Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣.١ باب الشين تَرى أنَّ صلاة الفجرِ لا تُقصر أيضاً؟ قولُه: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بما عَلمنا﴾ [يوسف: ٨١] فالشهادةُ هنا هي الإخبارُ. قولُه تعالى: ﴿وبنينَ شُهوداً﴾ [المدثر: ١٣] أي حضوراً، فيه تنبيهٌ على المروءة واستقرارٍ الخاطرِ، وذلك أنه - لغناه - لا يحتاجُ في غيبتهِ بيتَه إِلى معاشٍ سَفَرٍ ولا حَضَر، وأنه لا ينغصُ عليه غيبُتهم فيقولُ: قد هَلكوا، قد قَتَلْتْهم اللصوصُ؟ قولُه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ منكم الشَّهرَ فَلْيصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي من حَضَر ولم يكنُ مُسافراً. ولذلك فسَّرَ بعضُهم: فمن شهدَ منكم الشهَّرَ في المصرِ، فالشهرُ نُصبَ على الظرف أو على المفعوليةِ. وقد حقَّقْنا هذا في غيرِ هذا الكتاب، والتشهُّدُ: غلبَ عُرْفاً على التَّحيّات. ش ھـ ر: قولُه تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهَّرَ﴾ أي شهرُ رمضانَ. فـ ((أل)) فيه للعهد الحسِّيّ لتقدُّم ذكرِهِ: ﴿فعصَى فرعونُ الرسولَ﴾ [المزمل: ١٦]. وسُمي الشهرُ شهراً؛ قيلَ: لاشتهارهِ بإِهلالِ الهلالِ، أو باعتبارِهِ جزءاً من اثني عشر جزءاً من دوران الشمس من نقطةٍ في الفلك الرابع إلى تلك النقطةِ. وقيل سمي شهراً لشهرته، وقيلَ: سُمي شهراً باسم الهلالِ. والهلالُ إِذا أهلَّ سُمي شهراً. يقالُ: رأيتُ شهراً أي هلالاً. ومنه الحديثُ: ((صوموا الشهرَ وسرَّهُ))(١) وقال ذو الرُّمَّة: [من الطويل] ٨٣٣ - فأصبحتُ أُجْلي الطرفَ ما يستزيدُه يَرَى الشَّهرَ قبلَ الناسِ وهو نَحيلٌ (٢) ويعبَّرُ عن الرجلِ العالمِ بالشهرِ كأنه سُميَ بالمصدرِ مبالغةً؛ تقولُ: شهرتُ الشيءَ شَهْرا. وأُنشدَ لأبي طالبٍ يمدحُ النبيِّ لَّهِ: [من الوافر] وما تَتْلو السَّفاسرةُ الشُّهورُ (٣) ٨٣٤ - فإِنِّي والضَّوابحَ كلَّ يومٍ (١) الفائق ١ /٦٨٢ والنهاية ٥١٥/٢. (٢) البيت في الأساس والمقاييس واللسان والتاج (شهر) وهو ليس في ديوانه. (٣) البيت في النهاية ٥١٦/٢ واللسان والتاج (شهر). ٣٠٢ باب الشين قيلَ: الشهورُ: العلماءُ، والمشاهرةُ: المعاملةُ بالشهرِ كالمُساتَهة والمُياومة، وأشهرٌ فلانٌ بالمكان: أقامَ به شَهراً. والشُّهرةُ: الفضيحةُ والشهرةُ أيضاً هي الاشتهارُ، وشَهَرَ فلانٌ. وأَشْهَرَ، يقال ذلك في الخير والشرٌ. ش هـ ق: قولُه تعالى: ﴿لهم فيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] قيلَ: الزَّفيرُ أُولُ نهيقِ الحمیرِ، والشَّهيقُ: آخرُه. والمعنى أنهم جامعون في استغاثَتِهِم بينَ هذين الوصفين المُنکرین في أصواتهم. وأصلُه من الشهقِ، وهو طولُ الزّفيرِ، وهو ردُّ النَّفَس. والزفيرُ مدّهُ. من قولهم :: جبلٌ شاهقٌ، أي مُتناهٍ في الطولِ. وقالَ الربيعُ: الشهيقُ في الصدرِ والزَّفيرُ في الحلقِ(١). وقالَ يعقوبُ: كلُّ شيءٍ ارتفَع فهو شهقٌ. يقالُ شَهِقَ يَشْهَقُ: إِذا تنفَّسَ غالباً. ش هـ و: قوله تعالى: ﴿واتَّبعوا الشَّهوات﴾ [مريم: ٥٩]. أصلُ الشَّهوةِ نزوعُ النفسِ إِلى ما تريدُه وتحبُّه، وهي في الدُّنيا ضربانٍ(٢): صادقةٌ وكاذبةٌ. فالصادقةُ ما يختلُّ البدَنُ من: دونِهِ كشهوة الطعامِ عندَ الجوعِ. والكاذبةُ: ما لا يختَلُّ البدنُ بدونه. وقدٍ يُسمَّى الشيءُ المُشْتَهَى شَهْوةُ مُبالغةً. وقد يقالُ للقوَّةِ التي بها الشيءُ شهوةً. فقوله تعالى: ﴿زُيَّن للناسِ حبُّ الشهواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] يحتملُ الشهوتينِ. وقولُه: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهواتِ﴾ قيلَ: هي الكاذبةُ، والشهواتُ المُستَغْنَى عنها. ورجلٌ شَهْوانِيٌ، مبالغةٌ في النَّسب لذلك نحوُ: رَقْبانيٌّ ولحيانيٌّ والشهيُّ فعيلٌ بمعنى مفعول . فصل الشين والواو ش و ب: قولُه تعالى: ﴿ثم إِنَّ لُهم عَليها لَشَوْباً (٢) مَنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]. الشَّوِبُ في الأصل: الخلطُ ومنه شاب اللبنَ بالماء، أي خَلَطَ. قال الشاعرُ: [من البسيط ] .( ١) نسب القول إِلى ابن عباس في تفسير ابن كثير ٢ /٤٧٦. (٢) المفردات ٤٦٨. (٣) قرأ شيبان النحوي (لَشُوباً) المُحتسب ٢٢٠/٢. ٣.٣ باب الشین شَيبا بماءٍ فَعادا بعدُ أَبْوالا(١) ٨٣٥ - تلكَ المكارمُ لا قَعْبانٍ من لبنٍ ومنه يسمَّى العسلُ شَوْباً لكونه مختلطاً بالشمعِ، وفي المثل: ((ما عندَه شَوْبٌ ولا رَوَبٌ))(٢) أَي لا عَسَلَ ولا لبنَ. وفي الحديث: ((لا شَوْبَ ولا رَوَبَ))(٣) أي لا غشَّ ولا تَخليطَ في شراءٍ ولا بَيعٍ. وأصلُه من ذلك. ويقالُ: ما في كلامهِ شَوْبَةٌ ولا رَوْبَةٌ. فالشُّوبةُ: الخديعةُ، والرُوبة : الحُمضةُ الظاهرةُ. ويقالُ للمخلِّطِ في كلامه: هو يشوبُ ويرَوبُ. فمعنى الآية الكريمة: ثم إِنَّ لُهم عليها لخلطاً ومَزْجاً من حميم وأيُّ حميم؟ ش و ر: قولُه تعالى: ﴿وأمرُهم شُورِى بَيْنَهم﴾ [الشورى: ٣٨]. الشورى: الأمرُ الذي يُشاورَ فيهِ. والمصدرُ المُشاورةُ والتَّشاورُ والمَشورةُ. قيلَ: والمشورةُ: استخراجُ رأي المُستشارِ وما عندَه. وأصلُ ذلك من: شِرْتُ العَسَل، أي اسْتُخَرجتُه. ومنهُ شُوارُ العروس لأنَّه يُبدي ويظهرُ ويستخرجُ ما عندَ أهلهِ، ويُكنَّى به عن الفَرْجِ، وشَوَّرْتُ به: فعلتَ ما خَجَّلُه، كأنَّك أَظهرتَ شوارَه. وقالَ ابنُ الأعرابِّي: الشُّورةُ - بالضم -: الجَمالُ. والفتح: الخَجَلُ(٤). وفي الحديث: ((أن أبا بكرٍ ركبَ فَرساً يَشورُهُ))(٥) أي يَعرِضُه ويستخرجُ ما عندَه من الجرْي، وذلك المكانُ يقالُ لَهُ المشْوارُ. وفي الحديث: ((أنَّ أبا طلحةَ كان يشُورُ نفسَهَ بِينَ يَدِي رسولِ الله ◌ُ ◌ّه))(٦) أي يعرِضُها على القتلِ. ويقالُ: شِرْتُ العسَلَ وأَشَرْتُه واشْتَرْتُه. وقال الشاعرُ: [من الطويل] ٨٣٦ - ألذُّ مَنِ السَّلْوَى إِذا ما نَشُورُها(٧) ش وظ : قولُه تعالى: ﴿شُواظٌ من نارٍ ونُحاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥]. قيلَ: الشُّواظُ: اللهبُ بلا (١) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ٤٥٩. (٢) مثل يضرب لمن لا خير عنده. انظر المستقصى ٣٢٧/٢ ومجمع الأمثال ٢٩١/٢. (٣) الفائق ١ / ٦٨٠ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٦٦ والنهاية ٥٠٧/٢. (٤ ) غريب ابن الجوزي ٥٦٦/١. (٥) الفائق ١ / ٦٨٠ وغريب ابن الجوزي ٥٦٦/١ والنهاية ٥٠٨/٢. (٦) الفائق ١ / ٦٨٠ وغريب ابن الجوزي ٥٦٦/١ والنهاية ٥٠٨/٢. (٧) عجز بيت لخالد بن زهير في ديوان الهذليين ١ /١٥٨ وصدره: (وقاسمها بالله جهداً لأنتم ) وتقدم البيت في ( س ل و). ٣٠٤ باب الشين دُخان. والنُّحاسُ: الدُّخانُ. وفيه لغتان: ((شواظٌ)) بضمِّ الغاء وكسرها وقد قُرِىءَ بهما (١)، وقُرىءَ أيضاً: ((ونُحاس)) بالرفع والجرِ (٢). وقد حقَّقْنا ذلك في ((الدرٌ)) وغيرِه. ش و ك : قولُه تعالى: ﴿أَنَّ غِيرَ ذاتِ الشَّوكةِ﴾ [الأنفال: ٧] الشَّركةُ هنا السِّلاحُ. وقَيَّدَه بعضُهم فقالَ: السِّلاحُ التّامُّ. والشوكةُ أيضاً: القوةُ والسلطانُ. وأصلُ ذلك من الشُّكِ، واحدُه شوكةٌ، وهو مادقَّ وصلُبَ رأسُه من النبات. ثم عُبِّر به عن القوة والسُّلطان. والسلاحُ يقالُ فيهِ شَوكةٌ وشِكَّةٌ. ورجلٌ شائكُ السِّلاح، وشاكي السلاحِ، وشاكُ السِّلاح. ويقالُ ذلك بفي أيضاً فيقال: شاكٌّ في السلاحِ. قيلَ: وشاكي السلاح مقلوبٌ من شائكٍ، كهارٍ مقلوبٌ من هائرٍ. قالَ زُهيٌّ: [من الطويل] له لَبْدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمَ (٢) ٨٣٧ - لدَى أَسدٍ شاكي السلاحِ مُقْذَّف وقيلَ: السلاحُ أجمعُ. وقولُ الفقهاء: مضن ولاَهُ (٤) ذو الشَّوكةِ، يريدون ذا القهرِ والغلبةِ. وشَوكةُ العقرب: إِرتُها على التشبيه. وشجرةٌ شائكةٌ وشاكيةٌ. وشاكَني الشَّوكُ: أصابني. وفي الحديث: ((حتى يُشاكُها))(٥)، وقال الراجزُ: [ من الرجز] ٨٣٨ - حُوكَتْ على نِيرَينٍ إِذْ تُحاكُ تَخْتَبطُ الشَّوكَ وَلا تُشاكُ (٦) وشَوَّكَ الفرخُ: نبتَ عليه مثلُ الشَّوكِ. وشَوَّك البعيرُ: طالتْ أنيابُه. وشوِّكَ ثديُ المرأة: نَهَدَ، كلّه على التشبيه. (١) قرأ ابن كثير وابن محيصن والأعمش والحسن وشبل وابن أبي عبلة (شواظ) النشر ٣٨١/٢ والسبعة ٦٢١. (٢) سنذكر أوجه القراءة لهذه الكلمة في (ن ح س). (٣) ديوانه ٣٠. (٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب ((فلان ذو الشوكة)) اللسان ٤٥٤/١٠ (شوك). -- (٥) الحديث بتمامه ((ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها) البخاري في المرضي، (١) باب ما جاء في كفارة المرض، ٥٣١٧، ٥٣١٨ ومسلم في البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن، ٢٥٧٣.٢٥٧٢. : : (٦) الرجز لرؤبة، وهو ليس في ديوانه. والرجز في الدرر ٢٢٣/٢ والهمع ١٢٥/٢ والدر المصون ١٣٤/١. ٣.٥ باب الشین ش و ي: قوله تعالى: ﴿نزاعةٌ لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦] قيلَ: الشَّوى: الأطرافُ كاليد والرّجل، الواحدةُ شَواةٌ. ورَمَاهُ فَأَشْوَاهُ، أي أصابَ شَواهُ ولم يُصِبْ مَقْتَلَه. ومنه قيلٌ للأمرِ الهيِّنِ: شَوىّ، مِن قولِ العربِ: كلُّ شيءٍ شَوىٍ ما سَلم لكَ دِينُك. وأصلُه أنَّ كلِّ ما أصابَ المضروبَ في أطرافه دونَ مَقتلهِ فهو هِيِّن سهلٌ. وفي حديث مجاهد: (([ كلٌّ] ما أصابَ الصائمُ شَوَّى إِلا الغِيبة))(١) أي كلَّ ما أصابَ الصائمُ سهلٌ لا يُبطلُ صومَه إِلا الغيبةَ. وقيلَ: الشَّوَى: جلودُ الرأس. والجلدةُ: شَواةٌ؛ أي تنزعُ أطرافَهم وجلودَ رؤوسِهم. نسألُ الله بمنِّهِ أن يَقِينَا عذابَ النارِ بمحمدٍ وآلِه. وشَوَيتُ اللحمَ وأَشْوِيتُه. والشَّويُّ: ما يُشْوَى. قال امرؤ القيس: [من الطويل] صَفيفَ شِواءٍ أو قَديرٍ مُعَجَّلٍ(٢) ٨٣٩ - فظلَّ طُهاةُ اللحمِ ما بينَ مُنضجٍ فالشواء: ما شُرِيَ. والقديرُ: ما طُبخ في القُدور. وفي البيتِ بحثٌ نحويٌّ. فصل الشین و الياء ش ي أ: قولُه تعالى: ﴿كلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. الشيءُ عندَ العلماءُ هو الذي يصحُّ أن يُعلمَ ويُخبرَ عنه. وعندَ كثيرٍ من المتكلمينَ هو اسم مشترك المعنى إِذا استعمل في الله وفي غيرهِ. يقعُ على الموجودِ والمعدومِ. وعندَ بعضِ المتكلمينَ لا يقعُ إِلا على الموجودِ دونَ المعدومِ. وأمّا المستحيلُ فليس بشيء وفاقاً. قال الراغبُ(٢): وأصلُه مصدرُ شاءَ. فإِذا وُصفَ اللهُ تعالى بهِ فمعناهُ شاءَ، وإذا وُصفَ به غيرُهُ فمعناهُ الَّمشِيءُ بهِ. قال: وعلى الثاني قولُه تعالى: ﴿اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فهذا على العموم بلا مَثْنويَّةٍ إِذ كانَ الشيءُ هنا مصدراً في معنى المفعول. وقولُه: ﴿قُل أيُّ شَيءٍ أكبر شهادةً﴾ [الأنعام: ١٩] هو بمعنى الفاعل. (١) غريب ابن الجوزي ١ /٥٦٨ والنهاية ٢ /٥١٢. (٢) البيت من معلقته في ديوانه ٢٢. (٣) المفردات ٤٧١ . ٣٫٦٠ باب الشين والمشيئةُ عندَ أكثرِ المتكلمين كالإرادة سواء وعند آخرین ھَی غيرُها فقالَ(١): إِنَّ المشيئةَ في أصلها: إيجادُ الشيءِ وإِصابتهُ، وإِنْ كانَ قد وقعَ العرُفِ بأنْهما سيّان. فالمشيئةُ من اللّه تعالى إيجادُه، ومن الناس الإصابةُ. وقال تعالى: ﴿ وما تَشاؤون(٢) إِلا أَنْ : يشاءَ اللّه(٣) ﴾ [الإنسان: ٣٠] تنبيهٌ أنَّ مشيئَتَهم مرتبةٌ على مشيئة الله، فلا فعلَ يستقلُّ به العبدُ. وإِذا كانتِ الإِرادةُ التي هيَ من مقدِّماتِ الفعلِ مرتبةٍ على إِرادةِ اللهِ فالفعلُ بطريقٍ الأولى فالمشيئةُ منَ الله مقتضيةٌ وجود الشيءٍ. ومن ثمَّ قيلَ: ما شاءَ بطريقٍ الأولى فالمشيئةُ منَ اللهِ مقتضيةٌ وجودَ الشيءٍ. ومن ثمَّ قيلَ: ما شاءَ اللهُ كانَ وما لم يشأُ لم يكُنْ. وكذلك الإِرادةُ عندَنا. ومن فرَّقَ بينَهما كالراغب الإِصبهانيِّ، قالَ في المشيئةِ ما قدَّمتهُ. وقالَ في الإِرادة: والإرادةُ منه لا تَقْتضي وجودَ المرادِ لا محالةَ، ألا ترى أنه قالَ: ﴿يريدُ اللهُ بِكُمْ الْيُسرَ ولا يريدُ بِكُم العُسرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال: ﴿وما اللهُ يُريدُ ظُلماً للعباد﴾ [غافر: ٣١]. وقالَ، ومعلومٌ أنَّه قد تَحصُلُ من غيرِ أن تتقدّمها إِرادةُ الله تعالى، فإِنَّ الإِنسانَ قد يريدُ ألاَّ يموتَ، ويأبى اللهُ ذلك، ومشيئتهِ لا تكونُ إِلا بعدَ مشيئتهِ لقولِه: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاءَ اللهُ﴾. ورُوي أنه لما نزلَ قولُه تعالى: ﴿لمن شاءَ منكم أن يَستقيمُ﴾ [التكوير: ٢٨] قال الكفارُ: الأمرُ إِلينا؛ إِنْ شئنا اسْتَقْمنا وإِن شِئْنا لِم نَستقمْ. فأنزل اللهُ تعالى: ﴿ وما تشاؤون إِلا أنْ یشاءَ اللهُ﴾، انتھی کلامُه وفيه نظر، إِذ یؤدِّي إِلى أنْ يريدَ الإِنسانُ بدونٍ إِرادة الله تعالى. وإلى أن يقعَ في الوجودِ ما لا یریدُ. وهذا يقربُ ممّا لا يَلِيقُ ولا يجوزُ. وأمّا قُولُه: ﴿يُريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسرَ ولا يريدُ بِكُم العُسرَ﴾ فالمعنى فيما فرضَه وقرَّره علينا من أمرِ الإِفِطارِ لمَن لا يقدرُ على الصَّومِ يدلُّ على ذلك سياقُ الكلامِ واتَّساقُه. وأما قولُه تعالى: ﴿وما اللهُ يريدُ ظلماً للعبادِ﴾. أي منهُ؛ يعني يريدُ أنْ: لا يظلمَهُم. وهذا واقعٌ، فإِنَّه تعالى لا يظلمُ أحداً ولا يريدُ ظلمَه. وقالَ بعضُهم(٤): لولا أنَّ الأمورَ كلُّها موقوفةً على مشيئة الله تعالى، وأنَّ أفعالَنا مُعلَّقةٌ بها وموقوفةٌ عليها لَما (١) المفردات ٤٧١. (٢) قرأ ابن كثير و أبو عمرو وابن غامر وابن محيصن والحسن وابن ذكوان (يشاؤون) السبعة ٦٦٥، والنشر ٣٩٦/٢. (٣) قرأ ابن مسعود ( ما يشاء، ما شاء) البحر المحيط ٨ / ٤٠١. ( ٤ ) المفردات ٤٧٢ . ... ٣.٧ باب الصاد أُجمعَ على تعليقِ الاستثناءِ به في جميعِ أفعالنا، نحو قوله: ﴿ستجدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابراً﴾ [الكهف: ٦٩]، وغيرِ ذلك من الآي. ش ي ب : قولُه تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرأسُ شَيْباً﴾ [مريم: ٤] الشيبُ: ابْيضاضُ الشعرِ من الكبرِ غالباً. وقد يردُ من مصائب الدُّنيا ما يعجلُ بياضَه معَ حداثةِ السنِّ. وقد جاءٍ في بعضٍ التفاسيرِ أنَّ رجلاً باتَ شاباً فأصبحَ شائباً. فقيل له، فقال: رأيت وكأن القيامة قد قامت ورأيت من أهوالها، فمن ثمَّ شبتُ. ويؤيدُ هذا قولُه تعالى: ﴿ يوماً يَجعلُ الولدانَ شِيباً ﴾ [المزمل: ٦٧] وما أفصحَ هذا الكلامَ وأعذبُه وأعجزه! حيثُ أتَى بهذه اللفظة المُقتضية للحنوِّ على هذا الجنسِ، وأنه قد أصابَه ما صيِّره شائباً . ويُحكى أنَّ عيسى عليه وعلى نبيِّنا وعلى سائرِ النبيين الصلاةُ والسلامُ والحواريين خَرجوا ذاتَ يومٍ سايحينَ، فتذاكروا السفينةَ فقالوا: ياروحَ اللهِ، لو بعثتَ لنا مَن شاهدَها فيخبرَنا بها. فأتى بَلاَ من التراب فضربَه بعصاً كانت معه وقالَ: قُمْ بإِذن الله، فإِذا رجلٌ أشمطُ فقالَ: مَن أنتَ؟ قالَ: سامُ بنُ نوحٍ، فاسْتحكوهُ أمرَ السفينة فحكى، فقالَ له: أمتَّ كذا؟ فقالَ: متُّ شاباً، ولكنه لمّا بَعَثْتني حسبتُ أن القيامةَ قد قامتْ، فمن ثمَّ شبتُ. وأنشدَ بعضُ ملوكِ المغربِ: [ من الطويل ] ٨٤٠- ومُنكرةٍ شَيي لِعرفانٍ مَولدي فقلتُ : يسوقُ الشيب من قَبَلٍ وَقَتِهِ وأنشدوا للعرب: [ من الوافر] ٨٤١ - رَمي الحِدْثَانُ نسوةَ آل سعد فردَّ شُعورَهُنَّ السهُودَ بِيضاً وأنشدني بعضُهم لغيره: [من الطويل] ٨٤٢ - وقائلة: شِبنا. فقلتُ: نَعم شِبْنًا فيا لْيتَنا لما تَقَضَّى زمانُنا ترجَّع والأجفان ذات غروب زوال نعيم أو فراق حبيب بمقدارٍ سَمَدْنَ له سمودا(١) ورد وجوهُهُنَّ البيضَ سُودا ولكنَّ في الدنيا الدنية أنشبنا (٢) خَلَصنا فأَخْلصنا ولكنَّنا شِبْنَا (١) تقدم البيتان برقم ٣٢٨ (ح « ث)، ٥٧٧ (رد«) وهما لعبد الله بن الزبير أو للكميت. (٢) لم أهتد إلى قائلهما. ٣٠٨ باب الشين ويقالُ: رجلٌ أشيبُ، وامرأةٌ شَيباءُ، والجمعُ فيهما شِيبٌ، نحوُ: أحمر وحَمراء وحُمر. قالَ الشاعرُ: [من البسيط ] ٨٤٣ - منّا الذي هوَ ما إِنْ طَرَّ شاربُه والعانسون ومنّا المُرْدُ والشِّيبُ (١) وقد ذكرنا وجوهَ المبالغة في قوله: ﴿اشتعلَ الرأسُ شَيباً﴾ ولله الحمدُ. والأصلُ شُيبا بضمُّ الفاء، فكُسرتْ لتصحَّ الياءُ. وقد يكونُ إِسراعُ الشيبّ من برودةِ المزاجِ ورطوبتهِ. وكذلك اسودادُ شعورِ أهلِ الأقاليمِ الحارَّة دونَ غيرِهم. قولُه تعالى: ﴿ضَعفاً وشَيبةٌ﴾ [الروم: ٥٤ ] بمعنى الشيخوخة. وفي بعض التفاسيرِ في قوله تعالى: ﴿وجاءَكُم النذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] إِنه الشيبُ. وقد تطيَّرتْ منه الناسُ تَطِيِّراً كثيراً وقالوا فيهِ ما لا يُحصى حتى قالَ بعضُهم: [ من الخفيف] ٨٤٤ - لو رأى اللهُ أنَّ في الشيبِ خيراً جاوَرَتْه الأبرارُ في الخُلد شيبا (٢) وقد أخطأَ قائلُ ذلك. وحتى قالَ المتنبي: [ من البسيط ] ٨٤٥ - ضَيفٌ ألمَّ برأسي غيرٌ مُحتشِمٍ السَّيفُ أحسنُ فعلاً منهُ بالْلَمَم (٣) ولذلك رغبَ الشارعُ فيهِ، وأزالَ النُّفرةَ منه. وسمّاهُ اللهُ وقاراً فيما قاله لخليله إِبراهيمَ - عليه السلام - حتى قالَ: ((ياربِّ زِدْني وقاراً)). ويعبَّرُ به عن الشدَّة. وعلى ذلك قولُهم: باتت المرأةٌ بليلةٍ شَيباءَ، إِذا افْتُضَّتْ، وبليلةٍ حَرَّةٍ إِذا لم تُفْتَضَّ(٤). ثم قِيلَ: باتُوا بليلةٍ شَيباءَ، أي في شدَّةٍ. ويومّ أشيبُ، أي شديدٌ. قالَ الشاعرُ: ٨٤٦ - ذا كواكبَ أشيبا(٥) ش ی خ: قولُه تعالى: ﴿ثم لتكونوا شُيوخاً(٦)﴾ [غافر: ٦٧] هو جمعُ شَيخ. والشَّيخُ: مَن (١) البيت لأبي قيس بن رفاعة في اللسان (عنس) والدرر ١٩/١ والهمع ١ /٤٥ وأمالي ابن الشجري ٠٢٣٨/٢ (٢) البيت لأبي تمام في ديوانه ١ /١٦٨ ومعاهد التنصيص ٤ /٢٦٦ .. (٣) ديوانه ٤ / ٣٤. (٤) اللسان ( شيب). (٥) لم أهتد إليه. (٦) قرأ ابن كثير والكسائي وحمزة وابن ذكوان وشعبة (شيوخاً) الإتحاف ٣٨٠ والنشر ٢٢٦/٢ وقرئت ( شيخاً) القرطبي ٣٣٠/١٥. ٣٫٩ باب الشین بلغَ السنَّ العاليةَ وأن لم يَشِبْ. وبعضُهم يقيِّدُه بالشَّيبِ. وقد شاخَ يشيخُ فهو شَيخٌ بِيِّنُ الشيخوخةِ والشَّيْخِ والتَّشْيخِ. والشيخُ يقابلُه عجوزٌ. ولا يقالُ: شَيخةٌ إِلا في لُغيَّةٍ. قالَ الشاعرُ: [من الطويل] ٨٤٧ - وتضحكُ مني شيخةٌ عَبْشميَّةٌ كأنْ لم تَرَيْ قَبْلِي أَسِيراً يَمانيا(١) وله جموعٌ كثيرةٌ منها ما هوَ جمعُ تكسيرٍ، ومنها ما هوَ اسمُ جمعٍ. فمن الأولِ: أشياخٌ وشيوخُ وشيخانٌ وشيخةٌ، عندَ مَن يراها جَمعاً. ومن الثاني: مَشْيَخَةٌ وشيخَةٌ، عند من لا يَرى فعلةً جَمعاً. وشَيخاء ومَشْيوخاء. ويجوزُ في فاءِ شيوخ الضمُّ والكسرُ، وقد قُرىءَ بِهما كبيوتٍ وعیونٍ. واعلمْ أنَّ الولدَ مادامَ في بطنٍ أمِّهِ فهو جنينٌ لا جتنانهِ، وجمعُه أجنَّة، وقد تقدَّم في بابِ الجيم. فإِذا وُلُد فهو صبيٍّ، إِلى الفطامِ. ثم هو غُلامٌ، إِلى سبعٍ. ثم يافعٌ، إِلى عشرٍ. ثم حَزَّورٌ، إِلى خمسَ عشرةٍ. ثم قُمُدٌّ، إِلى خمسٍ وعشرين. ثم عَنَطْنطاً، إِلى ثلاثينَ؛ قالَ الشاعرُ: [من الطويل] ٨٤٨ - تذكَّرُ نُعماهُ لدنْ أنتَ يافعٌ إِلى أنتَ ذو فودينِ أبيضَ كالنسرِ (٢) وقالَ الأخرُ في العَنْطَنطِ: [ من الطويل] ٨٤٩ - وبالمَحْضِ حتى آضَ جَعْداً عَنَطَطا إِذا قامُ ساوَى غاربَ الفَحلِ غارِبُهُ(٣) ثم صَمِلٌ، إِلى الأربعين. ثم كهلٌ، إِلى الخمسين. ثم شَيخٌ، إِلى الثمانينَ. ثم هو مِمِّ بعدَذلك. وقال بعضُهم: إِذا وُلد فهو وليدٌ. فإِنْ لم يَسْتْتمَّ أسبوعاً فصديقٌ. وما دامَ يرضعُ فهو رَضيعٌ. ثم عندَ الفطامِ فطيمٌ. فإِن لم يَرْضِعْ فَجحْوشٌ. فإِذا دبَّ، فدارِجٌ. قالَ الشاعرُ: [من الرجز] (١) البيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي في المفضليات ١٥٨. (٢) البيت دون عزو في الدرر ١٨٤/١ والهمع ٢١٥/١ والدر المصون ٣٢/٣والخزانة ١١١/٧ (هارون). (٣) البيت لفرعان التميمي في اللسان (جعد) والدر المصون ٦٣٦/٢. ٣١٠ : باب الشین. أمَّ صَبِيٌّ قد حبًا أو دارجٍ(١) ٨٥٠ - يارُبَّ بيضاءَ مِنَ العَواهِجِ فإِذا سقطتْ رواضعُهِ، فَمَثْغورٌ، فإِذا نَبتتْ بعدَ الإِسقاطِ فمثغورٌ ومَبْغورٌ فإِذا جاوز. العشرَ، فناشىءٌ وَمُتَرعرعٌ. فَإِذَا قاربَ الاحتلامَ فيافِعٌ ومُراهقٌ. فَإِذا احتلَم فحزَوَّرٌ. قالَ: والغلامُ يطلقُ عليه في جميعٍ أحوالهِ بعدَ الولادة . فإِذا اخضَرَّ شاربُهِ وسالَ عِذَارُهُ فباقِلٌ. وإِذا صارَ ذا لحِيةٍ فِفَتِىٌ وشارِعٌ. فإِذا كملتْ لحيتُه، فمُجتمعٌ. ثم وهوَ من الثلاثين إِلى الأربعين شابٌ. ومنَ الأربعينَ إِلى الستين كُهلٌ. وقال بعضُهم: الغلامُ هو الفتيُّ السُنِّ منَ الناسِ. وقال آخرون: مَن بقلَّ عذارُهُ، وإِطلاقُه على الطفلِ وعلى الكهلِ مُجازاً. وسَيأتي مزيدُ بَيانٍ في بابَي العينِ والكافِ إِنْ شاءَ اللهُ. ش ي د : قوله تعالى: ﴿ولو كنتُم في بروجٍ مُشيَّدةٍ﴾(٢) [النساء: ٧٨] أي مَبنيَّةٌ بالشِّيد، وهو الجصُّ. وقالَ ابنُ عرفةَ: الشيدُ؛ ماطُلي على الحائطِ من جصُّ وصارُوجٍ وغيرِ ذلك . فكأنَّها التي طُليتْ بالشيد وقالَ ابنُ اليزيدِيِّ: البروجُ المُبشيدةُ: هي الحصونُ. المجصَّصةُ. وقالَ مجاهدٌ، في قولِه تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] أي بالقصَّة، أي بالجصِّ مطليٌّ به. وقيلَ: المشيِّدةُ: المطوّلةُ البناءِ، المُرتفعةُ. يقالُ: شادَ بنيانَه وشيَّدَه: إِذا علّهُ. ويقالُ: أشادَ بذكرهِ، أي رفعَه ونوَّهَ بهِ قال الهرويُّ: ولا يقالُ في هذا شادَ ولا شيَّدَ. وفي الحديثِ: ((أيُّما رجلٍ أشادَ على امرئٍ مُسلمٍ كلمةٍ هو منها بَرِيءٌ))(٣) أي رفعَ ذلك وأظهرَه. والإِشادةُ: أيضاً: رفعُ الصوتِ. يقالُ: أشادَ فلانٌ صوتَه، وهوَ رفعٌ في المعنى . ش ي ط : قوله تعالى: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشيطانِ﴾ [النحل: ٩٨] قد تقدُّمَ أنَّ في اشتقاقه. قولان: أحدُهما من شَطَن وهُوَ الصَّحِيحُ. والثاني شَاطَ يشيطُ: إِذا هاجَ واخترقَ. وإِنَّ : (١) الرجز دون عزو في الدر المصون ٥٨/٥ وأمالي ابن الشجري ١٦٧/٢ واللسان والتاج (عهج، درج، عمهج) وفي معاني الفراء ١ / ٢١٩ نسبه إلى جندب بن عمرو (٢) قرأ نعيم بن ميسرة (مُشَيِّدة) البحر المحيط ٣/ ٣٠٠ وقرئت (مَشيدة) الكشاف ١ /٢٨٣. (٣) غريب ابن الجوزي ٥٧١/١ والفائق ٦٨٠/١ والنهاية ٥١٧/٢، وهو من حديث أبي الدرداء. ٣١١ باب الشین الاشتقاقَ يردّه وإِنْ كانَ معناهُ صَحيحاً. وفي الحديث: ((إِذا استشاط السلطانُ تسلّطَ الشَّيطانُ))(١) أي إِذا تحرَّقَ من شدَّةِ الغضب. ويقالُ: شَّطَ الطباخُ الرؤوسَ والأكارعَ: إِذا أَشعلَ فيها حتى يَتَشَيِّطُ ما عليها من الشِّعَرِ والصُّوفِ . وشاطَ السَّمِنُ حتى كادَ يحترقُ. وثم يُعبِّرُ به عنِ الهلاكِ والإِهلاك؛ فيقالُ: شاطَ دمه وأَشاطهَ. وقالَ الأعشى: [من البسيط ] ٨٥١ - وقد يَشيطُ على أرماحنا البَطلُ (٢) وفي الحديث: ((أن فلاناً قائلَ حتى شاطَ في رماحِ القومِ))(٣). وشاطَ لحمُ الجَزورِ: إِذا قَسَّمها. ومنه قولُ عمرَ رضيَ اللّه عنه: ((إِن أخوفُ ما أُخافُ عليكم أنْ يُؤخّذ الرجلُ المسلمُ البريءُ فُيُشاطَ لحمُه كما تُشاطُ الجَزَورُ))(٤). ش يع: ٠ قولُه تعالى: ﴿فِي شِيَع الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٠] أي في فرقِهم. وقيلَ: في أَصحاب الأوَّلين. وكلُّ مَن فارق إِنساناً وتحزَّبَ لَه فهو لهُ شيعةٌ. وعليه قولُه تعالى: ﴿وإِنَّ مِن شيعتهِ لإِبراهيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] وجمعُها شِيَعٌ كقِرْبة وقِرب، وأشياع ومنه قولُه تعالى: ﴿كما فُعلَ بأشياعِهم من قبلُ﴾ [سبأ: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿ولقد أَهلكنا أشياءَكم﴾ [القمر: ٥١] أي مَن شايَعكم على الكُفرِ، أي بايَعَكُم عليه. يقالُ: شايَعه على كذا، أي تابَعَه. وأصلُ الشِّياعِ: الانتشارُ والتَّقويةُ. ومنه: شاعَ الحديثُ، وأشاعَه فلانٌ، أي أذاعَه ونشَره. وشايعتُه: قوَّيِّتُه، وذلك أنَّ المُتَّبِعَ مُقَوِّ للمَتْبُوعِ. وشاعَ القومُ: انتَشَروا وكثُروا. وشَيَّعتُ النارَ بالحطبِ. والشِّيعةُ: مَن يَتقوَّى بهم الإِنسانُ، ويَنْشُرُون عنه أوامرَه ونواهِيَه. قولُه تعالى: ﴿أُو يَلْبِسَكُمْ شِيعاً﴾ [الأنعام: ٦٥] أي فِرَقاً متفرقةً، كلٌّ فرقةٍ على حِدةٍ، يَعني: يعاقِبَكُمْ بتفرقةٍ كَلمتكُم. ويجوزُ أنْ يكونَ (١) مسند أحمد ٤ /٢٢٦. (٢) عجزبيت في ديوانه ١١٣ وصدره: (قد تخضب الغير من مكنون فائله). (٣) غريب ابن الجوزي ١ /٥٧٢ والنهاية ٥١٩/٢، وتمام الحديث في الفائق ٦٨٥/١ (( أن زيد بن حارثة قاتل براية رسول الله حتى شاط في رماح القوم)). (٤) الفائق ٣٩٧/١ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٧٢ والنهاية ٥١٩/٢. ٣١٢ باب الشين ((شيعاً)) نفسَ الشيء الملبوسِ على الاستعارة، أي نجعلُ الفرقَ من غيرِكم شاملةٌ لكم، فنسلطهم عليكُم. ويرشِّحه: ﴿وَيُذِيقُ بعضكم بأسَ بعضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قولُه: ﴿وكانوا شِيَعاً﴾ [الأنعام: ١٥٩] أي فِرَقاً يتابعُ بعضُهم بَعِضاً. وشيَّعْتُه، وشَايَعْتُه: اتَّبِعْتُه. وبقولَ العربُ: شاعَكُمْ السَّلامُ. أي تَبِعَكم. وأشاعَكُم اللهُ السلامَ، أي أَتْبَعكموهُ. وفي الحديث: ((نَهى عن التَّضْحيةِ بالمُشْيِّعةِ))(١) بكسرِ الياءِ، هي التي تُشيّعُ الغنَم، أي تَتْبَعُها عَجَفاً وهُزالاً. وتَشْبيعُ الجنائزِ: اتباعها. والمشيِّعُ - بفتح الياء -: الشُّجاعُ، كأنه لإِقدامهِ مشيِّعٌ للقبرِ. وفي الحديثِ أنَّ مريمَ دعتْ على الجرادِ فقالتْ: ((اللهمَّ شَيِّعْه بلا شِياعٍ))(٢) بالكسر. قالَ ابنُ الأعرابيّ: بلا زمّارةٍ وراعٍ. قال الأزهريُّ: الشِّياعُ: الرُّعاءِ بالإِبلِ لتنساقَ. وأكثرُ ما يفعلُ الراعي ذلك بالزمّارةِ، فَأُطلِقَ الشِّياعُ عليها. والشَّياعُ - بالفتح -: الإشاعةُ، كأنه اسمُ مصدرٍ كالعطاءِ للإِعطاءِ. والحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاةُ على نبيِّه وآله. (١) غريب ابن الجوزي ٥٧٣/١ والنهاية ٥٢٠/٢. .(٢) الفائق ١ /١٢٦ والنهاية ٢ /٥٢٠ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٧٣. ٣١٣ باب الصاد فصل الصاد والباء ص ب أ: قولُه تعالى: ﴿والصابئينَ﴾ [البقرة: ٦٢]. قيلَ: هُم كانوا على دينِ نوحٍ عليه السلامُ فخرجوا منه. وكلُّ مَن خرجَ من دينٍ إِلى آخرَ فقدَ صَبأ، مأخوذٌ من صَبأ نابُ البعير: إِذا خرجَ وطلعَ. وقيلَ: هم قومُ عَبدوا الملائكةَ. وقيلَ: عَبدوا الكواكبَ. وقيلَ: هم نوعٌ من النَّصارى، فخالفُوهم في أصولِ دينِهم، وقرأ العامةُ بالهمزِ، ونافعٌ وحدَه بلا همزٍ (١)، فقيلَ: مُخفَّفٌ منه. وقيلَ: إِنَّما قراءتُه من صَبا يَصْبو: إِذا مالَ. وهؤلاءٍ قد مالُوا إِلى دينٍ غيرِ ذينِهم. ورَوى أبو عبيدةً عن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهما إِنكارَها وأنه كانَ يقولُ: ما الصابئون، إِنَّما هيَ الصابِيون. ولا تُردُّ بمثلِ هذهِ الحكايةِ قراءةٌ مُتَواترةٌ. ص ب ب: قوله تعالى: ﴿أَنّا صَبَبِنْا الماءَ صَبّاً﴾ [عبس: ٢٥]. الصبُّ: السَّكبُ بسرعةٍ وكثرةٍ. وقيلَ: الصبُّ: إِراقةُ المائعات من علوٍّ. يقالُ: صبَّه فانصبٍّ وتصبَّبَ. ومنه قولُهم: تصبَّبَ زيدٌ عرقاً. والصَّبِيبُ: العَرَقُ، بمعنى مَصبوباً. وأنشدَ: [من الرجز] ٨٥٢ - هَواجرٌ تَجْتُلبُ الصَّبيبا(٢) وقالَ أبو عمرٍو: والصَّبيبُ: الجليدُ. وأنشدَ لابنٍ عباب: [من الطويل] وليس بها إِلا صَبأَ وصَبيبُها(٣) ٨٥٣ - ولا كَلْبَ إِلا والجٌ أَنْفَه اسْتَه قولُه تعالى: ﴿فصبَّ عليهم ربُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] من باب الاستعارة البليغة؛ جعلَ السَّوطَ مما يُصبُّ إِيذاناً بسرعة لحاقهِ بمَن يقعُ بهِ، وأنه في نزولهِ عليه کنزولٍ (١) قرأ نافع وشيبة والزهري وأبو جعفر (والصابين) البحر المحيط ١ /٢٤١، وقرأ حمزة (والصابيين) الإتحاف ١٣٨. (٢) الرجز في اللسان والتاج (صبب) دون عزو. (٣) البيت في اللسان والتاج (صبب) دون عزو. ٣١٤ باب الصاد الشيءَ المصبوبِ. وأشياءُ آخرُ يطولُ الكتابُ بذكرها، فلله دَرُّ فصاحة القرآن، لا تَنْحصرُ وجوهُها . ويقالُ: صَبَّ إِلى كذا ضَبابةٌ بمعنى سالتْ نفسُه محبةً نحو مَن يهواهُ. والصَّبُّ: مَن به صَبابةٌ. وهو صبِّ بكذا: مُولِعٌ بهِ. وفي الحديث: ((كانَ يَخْتضِبُ بالصَّبِيبِ))(١) الصَّبِيبُ هنا قال أبو عبيدٍ(٢): أظنُّه ماءَ ورقِ السُّمسمٍ أو نحوَه من نباتِ الأرضِ، ولونُ مائه أحمرُ يعلوهُ سَوادٌ. وفي غِيرِ هذا هوَ العرقُ كما تقدَّمَ. وقيلَ: الدّمُ. والصِّبَابَةُ: البقيَّةُ من الماءِ في الإِناءِ. وفي الحديثِ: ((إِنَّ الدُّنيا آدَنتْ بصَرْم وولَّتْ حَذّاءٍ فلم يَبْقَ منها إِلا صُبابةٌ كصُبابةِ الإِناءِ))(٢). الصُّبابةُ: البقيَّةُ الْيَسيرةُ، وحَذَاء قَالَ: مَعناها مُسرعة. وقيلَ: الصُّبَابَةُ والصُّبَّةُ: ما من شأنُها أن تُصَبَّ، وتصابَيْتُ الإِناءَ: شَرِبِتُ صُبابَتَه. وَتَصَبْصَبَ: ذَهبتْ صُبابَتُه. ص ب ح: قوله تعالى: ﴿فالمُغيراتَ صُبْحاً﴾ [العاديات: ٣]. الصِّبحُ والصَّباحُ: أَوَّلُ النَّهارِ، وهو وقتُ أحمرارِ الأفقِ بحاجبِ الشمسِ. قوله تعالى: ﴿فالقُ الإِصباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] أي ضوءُ النهارِ. والإِصباحُ في الأصل: مصدرُ أُصبحُ. فالمعنى: جاعلُ ذلك. وشبِّهَه كالبيضةِ التي تُفْلَقُ عن الشيءٍ، كأنَّ ضوء النهارِ كان مُحتجباً في شيءٍ انْفلقَ عنه. قُولُه: ﴿فسادَ صباحُ المُنْذَرِينِ﴾ [الصافات: ١٧٧] نسبَ الذَّمَّ إِلى صَباحِهِم مُبالغةٌ في إِساءَتِهم، كقوله: ساءَ يومُه. فساءَ يجوزُ أن تكونَ الجاريةُ مَجرى بِئْسَ. فالمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي صباحُهم، والصَّوحُ: الشرابُ أولَ النهارِ. والغَبوقُ: آخرُه. يقالُ: صَبَحتُه، أي سَقَيتُه صَبوحاً، مثلُ: غَبِقْتُه. والصَّبْحَانُ: المُصْطِبحُ. قولُه تعالى: ﴿فيها مصباحٌ﴾ [النور: ٣٥] المصباحُ هنا: السِّرَاجُ، وَبِه شُبِّه النجمُ. ومنه قولُه تعالى: ﴿ولقد زَيَّا السماءَ الدُّنيا بمصابيحَ﴾ [الملك: ٥]. وقيلَ: هي أعلامُ الكواكب. والمصباحُ أيضاً: مَقِرُّ السِّراجِ. والمصباحُ أيضاً: مايُسقَى منه، ومن الإِبلِ: ما يَبْرُكُ فلا (١) الفائق ٢/ ١١ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٧٦ والنهاية ٥/٣، وهو من حديث عقبة بن عامر. (٢) في غريبه ٤ /١٦٨. (٣) من خطبة عتبة بن غزوان في مسند أحمد ٤ /١٧٤ والبيان والتبيين ٥٧/٢. ٣١٥ باب الصاد ينهَضُ حتى يُصبحَ. وصَبِحْتُهم ماءَ كذا: أَتِيتُهم به صباحاً. والصُّبْحُ: شِدَّةُ حمرةٍ فِي الشَّعرِ تَشبيهاً بالصَّباحِ أو المصباح. وصَبْحَ وجهُ فلانٍ: حسُنَ، أخذاً من المصباحِ. والصَّباحةُ: الملاحةُ من ذلك. وقولُهم: أَصْبحُ استطالةٌ لهُ. وعليه قولُ امرىء القيس: [ من الطويل] ٨٥٤ - ألا أيُّها الليلُ الطويلُ أَلَا انْجلِ بصبحٍ وما الإِصباحُ منكَ بأمثلٍ (١) وفي الحديث: ((نَهى عن الصِّبْحةِ))(٢) هي النَّومُ وقتُ ارتفاعِ النهارِ، لأنه وقتُ الذِّكر وطلبِ المعاشِ. وصَبحتُ القومُ - مُخفَّفاً ومُثقَّلاً -: أغرتُ عليهم صباحاً. قالَ الشاعر: [ من الوافر] ٨٥٥ - صَبَحْنا الخزرجیةَ مُرهفاتٍ أبان ذوي أرومتها ذَوُوها(٣) وقال الحماسيُّ، في التَّشديدِ، وهو أنصفُ شعرٍ قيلَ: [ من الطويل] ولا مثْلَا يومَ الْتَّقينا فوارسا (٤) ٨٥٦ - فلم أرَ مثلَ الحِيِّ حَيَاً مُصَبِّحاً وأَضربَ منّا بالسيوف القَوانسا أکرّ وأحمی للحقيقة منھُم ص ب ر: قولُه تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَر﴾ [الشورى: ٤٣]. الصبرُ في الأصلِ: الحبسُ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] أي احبسْها. وقال قَطريُّ بنُ الفُجاءة: [ من الوافر] ٨٥٧ - فصَبْراً في مجالِ الموتِ صَبراً فما نيلُ الخلودِ بمُستطاعٍ(*) أي احبسْ نفسَكَ في موطنِ الحربِ. فأقامَ المصدرَ مُقَامَ فعلهِ، وكذا: ﴿اصْبِروا (١) البيت من معلقته في ديوانه ١٨. (٢) مسند أحمد ٧٣/١. (٣) تقدم برقم ٥٣٩ (ذوو) وهو لكعب بن زهير في ديوانه ٢١٢ . (٤) البيتان للعباس بن مرداس في ديوانه ٩٢ - ٩٣ والحماسة البصرية ٢ /٥٤ وشرح الحماسة للمرزوقي ١ / ٤٤٠ وشرح القبريزي ٢٢٨/١ والنوادر ٥٩. (٥) البيت في ٥ شعر الخوارج٥ ١٠٨ وأمالي المرتضى ١ /٢٣٦. ٣١٦ باب الصاد وصابروا﴾ [آل عمران ٢٠٠] أي احبسوا أنفسكم عن شهواتها. فالصبرُ: حبسُ النَّفْسِ عن الشَّهواتِ وعلى امتثالِ المأمورات واجتنابِ المَنْهِيّاتِ. وقيلَ: الصَّبَرُ: الإِمساكُ في ضيقٍ. صَبَرْتُ الدَابَّةَ: أمسكتُها للعلف. فقال بعضُهم: الصَّبِرُ: حيسُ النفسِ عمّا يقتضيه العقلُ والشرعُ عما يقتضيان حبسَها عنه. قال: فالصبرُ لفظٌّ عَامٌّ، وربَّما خُولِفَ بينَ أسمائهِ بسببٍ اختلاف مَواقعه؛ فإِنْ كان حبسُ النَّفسِ لمصيبةٍ سُمَِّ صبراً لا غيرُ، ويُضادُّه: الجزَعُ، وهو المرادُ بقوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الصابرين الذين إذا أصابَتْهم مُصيبةٌ ﴾ [البقرة: ١٥٥٨٥٤] الآية، ﴿إِنَّمَا يُوفَّى الصابرونِ أَجْرَهُم بغيرِ حسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وإِنْ كانَ في حربٍ سُمي شجاعةً، ويُضادُّه: الجبنُ. وإِنْ كان في نائبةٍ مُضْجرةٍ سُميَ رَحبَ الصَّدرِ، ويضادُّه: الضَّجرُ. وإِنْ كان في إِمساكِ كلامٍ سُمي كِتْماناً، ويضادُّه: المَذلُ. وقد سَمَّى: اللهُ تعالى كلَّ ذلك صبراً. ونَّه عليه بقولِه: ﴿والصابرينِ (١) في البأساءِ والضَّرّاءِ وحين البأسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿والصابرين على ما أصابَهم﴾ [الحج: ٣٥]. قولُه: ﴿واسْتعينوا بالصَّبِرِوِ الصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] هو الصبرُ المتعارفُ، وقيلَ: هو الصومُ. ومن ثَمِ سُمي رمضانُ شهرَ الصَّوم، لأنَّ فيه حَيَس النفسِ عن الملاذِّ الدُّنْيويةِ من أكلٍ وشُربٍ وجِماعٍ، ولا سيَّما الأبرارُ الذين قالَ فيهم عليه الصلاةُ والسلام: ((إِنه يَسْلِمُ من السَّبِّ والغيبةِ حتى لو شُتمَ أحدُهم لا يردِّ بل يقولُ: إِني امرؤٌ صائمٌ))(٢) وقال عليه الصلاةُ والسلام: ((صيامُ شهرِ الصِّبْرِ وثلاثةُ أيامٍ من كلِّ شهرٍ يُذهبُ وَحَرَ الصَّدْرِ))(٣). قوله تعالى: ﴿فما أصبْرَهُم على النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] أي ماأَجرأَهُم على تَعاطي أسبابٍ دُخولِ النارِ منَ المعاصي. قيلَ: هي لغةٌ. يقالُ: هو أصبرُ على كذا منكُّ. وما أصبَره عليك! أي أجرأَه. والحتجَّ أبو عُبيدٍ على كونهِ لغةُ في الجرأةِ بقولِ بعضِ العربِ لخصمه: ما أَصِبَرَك على الله! أي ما أجرأك على اليمين! قال بعضُهم: هذا تصورٌ مَجازٍ بصورة حقيقيةٍ، لأنَّ ذلك معناهُ: ما أَصبركَ على إِعداءِ اللّه! إِذ اجترأتَ علی ارتكابٍ ذلك. وإلى هذا يعودُ قولُ مَن قالَ: ما أَبْقَاهُم على النارِ! وقولُ مَن قال: ما أَعْمَلَهم بِعَمَلٍ (١) قرأ يعقوب والأعمش والحسن (والصابرون) البحر المحيط ٢ /٧. (٢) أخرجه البخاري في الصوم، (٢) باب فضل الصوم ١٧٩٥ ومسلم في الصيام، باب حفظ اللسان للصائم ١١٥١. (٣) مسند أحمد ٥ /١٥٤. وانظر مجمع الزوائد ١٩٩/٣ .. ٣١٧ باب الصاد أهلِ النارِ! وذلك أنه قد يُوصَفُ بالصبرِ مَن لا صَبرَ له في الحقيقةِ اعتباراً بحالِ الناظرِ إِليه، أي مَن رَآهُم يقولُ: وإِنْ لم يكونوا مُتَّصفينَ بالصَّبر، هذا صفةُ تعجبٍ فكيفَ تردُ منَ الباري تعالى؟ فأجيبَ بأنه جاءَ باعتبارِ المخاطبين. ولنا فيه كلامٌ أوسعُ من هذا. قولُه تعالى: ﴿اصْبِروا وصابِروا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] أي احبسُوا أنفُسَكم على العبادة، وجاهدوا أهواءَكم. قولُه: ﴿وَاصْطَبِرْ لعبادتهِ﴾ [مريم: ٦٥] أي تحملِ الصَّبْرَ بجَهدِكَ. قوله: ﴿يُجْزَون الغُرِفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] أي بما تحمَّلوهُ من الصَّبْرِ في الوصولِ إِلى مَرْضاتهِ تعالی. قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فصبرٌ (١) جميلٌ﴾ [يوسف: ١٨] أي امرُ صبرٍ. والأصلُ النصبُ علي المصدرِ ونيابةٌ عن الفعلِ، إِلا أنَّ الرفعَ أبلغُ لما قرَّرْناهُ في : ﴿قَالُوا سَلَاماً قالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩]. ولذلك أتى الشاعرُ بهذا الأصلِ على النصبِ في قوله: [من الرجز] ٨٥٨ - يَشكو إِليَّ جَملي طولَ السُّری صَبْراً جَميلاً فكلانا مُبْتلىٍ(٢) ومعنى الآية: الحثُّ على الصبرِ. والصبورُ: القادرُ على الصبرِ الذي له فيه مَلكةٌ. والصابر يقالُ إِذا كان فيه ضربٌ من التكلِّف والمُجاهدة؛ قالَه الراغبُ (٣) وفيه نظرٌ مِن حيثُ إِنَّ فعولاً وفعالاً مُبالغةٌ. وفَعل لا يدلُّ على التكلُّف، بل يدلُّ عليه تَفعَّل، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ في ذلك لآياتٍ لِكلِّ صَبّارٍ شكورٍ﴾ [ إبراهيم: ٥]. وقد يُعبَّرُ عن الانتظارِ بالصَّبْرِ لمَّا كانَ حقِّ الانتظارِ لا يَنْفِكُّ عن الصبرِ، بل هو نوعٌ من الصبرِ؛ وعليه قولُه تعالى: ﴿فاصبرْ لحُكمِ ربِّك﴾ [الطور: ٤٨] أي انتظرْ حُكمَه لكَ على الكفار الذين عانَدوكَ. وقالَ المبرِّدُ: الصبرُ ثلاثةُ أنواعٍ: حبسٌ، وإِكراهٌ، وجُرأةٌ. وحُكيَ من كلامهم: أَصبرَه الحاكمُ على اليمينِ، أي أَلجأَه إِليها: وفي الحديث: ((اقْتُلُوا القاتلَ واصبروا الصابرَهِ(٤)؛ وذلك أنَّ رجلينٍ قَتلا رَجلاً؛ أَمسكَه أحدُهما وقتلَه الآخَرُ، أي أحبسُوا الذي حبسَه للموتِ حتى يموتَ كفعله به. كذا فسَّرِه الهرويِّ. والحكمُ عندَنا (١) قرأ الكسائي وعيسى بن عمر وأنس بن مالك والأشهب (فصبراً جميلاً) البحر المحيط ٢٨٩/٥. (٢) البيت في اللسان ( شکا) وأضداد الانباري ٢٢٢ وحياة الحیوان ٢٨٢/١ دون عزو. (٣) المفردات ٤٧٤. (٤) الفائق ٢ /٣ وغريب ابن الجوزي ١ / ٥٧٨ والنهاية ٨/٣. ٣١٨ باب الصاد ليس كذلك. وقيلَ: الصَّبزُ أن يُحبَس، أي يُوقَفَ وهو ينظرُ لنفسه فيُقتَلُّ، وهو أشدُّ القَتَلات. ولذلك نَهى عن القتلِ صَبراً، أي تؤخَذ ذاتُه فيرمَى عَرضاً. وقد قَتْلَ النبيَُّّ بعضَ الكفارِ صَبراً لمصلحةٍ، ومنهم النَّضرُ (١) القائلة أخته قُتِيلةً (٢) في شعرٍ: [ من الكامل] .(٢) ٨٥٩ - صبراً يقادُ إلى المنية متعباً .. ص بع: قوله تعالى: ﴿يَجعلونِ أَصابِعَهِم﴾ [البقرة: ١٩] الأصابعُ جمعُ إِصبع، هذا العضوُ المعروفُ. وفيه عشرُ لغاتٍ؛ تَثليثُ الهمزةِ، معَ تثليثِ الباءِ، والعاشرةُ أُصبوع. وصَبَعْتُه: أصبت وهي مؤنثةٌ. وعليه قولُه: [من الرجز] ٨٦٠ - هل أنت إِلا إِصبع دميت وفي سبيلِ اللهِ ما لَقيتَ !(٤) ص ب غ: قولُه تعالى: ﴿صِبْغَةَ الله﴾ [البقرة: ١٣٨] أي دينَ الإِسلامُ، استعارَ له هذا الاسمَ إِشعاراً بأنَّ الله تعالى هو الذي يفعلُ ذلك، وكما يفعلُ الصبّاغُ في الثوبِ المَصبوغِ. وقصدُ تعالى بذلك المشاكلةُ، وذلك أنَّ النصارى كانوا إِذا وُلد لُهُم ولدٌ غَمَسومٍ في ماءَ المعموديَّةِ، ويقولون: الآنَ صارَ نصرانياً. ويقولون: قدِ انْصِغَ بالنَّصرانيةِ. فقال تعالى ذلك مُقابلةً لقولِهِم. ويقربُ منهُ قُولُ الآخر: [من الكامل] (١) هو النضر بن الحارث بن علقمة، من قريش (ت ٢ هـ / ٦٢٤م) صاحب لواء المشركين ببدر، وهو ابن خالة النبي ◌َّله وقتله الإِمام عليّ بأمر النبي ◌َّه الاعلام ٣٥٧/٨. (٢) قتيلة بنت النضر بن الحارث (ت ٢٠ هـ / ٦٤٠ م) أدركت الجاهلية والاسلام. شاعرة من الطبقة الأولى في التسباء. أسلمت بعد مقتل أبيها وروت الحديث، وتوقيت في خلافة عمر. الإعلام ٢٨/٦. وذكر في الأغاني ١ /١٩ أنها أخته. (٣) صدر بيت وعجزه: (رَسْفَ المقيّد وهو عانٍ موثقُ) وهو من قصيدة في الاغاني ١ /١٩ والعمدة ١٥٦/١ وزهر الآداب ٦٦/١ والبيان والتبيين ٤٤/٤، وانظر أعلام النساء ٤ /٨٩ ومعجم البلدان (أثيل) وأنساب الأشراف ١٤٤. ولما سمع النبي عَّة القصيدة قال ((لو سمعت هذا قبل أن أقتله ماقتلته)) (٤) البخاري في الجهاد (٩) باب من ينكب في سبيل الله ٢٦٤٨، وفي الأدب ( ٩٠ ) باب مايجوز من الشعر ٥٧٩٤، ومسلم في الجهاد، باب مالقي النبي ◌َّة ١٧٩٦. واللسان والتاج (صبع) والمقاييس ٣٣٠/٣. وفي أنساب الأشراف ٢١٠ أن القائل هو الوليد بن الوليد. ٣١٩ باب الصاد قلتُ: اطبخوا لي جُبَّةً وَقَميصا (١) ٨٦١ - قالوا اقترحْ شَيئاً نجدْ لكَ طَبخهُ فعبَّرَ عن ملةِ الإِسلامِ بالصِّبغةِ. وقيلَ: سُمِّيتِ الملةُ صبغةً لأنَّ النصارَى امْتَنعوا من تطهيرِ أولادِهم بالختانِ. وابتدعوا تَطهيرَهُم بماءٍ أصفَرَ يَصبغونَ بهِ أولادَهُم. يقالُ: صَبَغْتُهُ أَصبغهُ، بتثليثِ عينِ المضارعِ، صَبْغَاً وصِيغاً وصبَغَةٌ وصباغاً. قولُه: ﴿وَصِبْغِ للآكلينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] يَعني أنَّ الزيتَ مُصْطبغٌ به للأكلِ يُصبغُ بهِ مرةً. والصِبغُ والصُّباغُ: مايُصبِغُ به، وذلك نحوُ: دِبْغ ودِباغ، ولِيْس ولباس. وقيلَ: ﴿صبغةَ اللهِ﴾، أي ما أَوجدَه في الناس من العقولِ المتميزين به عن البهائم كالفطرةِ في قوله: ﴿فِطرةَ اللهِ التي فَطَرَ الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠] قال الراغبُ (٢) فكانت النصارى إذا وُلد لهُم ولدٌ غَمَسوه بعدَ السابعِ في ماءِ المعموديةِ، يَزْعمون أنَّ ذلك صبغةُ الله، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿ومَن أحسَنُ منَ اللهِ صِيغةٌ﴾ [البقرة: ١٣٨]. ص ب و: قولُه تعالى: ﴿أَصْبُ(٣) إِليهنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] أي أَملْ. يقالُ: صَبا يَصْبو: إِذا مالَ نحوَ محبوبه. صَبَىُ وصَبَاءُ وصَبْواً وصَبْوَةً. وقيلَ: صَبا معناهُ: نَزَعَ واشّتاقَ، وفعلَ فِعلَ الصِّبيانِ. وَأَصْباني فصَبَوْتُ. والريحُ الصَّبًا: المستقبِلُ للقبلةِ؛ سُمِّتْ بذلك لأنَّ مَن هَبَّتْ عليهِ صَبَا إِلى وطنِهِ ونزَعَ إِلى إِلفهِ. وأنشد: [ من الطويل] ٨٦٢ - ألا یاصبا نجد متی همتٍ من نجد؟ فقد زادَني مَسْراكِ وَجداً على وَجَدٍ (٤) وصابَيتُ السيفَ: أغمدتُه مَقلوباً: وصابَيتُ الرُّمحَ: أَمَلتُه وهَيّأْتُه للطَّعنِ. وفي الحديث: ((رأَى حُسيناً يلعبُ مع صِبْوةٍ فِي السِّكَّةِ))(٥) أي صِبْية جَمع صَبِيّ، وهما لُغتان (١) تقدم برقم ٦٧٣ (زود) وهو لأبي الرقعمق في معاهد التنصيص ٢٥٢/٢. (٢) المفردات . (٣) قرئت (أَصَبُّ) البحر المحيط ٣٠٧/٥. (٤) البيت لمجنون ليلى في ديوانه ١١٢ وفيه: ((متى هجت من نجد ). (٥) الفائق ٢ /٨ وغريب ابن الجوزي ٥٧٩/١ والنهاية ١٠/٣. ٣٢٠ باب الصاد نحو: عُنْيان وعُنْوان، وقُنيتُ وقَنوتُ. وتصابى: رجعَ إِلى فعلِ الصِّبيانِ . ص ب ي: قوله تعالى: ﴿نُكلِّمُ مَّن كانَ في المهدِ صَبِيّاً﴾ [مريم: ٢٩] أي مَن لم يبلغ الحِنْثَ(١)، وقد تقدَّمَ في مادةِ (ش ي خ) الكلامُ على ذلك مُستوفىّ، فأغنى عن إِعادتهِ. والظاهرُ أنّ لامَ صَبِيِّ يجوزُ أنْ تكونَ واواً وَأَن تكونَ ياءٌ لما قدَّمتُه في جمعه من قولهم: صِبْية وصِبْوة. فعلى الأولِ أصلُّه صَبْوَى، فأُدغمَ بعدَ قلبهِ. فصل الصاد والحاء ص ح ب: قوله تعالى: ﴿أصحابُ الجنة﴾ [البقرة"٨٢] أصلها الاجتماعُ طالَ زمنُها أَو قصُرَ. وقيلَ: الصاحبُ: الملازِمُ إنساناً كان أو حيوناً أو مكاناً أو زماناً. قيلَ: لا فرقَ بينَ أَنْ تكونَ المصاحبةُ بالبدن. وهو الأصلُ والأكثرُ، وبالعنايَةِ والهمَّةِ. قال الراغبُ (٢): ولا يقالُ في العُرفِ إِلا لِمَن كثُرتٌ مُلازمتُه. يقالُ لمالكِ الشيء: هو صاحبُه. ويقالُ أيضاً: لمن يمتلكُ التصرّفَ فيه قولُه: ﴿إِذْ يقولُ لصاحبهِ﴾ [التوبة: ٤٠] القائلُ هو محمدٌوَلّه .. ومن ثمَّ قيلَ: مَن أنكِرَ صُحبةً أبي بكرٍ فقد كفرَ لأنَّه أثبتَ له صاحباً. وقامَ الإِجماعُ على أنه لم یکن معه في الغارِ غیرُ أبي بكرٍ. قولُه: ﴿وما جَعَلْنا أصحابَ النارِ إِلا مَلائكةً﴾ [المدثر: ٣١] فهذا معنی مَن يملك التصرُّفَ، أي ماجعلنا المُوكلين بها المعذِّبِينَ بها. فأصحابُ النارِ يُطلقُ على المعذَّبِينِ والمعذّبين. وقد يضافُ الصاحبُ إِلى مَسُوسِه نحوُ صاحبِ الجيشِ، وإِلى سائسهِ نحوُ صاحب الأمير. قيلَ: والمُصاحبةُ والاصطحابُ أبلغُ منَ الاجتماعِ، لاجلِ أنَّ المصاحبة تَقْتَضي طولَ لَيْئِهِ. فكلُّ اصطحابٍ اجتماعٌ من غيرِ عكسٍ. قولُه: ﴿أو لم يَتَفكّرُوا مابصاحبِهم من جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤]. سمّاهُ مُصاحبةً تَنبهةً أنكم صَحِبتُموه وجَرَّبْتموه وعَرفْتُم ظاهرَهُ وباطِنَه، ولم تَجِدوا به خَبَلاً ولا جنَّةً. والإِصحابُ للشيءٍ: الانقيادُ لهُ. وأمّا عندَ أهلِ الأصولِ فاختلفوا في الصحبةِ (١) الحنث: الإدراك. (٢) المفردات ٤٧٦.