Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ باب التون ناذرٍ واعدٌ. وليسَ كلُّ واعد ناذراً. وهذا إِنْ كانَ من حيثُ اللغةُ فليس كذلكَ، إِذِ النَّذْرُ التزامٌ، وإِنْ كانَ شرعاً فكذلك. وإنَّما هو قسمان: نَذْرُ لجاجٍ ونَذْرُ تَبِرَّرٍ، سواءٌ وجدتَ فيهِ أداةَ شرطٍ أم لا. قالَ الراغبُ: النَّذْرُ أن توجِبَ على نفسِك ما ليسَ بواجبٍ لحدوثِ أمرٍ. يقالُ: نَذَرْتُ لله نَذْراً. وفي الحديث: ((أنَّ عمرَ وعثمانَ قَضيا في المِلْطاةِ بنصفِ نَذْرِ المُوضِحَةِ))(١). النَّذْرُ: أَرْشُ الجراحة بلغة الحجازِ. ويقالُ: نَذَرَ يَنْذِرُ وينذُرُ، بكسر عينِ المضارع وضمِّها. ولا منافاةَ بينَ قولِهِ تعالى ﴿يوفونَ بالنَّذْرِ﴾ وبين قوله عليه الصلاةُ والسلام: ((النَّذْرُ لا يأتي بخيرٍ)) وإنَّما يُستخرجُ به من مالِ البخيل))(٢) لأنَّ الله تعالى أخبرَ عنهم أنَّهم إِذا التزموا شيئاً وَفَوا به، يعني إِنْ صدرَ ذلكَ منهم لم يُفَرِّطُوا فيه، وليسَ فيه مدحُهم بفعلهم النذرَ بل بوفائه. والحديثُ النبويُّ إِنما هو في النَّذْرِ لا في وفائهِ. فاختلفت الجهاتُ. وقيل: النَّذْرُ الذي في الآية نذرُ التَُّرِّر والذي في الحديث نذرُ اللَّجاجِ والغَصب. فصل النون والزاي ن زع: قولُه تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما في صدورِهم مِن غِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣] أي أَزلنا وشفينا صدورَهم من ذلك. وأصلُ النزعِ جذبُ الأشياءِ من مقارها بقوةٍ. وحقيقتُه في الأجرامِ، هو تزعُ القوسِ عنِ كبدِهِ: ﴿ونَزَعْنا من كلِّ أمةٍ شَهِيداً﴾ [القصص: ٧٥] ثم يستعملُ في المعاني مجازاً نحو ﴿ونَزَعْنا ما في صُدورِهِم مِن غِلٌّ﴾. وقولُه تعالى: ﴿والنّازِعاتِ﴾ [النازعات: ١] أي الملائكة التي تنزعُ الأرواحَ عن الأشباح. قيلَ: تنزعُ أرواحَ الكفَرةِ إِغراقاً، ((فغَرْقاً)) مصدرٌ على حذف الزوائد، كما يغرقُ النازعُ في القوسِ. وقيلَ: المرادُ بالنازعاِ غَرْقاً القِسيُّ. ﴿والناشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات: ٢] الإرهاقُ. قولُه: ﴿وَنَزَعَ يِدَّهُ﴾ [الأعراف: ١٠٨] أي أخرجها بسرعةٍ. قولهُ: ﴿فلا يُنازِعُنَّك(١)﴾ [الحج: ٦٧] المنازعةُ: المجادلةُ، لأنَّ كلاً من المتجادلين ينزعُ صاحبه (١) الفائق ٤٩/٣ والنهاية ٣٩/٥ وغريب ابن الجوزي ٤٠٠/٢. (٢) أخرجه البخاري في القدر، باب (٥) حديث ٦٢٣٥، وأعاده في الأيمان والنذور برقم ٦٣١٦، ومسلم في النذر ١٦٤٠ ( لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قد قدرته ) . ١٦٢ باب النون يُنَازِ عُنَّك (١)﴾ [الحج: ٦٧ ] المنازعةُ: المجادلةُ، لأنَّ كلاً من المتجادلين ينزعُ صاحبَه عن غرضهِ. وقيلَ: معناهُ: لا ينازِعُهم. قال أبو منصورٍ: وكذا كلٌّ فعلٍ يكونُ من اثنينٍ، بخلاف لا يضربنَّكَ فلانٌ. وقولُه: ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ [الطور: ٢٣] أي يتعاطَوْن، وتناقَلَ بعضُهم بعضاً، كأنَّ كُلاّ منهم ينزعُ الكأسَ من صاحبهِ . ! ونزع فلانٌ إِلى كذا، أي مالَ وذهبَ إِليه مُعتقداً له. ونزعَ عن كذا: كفَّ عنه. ونازعَتْه نفسُه: أَمَرَتْه وتردَّدَتْ في طلبٍ شيءٍ، قالَ الشاعرُ: [ من الوافر] تُنَازِعُني: لعلِّي أو عِساني(٢) ١٦٢٣- ولي نَفْسٌ أقولُ لها إِذا ما والنزوعُ: شدَّةُ الاشتياق. والنَّزَعتان: بياضٌ يكتنفُ الناصيةَ؛ يقالُ: رجلٌ أَنزِعُ، ولا يقالُ: امرأةٌ نزعاءُ بل زَعْراءُ، وبئرٌ نَزُوعٌ: قريبةُ القعرِ يُتناولُ منها باليد. وفي الحديث: ((لقد رأيتُني أنزعُ على قليبٍ))(٢) أي أَستقي. قالَ الشاعُرُ: [من الرجز] أكبَرٌ قد غالني أم بَيْتُ؟(٤) ١٦٢٤ - مالي إِذا أُنزِعُها صائتٌ وشرابٌ طيبُ المَنْزِعَةِ، أي المقطعِ، كقوله: ﴿ختامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] وفي الحديث: ((ما لي أنازَعُ القرآنَ)) (٥) أي أجاذَّبُه، وذلك لمّا جَهَروا خلفَه. ومنه: «إِنَّما هِوَ عِرْقٌ نزِعَهُ))(٦) أي نزعَ شَبَهِهُ. ومنه أيضاً: ((طُوبى للغرباء، قيلَ: ومنْ هُم؟ قال: التِّرَّاعُ))(٧) أي الذينَ نَزَعوا عن أهليهم، جمعُ نَزِيعِ ونازعٍ. والنزائعُ: الغرائبُ منَ الإِبل، ومنه حديث ظَبْيان ((أنَّ قبائلَ من الأزْدِ نَتَّجوا فيها (١) قرأ أبو مجلز (يَنْزِعُنَّكَ) وقرئت (يُنازِعُنْكَ) البحر المحيط ٦ /٣٨٧ -٣٨٨. (٢) البيت لعمران بن حطان في شرح أبيات سيبويه ٥٢٤/١ والكتاب ٣٧٥/٢ والمقاصد النحوية ٢٢٩/٢، وبلا نسبة في الجنى الداني ٤٦٦ ورضف المباني ٢٤٩ والخصائص ٥/٣. (٣) غريب ابن الجوزي ٢ /٤/٠١ والنهاية ٤١/٥. (٤) الرجز دون نسبة في اللسان والتاج (بيت، صأى) وأساس البلاغة (بيت) وجمهرة اللغة ٣ / ٩١ وتهذيب اللغة ٣٣٥/١٤. (٥) مسند أحمد ٢٤٠/٢. (٦) غريب ابن الجوزي ٢ /٤٠٢ والنهاية ٤١/٥. (٧) مسند أحمد ٣٩٨/١. ١٦٣ باب النون التَّزَامُعَ))(١) لأنها نُزعت من أيدي الناس. وأنزَع القومُ: نَزَعتْ إِلُهم إِلى مواطنِهِم. ن زغ: قوله تعالى: ﴿وَإِما يَنْزَغِنَّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] أي يوسوسُ. وقال الترمذيُّ: يستخفَنَّك. يقالُ: نزغَ بهِ: استخَفُّ. وقيلَ: يفسدُ، ومنه: ﴿من بعد أنْ نَزَغَ الشَّيطانُ بيني وبين إِخْوتي﴾ [يوسف: ١٠٠] أي أفسد. وقيلَ: النزْغُ: الإغراءُ والتَّسليط. وأصلُ النزْغِ الدخولُ في الأمرِ لإفسادهِ. ن ز ف: قوله تعالى: ﴿لا يُصدَّعون عنها ولا يُنْزِفون﴾ [الواقعة: ١٩] أي لا يَسكرون. يقالُ: نُزِفَ الرجلُ يُنْزَفُ نَزْفاً، مبنياً للمفعول: ذُهبَ بعقله. ويقالُ للسكران: نَزِيفٌ ومَنْزوفّ. قالَ امرؤ القيس: [من المتقارب] ١٦٢٥ - وإِذْ هِيَ تَمشي كَمَشْي النّزيـ ـفٍ يصرعُه بالكثيبِ البِهَرْ(٢) هو مأخوذٌ من قولهم: نُزِفَ دمُه ودمْعُه، أي انتُرح. ونزفتُ ماءَ البئر، أي نزحتُه. فكأنَّ السكرانَ نُزِفَ فهمُه بسكرهِ. وقرئ ((يُنْزِفون))(٣) ومعناه: لا يَفْنى شرابُهم. يقالُ: أُنزِفَ القومُ، أي فَنِيَ شرابُهم، ومنه الحديث في زمزم: ((لا تُتْرَفُ ولا تُذَمُ))(٤). وقد تكلُّمنا على هذه الآيةباوسَعَ من هذا في ((الدر)) و((العقد)). ن زل: قولُه تعالى: ﴿نَزَلَ(٥) بِهِ الرُّوحُ الأَمينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] النزولُ: الهبوطُ من علوّ (١) غريب ابن الجوزي ٤٠٣/٢ والنهاية ٥ /٤١. (٢) ديوانه ١٥٦ والتاج (نزف) والمقاييس ٥ /٤١٦. (٣) هي قراءة نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. النشر ٢ /٣٥٧، وقرأ ابن أبي إسحاق (يَنْزِفُون) البحر المحيط ٢٠٦/٨. (٤) النهاية ٥ / ٤٢ . (٥) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم وشعبة والحسن وخلف (نَزَّلَ به الروح الأمين) الإتحاف ٣٣٤ والنشر ٣٣٦/٢، وقرئت (نُزْل) إملاء المكهري ٢/ ٩٢. ١٦٤ باب التون إِلى سَفل، هذا أصلُه. وقد يرادُ به مجردُ الحلولِ كقوله تعالى: ﴿فَإِذا نزَلَ(١) بساحَتِهم﴾ [الصافات: ١٧٧]، أي حلَّ. ويقالُ: نزلتُ بالجبلِ، وإِنْ كانَ مِن سُفْلٍ إِلى علوِّ لغلبةٍ الاستعمال، وهو عكسُ تَعَالَ؛ فإِنَّ أصلَه أنْ تَدْعُوَ مَن هو أسفلُ أنْ يُرتفِعَ إِليك. ثم كثُرَ حتى يقولَ المُستفِلُ للمرتفع: تعالَ. وأنزلتُه مكانَ كذا: جعلتُه نازلاً منهُ. قالَ تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزِلاً (٢) مُبَارَكاً﴾ [المؤمنون: ٢٩]. قالَ بعضُهم: إِنزالُ الله تعالى نِعَمَه على خَلقِه؛ أعطاهُمْ إِياها، وذلكَ إِمّا بإِنزالِ الشيءِ نفسهِ، كإِنزالِ القرآنِ. وإِمّا بإنزال أسبابه والهداية إِلیه، کإنزال الحديدِ واللباسِ ونحو ذلك. قالَ تعالى: ﴿أَنزَلَ على عبده الكتابَ﴾ [الكهف: ١] ﴿وَأَنْزَلْنا الحديدَ﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿قَدْ أَنْزِلنا عليكُمْ لِباساً يُوارِي سَوءاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]. ومن إِنزال العذاب قولُه تعالى: ﴿إِنّا مُنْزِلونَ(٣) على أهلِ هذه القريةِ رِجْزا﴾ [العنكبوت: ٣٤] قال الراغبُ(٤): والفرقُ بينَ الإِنزالِ والتَّزيلِ في وصفِ القرآنِ والملائكة أنَّ التّزيلَ يختَصُّ بالموضع الذي يُشيرُ إِلى إِنزالهِ مُتَفَرِّقاً، ومرة بعدَ أخرى، والإنزالُ عامٌّ. قلتُ: هذا الذي ذكرَه الراغبُ تبعَهُ فيهِ أبو القاسمِ الزَّمخشري، وقد اعترضْتُ عليهما بقوله تعالى: ﴿الذينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عليهِ القرآنُ جُملةٌ واحدةٍ﴾ [الفرقان: ٣٢] فإِنه أتى بصيغة (( نُزُّلَ)) مع (( جملةً)) دفعةً واحدةً من غيرِ تفريقٍ ولا تَنْجيم. وقد نقَّحنا هذا في غير هذا. قالَ: وقولُه: ﴿لولا نُزَّلَتْ سُورَةٌ فإِذا أُنْزِلِتْ (٥) سُورَةٌ﴾ [ محمد: ٢٠] فإِنَّما ذُكِرَ في الأولِ ((نُزُّل)) وفي الثاني ((أُنْزِلَ)) تنبيهاً أنَّ المنافقينَ يَقْترحون أنْ يَنْزِلَ شيءٌ فشيءٌ منَ الحثُّ على القتالِ ليتولَّوهُ. وإِذا أُمِروا بذلكَ دفعةً واحدةً تحاشوا عنهُ فلم يَفْعلوه، فهم يَقْترحون الكثيرَ وَلا يَفُونَ مِنه بالقليل. قوله: ﴿إِنَّ أَنْزِلناهُ في ليلةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] إنّما خُصَّ لفظ الإِنزالِ دونَ البَّنزيلِ لِما رُوِيَ أنَّ القرآنَ نزَلَ دَفعةً واحدَةٌ إِلى سَمَاءِ الدنيا، ثم (١) قرأ ابن مسعود (نُزِلَ) البحر المحيط ٣٨٠/٧ . (٢) قرأ عاصم وشعبة والمفضل وابن أبي عبلة (مَنْزَلاً) الإتحاف ٣١٨ والنشر ٢٢٨/٢. (٣) قرأ ابن عامر والكسائي وعاصم وشعبة (مُتَزِّلون) الإتحاف ٣٤٥ والنشر ٣٤٣/٢. ( ٤) المفردات ٧٩٩. (٥) قرئت (نُزِّلت) البحر المحيط ٨ /٨١، وقرئت (نَزَلَتْ) الكشاف ٥٣٥/٣. ١٦٥ باب النون نزَلَ نَجْماً نَجْماً قوله: ﴿لَو أَنْزَلْنا هذا القرآنَ على جَبَلْ﴾ [الحجر: ٢١-٢٢] ولم يقُلْ: نَزَّلنا، مُنَبِّهاً أنّ لو خَوَّلْنَاهُ مرَّةً واحدةً ما خَوَّلنَاكَ مراراً لرأيتهُ خاشعاً مُتصدِّعاً. قوله: ﴿قد أُنزِلَ الله إِليكمُ ذِكْراً رَسُولاً﴾ [آل عمران: ٤٥] قيلَ؛ أراد بإِنزال الذكرِ هُنا بعثَةَ النَّبِيِّ ◌َِّ، كما سُمِّي عيسى عليه السلامُ ((كلمةً(١)). فعلى هذا يكونُ قولُه: ﴿رسولاً﴾ بدلاً من قولهُ: ﴿ذِكْراً﴾. وقيلَ: أرادَ إِنزالَ ذكرهِ، فيكونُ رَسولاً مفعولاً لقوله: ﴿ذكراً﴾ أي ذِكْراً رَسولاً. قلتُ: ويجوزُ أن يكونَ «ذكراً» مفعولاً له، ورسولاً مفعولَ الإنزال. فإِنْ قیلَ: قد اختلفَ الفاعلُ؛ فإِنَّ فاعل الإِنزالِ غيرُ فاعلِ الذِّكرِ، فالجوابُ: إِنا وإِنْ سَلَّمنا اشتراطَ ذلك فالفاعل مُتَّحدٌ، لأنَّ الذِّكْرَ بمعنى التذكُّرِ، أي أَنزِلَ الرسولَ ليذكْرَكم بهِ. وهو معنىٌ حسنٌ طائلٌ. قال (٢): وأَمَّا التنزِّلُ فكالنِّزولِ بهِ؛ يقالُ: نزّلَ الملَكُ بكذا، وتَنَزلَ. ولا يقالُ: نزَلَ اللهُ بكذا، ولا تنَزَّلَ؛ قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأمينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقال تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ(٣) الملائكةُ والرُّوحُ فيها﴾ [القدر: ٤] ولا يقالُ في المُفْتَرَى والكذب، وما كانَ منَ الشياطينِ إِلا التنَزِّلُ؛ قالَ تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] قولُهُ: وما كانَ من الشَّياطين ثم تَلا قولُهُ تعالى: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ ليس مطابقاً لذلك، لأنَّ((ما )) نافيةٌ، أي أنَّ الشياطينَ لم تُنزَّلْ به، أي بالقرآن. قوله تعالى: ﴿هذا نُرُّهم يومَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦] النُّزْلُ: ما يُعدُّ للنازلِ منَ الضيافة؛ أنزلْتُه: أضَفْتُه. فمن ثَمَّ قيلَ: إِنَّ هذا على سبيلٍ التهكُّم نحو: ﴿فبشِّرْهُم﴾ [آل عمران: ٢١ ]ت. وإِنَّه لم يكُنْ لَهُمْ تُزُولُ إِلا هذا كقوله: [ من الوافر] ١٦٢٦ - تحيَّةً بَيْنهم ضربٌ وجيعُ(٤) قوله: ﴿نُزُلاً مِن عند الله﴾ [آل عمران: ١٩٨] هذا على بابه، وقيلَ: ثَواباً ورزْقاً. وهو بمعنى الأول. قوله: ﴿وَأَنا خيرُ المُنزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] هو مِن: أَنْزَلْتُه، أي أضَفْتُه. (١) في سورة آل عمران: ٤٥ ﴿يا مريم إِن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم﴾. (٢) المفردات ٨٠٠. (٣) قرأ طلحة وابن السميفع (تُنَزِّلُ) القرطبي ٢٠ /١٣٤. ( ٤ ) تقدم برقم ٩٧. ١٦٦ : باب النون والمعنى: خيرُ مَن يضيفُ ببلادِ مصرَ. قولُه: ﴿فَتُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] كقوله: ﴿هذا نُزُّهم يومَ الدِّين﴾ في احتمالِ الوَجْهينِ. قولُه: ﴿أُذِلِكَ خيرٌ نُزْلاً﴾ [الصافات: ٦٢] يجوزُ فيه ما جازَ في ﴿هذا نُزْلِهم﴾. ووجهٌ آخرُ، وهو أنْ يُرادَ: أُذلكَ خيرٌ فَضْلاً وَرَيْعاً؟ يقالُ: لَه طعامٌ: لَهُ نُزُلٌّ. والنَّوازِلُ: الشدائدُ، واحدها نازِلةٌ، ومنه قيلَ: النِّزالُ، للحربِ لقولهم فيها: نزالِ. قال الشاعر: [ من الكامل] ١٦٢٧ - فَدَعَوْاْ تَزَالٍ، فكنتُ أَوَّلَ نازلٍ وعلامَ أركبُهُ إِذا لم أَنْزِلٍ؟(١) ونازلةُ مُنازلةٌ: قائلُهُ مُقاتلةٌ. ونزلَ فلانٌ: أتى منزِلَهُ. قال الشاعرُ: [ من الطويل] ١٦٢٨ - أنازلةٌ أسماءُ أم غيرُ نازِلَهُ؟ (٢) والنُّالَةُ: السُّقاطَةِ. نحوُ: النِّخالة والذُّبالة. ويُكنى بالنِّزالة أيضاً وبالنّزْلِ عن ماءٍ الرجل فصل النون والسین ن س ء: قولُه تعالى: ﴿مَا تَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنْسِها (٣)﴾ [البقرة: ١٠٦] أي نُؤخّرُها أو تؤخَّرُ نسْخَها، والنَّسْءُ: التأخْرُ. يقال: تَسَأ الله في أَجَلِكَ، وأَنْسأَ إِنساءٍ. ومنه النَّسيئةُ: وهو البيعُ إِلى أجلٍ. نُسِعَتِ المرأةَ، أي أُخْرَ وقتُ حَيَضِها فِرُجِيَ حَمَلُها. وقيلَ: هي أُولُ ما يُظَنِّ بها الحَمْلُ. ومنه الحديثُ: ((دخلْتُ عليها وهي نَسْءٌ))(٤) اي مظنونٌ حَمْلُها. (١) البيت لابن مقروم الضبي في الحيوان ٤٢٧/٦ والخزانة ٦ /٣١٧ وشرح الحماسة للمرزوقي ٦٢، وبلا نسبة في الإنصاف ٥٣٦ وشرح المفصل ٤ /٢٧ واللسان والتاج (قُزل). (٢) البيت لعامر بن الطفيل في ديوانه ١٠٤ واللسان والتاج (نزل) وتهذيب اللغة ٢١١/١٣، وبلا نسبة في المقاييس ٥ /٤١٧ والمخصص ٥٠/١٢. (٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وابن عباس ومجاهد وابن محيصن والجحدري (نَنْسَأَها) الإتحاف ١٤٥ والنشر ٢١٩/٢، وقرأ ابن مسعود (تُنْسَخْها)، وقرأ سعد بن أبي وقاص والحسن (تَنْساها)، وقرأ أبو حيوة (تُّنْساها)، وقرأ ابن المسيب (تُنساها)، وقرأ الضحاك وأبو رجاء (نُبَسِّها)، وقرأ أُبي (نُنْسِكَ) البحر المحيط، ١ /٣٤٣ وقرأ ابن المسيب والضحاك (تُنْسَها) الكشاف ١ /٨٧. (٤) الفائق ٨٢/٣ وغريب ابن الجوزي ٢ / ٤٠٤ والنهاية ٤٥/٥ ١٦٧ باب النون والجمعُ نِساءٌ؛ يقال: امرأة نَسْءٌ ونسوةٌ نساءٌ. قلتُ: وعلى هذا يقال: نساءً نساءً؛ فالأولُ جمعُ امرأةٍ في المعنى، والّني جمعُ نَسْءٍ، وهو جمعُ تكسيرٍ حقيقةٌ. فَالأولُ اسمُ جمعٍ. وفي الحديث: ((مَن أحبَّ أَنْ يُنْسَأَ في أجلِهِ فليصِلْ رَحِمَه))(١). وانتسَأْتُ، أي تأخَّرتُ. وأنشدَ لابنِ زُغْبة: [ من الطويل] ١٦٢٩ - إِذا انْتَسَؤُوا فَوْتَ الرِمَّاحِ أَتْهُمُ عَوَائِرُ نَبْلٍ، كالجرادِ تُطِيرُها(٢) ومنه أيضاً النَّسيءُ في قولهِ: ﴿إِنَّمَا النَّسيءُ(٢)﴾ [التوبة: ٣٧] لأنه تأخيرُ شهرٍ إِلى شهرٍ، وذلكَ أنَّهم كانوا في الجاهليةِ يَجعلون المحرَّمَ مكانٍ صفر، فيؤخُرونه إِليهِ. وإنَّما كانَ يفعلُ ذلك المحاويجُ مِن كِنانَةً لِيُغيروا على بعضِهِم فَيَسْتاقون إِلَهُم وغنَمُهُم، والفاعلُ لذلك هو جنازةُ بنُ عُونٍ. قالَ الشاعرُ مُفتخراً بذلك: [ من الوافر] ١٦٣٠- ألسنا الناسِئِينَ على مَعَدُّ شُهورَ الحِلِّ نَجعلُها حَراما؟(٤) قوله: ﴿تأكُلُ مِنْسأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] أي عصاهُ؛ سُميتْ بذلك لانها يُنسأُ بها أي يُؤخَّرُ، فهي اسم آلةٍ كالمكتب. وقد قُرئَ بسكون الهمزة وإِبدالها ألفاً(٥)؛ قالَ الشاعرُ: [ من البسيط ] ١٦٣١ - إِذا دبَيْتَ على المِنْساة من هَرَم فقد تَبَاعَدَ عنْكَ اللَّهِوُ والغَزَلُ(٦) وقد حقَّقْنا القولَ فيها في غيرِ هذا. يقالُ: نسأتُ الإِبلَ، أي أخْرِتُها بالمِنْسأَة، ونسأتُ الإِبلَ فِي ظَمْثِهايوماً أو يومينٍ، أي أَخَرتُ. وأنشدَ لطرفةَ بنِ العبدِ: [ من الطويل] على لاحِبٍ كأنّه ظهرُ بُرْجُدِ(٧) ١٦٣٢ - أَمونٍ كألواح الأران نسائُها (١) غريب ابن الجوزي ٢ /٤٠٤ والنهاية ٥ /٤٤، وأخرج البخاري في الأدب، باب (١٢) حديث ٥٦٣٩، ٥٦٤٠. ومسلم في البر والصلة ٢٥٥٧ (من سره أن ينسأ له في أجله). (٢) البيت لمالك بن زغبة الباهلي في اللسان (نسأ، عور، عير) والعين ٣٠٦/٧ . (٣) قرأا بن كثير والسلمي وطلحة والاشهب (النسْءٌ) السبعة (النسوء) البحر الحيط ٥ /٣١٤٠٤٠، وقرأً مجاهد وطلحة والسلمي. (٤) البيت لعمير الطعان في اللسان والتاج (نسا) ومعجم الشعراء ٧٢، وبلا نسبة في التاج (قلمس) . (٥) قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر والحسن (مِنْساته)، وقرأ ابن عامر وابن ذكوان وهشام (مِنْسَأَتَه)، الإتحاف ٣٥٨ والنشر ٣٤٩/٢. (٦) البيت بلا نسبة في اللسان (نسا، نسا) والتاج (نسا ، نسي). (٧) ديوانه ٢٢ واللسان والتاج (نصا، أرن). ١٦٨ باب النون والنَّسيءُ: الحليبُ أُخْرَ تناولُه فحمضَ فمُدَّ بماءٍ، فهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، نحوُ: النَّقيص والنکیث بمعنى منكوث ومنقوص. -- ن س ب : قولُه تعالى: ﴿فلا أَنْسَابَ بَيْنَهم﴾ [المؤمنون: ١٠١] أي ثم ينقطعُ التَّفاخُرُ بينَهم بالأنساب التي كانوا يَعْتدّون بها مفاخرةً في الدنيا على غيرِهم، مِن قولِهم: أنا فلانُ بنُ فلان، لا على قصد التعريفِ، بل على قصدِ التَّعريضِ بدناءَةٍ آباءِ غيرهِ، كقولِ الشاعرِ: [ من البسيط ] عنهُ ولا هو بالأبناءِ يَشْرِينا(١) ١٦٣٣- إِنّا بني نَهِشَلٍ لا نَدَّعي لأبٍ آخر: [ من الرجز] الموتُ عندَنا أَحلى منَ العَسَلْ(٢) ١٦٣٤ - نحن بنو ضبَّةً أصحابُ الجمَلْ وقالَ الشاعرُ في معنى الآية الكريمة: [من السريع] ١٦٣٥- لا نسَبَ اليومَ ولا خلَّة اتَّسعَ الخرْقُ على الراقِعِ (٣) والأصلُ في النَّسب الاشتراكُ في أبٍ أو دينٍ أو صناعةٍ أو حيٍّ أو قبيلةٍ. والنسبةُ والنسبُ أنْ تزيدَ في آخرِ الاسمِ الذي تريدُ أن تنسِبَ إِليه ياءٌ مشدّدةً تَعْنورُها ألقابُ الإِعرابِ نحوُ: تَميميٌّ، وداريٍّ. وقد تقومُ مَقامَها صيغٌ نحوُ: لِّانٍ ولابِنٍ ونَهِرٍ، وله بابٌ واسعٌ أتقنَّهُ في كتبِ العربيّةِ والحمدُ لله. قولُه تعالى: ﴿فجعِلَهُ نَسَباً وصِهْراً﴾ [الفرقان: ٥٤] أي قرابةٌ، وذلكَ أنَّ النَّسبَ، كما قالَ الراغبُ(٤)، ضربان: نسبٌ بالطولِ كالاشتراكِ بينَ الآباء والأبناءِ، ونسبٌ بالعَرْضِ (١) البيت لبشامة بن حزن النهشلي في الخزانة ٤٦٨/١ وشرح الحماسة المرزوقي ١٠٢ وعيون الأخبار ٢٨٧/١ والمقاصد النحوية ٣٧٠/٣، ولنهشل بن حري في الشعر والشعراء ٤٠٥ . . (٢) الرجز للحارث الضبي في الدرر ١٣/٣ (الكويت) والأعرج المعني في شرح الحماسة للمرزوقي ٢٩١، وبلا نسبة في الخزانة ٥٢٢/٩ وشذور الذهب ٢٨٥ والهمع ١٧١/١ واللسان (ندس، جمل، فحل). (٣) البيت لأنس بن العباس بن مرداس في الدرر ٦ /٣١٧،١٧٥ (الكويت) وشرح شواهد المغني ٦٠١/٢ وسيبويه ٢٨٥/٢، ٣٠٩ واللسان (قمر، عتق) ولأبي عامر جد العباس بن مرداس في سمط. اللآلي ٣٧، وبلا نسبة في شذور الذهب ١١٢ وشرح المفصل ١٣٨/٩،١٣٥،١٠١/٢ والهمع ٠٢١١،١٤٤/٢ ( ٤) المفردات ٨٠١. ١٦٩ باب النون كالنسبة بينَ الإِخوةِ وبني الأعمامِ. والنسَبُ يقالُ في مقدارينٍ مُتُجانسين بعضَ التجانُسِ، يختصُّ كلّ واحدٍ منهما بالآخرِ. قيلَ ومنه النسيبُ؛ نوعٌ من أنواعِ الشعرِ، وهو ذكرُ العشقِ في النساءِ، وذلك أنه انتسابٌ في الشعرِ إِلى المرأةِ بذكرِ العشقِ؛ يقالُ: نسَبَ الشاعرُ بالمرأة نَسَباً. ن سخ: قولُه تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]. النَّسْخُ: الإزالةُ. نَسختِ الريحُ أثَّرَ القومِ: أَزْآَلْه. وقيلَ: هو إزالةُ شيءٍ بشيءٍ؛ يقالُ: نسختِ الشمسُ الظلَّ، والظلُّ الشمسَ، والشيبُ الشبابَ. وقالَ الراغبُ (١): فتارةً يُفهمُ منه الإزالةُ، وتارةً يُفهمُ منه الإِثباتُ، وتارةٌ يُفهم منه الأمران. ونسخ الكتاب: إِزالةً بحُكم يتعقّبُه. وقال غيره: النسخُ يكون بمعنى الإزالة، وبمعنى النَّقل. ومنه: نسختُ النخْلُ نقلتُها. وتارةً يكون النقلُ لنفسِ الذّاتِ كنسخِ النقلِ. وتارةٌ يكونُ نقِلُ مثلٍ الشيءِ المنقولِ معَّ بقائه مكانَه نحو: نسختُ الكتابَ، أي نقلتُ مثلَ ما فيهِ. وهل هذا من بابِ الاشتراكِ أو الحقيقةِ أو المجازِ؟ وأما النسخُ شَرعاً فرفْعُ حكمٍ شَرعيِّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخٍّ عنه لا إلى غايةٍ. ثم النسخُ يكون على ثلاثةِ أوجهٍ : أحدُها أن يُنسخَ اللفظُ والحكمُ معاً. كما يُروى أنه كان ممَّا يُتْلَى: ((عشرَ رَضَعَاتٍ مُحرماتٍ)(٢) .. ثانيها أن يُنسخَ اللفظُ ويبقَى الحكمُ، كما يُروى أنه كانَ مما يُتْلى: «الشیخُ والشيخةُ إِذا زَنَيا فارْجُموهما البتّة نَكالاً منَ اللّهِ والله عزيزٌ حكيمٌ))(٣). وثالثُها عكسُ هذا كآيَتَي العدَّةَ؛ فإِنَّ الثانية منسوخةٌ بالأولى. ثم إِنَّه هل يجوزُ النسخُ إِلى غيرٍ بدلٍ أو بأثقلَ؟ خلافٌ كبيرٌ أتقنَّهُ في («القولِ الوجيزِ في أحكام الكتاب العزيزه، وذَكَرنا أقسامَه واختلافَ الناسِ فيه، فعليكَ بالالتفاتِ إِليه. وقُرئَ: ((ما نُنْسخ))، (ما نْنسخ)) (٤)، وقد حقَّقْنا هذا في الكتابِ المشارِ إِليه وفي ((الدُّرْ)) و ((العقد)). (١) المفردات ٨٠١. (٢) الإتقان ٣/ ٧٠. (٣) البرهان ٢ /٣٢ والإتقان ٨٢/٣. (٤) قرأ ابن عامر وهشام وشريح (ما نُنْسِخْ)، وقرأ الأعمش وابن مسعود (ما نُنْسِكَ) البحر المحيط ٢٤٢/١. ١٧٠ باب التون قولُه: ﴿إِنَا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] أي نأمرُ الحفَظَةَ باستنساخه وكَتْبه، وذلك لإقامة الحُجَّةِ عليهم، وإلا فالباري تعالى علمَ أفعالُهم قبلَ أن يخلقَهُم، وقبلَ أن تصدُرَ منهم. والمُناسَخَةُ: أن يموتَ مورِّثٌ، ثم يموتُ بعضُ ورثتِهِ قبلَ أن تُقِسَمَ تَرِكةُ الأوَّلِ. والتَّنَاسُخيَّةُ: قومٌ يزعمون أنْ لا بعثَ ولا نُشْوَرَ، بناءً على مَذهبهم الفاسدِ، وأنَّ هذه الأرواحَ إِذا خرجَتْ من جسدٍ حلَّتْ في جسدٍ آخَرَ، بحسبٍ خَيْرِيَّتْهُ وشَرِّيته؛ فإِنْ كانَّ خَيِّأَ حَتْ في جسدٍ صالحٍ وصورةٍ حسنةٍ، وإلا ففي أقبحٍ صورةٍ. فروحُ زيدٍ أن تحلَّّ في مثلهِ، أو كلبٍ، أو ذُبابَةٍ، أو زُنبورٍ .. وكذا روحٌ الزنبور. ويذكرونَ على ذلك أدلّةً باطلةً، وحججاً داحِضَةً، يموِّهون بها على ضَعفِهم، نعوذُ باللهِ مما خالفَ ما جاءتْ به أصحابُ الشرائعِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم. ن س ر: قولُه تعالى: ﴿وَنَسْرَاً﴾ [ نوح: ٢٣] قيلَ: هو اسمُ صنم، وكانَ وَدُّ وسُواعُ ويَغوثُ ويعوقُ ونَسرٌ أصناماً تعبدُ من دونِ اللهِ. قيلَ: كانَ ودٌّ على صورةٍ صنعٍ لكلبٍ، وسُواعُ لهَمْدَانَ، ويغوثُ لمذخِجَ، ويعوقُّ لمُرادَ، ونسرٌ لِحميرَ. وكانَ وَدِّ على صورةِ رجلٍ، وسواعُ امرأةً، ويغوثُ أسداً، ويعوقُ فرساً، ونسرٌّ نسراً. وقيلَ: كانوا قوماً صالحين في قوم نوحٍ، فلما ماتوا اتَّخذوا صُورَهُم ليتذكَّروا أعمالَهُم، فطالَ الزمانُ وجاءَتِ الأيناءُ، فجاءَهم إِليسُ وقالَ: أما تَرَونَ هذه التماثيلَ؟ فقالوا: نعم. فقالَ: كان آباؤكم يعبدونَها. فعبدوها، ثم جاءَتْ عبادةُ الأصنام. والنَّسرُ في الأصلِ اسُمُ الْطائرِ، قيلَ: كانَ الصنمُ على صورتهِ. والنسرُ أيضاً نجمٌ فِي السماءِ معروفٌ. قالَ: [من الطويل] ١٦٣٦- تَنَظّرتُ نَسْراً والسِّماكينِ أيُّها عليَّ منَ الغيثِ اسْتَهِلَّتْ مواطرُهُ (١) وكانَ مِن حقّه أن يُلزِمَه الألف واللامَ لأنه عَلَمُّ بالغلبةِ، وإِنَّمَا شَذَّ حذْفُها منه كقولهم: هذا عيوقُ طالعاً، وهما نَسران: نسرٌ طائرٌ ونسرٌ واقعٌ، تشبيهاً في الصورة. والنَّسرُ أيضاً مصدرُ نِسر الطائرُ الشيءَ بِمِنْسَرِهِ، أي نقرَهُ بمنقاره. والنَّسرُ لحمةٌ ناتئَةٌ (١) البيت للفرزدق في اللسان (حير، أيا) والمحتسب ١٠٨،٤١/١ وديوانه ٢٨١/١ (صادر) وبلا نسبة في الجنى الداني ٢٣٤ وشرح شواهد المغني ٢٣٦/١. : ١٧١ باب النون تشبيهاً به . ونسَرْتُ كذا: تناولتُه تناوُلَ الطائرِ الشيءَ بمنسَرِهِ. ن س ف: قولُه تعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِي نَسْفاً﴾ [طه: ١٠٥]. النَّسْفُ: القَلْعُ، يقالُ: نسفتِ الريحُ الشيءَ: قَلَعتْهُ وأزالتْه عن مَقَرِّه، وقيلَ: نَسْفُها: دَكُّها وتَذْرِيتُها وهو قريبٌ. قولُه: ﴿ثمَّ لَنَنْسِفَنَّه(١) في اليَمِّ نَسْفَأُ﴾ [طه: ٩٧] أي لَنَذْرِينَّه تَذْرِيَةً كما تَذْرو الرياحُ الغبارَ. ويقالُ: نسَفَ البعيرُ الأرضَ بمُقَدَّمٍ رجلهِ. ويقالُ لذلك الغبارِ النُّسافة. ومنهُ: انْتُسِفَ لونُه، أي تغَيَِّ تَغَيَّ النِّسافة، نحوُ: اغبرَّ وجهُه، وأريدَ: كأنَّ عليه نُسافَةً. ومنه قيلَ الراعُوفةِ البشرِ(٢) نُسافَة. وكلامُهم نَسيفٌ، أي متغيّرٌ ضَئيلٌ. والنَّسْفَةُ: حجارةٌ يزالُ بها وسخُ القدم. وقيلَ: ﴿لَنَتْسِفَنَّهُ﴾ أي لنطرحنَّه فيه طرحَ النُّسافة: وهو ما يثورُ منَ الغبارِ. وقيلَ: نسْفُها: قلعُها من أصلِها، من قولِهِم: نسَفَ البعيرُ النباتَ، أي قلعَه بفيهِ منَ الأرضِ بأصلهِ، وكلُّها معانٍ متقاربة. ن س ك : قولُه تعالى: ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] المناسكُ جمعُ مَنْسَك - بفتح السينِ وكسرِها. وقد قُرئَ بهما. قولُه تعالى في المتواترِ: ﴿ولكلِّ أمةٍ جَعَلنا مَنْسَكاً ﴾ [الحج: ٣٤]. والمناسكُ: عباداتُ الحجِّ وأماكنُها. وأصلُ النَّسُكِ العبادةُ مطلقاً من حجِّ وغيره. ومنه: تنسَّكَ فلانٌ ونسَكَ فهو نَسيكٌ وناسِكٌ، ثم غلبَ على الحجِّ. وقال الأزهريُّ في قولهِ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي وَمَحْيايَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] النُّسُك: مایُتقرِّبُ به إِلى الله تعالى. وقولُ الناسِ: فلانٌ ناسِكٌ مِنَ النِّسَاكِ، أي عابدٌ منَ العُبّاد يؤدِّي المناسِكَ وما فُرض عليه، وما يُتَقربُ به إِليه. قالَ: والمَنْسَكُ في قولهِ تعالى: ﴿لَكُلِّ أَمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً﴾ [الحج: ٦٧] يدلُّ على موضعِ النَّحرِ؛ أرادَ مكانَ نُسكِ. قالَ(٢): والنَّسيكَةُ: مختصَّةٌ (١) قرأ عيسى وأبو رجاء (لنَنْسُفُنُّهُ) وقرأ ابن مقسم (لنُنَسِّفَنَّهُ) البحر المحيط ٢٧٦/٦. (٢) الراعوفة : صخرة توضع عند رأس البئر ليقوم عليها المستقي (اللسان: رعف). (٣) المفردات ٨٠٢ . ١٧٢ باب النون بالذَّبيحة. وقالَ مجاهدٌ فِي قوله: ﴿ جَعَلَنَا مَنْسَكاً﴾؛ مَذِبَحاً. قالَ: نسَكَ: إِذا ذبحَ - يَنْسُكُ نَسْكاً. والنَّسيكةُ: الذَّبيحةُ، وجمعُها نُسُكّ. قالَ تعالى: ﴿ أو صَدَقَةٍ أوٍ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقال غيرُه: النِّسُكُ: الطاعةُ. وقال آخرون: النسكُ: ما أمرت الشريعةُ به، والوَرَعُ: ما نُهيّ عنه. وقالَ الهرويُّ: وأخبرَنَا ابنُ عمارٍ عن أبي عمرَ قال: سُئل ثعلبٌ عن مَعنى الناسك ما هوَ؟ فقال(١): هو مأخوذٌ مِنَ النَّسيكة، وهي السَّبيكةُ منَ الفضةِ المُصفَّةِ، وكأنه صَفِّى اللّه نفسَه. وقالَ ابنُ عرفةَ: ((جعَلْنَا مَنْسَكاً)) أي مَذْهباً من طاعةٍ لله تعالى: نسَكَ الرجلُ بنُسْكِ. قومهِ، أي سَلَكَ مَذْهَبَهم. فقوله: ﴿وأرِنا مناسُكَنا﴾، يجوزُ أنْ يكونَ التقديرُ: أرِنا مُتَعبَّداتنا مِن حجِّ أو غيرهِ، أو مواقفَ حجنا، أو عبادةَ حَجِّنا، أو مواضعَ ذَبْحنا، أو مواقف عباداتنا . ن س ل : قولُه تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهم يَنْسِلِونَ﴾ [يس: ٥١] أي يُسرِعون في عَدْوِهم مِن قولهم: نسَلَ الثعلبُ، أي أسرَعَ في ذهابهِ، ينسِلُ نَسْلاً. ومنه قولُه تعالى: ﴿وهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]. وقيلَ: النَّسَلان دونَ السَّعْيِ. وفي حديثٍ لُقِمانَ بنِ عادٍ: ((وإِذا سَعَى القومُ نسَّلَ))(٢) أي إِذا سَعَوا لغارةٍ أو مخافةٍ، قاربَ الخطوَ في إِسراعٍ. وفي الحديث: ((شَكُوا إِلى رسولِ اللّه ◌َّه الضعفَ. فقالَ: عليكم بالنَّسْلَ))(٢) قال ابن الأعرابي: النسل ينشط، وهو الإِسراع في المشي. وفي حديثٍ آخرَ: ((أن قوماً شَكوا إِليه الإِعياءَ فأمَرّهم أَنْ يَنْسِلوا))(٤). وقالَ بعضُهم: النَّسْلُ: الذريَّةُ، وكأنَّه أمَرَهم - لما شَكَوا ضَعْفَهم - بالتوالد. وأصلُ النسلِ الانفصالُ عن الشيءِ. وهذا المعنى يخدُمُك في جميع ما قدَّمْتُه. ومنه نُسِلَ الوبُرُ عنِ البعيرِ، والقميصُ عن الإنسانِ، والريشُ عن الطائرِ، ويعبِّرُ به عن الهجرِ والإِبعادِ. وأنشدّ لامرئ القيس: [من الطويل] (١) النهاية ٥ /٤٨. (٢) الفائق ١ / ٦٠ والنهاية ٥ /٤٩. (٣) الفائق ٣ /٨٢ والنهاية ٤٩/٥ وغريب ابن الجوزي ٤٠٥/٢. (٤ ) المصادر السابقة . ۔ ١٧٣ باب النون فسُلِّي ثيابي مِن ثيابِكِ تَنْسُلِ(١) ١٦٣٧- وإِنْ تَكُ قد ساءَتْكِ مني خَليقَةٌ كَتَّى بذلك عن الإبعادِ. وأَنْسَلَتِ الإِبلُ: حانَ أن تنسُلَ وَبَرَها. والنَّسْلُ: الذريةُ لأنَّها نُسِلتْ عنِ الوالدينِ. وقيلَ: لكونِها ناسلةً عن اللّه بخلقه وإيجاده. قال تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] قيلَ: نزلتْ في الأخْسِ بنِ شريقٍ وقد مرَّ بزرعٍ فحرقَهُ، وبنعمٍ فحرقَها. وتَناسَلوا: تَوالدوا. وفي الحديث: ((تَنَاكَحوا تَنَاسَلوا فإِنيِّ مُكاثر بكم يومَ القيامة))(٢). وكانَ يقالُ: إِذا طلبتَ فَضْلَ إِنسانٍ فخُذْ ما نَسَل لك منهُ عَفْواً. ن س ي: قولُه تعالى: ﴿نَسُوا اللَّه فَسَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركوا أوامره ونواهيه فتركَهُم مُخلدين في النارِ. والنسيانِ يعبَّرُ بهِ عن التَّركِ. وقالَ بعضُهم: النسيانُ: تركُ الإِنسانِ ضبطَ ما اسْتُردِعَ، إِمّا لضعفٍ قلبهِ، وإِمّا عن غَفلةٍ، وإِمّا عن قصدٍ حتى يَنحذِفَ عنِ القلبِ ذكره. قولُه: ﴿سَنُفْرِتُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] لا نافيةٌ، وهي ضمانٌ منَ اللّه تعالى النبيِّه، أنه إذا سَمِعَ شيئاً منَ القرآنِ لم ينسَهُ، وقولُ مَن قال: إِنه نَهيٌ ضعيفٌ من حيثُ المعنى، ومن حيثُ اللغةُ لِما بينًا في غيرِ هذا. قالَ الراغبُ(٣): وكلٌّ نسيانٍ من الإِنسانِ ذمَّهُ اللّه تعالى بهِ، فهو ما كانَ أصلُه عن تعمُّدٍ. وما عُذِرِ فيه نحوُ ما رُوي عنه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((رُفعَ عن أمتي الخطأ والنِّسيانُ))(٤)، فهو ما لم يكُنْ سَبَبُه منه. قولُه: ﴿فَذُوقُوا بما نَسِيتُمْ لِقاءَ يومِكُم هذا﴾ [السجدة: ١٤] هو ما كانَ سبَبَهُ عن تعمُّدٍ منهُم. قولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] قالَ ابنُ عباسٍ: أي لم يقُلْ: إِنْ شاءَ تعالى أفعلُهُ إِذا ذكرْتُه. ونُقلَ عن عكرمةَ عبارةٌ اللّه أعلمُ بصحَّتِها. ولا يَنْبغي أنْ تصحّ. وأجازَ ابنُ عباسٍ الاستثناءَ بعدَ ذكرهِ لظاهرِ هذهِ الآيةِ على ما تأوَّلها(٥). (١) ديوانه ١٣ واللسان والتاج والأساس ( ثوب). (٢) تقدم الحديث في ( بتل). (٣) المفردات ٨٠٣. (٤) تقدم في ( خطأ). (٥) تفسير ابن كثير ٨٣/٣. ١٧٤ باب التون وقد حَقَّقْنا هذا في ((الأحكام)). قولُه: ﴿وكنتُ نَسُياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم: ٢٣] أي شيئاً تافهاً لا يُؤْبَه له، ممّا حقُّه أنْ يُنسى ويُتركَ قلةَ مبالاةٍ بِهِ (١). والنِّسْيُ فعيلٌ بمعنى مفعولٍ كالنَّقْضِ والنَكْثِ. وقولُه: ﴿مَنْسياً﴾ مبالغةٌ فيه؛ لم يَكْفِها أنْ تَتَمنَّى أنْ تكونَ شيئاً تافهاً حتى بالغَتِ فيهِ. يوصَفُ بذلك لأنَّ النسْيَ يقالُ لما يَقُلُّ الإِعتدادُ به وإِنْ لم يُنسَ. وَقُرئَ ((نسياً))(٢) بالفتح؛ وهو مصدرٌ موضوعٌ موضعَ المفعولِ. وكانتِ العربُ إِذا ترحَّلتْ عن منزلٍ تقولُ: احفظوا أَنساءَكُم، أي ما حقُّه أَنْ يُنسىَ لقلَّةِ الاعتدادِ بهِ كالوَتدِ والشّظاظِ ونحوهما. قولُه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] قرئَّ بضمُ النون الأولى وسكونِ الثانيةِ من غيرِ همزٍ، والمرادُ: نأمُرُ بنسيانِها أو نُنْسِها للناسِ. وقد جَرَى هذا حينَ أصبحَ القومُ، وقد أذهَبَ اللّه من قلوبِهم حفظَ بعضِ القرآن، الذي أرادَ نسخَهُ لفظاً، كما هوَ مشهورٌ في التفسيرِ والأخبارِ. قالَ الراغبُ (٣): فإِنساؤها حذفُ ذكرِها من القلوب بقوةٍ إِلهيةٍ. قالَ غيرُه: أي نأمرُكم بتركها. يقالُ: أنسيتُه الشيءَ: أمرتُه بتركهِ. قولُه: ﴿وما كانَ ربِّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] أي ناسياً؛ فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، أي لم يَنْسَكَ منَ الوحي. وإِنما أخَّرَه لمصلحةٍ، والقصةُ ذكرْناها في التفسير. قوله: ﴿إِنَّ الإنسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] المرادُ به الجنسُ(٤)، ولذلكَ اسْتُثْنِى منه . والإِنسانُ عندَ قومٍ مُشتَقٌّ منَ النسيان؛ قالوا: مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿ولقد عَهِدْنا. إِلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسيَ﴾ [طه: ١١٥] قال أبو منصورٍ: هذا دليلٌ على أنَّ أصلَ إِنسانٍ إِنْسيانٌ، ولذلك صُغِّرَ فَقيلَ أُنَيْسِيانٌ. قلتُ: وأنشدَ القائلُ بذلك قول الشاعر: [ من الکامل ] (١) في تفسير ابن كثير ١٢٣/٣ ومجالس ثعلب ٣٥٣ (قال أبو العباس: النسيُ: خِرَقُ الحيض التي يرمى بها ، أي : وكنت هذا فيرمى بي) . (٢) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة والكسائي (نِسْياً) الإتحاف ٢٩٨ والنشر ٣١٨/٢ وقرأ محمد بن كعب القرظي ونوف الأعرابي (نَسْأَ) وقرأ بكر بن حبيب (نَسّاً) البحر المحيط ١٨٣/٦. (٣) المفردات ٨٠٣. (٤ ) في الأشباه والنظائر ٨٨ (المقصود بالآية: أبو لهب) . ۔۔۔ ١٧٥ باب النون ١٦٣٨ - سُمِيتَ إِنساناً لأنَّكَ ناسي(١) وقالَ آخَرُ: [من البسيط ] فاغْفِرْ؛ فأوَّلُ ناسٍ أُولُ النَّاسِ(٢) ١٦٣٩ - لئنْ نَسيتَ عُهوداً كنتَ موثقَها ولنا فيهِ كلامٌ أتقنَّاهُ في غيرِ هذا. قوله: ﴿وَأَنَاسَيَّ كثيراً﴾ [الفرقان: ٥٩]. قيلَ: هو جمعُ إِنسانٍ، فَأُبدلتِ النونُ ياءٌ كقولِهِم: ظَرابي والأصلُ ظَرابين. ويقالُ: سرحانٌ وسَراحينُ وسَرَاحِي. وقيلَ: هو جمعُ إِنسيٍّ، وفيه نظرٌ من حيثُ صناعةُ النحو كما بيَّنَاهُ في غيرِ هذا. فصل النون و الشين ن ش أ: قولُه تعالى: ﴿ثم أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] الإنشاءُ: ابتداءُ الخلق، وكلُّ مَن ابتدأَ خلقَ شيءٍ واخترعَه فقد أنشأَهُ. ومنه: أنشأَ الشاعرُ القصيدةَ. وأنشأ فلانٌ يفعلُ كذا، أي ابتدأَ في فعلهِ. والإِنشاءُ الاختراعيُّ غيرُ المسبوقِ بمثالٍ لا يليقُ إِلا بالباري تعالى. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أُنْشَاكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٨] قولُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢] يَعين خلْقَكُمْ الأولَ، وهو ما ثبتَ بالدليلِ مِن خلقِ أصلِكُم من ترابٍ، أو خلقٍ أنفسِكُم من كونِكُم نُطفاً في أصلاب الآباءِ، ثم تَقْذَفُ في بطونِ الأمهاتِ، ثم تَتَصورُ تلك النَّطفةُ، إِلى أن تخرُجَ بَشَراً سَوياً؛ لا يكابِرُ في ذلك إِلا مُعاندٌ. وجُعلتِ الأُولى باعتبارِ النَّشأةِ الأُخرى، وهو بعثُهم أحياءٌ بعدَ إِماتَتهم وصَيْرورتِهِم رُمعاً. قال تعالى: ﴿ثم اللّهُ يُنْشِئُ النشأة(٣) الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] جَعلها نشأةُ بإعتبار تفرُّقِ أوصالِهم وبلاءِ أجسادهم وتقطّع أبدانهم. يقالُ: نَشْأَةٌ ونَشَاءةٌ نحو رأقَةٍ ورآفةٍ، وكأبةٍ وكآبَةٍ. وقد قُرئَ بهما في المتواترِ(٤). قولُه: ﴿أَأَنْتُم أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾ [الواقعة: ٧٢] أي ابتدعْتُم الشجرَ، وهو المرْعُ والغِفارُ (١) تقدم برقم ١٠٤، هو لأبي تمام وصدره (لا تنسين تلك العهود فإِنما ). (٢) ورد عجز البيت دون عزو في التاج (أنس) وبصائر ذوي التمييز ٣٢/٢، والبيت بتمامه دون نسبة في الدر المصون ١ /١٢٠ والقرطبي ١ /١٩٣. (٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ومجاهد والحسن (النشاءة) النشر ١ /٤٣٣ والقرطبي ٢١٧/١٧. (٤) قرأها بالتشديد : ابن وثاب والحسن البصري ، وقرأها بالتخفيف: نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب. الإتحاف ٣٨٥. ١٧٦ باب النون يُحكُّ أحدُهُما بالآخرِ فتخرجُ النارُ مع كونِه أخضرَ بقطُرُ ماءً. ﴿فسُبْحانَ الذي بيده مَلَكوتُ كلِّ شيءٍ﴾ [يس: ٨٣] قولُه: ﴿أُوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيةِ﴾ [الزخرف: ١٨] أي يَتْربَّى في الحَلْيَ والزِينةِ. يَعني: النساءَ رَبّاتِ الحُجولِ. وَقُرِئَ: ((ينشًّا)) بالتشديد . وقالَ بعضُهم: النَّشءُ والنَّشأةُ: إِحداثُ الشيءٍ وتربيتُه. ومنهُ نشأ السحابُ، لحدوثه ! في السماءِ وتربيتهِ شيئاً فشيئاً. ومنهُ قولُه تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثُّقالَ﴾ [ الرعد : ١٢]. قولُه تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللّيلِ﴾ [المزمل: ٦] قالَ ابنُ عرفَةَ: كلٌّ ساعةٍ قامَها قائمٌ بالليلِ فهي ناشئةٌ. وقالَ غيرُه: كلُّ ما حدَثَ بالليلِ وَبَدا فقد نشأً، وهو ناشيءٌ والجمعُ ناشئةٌ. فناشئةُ الليلِ: ما حدَثَ فيهِ مِن ساعاتِهِ وغيرِها. وقال الأزهريُّ: ناشئةٌ مصدرٌ جَاءَ على فاعلةٍ بمعنى النشءٍ كالعافيةِ بمعنى العفوِ. والنشأُ - بفتحِ الشين - والقصرِ جمعُ ناشئٍ نحو خادِمٍ وخَدَمٍ، وهو الشابُّ. وقوله: ﴿وَلهُ الجوارِي المُنْشَآتُ﴾ [الرحمن: ٢٤] قرئَّ بفتح الشينِ(١)، على أنها أُحْدِثَتْ وَعُلِّمتْ بتعليمِ اللّه كما علَمها لنوحٍ عليه الصلاة والسلامُ، والتي أخبَر بها، أو التي رَفِعَ أشْرعَتَها، وهي قلاُها. يقالُ: نشأتُ الشيءَ: رفعتُه، وبكسرِها على أنها أنشأتِ الموجَ أو السِّيرَ، أي رفعتُ قلوعَها على الإِسناد المجازي. وفي الآية قراءاتٌ مذكورةٌ في ((الدرِّ)) وغيرهِ. وفي الحديث: (( دخلَتْ مُسْتَنشئةٌ على خديجةَ))(٢) هي الكاهِنَةُ. يقال: استشنأُ الأخبارَ، أي بحث عنها. ن ش ر: قولُه تعالى: ﴿وَإِذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ(٣)﴾ [التكوير: ١٠] أي بُسطَت ليظهَرَ ما فيها (١) قرأ حمزة وعاصم والأعمش وطلحة وشعبة وابن وثاب (المنشئات) السبعة ٦٢٠ والنشر ٣٨١/٢°، وقرأ ابن أبي عبلة (المُنَشَّاتُ)، وقرأ الحسن (المُنْشَأَةُ) البحر المحيط ١٩٢/٨. (٢) غريب ابن الجوزي ٤٠٦/٢ والنهاية ٥٢/٥. (٣) قرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي وخلف (نُشْرَتْ) الإتحاف ٤٣٤ والنشر ٣٩٨/٢. ١٧٧ باب التون من أعمالِ العباد لهم، من: نشرتُ الثوبَ. قولُه تعالى: ﴿والنَّاشِراتِ نَشْراً، [ المرسلات: ٣] قيلَ: هي الرياحُ تنشُرُ السحابَ، أي تَبِثُّها وتسوقُها. وقيلَ هي الملائكةُ التي تنشُرُ الرياحَ. وقال الفراءُ: هي الرياحُ تأتي بالمطرِ. وقولُه: ﴿يُرسِلُ الرِّياحَ نُشْرً(١) بينَ يَدَيْ رَحمته﴾ [النمل: ٦٣]، قيلَ: هوَ جمعُ نَشورٍ، نحوُ رسولٍ ورُسُلٍ. ويقالُ: نشرتٍ الرياحُ نَشْراً، أي صرَّتْ. وأنشد لجرير: [من الكامل] ريحٌ يَمانيةٌ بيومٍ ماطِرٍ(٢) ١٦٤٠- نُشرَتْ علیك فذكَّرَتْ بعدَ البِلى وقرئَ ﴿بُشرى﴾ بالباءِ الموحدة. قولُه: ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشوراً﴾ [الفرقان: ٤٧] أي ذا نُشورٍ، تنتشِرُ الناسُ في حوائجهم ومُتصرَّفاتِهم، أي جعَله محلاً للانتشارِ وابتغاءِ الرزقِ، لقولهِ في موضعٍ آخَرَ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]. قوله: ﴿وإِليهِ النُّشورُ﴾ [الملك: ١٥] أي المبعَثُ والمرجعُ إِليهِ تعالى. يقالُ: أَنشَرَ اللّه المَوْتِى فُنُشِروا. قال الشاعرُ: [ من السريع] ١٦٤١ - يا عَجَباً للميِّتِ الناشرِ(٣) ويقالُ: نشَرَ اللّهُ الميتَ، أيضاً من نشرِ الثوب، كما قالَ الشاعرُ: [ من الوافر] كذاكَ خطوبُهُ طَيّاً وَنَشْرًا(٤) ١٦٤٢ - طَوَتْكَ خطوبُ دهرِكَ بعدَ نشْرٍ قولُه: ﴿ثُمَّ إِذا أنتم بشرٌ تَنْتَشِرونَ﴾ [الروم: ٢٠] أي تَتَفرَّقون في حوائجكم، وتتصرَّفون في مُتَقلَّبَاتِكُم. وقُرِئَ ﴿وإذا قيلَ انْشُرُوا فانشروا (٥) ﴾ [المجادلة: ١١] أي تفرَّقوا عن مَجالسكم. قولُه: ﴿كذلكَ النُّشورُ﴾ [فاطر: ٩] أي مثلُ ذلك إِحياءُ الموتى وبعثُهم. قولُه: ﴿كيفَ نُنْشِرُها﴾ [البقرة: ٢٥٩] من ذلك، أي كيفَ نُحييها ونَبْعَثُها؟ (١) قرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير ويعقوب وأبو جعفر (نُشُرَأً)، وقرأ حمزة والكسائي وخلف (نُشْراً)، وقرأ ابن عامر (نَشْراً) الإتحاف ٣٣٨ والنشر ٢٧٠/٢، وقرب الباقون (بشرى). (٢) ديوانه ٣٠٥. (٣) عجز بيت للأعشى في ديوانه ١٩١، وصدره: (حتى يقول الناس مما رأوا). (٤) يقدم برقم ٩٦٥ في مادة (طوى) وعجزه: ( كذاك خطوبه نشراً وطيا) وهذا البت صنفته في فهرس القوافي في قافية الياء المفتوحة ، وليس الراء. (٥) قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف وشعبة والحسن والأعمش وطلحة (انشِزُوا فانشِزُوا) السبعة ٦٢٩ والنشر ٣٨٥/٢ . ١٧٨ باب الدون وقرأ الحسنُ: ((نَنْشُرُها)) من نشرتُ الثوبَ بعدَ طيِّهِ. وقُرئتْ بالزايٍ وسيأتي. قولُه تعالى: ﴿ يَنْشُرْلَكُم رَبُّكُم من رحمتهِ﴾ [الكهف: ١٦] أي يُنْشِئُ لَكُم ويسهّلُ لكمُ من رزقهِ. وأُصلُ النشرِ في الأجرامِ، فتجوِّزَ به في المعاني. ومنهُ: نشَرَ رحمتَهُ عليهِ وبسَطها، ونشرَ الحديثَ. قولُه: ﴿جراءٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] أي متفرق منبثٌّ في كلِّ جهةٍ. والنواشِرُ: عروقُ باطنِ الدماغِ، وذلك لانتشارِها. ونشرتُ الخشبَ بالمنشارِ، وذلكَ باعتبارِ ما يُنْشَرُ منهُ عندَ النَّحْتِ بعدَ كونِهِ كالمطويِّ. والنَّشْرُ: الغيمُ المنتشرُ، نحوُ النَّقْضِ بمعنى المنقوضِ. والنَّشرُ: الريحُ الطيبةُ. ومنه حديثُ معاوية: ((أنه خرجَ ونَشْرُهُ أمامَه))(١) وأنشدَ لامرئ القيس: [من المتقارب] ١٦٤٣- كأنَّ الغمامُ وصَوبَ الغمامِ وريحَ الخُزامى ونشْرَ القُطُرْ(٢) إِذا غرَّدَ الطائرُ المُسْتَجَرّ يُعلُّ بِهِ بَرْدُ أنيابها ومن كلامٍ عائشةَ رَضِيَ اللّه عنها في حَقٌّ أبيها رضي اللّه تعالى عنه: ﴿فَرَدَّ نَشَرٌ الإِسلامِ على غَرِّهِ))(٣) أي ما انتبشَرَ منهُ وتفرَّق إِلى حالهِ التي كانتْ على عهده عليه السلامُ. وفي الدُّعَاءُ: ((اللهُمَّ اضْمُمْ نَشْرِي))(٤). وفي الحديث: ((إِذا دخَلَ أحدُكُم الحمامَ فعليهِ بالنَّشيرِ ولا يَخْصِفْ))(٥) النَّشيرُ: الإزار. ومعنى لا يخصِفْ: لا يَضَعْ يدَه على فرجهِ. وفي حديثٍ مُعاذٍ: ((نشْرُ كِلِّ أرضٍ))(٦) نشْرُها ما خَرجَ مِن نباتِها. والنشْرُ: الكلأُ اليابسُ إِذا أُمطِرَ حَيِيٍّ، وهو دواءٌ للغنمِ؛ يقالُ منه: نشرتِ الأرضُ، فهي ناشرةٌ .. والنُّشْرةُ: رُقْيَةٌ يعالجُ بها المريضُ. ن ش ز: قولُه تعالى: ﴿وانظُرْ إِلى العظام كيفَ نُنْشِرُها(٧)﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي ترفعُ بعضَها (١) الفائق ٣ / ٩٢ والنهاية ٥٥/٥ وغريب ابن الجوزي ٤٠٧/٢ (٢) ديوانه ١٥٧ ١٥٨٠. (٣) غريب ابن الجوزي ١٥٢/٢، ٤٠٧، والنهاية ٣٥٧/٣، ٠٥٥/٥ (٤) في النهاية ٥ / ٥٥ (اللهم بك انتشرت) . (٥) النهاية ٥ / ٥٥ وغريب ابن الجوزي ٤٠٨/٢. . (٦) النهاية ٥ / ٥٥ وغريب ابن الجوزي ٢/ ٤٠٨. (٧) قرأ ابن عباس وقتادة والنخعي (تَنْشُرُها) إِملاء العكبري ١ /٦٤، وقرأ عاصم وأبان وابن عباس= - ١٧٩ ٠ باب النون إلى بعضٍ، وتركتْه على حالته الأولى لا يختلُّ عظمٌ عن مكانه. والنَّشْرُ: الرفعُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَإِذا قيلَ انْشُزُوا فَانْشُرُوا﴾ [المجادلة: ١١] أي ارْتَفعوا عن مجالسكم فارْتَفعوا حتى لا تَضيقوا على غيرِكُم. وفي التفسيرِ قصَّةٌ. ومنه: نشوزُ المرأة على زوجها وهو ترفْعُها عليه وعدمُ امتثالِها أمرَه. ومنه قوله تعالى: ﴿واللاتي تَخافونَ نُشوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] والنَّشِرُ منَ الأرضِ: المرتفعُ. وباعتبارٍ نُشوزِ المرأةِ قالَ الشاعرُ: [ من الطويل ] تَرِى رُفقةً من ساعةٍ تَسْتَحِيلُها(١) ١٦٤٤ - إِذا جلسَتْ عندَ الإِمامِ كأنَّها وعِرْقٌ ناشِزٌ، أي ناتىٌّ، وامرأةٌ ناشِزٌ كحائضٍ. ونشَزَ الرجلُ ينشُرُ وينشِرُ، أي ينهَضُ؛ بضمِّ عينِ المضارعِ وكسرِها، وقد قُرئ بهما قولُه: ﴿انشزوا فانشزوا﴾. ن ش ط : قولُه تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ [النازعات: ٢] قيلَ: هي الملائكة تَنْشِطُ لحومَ الكفرة، أي تنزعُها. وقيلَ تَنشِطُ أرواحَها. يقالُ: نَشَطَ الشيءُ يَنْشَطُ فهو ناشطٌ، أي نزَعٌ. ومنه: ((فَنَشَطَ زِينَبَ مِن حِجْرِها))(٢). وقالَ ابنُ عرفَةً: تنشَطُ أرواح المؤمنينَ، أي تحلُها حَلاَّ رقيقاً. وهذا على سَبيل التّوسع. وقيلَ: نَشَطْتُ العُقْدَةَ: عقدتُها بأُنشوطةٍ. وأنشَطْتُها: حَلْتُها. ومنه الحديثُ: ((فكانَّما أُنشطَ مِن عِقالٍ))(٣) وهذا يُرُدُّ ما قاله ابنُ عرفةَ، وأحسنُ من هذا ما قاله الراغبُ(٤): هي الملائكةُ تَنْشِطُ الأمورَ، من قولِهِم: نشَطَ العُقْدةَ: قالَ: وتخصيصُ النَّشْطِ وهوَ العَقْدُ الذي يسهُلُ حلُهُ تنبيهٌ على سهولةِ الأمرِ بینھُم. وقيل: الناشطاتُ هي النجومُ الخارجاتُ منَ الشرقِ بسير الفلكِ، أو السائراتُ من المغربِ إِلى المشرقِ بسيرٍ أنفُسِها، من قولهم: ثورٌ ناشِطٌ، أي خارجٌ من أرضٍ إِلى أرضٍ. = والحسن والنخعي (تَنْشُرُها) السبعة ١٨٩، وقرأ نافع وابن كثير والحسن وابن عباس والنخعي وابن عامر (نُنْشِرُها) النشر ٢٣١/٢، وقرأ أُبي (نُنْشيها) البحر المحيط ٢٩٣/٢. (١) البيت للفرزدق في الكامل ٤٣/٢. (٢) غريب ابن الجوزي ٢ /٤٠٩ والنهاية ٥٧/٥. (٣) غريب ابن الجوزي ٤٠٩/٢ والنهاية ٥٧/٥ والفائق ٧٥/٢. (٤) المفردات ٨٠٧، وفيه ( تعقد الأمور ). ١٨٠ باب الدون وبشرٌ أنشاطٌ، أي قريبةُ القعرِ يَخرجُ دُلُوها بجذبةٍ واحدةٍ. والنَّشيطةُ: ما ينشَطُ الرئيسُ لأخذه، كلٌّ ذلك منَ السهولَةِ. وقيلَ: الناشاطاتُ: حيَّاتَّ تنشَطُ الكفرةَ. يقالُ: نشطَتْه الحيَّةُ، أي نهشَتْه. فصل النون والصاد ن ص ب : قولُه تعالى: ﴿والأنصابُ﴾ [المائدة: ٩٠] هي حجارةٌ كانتْ تُنْصَبُ فتُعبدُ. وقيلَ: يُذبحُ عليها ويُغلى عليها اللحمُ يأكُلُ منه المحاويجُ، وهو جمعُ نُصُب. وَنُصُبَّ جمعُ نِصابٍ، نحوُ حمارٍ وحُمُر. ثم حُمُر يُشبهُ عُنُقاً فَجُمع على أَفعالٍ. وَقِيلَ: نَصبٌ جمعُ نَصيبٍ. قالَ الراغبُ(١): نصْبُ الشيءِ: وضعُه وَضْعاً نائئاً كنَصْب الزرعِ والبناءِ والحجر. والنَّصيبُ: الحجارةُ تُنْصب على الشيءِ، وجمعُه نَصائبُ ونُصُب، وكانَ للعربِ حجارةٌ تعبدُها وتَذْبحُ عليها. ثم قالَ: وقد يقالُ في جمعِهِ أَنصابٌ. انتهى. قلتُ: الهاءُ في قولهِ : - جمعه - تعودُ على نُصُب لا على نَصيب لأنه عُهدَ جمعُ فعلٍ على أفعالٍ كما تقدَّمَ في نحوِ عُنُقَ وأَعناق، ولم يُعهدْ جمعُ فَعيلٍ على أفعالٍ إِلا صفةٌ نحوُ شَريفٍ وأشراف. فإِن أُدُّعي أنَّ النصيبَ صفةٌ: فعيل بمعنى مفعولٍ صحَّ أن يكونَ أنصابٌ جمعَ نصيب. وقالَ الهرويُّ: الأنصابُ واحدُها نُصُبٌ ونُصْبٌ ونَصْبٌ. ولم يبيِّنْ هلِ النُّصبُ جمعٌ أم لا؟ وقد قُرئ قولُه تعالى: ﴿ إِلى نُصُب يوفِضُون﴾ [المعارج: ٤٣] بالأوجه الثلاثةً (٢). والظاهرُ أن النَّصبَ - بفتح النون - مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ، وأنَّ النُّصب - بالضم والسكون - مخففٌ منَ المضموم. قولُه تعالى: ﴿بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ [ص: ٤١] النُّصْبُ والنَّصَبُ: التَّعبُ. قالَ تعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فيها نَضَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨] وكذلك هو البخلُ والرشدُ، وقد قُرئ بالوجهينٍ فيهنَّ،(٣) ومثلُهُ الْعُدْمُ وَالعَدَمُ، والحُزْنُ والحَزَنُ، والعُرْبُ والعَرَبُ. يقالُ منه: (١) المفردات ٨٠٧. (٢) قرأ الحسن وأبو عمران ومجاهد (نَصَبٍ)، وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة وابن ميمون (نُصْبٍ)، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي (نَصْبٍ) الإتحاف ٤٢٤ والنشر ٣٩١/٢ والبحر المحيط ٣٣٦/٨. (٣) قرأ نافع وعاصم والحسن وشيبة (بنُصُبٍ)، وقرأ يعقوب والحسن والجحدري والسدي (بنَصَبٍ)، وقرأ عاصم ويعقوب وأبو حيوة (بنَصْبٍ) الإتحاف ٣٧٢ والسبعة ٥٥٤ والنشر ٣٦١/٢.