Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب الفاء
الناسُ فِي مُحاوراتِهم:
١١٩٩ - ولمّا اتَّقَى القَينُ العراقيُّ باسْتِهِ
فَرَغْتُ إِلى العبدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ(١)
والفراغُ في اللغتين على وجهينٍ: الأُولُ الفراغُ من شُغلٍ، وهذا غيرُ جائزٍ على اللهِ
تعالى لأنه لا يشغلُه شأنٌ عن شأنٍ، والثاني: القصدُ للشيءٍ.
والإِفراغُ: الصبُّ، ومنه: ﴿أَتُونِي أُفْرِغْ عليهِ قطْراً﴾ [الكهف: ٩٦] واستّغير ذلك
في المعاني؛ فقيلَ: أفرغَ اللهُ علينا الصَّرَ؛ قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا أفرغْ علينا صَبراً﴾
[ البقرة: ٢٥٠] وأفرغتُ الإِناءَ: صببتُ ما فيهِ، ومنه استُغيرَ: ذهبَ دمُه فِرْغاً، أي مَصبوباً
باطلاً غيرَ مأخوذٍ بثأرهِ. قال الشاعرُ: [من البسيط]
١٢٠٠ أهانَ دمَّكَ فَرْغاً بعدَ عزَّتِهِ
يا عمرُو بَغْيُكَ إِصراراً على الحسد(٢)
وقال آخرُ: [من الطویل]
فلن تَذْهبوا فَرْغاً بِقَعْلِ حِبالٍ(٣)
١٢٠١ - فإِنْ تكُ أَذْوَادٌ أُصِبْنَ ونِسْوةٌ
فرغاً: حالٌ من بقتل قدمَ عليه.
وحمارٌ فراغٌ، ودابةٌ فِراٌ، أي سريعةُ السير، ومنه حديثُ الأنصاري: ((حَمَلْنا رسولَ
اللَّهِ تَُّ على حمارٍ لنا قَطُوفٍ فنزلَ عنه فإِذا هو فِرائعٌ لا يُسايرُ))(٤) أي لا يمكنُ مسايرتُه
لسرعته وذَلكَ ببركته ◌َ﴾﴾ .
ف رق:
قولُه تعالى: ﴿وما أَنْزِلنا على عبدِنا يومَ الفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] قيلَ: هو يومُ
(١) البيت لجرير في ديوانه ٤٦٤ واللسان والتاج (فرغ).
(٢) البيت دون عزو في الدرر١ /١٣ والهمع ١ /٢٠، وقد تقدم برقم ٥٠٦(د م م) .
(٣) البيت لطلحة بن خويلد في العباب واللسان والتاج (فرغ) والمحتسب ٢ /١٤٨ والعيني ١٥٤/٣ والبحر
المحيط ٧ /١٠٧.
(٤) الفائق ٢ /٢٦٣ وغريب ابن الجوزي ١٨٩/٢ والنهاية ٤٣٧/٣.

٢٢٢.
باب الفاء
بدرٍ، وذلك أنه فُرِقَ فيه بينَ الحقُّ والباطل، وتبينَ أنَّ دينَ اللّه هو الغالبُ. فالفرقانُ مصدرُ
فرقَ يفرقُ، وأصلُّه في الأعيانِ نحوُ: فرقتُ بينَ الإِناءَينِ. وسُمي يومُ بدرٍ بيوم الفُرقانِ لأنه
أولُ يومٍ حصلَ فيه الفرقُ بين الحقِّ والباطل. وتقديرُه تقديرُ رجلٍ تُنْعانٍ أي يُقْنَعُ به في
الحُكم. والفرقُ يُستعملُ في ذلك وفي غيرهِ. وقيلَ: الفُرقانُ: اسمٌ لا مصدرٌ قاله
الراغبُ(١)، والفَرْقُ [ والفَلْقُ متقاربان. وقال الراغبُ: لكنِ الفَلقُ يقال اعتباراً بالانشقاق.
والفرقُ اعتباراً بالانفصال] والفرقُ: الطائفةُ من الناس المنفصلةُ عن غيرِها، قال تعالى:
﴿فلولا نَفَرِّ من كلِّ فِرقةٍ منهُم طائفةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]. قوله تعالى: ﴿فَكَانَ كَلُّ فِرْقٍ
كالطّودِ العظيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. فالفِرْقُ قطعةٌ من الماءِ مُنفصلة، والفريقُ: الجماعةُ
المنفردةُ أيضاً، كقوله تعالى: ﴿فريقٌ (٢) في الجنةِ وفريقٌ فِي السَّعِيرُ﴾ [الشورى: ٧].
وفرَقْتُ بينَ الشيئين: فصلتُ بينَهما، وهذا الفصلُ قد يكونُ مُدْركاً بالبصرِ كما في
الأشخاص، وقد يكونُ مُدركاً بالمعاني، ومنه الفرقُ بينَ المسألتين، وهذا إِداءُ معنىّ لِم
يوجَد في الطرفِ الآخِر مع تخيُّلِ الَّساوي.
قولُه تعالى: ﴿فَالفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾ [المرسلات: ٤] قيلَ: عنَى الملائكةَ، فإِنَِّ يَفرقونَ
بينَ الحقُّ والباطلِ حسبما أمرهُم اللهُ تعالى به. وقيلَ: بفصلِ الأشياءِ حسبما أُمروا به من
زيادة رزقٍ هذا وعمرهِ، ونقصٍ آخرَ منهما، حسبما وردّ بذلك ظاهرُ أحاديثَ مشهورة.
وقولُه تعالى: ﴿وَقُرْآنَاً فَرَقْنَاهُ ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أي فصلناهُ وبينًا فيه الأحكامَ،
وقُرئَ ﴿ فَرْقناه﴾(٢) مشدداً أي نَجَّمناهُ في التنزيل، ولذلكَ قالَ: ﴿ونَزَّلناه تنزيلاً﴾.
قولُه تعالى: ﴿لا تُفِرِّقُ (٤) بينَ أحدٍ من رُسلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إِنَّما دخلتْ بينَ
على أحدٍ وإِنْ كانَ بلفظِ الإِفرادِ. وبينَ لا تدخلُ إِلا على متعدِّدٍ لأنَّه يفيدُ الجمعَ في سياقٍ
(١) المفردات ٦٣٣.
(٢) قرأ زيد بن علي (فريقاً) البحر المحيط ٥٠٩/٧.
(٣) قرأها ابن محيصن وأبيّ وابن عباس وقتادة والشعبي وعكرمة والحسن وزيد بن علي وأبو رجاء
الإتحاف ٢٨٧ والقرطبي ٣٣٩/١٠.
(٤) قرأ ابن مسعود وأُبي (لا يُفَرِّقون) القرطبي ٤٢٧/٣، وقرأ أبوعمرو وسعيد بن جبير ويعقوب ويحيى بن
يعمر (لا يُفرِّقُ) الإنحاف ١٦٧ والنشر ٢٣٧/٢.
۔۔

٢٢٣
باب الفاء
النفي، والمعنى أنَّ الإِيمانَ بكلِّ الرسلِ واجبٌ، وكذلك بجميعِ الكتبِ السماوية وبجميعِ
الملائكة، فلو آمَنَ واحدٌ ببعضِ أولئك فإِيماتُه كَلا إِيمانٍ، وحينئدٍ يكونُ المؤمنُ بالبعضِ
قد فَرِّقَ بينَ رسولٍ ورسولٍ وكتابٍ وكتابٍ، معَ أن كلاًّ منهم يُدلي بما يُدلي الآخرُ. فما
مَعنى التفرقةِ بينَهم في ذلك؟.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَّرَقوا دينَهم﴾ [الأنعام: ١٥٩] أي جَعلوا دينهم مُختلفاً،
فخلطوا حقُّه بباطلهِ، بأنْ آمنوا ببعضِ الرسلِ وبعضِ الكتب، وكفّروا ببعضٍ، فهو في معنى
الآية قبلها. وقُرِئَ ﴿فارقوا﴾(١) أي تركوا. ويطابقُ الأولى قولُه بعدَه ﴿وكانوا شِيَعاً﴾
أي فرقاً مختلفةٌ.
قولُه تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقوا الله يجعلٍ لكم فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] أي نوراً وتَوفيقاً في
قلوبِكم يفرقُ بينَ الحقِّ والباطلِ، فكانَّ الفرقانَ مَهُنَا كالسَّكينةِ والرُّوحِ في غيرهِ. وقال
الفراءُ: أي فَتْحاً ونَصراً ونجاةً.
يقالُ للصبحِ فُرقانٌ لفرقِهِ بينَ النورِ والظلمةِ، ولأنه يُفرِقُ به بينَ الأشياءِ، ومنه قولُهم:
قد طلعَ الفُرقانُ.
والفرقانُ: كلامُ الله تعالى في سائرٍ كتبهِ المُنزلةِ لأنه يُفْرِقُ بينَ الحقِّ والباطلِ في
الاعتقاد، والكذبِ والصدق في المقالِ، والصالح والطالح في الأعمال. وهذا المعنى
موجودٌ في القرآنِ والتوراةِ والإنجيلِ والزبورِ، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا
مُوسى وهارونَ الفُرقانَ وضياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨]. قوله تعالى: ﴿وظَنَّ أنه الفِراقُ﴾
[القيامة: ٢٨] أي تيقنَ أو ترجَّحَ عندَه أنه زمنُ مفارقته الدنيا، وأنه ميتٌ لا محالةً، يعني
بذلك المُحتضرَ بدليلٍ تقدُّم قولهِ تعالى: ﴿كلّ إِذا بلغتِ التَّراقي﴾. وتأخُّر قوله:
﴿والتفَّتِ السَّقُ بالسَّاقِ﴾ الآية. والفراقُ والمُفارَقَةُ يكونانِ بالأبدانِ وبغيرِها ولكنْ
بالابدان أکثر؛ فیقالُ: فارقتْ روحُه جسده.
والفَرَقُ: شِدَّة الفزعِ لأنه يفرقُ القلبَ ويُشعِّبه لما يحصلُ فيه من الخوفِ،
(١) قرأها حمزة والكسائي والحسن وعلي. الإتحاف ٢٢٠ والنشر ٢٦٦/٢، وقرأ الأعمش والنخعي وأبو
صالح ( فَرَقوا) إِملاء العكبري ١ /١٥٤ والقرطبي ١٤٩/٧.

٢٢٤
باب القاء
:
واستعمال الفَرَقِ فيه كاستعمالِ الصَّدْعِ والشّقِّ فيه. ويقال: رجلٌ فَروقٌ وَفَروقٌ أي كثيرٌ
الفَرَق، وفَروقَةً أبلغُ كعلامة، ويستوي فيهِ المذكرُ والمؤنثُ؛ فيقالُ: امرأةٌ فَروقُ وفَروقةٌ.
ومنه قيلَ للناقةِ النَّدَّةِ في الأرض من وجعٍ المخاضِ: فارقٌ وفارقةٌ، وبه شُبَّهَتِ السحابةُ
المنفردةُ فقيل لها فارِقٌ.
والأَفرقُ من الدِّيكة: ما عُرْفُهِ مَفْروقٌ، ومن الخيلِ ما إِحدى وَرَكِيهِ أُرفعُ منَ
الأخرى. والفَروقةُ : - أيضاً - شحمُ الكُليتين. والفَرِيقَةُ: تمرٌ يُطبخ بحِلْبَةٍ.
قوله تعالى: ﴿ويريدون أن يُفرِّقوا بينَ اللهِ وَرُسلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠] أي يُظهرون
الإيمان بالله ویکفرون بالرسولِ، وهذا خلافُ ماأمرهُم اللهُ به، فإنه قرنَ الإيمان به بالإيمان
بالله، فمن كفرَ برسولهِ لم يؤمن بالله. فنسألُ اللهَ تعالى بمن جعل له هذه الرَّتبةَ أن یمنَّ
علينا برؤياهُ في الجنة آمين.
والفَرَقُ - أيضاً - إِناءٍ أو مكيالٌ يسعُ اثني عشرَ مُدّاً، وفي الحديث: ((كان يغتسلُ
معَ عائشةَ رضي اللّه عنهما من إِناءٍ يقالُ له الفَرَقُ))(١). قال أبو الهيثم: هو إِنَاءُ يأخِدُ سنةً
عشرَ رِطلاً وذلك ثلاثةُ أَصْوعٍ.
والفَريقةُ - أيضاً - طائفةٌ تشذُّ وتنفردُ عن الغنم، ومنه الحديثُ: (( ما ذئبان عاديان
أصابا فَرِيقةً غنم))(٢) والفرقُ - أيضاً -: القطيعُ من الغنم، وفي حديث عثمان أنه سأل
فقال: (( كيفَ تركتَ أفاريقَ العربِ))(٣) الآفاريقُ جمعُ أَفْراقٍ، والأفراقُ جمعُ فِرْقٍ وفِرقة
وفریق بمعنی واحد .
ف رھـ:
قولُه تعالى: ﴿وَتَنْحَتونَ مِنَ الجبالِ بُيوتاً فارِهينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] أي أَشرِينَ
بَطَرينَ، والجمعُ فُرَّةٌ. وَقُرِئَّ فارِهِين وفَرِهِينَ (٤) فقيلَ بمعنى، نحو [بارٌّ وبَرٍّ]. وقيل(٥):
(١) الفائق ٢ / ٢٦٤ وغريب ابن الجوزي ١٨٩/٢ والنهاية ٤٣٧/٣.
(٢) الفائق ٢ / ٢٥٩ وغريب ابن الجوزي ١٨٩/٢ والنهاية ٤٤٠/٣.
(٣) الفائق ٢٦٨/٢ وغريب ابن الجوزي ١٩٠/٢ والنهاية ٤٤٠/٣.
(٤) قرأها ابن كثير ونافع وأبو عمرو. الإتحاف ٣٣٣ والسبعة ٤٧٢، وقرأ مجاهد (متفرهين) البجر
المحيط ٧ /٣٥.
(٥) معاني الفراء ٢٨٢/٢.

٢٢٥
باب الفاء
فارِهين: حاذقين، وفَرِهين: أَشِرِين مَرحين.
وناقةٌ مُفْرِهٍ ومُفْرِهَةٌ: تُنتجُ الفُرََّ. والفراهَةُ تكون في الإِنسانِ وفي غيرِه من الحيوان،
يقالُ رجلٌ فارِةٍ ودابَّة فارِةٍ.
وقولُهم: هو أَفرَهُ عبدٍ وأَفرهُ عَبداً؛ فهو على الأولِ عبدٌ وعلى الثاني مالكُ عبدٍ،
وهذا يُعرف من صناعةِ النحوِ لا مِن هُنا.
ف ري:
قولُه تعالى: ﴿لقد جئتٍ شَيْئاً فَرِيً(١)﴾ [مريم: ٢٧] أي عظيماً، وقيلَ: عجيباً،
وقيل: مصنوعاً مختلفاً، ومعناها متقاربٌ. وفي الحديثِ لما وصفَ عمرَ فقالَ: ((لم أرَ
عَبَقرياً يَفْرِي فَرِيَّهُ(٢). وأصلُ الفَرْيِ قطعُ الجلدِ للخَرْزِ، قال زهيرُ بنُ أبي سُلمى: [من
الكامل]
ـضُ القومِ يخلُقُ، شهمٌّ لَا يَفرِي(٣)
١١٠٢ - ولأَنتَ تَفْري ما خلقت وبعـ
والفَرْيُ: الإِصلاحُ، والإِفراءُ: الإفسادُ، كانَّ الهمزةَ فيهِ للسلبِ، وإِذا أُزيلَ الإِصلاحُ
صار فَساداً. والافتراءُ: افتعالٌ من الفَرْي أوِ الإِفراءِ، وهو أقبحُ الكذبِ، أو الكذبُ مع
التعمُّد عندَ مَن يَرَى أن الكذبَ مخالفةُ ما في الواقع مُطلقاً. ولذلكَ موضعٌ حقَّقناهُ فيهِ
ولله الحمدُ، وقد ذكرْنا منه طرفاً في هذا الكتابِ عندَ كلامِنا على الصدقِ والكذب.
ووقعَ الافتراءُ والمرادُ به الكذبُ والشركُ والظلمُ، كلٌّ ذلك بحسب المقامات
الواردة في الكتاب.
وافترى الرجلُ: لبسَ الفراءَ. والفراءُ: جمعُ فَرْوة، وهذا يُستعملُ في التورية فيقالُ:
افْتَرى زيدٌ: أي لبسَ الفروةَ. وقولُه عليه السلام في حقٌّ سُفيانَ بنِ حربٍ: «أنتَ كما قيلَ:
كلُّ الصَّيدِ فِي جَوفِ الفَرا))(٤) فالفراء مقصورٌ مهموزٌ ليس من هذه المادةِ وإِن كان بعضُهم
(١) قرأ أبو حيوة (فَرْيا، فرئا) البحر المحيط ٦ /١٨٦.
(٢) الفائق ٢/ ٢٢١ وغريب ابن الجوزي ١٩١/٢ والنهاية ٤٤٢/٣.
(٣) البيت في ديوانه ٨٢، وقد تقدم برقم ٤٦٣.
(٤) تألف النبي ميه أبا سفيان بهذا القول، حين استأذن على النبي ◌َّه، فحجب قليلاً ثم أُذِنَ له. انظر
مجمع الأمثال ١٣٦/٢، وجمهرة الامثال ٢،٦٥/١ / ١٦٢/٢،١٣٦، والمستقصى ٢٢٤/٢ وفصل
المقال ١٠ والامثال ٣٥.

٢٢٦
باب الفاء
يَرويهِ ((الفراء)) بحرف المد وليس بصوابٍ، كذا قيلَ، وفيه نظرٌ من حيثُ إِنه إِذا وقف على
مثل هذه الهمزة جازَ قلبُها ألفاً، فالمنطقُ بذلك ليس خطأً إِنما الخطأُ اعتقادُ كونجُه غير
مهموزٍ، واللهُ أعلمُ.
فصل الفاء والزاي
ف زز:
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْرِزْ مَنِ استطعتَ منهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أي أَزْعِجْهُم
وقَلْقِلهم. يقالُ: استفرَّه يستفزُّه أي: استخفَّه مُزعجاً له، ومنه قولُه تعالى: ﴿وأنْ كادوا
لَيَسْتَفْزُّونَك منَ الأرضِ لِيُخرِجُوك منها﴾ [الإسراء: ٧٦]، ومثلُه: ﴿فأرادَ أنْ يَسْتَفَّهُم من
الأرضِ﴾ [الإسراء: ١٠٣] أي يزعجَهُم ويحركَهُم تحريكاً عنيفاً.
ويقالُ: فلانٌ أَزعجني واستفزّني : اسْتَدعاني استدعاءٌ يَستخفُّني به، وأنشدَ لأبي
ذُؤيبٍ: ﴿من الكامل]
شبَبُ أَفَزَّتْه الكلابُ مُرَوَّعُ(١)
١٢٠٣ - والدَّهرُ لا يَبْقَی علی حَدَثانه
أي استخفّتْه وأزعجَتْهُ، فالمعنى: استدْعِهم استدعاءٌ تستخفُّهم به إِلى إجابتك
بصوتك أي بدعائك.
وسُمي ولدُ البقرة فَرّاً لِما تُصُوّر فيه من الخفَّة، كما سُمي عِجلاً لِما تُصوِّر فيه من
العجلة .
ف زع:
قولُه تعالى: ﴿وهم مِنْ فَزَعِ(٢) يومئذٍ آمنونَ﴾ [النمل: ٨٩]. الفزعُ: قَيلَ الخوفُ
وليس بظاهرٍ، بل الفزعُ أخصُّ منه. وهو كما فسَّرِه بعضُ الحذَّاق: انقباضٌ يَعْتَرِي الإِنسانَ
ونِفارٌ من كلِّ شيءٍ مُخيفٍ، وهو من جنسِ الجَزَع. قالَ: ويقالُ: خفتُ منَ اللَّه ولا يقالُ:
فرغتُ منه.
(١) ديوان الهذليين ١٠/١« الشبب: الثور المسنّ، أفزته: استخفته وطردته)).
(٢) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ونافع وخلف ويعقوب (فَزَعِ يومِئِذٍ) وقرأ ورش ونافع (فَزَعِ يومَئِذٍ)
الإتحاف ٣٤٠ والسبعة ٤٨٧ والنشر ٢ /٣٤٠ وقرئت (فزع يومئذٍ) معاني الفراء ٣٠١/٢.
-

٢٢٧
باب الفاء
وقولُه تعالى: ﴿لا يَحْزَنُهُم الفَزَعُ الأكبرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. قيلَ: الفزعُ: دخولُ
النارِ والخلودُ فيها. وقيل: هوَ أن يُؤتى بالموتِ على هيئةٍ كبشٍ أملحٍ فيوقَفُ بينَ الجنةِ
والنار، وأهلُهما ينظرون إليه فيذبحُ ويقال: يا أهل الجنة خلودٌ بلا موتٍ، ويا أهلَ النارِ
خلودٌ بلا موتٍ، فذلك هو الفزعُ الأكبر. اللهمَّ أَمْنَا كما أَمَّنْتَ أولئك من هذا الفزع الأكبرِ
بحرمةٍ مَن أنزلتَ عليه كتابَكَ الکریمَ.
قوله تعالى: ﴿حتى إِذا فُرُعٌ(١) عن قُلوبِهم﴾ [ سبأ: ٢٣] أي كُشف عن قلوبهم
الفزعُ، قالَ الفراءُ: المفرّعُ يكونُ شُجاعاً ويكونُ جَباناً؛ من جعلَه شجاعاً مفعولاً به قال:
[ من الكامل]
١٢٠٤ - وبمثله تتزَّلُ الأفزاعُ(٢)
قال الهرويُّ: ومنه قولُ عمرو بن معدي كربَ وقد قالَ له بعضُهم: ((لأُ ضَرِّطِنُّكَ)):
(إِنها لعزومٌ مُفرَّعةٌ))(٣) أي صحيحةٌ بها تنزل الافزاعُ فتجلّيها، ومَن جعلَه جَباناً أرادَ : يَفْرَعُ
مِن كلِّ شيءٍ. قال الفراءُ: هذا مثلُ قولِهِم: رجلٌ مُغلَّب أي غالبٌ، ومُغلّب أي مَغلوب.
وفزِع يغزَعُ فَزِعاً: إِذا حلَّ به الفزَعُ. وفزعَ - أيضاً - استغاثَ. وفزعَ: أغاثَ. وفي
الحديث: ((فزِعَ أهلُ المدينة ليلاً فركبَ رسولُ اللّهِلَُّ فرساً مُعْرَوْرِياً لأبي طلحة))(٤) أي
استغاثوا. ومن مَجيءٍ فزعَ بمعنى أغاثَ قولُ طلحة اليربوعيِّ [ من الطويل]
حَلَلْتُ الكثيبَ مِنْ زَرودِ لأَفْزَعا(*)
١٢٠٥ - فقلتُ لكأسٍ أُلجمیها فإِنَّما
(١) قرأ ابن عامر وابن مسعود ويعقوب وابن عباس ومجاهد وطلحة وابن السميفع والحسن وقتادة (فَزَّعَ)،
قرأ الحسن وعوف وأبو مجلز وقتادة وعبد الله بن عمر (فُرْعَ) الإتحاف ٣٥٩ والبحر المحيط
٢٧٨/٧ والسبعة ٥٣٠، وقرأ الحسن وقتادة وأبو المتوكل ومطر الوراق (فزَّغَ) ، وقرأ الحسن وأيوب
وقتادة وحميد الطويل (فُرُغَ) إِعراب النحاس ٢ /٦٧١ والقرطبي ١٤ /٢٩٨، وقرأ الحسن (فَزَعَ، فُرِعَ) ،
وقرأ ابن مسعود وعيسى بن عمر (اِفْرُنْفِعَ) البحر المحيط ٧ /٢٧٨.
(٢) معاني الفراء ٣٦١/٢.
(٣) الفائق ٢ /١٤٧ وغريب ابن الجوزي ١٩٢/٢ والنهاية ٣ /٤٤٤.
(٤) أخرج البخاري في الجهاد ٢٨٧٥,٢٧٥١,٢٧١٢(( على فرس لأبي طلحة عُرْي ما عليه سرج)) ومسلم
في الفضائل ٢٣٠٧ ومسندأحمد ١٢٦/٣.
(٥) البيت في اللسان والعباب والتاج (فزع) والمقاييس ٤ / ٥٠١ والجمهرة ٥/٣.

٢٢٨
باب الفاء
:أي لاغيثَ، ومن مجيءٍ فزعَ بمعنى أغاثَ - أيضاً - قولُ سلامةَ: [ من البسيطِ]
كان الصُّراخُ له قرعَ الظُّنابيب(١)
١٢٠٦ - كنّا إِذا ما أتانا صارخٌ فَرْعٌ
كذا قال الهرويِّ، إلا أن الغالب لم يرتضِ بذلك فقالَ: وقولُ الشاعر:
١٢٠٧ - كنّا إِذا ما أتانا صارخٌ فَزَعٌ
أي صارخٌ أصابَه فزعٌ. ومن فسَّرِه بأنَّ معناه المستغيثُ كان ذلك تفسيراً للمقصود
من الكلامِ لا للفظِ الفزعِ. وقال الهرويُّ بعدَ إِنشادِ البيتِ: تقولُ: إِذا ما أتانا مستغيثٌ
كانتْ إِعانتُه منا الجدَّ في نصرتُه.
يقالُ: قَرِعَ لذلك الأمرِ ظُّنبوبه: إِذا جدَّ فيه، قالَ: فالفزعُ يكونُ بمعنيين؛ أحدُهما
الرعبُ، والثاني النِّصرة.
والفزعُ - أيضاً -: الهبوبُ من النوم، وفي الحديث (أنه عليه الصلاة والسلام فزعً
من نومِه وهو يضحكُ))(٢) أي هبَّ. وقال عليه الصلاة والسلام للأنصارِ: ((إِنكم لتكثُرون
عندَ الفزعِ وتَقِلُون عندَ الطمع»(٣) يزيدُ عليه الصلاة والسلام: تكثُّرون عند النُّصرة
والإغاثة والإنجاد.
وأفزَعَ يقالُ بمعنيين أحدُهما: أزالَ فَزّعي ونُصرتي، والثاني: حَصِّلَ لي فَزَعاً؛
فالهمزةُ تكونُ للسلبِ والصيرورةِ، وكذلك التضعيفُ، يقالُ: فَزَّعني، أي أزالَ فَزَعي أو
حصَّله لي.
فصل الفاء والسين
﴿إِذا قيلَ لكم تَفْسَّجُوا (٤) في المجالسِ ﴾ [المجادلة: ١١] أي توسّعوا في
ف س ح:
(١) البيت لسلامة ابن جندل في ديوانه ١٢٣ والمفضليات ١٢٤ والأضداد ٨٠ واللسان والتاج ( ظنب،
فزع) والأساس (صرخ) والجمهرة ٦/٣ والمقاييس ٤ /٤٧٠/٣,٥٠٢.
(٢) الفائق ٢ /٢٧٤ والنهاية ٣ / ٤٤٤ وغريب ابن الجوزي ١٩٢/٢.
(٣) الفائق ٢٧٤/٢ وغريب ابن الجوزي ١٩٢/٢ والنهاية ٣٤٣/٣.
(٤) قرأ عيسى والحسن وقتادة وداود بن أبي هند (تفاسحوا ) البحر المحيط ٨ /٢٣٠٦ والقرطبي
٢٩٧/١٧، وقرأ الحسن (تَفْسَحُوا) مختصر ابن خالويه ١٥٣ ..

٢٢٩
باب الفاء
مجالسكم بأن تتأخروا ولا تُضيِّقوا، وذلك بعضَ أكابر الصحابةِ أتى مجلسَ النبيّ ◌َلَّه فلم
يجدْ مكاناً، وأبى القومُ أن يُفسحوا له فنزلتْ، ولذلك قال: ﴿وإذا قيلَ انشُزُوا فانشُرُوا﴾
أي ارتفعوا عن أمكنتكم لتُوسِعوا لغيرِكم.
ومكانٌّ فُسْحٌ وفَسيحٌ وفُساحٌ أي: متسعٌ، وفي حديثٍ أمِّ زرعٍ: «وبيتُها
نُساحٌ))(١). ويُروى فَيّاحٌ(٢)، وهما بمعنىَ. ومنه استُعير: فسَّحْتُ لهُ في هذا الأمرِ، أي
أذنتُ له فیهِ، ولم أمنعه من فعله فاضيق عليه.
ف س د:
قولُه تعالى: ﴿أَلا إِنَّهم هُم الْمُفْسِدون﴾ [البقرة: ١٢] الفسادُ لغةً: خروجُ الشيءٍ
عن الاعتدالِ والاستقامة، قلَّ ذلك الخروجُ أو كثُرَ، ويكون في الأعيان والمعاني. ومنه
فسادُ العقائد أعاذنا اللهُ منه. ويستعملُ في النفسِ والبدنِ. وفي الحديثِ: ((إِذا فسدَ
القلبُ فسدَ سائرُ البدن))(٣) يقالُ: فسدَ يفسُدُ فَساداً فهو فاسدٌ. وأفسدَ يُفسِدُ فهو مُفسِدٌ
إفساداً.
قولُّه تعالى: ﴿وَإِذا تَوَلَى سَعَى في الأرضِ لِيُفسِدَ فيها ويُهْلِكَ الحَرَثَ والنَّسِلَ﴾
[البقرة: ٢٠٥] من باب عطف الخاصِّ على العامِّ تَنْبيهاً على زيادتهِ في جنسهِ، فإِنَّ
الإفسادَ يعمُّ إِهلاكَ الحرثِ والنسلِ وغيرِهِ. قولُه تعالى بعدَ ذلك: ﴿واللهُ لا يحبُّ
الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. نَفَى محبَّتْهُ للفساد من الأصلِ وإِنْ كان لولا ذلك المعنى
المقصود الإِفساد هو المطابقُ لقولهِ أولاً ليفسِدَ فيها لأنه مِن أَفْسَدَ.
ف س ر:
قولُه تعالى: ﴿إِلا جئناكَ بالحقِّ وَأُحسَنَ تَفسيراً﴾ [الفرقان: ٣٣] أي كَشفاً وبَياناً.
والتَّفسرةُ لغةً: الكشفُ لما ينظرُ فيه الطبيبٌّ فينكشفُ له ذلك الداءُ. وقالَ الراغبُ (٤):
(١) الفائق ٢ /٢٠٨ وغريب ابن الجوزي ١٩٣/٢ والنهاية ٤٤٥/٣.
(٢) الفائق ٢ /٢٠٨ وغريب ابن الجوزي ١٩٣/٢ والنهاية ٤٤٤/٣.
(٣) أخرج البخاري في الإيمان، (٣٧) باب فضل من استبرأ لدينه ٥٢، ومسلم في المساقاة
١١٥٩٩ ... ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله
ألا وهي القلب.)).
(٤) المفردات ٦٣٦.

٢٣٠
باب الفاء
الفَسْرُ؛ إِظهارُ المعنى المعقولِ، وَمنهُ قبلَ لِما يُنبِئُ عنه القولُ: تَفسِرَةٌ، وسُمِّيَ بها قارورةُ
الماءِ. وتفسيرُ القرآن: بيانُ ألفاظهِ وبيانُ معانيه وأحكامه، وتأويلُه: حملُه على المعاني
اللائقة، ما ظاهرُه قد يفهمُه مَن لم تَثبتْ قدمُهُ في العلم المتغايرِ، وهل التفسيرُ والتأويلُ
الواردانِ في القرآنِ مترادفانٍ أو متغايران؟ فقيلَ: التفسيرٌ: معرفةٌ مدلولات الألفاظ وأسبابُ
النزولِ والوقائعِ. وأما التأويلُ فهو ردُّ اللفظِ إِلى ما يليقُ به من المعنى، ولذلك يجوزُ لمن
تَثبتْ قدمُه في العلم أن يتكلم فيه باجتهادهِ، ونظرُه هذا أحسنُ ماقيلَ في الفرقِ بينَهما.
وقالَ الهرويُّ: قال أبو العباسِ: التأويلُ التفسيرُ والمعنى واحدٌ. وقال غيره: التفسيرُ:
كشفُ المرادِ عن اللفظِ المشكلِ، والتأويلُ ردُّ أحدِ المحتملينِ إِلى ما يطابقُ الظاهرَ. وقال
الراغبُ(١): والتفسيرُ قد يُقالُ فيما يختصُّ بمفرداتِ الألفاظِ وغرِيبها وفيما يختصُ
بالتأويلٍ، ولذلك قيلَ: تفسيرُ الرؤيا وتأويلُها. قلتُ: التأويلُ تَفعيلٌ من آلَ يَؤولُ، أي
رجعَ. فمعنى التأويلِ: الرجوعُ باللفظِ عن ظاهرِهِ إِلى معنىٌ يَستقيمُ به ذلك اللفظُ، ولذلكَ
يقابلُ العلماءُ بينَه وبينَ الظاهرِ فيقالُ: الظاهرُ والمؤولُ كتأويلنا قوله تعالى: ﴿وقالت
اليهودُ يدُ الله مغلولةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] على أن المرادَ النعمةُ والقدرةُ، وكجمعِنا بينَ قولهِ
تعالى: ﴿فوربُّكَ لَنَسألَنَّهم أجمعينَ﴾ [الحجر: ٩٢ ]وبينَ قوله تعالى: ﴿فيومئذٍ لا يسألُ
عن ذنبهِ إِنِسٌ ولا جانٌ﴾ [الرحمن: ٣٩] بأنَّ يومَ القيامةِ ذو مواطنَ وأزمنةٍ مختلفةٍ
فُيُسألون في وقتٍ، ولا يُسألون سؤالَ تكرمة بل سؤالُ تقريعٍ وتوبيخ. ولذلك قال تعالى:
﴿وما يعلمُ تأويلَه إِلا اللهُ والراسخونَ في العِلمِ﴾ [آل عمران: ٧] عندَ من وقفَ عندَ
((الراسخون في العلم)) وهو الظاهرُ. كان ابنُ عباس، وحقَّ له أن يقولَ لقوله عليه الصلاة
والسلام في حقّه: ((اللهمَّ فَقُّهْه في الدّينِ وعلِّمْه التأويل))(٢) يقولُ: أنا منهُم. وقد ذكرنا
طَرفاً من القولِ في مادةِ ((أولَ)) في صدرِ هذا الموضوع.
ف س ق :
قولُه تعالى: ﴿فَفَقَ عن أمرِ ربِّه﴾ [الكهف: ٥٠] أي خرجَ. والفِسْقُ: الخروجُ،
يقالُ: فسقتِ الرطبةُ: إِذَا خرجتْ من قِشْرِها. والفِسْقُ الشرعيُّ: عبارةٌ عن الخروجِ عن
(١) المفردات ٦٣٦، وانظر فروق اللغات ٨٧-٩٢.
(٢) النهاية ٣ / ٤٦٥ وتقدم الحديث في مادة (ش ب هـ ) فانظره هناك.

٢٣١
باب الفاء
الطاعةِ وهي امتثالُ الأوامرِ واجتنابُ النَّواهي. قال الراغبُ(١): الفسقُ أعمٌّ من الكفرِ ويقعُ
بالقليلٍ من الذنوبِ والكثيرِ، لكنْ تُعورفَ فيما كان كبيرةً، قال: وأكثرُ ما يقالُ الفاسقُ
لمنِ التزمَ حكم الشرعِ وأقرَّ بهِ ثم أخلَّ بجميعِ أحكامهِ أوبعضها.
وقيلَ للكافرِ الأصليِّ فاسقٌ لأنه أخلَّ بما التزمَه العقلُ واقتضَتْه الفطرةُ، وقُوبِلَ
بالمؤمنِ في قولهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ كان مؤمناً كمن كانَ فاسقاً﴾ [السجدة: ١٨] وقوله:
﴿يئسَ الاسمُ الفُسوقُ بعدَ الإِيمان﴾ [الحجرات: ١١]. فالفاسقُ أعمُّ منَ الكافرِ، والظالمُ
أعمّ من الفاسق.
قوله: ﴿وإِنه لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي لخروجٌ عن الحقِّ. وقد غلطَ ابنُ
الأعرابيِّ فقالَ: لم يُسمِعِ الفاسقُ في وصفِ الإنسانِ في كلامِ العرب، وإِنما قالوا: فسَقّت
الرُّطَبةُ عن قشرها.
وقد أثبتَ بعض المعتزلة قسماً ثالثاً زيادةً على الكافرِ والمؤمنِ فقالَ: الناسُ مؤمنٌ
وكافّرٌ وفاسقٌ.
وسُميت الفأرةُ فُوَيَسِقَةٌ لِما فيها من الخُبثِ والفِسْق. وفي الحديث: ((اقْتُلُوا
الفُويسقَةَ فإنها تُضرم على الناس بيوتَها))(٢). وفيه أيضاً: ((خمسٌ فواسقٌ يُقْتَلْنَ في الحِلُ
والحَرمِ: الغرابُ والحدأةُ والفأرةُ والحيةُ والكلبُ العَقورُ))(٢).
فصل الفاء والشين
ف ش ل:
قوله تعالى: ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] أي لجُيُنْتُم. يقالُ: فشلَ منَ الأمرِ يفشَلُ
فَشَلاً: إِذا جبُنَ؛ فالفشل: ضعفُ القلبِ وخَوَرِ الجَنان، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِذْ هِمْتْ
(١) المفردات ٦٣٦.
(٢) أخرج البخاري في بدء الخلق، (١٦) باب خمس من الدواب فواسق ١٣١٣٨ خمروا الآنية وأوكوا
الأسقية وأجيفوا الأبواب واكفتوا صبيانكم عند العشاء ، فإِن للجن انتشاراً وخطفة ، وأطفئوا المصابيح
عند الرقاد فإن الفوبسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت)).
(٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق، (١٦) باب خمس من الدواب ٣١٣٧,٣١٣٦ ومسلم في الحج
٠١٢٠٠،١١٩٩

٢٣٢
باب الفاء
طائفتان منكُم أن تَفْشَلا﴾ [آل عمران: ١٢٢]. وقيلَ: الفشلُ ضعفٌ معَ جُبنٍ. وتَفشَّلَ
الماءُ: إِذا سالَ، وتفاشَلَ مثلُه.
فصل الفاء والصاد
ف ص ح:
قولُه تعالى: ﴿هو أفضَحُ مِنِّي لساناً﴾ [القصص: ٣٤]. الفصاحةُ: خلوصُ الكلامِ
وبيانُه بحيثُ لا يُكتبسُ على سامعه. وفصُحَ الرجلُ: جادَتْ لغتُه، وأفصَحَ: تكلّم بالعربية،
وقيلَ بالعكس، قال الراغبُ(١): والأولُ اصحّ. والفصيحُ: مَن ينطقُ والأَعجمُ مَن لا ينطقُ،
ومنه استُغیر فصُحَ الصُّبحَ: بَدا ضوؤه.
وأصلُ الفصاحةِ مِن فَضَحَ اللبنُ يَفصُحُ فهو فَصِيحٌ، وَأَفصحَ يُفْصح فهو مُفْصِحِ إِذا
خلصَ من الرَّغوةِ وتعرَّى عنها. فالفَصْحُ: خُلوصُ الشيءٍ ممّا يشوبُه، وفي المثل:
١٢٠٨ - «تحتَ الرَّغوةِ اللبنُ الفصيحُ))(٢)
فأتبعتْه ذلك للفصاحة في الكلامِ.
والفصاحةُ في اصطلاحِ أهلِ البيان تتعلقُ بالكلمة والكلام والمتكلم، والبلاغةُ
يُوصَفُ بها الأخيرانِ فقط. وقد حقَّقنا ذلك في غيرِ هذا الموضوع. فأمّا قولُهم: كلمةٌ
بليغةٌ، فلأنَّ الكلمةَ في هذا المقام بمعنى الكلام.
ف ص ل:
قوله تعالى: ﴿فلما فَصَلَ طالوتُ بالجنودِ ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي فارق مكانه
(١) المفردات ٦٣٧ .
(٢) عجز بيت وصدره: فلم يخشوا مصالته عليهم. والبيت في اللسان والتاج (نصح) لنضلة السلمي
، وفي الجمهرة ١٦٣/٢ للجارث، وفي البيان والتبيين ٣ /٣٣٨ لأبي محجن الثقفي ( انظر ديوانه ٥٢
قسم الزيادات)، وفي مجالس ثعلب ٧الرجل من بني سليم ، والبيت دون عزو في اللسان والتاج و
الصحاح (صول) والمقاييس ٤ /٥٠٧ والمخصص ٥ / ٤٠، وتروى قافيته ( الضريح )، وفي مجمع
الأمثال ١ /٤٠٦ وجمهرة العسكري ٢٧٠/١(( تحت الرغوة الصريح)) أو ((الصريح تحت الرغوة)
وانظر المستقصى ١٥/١ وجمهرة الأمثال ٢٧/١ وفصل المقال ٦٠ ومجمع الأمثال ١ /١١٠٣ أبدى
الصريح عن الرغوة)) .

٢٣٣
باب الفاء
ومركزه الذي كان فيه، وكذا قوله تعالى: ﴿ولمّا فَصَلتِ(١) العِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤].
وأصلُ الفصلِ: إِبانةُ الشيءٍ من الشيءٍ وقطعُه حتى يكونَ بينَهما فُرجةٌ. ومنه مَفاصِلُ
الإِنسان، الواحدُ مَفْصِل. وفَصَلْتُ الشاةَ: قطعتُ مَفاصلها.
قولُه تعالى: ﴿هذا يومُ الفَصْلِ﴾ [الصافات: ٢١] أي يومٌ يُفْصَلُ فيه بينَ الحقِّ
والباطلِ، والظالم والمظلومِ؛ بأن يحكمَ اللهُ بينَ عبادهِ، فيفصلُ بينَهم بعلمه فيهم.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّه لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أي بيِّنٌ ظاهرٌ، يُفصل به بينَ
الأشياء لا التباسَ ولا لبسَ فيه ﴿قُرْآنَاً عَرَبِياً غيرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿وَآتَيناهُ الحكمةَ وفصْلَ الخطابِ﴾ [ص: ٢٠] أي قطعُ الحُكم
وبيانُه، والفصلُ بينَ الخصومِ. وقيلَ: هي كلمةٌ أمّا بعدُ. وقيلَ: هو قولُه: البِيَِّةُ على
المدَّعي واليمينُ على المدَّعَى عليه. وقيلَ: الفصلُ بينَ الحقِّ والباطل.
قولُه: ﴿آياتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي مُبَيَّنات. وقيلَ: تفصيلُها: فصلُها
وتمييزُها بعضها من بعضٍ، أي بينَ كلِّ آيتينِ فصلٌ؛ تمضي هذهِ وتأتي هذهِ. وقيلَ : مِن
تفصيلِ القلائد بالشذرِ لأنَّ آياتِ القرآنِ مفصلةٌ بالأحكامِ كما تُفصَّلُ القلائدُ بالشَّذَرِ
والخرزِ، وهذا القولُ مقولٌ في قولهِ تعالى: ﴿ثمَّ فُصِّلتُ(٢) من لدُنْ حكيمٍ خَبِيرٍ﴾
[هود: ١]. وقيلَ: بَيَّنَ فيها الحلال والحرامَ. وقيلَ: جاءتْ شيئاً بعدَ شيءٍ.
قولُه تعالى: ﴿ولولا كلمةُ الفَصْلِ﴾ [الشورى: ٢١] أي ما سَبقَ من أنَّ اللهَ تعالى
يؤخّرُ الحكمَ بينَهم إلى يومِ القيامة، أي لولا ما تقدَّم من وعدِ اللهِ أنه يفصِلُ بينَهم يومَ
القيامة لفصلَ الآنَ. وقيلَ: قولُه تعالى: ﴿ثم فُصِّلت﴾ إِشارةٌ إِلى قولِه: ﴿ تِبْياناً لكلِّ
شيءٌ﴾ [النحل: ٨٩].
قوله: ﴿وَفَصيلتِهِ التي تُؤْويه﴾ [المعارج: ١٣]. فصيلةُ الرجل: عشيرتُه المنفصلُ
هو عنها. وقيلَ: الفصيلةُ أقربُ القبيلة. وأصلُ الفصيلة: القطعةُ من لحم الفخذِ، وسيأتي
إن شاءَ اللهُ تعالى الكلامُ على القبيلةِ وما بعدَها من المَعْمرةِ والفَخِذِ والْبَطنِ ونحوِها.
(١) قرأ ابن عباس (انفصل) البحر المحيط ٣٤٥/٥
(٢) قرأ ابن كثير وعكرمة والضحاك وزيد بن علي (فَصَلَتْ)، وقرئت (فَصُّلْتُ) البحر المحيط ٢٠٠/٥
والقرطبي ٩ /٣.

٢٣٤
باب الفاء
وكان يُقالُ: العباسُ رضي الله عنه فصيلةُ رسول اللّه ◌َم ل
قولُه: ﴿وَحَمْلُه وفِصَالُه(١)﴾ [الأحقاف: ١٥] أي فطامُه، وذلك لانفصال الولد
عن أمِّه التي تُرضعُه. وكذا قوله: ﴿فَإِنْ أرادا فصالاً﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي فطْمَ ولدهما.
:
وفي وصفٍ كلامهِ عليه الصلاة والسلام: ((فَصْلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ))(٢) فَالفصلُ
للفاصلٍ بينَ الحقِّ والباطل والقاطعِ بينَ الخصوم. والنزرُ: القليلُ، والهذرُ: الكثير.
والمُفَصَّلُ من القرآن: السُّبْعُ الأخيرُ، وذلكَ للفصلِ بينَ القصصِ بالسُورِ القصارِ.
وقيلَ: سُمي مُفَصَّلاً لقصرٍ أعدادِ سُورهِ من الآي. واختلفَ الناسُ في المفصَّل؛ فقيل:
السَّبُعُ الأخيرُ كما تقدَّم نقلُه عن الراغبِ(٣). وقيلَ: منَ الحُجراتِ، وقيلَ: من سورةٍ ق إِلى
آخرِ القرآنِ. والفواصلُ: أواخرُ الآي. وفواصلُ القلادة: شذَرٌ يُفصل به بينَها. وفي
الحديث: ((مَن أنفقَ نفقةً فاصلة فلهُ من الأجرِ كذا))(٤) أي يفصل بين الإيمان والكفر.
والفيصلُ: الكثيرُ الفصل. وفي الحديث: ((لو علمَ بها لكانتِ الفيصَلَ بيني وبينَه))(٥) أي
القطيعةَ. والفصيلُ أيضاً: الحوارُ لانفصاله عن أمِّه، وهو مختصٌ به خصَّصه الاستعمالُ
العرفيٌّ، والفصيلُ أيضاً، حائطٌ دونَ سورِ المدينة.
ف ص م:
قولُه تعالى: ﴿لا انفصامَ لها﴾ [البقرة: ٢٥٦] أي لا انقطاعَ. يقالُ: فصمتُ
الشيءَ: إِذا کسرته أو قطعته من غیر بینونة فيه بعضه من بعضٍ. فإِذا فصلته منه قيل له قصم
- بالقاف - ولذلك كان نفيُ الانفصام في الآية أبلغَ من نفي الانقصام، لأنَّه إِذا انتفَى
الفصمُ مع قلَّهِ فلينتفِ القَصِمُ بطريقِ الأولى وهذا كما قالوا في الخَصم والفَصم والقَبْضِ
والقَنصِ والوكزِ واللكزِ. وفي حديث عائشةَ رضي اللّه عنها: ((فيُفصمُ عنهُ الوحيّ وإِنَّ
..
(١) قرأ يعقوب وعاصم الججدري وأبو رجاء والحسن وقتادة (وفَصْلُهُ)، وقرأ الحسن (وفُصاله)
الإتحاف ٣٩١ والنشر ٣٧٣/٢.
(٢) مسند أحمد ٦ /٢٥٧ والترمذي في المناقب ٥ /٥٩٩.
(٣) المفردات ٦٣٨.
(٤) مسند أحمد ١٩٥/١-١٩٦ ومجمع الزوائد ٣٠٣/٢.
(٥) الفائق ٢ / ٢٨٠ وغريب ابن الجوزي ١٩٦/٢ والنهاية ٤٥٢/٣.
----

٢٣٥
باب القاء
جبينَه ليتفصَّد عرقاً)(١) أي يقلعُ عنه. وفي الحديث: ((دُرَّةٌ بيضاءُ ليس فيها قَصمٌ))(٢).
فصل الفاء والضاد
فی ض ح:
قوله تعالى: ﴿قال إِنَّ هؤلاءٍ ضَيفي فلا تَفضحونِ وَاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزون﴾
[الحجر: ٦٨-٦٩] أي تُظهروا لي الفضيحةَ. وأصلُ الفضحِ بيانُ الشيءٍ وكشفُه.
والفضيحةُ ما يُستَحى من إظهاره. ومنه: فضَحَ الصبحُ أي ظهرَ ضوؤه. وفي الحديث:
((حتى فضَحَه الصبحُ))(٣) قال الهرويُّ: معناهُ حتى دَهَمتْهِ فُضْحَةُ الصُّبْح وهي بياضُه.
والأفْضح: الأبيضُ الذي لم ينصَعْ بياضُه.
ف ض ض:
قولُه تعالى: ﴿ولو كنتَ فَظَّاً غليظ القلب لا نْفَضُّوا من حولك﴾ [آل
عمران: ١٥٩] أي لتَفرَّقُوا. وكذا ﴿وإذا رأوا تجارةَ أو لَهْواً انْفَضُوا إِليها﴾
[الجمعة: ١١] أي ذَهبوا ومَضَوا وتفرَّقُوا عنك. وأصلُ الانفضاضِ الانكسارُ؛ يقالُ:
فضضتُ الخاتمَ: كسرتُه وفرَّقْتُ أجزاءَه، وعنه استعيرَ: انفضَّ القومُ. وكلَّ شيءٍ كسرتَه
فقد فضَضْتُه، وبها فضٍّ من الناس: أي نفرٌ مُتُفرِّقون، وقالتْ عائشةُ لمروانَ: ((وأنتَ
فَضَضٌ))(٤) أي قطعةٌ .
وفضَضُ الماءِ: نشْرُه، وهو ما يُنتشرُ منه عندَ التطهِّرِ به، وفي حديث عمرَ: ((حتى
انْقَطعنا من فَضَض الحصى))(٥) أي ما تفرَّقَ منه. والفَضيضُ والفَضَضَ: أولُ ما يطلعُ من
الطَّع، والفَضْفاضُ: الدرعُ الواسع. وفي حديثٍ سَطيح وشعره: [من الرجز]
١٢٠٩ - أبيضُ فضفاضُ الرداءِ والبدنْ (٦)
(١) أخرجه البخاري في بدء الوحي الحديث رقم ٢ ومسلم في الفضائل ٢٣٣٣ ومسند أحمد ٢٥٧/٦
(٢) الحديث في صفة الجنة في الفائق ٢ /٣٥١ وغريب ابن الجوزي ١٩٦/٢ والنهاية ٤٥٢/٣ وتتمة
الحديث ( ولا فصم ).
(٣) مسند أحمد ١٤/٦.
(٤) الفائق ٢٠٣/٣ وغريب ابن الجوزي ١٩٧/٢ والنهاية ٤٥٤/٣.
(٥) الفائق ٢٨٣/٢ والنهاية ٤٥٤/٣.
(٦) البيت في اللسان والتالج (سطح، فضض) والنهاية ٣ / ٤٥٥ وغريب ابن الجوزي ١٩٧/٢.

٢٣٦
باب القاء
وهذا كنايةٌ عن سَعةٍ صدرهِ وعظمٍ بدنهِ. وقال العباس رضي الله عنه الرسول
اللّهَ ◌ّهِ: ((إِني امتدحُتُك. فقال: إِذاً لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ))(١) أي يُفُرِّقُ أسنانكَ.
وفضضْتُ ختمَ الكتابِ: إِذا كسرْتَه. وانفضَّت أوصالُه: تفرَّقَتْ، وأنشدَ لذي
13
الرمة : [ من البسيط ]
تكادُ تَنْفِضُّ منهنَّ الحيَازِيمُ (٢)
١٢١٠ - تعتادني زفراتٌ حین اذکرُها
وافتضَّ الماءَ: صبَّه. والفَضيضُ: هو الماءُ السائلُ، وفي الحديث: ((كانت المرأةُ
إِذا تُوفي عنا زوجُها دخلتْ حِفشاً، ثم لبسَت شرَّ ثيابِها، حتى تَمُرَّ بها سَنَةٌ ثم تُؤْتَى بدابةٍ،
شاةٍ أو طائرٍ فَتَفْتَضُّ بها، فقلما تَفْضُّ بشيءٍ إِلا ماتَ))(٢). قال القتيبيُّ: سألتُ الحجازيينَ
عنِ الافتضاضِ فذكروا أن المعتدَّة كانت لا تغتسلُ ولا تمَسُّ ماءٌ ولا تُقَلِّمُ ظُفِراً حتى
تخرجَ بعدَ الحولِ بأقبحِ منظرٍ، ثم تفتضُّ، أي تكسرُ ما هيَ فيهِ من العِدَّةِ بطائرٍ تمسحُ بِه
قُبُلها وتنبذُه فلا يكادُ يعيشُ. وقد رواهُ الشافعيُّ فتقضي، بالقَافِ والضّادِ والياء آخر
الحروف، كذا قال الأزهريُّ. قلتُ: ومعنى الحرف: السقوطُ، وفَيضُ السَنِّ: سقوطُها من
أصلها، وأنشدَ لأبي ذُؤيبٍ: [ من الطويل]
لكلِّ أناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ(٤)
١٢١١ - فراقٌ كَفَيِضِ السِّنَّ فَالصَّبْرَ إِنَّه
وقال الهرويُّ: انْفَاضَتِ البشر، انهارتْ. ويحتملُ أنْ يُروَى بالصادِ من: فيصِ البيضة
وهو ما انفلقَ عنها من قشرِها، ومعناهما بعيدٌ من الحديث.
ف ض ل :
قولُه تعالى: ﴿وَيُؤْتٍ كلَّ ذِي فَضلٍ فَضِلُهُ﴾ [هود: ٣] قال ابنُ عرفةَ: إِنَّ كلَّ مَن
قدمَ خيراً يلتمسُ به فضلَ اللهِ بنِيَّةٍ أو لسان أو جارحةٍ أعطاهُ اللهُ فضلَ ذلك العملِ. وقالَ
الأزهريُّ: أي مَن كان ذا فضلٍ في دينه فضَّلَه اللهُ في الآخرةِ.
(١) غريب ابن الجوزي ١٩٧/٢ والنهاية ٤٥٣/٣ والفائق ٢٨٣/٢.
(٢) اللسان والتاج ( فضض) وديوانه ٣٨١.
: (٣) الفائق ١ /٢٧٣ والنهاية ٣٥/٤/٣.
(٤) ديوان الهذليين ١ /١٣٨.

٢٣٧
باب الفاء
وأصلُ الفضل الزيادةُ على الاقتصاد، وذلك ضربان(١): محمودٌ كفضلِ العلمِ
والحِلم، ومذمومٌ كفضلِ الغضب على ما يجبُ أن يكونَ. والفضلُ في المحمودِ أكثرٌ
استعمالاً، والفضولُ في المذموم. والفضلُ إِذا استعملَّ لزيادةٍ حسنةٍ أحدِ الشيئينِ على
الآخر على ثلاثة أضربٍ(٢): فضلٍ من حيثُ الجنسُ كفضلٍ جنسِ الحيوان على جنسٍ
النبات، وفضلٍ من حيثُ النوعُ كفضلِ الإِنسانِ على غيرِهِ من الحيوان، وفضلٍ من حيثُ
الذاتُ كفضلِ رجلٍ على آخرَ؛ فالأولان جوهریان لا سبيلٌ للناقصِ فیھما أن يُزيلَ نقصَهُ
وأن يستفيدَ الفضلَ، كالفرسِ والحمارِ لا يُمكنُهما أن يَكتسبا الفضيلةَ التي خُصَّ بها
الإِنسانُ. والفضلُ الثالثُ قد يكونُ عَرَضياً فيوجَدُ السبيلُ إِلى اكتسابهِ. ومن هذا النحو
التفضيلُ المذكورُ في قوله تعالى: ﴿واللهُ فضَّلَ بعضَكُم على بعضٍ في الرزقِ ﴾
[ النحل: ٧١].
قولُه تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِن رَبِّكمْ﴾ [الإسراء: ١٢] أي ليسَ عليكُم جُنَاحٌ أن
تَبْتَغُوا فَضلاً من ربكم، كلٌّ ذلك يريدُ به المالَ وما يكتسبُ. وقال أبو منصورٍ: المعنى في
قوله: ﴿واللهُ فضّل بعضكم على بعضٍ في الرزقِ﴾ أنَّ اللهَ فضَّلَ المُلَّكَ على مماليكِهم
فجعلَ المملوكَ لا يقدرُ على ملكٍ مع مالكِه. واعلم أن المالك لا يردُّ عن مملوكه من
فضلِ ما في يدهِ شيئاً حتى لا يَستويَ حالُهما في الملكِ، فأنتم لا تُسوّون بينكُم وبينَ
مماليكِكُم وكلُكم بشرٌ، فكيفَ تجعلون بعضَ الذي رزقكم اللهُ للهِ وبعضَه لأصنامِكم،
فتُشركون بينَ اللهِ وبينَ الأصنامِ، وأنتم لا ترضَون لانفسِكُم فمن هو مثلكُم بالشركة؟.
وقولُه تعالى: ﴿الرجالُ قوّامون على النساءِ بما فضَّلَ اللهُ بعضَهم على بعضٍ﴾
[النساء: ٣٤] يعني ماخصَّ به الرجلُ من الفضيلةِ الذاتية والفضلِ الذي أعطاهُ من المكنة
والمال والجاهِ والقوة. وكلُّ عطيةٍ لا تُلزمُ مَن تُعطى له يقالُ لها فَضْلٌّ نحوُ قوله تعالى:
﴿واسألوا اللهَ من فضله﴾ [النساء: ٣٢].
قولُه تعالى: ﴿وأنَّ الفضلَ بيدِ اللهِ﴾ [الحديد: ٢٩] يصلحُ أن يتناولَ أنواعَ
الفضلِ الثلاثةَ التي قَدَّمنا ذكرَها .. ومَن فسَّرِها بالإِسلامِ فقصَرَ اللفظَ على بعضِ محاملهِ،
( ١) المفردات ٦٣٩.
(٢) المفردات ٦٣٩.

٢٣٨
باب الفاء
:
وكذا قوله: ﴿قُلْ بفضلِ اللهِ وبرحمته فبذلكَ فَلْيَفْرحوا﴾ [يونس: ٥٨] وقولُه: ﴿وَلَوْلا
فضْلُ اللهِ عليكُم ورحمتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤] في الدنيا والآخرة.
قولُه: ﴿يريدُ أن يتفضَّل عليكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أي يكونُ ذا فضلٍ وعلوُّ في
المنزلة، وفي الحديث: ((فَضْلُ الإِزارِ في النارِ))(١) قال المبرد: إِنَّما أرادَ معنى الخُيَلاءِ،
واستدلَّ بقوله في حديثٍ آخر أنه قال: ((اياكَ والمخيلة! قال: وما والمَخِيلَة؟ قال: سَبَلُ
الإزار))(٢) وأنشدَ لزهير: [من الوافر]
١٢١٢ - يَجْرُّونَ البُرُودَ وَقد تَمِشَّتْ
حُمَيّا الكأسِ فِيهِم وَالغِناءُ (٣)
وأنشد لابن أحمر: [ من الوافر]
١٢١٣ - ولا يُنْسِينيَ الحَدِثانُ عِرْضي
ولا أُرخي منَ المَرْحِ الإِزارا(٤)
وحلفُ الفضولِ كان في دار عبد الله بن جَدْعانَ، [وهو الذي قال فيه عليه السلام:
((رأيتُ في دارِ عبدِ الله بنِ جَدْعانَ] حلفاً لو دُعيتُ إِلى مثله في الإِسلام لأجبتُ))(٥).
وسُمي حلف الفضولِ لأنَّه قامَ به رجالٌ يقالُ لكلٍ منهم فضلٌ وهم: فضلُ بنُ وَداعة،
وفضلُ بنُ الحارث، وفضلُ بنُ فَضالةَ. والفُضُول جمعُ فضلٍ نحوُ السعودِ جمعُ سَعد .
ف ض ي:
قوله تعالى: ﴿وَقد أَفْضَى بعضُكم إِلى بعضٍ﴾ [النساء: ٢١] أي خلا وجامعَ،
وهذا من أحسنِ الكناياتِ. قال بعضُهم: الإِفضاءُ إِذا كان معَها في لحافٍ جامَعَ أو لم .
يُجامِعْ. وفي الحديث: ((مَنْ أَفْضَى بيدهِ إِلى ذكرهِ فليتوضَّا))(٦) أي مسَّ فرجَه، قيلَ: ولا
يقالُ ذلك لغةً إِلا إِذا كان بباطنٍّ الكفّ:
والفضاءُ: هو الواسعُ من الأرض؛ فقولُك: أَفضى فلانٌ أصله صارَ إِلى الفضاءِ، ثم
(١) النهاية ٣ / ٤٥٥، وفيه ((وهو ما يجره الإنسان من إزاره على الأرض على معنى الخيلاء والكبر))
(٢) أخرجه البخاري في اللباس ، (٤) باب من جرّ ثوبه من الخيلاء ٥٤٥٥.
(٣) ديوانه ٦٥ .
(٤ ) ديوانه ٧٧ .
(٥) الفائق ٢ / ٩٤ والنهاية ١٤٥٦/٣.
(٦) أخرجه النسائي في الطهارة ١,١٧.

٢٣٩
باب الفاء
عُبِر به عن الميلِ والجماع، قالَ الراغبُ: أفضىَ بيدهِ إِلى امرأتهِ في بابِ الكناية أبلغُ وأقربُ
إلى التصريح من قولِهم: خَلا بها. وقولُ الشاعر: [من الطويل]
١٢١٤ - طعامُهمُ فوضَى فَضاً في رِحالِهِم (١)
أي مُباحٌ غيرُ ممنوعٍ كانه موضوعٌ في فَضاءٍ يتصرَّفُ به مَن یرید .
فصل الفاء والطاء
- ٠
ف ط ر:
قولُه تعالى: ﴿فَاطِر (٢) السَّماواتِ﴾ [الأنعام: ١٤] أي مبتدعُها ومُنشئُها من غيرِ
مثال احتذاهُ. وفطرتُ البئرَ: ابتدعتُها وحفَرتُها. وفطَرَ نابُ البعير: أي طلعَ. وأصلُ الفَطْر
الشقُّ طولاً. وفطرَ يكون قاصراً ومصدرُه الفُطور، ومتعدياً ومصدرُه الفَطْر. وقد فطرتُه
فانْفَطر انفطاراً؛ قال تعالى: ﴿السماءُ مُنْفِطِرٌ به﴾ [المزمل: ٧٣] ﴿إِذا السماءُ انْفَطرتْ﴾
[ الانفطار: ١].
وفَطِرْتُ الشاةَ: حَلبتُها بإِصبعينٍ. وفطرتُ العجينَ: خبزتُه من فَورهِ. وعن ابنِ
عباسٍ: (( ما كنتُ أدري ما فاطر السماواتِ حتى احْتُكمَ إِليَّ أعرابيانِ في بئرٍ فقال أحدُهما:
أنا فطرتُها))(٣) أي ابتدأتُها.
وقولُه تعالى: ﴿تكادُ السماواتُ يَتَفطّرْن(٤) منهُ﴾ [مريم: ٩٠] أي يتشَقَّفْن.
وقولُه: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرني﴾ [الزخرف: ٢٧] أي خلقني. قوله تعالى: ﴿فطرةَ اللهِ
التي فَطْرَ الناسَ عَليها﴾ [الروم: ٣٠] أي اتّبع فطرةَ اللّه، وهو كقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجِهَكَ
الدَّين﴾ أي اتّبع الدينَ القيِّمَ الذي فُطر عليه. وقيلَ: الفطرةُ: الخلقةُ التي يُخلق المولودُ
(١) صدر بيت للمعذل البكري في اللسان (فضا) والمقاييس ٤ / ٥٠٩ وعجزه :
( ولا يحسنون الشرّ إِلا تناديا).
(٢) قرأ ابن عبلة والأخفش (فاطرُ)، وقرأ الزهري (قَطْرَ)، وقرئت (فاطرَ) البحر المحيط ٤ /٨٥ والقرطبي
٣٩٧/٦.
(٣) الفائق ٢٨٥/٢ والنهاية ٤٥٧/٣.
(٤) قرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم وابن عامر وشعبة وخلف ويعقوب والشنبوذي والزهري وطلحة (يَنْفَطُرُون)
الإتحاف ٣٠١ والنشر ٣١٩/٢ والسبعة ٤١٣، وقرأ ابن مسعود (يتصدّعن) البحر المحيط
٢١٨/٦.

٢٤٠
باب إلقاء
عليها في رحمٍ أمِّه، وفي الحديثِ: ((كلُّ مولود يولد على الفطرةِ))(١) قال ابنُ المبارك:
أي على ابتداء الخلقة في علم اللّه مُؤمناً كان أو كافراً. قال أبو الهيثم: يعني على الخلقةِ
التي فُطر عليها في الرحمٍ من سعادةٍ وشقاوةٍ((فأبواهُ يهوِّدانه أو يُنصِّرانِهِ)) في حكم الدُّنيا.
وقال الراغبُ(٢): وفطرَ اللهُ الخُلقَ: وهو إيجادُه الشيءَ وإبداعُه على هيئةٍ مُتَرَشَّجَةٍ لِفَعْلٍ من
الأفعال. وقولُه تعالى: ﴿فطرةَ اللهِ الْتِي فَطْر الناسَ عَليها﴾ إِشارةٌ منه تعالى إلى مافَطر أي
أَبدعَ وركّزَ في الناسِ من معرفتهِ تعالى. ففطرةُ اللهِ تعالى هي ما ركّزَ فيه من قوتِهِ على:
معرفة الإِيمان، وهو المشارُ إليه بقولهِ: ﴿وَلَعنِ سألتَهُم مَنْ خَلَقهم لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾
[ الزخرف : ٨٧]
قوله: ﴿والذي فَطّرنا﴾ [طه: ٧٢] أي ابدَعَنا وأَوْجُدنا. ويصحّ أن يكونَ الإنفطارُ
في قولهِ: ﴿ السماءُ مُنفطرٌ بهِ﴾ إِشارةٌ إِلى قبول ما أبدَعه وأفاضه علينا منه.
والفطرُ: تركُ الصّومِ؛ يقال: فَطَرْتُه، وأفطّر هو. وقيلَ للكَمْأة فطرٌّ لأنه يَفْطِرُ الْأُرِضَ
أي يخرجُ مِنها. وقيلَ: فطرُ الصائمِ وإفطارُه: شقُّه صومَه بالفُطور. ويُقالُ: أفطرَ الصائمُ إِذا
تعاطَى ما يُفْطِرُه. وأفطرَ: دخلَ في وقتِ الإِفطار، نحو: أَصبحَ، ومنه الحديث: ((إِذا.
غربت الشمسُ فقد أَفطرَ الصائمُ))(٣) أي جازَ له أنْ يُفطِرَ وحلَّ له بعدَ أنْ كان محظوراً.
عليه .
والفَطْرُ: المَذْيُ أيضاً، وفي الحديث أنه سُئل عن المذْي فقالَ: ((ذاكَ الفَطْرُ))(٤)
قال أبو عبيد: سُمي فَطْراً لأنهِ شُبِه بالفَطْرِ في الحَلْب. يقالُ: فطَرْتُ الناقةَ أَفظُرُها . ورواهُ
غيرُ أبي عبيدٍ كالنَّضر بنِ شُميل الفُطر، بالضم.
. وقولُه: ﴿فَطَرَ السماوات والأرضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] أي فَتَقَهما من بعد أن كانتا
مُلتصقتين، إِشارةٌ إِلى قوله: ﴿كَانَتَا رَتْقاً ففَتَقْنَاهُمَا ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقوله: ﴿ هل تَري
مِن فُطورٍ﴾ [الملك: ٣] أي من خللٍ بحصولِ شُقُوقٍ فيها وارتفاعٍ وانخفاضٍ، فليس بين
(١) أخرجه البخاري في الجنائز، باب (٧٨) حديث ١٣٩٢، ١٣٩٣، ومسلم في القدر ٢٦٥٨.
(٢) المفردات ٦٤٠ .
(٣) أخرجه البخاري في الصوم، (٤٢) باب متى يحل فطر الصائم ١٨٥٣، ومسلم في الصيام ١١٠٠.
(٤) الفائق ٢ /٢٨٦ وغريب ابن الجوزي ١٩٩/٢ والنهاية ٤٥٨/٣ وهو من حديث عمرو بن الخطاب.
٠ =