Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ باب الكاف والنَّخفيفِ معَ فتحِ الياءِ وسكونِ الكاف(١)، وهما واضحان لأنَّ المنافقينَ، لعنهم اللهُ، قد فَعلوا النَّوعینِ: کذبوا الرسول و کذبوا في قولهم: آمنا وليسوا بمؤمنين. وقولُه: ﴿فَإِنَّهم لا يكذبونكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] قرئَّ - أيضاً - بالتَّقیلِ والنَّخفيف(٢)؛ فمن قرأَه مُثَقَّلاً فمعناهُ أنَّهم لا يقولون لكَ: كذبْتَ؛ يقالُ: كذَّبْتُه إِذا قلتَ له كذبْتَ. ومن قرأهُ مُخفَّفاً فمعناهُ أنهم لا يَرون ما أتيتَ به كذباً. والمعنى أنكَ صادقٌ عندَهُم، ولكنّهم يَجْحدونَه بألسنتهم. وأكذبته - أيضاً -: إِذا وجدتَه كاذباً. وقيلَ: كذّبْتُه: نسبتُه إِلى الكذب، نحو: فسَّقْتُه: نسبتُهُ إِلى الفسق، صادقاً كان أو كاذباً. وقيلَ: معناهُ لا يَجدونَكَ كاذباً ولا يستطيعون أن يُبَيِّنوا كذبَك لأنه أمرٌ مُحالٌ. قولُه: ﴿ليسَ لوقعتِها كاذبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] الكاذبةُ - قيلَ - هي مصدرٌ، كالعاقبة والعافية، أي ليسَ لوقوعها كذبٌ أي هيَ كائنةٌ لابدَّ منها ولا التفاتَ إِلى من كذَّبَ بها، وقيلَ: المعنى نفسٌ كاذبةٌ. وقيلَ: نُسب الكذبُ إِلى نفسِ الفعلِ كقولهم: فِعْلةٌ صادقةٌ وفعلٌ كاذبة. قولُه: ﴿وَظُنُّوا أنَّهم قد كُذِبِوا﴾ [يوسف: ١١٠] قرئً بالتَّشقيل والتَّخفيف أيضاً(٣) .. والمعنى أنَّهم قد كذبوا من جهةٍ قومِهم وأنَّ قومَهم كَذَّبوهم أي نَسبوهم إِلى التكذيبِ هذا في من ثَقَّل، فأمّا قراءةُ التخفيف فاسْتَشْكلها جماعةٌ، وتكلّم بعضُ الناسِ فيها بما لا يليقُ، والحقُّ فيها أنَّ معناها كُذِّبُوا من جهةٍ قومِهم. وغلب على ظنِّهم أنَّ قومَهم كذّبُوهم فيما وَعدوا الرسُلَ أنهم يؤمنون بهم. وعن عائشةَ رضي اللهُ عنها: ﴿حتى إِذا استيأسَ الرسلُ﴾[ يوسف: ١١٠] ممنَّ كذَّبَهم من قومهم أن يُصدّقوهُم، وظنَّتِ الرسلُ أنَّ مَن آمَنَ منهم من قومهم قد گَذَّبوهم ﴿ جاءَهُم نَصْرُنا ﴾ عند ذلك(٤) .وروى ابنُ جریرٍ (١) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والأعرج وشيبة ومجاهد وشبل (يُكَذّبون) الإتحاف ١٢٩ والنشر ٢٠٧/٢ والسبعة ١٤١ . (٢) قرأ نافع والكسائي والأعمش (لا يُكْذِبُونَك) الإتحاف ٢٠٧ والنشر ٢٥٨/٢. (٣) قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو عمرو وعائشة والحسن وقتادة وابن مسعود وابن عباس (كُذّبوا) ، وقرا أُبيّ وابن مسعود ومجاهد والضحاك والأعمش (كَذَّبُوا) البحر المحيط ٥ /٣٥٤ والإتحاف ٢٦٨ والنشر ٢٩٦/٢، وقرئت (كَذَّبوا) إِملاء العكبري ٣٣/٢. (٤) تفسير ابن كثير ٥١٥/٢ . ٣٨٢ باب الكاف عن ابنِ عباسٍ أنَّ الضميرَ في ((ظنوا) للكفرة وفي أنهم (كُذبوا)) للرسل؛ أي ظنَّ قومُ الرسلِ أنَّ الرسلَ كُذِبوا فيما وَعدوا به من نَصرِهم عليهم بإِمهالِ اللهِ تعالى إياهم، وقيلَ: الضمائرُ كلُّها للقومِ، أي أنَّ الرسلَ وعَدَتْهم العذابَ إِن لم يُؤمنوا. فلما طالَ الأمرُ عليهم بالإِمهال لا بالإهمالِ ظنُّوا أنهم قد كُذِبوا فيما وعدَتْهم به الرسلُ من العذاب(١)، ولذلك كانوا يستعجلون به كما قال تعالى: ﴿فلا تَسْتعجلون﴾ [الأنبياء: ٣٧] أي بالعذاب، وهذا شأنُ المتمرِّدين المغترِّينَ بحلم الله عليهم. فنسألُ اللهَ تعالى ألا يجعلَنا ممَّن يُمْلَى لهم ويستدرِجُهم من حيثُ لا يعلمون. وقد تكلمتُ في هذه الايةِ كلاماً مُشبعاً في ((الدرِ)) و((العقد)) و((التفسير الكبير)) بما يليقُ بكلِّ منها، وهذا القدرُ هنا كاف. قوله: ﴿لا يَسْمعون فيها لَغْواً ولا كذّاباً﴾ [النبأ: ٣٥] قرئً بالتشديد بمعنى التكذيب(٢)، والمعنى: لا يكذبون فيكذّبُ بعَضُهم بعضاً، ونفيُ التكذيبُ عن الجنة يَقْتضي نفي الكذبِ عنها، قاله الراغب(٣)، وهو صحيحٌ في هذه المادة التي نحنُ فيها، وأما في غيرِها فلو قيلَ: لا تكذيبَ في الدارٍ، لَا يُلزمُ منه نفيُ الكذبِ من أصلهِ. وقال الهرويُّ في قولهِ: ﴿وَكَذَّبُوا بَآياتنا كذّاباً﴾ [النبأ: ٢٨]، وقُرِئَ مُخففاً(٤). قالَ: وفِعّالّ في مصدرٍ فَعَّلَ أكثرُ من فَعَل يعني أنَّ مصدرَ فعَّل مشدّداً على فعّالٍ مشدّداً أكثرُ منه على فَعالٍ مخففاً، وفيه نظرٌ من وجهينٍ: أحدُهما أنه لم يقرأ بذلك إلا في قوله ((ولا كذّابً)). والثاني أن فعلاً مخففاً ليس مصدر الفعل المشدَّد. قولُه: ﴿بدمٍ كذبٍ﴾ [يوسف: ١٨] أي ذي كذب، أي مكذوبٍ فيهِ، أو جعلَ نفسَ الدمِ كذِباً مبالغةً. نحوٍ رجلٌ عدْلٌ وصَوْمٌ، وتقدَّمَ أنه قُرِئَ بالدالِ المهملة (٥). قولُه: ﴿ناصية كاذبةٍ (٦) خاطئةٍ﴾ [العلق: ١٦] أي كاذب صاحبُها خاطئٌ، فَنُسب (١) المصدر السابق. (٢) قرأ الكسائي وعلي بن أبي طالب (كذَاباً) الإتحاف ٤٣١ والسبعة ٦٦٩ والنشر ٣٩٧/٢. (٣) المفردات ٧٠٥ . (٤) قرأ علي بن أبي طالب وأبو رجاء والأعمش وعوف (كِذَاباً)، وقرأ عمر بن عبد العزيز والماجشون (كُذَّاباً) البحر المحيط ٤١٤/٨ - ٤١٥ والقرطبي ١٩ / ١٨١. (٥) قرأ زيد بن علي (كذباً)، وقرأ الحسن وعائشة (كدب) البحر المحيط ٢٨٩/٥ والإتخاف ٢٦٣. (٦) قرأ أبو حيوة وزيد بن علي وابن أبي عبلة (ناصيةٌ كاذبةً خاطئةً) ، وقرأ الكسائي (ناصيةٌ كاذبةٌ خاطئةٌ) البحر المحيط ٤٩٥/٨ . ٠٠ ٣٨٣ باب الكاف الكذبُ إِليها مبالغةً نحو: نهارُه صائمٌ. وقيلَ: عَبَّر بالبعضِ عن الكلِّ وأتّى بأشرف ما فيه وأعلى، فوصفَه بأقبحْ الصفات وهو الكذبُ والخطأ، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: ((كَذَبَ عليكَ الحجِ)) (١) قال بعضُهم(٢): معناهُ وجبَ عليكَ فعليكَ بهِ، قال: وحقيقتُه أنه في حكم الفائتِ لبطءٍ وقتهٍ كقولك: قد فاتَ الحجُّ فبادرْ أي كادَ يفوتُ. و((كذَبَ عليك العَسَلُ))(٣) أي عليك العَسَلُ، فهو إِغراءٌ، واختلفَ الناسُ فيما بعدَ عليك من هذا الكلام؛ فبعضُهم پرویه بالرفع على أنه فاعلُ (( کذبَ)) ويقول: هو بمعنی وجَبَ ونُقل عن معناهُ الأصلي إِلى هذا المعنى، ووجهُ النقلِ ما قدَّمتُه من البطءِ؛ قال الهرويُّ: وفي حديثٍ عُمر ((كَذَب عليكُم الحجِّ، كَذَب عليكم الجهادُ)) قال أبو عبيد؛ قالَ الأصمعيُّ: معناه الإِغراءُ، قالَ: وكان وجهُه النَّصب ولكنه جاءَ شاذاً مرفوعاً (٤) ومثله حديثهُ الآخرُ: ((شَكا إليه رجلٌ النِّقْرسَ فقال: كَذَبَ عليكَ الظَّهائرُ)) (٥) أي عليكَ بالمشي فيها. ومنه الحديثُ في مَن احتجَم يومَ الخميسِ والأحد: ((كذّباك))(٦) أي عليكَ بهما. وفي حديث عليٍّ كرمَ اللهُ وجهَه: ((كَذَبَتْكَ الحَارِفَةُ))(٧) أي عليكَ بمثلها. وقال الفراءُ: معنى كذَبَ عليكَ: وَجَب عليك، وهو الكذبُ في الأصل في معنى قوله: (( كذَبَ عليگُم الحجِ)) أنْ قيلَ: لا حجُّ فهو كذبٌ، وقال أبو سعيد: معناهُ الحضُّ؛ يقولُ: إِنَّ الحجّ ظنَّ يكُم حرصاً عليه ورغبةً فيه فكذَبَ طنِّه. قلتُ: ورواهُ الراغبُ بالنصبِ(٨)؛ لكنَّه في العَسل فقالَ (( وكذَبَ عليكَ العَسلَ) بالنصب أي عليكَ بالعَسَل، وذلك إِغْرَاءٌ، وقيلَ: العَسلُ هَا هُنَا العَسَلَانُ؛ وهو ضربٌ منَ السَّير، ولم يذكرْ في لفظِ الحجِّ شيئاً من رفعٍ ولا نصبٍ. والظاهرُ أنه لا فرقَ بينَ لفظٍ ولفظٍ معَ إِيجادِ المعنى، ويُؤخذُ من كلامِ الفَرّاء أنَّ ((كذبَ)) ردّ لكلامٍ متكلُّمٍ مُرادٍ كانَّ قائلاً قالَ: لا حجَّ، فقيلَ في جوابه: كذبَ. ويكونُ (١) الفائق ٢ /٤٠٠ وغريب ابن الجوزي ٢٨٤/٢ والنهاية ١٥٨/٤ والحديث لعمر وليس للنبي تَّه، وتتمته: «كذب عليكم الجهاد ، كذب عليكم العمرة» . (٢) المفردات ٧٠٥ . (٣) الفائق ٢ /٤٠٠ والنهاية ٤ /١٥٨. (٤) غريب ابن الجوزي ٢/ ٢٨٤، وفي النهاية ٤ /١٥٨ دون ذكر اسم الأصمعي. (٥) الفائق ٢ /٤٠٠ وغريب ابن الجوزي ٢٨٤/٢ والنهاية ٤ /١٥٨. (٦) الفائق ٢ /٤٠٠ وغريب ابن الجوزي ٢٨٤/٢ والنهاية ٤ /١٥٧. (٧) الفائق ٢٥٣/١ وغريب ابن الجوزي ٢٨٤/٢ والنهاية ٤ /١٥٧. (٨) المفردات ٧٠٥ . ٣٨٤ باب الکاف عليكُم الحجّ جملةً برأسها، إِمَّا إِسميةٌ من مبتدأ وخبر إِذا رَفعنا الحجَّ ويفيدُ فائدةَ الإغراءِ، لأنَّ معنى عليكم الحجّ، أي واجبٌ عليكم الحجُّ، ومعنى الزموا الحجَّ واحدٌ ولهذا خرَّجَ بعضُهم قوله عليه الصلاة والسلام: (( وإِلا فعليهِ بالصَّوم))(١) أنَّ الباءَ مَزيدةٌ في المبتدأ. وقد مرَّ إِغراءُ الغائبِ، والمعنى مع ذلك موجودٌ وهو وجوبُ الصومِ عليه إِن خافَ العَنَتَ. ومن جعلَه إِغِراءَ فهمَ الإِغراءَ من لفظ ((الكذب)). والظاهرُ أنه مفهومٌ من لفظِ ((عليكَ)). وجيءَ بـ ((كذَبَ)) لما ذكرتُه أولاً عن فهم كلامِ الفراءِ؛ فقد تلخّص من كلامِهم أنه ينطقُ بما بعدَ ((عليك)) من هذا التركيبِ بالرفْعِ والنصَّب؛ فالرفعُ على الفاعليةِ بـ ((كذَب)) أو بالابتداء، و ((عليك)) خبرُه كما مرَّ تفسيره. وإِمّا النصبُ فعلى الإغراءِ، والعاملُ فيه ((عليك)»، و ((كذب)) رِدٌّ لكلامٍ متقدمٍ، واللهُ أعلمُ. وكذبَ يتعدَّى لاثنين، لأحدهما بنفسهِ، وللثاني بحرف الجرِّ، فيقالُ: كذبتُه: الحديثَ وفي الحديثِ، نحو صدقتُه الحديثَ وفي الحديثِ. ويقالُ: رجلٌ كذّابٌ وَكَذوبٌ وَكُذُبْذُبٌ وَكُذَيذِبٌ وكَيْذُبَانٌ، كلٌّ ذلك للمبالغة في كذبه. ويقالُ: حملَ فلانٌ على قرِه فكذَبَ، كما يقالُ في ضدِّه: صدَقَ. ويقالُ: كذبَتْهُ نفسُهُ: إِذا خابَ ظنُّه، ومنه قولُ الشاعرِ: [ من الوافر] ١٣٣٠ - وقد کذبٹك نفسك فأكذبیھا . فإِنْ جزعاً وإِنْ إِجمالَ صبر(٢) وكذبَ لَبَنُ الناقةِ : إِذا ظُنَّ أنه يدومُ مدةٌ فلم يَدُمْ. فصل الكاف والراء ك رب : قولُه تعالى: ﴿فَنَّجيناهُ وأهلَه من الكربِ العظيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦] الكربُ: الغمّ الشديدُ. والكربةُ: الغَمَّةُ الشديدةُ. قيلَ: وأصلُ ذلك من كَرْبِ الأرضِ: أي حَفْرُها وقَلْبُها. بالحَفْرِ ، فكانَّ الغمَّ يثيرُ النفسَ إِثارةَ ذلك. وقيلَ: أصلُه من قلبِ الأرضِ بالكِرابِ، أي (١) أخرجه البخاري في الصوم، (١٠) باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة ١٨٠٦، وأعاده في النكاح ٤٧٧٨ - ٤٧٧٩، ومسلم في النكاح ١٤٠٠، ومسند أحمد ١ /٥٧. (٢) البيت لدريد بن الصمّة في ديوانه ٦٨ وابن يعيش ٨ / ١٠١، ١٠٤ والخزانة ٤ / ٤٤٤ وسيبويه ٣٣٢/٣،٢٦٦/١ والمقتضب ٢٨/٣ . ٣٨٥ باب الكاف الآلةِ التي تُحرثُ بها الأرضُ. وقيلَ: أصلُّه من أكربتُ الدلوَ، أي شددْتُه بالكَرَبِ(١)، فكأنَّ الكَرَبَ يُضيقُ النفسَ ويوثقها وثاقَ الكَرَبِ للدَّلوِ، وأنشدَ: [من البسيط] شَدُّوا العناجَ وَشَدُّوا فوقَه الكَرَبًا(٢) ١٣٣١ - قومٌ إِذا عَقَدوا عَقْداً لجارِهمٍ ويصحُّ أنْ يكونَ من كربَتِ الشمسُ: أي دنتْ للمغيب. وكَرَبَ فعلُ مقاربة من أخواتٍ عسَى، يعملُ عملَ كان، وفي دخولِ أنْ في خبرِها اختياراً خلافٌ، وقد سُمع بالوجهينِ، فمن ذلك قولُ الشاعرِ: [من الخفيف] حينَ قالَ الوُشاةُ: هندٌ غَضوبُ(٣) ١٣٣٢ - كَرَبَ القلبُ مِن جواهُ یذوب ومنَ الإِتيانِ بأنْ قولُ الآخرِ: [ من الطويل] ١٣٣٣ - وقد كربَتْ أعناقُها أنْ تَقَطّعا(٤) ولها أحكامٌ ذكرتُها في غيرِ هذا، وفي الحديث: ((استَعَفَّ أو كَرَب)(٥) أي: قارَبَ. وكلُّ دانٍ فهو كارِبٌ. والكُرُوبيون: طائفةٌ منَ الملائكة، قال أبو العالية: هُم سادةُ الملائكة؛ سمُّوا بذلك لقربٍ مَنزِلتهم منَ اللهِ(٦). ومثلُه حديثٌ آخرُ: ((أَيْفَعَ أو كَرَبَ))(٧) أي قاربَ الإِيفاعَ، وأنشدَ: [ من الكامل] ١٣٣٤ - أَبُنِّيَّ إِنَّ أباكَ کارِبُ يومِهِ فإذا دُعيِتَ إِلى المكارمِ فاعْجَلٍ (٨) (١) الكرب: الحبل الأول في رشاء الدلو. اللسان (کرب). (٢) البيت الحطيئة في ديوانه ١٥، وقد تقدم برقم ١٠٧١ في مادة (ع ق د). (٣) تقدم برقم ١١٣٧ في مادة (غضب) . (٤) البيت لأبي زيد الأسلمي من قصيدة يهجو فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل والي المدينة والبيت في شذور الذهب ٢٧٤ والكامل للمبرد ١٠٩/١ وأوضح المسالك ٢٢٨/١، والشاهد عجز بيت وصدره : ( سقاها ذوو الأحلام سَجْلاً على الظّما). (٥) الفائق ٢٢١/١ وغريب ابن الجوزي ٢٨٤/٢ والنهاية ٤ / ١٦١. (٦) المصادر السابقة . (٧) الفائق ٣١٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٨٤/٢ والنهاية ٤ / ١٦١ والحديث الرقيقة . (٨) البيت لعبد قيس بن خفاف البرجمي في المفضليات ٣٨٤ والأصمعيات ٢٢٩ والحماسة الشجرية ١٣٥ والجمهرة ٢٧٥/١ واللسان (کرب) . ٣٨٦ باب الكاف أي قرُبَ من يومٍ أجله. وقالَ الليثُ: يقالُ لكلِّ حيوانٍ وثيقِ المفاصلِ: إِنه لَمُكْرَبُ المفاصلِ ولمُكْرَبُ الخلقِ. قلتُ: أصلُه من شدَدْتُ الدلوَ بالكَرَبِ، كما تقدم. وفي الحديث: ((مَن فرَّجَ عن مسلمٍ كُرْبةً من كُربِ الدُّنيا فَرَّجَ اللهُ عنه كربةً من کُربِ یومٍ القيامة))(١). قد تقدَّمَ أنَّ الكربةَ شدَّةُ الغمِّ، وهي الغمةُ الشديدةُ. ك ر ر : قولُه تعالى: ﴿ثم ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَينِ﴾ [الملك: ٤] وليسَ المرادُ بالتثنيةِ هُنَا شَفْعَ الواحدِ إِنَّما المعنى على كرّاتٍ بدليلٍ قولِه: ﴿ يَنقلبْ إِليكَ البصرُ خاسئاً وهوَ حَسِيرٌ﴾، أي مُزدجراً وهو كليلٌ. ومعلومٌ أنَّ ذلك لا يكونُ بينَ نظرتين فقط، وإِنَّما المعني كرَّةُ بعدَ كَرَّةٍ. فهذا ممّا لفظُه تثنيةٌ ومعناهُ جمعٌ، ولهُ أخواتٌ: لَبَّيْكَ وَسَعْديك وهَدَادَيكَ ودَوَالَيْك وحَنَانَيْك. وأصلُ الكرِّ العطفُ على الشيءِ والعَودُ إِليه بالذاتِ أو بالغعلِ، ومنه كرَّ في الحربِ أي رجعَ إِليها، قال: [ من الوافر] أُحَتْفي كانَ فيها أَم سواها(٢) ١٣٣٥ - أكرُّ على الكتيبة لا أُبالي وقال امرؤ القيس: [ من الطويل] ١٣٣٦ - مكرِّ مِفَرٍ مُقْلٍ مُدْبرٍ معاً كجلمودٍ صخرٍ حطّ السَّلُ من عَلِ (٣) قولُه: ﴿ثمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكرَّةَ عليهثم﴾ [الإِسراء: ٦] أي الغلبةُ والظفرُ، وفي الحديث: ((وَتُكَركِرُ حباتٍ من شَعِيرٍ) (٤) أي تَطْحنُ؛ سُميتْ كركرةٌ لترديدِها الرَّحَى على الطحنِ، فمعنى العَودِ موجودٌ فيها، وأنشدَ لأبي دؤاد: [من المتقارب] ١٣٣٧ - إِذا كَرْكَرَتْهُ رِياحُ الجَنو بِ القُحَ مها عجافاً حيالا(٥) (١) أخرجه البخاري في المظالم، (٤) باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ٢٣١٠ ، ومسلم في البر والصلة ٢٥٨٠ . (٢) البيت للعباس بن مرداس في ديوانه ١٦٢ وديوان المعاني ١ / ١١٤ وعيون الأخبار ١٩٤/٢. (٣) البيت من معلقته في ديوانه ١٩، وقد تقدم في مادة (ف رر) برقم ١٠٩٢ . (٤) غريب ابن الجوزي ٢ / ٢٨٥ والنهاية ٤ / ١٦٥، وأخرجه البخاري في الاستئذان برقم ٥٨٩٤ ونسب القول إلى رجل اسمه ((سهل)). (٥) البيت في اللسان والتاج (كرر) لأبي ذؤيب ، لكنه ليس في ديوان الهذليين . : ٣٨٧ باب الكاف وفي الحديث ((أنه عليه الصلاةُ والسلام وأبا بكر وعمرَ تضيَّفوا أبا الهَيْئم بنَ التَّيهان، فقالَ لامرأته: ما عندك؟ فقالتْ: شَعيرٌ، قالَ: فَكَرْكِرِي﴾(١) أي اطْحَني، والمصدرُ: الكَرْكَرةُ. والكِرْكِرَةُ - أيضاً - رحَى زَوْرِ البعيرِ. والكرْكِرَةُ - أيضاً - الجماعةُ المجتمعةُ، وهي - أيضاً - تصريفُ الرياحِ السحابَ، وذلك مكرَّرٌ مِن كَرَّ، ومنه البيتُ المتقدِّم لأبي دؤاد: إِذا کرْکَرْتْه الریاحُ. والكَرْكَرَةُ - أيضاً - صوتٌ يردِّدُه الإِنسانُ في جَوفهِ، وقال شَمِرٌ: الكَرْكَرَةُ من الإدارة والثّردیدِ، وهو مِن كَرَّ. والكُرُّ - بالفتح -: الحَبْلُ المفتولُ لأنه كُرِّرَ مثلُه، وهو في الأصلِ مصدرٌ سُمِّي بِهِ الحبلُ، وجمعُه ◌ُرورٌ. والكُرُّ مقدارٌ معلومٌ، وقالَ النَّضرُ: الكُرُّ بالبصرةِ ستةُ أَوقارٍ، قالَ الأزهريُّ: الكُرَّ: ستونَ قَفِيزاً. والقَفيزُ ستةُ مَكاكيكَ، والمَكُّوكُ: صاعٌ ونصفٌ، وهو ثلاثُ كَيلَجات؛ فالكُرُّ على هذا الحساب اثنا عشَرَ وَسْقاً، وكلُّ وسقٍ ستونَ صاعاً. ك رس: قولُه تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ والأرضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. الكرسيُّ في العرفُ العامِّ: اسمٌ لِما يُقْعَدُ عليه، واشتقاقُه من الكِرْس وهو المُتَلِّدُ، وقالَ الراغب(٢): وهو في الأصلِ منسوبٌ إِلى الكِرْسِ أي المُتَلِّد. قلتُ: وفيه نظرِ لانَّ النَّحويينَ نصُّوا على أنَّ ياءَه وياءَ يحيى ونحوهما ليسا للنَّسب. واستدلُوا بأنهما جُمعا على فَعالي، وفعالي لا يكون جَمْعاً لما ياؤه للنسب، ولذلك خَطّؤُوا مَن قال: إِنَّ أَناسيَّ مِن قوله تعالی: ﴿وأناسِيَّ كثيراً﴾ [الفرقان: ٤٩] جمعُ أُنْسِيّ لأنَّ ياءَه تدلُّ على النسب، بل هو جمعٌ الإِنسانٍ على ما قَروتُه في غيرِ هذا الموضع، فإِنْ عَنَى أنَّ ياءَه في الأصلِ للنسبِ فيه أن معنَى النسب مهجورٌ فيه، وهو الظاهرُ من عبارتِهِ، فصحيحٌ. والمادةُ تدَلّ على الانضمامِ (١) غريب ابن الجوزي ٢٨٥/٢ والنهاية ٤ /١٦٥. (٢) المفردات ٧٠٦ . ٣٨٨ باب الكاف والاجتماع، ومنهُ الكرّسةُ للمجتَمَعِ منَ الأوراق. وكَرَّسْتَ البناءَ فتكرَّسَ، وقيلَ الكِرْسُ: أصلُ الشيءٍ، ومنه قولُ العربِ: هو عظيمُ الكِرْسِ. وأُنشدَ قولُ العجاج: [من الرجز] ١٣٣٨ - يا صاحِ هل تعرفُ رَسْماً مُكَرَّسا قالَ: نعمْ أُعرِفُه، وَأَبْلسا (١) والكُرُّوسُ: المتركِّبُ بعضِ أجزاءٍ رأسهِ إِلى بعضٍ لكبرهِ. وأمّا الكُرسيُّ في الآية الكريمةِ فعن ابنِ عباسٍ رضي اللّه عنهما أنه هو علمُ اللّه(٢)، وقالَ غيرُه: كرسيُّه أصلُ مُلكه. وقال آخرون(٣): الكرسيُّ الفَلَكُ المحيطُ بالأفلاكِ، قالَ ويشهدُ لذلكَ ما رُويَ عنه عليه السلام: ((ما السمواتُ السَّبْعُ في الكرسيَّ إِلا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ))(٤). وفي الحديث: ((ما أَدِري ما أَصنعُ بهذه الكراييسِ))(٥) يَعني الكُنُفَ، الواحدُ كِرْياس، وهو ما كانَ مُشرِفاً على سطحٍ بقناةٍ إِلى الأرض، فإِنْ كانَ أسفلَ فليسَ بِكِرْيَاسٍ. قيلَ: وسُمي بذلك لِما يعلقُ بِهِ مِن الأقذار فيتكرَّسُ، ومنه: الكِرْسُ كِرْسُ الدُّمَن ونحوِها فهو فعْیالٌ من ذلك. ك رم : قولُه تعالى: ﴿ولقد كَرَّمْنا بني آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. عن ابن عباسٍ: جعلناهم يأكلون بأيديهم ويتناولون غذاءَهُم بها. وحُكي أنَّ أبا يوسُفَ الحَنَفيِّ رضي الله عنه أکل معَ الرشيدِ يوماً فأحضرَ مَلاعَقَ، فقالَ: يا أميرَ المؤمنين بَلغَنا أنَّ جَدَّك عبدَ الله قالَ في تفسيره: ((جعلنا لهم أيدياً يأكلونَ بها)). فتَركَ الملاعقَ وأخذَ بيدهِ. وقيلَ: جعلناهُم مُنْتصبي القامة وغيرَهُم مُنحنياً، وجعلنا لهم نُطقاً وتمييزاً خلافَ سائرِ الحيوانات. (١) ديوانه ١ /١٨٥ (١٦ السطلي) وتقدم برقم ١٩٣ في مادة (بلس) . (٢) تفسير ابن كثير ١ /٣١٧. (٣) المفردات ٧٠٦، والقول ليس للراغب. وفي تفسير ابن كثير ٣١٨/١ ((زعم بعض المتكلمين أن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن ، وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير، ويقال له الأطلس» . (٤) الحديث تقدم في مادة (عرش) . (٥) الحديث لأبي أيوب في مسند أحمد ٥ /٤١٤ والفائق ٤٠٨/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٨٥/٢ والنهاية ٤ / ١٦٣ . ٣٨٩ باب الكاف وأصلُ الكرمِ سماحةُ النفسِ ببذلِ المالِ. وقيلَ: حسنُ الخلق. ثمَّ الكرمُ إِذا وُصفَ به الباري تعالى فهو اسمٌ لأحسانه وأنعامه المتظاهرة. وإذا وُصف به البشرُ فهو اسمٌ للأخلاق الحميدة والأفعال الجميلة الظاهرة؛ فلا يقالُ: كريمٌ إِلا إِذا اشتهرَ بذلك وظهرَ منه ظهورَ متعارف. قالَ بعضُ أهل العلم: الكرمُ كالحرية، إلا أنَّ الحريةَ تقالُ في المحاسنِ القليلة والكثيرة. والكرمُ لا يقالُ إِلا في الكثيرة، كما فعلَ عثمانُ رضي اللّه عنه في تجھیزِ جيشِ العسرة(١)، وكمَنْ يتحمَّلُ حَمَاةً يُحقَنُ بها دمُ قومٍ(٢). قولُه: ﴿إِنَّ أكرمَكُمْ عندَ اللهِ أتقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] إِنَّما كان كذلك لأنَّ الكرمَ - كما تقدَّمَ - الأفعال الحميدةُ، وأكثرُها ما قُصد به أشرفُ الوجوهِ، وأشرفُ الوجوهِ ما قُصدَ بهِ وجهُ الباري تعالى، ولا يَفعل ذلك إِلا الأتقياءُ. فمن ثمَّ كان أكرمُ الناسِ عندَ ربِّهم أتقاهُم له، وكلٌّ شرفٍ في بابه يوصَفُ بالكرمِ، وعليه قولُه: ﴿إِنه لقرآنٌ كريمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]. وقيلَ: معناهُ جمُّ الفوائد وكلُّ ذلك مراد. وقوله: ﴿كم أَنْبَتْنا فيها من كلِّ زوجٍ كريم﴾ [الشعراء: ٧] ﴿بل عبادٌ مُكْرَمون(٣)﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي جعلهم كراماً. قوله: ﴿كراماً كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] وصفَهم بذلك لشرفهم في أبناءِ جنسِهم. ونخلةٌ كريمةٌ أي طيبةُ الحَمْلِ أو كثيرتُه، وشاةٌ غزيرةُ اللبنَ. قولُه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِالَّلِغْوِ مَّرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: ٧٢] أي مُنزِّهين أنفسَهُم عن سماعه وعن قوله. وقيلَ: مُعرِضين عنه قد أكرمُوا أنفسَهم بعدم الدخولِ فيهِ، وقيل: غير مؤاخَذين قائلين كقولهِ: ﴿وإِذا خاطَبَهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣]. قولُه: ﴿لَهُم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] كرمُه أنْ خلصَ من مُتْعبات الدنيا في تحصيله، ومن الشُّبِهِ المُقترنةِ بالمكاسب والأرزاقِ، ومنَ الأسقامِ العارضة من تناوله (١) يوم العسرة : هو اسم آخر ليوم تبوك، وكان في السنة التاسعة من الهجرة، وجهز عثمان بن عفان ثلث الجيش وأنفق عليهم سبعين ألف درهم. انظر أنساب الأشراف ٣٦٨ وأيام العرب في الإسلام ١٢٣ - ١٣٤ وتفسير ابن كثير ٤١٤/٢ - ٤١٥. (٢) مثل هرم بن سنان والحارث بن عوف اللذين أنهيا بكرمهما معركة داحس والغبراء ، انظر أيام العرب في الجاهلية ٢٤٦ - ٢٧٧ ومعلقة زهير بن أبي سلمى حيث مدحهما (ديوانه ١٣ - ٣٧). (٣) قرأ عكرمة (مُكرِّمون) إِملاء العكبري ٢/ ٧٢ . ٣٩٠ باب الكاف عندَ الإفراط فيه ومن الحرص عليه والشخِّ به على مُستحقِيه. وقيلَ: أكرم عمّا في الدنيا من الانقطاع والتنغيص والفساد. قولُه: ﴿إِنِّي أُلقيَ إِلىّ كتابٌ كريمٌ﴾ [النمل: ٢٧]. قيلَ: مختومٌ، وَكَرَمُ الكتاب خَتْمُه، وقيلَ: كرمُه كونُه من عندِ كريمٍ. وقيلَ: لبداءتِه فيهِ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحیم، وكأنَّ قولَها: ﴿إِنَّه من سليمانَ وإنه بسم الله الرحمنِ الرحيم﴾ [النمل: ٣٠] تفسيرٌ لكرمه أو جوابٌ لمن قالَ: وما وجهُ كرمِهِ؟ أو تعليلٌ لقولِهَا المُشيرِ للدَّعْوى. والظاهرُ عندي أنَّ قولَها: ﴿إِنَّهِ مِن سُليمانَ﴾ إِلى آخرهِ تفسيرٌ لنفسِ ((كتابٍ) لا لكرمه بدليلِ قُولِها: ﴿أَلأَ تَعْلوا عليَّ وأتوني مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] فهو أنَّ لنا من كرمه بل من مقتضاهُ ومضمونهِ، ويؤيِّد ما قلتُّه أنَّ قوله: ﴿إِنَّه من سُليمانَ﴾ كانَ عنوانَه، ومن ثَمَّ عُنْونتِ الكُتُب. وقولُه: (وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)) إِلى آخرهِ مضمونُه، كذا جاءَ في التفسير. وكرامُ الخيلِ والطيرِ: عتاقُهما. والكريمُ - أيضاً - مَن كان أبواهُ شريفينٍ، والمعرَّفُ بضده، وأنشد : [من الرمل] وكريمٍ بُخَلُه قد وضَعَهْ (١) ١٣٣٩ - کم بجود مُقرِف نال العُلَی . . يعني أنَّ الكرمَ قد يرفَعُ الدَّنِيءَ ويحِطُّ الشريفَ؛ فالكرمُ هنا ليس هو المتعارَفُ بِينَ الناسٍ، وما أطبعَ ما جاءَ في قولهِ: (( وكريمٍ بخُلُه)) فإِنه كالمتنافي في العرفِ العام. وفي الحديث: ((لا تُسمُّوا العنبَ كَرْماً إِنَّمَا الكَرْمُ الرجلُ المسلمُ))(٢) قال أبو بكرٍ محمدُ بنُ القاسم في تفسيرٍ ذلك: إِنَّما سُمي الكَرْمُ كَرْماً لأنَّ الخمرةَ المتخذةَ منه تَحُتُّ على السَّخاءِ والكَرَم؛ فاشتَقُّوا اسمَ الكَرْمُ منَ الكَرَمِ الذي يتولَّدُ منه(٣). قلتُ: ومن ذلك قولُ حسانَ: [من الوافر] ١٣٤٠ - ونَشربُها فتتركُبا مُلوكاً وقال آخر: [من مجزوء الكامل ] وأُسْدَأَ ما يُنْهِبِهُنا اللقاءُ(٤) (١) البيت لعبد الله بن كريز أو أنس بن زنيم، وقد تقدم في مادة (قرف) برقم ١١٥٧، : (٢) أخرجه البخاري في الأدب، (١٠١) باب: لا تسبّوا الدهر ٥٨٢٨ - ٥٨٢٩، ومسلم في الألفاظ من الأدب ٢٢٤٧ . (٣) ورد قول أبي بكر الانباري في غريب ابن الجوزي ٢٨٧/٢ وفي النهاية دون ذكر اسمه. (٤ ) ديوانه ٦٠ . ٣٩١ باب الكاف ربُّالخَوَرْنقِ والسَّدير(١) ١٣٤١ - فإِذا سكرتُ فإِنَّني ربُّ الشُّويهة والبعير وإِذا صحوتُ فإنّني قال: فكرهَ النبيُّ ◌َ ◌ّه أن تسمَّى الخمرُ باسم مأخوذٍ من الكَرَم، وجعلَ المؤمنَ أَولى بهذا الاسم الحسن؛ فأسقطَ الخمرَ عن هذه الرتبة تحقيراً لها وتأكيداً لحرمتهِ، يعني المؤمن. يقال: رجلٌ كَرَمٌ أي كريمٌ، وَصْفٌ بالمصدر، وقال الأزهريُّ: سُمي العنبُ كَرْماً لكرَمِهِ، وفي المؤمنِ تكرمةٌ، وذلك أنه ذُلُل لقاطفه وليس عليه سُلاَّءٌ(٢) فيَعقرُ جانيهِ ويحملُ منه الأصلُ ما تحملُ النخلةُ. وكلَّ شيءٍ كرمٌ فهو كريمٌ. وفي الحديث: ((إِذا أخذتُ من عَبدي كَرِيمِتَيهِ))(٣) ورُوي ((كريمتَه)) يَعني عينيه وعَينَه، سميتْ لعزَّتِها على صاحبها. وكلُّ ما عزَّ عندَك فهو كريمٌ، ومنه: ﴿إِنكَ أنتَ العزيزُ الكريمُ﴾ [الدخان: ٤٩] قيلَ له ذلك في معرضِ التهكُّم أو على حكاية ما كانَ يقالُ له في الدنيا. قالَ شَمِرٌ: كلُّ شيءٍ مُكرَّمٌ عندك فهو كريمُك. وفي الحديثِ: ((إذا أتاكُم كريمُ قومٍ فأكرِموهُ))(٤) ورُوي ((كريمةُ قوم)) كأنَّ التاءَ للمبالغة كرجلٍ فَروقةٍ وراوِيةٍ. وفي الحديث: ((خيرُ الناسِ يومئذٍ مؤمنٌ بينَ كريمينٍ )) (٥) قال بعضُهم: هما فَرَسانٍ يغزو عليهما، وقال آخرون: بينَ أبوینِ مؤمنينٍ، وقال آخرون: بينَ الحجِّ والجهادِ (٦). ك ر هـ: قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لِكُمْ أنْ تَرِثوا النساءَ كَرْهاً﴾ [النساء: ١٩] قُرئَ في المتواترِ بالفَتح والضمّ(٧)؛ فقيلَ: هُما بمعنى الضَّعف والضُّعف، وقيلَ: المفتوحُ ما ينالُ الإنسانَ منَ المشقّة من خارجٍ مما يُحملُ عليه بإكراهٍ. والكُرُهُ ما ينالُ من ذاتهِ وهو ما يعانُه، وذلك (١) البيتان للمنخل اليشكري ، وقد تقدما برقم ٥٥٤ في مادة (رب ب) . (٢) سلاء : مفردها سلاءة ، وهي شوكة النخل. (٣) مسند أحمد ٢٥٨/٥، وهو حديث قدسي. (٤) غريب ابن الجوزي ٢٨٨/٢ والنهاية ٤ / ١٦٧. (٥) الفائق ٢٧٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٨٨/٢ والنهاية ٤ /١٦٨. (٦) وردت الأقوال الثلاثة في غريب ابن الجوزي ٢٨٨/٢ . (٧) قرأ حمزة والكسائي وخلف والحسن والأعمش (كُرْهاً) الإتحاف ١٨٨ والسبعة ٢٢٩ والبحر المحيط ٢٠٢/٣. ٣٩٢ باب الكاف على نوعين: أحدُهُما ما يعافُه من حيثُ الطبعُ، والثاني ما يعاقُه من حيثُ الشرعُ والعقلُ. ولذلكَ يصحُّ أنْ يقالَ: إِني أكرهُ الشيءَ وأريدُه من حيثُ الشرعُ والعقلُ، أو أكرهُه من حيثُ الشرعُ وأريدُه من حيثُ الطبعُ. وعلى الأُولِ قولُه تعالى: ﴿كُتب عليكُم القتالُ وهو كُرْءٌ(١) لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] أي من حيثُ الطبعُ، وقولُه تعالى بعدَ ذلك: ﴿وعسَى أنْ تكرهوا شيئاً وهوَ خيرٌ لكم وعسَى أنْ تُحبُّوا شيئاً وهو شَرِّلكُم﴾. فبَّه أَّه يجبُ على الإِنسان أنْ لا يَكرَهَ شيئاً ولا يحبَّه حتى يعرفَ كُنْهَهُ وما يَؤولُ إِليه، وهذا كالدواءِ؛ فإِنَّ النفوسَ تكرهُه وفيه صَلاحُها، وعكسُه الأغذيةُ الغليظةُ الثقيلةُ؛ فإِنَّ النفوسَ تريدُها وفيها فسادُها وسَقامُها. فالطاعاتُ كالأدوية والمعاصي كالأغذية المؤذية. قولُه: ﴿ولا تُكرِهُوا فَتَيَاتِكم على البغاءَ﴾ [النور: ٣٣] أي لا تُكرهوهِنَّ على الرِّنا. وحقيقةُ الإكراهِ حملُ الإِنسانِ علی ما یکرهُه. وقولُه تعالى: ﴿لا إِكراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] قيلَ: ١ - منسوخٌ بآياتِ القتالِ، وكانَ في ابتداءِ الإِسلامِ يُعرضُ على الرجلِ الإِسلامُ فإِنْ أجابَ وإِلا خُلِّي سبيلُه ولا نِقاتلٌ على ذلك(٢). ٢ - وقيلَ: ليستْ منسوخةً والمرادُ أهلُ الكتاب فإنهم إِذا أرادوا الجزيةَ تُركوا وأُقِرُّوا من غيرِ إِكراهٍ على الإِسلام، بخلافِ المحاربينَ منهم وغيرهم من المشركين. ٣ - وقيلَ: معناهُ لا حكم لمن أُكره على دينٍ باطلٍ فاعترفَ به ودَخل فيه، كما قال تعالى: ﴿إِلا مَنْ أُكرِهَ وقلبُهُ مُطمئنٌ بالإِيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . : ٤ - وقيل: لا اعتدادَ في الآخرةِ بِما يَفعلُه الإِنسانُ في الدنيا من الطاعاتِ كَرْهاً، فإِنَّ اللهَ مُطَلِعٌ على السرائرِ فلا يَرَضَى إِلا الإِخلاصَ، ولهذا قالَ عليه الصلاة والسلام: ((الأعمالُ بالنيات))(٢٠)، وقالَ عليه الصلاة والسلامُ: ((أخلصْ يكفِكَ القليلُ من العملِ))(٤). (١) قرأ معاذ بن مسلم والسلمي (كَرَّةٌ) إِملاء العكبري ١ /٥٤ والبحر المحيط ١٤٣/٢ (٢) انظر الدر المنثور ٢ /٢١ وتفسير ابن كثير ٣١٨/١. (٣) أخرجه البخاري في بدء الوحي الحديث الأول ومسلم في الإمارة ١٩٠٧. (٤) أخرجه الحاكم في الرقاق ٣٠٦/٤ وأبو نعيم في الحلية ٢٤٤/١. ٣٩٣ باب الكاف ٥ - وقال آخرون: معناهُ لا يُحملُ الإِنسانُ على أمرٍ مكروهٍ في الحقيقةِ ممّا يكلِّفُهم اللهُ بل يحملون على نعيمِ الأبد، ولهذا قالَ مَّه: ((عَجِب ربُّك من قومٍ يقادون إِلى الجنَّةِ بالسَّلاسلِ))(١). ٦ - وقيلَ: معناهُ أن ((الدِّينَ)) هُنا جزاءٌ، وأنَّ اللهَ تعالى ليس بمُكرَهٍ على الجزاءِ بل يفعلُ ما يشاءُ بِمَن يشاءُ، فهذه ستةُ أقوالٍ. قولُه تعالى: ﴿أُيُحبُّ أحدُكم أنْ يأكُلَ لحمَ أخيهِ مَيْتاً فكرِ هْتُمُوهُ(٢)﴾ [ الحجرات: ١٢] فيه تنبيهٌ علي أنَّ لحمَ الأخِ شيءٌ جُبلتِ الأنفسُ على كراهتهِ وإِنْ تعاطتْه. والإكراهُ ضدُّ الاختيارِ والطَّواعيةِ. . قولُه تعالى: ﴿إِلا مَن أُكرِهَ وقلبُه مطمئنٌ بالإِيمانِ﴾ لم يكتفِ باشتراط الإكراه في ذلك حتى ضمَّ إِليه اتصافَه بكون قلبه غيرَ مشكُّك ولا مُتَلجلچٍ في ذلك. قولُه: ﴿وله أسَلَمَ مَن في السَّمواتِ والأرضِ طَوعاً وكَرْهاً(٣)﴾ [آل عمران: ٨٣] قيل(٤): ١ - معناهُ أسلمَ مَن في السمواتِ طَوعاً ومَن في الأرضِ كَرْهاً، أي الحجةُ القاطعةٌ بصحةِ الإِسلامِ ألجأتْهم، وأكرهتْهُم على ذلك، كقولك: دليلُ هذه المسألة ألجأني إِلى القولِ بها، تريدُ أنه ظاهرٌ بَيِّنٌ، وهذا ليسَ مذموماً. ٢ - وقال آخرون: أسلمَ المؤمنون طوعاً والكافرون كرهاً. ومعناهُ أنهم لم يَقْدروا ◌ُنْ یمتنعوا علیه مما یریدُهم به. ٣ - وأبينُ مِن هذا قولُ قتادةَ حيثُ قال: أسلمَ المؤمنونَ له طَوعاً والكافرون كَرْهاً عندَ الموت، كأنه يريدُ قولَه تعالى: ﴿فلما رأَوا بأسَنا قالوا آمنا بالله وحدَهُ ﴾ [غافر: ٨٤] الآية . (١) أخرجه البخاري في الجهاد، (١٤٢) باب الأسارى في السلاسل ٢٨٤٨. (٢) قرأ أبو سعيد الخدري وأبو حيوهة (فكرهتموه) البحر المحيط ٨ / ١١٥. (٣) قرأ الأعمش (وكُرْهاً) البحر المحيط ٢ /٥١٦. (٤ ) المفردات ٧٠٨ . ٣٩٤ باب الكاف ٤ - وقالَ أبو العالية(١) ومجاهدٌ: كلٌّ مُقَرِّ بخَلقه إِياهُ وإِنْ أشرِكَ معَه غيرَه كقوله تعالى: ﴿وَلَّئِن سألتَهُمْ مَنْ خَلقَهُمْ لَيَقولُنَّ اللـهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. ٥ - وقيل: عُنِيَ بالكَرْهِ مَن قَوْتَلَ وأُلجئَ إِلى أن يُؤْمِنَ، وهذه الأقوالُ إِنَّمَا تَتَمِشَّى في حقُّ مَن في الأرضِ دونَ مَّن في السّماءِ. ٦ - وقالَ ابنُ عباسٍ: أَسلموا بأحوالهم المُنبئةِ عنهُم وإِنْ كَفَرِ بعضُهم بمقالته وذلكَ هو الإِسلامُ في الدَّرِ الأولِ حيثُ قال: ﴿ألستُ برِبُّكم﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وذلك هي دلائلُهم التي فُطروا عليها منَ العَقلِ المُقْتضي لانْ يُسْلِموا. وإِليهِ أشارَ بقولِه: ﴿وظلالُهُمْ بالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥]. ٧ - ونَقل الراغبُ(٢) عن بعضِ الصوفية أنَّ مَن أسلمَ طَوعاً هو مَن طَالعَ المُثجب. والمُعاقبَ لا الثواب والعقاب. ومَن أسلمَ كَرْهاً هو مَن طالعَ الثواب والعقابَ فَأَسلمَ رغبةٌ ورهبةً، ونحوُ هذه الآيةِ قولُه تعالى: ﴿وللهِ يسِجُدُ مَن فِي السَّمَواتِ والأرضِ طَوعاً. وَكَرْهاً﴾ [الرعد: ١٥]. قولُه: ﴿لا يَحِلُّ لِكُمْ إِن تَرِثُوا النساءَ كَرْهاً﴾، قيلَ: كانَ الرحلُ في الجاهليةِ إِذا. ماتَ وترِكَ امرأةٌ وله ولدٌ ذكرٌ أمسكها بعَقْدِ أبيهِ الأولِ حتى تموتَ، فیرثُ منها ما ورثتْه مِن أبيهِ ويقول: أنا أحقُّ بامرأتهِ. وقيل: بل كانَ إِذا تركَها وله ورَثَةٌ فإِنْ سَبَقٍ واحِدٌ منهم إِليها وأَلْقَى عليها رداءَه أو ثوبَهِ فهو أحقُّ بها أن يَنْكحَها بمثلِ مهرٍ مُورِّثِهِ، أو يُنكِحَها غيرَه. ويكونُ مهرُها له. وهذه أحكامٌ جاهليةٌ طَهَّرِ اللهُ دِينَه منها بشرعهِ القويم على لسانٍ نبيِّهِ الکریم. قولُه: ﴿ حَمَلتْه أمُّهُ كُرْهاً ووضَعَتْهِ كُرْهاً﴾(٣) [الأحقاف: ١٥] يجوزُ أن يكونَ حالاً من أمِّه ◌ِمّا على المبالغة أو على حذفٍ مضافٍ أي ذاتٍ كُرُهٍ، أو على أنَّه بمعنى (١) هو رُقيع بن مهران، أبو العالية الرياحي (ت . ٩ هـ) كان ثقة كثير الإرسال . انظر تقريب التهذيب ٠٫٢١٠ (٢) المفردات ٧٠٩ . (٣) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وهشام والأعرج ومجاهد (كرهاً) الإتحاف ٣٩١ والنشر ٢٤٨/٢ والسبعة ٥٩٦ . ٣٩٥ باب الكاف مُكْرهةً، وأن يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي حَمْلاً مُكرهاً. والمرادُ ما يحصلُ لها من الثقلِ وعدمِ النهوضِ حالَ حملها لا سيَّما إِذا قاربتِ الوضعَ وجدتْ مشقةٌ لثقله، ولذلك قالَ تعالى: ﴿فلمّا أَثْقلتٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] أي صارت ذاتَ ثقلٍ. ويقالُ: كرهتُ الشيءَ أكرهُه كُرهاً وكراهةٌ وكراهيةً. والكرامةُ - غالباً - ما لا إِثمَ فيه، وقد يرادُ بها الحرامُ. فصل الكاف والسين ك س ب : قولُه تعالى: ﴿لها ما كسَبَتْ وَعَليها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أتَى باللامٍ في جانب الكسب وبـ((على)) في جانب الاكتسابِ لفائدةٍ جليلةٍ وهيَ النَّبيهُ على مزيدٍ كرمهِ وتَطاوُل فضلهِ، من حيثُ إِنه تعالى يعيدُ للإنسانِ ما ينسبُ إِلى كسبهِ، وإِنْ لم يكنْ منه تَعاطِ لذلك ولا مباشرة، بل إِذا كانَ سبباً في شيءٍ عُدَّ ذلك كسْباً له، حتى الولدُ الصالحُ جُعل مِن كسبهِ(١)، فيثابُ بأعمالٍ ولده الصالحات، وأمّا ما يؤاخَذُ به وهوَ الذي عبر عنه بأنه عليه فلم يؤاخَذْ به إِلا إِذا كان لهُ فيه عملٌ ومباشرةٌ وافتعالٌ؛ ألا ترى أنَّ الافتعالَ يؤذنُ بالاهتمامٍ بالفعل، بخلافٍ مجردِ الفعلِ، فاللامُ غالباً لما يجبُ بخلافٍ على. وإنَّما استَظهرتْ تعالياً لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ اسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]. وقيلَ: الكسبُ ما يتحرَّاهُ منَ المكاسبِ الأُخروية، والاكتسابُ ما يتحرَّهُ من المكاسب الدنيويَّة. وقيلٌ(٢): عنَى بالكسب ما يفعلُه الإِنسانُ من فعلِ خيرٍ، وجَلْبٍ منفعةٍ إِلى غيرهِ، والاكتساب ما يحصِّلُه لنفسه من نفعٍ، فنَّه على أنَّ ما يفعلُه الإِنسانُ لغيره من نفعٍ ليوصِّله إِليه فلهُ الثوابُ، وأنَّ ما يحصِّله لنفسهِ وإِنْ كانَ مُتْناوَلاً من حيثُ يجوزُ على الوجه، فقلما ينفَكُّ من أن يكونَ عليه، إِشارةٌ إِلى ما قيلَ: ((مَن أرادَ الدنيا فليوطِّنْ نفسَه على المصائب))(٣). (١) إِشارة إلى الحديث ((إِن أطيب ما يأكل الرجل كسبه، وإِن ولده من كسبه)) مسند أحمد ٣١/٦. (٢) القول في المفردات ٧١٠، والقول ليس للراغب ، (٣) القول لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في مجمع الأمثال ٢٧٤/٢ والتمثيل والمحاضرة ٣٢ والمستقصى ٣٥٤/٢ وفصل المقال ٢٤٣ والأمثال لابن سلام ١٦٢ . ٣٩٦ باب الكاف والكسب - في الأصل- ما يتحرَّهُ الإِنسانُ ممّا فيهِ جَلْبُ نفعٍ أو دفعُ ضُرُّ. وغلبَ استعمالُه في تحصيلِ الأموالِ وتوابعها. قال الراغبُ(١): وقد يُستعملُ الكسبُ فيما يَظنُّ الإِنسانُ أنه يَجلِبُ منفعةٌ ثم استُجلبَ بِهِ مَضِرَّةٌ. فالكسبُ فيما أخذَه لنفسه ولغيره، ولهذا قد تَعدَّى لمفعولينٍ، نحوُ: كَسَبْتُ زيداً مالاً. والاكتسابُ لا يقالُ إِلا فيما اسْتَفَدْتَهُ لنفسك، فكلُّ اكتسابٍ كسبٌ، وليسَ كلٌّ كسبٍ اكتساباً، وذلكَّ نحوُ: خِيزَ واسْتخبزَ، وشَوَى واشْتَوى انتهى. ففرَّقَ بينَهُما من هذه الحيثيةِ. وهي -في التحقيق- راجعةٌ إِلى ما قدمتُه. ثم في نحوٍ: خبزَ واستخبزَ نظرٌ، وكأنه سَبْقُ قلمٍ أو لسانٍ، وصوابُه: واختَبَزِهِ ويدلُّ عليه قولُه بعدَ ذلك: وشَرى واشْتَوى، وذلك أنَّ كلامَه في الفرق بينَ فَعَل وافْتَعل، لا بينه وبينَ اسْتَفعل. وحكى ابنُ الأعرابيّ: أكسبتُ زيداً مالاً، وأنشدَ : [ من الطويل] وأكسَني مالاً وأكسبتُه حَمداً(٢) ١٣٤٢ - فأوسعتُه مَدحاً وأَوسّعَتي قرى قولُه: ﴿مَا أَغْنَى عنهُ مالُهُ وَمَا كَسَبٍ (٣)﴾ [المسد: ٢] يجوزُ أنْ تكونَ ما مصدرية فتتأوَّلُ مع ما بعدها بمصدرٍ أي وكسْبُهُ. ثم هذا الكسبُ يجوزُ أن يكونَ باقياً على مصدريته بطريقِ الأصالة، وأنْ يكونَ واقعاً موقعَ المفعولِ، وحينئذٍ فیجوزُ أن يُراد به المالُ الذي کسَبَه. وقيل: يجوزُ أن يرادَ به الولدُ، والولدُ مِن کسبهِ. ويجوزُ أن تكونَ ما موصولةً بمعنى الذي، وحينئذٍ يرادُ به المالُ أي والذي كسَبَه. قيلَ: ويجوزُ أن یرادَ به الولدُ، وفيه ضعفٌ من حيثُ إِن ما لغيرِ العاقل عندَ الجمهورِ، وفي الحديث: ((إِنَّ أطيب. ما أكل المرءُ مِن كَسْهِ وإِنَّ ولَدِه من كسبهِ)) (٤). قولُه: ﴿أَنْفِقوا مِن طَيِّبات ما كسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي كسْبكم أو الذي: كسَبْتُموه، وفي الحديث: ((أنه سُئل: أيُّ الكسبِ أفضلُ؟ فقال: عملُ الرجلُ بيده))(٥) (١) المفردات ٧٠٩ . (٢) لم أهتد إليه . (٣) قرأ ابن مسعود والأعمش (اكتسب) البحر المحيط ٥٢٥/٨. (٤) مسند أحمد ٣١/٦ وابن ماجه برقم ٢٢٩٢ وابن حبان في صحيحه برقم ١٠٩١. (٥) مسند أحمد ٤ /١٤١ وسنن النسائي ٢٤١/٧. ٣٩٧ باب الكاف ومنه الحديثُ المتقدِّمُ أيضاً: ((إِنَّ أطيبَ ما أكلَ المرءُ من كسبه)) الحديث. وقد وردَ في الكتاب العزيزِ استعمالُ الکسبِ في الصالحِ والسيئ و کذلك الاكتسابُ؛ فمن ورود الكسبِ في الصالحِ قولُه تعالى: ﴿أَو كسَبَتْ في إيمانها خيراً﴾ [الأنعام: ١٥٨] ومن وروده في السيِّئٍ: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةٍ﴾ [البقرة: ٨١] ﴿كَسَبوا السِّيئاتِ﴾ [يونس: ٢٧] ﴿أَنْ تُبْسَلَ نفسٌ بما كَسَبَتْ﴾[الأنعام: ٧٠] قولُه: ﴿ثمَّ تُوَفَّى كلُّ نفسٍ ما كسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١] شاملٌ للأمرينِ جميعاً، ومن ورودِ الاكتساب في الصالحِ قولُه: ﴿للرجالِ نَصيبٌ ممّا اكتَسَبوا وللنساء نصيبٌ ممّا اكتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]. ومن وروده في غيرهِ قولُه تعالى: ﴿وعليها ما اكتسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقد تقدَّمَ ما في ذلك. ك س ف: قولُه تعالى: ﴿أو تُسقِطَ السماءَ كما زَعَمْتَ عَلينا كِسَف١ٌ)﴾ [الإسراء: ٩٢] الكِسَفُ جمعُ كسْفَةٍ، وهي القطعةُ التي تُسقُطها علينا قِطّعاً. وأصلُه من قولهم: كسَفْتُ الثوب أکسِفُه کسفاً أي قطعته قطعاً، حكاه أبو زيدٍ. وكسَفْتُ عُرقوبَ البعيرِ، وإِنَّما يقالُ كسَحْتُ لا غيرُ. والكِسْفَةُ: القطعةُ من السحابِ والقطنٍ ونحوِهما منَ الأجسامِ المُتَخَلخلة . وكسوفُ الشمسِ والقمرِ: استتارُهُما بعارضٍ في علمِ اللهِ تعالى. ومنهُم مَن خصَّ الكسوفَ بالشمسِ والخسوفَ بالقمرِ. ثم استُغيرَ ذلك لتغيُّرِ الوجهِ والحالِ، فقيلَ: كُسِفَ وجهُه وحالُه ومالُه، قالَ الشاعرُ: [من الخفيف] ١٣٤٣ - ليسَ مَن ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ إِنَّمَا المَيْتُ مَيْتُ الأَحياءِ(٢) كاسفاً بالُه قليلَ الرُّخاءِ إِنَّمَا المَيْتُ مَن يعيشُ كئيباً قالَ شَمِرٌ: الكسوفُ في الوجهِ صُفرةٌ وتَغيِّرٌ، وقالَ أبو زيدٍ: كُسِف بالُه: إِذا حدَّثَتْه نفسُهُ الشرَّ. وقيلَ: كسوفُ البالِ: أن يضيقَ عليهِ أملُه، وقالَ الشاعرُ: [من البسيط] (١) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن كثير ويعقوب وخلف (كِسْفاً) الإتحاف ٢٨٦ والسبعة ٣٨٥. (٢) البيتان لعدي بن الرعلاء، وتقدما برقم ٤١٣، وهما في معجم الشعراء ٢٥٢ والخزانة ٤ /١٨٧ وحماسة ابن الشجري ٥١ والأصمعيات ١٥٢ . ٣٩٨ باب الكاف : : تَيكي عليكَ نجوم الليلِ والقَمرا(١) ١٣٤٤ - الشمسُ طالعةٌ ليستْ بكاسفة والنحاة في نصبٍ (نجومٍ)) كلامٌ حرَّرناهُ في غيرِ هذا. وقُرِئُ: ﴿فَأَسْقِطْ علينا كِسَفاً﴾ [الشعراء: ١٨٧] و((كِسْفاً))(٢) فالأولُ على أنَّه جمعُ كِسْفَةٍ نحوُ سِدْرةٍ وسِدَرٍ. والثاني على أنه اسمُ جنسٍ نحوُ: قَمْحٍ وقَمْحَةِ، والجمعُ كسوفٌ وأكسافٌ. والمعنى: أو تُسْقِطها علينا كِسَفَاً طبقاً. قيلَ: واشتقاقُه مِن كسفتُ الشيءَ: غطيتُه، وما قدَّمْتُه أشهرُ. ك س ل : قوله تعالى: ﴿وإذا قامُوا إِلى الصلاة قامُوا كُسالى (٣)﴾ [النساء: ١٤٢] أي مُتباطئين. والتكاسُلُ: التثاقُلُ عمّا لا يَنْبغي التَّنَاقِلُ عنه، وغلبَ فيمَنْ قَلَّتْ مروءِتُه وتقاعدَ عن شغله. يقالُ: رجلٌ كَسِلٌ وكَسْلَانُ، والجمعُ كُسالى وكسالى نحوُ: سُکاری وسكارى، جمعُ سكران. والمكتبالُ: المرأةُ المتنعمةُ الفاترةُ عن القيامِ، وهو كنايةً عن ضخامتها وسمنها وتَنَعُّمِها، كما قيلَ: [ من السريع] ١٣٤٥ - يُقعدُها من خلفها الكفلُ (٤) والكسَلُ مذمومٌ، ولذلك تعوَّذَ منه نبيُّنَا مَ له فقالَ: ((أعوذُ بالله من الكسلِ والفشلِ))(٥). وفحلٌ كَسِلٌ: كُسِلَ عن الضَّرابِ. وفلانٌ لا تُكْسِلُه المكاسِلُ: أي لا يَنْثَنِي عمَّا يقصدُه وإِن خوّفَ منه وتُّبِّط. (١) البيت لجرير في ديوانه ٣٤٥، وقد تقدم برقم ١٩٠. (٢) هي قراءة حمزة والكسائي وابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وشعبة وخلف ويعقوب. الإتحاف ٣٣٤ والنشر ٣٠٩/٢ والسبعة ٣٨٥ . (٣) قرأ الأعرج (كسالي)، وقرأ ابن السميفع (كَسْلى) البحر المحيط ٣٧٧/٣. (٤) لم أهتد إليه . (٥) أخرج البخاري في الجهاد ٢٦٦٨، وفي الدعوات ٦٠٠٦، ٦٠٠٢ ((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ))، وانظر ما أخرجه في تفسير سورة النحل ٤٤٣٠، وفي الدعوات ١٦٠٠٤، ٦٠٠٧ - ٦٠١٠ ٣٩٩ باب الكاف وفي الحديث: ((ليسَ فِي الإِكسالِ إِلا الطَّهورُ))(١) الإكسالُ، مصدرٌ أكسلَ الرجلُ: إِذا جامعَ فلحقَه فتورٌ فلم يُنْزِلْ، وهذا يشبهُ قوله: ((إِنَّما الماءُ منَ الماء)» وفيه بحثٌ حَقَّقناهُ في غيرِ هذا الموضوعِ، ومثلُه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إِذا أتّى الرجلُ أهلَه فأقْحط فلا يغتسلُ))(٢). ك س و : قولُه تعالى: ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ(٣) بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣] الكسوةُ ما يُكتسَى به من الملبوسات على اختلاف أنواعها بحسبِ أهلِ كلِّ بلدةٍ. وكانوا في العصرِ الأول يلبسون الجلودَ حتى علَّمَ اللهُ تعالى ((شيثَ)) صنعةَ النَّسج. وهذا دليلٌ أنَّ سَتْرَ العورة ممَّا يُهتمُّ بشأنهِ، وأيضاً فإِنَّ فيه دفعَ ضررِ البردِ والحرِّ، ولذلك قالَ تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. قيلَ: تقديرُه: والبردَ، والمادةُ تدلُّ على سَترِ الشيءٍ وتغطيتهِ، وعليه قولُه تعالى: ﴿فكسَوْنَا العظامَ لَحماً﴾ [المؤمنون: ١٤]. واكتَسَى الغصن بالورقِ. ويُحتمَلُ أنْ يكونَ ذلك من الاستعارة. واكتستِ الأرضُ بالنباتِ من ذلك، يقال: كَساهُ يكسوهُ كِسْوةً، بكسر الكاف وضمِها، وأنشدَ : [ من الطويل] لحافٌ ومَصقولُ الكساءِ رقيقُ(٤) ١٣٤٦ - فباتَ لها دُونَ الصَبا وهي قُرَّةٌ شَبَّه نباتَ الأرضِ بالكسوة ، وقيلَ: هو كنايةٌ عن الدُّوايةِ التي تَعْلو اللَّبنَ وهي ما يُحملُ على وجهه فيكونُ كالجلدة الرقيقة، وكذلكَ ما يَعلو المرقَّةَ يقال فيه دُواية بضمٌ الدالِ وكسرِها. وقالَ آخرُ: [من المنسرح] أكساءِ خَيلٍ كأنها الإِبلُ (٥) ١٣٤٧ - حتی اری فارس الصُّيموت على عَنِى بأكْسائها ما يَعلوها من الغبارِ ويلبسُها منه عندَ عدْوِها حتى تكونَ بمنزلةٍ (١) الفائق ٤١٠/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٩٠/٢ والنهاية ٤ /١٧٥. (٢) الفائق ٣١٩/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٢٠/٢ والنهاية ٤ /١٧. (٣) قرأ طلحة (كُسْوتهن) البحر المحيط ٢١٤/٢. (٤) البيت لعمرو بن الأهتم في اللسان والأساس (كسا) والمقاييس ١٧٩/٥ والمجمل ٧٨٤/٣ والمفضليات ١٢٧ . (٥) البيت للمثلم بن عمرو التنوخي في اللسان والصحاح والأساس والتاج (كساً، صمت) والمجمل ٧٨٤/٣ وشرح الحماسة للمرزوقي ٤٧٩/١. ٤٠٠ باب الكاف الكسوة لها. وقيلَ: عنَى باكتسابها أَعقابَها. ٠ : وفي الحديث: ((ونساء كاسيات عاريات))(١) فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: كاسياتٌ منَ النِّعم، عارِياتٌ منَ الشُّكر. الثاني: أنهنَّ يَكسينَ بعضَ أجسادهنَّ بأن يوسّعْنَ جيوبَهنَّ فِتُرى صدورُهنَّ ونحوُ ذلك. الثالثُ: أنهنَّ يلبسْنَ رقيقاً فيصفُ بشرتَهنَّ. فصل الكاف والشين ك ش ط : قولُه تعالى: ﴿وإِذا السماءُ كُشِطَتْ(٢) ﴾ [التكوير: ١١] أي قُلعتْ عن مقرِّها. ونحوُهُ: ﴿وتمورُ السَّمَاءُ مَوْراً﴾ [الطور: ٩] أي قُلعتْ كما يُقُلعُ سقفُ البيتِ، من قولهم: كشطتُ الحبلَ عن ظُهرِ الفَرَسِ وَقشطْتُه، وكشطتُ جلدَ الناقةِ وقَشِطَتُه: أي سلخْتُه وسحَبْتُهُ. قالَ ابنُ عرفةً: تُكشَطُ السماء كما يُكشَطُ الغطاءُ عن الشيءِ، ومنهُ: كشطتُ الورقة وقشطتُها: إِذا أزْلِتُ كِتَابَتَها بسكينٍ ونحوِها. ك ش ف : قولُه تعالى: ﴿ليس لها من دونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] أي نفسٌ كاشفةٌ، وقيلَ: التاءُ للمبالغة كرواية . وقيل: هو مصدرٌ على فاعلة كالعاقبة أي ليسَ لها كشفٌ وظهورٌ. وأصلُ الكشفِ إِزالةُ الغطاءِ ونحوهِ عن الشيءِ. ويستعارُ بذلك في المعاني كقولهِ: ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٤] ﴿فكشَفْنا عنكَ غطاءَك﴾ [ق: ٢٢] فالكشفُ يقاربُ الكشْطَ. قولُهِ: ﴿يومَ يُكشَفُ(٢) عن ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو الكنايةُ عن شدَّة الأمر كقولهم: قامت الحربُ على ساقٍ. وقيلَ: أصلُه من ذَمْرِ الناقةِ، وذلك أنه إِذا خرجتْ رِجلُ (١) الفائق ٢ / ٤١٠ وغريب ابن الجوزي ٢٩٠/٢ والنهاية ٤ /١٧٥. (٢) قرأ ابن مسعود (قُشِطَتْ) البحر المحيط ٤٣٤/٨. (٣) قرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة (يَكْشِفُ)، وقرأ الحسن (يُكْشِفُ) ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وابن هرمز (نكشف)، وقرأ ابن عباس ( تَكْشِفُ) البحر المحيط ٣١٦/٨، وقرأ ابن عباس والحسن وأبو العالية (تُكْشَفُ)، وقرئت ( تُكْشِفُ) القرطبي ٢٤٩/١٨ .