ المُتَشَرِّعَةِ عددٌ يَستحيلُ تواطؤُهم على الكذِبِ مَع استواءٍ الطرفينِ والوسطِ، والعلمُ بخيرِهِ ضَروريٍّ ويقابلُه إِخبارُ الآحاد. وهو ما لمْ يبلغْ ذلك العددَ. والوتيرةُ أيضاً: السجيَّةُ . يقالُ: هم على وتيرةٍ واحدةٍ، أي سجيَّةٍ وحالةٍ واحدةٍ. ومنهُ حديثُ العباسِ: ((فلم يَزَلْ على وتيرةٍ واحدَةٍ حتى ماتَ))(١) قالَ أبو عبيدةً: الوثيرةُ: المداومةُ على الشيءٍ وهو مأخوذٌ منَ الثَّواتُرِ، والوَتِيرةُ والوِثْرَةُ: الحاجزُّ بِينَ المَنْخِرِين. ومنه حديثُ زيدٍ: ((في الوَتَرَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ))(٢) والوتيرةُ أيضاً: الحَلْقةُ التي يُتعلَّمُ عليها الرَّمْيُ، والأرضُ المُنْقَادَةُ . و ت ن: قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطِعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] الوَتينُ: عرقٌ مُسْتَبْطِنٌ في القَفا إِذا انْقَطَعَ ماتَ صاحبه لا محالةً. ويقالُ: إِنَّه عرقٌ متَّصلٌّ بالكبد، لكنَّه يسقيها لا يعيشُ من انقطعَ منهُ وقِيلَ: هو مناطُ القلبِ إِذا انقطعَ لم يكُن معه حياً. وقد وُتِنَ الرَّجُلُ فهو مَوْتُونٌ، أي قُطْعَ وَتِينُه. واسْتَوْتَنَ الإِبلُ: غلُظَ وَتِينُها من السِّمَنِ. فالمُواتَنَةُ أَنْ يَقْرُبَ منهُ قرْباً كقُرْبِ الوَتينِ، وكأنَّهِ إِشارةٌ إِلى قولِهِ: ﴿ونحنُ أَقْرَبُ إِليهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وفي الحديث: ((أمّا تَيماءُ فعينٌ جاريةٌ وأمّا خَيبرَ فِماءٌ واتِنٌ))(٣) أي دائمٌ، كذا فسَّره الهرويُّ. فصل الواو والثاء و ث ق : قولُه تعالى: ﴿حتّى تُؤْتُونَ مَوثقاً منَّ الله﴾ [يوسف: ٦٦] المَوْثِقُ: العهدُ المؤكّدُ (١) الفائق ١٤٣/٣ وغريب ابن الجوزي ٤٥١/٢ والنهاية ١٤٩/٥. (٢) الفائق ١٤٣/٣ والنهاية ٥ /١٤٩ وغريب ابن الجوزي ٤٥٢/٢. (٣) النهاية ١٥٠/٥ وغريب ابن الجوزي ٤٥٢/٢. ٢٨٣ باب الواو باليمينٍ، أصلُه منَ الوثوقِ بالشيءٍ وهو الاطمئنانُ بالشيءٍ. يقالُ: وَثِقْتُ به أَثِقُ ثقَةً: إِذا سكنتَ إِليهِ واعتمدْتَ عليهِ. فالمَوْثِقُ مصدرٌ كالمَوعِد. قالَ تعالى: ﴿فلمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ [يوسف: ٦٦] والوثاقُ: ما يُشَدُّ به المَوْثوقُ. قالَ تعالى: ﴿فِشُدُّوا الوَثاقَ﴾ [محمد: ٤] وهو عبارةٌ عن الاسْرِ. ومنهُ: ﴿ولا يُوثق(١) وَثاقَه(٢) أحدٌ﴾ والوُثْقَى فُعْلَى منهُ نحوُ قولهِ تعالى: ﴿بالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وناقَةٌ موثَقَةُ الخَلْقِ: مُحكَمَتُه. ورجُلٌّ ثِقَةٌ كقولِهِم: رجلٌ عَدْلٌ. وامرأةٌ ثقَةٌ، ورجالٌ ثقَةٌ وقد يقالُ: ثقاتٌ. و ث ن: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبدون من دونِ اللَّه أَوثاناً ﴾ [العنكبوت: ١٧] هوَ جمعُ وَثَنٍ. قيلَ: هو الصَّنَمُ وقِيلَ: وبينَهُما فرقٌ؛ فالوَثَنُ ما كانَ له جُثَّةٌ مِن خشبٍ أو ذَهَبٍ أو فضَةٍ أو نحاسٍ أو حَجُر يُنْحَتُ ويُنْصَبُ فيعبَدُ مِن دونِ الله. والصَّنَمُ: الصورةُ بلا جُثَّةٍ، قَالَ أَبو منصورٍ. وقال ابنُ عرفَةَ: ما كانَ له صورةٌ من حجارةٍ أو حصٍ أو غيرِه فهو وَثَنِّ. وقيلَ: الأوثانُ: حجارةٌ كانَتُ تُعْبَدُ من دونِ اللهِ، وتُجُوِّزَ بها في تكثيرِ العطيةِ. فقيلَ: أَوْثَنْتُ فلاناً: أجزَلْتُ عطيتَهُ. وأَوْثَنْتُ من كذا، أي أكثَرْتُ منه. فصل الواو والجيم وج ب: قولُه تعالى: ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ [الحج: ٣٦] أي سَقطَتْ. يقالُ: وجَبَ الحائطُ، أي سَقَطَ ووقَعَ. ومنهُ: وَجَبَتِ الشمسُ، أي غاَبَتْ. وحقيقتُهُ: سَقَط قرصُها في رأسٍ العينِ. والوجوبُ أيضاً الثبوتُ والاستقرارُ، ويعبّرُ بهِ عن المَوْت فيقالُ: وَجَبَ فلانٌ، أي ماتَ؛ تَخيَّلوا فيه السقوطَ والثّبوتَ. ومنه قولُ أبي بكرٍ رضي اللّه تعالى عنه: ((فإِذا وَجَبَ ونَضَبَ عمرُهُ وضَحا ظِلُّهُ))(٣) يريدُ بهذه الألفاظ أنه ماتَ. وأنشدَ لقيسِ بنِ الخَطيمِ الأنصاريِّ: [من الطويل] (١) قرأ الكسائى والحسن ويعقوب وابن سيرين وأبو قلابة ( يُوثَق) الإتحاف ٤٣٩ والنشر ٢ /٤٠٠. (٢) قرأ نافع وأبو جعفر وشيبة (وثاقَه) البحر المحيط ٤٧٢/٨. (٣) الفائق ١٤٦/٣ والنهاية ٥ /١٥٤. : ٢٨٤ باب الواو ١٧٨٧ - أطاعَتْ بَنو عَوْف أمراً نَهاهُمُ عن السِّلْمِ حتى كان أوَّلَ واجبٍ(١) أي أُولَ میّتٍ. ووجَّيْتُ به الأرضَ توْجيباً: أسقطتُه عليها. وأوجَبَ كذا: خَتَمَهُ. ومنه الواجباتُ التي أَوْجَبها الله تعالى على عباده من عباداته. والواجبُ في اصطلاحِ المتشرعةِ ما يُذَمُّ تاركُه شَرعاً قَصداً مطلقاً. وأوجَبَ فلانٌ: استوجَبَ بها النارَ. والموجباتُ تُطلقُ على ما يُوجبُ النارَ وما يُوجِبُ الجنَّةَ، هذا هو الصَّحيحُ. ومنه قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: (أسألُك موجبات رَحْمَتَكَ))(٢) وقال الراغبُ(٢): وعبَّرَ بالموجبات عن الكبائرِ التي أَوجَبَ الله عليها النارَ. فَإِنْ عَنَى بذلك الغالبَ فقريبٌ، وإِنْ عنى به الاختصاصَ فممنوعٌ للحديثِ المتقدِّم. وقالَ بعضُهم: والواجِبُ يقالُ على أوجهٍ: أحدُها يقالُ في مُقابلةَ المُمكنِ، وهو الحاصلُ الذي إِذا قُدِّرَ كونُه مُرْتفعاً حصَلَ منه مُحالٌ، نحوُ وجودِ الواحدِمعَ وجودِ الاثنين؛ فإِنَّ مُحالٌ أنْ يرتفعَ الواحدُ معَ حصولِ الاثنين. الثاني يقالُ في مقابلة الذي إِذا لم يُفعَلْ يستحقُّ به اللَّمُ، وذلك ضَربانٍ: واجبٌ من جهةِ العقلِ، كوجوب معرفةٍ الوحدانيَّةِ والنبوَّةِ، وواجِبٌ من جهةِ الشَّرعِ، كوجوبِ العباداتِ المُوظّفَةِ. وقالَ آخرون: الواجبُ قسمان: أحدُهُما يرادُ بهِ اللازمُ الوجوب، وأنه لا يصحُّ أَلاً يكونَ موجوداً، كقولنا في الباري: واجِبٌ وُجودُهُ. والثاني بمعنى أنَّ حَقَّهُ أنْ يوجَدَ . قالَ الراغبُ: وقولُ الفقهاءِ: الواجبُ ما إِذا لم يَفعَلْهُ يستحقُّ صاحبُه العقابَ، فذلك وصفٌ له بشيءٍ عارضٍ لهُ، وَيَجْرِي مَجْرى من يقولُ: الإِنسانُ إِذا مَشَى مَشَى برجلينِ. و چ د: قوله تعالى: ﴿من وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ١] أي من سعة مالگُم. والوجدُ والجدةُ: السَّعةُ في المالِ والمقدرةُ عليهِ. يقالُ: رجلٌ واحدٌ بَيَّنُ الوَجْدِ والجدّة. وفي الحديث: ((ليُّ الواجدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَه وعِرْضَهُ))(٤) وهو بمعنى الحديث الآخر: ((مَطْلُ (١) ديوانه ٩٠ واللسان والتاج (وجب) والمقاييس ٨٩/٦ ومجمل اللغة ٤/ ٥٠٩ (٢) الفائق ١٤٥/٣ والنهاية ٥ /١٥٣ وغريب ابن الجوزي ٤٥٤/٢. (٣) المفردات ٨٥٤. (٤ ) الفائق ٢ /٤٧٧ وغريب ابن الجوزي ٤٥٤/٢ والنهاية ٥ /١٥٥. ٢٨٥ باب الواو الغنيِّ ظُلمّ))(١). ووَجَد يقالُ بمعانٍ، وَفَرَّقُوا بينَها بمصادرِها فقالُوا: وَجَد زيدٌ، أي صارَغَنِياً، وُجْداناً وجدَةً. قالَ الراغبُ(٢): وقد حُكي فيه الوَجْدُ والوِجْدُ والْوُجْدُ. وَوَجدَ الضَّالَّةَ وُجْداناً ووُجوداً. ووَجدَ عليهِ السُّلطانُ، أي غضبَ، وَجْداً وَمَوْجِدةً. ووجدْتُ زيداً عالماً، أي ظننتُه، أي علمتُهُ وَجْدَاً. ووَجَدَ فلانٌ بفلانةٍ وَجْداً، أي أَحبَّها. ومنه الحديثُ عن ابنٍ عمرَ: قال أبو صُرد في صفةٍ عجوزٍ: ((ما بطنُها بوالدٍ ولا زَوْجُها بواجدٍ﴾(٣) أي غيرمحب لها . وقالَ الراغبُ(٤): الوجودُ أضربٌ: وجودٌ بإِحدَى الحواسِ الخمسِ، نحوُ وَجَدتُ زَيداً، ووجدْتُ طَعْمَه ولونَهُ وصوتَهُ وريحَه وخشونتُهُ. ووجودٌ بقوةِ الشهوةِ نحو: وجدتُ الشُّبَعَ. ووجُودٌ بقوةِ الغضِ كوجودِ الحزْنِ والسَّخَطِ. ووجودٌ بالعقلِ وبواسطةِ العقلِ كمعرفة اللّه تعالى ومعرفَةَ النبوَّةِ وما نُسبَ إِلى الله تعالى من الوجود. فبمعنى العِلمِ المجرَّد إِذْ كانَ اللّه منَزَّهاً عن الوصْفِ بالجوارحِ والآلاتِ نحوُ قولِه تعالى: ﴿ وَما وَجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإِنْ وَجَدْنَا أَكثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وكذا المعدومُ يقالُ على هذه الأوجهِ. وقولُه: ﴿إِنِّي وجَدْتُ امرأةٌ تَمْلِكُهُم﴾ [النمل: ٢٣] وقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدونَ للشَّمسِ﴾ [النمل: ٢٤] انتهى. وفيه نظرٌ؛ إِذِ البصرُ كافٍ في تجويزِ الإِخبارِ بذلك دونَ البصيرةِ، لأنه إِخبارٌ بسجودٍ، وذلك يُدْرِكُ بحاسَّةِ البصرِ. وقد قَسَم بعضُهُم الموجوداتِ إِلى ثلاثةِ أضرُبٍ: ضربٍ لا مبدأَ له ولا مُنْتَهى، وليسَ ذلك إِلا للباري تعالى. ومَوجودّ له مبدأٌ ونهايةٌ، وهوَ الجواهرُ الدُّنْيويةُ. وَمَوجودٌ له مبدأٌ ولا مُنْتَهى له، وهو الموجودُ في النَّشأةِ الآخرةِ . و جس: قولُه تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ في نفسِهِ خِيفَةً﴾ [طه: ٦٧] أي أحسَّ. وهو قريبٌ من (١) أخرجه البخاري في الحوالات، باب (١)، حديث ٢١٦٦، ومسلم في المساقاة ١٥٦٤ . (٢) المفردات ٨٥٤. (٣) الفائق ١٤٨/٣ وغريب ابن الجوزي ٢ /٤٥٤ والنهاية ١٥٦/٥. (٤) المفردات ٨٥٤. -- ٢٨٦ باب الواو الوجدان. وقيلَ: معناهُ أَضْمَرَ، ومثلُه: ﴿وَأَوْجَسَ مِنُهُمْ خِيفَةٌ ﴾ [هود: ٧٠] وقيلَ: الوَجْسُ(١): الصَّوتُ الخفِيُّ. والتَّجُّسُ: التَّسَمِّعُ. والإِيجاسُ: وجودُ ذلك في النَّفْسِ. وفي الحديث: ((نهى عن الوجس)) هو أنْ يكونَ الرجُلُ مع إِحدٍ جاريتيهِ والأخرى تَسْمَعُ حسَّه. وهو الفَهرُ أيضاً؛ وقَد أَفْهرَ الرجُلُ فَعَلَ ذلكَ. وَأَوْجَسْتُ منه أمراً؛ خيراً أو شراً، أي وقَعَ في نَفْسي ذلك. و ج ف: قولُه تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٨] أي مضطربةٌ قلقَةٌ عن مَقَارُها لما تشاهدُ منَ الأهوالِ لقوله: ﴿إِذ القلوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾[غافر: ١٨] ومثلُه: قلوبٌ طائرةٌ وخافقَةٌ، ونحو ذلك من الاستعارات قولُه: ﴿فما أَوْجَفْتُم عليهِ من خَيلٍ ولا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦] الإيجافُ: الإسراعُ؛ يقالُ: أوجَفَ الراكبُ، أي أَسرعَ. وَسَيْرٌ وَجيفٌ وفي المثلِ: ((أدَلَّ فأمَّلَ وأَوْجَفَ فَأَعْجَفَ))(٢). و چ ل: قولُه تعالى: ﴿وَجِلَتْ(٣) قُلوبُهُم﴾ [الأنفال: ٢] أي خافَتْ. يقال: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلاً. وقيلَ: الوَجَلُ: اسْتِشْعارُ الخوف. ويقالُ: يَوْجَلُ وبَيْجَلُ؛ كسروا الياءَ لَيَقْلِبوا الواوَ ياءَ توصُّلاً للأخَفِّ وإِنْ كانَ كسزُ حرفِ المضارعةِ إِنْ كانَ ياءُ ممنوعاً في المشهورِ. وإِنَّماقلتُ في المشهورِ لقراءةٍ شاذَّةٍ: ﴿فَإِنَّهُمْ يَتْلمون كَما تَعْلِمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] وكانَ الذي حَسَّنَ هذا مجاورتَه لـ ((تُليتْ)) الجائزِ الکسرِ. و ج ھـ : قولُه تعالى: ﴿كلُّ شيءٍ هالِكٌ إِلا وجهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] الوجهُ يعبّرَ بهِ عنِ الذات، والباري تعالى ينزَّهُ عنِ الجارحةِ، ومثلُه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ [الرحمن: ٢٧] وإِنَّما عُيْرَ بهِ عن الذَّاتِ في لسانِ العربِ لأنَّه أشرفُ الأعضاء. وقيلَ في قولِه تعالى: (١) الفائق ١٤٧/٣ والنهاية ٥ /١٥٧. (٢) لم أجده في كتب الأمثال (٣) قرأ ابن مسعود (فَرِقَت)، وفرا أُبي (فَزِعَت)، وقرئت (وَجَلَتْ) البحر المحيط ٤ /٤٥٧ ٢٨٧ باب الواو ﴿ويبقى وجهُ رَبِّكَ﴾ أرادَ بالوجه هنا التوجُّه إِلى الله تعالى بالأعمال الصالحةِ. وقيل لأبي عبدِ اللهِ بن الرِّضا(١) في قولِه تعالى: ﴿كلُّ شيءٍ هالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ إِنَّ الوجهَ زائدٌ، والمعنى: كلُهُ شيءٍ هالك إلا هوَ. فقالَ: سبحانَ اللّه! لقد قالوا قولاً عظيماً، إِنَّما عُني الوجهُ الذي يُؤْتَى منه، ومعناهُ كلُّ شيءٍ من أعمالِ العبادِ هالكٌ وباطلٌ إِلا ما أريدَ بهِ. وقيلَ هذا في قولِهِ: ﴿وَأَقِيموا وجوهَكُم عنْدَ كلِّ مسجدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] أي أَخْلصوا وجوهَكُم في الصلاةِ للهِ تعالى. فأرادَ بالإقامةِ تَحرِّي الاستقامة وبالوجه التوجُّهَ . وقالَ الراغبُ(٢): أرادَ بهِ الجارحَةَ واستعارَها، كقولِكَ: فعلتُ كذا بيدي. ولما كانَ الوجهُ أشرفَ ما في الإِنسانِ، وأوَّلَ ما يُستقبَلُ به ويَستقبِلُكَ به غيرُكَ، استُعملَ في مُستقبلٍ كلِّ شيءٍ وفي أشرفه ومبدئهِ، فقيلَ: فلانٌ وجهُ القومِ، كقولِكَ: رأسُهُم، وعينُهم، ووجهُ النهار: صدرُه، كقوله: ﴿وَجْهَ النّهارِ﴾ بدليلِ قولِهِ: ﴿آخِرَهُ﴾ وقالَ متممُ بنُ نُوَيرةً يرثي أخاهُ مالكاً: [من الكامل] ١٧٨٨ - من كانَ مَسروراً بمقْتَلِ مالِكٍ فليأت نسْوتنا بوجهِ نَهارٍ (٢) قولُه: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] أي قصدْتُ لعبادَتي وتوَجُّهي. والوجهُ: المقصدُ والمذهبُ. يقالُ: ذهبَ فلانٌ في وجهِ كذا، أي في ذهبٍ كذا. والجهَةُ والوِجْهَةُ بمعنىٌ، وهُما المقصدُ والمذْهَبُ. قالَ تعالى: ﴿وَلِكُلِّ وَجْهَةٌ(٤) هُوَ مُوَلِيهَا﴾ [ البقرة: ١٤٨] ومثلُه قولُه: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شرْعةٌ ومَنْهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] وواجَهْتُه: جعلتُ وَجهي تِلْقَاءَ وجهِهِ . قولُه: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أي متعْبدَّاتُه، وذلكَ أَنَّ ناساً اجْتَهدوا في أمرِ القبْلةِ في ليلٍ، ثم أصبحوا فوّجَدوا كلَّ طائفةٍ صلَّتْ إِلى جهةٍ فنزلتْ. قالَ ابنُ عرفَةً: اعلمْ أنَّ الوجوهَ كلَّها له؛ فأينما وجَهَّ أمةً محمدِنَّه بتعبُّدها فذلك الوجه له. وواجهت فلاناً: جعلتَ وجهَكَ تِلقاءَ وجههِ . (١) تقدم التعريف به في مادة (أسف). (٢) المفردات ٨٥٦. (٣) البيت في أساس البلاغة واللسان والتاج (وجه). (٤) قرأ ابن عامر (ولكلُ وجْهةٌ) إِملاء العكبري ١ / ٤٠ وقرأ أُبي (ولكلِّ قِبْلةٍ) البحر المحيط ٤٣٧/١. ٢٨٨ باب الواو والجاهُ: مقلوبٌ من الوجهِ، قالَ الراغبُ(١): لكنِ الوجهُ يقالُ في العضْو والحُظْوة والجاهُ لا يقالُ إِلا في الحظوةِ. قوله تعالى: ﴿وكان عندَ اللهِ وَجِيهاً﴾ أي ذُو جَاهِ ووجاهَةِ. ۔۔ وكذا قوله تعالى: ﴿وَجِيهاً في الدُّنيا والآخرةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] لأنَّ الناسَ يَشتركونَ في وجاهةِ الدنيا، ولا يفوزُ بوجاهةِ الآخرةِ إِلا الخُلَّصُ كالأنبياءِ ومن قاربَهم في الحُظوةِ. وعن عائشةَ: ((كانَ لعليّ وجهٌ من الناسِ حياةَ فاطمة))(٢) رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين يعني أنَّه كانَ ذا جاهٍ مدَّةً حياةٍ فاطمة الزهراءِ قد فَقَدَهُ بعدَها. وكذا والله كانَ. وفي الحديث: ((وذكَرَ فِتَنْ كوجوهِ البَقَرِ))(٣) يعني مُتَشابهةٍ، فإذا قُصِدَ التَّساوي في الأشياءِ قيلَ: كوجوهِ البقرِ. قِيلَ أخذوهُ من قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلينا﴾ [البقرة: ٧٠] وفي حديث أهلِ البيتِ: ((لا يُحِبُّنا الأحدَبُ الموجَّهُ))(٤) قال أبو العباسِ: هِو صاحبُ الحَدَبتينِ؛ واحدةٌ من الخلفِ وأُخرى من قُدّام. والمعنى: ذو الوجهين. ومنه الحديثُ الآخر: ((ذو الوجهين لا يكونُ عند اللّه وجيهاً))(٥) ويُعبَّر به عن النِّفاقِ. والكلامُ الموجَّهُ المُحتَمِلُ الأمرينِ فصاعداً. ومنه أنَّ رجلاً أعورَ عابَهُ إِنسانٌ فقال: جَعَلَ اللهُ عينَيْكَ سَوَاءٌ(٦) . يحتملُ أنه يريدُ: سواءً في السلامةِ أو في العَوَر. فهو دُعاءٌ له أو عليه. والتّوجيهُ في الشعر: الحرفُ الذي بينَ ألف التأسيس وحرفِ الرَّويِّ. فصل الواو والحاء وحد: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] أي لا ثاني له. وهذا همزته مُبْدلةٌ من واوِ الوحدةِ، وهي الانفرادُ. وهذا بخلاف أحدٍ المستعملِ في النَّفي، نحو: لا (١) المفردات ٨٥٦ . (٢) غريب ابن الجوزي ٤٥٥/٢ والنهاية ١٥٩/٥. (٣) غريب ابن الجوزي ٤٥٥/٢ والنهاية ٥ /١٥٨ والفائق ١٤٦/٣. (٤) غريب ابن الجوزي ٢ /٤٥٥ والنهاية ١٥٩/٥ والفائق ١٤٨/٣. (٥) أخرجه البخاري في المناقب إ، باب (١) حديث ٣٣٠٤، وفي الأدب، باب (٥٢) حديث ٥٧١١، ومسلم في فضائل الصحابة ٢٥٢٦ (تجدون شرّ الناس ذا الوجهين)، وانظر المجازات النبوية ٣١١. لیت عينيه سواء) (٦) لعله يشير إلى قول بشار: (خاط لي زيد قباء وتقدم البيت في مادة (حرف) برقم ٣٤٢. ٢٨٩ باب الواو أحدَ فيها. فإِنهَ همزتَه أَصليةٌ. وقد أَتقنتُ هذا في غيرِ هذا. والمفسرون يقولُون في قولِه تعالى ﴿قُلْ هَوَ اللّهُ أحدٌ﴾ أحدٌ بمعنى واحدٍ. وقالَ الأزهريُّ: الفرقُ بينَ الواحد والأحدِ في صفاتِه تعالى أنَّ الأحدَ بُنيَ لنفي مايُذكَرُ معه العَدَدُ. والواحدُ اسمٌ لِمُفْتَحِ العدِد. وتقولُ: ما أتاني من أحَدٍ، وجاءَني منهم واحدٌ، والواحد بُني علي انقطاعِ النَّظيرِ وعَوَزِ المَثَلِ، والوحيدُ بُني على الوحدَةِ والانفرادِ عن الأصحاب. وقولُه: ﴿ذَرْني ومن خَلَفْتُ وَحيداً﴾ [المدثر: ١١] من صفة المخلوق، أي خَلقْتُه مُنفرداً لا مالَ لهُ ولا ولدَ، ثم جعلتُ له ذلك. والوَحْدَةُ: الانفرادُ. قالَ بعضُهم (١): الواحدُ في الحقيقةِ هو الشيءُ الذي لا جُزْءَ له البِتَّة. ثم يُطلقُ في كلِّ موجودٍ، حتى إِنَّه ما من عددٍ إِلا ويصحُّ وصفُه بهِ؛ فيقالُ: عشرةٌ واحدةٌ، ومئةٌ واحدةٌ. قالَ: فالواحدُ لفظٌ مشتركٌ يُستعملُ في ستةٍ أوجُهُ(٢): الأوَّلُ ما كانَ واحداً في الجنس أو في النوع كقولنا: الإِنسانُ والفَرَسُ واحدٌ في الجنسِ وزيدٌ وعمٌّ واحدٌ في النوعِ. الثاني: ما كان واحداً بالاتصال؛ إِمَّا من حيثُ الخِلْقَةُ كقولك: شَخْصٌ واحدٌ، وإِمَّا من حيثُ الصّناعةُ كقولك: حِرْفَةٌ واحدةٌ . الثالث: ما كانَ واحداً لعدمٍ نظيرِهِ، إِمّا في الخِلقةِ كقولك: الشمسُ واحدةٌ، وإِمّا في دَعوى الفَضيلةِ كقولك: فلانٌ واحدُ دَهرِهِ مثلُ: نَسیجُ وحدِهِ. الرابعُ: ما كانَ واحداً لامتناعِ التَّجزيءِ فيهِ إِمَّا لصغرِهِ كالهَباءِ، وإِمَّا لصلابتهِ کالألماسٍ. الخامسُ: للمبدأ؛ إِمّا لمبدأ الأعداد كقولك: واحدٌ، اثنان، أو لمبدأ الخطّ كقولك: النقطةُ الواحدَةُ. والوَحْدَةُ في كلّها عارضَةٌ. قالَ: وإِذا وُصِفَ اللّه تعالى: بالواحد فمعناهُ أنه الذي لا يَجري عليه التَّجزيءُ ولا التكثيرُ، ولصعوبة هذه الوَحْدةِ قالَ تعالى: ﴿وإذا ذُكِرَ اللّهُ وحدَهُ اشمأَزَّتْ قلوبُ الذينَ لا (١) المفردات ٨٥٧. (٢) لم يذكر الراغب سوى خمسة أوجه ، وكذا نقله الفيروز آبادي في البصائر ٥/ ١٧٠. ٢٩٠ باب الواو يُؤمنونَ بالآخرةِ﴾ [الزمر: ٤٥]. والوَحِدُ: المُفْرُدُ، ويوصَفُ بهِ غيرُ الباري، والوَحدُ بمعناهُ. وأنشدَ للنابغة: [ من البسيط ] . ١٧٨٩ - بذي الجَليلِ، على مُسْتَأنِسٍ وَحِدٍ (١) قالَ: وَأَحدٌ مُطلقاً لا يوصَفُ بهِ غيرِ الباري تعالى. ويقالُ في المدْحِ: هو نَسیجُ وحدِهِ. وفي الدَّمِّ: عُيَيرُ وحَدِهِ، وجُحيشُ وحدهِ. فإِنْ أريد أقلّ من ذلك في الذَّمُ قيلَ: رُجيلُ وحده. وقولُهم: جليسَ وحده نُصب على الحالِ لأنه في قوَّةِ التَّكيرِ، إِذ المعنى جلسَ منْفرداً. وهو من الأسماءِ اللازمة للإِضافة إِلى المُضْمراتِ. قولُه: ﴿لَسْتُنَّ كأحَدٍ مِن النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] إِنما أُتي بأحدٍ هُنا دونَ واحدةٌ لأنَّ ((أَحَد)) نفيٌ عامٌّ للمذكَّرِ والمؤنثِ والجماعة . قبولُه: ﴿قُلْ إِنَّما أعظُكُم بواحدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] قيلَ: بأنْ تُوحِّدوا اللّه. وقيلَ: بخصلةٍ واحدةٍ. وهوَ عظّة واحدةٌ، وهي ﴿أنْ تَقوموا للهِ مَثْنِى وَفُرَادَى﴾ أي تَجْتُمعون فتذكرون أمرَ النَِِّّ. ثم ينفرِدُ كلٌّ منكُم فينظرُ في عاقبةٍ ما قالَ وما قيلَ له فيظهرُ لكم أنَّ محمد ◌َمُُّ لم يكُن به جِنَّهُ ﴿بَلْ جاءَ بَالحقِّ وَصِدَّقَ المُرْسِلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧]. و ح ش: قولُه تعالى: ﴿وإذا الوُحوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] الوحوشُ: جمعُ وحشٍ. والوَحشُ خلافُ الإِنسِ. والحيوانات التي لاخلْطَّةَ لها بالإِنسِ ولا أُنْسَ لها يقالُ لها الوحش. والوحشُ أيضاً المكانُ القَفْرُ؛ قالَ الراغبُ: يقالُ: لَقِيتُهُ بِوَحْشٍ إِصْمِتَ، أي ببلدٍ قفْرٍ. فظاهرُ هذا أنَّ بينَ هذينِ الاسمينِ لمكانٍ خالٍ غيرِ معيَّنٍ. فظاهرُ عبارةٍ غيرِهِ من أهلِ اللغة" أنَّ((وَحْش) المذكورَ هو الحيوانُ المتوحِّثُ على الأصلِ. وإِصمتُ: اسمٌ لمكانٍ بعينِهِ أضيفَ إِليهِ الوَحشُ. وأنشدوا: [ من البسيط ] ١٧٩٠ - بوَحْشِ إِصْمِتَ في أصلابها أَوَدُ(٢) ويقولون: إِنَّ إِصمتَ منقولٌ من فعلِ الأمرِ مُجرَداً من ضميرٍ بديلِ مَنْعِهِ الصرفَ، (١) تقدم برقم ٣٥، ١٠٣. (٢) عجز بيت للراعي وصدره: (أشلى سلوقية باتت وبات بها) والبيت في ديوانه ٦٩ والخزانة ٣٢٤/٧ وشرح المفصل ٢٩/١ واللسان (صمت) ومعجم البلدان (إِصمت). ٢٩١ باب الواو وفيه بحثٌ حَقَّقناهُ في غير هذا. والوحشُ: الرجلُ لا طعامَ لهُ؛ يقالُ: رجلٌ وَحْشٌ وجمعهُ أَوحاشٌ. وفي الحديثِ: ((لقد بِتْنا وَحشينٍ ما لنا طَعامٌ))(١). وتَوَحَّشَ الوَحشات للدَّواءِ، أي احْتَمى له. وفي الحديث: ((وَحْشُوا بِرِماحِهِم))(٢) أي رَمَوْا بها. وفيه أيضاً: ((لا تحْفِرَنَّ شيئاً من المعروفِ ولَو أنْ تُؤْنِسَ الوَحْشان)»(٣). يقالُ: رجلٌ وَحْشانُ، أي مُغْتَمٌّ، وجمعُه وَحاشَى، على حدٍّ عَطشانَ وعَطاشی. والوَحْشيٌّ من الإِنسانِ يُضادُّ الإِنسيَّ منه، والإِنسيُّ منه ما أقبلَ والوَحْشِيُّ مَا أَدْبَرَ . ومنه: وحشِيُّ القوسِ وإِنسيُّه أيضاً. والوَحْشِيُّ مُطلقاً ما نُسبَ إِلى الوحشِ. وتَوَحْشَ، أي صارَ كالوحشِ نحوُ تأنَّسَ، أي صارَ كالإِنسِ. و ح ي: قولُه تعالى: ﴿فَأَوحَى إِلى عبدِهِ ما أَوْحِى﴾ [النجم: ١٠]. الإيحاءُ من اللّه تعالى إِلى رُسلهِ إِمّا بواسطة ملكٍ كريمٍ، وإِمّا بكلامٍ يليقُ بجلالهِ حَسبما يشهدُ بذلك كتابُه العزيزُ. وأصلُ الوحي في اللغةِ الإِشارةُ الشريفةُ، هذا قولُ الراغبُ : وقالَ الهرويُّ: أصلُه في اللغةِ إِعلامٌ في إِخفاءٍ. قال الراغبُ (٤). ولتضمُّنِهِ مَعنى السرعةِ قيلَ: أمرٌ وحيّ، وذلكَ يكونُ بالكلامِ على سبيلِ الرمز والتعرُّضِ. وقد يكونُ بصوتٍ مجردٍ عن التركيب وبإشارة بعضِ الجوارحِ وبالكتابةِ. وقد حُمِلَ على ذلكَ قولُه: ﴿فَأَوْحِى إِلَيْهم أنْ سبِّحوا بُكْرَةً وعَشيّاً﴾ [مريم: ١١] قيلَ: رمزَ، وقيلَ: كَتبَ، وقيلَ: اعتبارٌ. وعلى هذه الوجوه المذكورة حُمل قوله: ﴿ يُوحِي بَعْضُهم إِلى بعضٍ زخْرُفَ القَولِ غُروراً﴾ [الأنعام: ١١٢]. قالَ : ويقالُ الكلمةِ الإلهيةِ التي تُلْقِى إِلى أنبيائه وأوليائهِ وُحْيٌّ، وذلكَ أضرّب حَسْبُما دَلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وما كانَ لِبَشْرٍ أنْ يُكُلِّمَهُ الله إِلا وَحياً أوْ من وراء حجابٍ أو يُرْسِلَ رَسولاً فيوحيَ بإِذنهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] ذلكَ إِمّا برسولٍ مُشاهدٍ يَرى (١) الفائق ٣ / ١٥٠ وغريب ابن الجوزي ٤٥٦/٢ والنهاية ٥/ ١٦١. (٢) الفائق ١٤٩/٣ وغريب ابن الجوزي ٢ /٤٥٦ والنهاية ١٦١/٥. (٣) النهاية ٥ / ١٦١. ( ٤) المفردات ٨٥٩. ٢٩٢ باب الواو ذاتهُ ويسمعُ كلامَه؛ كتبليغٍ جبريل عليه الصلاةُ والسلامُ للنبِيَِّّه في صورةٍ معيَّنةٍ، وإِمّا بسماعٍ كلامٍ من مُعاينةٍ كسماعٍ موسَى عليه السلام كلامَ الله، وإمّا بإلقاءٍ في الرُّوعِ كَما ذَكَر عليه الصلاةُ والسلامُ ((إِنَّ رُوحَ القدسِ نفِثَ فِي رُوعي))(١) وإِمَّا بِإِلهامٍ نحوُ: ﴿وَأَوْحَيَنْا إِلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]. وإِمّا بتسْخير نحوُ قوله تعالى: ﴿وَأَوْحِى رَبّكَ إِلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، أو بمنامٍ كقوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((انقَطَعَ الوَحْيُ وَبَقِيتِ المُبَشِّرَاتُ رؤيا المؤمن))(٢). قال: فالإِلهامُ والتَّسخيرُ والنَّومُ دَلَّ عليه قوله: ﴿إِلا وحياً أو من وراء حجاب﴾، وتبليغُ جبريلَ في صورةٍ مُعيَّةٍ دَلَّ عليهِ قولُه تعالى: ﴿أَوْ يُرسِلَ رَسُولاً﴾ انتهى، يعني: أنَّ الوحي يقعُ على أوجهٍ أحدُها: الوحيُ من الله لأنبيائه على لسان مَلَكٍ أو من غيرِ مَلَكٍ، وهذا الوحيُ الخاصُّ لا يُشركُ الأنبياءَ فيه غيرهُم من الشرِ، وقد وقَعَ لنبيّنا محمدٍلَّه على: أوجهٍ حَسْبَما هو مذكور عنه عليه الصلاةُ والسلامُ في الأحاديثِ المشهورة. وثانيها أنْ يكونَ إِلهاماً. وثالثُها أنْ يكونَ إِشارة. ورابعُها أن يكونَ كتابَةً، قيلَ: خَطَّ لهم في الأرضِ: ﴿سَبِّحوا بُكرَةٌ وعَشِيًّا﴾. وخامسُها أنْ يكونَ بالقهرِ والتَّسخيرِ. وسادِسُها أن يكونَ أمراً: ﴿وإِذْ أَوْ حَيْتُ إِلى الحوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] أي أَمَرْتُهم. وهل ذلك بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز؟ يجوزُ الأمران. والمُرجَّحُ عند الأصوليينَ أنه إِذا دارَ الأمر بينَ الاشتراكِ وبينَ الحقيقةِ والمجاز فالثاني أولى. وقيلَ: بالعكس. ويقالُ: وَحى وأَوْحَى بمعنى وومى وأَوْمى. وأنشدَ للعجاج: [من الرجز] ١٧٩١ - وَحَى لها القرارَ فاسْتَقَرَّت (٣). وقولُه تعالى: ﴿وإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيوحونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي يُوصِلون ذلك بالوَسْوَسَةِ. وهذا كما أشارَ إِليه بقوله تعالى: ﴿الذي يوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناسِ﴾ [الناس: ٥] وقد يُطلقُ الإِيحاءُ على أصواتِ الحيواناتِ غيرَ الأناسيِّ. وأنشدَ (١) تقدم في مادة (نفث، لهم) . (٢) أخرجه البخاري في الشهادات ،باب (٥) حديث ٢٤٩٨. (٣) الرجز في ديوانه ١ /٤٠٨ واللسان والتاج (وحي) . ٢٩٣ باب الواو عَلقمةً : [ من البسيط ] ١٧٩٢ - يوُحي إليها بإنقاضٍ وَنقتَقةٍ كما تَرَاطَنَ في أفدائها الرُّومُ(١) والوَحا بفتحِ الواوِ والحاء: السرعةُ، ومنه الحديثُ: ((الوَحَا الوَحَا))(٢) قالَ الهرويُّ: والفعلُ منه تَوَحَّيتُّ تَوَحَّيَاً. قلتُ: فيكونُ هذا مصدراً على حذف الزوائد . فصل الواو والدال وده: قولُه تعالى: ﴿وهو الغَفورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] هو المحبّ لعباده. قلتُ: ومَعنى محبة الله لعباده ومحبَّتِهم له قد تقدَّمَتْ في مادة الحبِّ لا على ما يخطّرُ ببال الجهلة. ولذلك قالَ الراغبُ(٣): فالوَدود يتضمَّنُ ما دخَلَ في قولِهِ: ﴿فَسْوْفَ يَأْتِي اللـهَ بقوْمٍ يُحِبُّهُمُ ويحبُّونه﴾ [المائدة: ٥٤]. وقالَ بعضُهم: مودَّةُ الله لعبادهِ هي مُراعاتُه لَهُم. رُويَ أنَّه تعالى قال لموسى: أنا لا أَغْفَلُ عن الصَّغِيرِ لصغرِهِ، ولا عن الكبير لكبرهِ، فأنا الوَدُودُ الشَّكُوُر. قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحمنُ وُدَّا(٤)﴾ [مريم: ٩٦] أي محبةً من خلقه لهم. رُويَ ((أنَّ اللّه تعالى إِذا أحبُّ عبداً نادى مناد في السماءِ ثم في الأرضِ ثم يوضعُ له القبولُ في السماءِ))(٥) . الحديثِ. والوُدُّ: محبَّةُ الشيءٍ وتَمِنِّي كونِه. قالَ الراغبُ: وَيُستعملُ في كلَّ من المعنيين، على أنَّ التَّمني يتضمَّنُ معنى الوُدِّ، لأنَّ التمنى هو تَشِهِّي حصولٍ ما توَدُّهُ. فقولهُ: ﴿وجعلَ بَيْتَكُم مَوَدَّةٌ ﴾ [الروم: ٢١] إِشارةٌ إِلى ما وقَعَ بينَهُم من الأُلفَةِ المشارِ إِليها بقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما في الأرضِ جميعاً ما ألَّفْتَ بينَ قُلوبِهِمْ ولكنَّ اللَّه أَلْفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. ومنَ المودَّة التي تَقتَضي المحبَّةَ قولُه تعالى: ﴿لا أسْألُكُم عليه أجراً إِلا الموَدَّةَ(٦) (١) ديوانه ٦٢ واللان (وحي) . (٢) الفائق ٢٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /٤٥٧ والنهاية ١٦٣/٥. (٣) المفردات ٨٦٠. (٤) قرأ أبو الحرث الحنفي (وداً)، وقرأ جناح بن حبيش (وِدَاً) البحر المحيط ٢٢١/٦. (٥) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب (٦) حديث ٣٠٣٧، ومسلم في البر والصلة ٢٦٣٧. (٦) قرأ زيد بن علي (مودّةٌ) البحر المحيط ٥١٦/٧. ٢٩٤ باب الواو في القُرْبِى﴾ [الشورى: ٣٣]. ومن المودَّةِ التي تَقْتَضي معنى التَّمِنِّي: ﴿يَوَدُّ أحدُهُم لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦] ﴿وَدُّوا لَوْتُدْهِنُ﴾ [القلم: ٩]. قوله: ﴿ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًا(١)﴾ [نوح: ٢٣] هو صنَمٌ مشهورٌ. قيلَ: سُمِّي بذلك إِمّا لمودَّتِهِم له وإِمّا لا اعتقادِهِم أنَّ بينَه وبين الباري مودَّةً، تعالى عمّا يقولون عُلُوَّاً كبيراً. والوَدُّ - بفتح الواوٍ - وقد تُقدَّمَ أنَّ أُدْغِمَ. وقالَ الراغبُ (٢): يصحُ أن يكونَ وَتِداً فَأُدْغِمَ، وأَنْ يكونَ لتعليقِ ما يُشدُّ بِهِ أو لِثُبوتِهِ في مكانهِ، فَتُصوِّرَ منه مَعْنى المودَّةِ الملازمةِ، يعني فتكونُ الدالان أصليتين من هذه المادّة. ودع: قولُه تعالى: ﴿ما ودِّعَكَ رَبِّك وما قَلَى﴾ [الضحى: ٣] أي ما تركَكَ وما خَلَّكَ، من توديعِ المسافرِ. قيل: والتَّوديعُ أصلُه من الدَّعَةِ، وهي خَفِضُ العيشِ وَرَفاهيتُه، وذلك أنه يدعو للمسافرِ أنْ يتحمّلَ الله عنهُ كآبةَ السفرِ، وأن يُبْلِغَه الدَّعَةَ. كما أنَّ التسليمَ دعاءٌ لهُ بالسلامةِ، ثم صارَ ذلك متعارَفَاً في تشييع المسافر وتركهِ . وودَّعْتُ فُلاناً، أي خَلَيْتُه. ويعبَّرُ بالوداعِ عن الموتِ. وعليه حُملَ قولُ الشاعرِ: [ من الكامل] ١٧٩٣- وَدَّعتُ نَفسي ساعةَ التَّوديعِ(٣). وعن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ أي ما قطَعَك مذ أَرْسلك. قال: وسُمِّي الوداعُ وداعاً لأنه فراقٌ ومُتَارِكةٌ. وفي الحديثِ: ((غَيْرَ مُودَّعٍ رَبِّي ولا مكفورٍ))(٤). وقرئً ((ما وَدَعَكَ))(٥) مخففُ الدالِ، وهو من التَركِ أيضاً. ولا يُستعملُ منه - في المشهورِ - ماضٍ ولا اسمُ فاعلٍ بلِ الأمرُ والمضارعُ، نحو: دَعْ هذا، وتَدَعُه. وقد جاءَ الماضي كهذهِ القراءة. وأنشدوا: [من الرمل] (١) قرأ عاصم ونافع وشيبة وشعبة (وُدّاً) النشر ٣٩١/٢ والإتحاف ٤٢٥. (٢) المفردات ٨٦١. (٣) الشطر في المفردات ٨٦١ بلانسبة . (٤) غريب ابن الجوزي: ٤٥٨/٢ والنهاية ١٦٨/٥. (٥) هي قراءة عروة بن الزبير وهشام بن عروة وابن عباس وابن أبي عبلة. البحر المحيط ٤٨٥/٨ . ٢٩٥ باب الواو ١٧٩٤ - سَلْ أَميرِي ما الذي غيِّرَهُ عَن وِصالي اليَوْمَ حتَّى وَدَعَهْ﴾(١) وقالَ آخَرُ: [من الرمل] ١٧٩٥ - ليتَ شِعْري عن خَليلي ما الذي غالَهُ في الحبِّ حتَّى وَدَعَهْ؟(٢) وفي الحديث: ((لَيَنْتَهِيَنَّ الناسُ عن ودْعِهِم الجمعات أو لَيَخْتِمَنَّ اللّه عَلى قلوبهم))(٢). فالوَدْعُ هنا مصدرٌ. ويُحكى أنَّ شَمِراً قال: زعمتِ النحويَّةُ أنَّ العربَ أماتُوا مصدَرَهُ وماضيه، والنبِيُّنَّه أفصحُ. قلتُ: أمَّا فصاحتُه وأنَّه أفصح فلا نزاعَ فيه، ولكنْ يجوزُ أن يكون رُوي حديثه بالمعنی قولُه: ﴿فَمُسْتَقَرِّ ومُسْتَوْدَعٌ (٤)﴾ [الأنعام: ٩٨] قد تقدُّم أنَّ المستودَعَ الأرحامُ أو الأرضُ في مادةِ (ق رر). وتقدُّم قولُ العباسِ رضي اللّه تعالى عنه يمدَحُ نبيَّنا محمداًحمالي: [من البسيط ] مُسْتَوْدَعِ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ(٥) ١٧٩٦- من قَبْلِها طِبْتَ في الظّلالِ وَفي والوديعةُ: ما استحفَظَها صاحبُها عندَ غيرهِ. يقالُ: أَوْدَعَه إِبداعاً، وذلك المُودَعُ وديعةً. ويعبَّر بها عن العهد، ومنه حديثُ طَهْفَةَ: ((لكُمْ يا بَنِي نَهْدٍ ودائعُ الشِّركِ))(٦) أي عهودُ الجاهلية. وتوادَعَ الفريقان، أي تعاهدوا. ومنه الموادَعَةُ، أي المُعاهدةُ. وقيل: المُتاركَةُ، وهما متقاربان، لأنَّ كلاًّ من الفريقينِ يُعْطِي الآخَرَ عَهداً أنْ يتركَه ولا يقاتَلَهُ. قالَ القتيبيُّ: أعطيتُهُ وَديعاً. فعلى هذ تكونُ الودائعُ في حديثٍ طَهِفَةً جَمعاً لوديعٍ. والتَّوديعُ: أن تجعَلَ ثوباً فوقَ ثوبٍ آخر وقايةٌ لُهُ. وفي الحديث: ((فلمَّا انصرَفَ دَعا له (١) البيت لسويد بن أبي كاهل في اللسان (ودع)، ولأنس بن أبي أنس الليثي في حماسة البحتري ٢٥٩ ، ولأبي الأسود الدؤلي في عيون الأخبار ٣ / ١٧٥ والخصائص ٩٩/١. (٢) البيت لأبي الأسود الدؤلي في الإنصاف ٤٨٥ والخصائص ٩٩/١ والخزانة ١٥٠/٥ (هارون) ولأنس ابن زنيم في حماسة البحتري ٢٥٩ والخزانة ٦ /٤٧١ ، ولهما معاً في اللسان (ودة). (٣) مسند أحمد ٢٣٩/١. (٤) قرأ أبو عمرو وهارون الأعور (ومستودع ٩ البحر المحيط ٤ /١٨٨. (٥ ) تقدم برقم ٤٤٦ . (٦) غريب ابن الجوزي ٢ /٤٥٩! كالفائق ٥/٢ والنهاية ١٦٧/٥. ٢٩٦ -.. باب الواو بثوبٍ فقالَ: تَوَدُّعْ بهذا خَلقَك))(١). ود ق: قولُه تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ﴾ [النور: ٤٣] الوَدْقُ: المظْرُ، الواحدةُ وَدْقَةٌ. وقيلَ: الوَدْقُ ما يكونُ خلالَ المطرِ كأنه غبارٌ. وقد يُعبَّرُ بهِ عن المطرِ. والوَديقةُ: ما تَبدو كالْهَباءِ عندَ شدَّةً الحرِّ. وَدَقَتِ الدبَّةُ واسْتَوْدَقَتْ، وأتانٌ وَدِيقٌ وَوَدوقٌ: اشْتَهتِ الفجلَ. وذلك على الَّشبيه لما ظهرَّ مِن رَّطوبةِ الفَرْجِ عندَ إِرادةِ الفحلِ . والمَوْدِقُ: المكانُ الْنَازِلُ منهُ الوَدَقُ. وقولُ الشاعر: [ من الطويل] ١٧٩٧ - تُعَفِّي بِذَيلِ المِرْطِ إِذْ جئتُ مَوْدِقي(٢) :استعارةٌ وتَشبيهٌ لموطئٍ القدمِ بأثرِ المطرِ. وفي حديثٍ إِغراقٍ فرعون: ((فَتمثَّلَّ لُهُ جبريلُ على فرسٍ وديقٍ))(٢) أي مُشْتهية للفحلِ كما مرَّ؛ وذلك أنَّ فرعونَ كان راكباً حصاناً فتبحَ الرمکةً في البحرِ. و د ي: قولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ بالوادِ المقدَّسِ﴾ [طه: ١٢] الوادي اسمُ فاعلٍ من وَدَى يَدِيّ: إِذا سالَ وَدْياً، فهو وادٍ. ثم أطلقَ على المكانِ الذي يجتمعُ فيهِ الماءُ ويسيلُ. فالوادِي هو الماءُ، وسُمِّي مكانُه باسمهِ مَجازاً للمجاورة، عكسُ تسميتهم الماءَ باسمٍ مكانه في قولهم: نهرٌ، كما تقدَّمَ تقريرُه. وقيلَ: الوادي: المَفْرَجُ بِينَ الجبلينِ الذي يسيلَ فيهِ الماءُ. ثم أُطلقَ على كلِّ مَفْرِجٍ بِيْنَ جِبلينٍ وإِنْ لم يسِلْ فِيهِ ماءٌ. وعلى كلِّ ما يسيلُ فيه الماءُ وإِنْ لم يكنْ مَفْرجاً بينَ الجبلينِ اتساعاً. ويُجمعُ على أوديةٍ، وليسَّ بقياسٍ، ولكنَّه فصُحَ استعمالاً لقوله تعالى: ﴿فِسالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ [الرعد: ١٧] وذلكَ نحوُ: نادٍ وأندية، وناجٍ. وأَنْجيةٍ. وقد جُمع على ودَّاءٍ أيضاً؛ قالَهُ جريرٌ وأنشَدَ : [ من الوافر]. ١٧٩٨ - غرَفْتُ بِبُرِقَةِ الودّاءِ رَسْماً مُحِيلاً طَالَ عِهِدُكَ مِن رُسَوْمٍ (٤) (١) النهاية ٧/٦/٥ وغريب ابن الجوزي ٩/٢ ج٤. (٢) عجز بيت لامرئ هلقيس في ديوانه ١٧١ وصدره: (دخلت على بيضاء جمعظامها.) (٣) الفائق ٢٨٩/٢ وغريب ابن الجوسي ٤٥٩/٢ والنهاية ١٦٨/٥. (٤) ديوان جرير ٤٩٤ واللسان (ودي) والتاج (برق) . ٢٩٧ باب الواو ويعبّرُ بالوادي عن المذهب والطريقة؛ ومنه قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أنَّهم في كلِّ وادٍ يَهيمونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] أي في فنونِ الكلامِ من مقالٍ في مدحٍ وَهَجْوٍ وغزَلٍ ونَسيبٍ. وما أحسَنَ قوله: ﴿يَهِيمون﴾ معَ قولِه: ﴿في كلِّ وادٍ﴾. ومنه قولُه: أنا في وادٍ وأنتَ في وادٍ. وتقولُ العلماءُ: هُما من وادٍ واحدٍ. وكُتَّ عن ماءِ الفحلِ عندَ المداعبةِ وعندَ البولِ بالوَدْي، فيقالُ: أَوْدَى نحوُ أَمْذى وأَمْنى. وأَوداهُ: أَهلكَهُ، تصوَّراً أنه أسالَ دمَهُ، وأنشدَ: [ من الكامل] عندَ الرُّقَادِ وعَيرَهُ مَا تَقْلَعُ (١) ١٧٩٩ - أَوْدَى بَنِيَّ وأَوْدَعوني حَسْرةٌ وسُمِيت ديَةُ القتيل لهلاك صاحبها. ثم تُطلقُ الدِّيَةُ على المالِ المُعطَّى من إِلٍ ودنانيرَ ونحوهما، فيقالُ: وَدَيْتُ القتيلَ دِيَةٌ، أي أعطيتُ ديتَه. قولُه: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أهله﴾ [النساء: ٩٢] وإنَّما تُوصَفُ بذلك الأموالُ. والوَدِيُّ: صِغارُ الفَسيل، أي النَّخل، واحدُهُ وَدْيَةٌ من ذلك. قيلَ: اعتباراً بسيلانِه في الطُولِ. ومن كلامٍ أبي هريرةَ: ((لم يكُنْ يَشْغَلُني عنهَِّ غَرْسُ الوَدِيِّ))(٢) أي كنتُ ملازِمَه بخلافِ غرس من يشتغلُ عنهُ. فصل الواو والذال وذر: قولُه تعالى: ﴿وَيَذَرهم(٣) فِي طُغيانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ [الأعراف: ١٨٦] أي يَتْرُكُهم. ولم يُسْتعملْ منه ماضٍ ولا مصدرٌ. وقد سُمِعَ الوَذَرُ مصدراً. وهو شاذٌّ كالوَرَع. وقيلَ: أصلُ ذلك من القَذْفِ. يقالُ: فلانٌ يَذَرُ الشيءَ، أي يقذفُه لقلَّةِ اعتداده به. فمعنى قوله تعالی: ﴿ ثم ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] أي اقذفھم والقھم واتْرُڭھُم فلا اعْتداد بهم وعدم مبالاةٍ. ومن ذلك الوَذرَةُ: وهي قطعةُ لحمٍ صَغيرةٍ سُميتْ بذلك لقلَّةِ الاعتداد بها، والجمعُ وذْرٌ. ومنه أنَّ رجلاً رُفِعَ إِلى عثمانَ رضي اللَّهُ تعالى عنه قالَ لَآخَرَ: ((يا بنَ شامَّةِ الوَذْر))(٤) (١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في ديوان الهذليين ٢ / ١ وشرح شواهد المغني ١ /٢٦٢ والمقاصد النحوية ٤٩٨/٣ واللسان (عقب ). (٢) الفائق ١٥٣/٣ والنهابة ٠٠١٧٠/٥ (٣) قرأ حمزة والكسائي والأعمش وخلف ( ويَذَرْهم)، وقرأ نافع وابن كثير والحسن وقتادة (ونَذَرُهم) الإتحاف ٢٣٣ والنشر ٢٧٣/٢، وقرأ نافع وخارجة (ونَذَرْهم) البحر المحيط ٤ /٤٣٣. (٤) الفائق ١٥٤/٣ ووالنهاية ٥ /١٧٠ وغريب ابن الجوزي ٤٦٠/٢. ٢٩٨ باب الواو قال أبو عبيدةَ: هي كلمةٌ معناها القَذْف، وإِنَّما أرادَ: يا بَن شامَّة المذاكيرِ، كُنَّى بذلك عن الكُمَراتِ، أي أنها تَشَمُّ كَمَراً مُختلفةٌ. والوَذِرَةُ والمَذِرَةُ بمعنى واحدٍ. وفي الحديث: ((فأتينا بثريدةٍ كَثيرةِ الوَذْرِ)) (١) أي قطّعِ اللحم. وفي حديثٍ أمِّ زَرْعٍ ((فإِنِي أخافُ أَلا أَذَرُ))(٢) قال أحمدُ بنُ عبيد: معناهُ أخافُ ألا أقدِرَ على فراقهِ لأنَّ لي منه أولاداً. وقالَ يعقوبُ: مَعناهُ: ألاّ أَذَرَ صفتَه ولا أَقَطْعَها من طولِها والله أعلم. فصل الواو والراء. ورث : قولُه تعالى: ﴿إِنّا نحِنُ نَرِثُ الأرْضَ﴾ [مريم: ٤٠] أي تَنْتَقِلُ إِلينا بما عَليهاممّا كانَ بأيدي الناسِ. وهذا على ما يَتَفاهمونَه. وإلا فالباري تعالى لم يَزَلْ مَلكوتُ السماوات والأرضِ بيده. قالَ بعضُهم: وصفَ اللّهُ تعالى نفسَه بأنه الوارِثُ من حيثُ إِنَّ الأشياءَ كلَّها. صائرةٌ إِليه . وقد رُوِيَ أنه يُنادى منادٍ: لِمَنِ المُلْكُ اليومَ؟ فيجابُ بأنَّه لله الواحد القهار، كما صرَّحتْ بهِ الآيةُ الكريمةُ . وأصلُ الوراثة انتقالُ قُنِيةٍ إِليكَ من غيرِكَ، من غيرِ عَقْدٍ ولا جارٍ مَجْرِى العَقْدِ. ثم تُطلقُ الوراثةُ والإِرثُ على نَفْسَ المالِ المُنْتَقل عن المَيِّتِ، ويقالُ لها ميراثٌ وإِرْثٌ وَتُرَاتٌ، كقوله تعالى: ﴿وَتَأكلون التّراثَ أَكْلاً لَمّاً﴾ [الفجر: ١٩] وأصلُه وُراتٌ، فَأُبدلّتِ الواوُ تاءً على حدٍّ إِبدالِها منها في تُخمة وتُكاة. والإِرْتُ: الأصلُ، ومنه قولُهُلَّه؛ اثْبُتُوا على مَشاعرٍكم فإِنّ على إِرثِ أبيكُم))(٣). ومنه قولُ الشاعرِ: [من المتقارب] ط فيهِنَّ إِرْثُ كتابٍ مُحيّ(٤) ١٨٠٠- فَيَنْظُرُ في صُحف کالرِبا (١) الفائق ٢ / ١٣١ والنهاية ١٧٠/٥ وغريب ابن الجوزي ٤٦٠/٢. (٢) أخرجه البخاري في النكاح ٤٨٩٣ ومسلم في فضائل الصحابة ٢٤٤٨ (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ١ / ٤٦٢، وانظر عارضة الأحوذي ١١٥/٤. (٤) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في ديوان الهذليين ١ /٦٥ وشرح أشعار الهذليين ١ /٩٩. : ٢٩٩ باب الواو ويتعدّى وَرِثَ بنفسهِ لواحدٍ، فإِذا دخلتْ عليه الهمزةُ أكسبتْه آخَرَ؛ قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُليمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. ويعبَّرُ بالإرث عن حُصولِ الأشياءِ بلا تعبٍ. ويقالُ لكلٍّ من خُوِّلَ شَيئاً مُهَنَّاً أُورِثَ، وما وصلَ إِليهِ إِرْتَ. قالَ تعالى: ﴿تِلْكَ الجنَّةُ التي نُورِثُ(١) من عبادنا من كانَ تَقِيَّأْ﴾ [مريم: ٦٣]. وقيلَ: إِنَّ تلك المنازلَ كانَتْ لقومٍ من الكفّارِ، فَأَوْرَثَها اللَّهُ الأتقياءَ لِسَبْقِ الشَّقاوةِ لأولئك السَّعادةِ لهؤلاءٍ. وقد وَرَدَ في ذلك حديثٌ. والإِرثُ قد يكونُ بمعنى البقاءِ، ومنه الحديثُ: ((مَتِّعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي واجْعَلْه الوارِثَ مِنِّي))(٢) أي الباقي. وقالَ ابنُ شميلٍ: أي أَبْقِهما مَعي حتى أموتَ، ونقَلَ الهرويُّ عن غيرهِ: إِنه أراد بالسَّمْعِ وَعْيَ ما يسمعُ والعملَ به، وبالبصَرِ الاعتبار بما يَرى من صفاته جلَّ وعزَّ. الوارثُ هو الباقي بعدَ فناءِ خلقهٍ. فيجوزُ أنَّه أرادَ بقاءَ السمع والبصرِ وقُوَّتهما عندَ الكبرِ وانحلالِ القُوى النَّفسانية، ويكونُ السَّمعُ والبصرُ وارئَيْ سائرِ القُوى والباقيينِ بعدَها. وَرَدَّ الهاءَ إِلى الإِمتاعِ، ولذلكَ وحَّدَها بمعنى أنَّه أعادَ الضَّمِيرَ مُفرداً وإِنْ تقدَّمَ شيئان اعتباراً بالمصدرِ المَدلولِ عليه الفعلُ. قولُه تعالى: ﴿ولياً يَرِثُنِي وَيَرِثُ (٢) من آلٍ يَعْقوبَ﴾ [مريم: ٦] أي يرثُ العلمَ والنِّبوَّةَ؛ تمَنَّى بقاءَ العلمِ والنبوَّةِ في عَقْبِهِ؛ فإِنَّ الأنبياءَ لا يُورِّثونَه، إِنَّما يُورٌّثون العلمَ، لأنَّهم لا يُعرفون به ولا يَقْتَنَونَه إِلا بقدْرِ ما تَدفَعُ الحاجَةُ، ولا يتنافسون فيه بل يَنْهَون عن الاستكثارِ منهُ، وعنِ الاشتغالِ به عمّا الإِنسانُ بصَدَدِهِ من الأمورِ الأُخْرَوِيَّةِ، ويَزْمدون في الدُّنْيا ويَرْغبون في الآخرةِ. فكيفَ يَتَمنُّون أنْ يُورثوا غيرَهُمُ ذلك؟ وقد قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((نحنُ معاشِرَ الأنبياءِ لا تُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صدَقَةٌ))(٤). وقولُه عليه الصلاةُ (١) قرأ أبو عمرو والحسن والأعرج وقتادة (نُوَرِّثُ) الإتحاف ٣٠٠ والنشر ٣١٨/٢، وقرأ الأعمش (نُورِثُها) البحر المحيط ٢٠٢/٦. (٢) النهاية ٥ / ١٧٢ وغريب ابن الجوزي ٢/ ٤٦٢. (٣) قرأ أبو عمرو والكسائي والأعمش وطلحة وقتادة وابن محيصن وابن وثاب (يرثْني ويرثْ) النشر ٣١٧/٢ والسبعة ٤١٧، وقرأ ابن عباس والحسن وقتادة وأبو نهيك (يُرُثني وأرِثْ) ، وقرأ الجحدري وابن عباس والحسن وقتادة وأبو نهيك (يرثني وارثٌ) البحر المحيط ٦ /٢٠٢ والكشاف ٥٠٣/٢. (٤) أخرجه البخاري في الخمس ، باب (١) حديث ٢٩٢٧،٢٩٢٦ ومسلم في الجهاد ١٧٥٩. ٢٠٠ باب الواو والسلامُ: ((العُلماءُ وَرَثَةُ الأنبياء))(١) إِشارةٌ إِلى ما يوَرِّثونَه من العلم، والتقديرُ عليهِ والأمرُ بهِ دونَ إِحداثِ شَريعةٍ أخرى. وفي قوله: ((الأنبياء) دقيقةٌ، وذلك أنَّ شأنَ النبيَُِّّ أنْ يقرِّرَ شريعةً من تقدَّمَه من الرسُلِ، ويحملَ الناسَ عليها من غير تشريع جديد بخلاف الرَّسولِ فإِنه يأتي بشريعةٍ أُخرى غيرِ التي كانتْ لِمَن قبلَهِ. فلذلكَ قالَ ((وَرَثَةُ الأنبياء)) ولم يَقُلْ: ((وَرَثَةُ الرَّسُلِ)) فَإِنْ كلَّ رسولٍ نَبِيِّ من غيرِ عكسٍ. وقالَ عليه الصلاة والسلامٍ لابنِ عمَّهُ عليّ: ((أنتَ أَخي ووارثي. قالَّ: وما أَرِثُكَ؟ قالَ: ما ورَّثَتِ الأنبياءُ قَبلي؛ كتابَ اللّه وسُنَّتي))(٢) وناهيكَ بهاتينِ المَنْقَبِيتِنِ لأميرٍ المؤمنينَ لو لم يكنْ غيرُها لكِفَتَاهُ فَخْراً. قولُه: ﴿ أَنَّ الأرضَ يَرِثُها عبادي الصالحون ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي يتمكِّنُون فيها فيكونونَ كما أَخبرَ عنهم ﴿الذينَ إِنْ مكَّنَّاهُم في الأرضِ أقامُوا الصَّلاة وَآتَوا الزَّكاةَ وأمروا بالمعروفِ ونَهَوا عن المُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] لأنَّهم يَتَكَبَّرُون على أَهلها ويَرِثُونَ عنهم أموالَها وخراجَها، ويُضيِّقُون عليهم مَسَالِكَها ومَساكِنَها، ويُخيفون سُبُلَها. قالَ بعضُهم في هذه الآية: الوراثةُ الحقيقيةُ أنْ يحصلَ للإِنسانِ شيءٌ لا يكونُ عليهِ ولا فِيهِ تَبعَةٌ ولا عَليهِ مُحاسَبَةٌ. وعبادُ اللّه الصالحون لا يَتَنَاولونَ شيئاً من الدنيا إلا بقدر ما يجبُ، وعلى الوجه الذي يجبُ. ومن تناول الدنيا. على هذا الوجه لايُحاسَبُ عليه ولا يُعاقَبُ، بل يكونُ ذلك عَفْواً صفْواً. كما رويَ: ((من حاسَبَ نفسَه في الدُّنيا لم يجَاسِيُّهُ اللَّهُ في الآخرةِ))(٣). و ر د: قولُه تعالى: ﴿ولمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]. أصلُ الورود قصدُ الماءِ، ثم يُستعملُ في غيرهِ اتِّساعاً، قال تعالى: ﴿فأوردهم النار﴾ [هود: ٩٨]. وقالَ: ﴿وإِنْ مِنْكم إِلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]. والورودُ: الماءُ المرشّحُ للورودِ. وقيلَ في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ منكُمْ إِلا وارِدُها﴾ أي حاضِرُها وإِنْ لم يَشْرِعْ فيها. وقيلَ: يَقْتَضي ذلكَ الشُّرِوعَ إلا (١) معارضة الأحوذي ١٥٥/١٠ (٢) قال السيوطي في اللآلي المصنوعة ١ /٣٢٤ ((إِنه موضوع)) وكذا ابن الجوزي في الموضوعات ٠٣٤٦/١ (٣) تقدم الحديث في مادة (حسب) وعن عمر بن الخطاب قال: ((إِنما يخفّ الحساب يوم القيامة على .. من حاسب نفسه في الدنيا)) أخرجه الترمذي. انظر عارضة الأحوذي ٢٨٢/٩ والزهد لأحمد ١٤٩.