Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ باب السين وعمرو في كذا. والثاني أن يقالَ لاعتدالِ الشيءٍ في ذاتِه، كقوله تعالى: ﴿ذو مِرَّةٍ فاسْتَوَى﴾ [النجم: ٦]. قال الراغب(١): ومتى عُدي بعلى اقتضَى معنى الاستيلاء نحو قوله تعالى: ﴿الرحمنُ على العرشِ استوى﴾. وقيلَ: معناهُ اسْتَوى له ما في السماوات وما في الأرضِ بتسويتهِ تعالى إياه، كقولهِ تعالى: ﴿ثم اسْتَرى إلى السماءِ فسوّاهنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]. وقيلَ: معناهُ اسْتَوى كلُّ شيءٍ في النسبةِ إِليه. فلا شيءَ أقربُ إِليه من شيءٍ. إِذ كان تعالى ليس كالأجرامِ الحالةِ في مكانٍ دونَ مكانٍ. وإِذا عُدِّيَ بإِلى اقتضَى معنى الانتهاء إِليه؛ إِمّا بالذاتِ أو التّدبير. وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿ثم استوَى إِلى السماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١]. قولُه تعالى: ﴿خلقَك فسّواكَ﴾ [الانفطار: ٧] تسويةُ الشيء: جعلُه سواءً؛ إِمّا في الرِّفعة أو الصفة. فالمعنى: جعلَ خَلْقَك على ما اقتضتّه الحكمةُ. وقولُه تعالى: ﴿ ونَفسٍ وما سَوّها﴾ [الشمس: ٧] إِشارةٌ إِلى القُوَى التي جعلها اللهُ مُقَوِّمةٌ للنفسِ، فُنُسب إليها. وقد ذُكر في غيرِ هذا الموضعِ أن الفعلَ كما يصحُّ أن يُنسَبَ إِلى الفاعل يصحُّ أن يُنْسَبَ إلى الآلة، وسائرُها يَفتقرُ إِليه نحو: سيفٌ قاطعٌ. وهذا أَولى من قَولِ مَن قال: إِنَّ المعنى ((وما سَوّها)) يعني به اللهَ تعالى. قولُه تعالى: ﴿رَفَع سَمْكَها فسوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٨] فتسويتُها تتضمَّنُ بناءَها وتَرتيبَها المذكورين في قولِه تعالى: ﴿إِنَّا زَيِّنًا السماءَ الدنيا﴾ [الصافات: ٦]. قوله تعالى: ﴿بلى قادرين على أنْ نُسوِّيَ بَنَانَه﴾ [القيامة: ٤] قيلَ: نجعلَ كفَّ كخفِ الجملِ من غيرِ انقباضٍ وانبساطٍ. وقيلَ: هو عبارةٌ عن تفاوت الأصابع واختلافها؛ فإِنَّ كونها كذلك مما يُعينُ على الانتفاعِ بها. وقيل: هو عبارةٌ عن البعث والحشْر؛ أي نردَّها كما كانتْ بعد أن كانتْ مُتفرقةً. قولُه: ﴿فتمثَّلَ لها بَشَرَاً سَوِيّاً﴾ [مريم: ١٧] أي كاملَ الخلقِ، لا يُنكَرُ منه شيءٌ، كما لا يُنْكَّرُ منَ الآدميين الذين تعْهَدهُم. والسَّويُّ في الأصل يقالُ فيما يُصانُ عن الإفراط والنَّفريط. قوله: ﴿فَدَعْدَمَ عليهم ربّهم بِذَنْبِهِم فسَوَّاها﴾ [الشمس: ١٤] كقوله: ﴿فهيَ خاويةٌ على عروشِها﴾ [الحج: ٤٥] والمعنى أنها صارتْ كأرضٍ مُسوّةٍ بها، ومثلُه: ﴿لو تُسوَّى(٢) بهمُ الأرضُ﴾ [النساء: ٤٢]. قيلَ: تُسوَّى عليهم، أي تُطمُّ فلا يدَّبَّرون منها (١) المفردات ٤٤٠. (٢) قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (تَسُّوَّى) ،وقرأ حمزة والكسائي وخلف والأعمش وورش (تَسَوِّى) النشر ٢ /٢٤٩ والسبعة ٢٣٤ . ٢٤٢ باب السين لشدَّة افتضاحهم. ويعبَّرُ بالسَّواءِ عن الوسَطِ، ومنه قولُه: ﴿فِي سَواءِ الجحيم﴾ [ الصافات: ٥٥]. ويقالُ: ما زلتُ أكتبُ حتى انقطعَ سَوايَ. قولُه: ﴿ ثم اسْتَوِى إِلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩] أي قصَدَ. قال ابنُ عرفةَ: الاستواءُ من الله: الإقبالُ على الشيء والقصدُ له. حكى الفراءُ عنهم: اسْتَوى إِليَّ يخاصمُني، أي أقبلَ عليّ (١). قالَ: وحدَّثني داودُ بنُ عليٌّ الأصبهانيُّ(٢) قال: كنتُ عندَ ابنِ الأعرابيِّ فأتاهُ رجلٌ فقال: ما مَعنى قوله: ﴿الرحمنُ على العرشِ اسْتَوَى﴾؟ [طه: ٧٠] فقال: هو على عرشه كما أخبرَ. فقالٌ الرجلُ: إِنما معناهُ: اسْتَولى. فقال: ما يُدربك؟ العربُ لا تقولُ: اسْتَولى على الشيءٍ حتى يكونَ مُصادفاً بهما غلب فقد استولى. أما سمعتَ قول النابغة: [من البسيط ]: ٧٧٥ - إِلّ لمثلِكَ أو مَن أَنْتَ سابقُه سَبْقَ الجوادِ قدِ اسْتَولى على الأمَدِ (٣). وقد سُئُلَ مالكُ بنُ أَنَسِ عنِ الاستواءِ فقالَ: الكيفُ غيرُ معقولٍ، والاستواءُ غيرُ مَجْهولٍ، والإِيمانُ به واجبٌ ، والسؤالُ عنه بدعةٌ. قوله تعالى: ﴿إِذ تُسَوْيُكم بربِّ العالمين﴾ [الشعراء: ٩٨] أي تعدلُكم به، فنجعلُكُمْ سَواءٌ في العبادةِ. وهذا سيّانِ، أي مِثْلانِ. واسْتُغنيَ بتثنيةِ سِيَّ عن تثنيةٍ سواءٍ غالباً. وسُمِعُ سَواءانٍ؛ قالَ الشاعرُ: [من البسيط]. ٧٧٦ - من يفعلِ الحسنات اللهُ يشكرُها والشَّرُّ بالشَّرِّ عند الله سيّان(٤). قولُه: ﴿صراطاً سَوياً﴾ [مريم: ٤٣] أي مستوياً مستقيماً. قوله تعالى: ﴿سواء(٥). بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤] أي عدل ذات اسْتواءٍ. ولنا في مسألة الاستواءِ كلامٌ أتقنّاهامع المبتدعة في ((القول الوجيز)). (١) مجالس ثعلب ١٧٤ . (٢) داود بن علي بن خلف الأصبهاني، الملقب بالظاهر بي (ت ٢٧٠هـ/٨٨٤م) أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام تنسب إليه الطائفة الظاهرية ، وسميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس. له تصانيف: كثيرة انظر الاعلام ٨/٣ وتارخ بغداد ٣٦٩/٨ (٣) البيت من معلقته في ديوانه ٢١ . (٤) البيت لعبد الرحمن بن حسان في اللسان ٤٧/١١ (بجل). (٥) قرأ الحسن (سواء) إملاء الغكبري ١ /٨١ وقرأ ابن مسعود (عدل) البحر المحيط ٤٨٣/٢ -- ٢٤٣ باب السین فصل السین والیاء س ي ب : قولُه تعالى: ﴿ولا سائبةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]. السائبةُ: هي الناقةُ التي تُنتجُ خمسةٌ أبطنٍ، فَتُتَرَكُ فلا تُركبُ ولا يُحملُ عليها ولا تُردُّ عن ماءٍ ولا مَرَعَى(١) . وقيلَ: هي الناقةُ التي يقولُ ربُّها: إِنْ قَدِمتُ سالماً من سَفري أو شُفيتُ من مَرضي فناقَتِي سائبةٌ. فلاِيُنتفعُ بها ولا تُردُّ عن ماءٍ ولا عَلفٍ. ويعتقون العبد ويقولون: هو سائبةٌ: فلا يَعقلُ أحدُهما الآخر ولا يرتُه. وقيلَ: يكونُ ولاؤه لمُعتقهِ، ويضعُ مالَه حيثُ يشاءُ وأصلُه من تَسبيب الدَّوابُ، وهو انْبعاتُها. يقالُ: سابت الحيةُ تَسيبُ، وانسابت تنسابُ انْسياباً. وسابت الدابةُ تَسيبُ سُيوباً، وسابَ الماءُ: جرى، والمصدرُ: السَّيبُ، ويُعبَّر بهِ عن العطاءِ فيقالُ: أفاضَ عليه سَيبَه، أي رزقَه، وذلك على الاستعارة. وفي الحديث: ((وفي السُّوبِ الخُمُسُ﴾(٢) قال أبو عبيد: السُّوبُ: الرِّكازُ. ولا أراهُ أُخذَ إِلا من السَّيبِ، وهو العطيَّةُ. وفي الحديث: ((لو سَأَلتَنَا سَيابةً أعطيناكَها))(٣)؛ السَّابَةُ: البَلَحةُ، والجمعُ سَيَابٌ. ومنه سُميَ الرجلُ سَيّابَة. س ی ح: قولُه تعالى: ﴿السائحون (٤)﴾ [التوبة: ١١٢] السِّاحةُ: الذهابُ في الأرض. وأصلُه من: ساحَ الماءُ يسيحُ: إِذا جَرَى وانبسطَ من غيرِ نهاية ولا حدٍّ. وقيلَ: ((السياحةُ في هذه الأمة الصومُ))(٥) ووجهُ ذلك كما قال الراغبُ(٦) : الصَّومُ ضربانِ؛ حسِّيٌّ(٧) وهو تركُ المَطْعَمِ والمَنكْح. وحُكميٌّ(٨) وهو حفظُ الجوارح من المعاصي كالسَّمع والبصر (١) انظر ما تقدم في (ب ح ر ). (٢) غريب ابن الجوزي ١ /٥١١ والفائق ٤/١ والنهاية ٤٣٢/٢ وهو من كتابه ◌َم هلوائل بن حجر. (٣) غريب ابن الجوزي ١ / ٥١١ والفائق ٢٦٧/١ والنهاية ٢ /٤٣٢ وهو من حديث أسيد بن حضير. (٤) قرأ أبيّ وابن مسعود والأعمش (والسائحين) إِملاء العكبري ٢ /١٣ والبحر المحيط ١٠٤/٥. (٥) في الحديث ((سياحة هذه الأمة الصيام)) النهاية ٢ /٤٣٣ وغريب ابن الجوزي ١ / ٥١٢. (٦) المفردات ٤٣١ والقول ليس للراغب . (٧) في المفردات : ((حكمي)). (٨) في المفردات ((حقيقي). -٠٠ ٢٤٤ باب السين واللسان. والسائحُ: هو الذي يصومُ هذا الصومَ دونَ الأولِ. وقالَ غيرُه: وجهُ ذلك أنَّ الذي يسيحُ في الأرضِ مُتعبِّداً يسيحُ ولا زادَ له، فحينَ يجدُ يطعمُ . والصائمُ يُمضي نهارَه ولا يطعمُ شيئاً، فشبّه بهِ. وإِلى هذا نَحا الهرويُّ. وقيلَ: المعنيُّ بالسائحين: الذين يَتَخَّرُون ما اقْتَضاهُ قولُه تعالى: ﴿أفلم يَسيروا في الأرضِ فتكونَ لهم قلوبٌ يَعْقِلُون بها﴾ [الحج: ٤٦]. والساحةُ: المكانُ الواسعُ، ومنه ساحةُ الدارِ؛ قال تعالى: ﴿فإذا نزلَ بساحَتِهم﴾ [ الصافات: ١٧٧] أي بدارِهم ومُستقرّهم. والسائحُ: الماءُ الدائمُ الجِرْيةِ في الساحة. ١ وساحَ فلانٌ: مرَّ مرورَ الماءِ السائحِ. ويقالُ: سايحٌ وسَّيَاحٌ. س ي ر: قوله تعالى: ﴿أفلم يَسيروا في الأرضِ﴾ [يوسف: ١٠٩] السِّير: المضيّ في الأرضّ. قال تعالى: ﴿وسارَ بأهله﴾ [القصص: ٢٩] أي مضى. قال الراغبُ(١): يقالُ: سِرَتُ بفلانٍ وسَيِّتُه على التكثير. ومن الأولِ: ﴿قُل سِيروا في الأرضِ﴾ [الأنعام: ١١]. ومن الثاني: ﴿وسارَ بأهله﴾ [القصص: ٢٩] ولم يجيءُ في القرآن القسمُ الثالثُ (٢). ومن الرابعِ: ﴿وَسُيِرت الجبالُ﴾ [النبأ: ٢٠]، وقوله: ﴿أفلم يَسيروا في الأرضِ﴾. قيلَ: هو حثٍّ على السير بالجسم. وقيلَ: هو حثٍّ على إِجالةِ الفكر ومُراعاة أحواله. ويؤيِّدُه الحديثُ في وصفِ الأولياءِ: (أبداأنُهم في الأرضِ سائرةٌ وقلوبُهم في الملكوت جائلةٌ))(٣) .. ومنهم مَن حَمله على الاجتهادِ في العبادةِ الموصلةِ إِلى نَيلِ الثواب الأخرويِّ. وعليه حُملَ قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((سافِروا تَغْنموا))(٤). قولُه: ﴿سنُعيدُها سيرَتَها الأولى﴾ [طه: ٢١] أي حالتُها: والسيرةُ: الحالةُ التي يكونُ عليها الإِنسانُ وغيرُه غريزةً كانت أو اكتساباً. فالمعنى: إِلى حالها التي كانت عليه = من العودِيَّةِ والحسِّيةِ . والتَّسييرُ ضربان: تسخيرٌ، كقوله: ﴿وسُيِّرتِ الجبالُ﴾ واختيارٌ، (١) المفردات ٤٣٢ . ((٢) في المفردات ((وهو : سرته)). (٣) المفردات ٢٨١. (٤) مسند أحمد ٢ /٣٨٠ وكشف الخفاء ٤٤٥/١. ٠٠ ٢٤٥ باب السین كقوله: ﴿هو الذي يُسَيِركُم (١)﴾ [يونس: ٢٢]. والسِيرةُ: الطريقةُ المسلوكةُ. وتُستعارُ للمذهب أيضاً، ومنه قولُهم: هُم على سيرةٍ واحدة، أي على طريقةٍ. س ي ل : السَّيلانُ: جريانُ الماء. ومنه قولُه تعالى: ﴿وَأَسَلَنا له عَيْنَ القِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢] أي أذبناهُ حتى سالَ سَيلانَ المائعاتِ. وقُرِئَّ: ﴿سالَ سايلٌ (٢)﴾ [المعارج: ١] فقيلَ: هو وادٍ يسيلُ عليهم بأنواع العذاب. يقالُ: سالَ يسيلُ سَيَلاناً. وقيلَ: هو من السؤالِ، وأُبدلتِ الهمزةُ ألفاً. وأنشدَ: [من البسيط ] ٧٧٧ - سالَتْ هُذِيلٌ رسولَ اللّه فاحشةٌ ضَلْت هُذيلٌ بما سالتْ ولم تُصِبِ(٣) والسَّيْلُ: اسمٌ للماءِ الآتي من حيثُ لا يُحتسبُ، ويقالُ له الآتيُّ. وأصلُه مصدرٌ أطلقَ على السايلِ. والسِّيلانُ: الممتدُّ من الحديدِ الداخل في النِّصابِ. وفي صفتِه عليه الصلاةُ والسلام: ((سائلُ الأطرافِ))(٤) أي ممتدُّها. ويُروى سائنٌ بالنونِ، وهما بمعنى، مثلُ جبریل وجببرین وعزیل وعزین. س ي ن : قولُه: ﴿طُورٍ سَيناءَ﴾[المؤمنون: ٢٠] قُرِىءَ في المتواترِ بكسرٍ السينِ وفتحِها(٥)، وهما لغتانِ في اسمٍ جبلٍ. قيلَ: الكسرُ لغةُ كنانةَ والفتحُ لغةُ غيرهم. ووجهُ الفتحِ أن يكون وزنُه فَعلاءَ كحمراءَ. ووزنُه على الكسرُ فيعال؛ فهمزتُه منقلبةٌ عن زائدٍ ملحقٍ بالأصلِ جَعلوها كعلياءَ، لأنهم ليس في لغتِهِم فِعلاء بكسرِ الفاءِ وألفُه للتأنيث. وقيلَ: اللفظةُ (١) قرأ ابن عامر وأبو جعفر والحسن وزيد بن ثابت وأبو العالية وزيدبن علي وشيبة وأبو يعقوب (يَنْشُرُكم) النشر ٢٨٢/٢ وإملاء العكبري ١٤/٢، وقرأ الحسن وزيد بن ثابت ويزيد بن القعقاع (يُنْشركم) إعراب النحاس ٥٥/٢. (٢) قرأ أبيّ وابن مسعود (سالٌ)، وقرأ ابن عباس (سايلٌ) البحر المحيط ٣٣٢/٨، وقرأ ابن عباس (سَيْلٌ) القرطبي ١٨ / ٢٧٩. (٣) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ١٢٣. (٤) الفائق ١ /٦٤٣ والنهاية ٤٣٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٥١٢/١. (٥) قرأ المطوعي (سينا) الإتحاف ٣١٨، وقرأ الأعمش (سَينا) البحر المحيط ٦ /٤٠٠، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر والحسن وابن محيصن (سيناء) الإتحاف ٣١٨ والنشر ٣٢٨/٢. ٢٤٦ باب السین أعجميةٌ فنَطقتْ بها العربُ كيف شاءتْ على عادتها في تُلاعُبها بالأعجمية. ففتحوا سينَها تارةً وكسروهَا أخرى. فالمنعُ منَ الصرفِ حينئذٍ للعَلمية والعُجمةِ الشخصية. وقيلَ: بل مركَّبٌ تركيبَ مزجٍ كبعليكَّ ولنا فيهِ كلامٌ أوسعُ من هذا في ((الدرُ)) و((العقد)) وغيرهما. فعليك بالالتفاتِ إِلى ذلك. وقولُه تعالى: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: ١و٢] فقيلَ: هُما حرفا تھچ ك(طه)) [طه: ١] وهو الظاهرُ. وقيلَ: ياللنداء، وسين مُنادى. وقيل: هو اسمٌّ من أسماءِ نبيِّنا محمدٍ عَمُهُ. والظاهرِ الأولُ. كقولِهِ: ﴿حم عسق﴾ [الشورى: ١ و٢] ﴿طس﴾ [النمل: ١] ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] في سورِها. فالسينُ في هذهِ حروفُ تهجٌ كسابقهِ. ٢٤٧ باب الشین فصل الشين والهمزة ش أم: قولُه تعالى: ﴿وأصحابُ المَشْأمةِ ما أصحابُ المَشأمةِ﴾ [الواقعة: ٩] أي عبر عنهم بذلك الاشتقاق. المَشأمةُ منَ الشُّؤْمِ أو منَ اليدِ الشَّوماءِ، وهي اليسارُ. كما أنهم يَتَيَامَنونَ باليد اليُمنى؛ فالمَيْمنةُ والمشأمَةُ، مَفْعلةً منَ اليد اليمنى والشمالِ لتفاؤلِهم بتلك، وتشاؤمِهِم بالأخرى. ومنه رجلٌ مَشْؤُومٌ. وتشاءَمَ: أتى نحوَ الشام. وأشأمَ: أتى الشامَ. وفي الحديثِ: ((إِذا نشأتْ بَحْريَّةٌ ثم تَشاءمتْ فتلك عَيْنٌ غُدَيقةٌ))(١) أي أخذتْ نحوَ الشام. وتَيَامَنَ القومُ وأيمنوا. أُتَوا بلادَ اليمن. ش ا ن: قوله تعالى: ﴿كلَّ يومٍ هو في شأنٍ﴾ (٢) [الرحمن: ٢٩] أي من إحياء هذا، وإماتة هذا، وإِنغناءِ هذا، وإفقارِ هذا، وإِسعادِ هذا، وإِشقاءِ هذا. والأصلُ في الشأنِ الحالِ، وذلك مجازٌ عن تصُّرُفهِ في خَلقهِ بما أرادَ، وقسْرهم على ما شاءَ لا كما يُريدون ويشاؤون. والشأنُ: القصدُ؛ وقد شأنتُ شأنه، أي قصدتُ قصدَه. وقيلَ: الشأنُ: الأمرُ الذي يتفقُ ويصلحُ، ولا يقالُ إِلافيما يعظُمُ من الأحوالِ والأمورِ. فلا يقالُ: ما شأنُ الحجّام؟ ما شأنُ الملك؟. والشَّأنُ أيضاً من الرأسِ: الوَصْلَةُ التي بينَ مُتْقابلاتِهِ [التي] بها حياةُ الإِنسان. وجمعُها شُؤون. فصل الشين والباء ش ب هـ: قولُه تعالى: ﴿متشابهاً ﴾ [البقرة: ٢٥] يعني أنَّ ثَمرَ الجنة يُشْبه بعضُه بعضاً. (١) النهاية ٤٣٧/٢. (٢) قرأ أبو عمرو الأصبهاني وأبو جعفر (شان ) الغيث ٣٦١. ٢٤٨ باب الشین فالمنظرُ واحدٌ والطعمُ مُختلفٌ. وقيلَ: يشبهُ ثَمَرَ الدنيا في التسميةٌ وبعضِ الهيئاتِ. وهذا مُبنيٌّ على أن المرزوقَ ... أو فيه خلافٌ، أتقنّاهُ في غيرِ هذا. قوله: ﴿كتاباً متشابهاً﴾ [الزمر: ٢٣] أي يُشْبه بعضُه بعضاً في الفصاحة والإعجاز وعدمٍ تَناقضهِ. وإبداعِ ألفاظهِ، واستخراجٍ حكمه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ البقرَ (١) تَشابهَ: علينا﴾ [البقرة: ٧٠] أي اختلطَ علينا أمرُه والتبسَ فلا ندري ما المقصودُ منه. وفي الحرف قراءاتٌ أتقنّاها في غيرِ هذا. قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتشابهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] اختلفَ الناسُ في المتشابهِ على أقوالٍ كثيرةٍ منها: أنَّ المُجِكمَ هو الناسخُ، والمتشابهَ هو المنسوخُ. وقيلَ: المتشابهُ: ما لَم يَتَضِمَّنْ حكماً بل تضمَّنَ قصصاً وأخباراً. وقيلَ: المتشابهُ منه: مأَشكلَ تَفسیرُه لمشابهته غيرَه؛ إِمّا من جهة اللفظ أو المعنى(٢). وقال الفقهاءُ: المتشابهُ: ما لا يُنبىءُ ظاهرُه عن مُرادِه. وحقيقةُ ذلك أنَّ آياتِ الكتابِ العزيزِ عندَ اعتبارٍ بعضها ببعضٍ ثلاثةُ أقسام: الأُولُ: متشابهً من حيثُ اللفظُ فقط. الثاني: من حيثُ المعنى فقط. الثالث: من جهتهما معاً. ثم المتشابهُ من حيثُ اللفظُ نوعان: أحدُهما يرجُع إِلى المفرداتِ إِمّا من جهةٍ الغرابة من قوله: ﴿وفاكهةً وأَبّاً﴾ [عبس: ٣١] وكقوله: ﴿يَزَفّون﴾ [الصافات: ٩٤]، وإِمّا من جهة الاشتراكِ كباليدِ والعين في قولِه تعالى: ﴿بل يداهُ مَيْسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿تَجري بأعْيُنَا﴾ [القمر: ١٤] ﴿على عَيني﴾ [طه: ٣٩]. والثاني يرجعُ إِلى التركيباتٍ، وهي الجملُ. وهذا ينقسمُ إلى ثلاثة أقسام: أحدُها: لاختصارِ الكلامِ كقوله تعالى: ﴿وإِن خِفْتُم أَلاَّ تُقْسِطوا في اليتامىَ﴾ إِلى (١) قرأ مجاهد (تَشْبُه)، وقرأ أبي (تَشَابهت)، وقرأ ابن أبي إسحاق (تَشَّبهت) وقرأ الحسن (تَشَابَهُ)، وقرأ الحسن والأعرج ( تَشَّابَهُ)، وقرأ مجاهد وابن مسعود والمطوعي ويحيى بن يعمر (يَبْشَابَهُ)، وقرأ: الحسن ومحمد ذو الشامة (تَشَبُهُ)، وقرأ الحسن والأعمش وابن مسعود (مُتَشابٌ)، وقرأ الأعمش (مُتَشابِهَةٌ) وقرئت (مُتَشَبِّهٌ، يَتَشابَهُ) البحر المحيط ٢٥٤/١ والإتحاف ١٣٩. (٢) البرهان ١ /١١١-١٥٤. ٢٤٩ باب الشین قوله: ﴿وَرُباعَ﴾ [النساء: ٣] وثانيها: عكسُه، وهو بسطُ الكلام، كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شَيءٌ﴾ [الشورى: ١١] إذ لو قيلَ: ليسَ مثلَه شيءٌ. لكانَ أظهرَ للسامعِ. ثالثُها: لنظم الكلامِ، كقوله تعالى: ﴿أَنزِلَ على عبده الكتابَ ولم يجعلْ لهُ عِوَجاً قَيِّماً﴾ [الكهف: ١ و٢] والقسمُ الثاني من حيثُ المعنى فقط، وذلك في أوصاف الباري تعالى، وأوصاف القيامة. فإِنَّ تلك الصفات لا تُتَصوَّرُ لنا؛ إِذ كانُ لا يحصلُ في نفوسِنا صورةُ مالم نَحُسَّه إذ لم يكن من جنسٍ ما نَحْسُّه. القسمُ الثالثُ وهو المتشابهُ من جهتهما معاً ينقسمُ خمسةَ أقسام: الأولُ من جهةٍ الكميةِ كالعُمومِ والخُصوصِ نحو: ﴿فاقْتُلُوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]. الثاني من جهةٍ الكيفية كالوجوب والنَّدْب كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طابَ لكُم من النساء مثنى وثلاثً ورُبَاعَ﴾ [ النساء: ٣] الثالثُ من جهةِ الزمانِ كناسخ والمنسوخِ نحوُ قولِه تعالى: ﴿اتَّقوا الله حقٌّ تُقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢ ] الرابعُ من جهةِ المكان والأمور التي نزلَتْ فيها كقوله تعالى: ﴿وليسَ البِرِّ بأنْ تَأْتوا البيوتَ من ظهورِها ولكنَّ البرُّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسيءُ زيادةٌ في الكفرِ﴾ [التوبة: ٣٧] فإِنَّ من لا يَعرف عادةَ أهلِ الجاهليةِ في ذلك يتعذَّرُ عليه تفسيرُ هذه الآية الكريمة. الخامسُ من جهةِ الشروطِ التي يصحُّ بها الفعل أو يَفسُدُ كشروطِ النكاحِ والصلاة. ويعلمُ أنَّ كلَّ ما ذكرَه المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرجُ عن أحدٍ هذه الأقسامِ كتفسيرٍ قتادَة؛ المُحكمُ: الناسخُ، والمتشابهُ: المنسوخُ. وقولِ الأَصمِّ(١): المحكم: ما اتفقوا على تأويله، والمتشابه ما اختلفوا في تأويله وقول بعضهم: المتشابه: الحروفُ المقطعةُ في أوائلِ السورِ كـ ﴿ألم﴾ و﴿ وطَسم﴾ و﴿ حَم عَسق﴾، إِلى غير ذلك . قال الراغبُ(٢): ثم المتشابهُ على ثلاثة أضربٍ؛ ضربٍ لا سبيلٍ للوقوفِ عليهِ (١) الأصم : عثمان بن أبي عبدالله بن أحمد، أبو عبدالله (ت ٦٣١ هـ / ١٢٣٤م) قاضٍ ، من فقهاء الإباضية بعمان. له تصانيف، منها: ((التاج)) و(البصيرة)) و((النور) الاعلام ٤ /٣٧٠. (٢) المفردات ٤٤٤. ٢٥٠ باب الشين كوقتِ الساعة، وخروجِ الدابةٍ وكيفيتهما. وضربٍ للإنسان سبيلٌ إِلى معرفته كالألفاظ الغريبة، والأحاكم الغلقة. وضربٍ مُتُردِّدٍ بينَ الأمرينِ نحو أن يختصَّ بمعرفته بعضُ الراسخين في العلم، ويَخفى على مَن دونَهم، وهو الضربُ المشارُ إليه بقوله عليه الصلاةُ والسلام في علي كرم الله وجهه: ((اللهمَّ فقّهه في الدين وعلَّمه التأويل(١) )). وقولِه في ابن عباسٍ مثل ذلك(٢) . قالَ: وإِذا عرفتَ هذه الجملةَ علمتَ أنَّ الوقف على قولِه: ﴿إِلا اللهُ﴾ [آل عمران: ٧] ووصلُه بقولِه: ﴿والراسخون في العلمِ﴾ جائزان، وأنَّ لكلّ منهُما وجهاً حَسبما دلَّ عليه التفصيلُ المتقدِّمُ، انتهى وهو حسنٌ (٢) . قولُه: ﴿وَلكنْ شُبِّه لهم﴾ [النساء: ١٥٧] أي مُثُلَ لهم مَن حَسِبوه إِياهُ. يقال: إِنَّه أَلقَى شِهَهَ عليهِ السلامِ على رجلٍ دلَّ عليه. فدَخلوا فوجدوهُ بعدَ ارتفاعه عليه السلام فأرادوا صَلَبَهِ، فقال: أنا صاحبُكِم. فلم يُصدِّقوه. ويقالُ: شِبْهُ وشَبَهُ وشَبيةٌ نحُو مِثْل ومَثَل ومَثِيل. وحقيقتُها في المماثلة من جهةِ الكيفيهِ كاللون والطعمِ المشار إليهما بقوله تعالى: ﴿ وأُتُوا به مُتشابهاً﴾ [البقرة: ٢٥]. كما تقدَّم تحقيقُه. والشُّبْهَةُ: ما يخيلٌ للإِنسان حقيقةُ شيءٍ والأمرُ بخلافها. قالَ الراغبُ(٤): والشَّبهةُ: أن لا يَتَميَّزَ أحدُ الشيئينِ عنِ الآخرِ لِمَا بَيْنَهما من النَّشابهِ عَيناً كان أو معنىً. وذكرَ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنه ((فتنةً)) فقال فيها ((تُشبِه مُقُبلةُ، وتَبِينُ مُدبرةً))(٥). قالَ شَمِرٌ(٦): معناهُ أنَّ الفتنةَ إِذا أقبلتْ شَبَّهت على القومِ وأَرَتْهم أنَّهم على الحقِّ حتى يدخلوا فيها ويرتكبوها. فإِذا اْقَضَتْ بانَ أمُرُها، وعَلمَ مَنْ يرتكبْها أنه كانَ على خطأ من الرأي. (١) المفردات ٤٤٥. : (٢) أخرجه البخاري في الضوء، (١٠) باب وضع الماء عند الخلاء ١٤٣ ومسلم في فضائل الصحابة ٢٤٧٧ ((عن ابن عباس: أن النبي ◌َ له دخل الخلاء، فوضعت له وضوء، قال من وضع هذا؟ فأخبر، فقال: اللهم فقهه في الدين ) (٣) يقصد انتهاء ما نقله من المفردات. (٤٠ ) المفردات ٤٤٣. (٥) النهاية ٢ / ٤٤٢ وغريب ابن الجوزي ١ /٥١٧ . (٦) ورد قوله في النهاية وما بين القوسين استدراك منه . ٠٠ ٢٥١ باب الشین فصل الشين والتاء ش ت ت : قولُه تعالى: ﴿يَومئذٍ يَصْدُرُ الناسُ أَشْتاتاً﴾ [الزلزلة: ٦]. الاشتاتُ: جمعُ شَتِّ، والشتُّ: الشيءُ المتفرِّقُ، أو نفسُ المتفرِّقِ على أنه مصدرٌ. يقالُ: شَتَّ شَّاً وشَتَاتاً، أي تفرَّقَ. والمعنى أنَّ الناسَ يُحشَرون مُختلفي الأحوالِ من شَقاوةٍ وسعادةٍ وخوفٍ وأمنٍ، وحزنٍ وسرورٍ؛ بحسبِ أعمالِهم. ولذلك عقّبه بقولِه: ﴿فمنْ يَعمِلْ﴾ الآية. وقولُه تعالى: ﴿مِن نَباتٍ شَتَّى﴾ [طه: ٥٣] أي مختلفةُ الأنواع من لونٍ وطعم وريحٍ وطراوةٍ، وغيرٍ ذلك. وهو جمعُ شَتيتٍ. وقيلَ: اسمُ جمعٍ لِشَتيتٍ. قولُه تعالى: ﴿وقلوبُهم شَتَّى(١)﴾ [الحشر: ١٤ ]أي مُتفرقةٌ غيرُ مجتمعةٍ على أمرٍ، عكسُ مَنْ قالَ فيهم ووصَفَهم بقوله: ﴿ولكنَّ اللهَ أَلْفَ بينَهم﴾ [الأنفال: ٦٣]. وقيل: معناهُ مذاهبُهم مُتفرقةٌ، وأدياتُهم مُتفرقةٌ. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لِشَتّى﴾ [الليل: ٤] أي لمتفرق من سعي مشکورٍ وسعي مذموم. ويُحکی أنها نزلت في شان الصدِّيقِ رضي اللهُ عنه؛ وذلك أنَّ جاراً له نخلةٌ فسَقط من تَمرِها تمرةٌ فأخذها صبيٍّ من جيرانه، فأخذها ذلك الرجلُ من الصبيُّ ونَهرَه. فسمعَ أبو بكرٍ بذلك فعمدَ إِلى النخلة فأشتراها ونَحلَها الصبيّ وأهله، فَتَزَلتْ. وشَّانَ: اسمُ فعلٍ بمعنى افترقَ، من ذلك نقولُ: شَتَّنَ زِيدٌ وعمرو. ولا يُكتفَی بواحدٍ كما لا يُكتَفَى به افترقَ؛ قالَ: [من السريع] ويومُ حَيّانَ أخي جابرٍ(٢) ٧٧٨ - شَّنَ ما يَومي على كُورِها فيومي فاعلٌ، وما مزيدةٌ. ويقالُ: شتانَ بينَ زيدٍ وعمرو، وشتانَ ما بينَ وأنشد [من الطويل] يزيدِ سُلَيمٍ والأغرِّبن حاتم(٣) ٧٧٩ - لشَّانَ مابين الیزیدینِ في النَّدی (١) قرأ مبشر بن عبيد (شَتّىٌ)، وقرأ ابن مسعود (أَشَتُ) البحر المحيط ٢٤٩/٨. (٢) البيت للأعشى في ديوانه ١٩٧. (٣) البيت لربيعة الرقي في ديوانه ٦٠ والاغاني ١٦ /٢٥٥ واللسان والتاج (شئت) وابن يعيش ٤ /٣٧، ٦٨. ٢٥٢ باب الشین ش ت و: قولُه تعالى: ﴿رحلة الشتاء والصيف﴾ كانوا يرحلون شتاءً لليمن وصيفاً للشام يَنْتُفعون برحلتيهم في المتاجر، فامتنَّ عليهم بذلك. والشتاءُ: زمنُ البرد . قال الشاعرُ [ من الوافر]. ٧٨٠ - إِذا جاءَ الشتاءُ فأدفئوني فإِن الشيخَ يُهرمُه الشتاءُ (١) ويقال: شَتا وأشتى، نحو صاف وأصاف، أي دخل فيهما، والمشتاةُ والمشتىَ: مكانُ الشتاءِ وزمانهُ ومصدرُه، قال الشاعرُ: [منَ الرمل] ٧٨١ - نحنُ في المشتاةِ نَدعو الجَفَلى [لاترَى] الآدِبَ فينا يَنْتَقِرْ(٢) والظاهر أن لامَه واوٌ، فيقالُ: شَتَا يَشْتو. وقد ذكرهُ الهرويُّ في مادة (ش ت و) وإِن كانَ الراغبُ (٣): ذكره في مادة (ش تي) ويعبِّرُ بالشتاءِ عن المجاعة لأنه مَظْنْتُها، فيقالُ: أصابَهم الشتاءُ وفي حديثٍ أمِّ معبد: (( وكان القومُ مُرْمِلِينَ مُشْتين))(٤) ويُروى: ((مُسْنِتِين))(٥) أي أصابَتْهم السَّةُ والأُولُ أشهرُ وأنشدَ للحطيئة: [من الوافر] تجنّبَ جارَ بَيْتِهِمُ الشتاءُ (٦) ٧٨٢ - إِذا نزلَ الشتاءُ بِدَارٍ قومٍ أي لم يُصبْ جارَهُم ضيقٌ لتوسُّعُهِم. فصل الشين والجيم ش ج ر: قولُه تعالى: ﴿وَلا تَقْرِبًا هذه الشَّجرةَ﴾ [البقرة: ٣٥] قيلَ: هي السُّنبلة. وَقيلَ: التِّينُ. وقيلَ: العنبُ وقيلَ غيرُ ذلك(٧) وأصل الشجرِ مانبتَ على ساقٍ وكانَ له أغصانٌ. (١) البيت للربيع بن ضبع في الأزهبة ١٨٤ وحماسة البحتري ٢٠٢ والخزانة ٧ / ٣٨١. (٢) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ٥٥ (٣) المفردات ٤٤٥ (٤) غريب ابن الجوزي ١ /٥١٨ والفائق ٧٦/١ والنهاية ٤٤٣/٢. : (٥) تقدم في(س ن ت ) . (٦) ديوانه ٨٨ واللسان (شتا ) (٧) في الأشباه والنظائر ١٨١ «الشجر في القرآن على أحد عشر وجهاً: الشجر الذي له ساق، والسنبلة، والزيتون ، والنخلة ، وشجرة الحنظل ، الزقوم ، وشجرة العوسج وشجرة الفرع، وشجرة الطلح ، وشجرة المرخ والعفار، والخليل عليه السلام، ٢٥٣ باب الشين وظلٌ وإلا فهو نجمٌ ومنه قوله تعالى: ﴿والنَّجمُ والشجرُ يَسُجدانِ﴾ [الرحمن: ٦] أي جميعُ النباتِ لأنَّ النباتِ لا يَخلو من أحدِ هذين الوصفينِ وسُميتِ الشجرةُ شجرةٌ لاختلاف أغصانها وتشعُّبِ أفنانِها ومنه المشاجرةُ: وهي المخاصمة، لاختلاط أصواتهم وقيلَ: ثاشتباك الأغصان والمخاصمةُ فيها اشتباكٌ أيضاً ومنه قوله تعالى: ﴿ حتى يُحكِّموكَ فيما شَجَر بَيْنِهِم﴾ [النساء: ٦٥] أي اختلفَ والتبسَ لأنَّ الواضحَ لا اشتباكَ فيه وشجرَ الرمحَ: إِذا جرَّه لَيطعنَ به غيرَه وشبّكَه وفي الحديثِ: ((فشجرناهُم بالرماحِ)) (١) أي شَبكناهم، وأنشدَ : [ من الطويل] فهلا تَلا حاميمَ قبلَ التقدُّم؟(٢) ٧٨٣ ۔ یُذگِّرُني حاميم والرمحُ شاجرٌ قولُه: ﴿يُوقَدْ من شجرةٍ مُباركةٍ﴾ [النور: ٣٥] قيلَ: هي شجرة الزيتون. وقيل: هو النبيَُّّهِ والنورُ ماءُ قلبهِ(٣) وهذا من بليغ الاستعارات ولكنْ لا يجوزُ أن يرادَ ذلك إِلا بتوقيف . والشَّجُرُ: اسمُ جنسٍ، لأنه تُفُرِّقَ بينَه وبينَ واحدهِ تاءُ التأنيثِ كقمحٌ وقمحةً، وهو مؤنثٌ، وكان قياسُ تصغيرِه دخولَ الياءِ لولا خوفُ لبسهِ بالمفرد والشِّجارُ خشبُ الهودج وقيلَ: هودجٌ مكشوفٌ ومثلُه الشُّجُرُ، وجمعُه مَشاجر وأنشدَ للبيد: [ من الوافر] ٧٨٤ - وأرثَدَ فارسُ الهَيجا إذا ما تَقَعَّرَتِ المشاجرُ بالفِئِامِ(٤) تقعرتْ: سقطتْ. والفئامُ: وطاءٌ يُفرشُ في المشجر. فصل الشين والحاء ش ح ح: قولُه تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ(٥) نفسِه﴾ [الحشر: ٩] أي بخلَ نفسهِ والشُّحُّ: (١) الفائق ١٥٠/٣ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٢٠ والنهاية ٤٤٦/٢ وهو من حديث الشراة. (٢) البيت لشريح بن أوفى اللسان (حمم) والخصائص ٢ /١٨١ والمقتضب ٢٣٨/١. (٣) في الأشباه والنظائر ١٨٢ أن المقصود بالآية هو الخليل عليه السلام، وهذا مثل لنبينا محمدعَ ليه، وڤلمعنى من ذرية إبراهيم عليه السلام . (٤ ) ديوانه ٢٠١ . (٥) قرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة (شِحٌ) البحر المحيط ٢٤٧/٨. ٢٥٤ باب الشین أشدُّ البخلِ. يُقالُ: شَحَّ يُشَحُّ يَشِحَّ وَيَشُحُّ - مثلثُ عينِ المضارع - ورجلٌ شَحيحٌ وشَحاحٌ، ومنه استُغيرَ بزَنْدٍ شَحاحٍ، أي لا يُورِّي. والجمع أشحَّةٌ قال تعالى: ﴿أَشْحَّةً(١) على الخيرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي هم بخلاءُ مع كونِهم ذوي مالٍ وقيلَ: الشُّحُّ هو البخلُ مع حرصٍ. والشَّحْشَحُ: الخطيبُ الماضي في خُطبته وقد سمع علي رضي الله عنه خطيباً. يخطبُ فقال: «هذا الخطيبُ الشحشحُ))(٢) أي الماضي فيها لا يَتلعثمُ، وكلُّ ماضٍ في سيرٍ أو كلام لا يتوقفُ فيه فهو شَحْشحٌ . وهو مأخوذٌ من قولهم: شَحْشَحَ البعيرُ في هديرِهِ: إِذا مضَى فيه لا يسكتُ. قولُه تعالى: ﴿وَأُحِضِرَتِ الأنفُسُ الشَّحْ﴾ [النساء: ١٢٨] قيلَ: معناهُ هو أن تشحَّ المرأة على مكانِها من زوجها، ويشحُّ الرجلُ على المرأة بنفسه: إِذا كان غيرُها أحبَّ إِليه منها. قولُه تعالى: ﴿أَشحةٌ عليكم﴾ [الأحزاب: ١٩] أي بخلاءُ عليكم بالغنيمة أن يأتوا الحربَ معكم لئلا يُشاركوهم في الغنيمةِ . ش ح م: قولُه تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عِليهم شُحومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] الشحومُ جمْعُ شَحمِ وهو معروفٌ يكونُ بوجودِالسَّمِنِ ويذهبُ بذهابهِ ورجلٌ مُشْحمٌ: كثيرُ الشَّجِم. وشاحِمٌ: يُطعمُ أصحابَه الشَّحمَ. وشَحِيمٌ كَثُرشحمُ بدنه. وفي الحديث: ((لا يجاوز شحمةً أذنه)) شحمةُ الأذن: مالانَ من أسفلها، وهو مَعْلَقُ القُرِطِ وشحمة الأذنَ قيلَ: الكماةُ البيضاءُ. وقيلَ: دودةٌ بيضاءُ. شح ن: قوله تعالى: ﴿فِي الْفُلكِ المَشْحونِ(٢)﴾ [الشعراء: ١١٩] أي المملوء. يقالُ: شَحنتُ السفينةَ، أي ملأتها والشحناءُ: العداوةُ لامتلاءِ النفسِ منها وعَدُوٌّ مُشاحنٌ. وتَشاحَنوا: تعادوا وأشحنَ فلانٌ للبكاء أي امتلأت نفسُهُ لهُ لتهيئه له. (١) قرأ ابن أبي عبلة (أشحةٌ) البحر المحيط ٢٢٠/٧. (٢) غريب ابن الجوزي ١ / ٢١°° والفائق ١ /٦٤٠ والنهاية ٢/ ٤٤٩. (٣) النهاية ٢ / ٤٤٩. ٢٥٥ باب الشين فصل الشين والخاء ش خ ص: قولُه تعالى: ﴿فإذا هي شاخصةٌ أبصارُ الذين كَفَروا﴾ [الأنبياء: ٩٧] يقالُ: شخصَ من بلدهِ: إِذا خرج منها. وأشخصْتُه: أخرجتُه، وحقيقته: أخرجتُ شخصه والشَّخصُ: السوادُ المرئيُّ من بعيدٍ. ويقال: شخصَ بصره: إِذا ارتفعَ غيرَ مُتحرِّكٍ. فالمعنى أن أجفانَهم ارتفعتْ فهيَ لا تَطْرِفُ لشدَّةِ هولِ المطلعِ. والشَّخص يقعُ على الذكر والأنثى، عاقلاً كان أوغيرَه ولفظهُ مذكرٌ فمن ثم تجب التاء في عدده وإِن أُريدَ به مؤنث ومن ثم لحنّوا عمرَ بنَ أبي ربيعةً في قوله: [ من الطویل] ٧٨٥ - وكانَ مِجَنِّي دونَ ما كنتُ أتَّقي ثلاثَ شُخوصٍ: كاعبان ومُعْصِرُ(١) وهذا ليس بجيد؛ فإِنه ممن احتجَّ بقولِه وجوابُه أنه لما فسَّر الشخوصَ بقولِه: كاعبان ومُعصرُ، سَهَّلَ ذلك سُقوطَ التاء من عددِه. فصل الشين والدال ش دد: قولُّه تعالى: ﴿إِذا بلغَ أَشُدَّهُ(٢)﴾ [الأحقاف: ١٥ ]قيلَ: هو خمسَ عشرةَ سنةً إِلى أربعينَ سنةً. وهو جمعُ شِدَّةٍ نحوُ نعمةٍ وأنعم. وهي القوةُ والجَلادةُ في البدنِ والعقلِ. وقد شدَّ يشُدُّ شدَّةً: إِذا كان قوياً. وأصلُ الشِّدَّة: العقدُ القويُّ وَشَدَدْتُ الشيءَ: قوَّيتُ عَقْدَه ومنه قوله تعالى: ﴿أشدُدْ به أزري﴾ [طه: ٣١] قرىءَ أمراً ومضارعاً(٣) وقد بَينًا ذلك في غيرِ هذا. والشدُّ يُستعملُ في العَقْدِ وفي البَدنِ وفي قُوى النَّفْس. قوله تعالى: ﴿عَلَّمُهُ شَديدُ القُرى﴾ [النجم: ٥] يَعني به جبريل عليه السلام. وذلك أنه قلبَ سبعَ مدائن؛ حَملها على ريشةٍ من ريشهِ. قولُه تعالى: ﴿واشدُدْ على (١) ديوانه ١٠٠، المعصر: الجارية أول ما أدركت. (٢) قرأ ابن مسعود (إِذا استوى وبلغ أشده) الكشاف ٣/ ٥٢١. (٣) قرأ الحسن (أُشَدّد) وقرأ ابن مسعود (واشُدُدْ) البحر المحيط ٦ /٢٤٠، وقرأ ابن عامر وابن وردان والفضل وأبو حيوة وزيد بن علي ويحيى ابن الحارث وابن أبي اسحاق (أَشْدُدْ) النشر ٣٢٠/٢ والإتحاف ٣٠٣. ۔۔ ٢٥٦ باب الشين قلوبهم﴾ [يونس: ٨٨] أي أمنَعْها من الصرفُ والفَهم عقوبةٌ لهم حيث تَعامَوا بعدَما أبصروا، وضَّلُّوا بعدما تبيَّنَ لهم طريقُ الهُدى قوله: ﴿وإِنه لحبُّ الخيرِ لشديدٌ} [العاديات: ٨] أي لبخيلٌ؛ والخيرُ: المالُ ومنه: ﴿إِنْ تَركَ خيراً﴾ [البقرة: ١٨٠] فُسْر بالمال، وقد تقدُّمَ. والمتشدّدُ أيضاً: البخيلُ، ومنه قولُ طرفَة: [ من الطويل] ٧٨٦ - أرى الموتَ يَعْتَامُ الكرامَ ويَصْطفي عَقيلةَ مالِ الفاحشِ المُتْشِدِّدِ(١) وقيلَ: المعنى: وإِنه لُشديدُ حبِّ الخير، أي حبُّه شديدٌ وهو تفسيرُ معنى قولِه: ﴿وشَدَدْنا (٢) مُلگه﴾ أي قوَّیناهُ. قیلَ: إِنه تَداعی إلیه رجلان فأوحي إليه بقتل أحدِهما فقال الرجلُ: لم أجنٍ جنايةٌ تَقْتُضي قتلي! فقال بذلك أُمرتُ. فقال الرجل: أما إِني لم أُقْتُلْ بهذه، بَل لأني قتلتُ أباهُ غِيلةً، فهيبَ من حينئذٍ وقيلَ: كان يحرس محرابَه ثلاثون ألفَ. مُسلَّح، وكلُّ ذلك بتقوية اللّه تعالى وقال الراغبُ(٣): في قوله تعالى: ﴿لحبِ الخيرِ لشديدٌ﴾ إِنَّ شديداً يجوزُ فيه أن يكونَ بمعنى مفعولٍ، كأنه شدَّ كما يُقالُ: غُلَّ عنٍ الانفصال. وعلى هذا قالت اليهودُ: ﴿يدُ اللهِ مَغْلولةٌ غُلَّتْ أيديهم﴾ [المائدة: ٦٤] ويجوزُ أنْ يكونَ بمعنى فاعلٍ كالمتشدِّدِ كأنه شدَّ صُرتَه وقال في قوله: ﴿ حتى إذا بلغَ أَشُدَّهُ﴾ وفيه تنبيهٌ أنَّ الإِنسانَ إِذا بلغَ هذا القدر يَتَقوَّى خُلُقُه الذي هوَ عليه فلا يكادُ يُزايلُه بعدَ ذلك وإليه نحا الشاعرُ، قال: [من الطويل] ٧٨٧- إِذا المرءُ وافى الأربعينَ ولم يكنْ لهُ دونَ مايَهْوَى حَياءٌ ولا سَتْرُ(٤) فَدَعْهُ وَلا تَنْفِسْ عليه الذي مضَى وإِنْ جرَّ أسباب الحياةِ له العمرُ وشَدَّ فلانٌ واشتَدَّ أسرعَ، كأنه مأخوذٌ من قولهم: اشتدَّتِ بهِ الريحُ. (١) ديوانه ٣٤. (٢) قرأ الحسن وابن أبي عبلة ( وشددنا) البحر المحيط ٧ /٣٩٠. (٣) المفردات ٤٤٧. (٤) البيتان لايمن بن خريم في الأغاني ١٧ /٢٣٩ وأمالي القالي ٧٨/١ ومعجم البلدان (جرجان) وفي الحماسية البصرية ٢ /٧٣ لمالك بن أسماء وتروى لأبي دهبل الجمحي وتروى كذلك لحسين بن خریم. وهما في الدر المصون ٦ /٤٦٢ والبصائر ٣٠٢/٣ دون عزو. ٢٥٧ ہاب الشین فصل الشين والراء [ ش رب ] قوله تعالى: ﴿فشربُوا منه﴾ [البقرة: ٢٤٩] الشُّربُ: تناولُ كلِّ مائع بالفم من ماءٍ وغيره، قوله تعالى: ﴿وَأُشرِبوا في قلوبِهم العِجْلَ ﴾ [البقرة: ٩٣ ] أي تمكَّنَ حبِّه من قلوبهم تمكناً بمنزلة من شرب ماءٌ فدخلَ جوفَه قولُه تعالى: ﴿فشارِبون شُرْبَ الِهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] قُرئَّ بالضمّ والفتح(١) على أنهما مَصدرانِ لشربٍ وفيه لغةٌ ثالثةٌ ((شرب)» بالكسر. يقالُ: شَربتُ الماءَ شَرْباً وشُرْبَاهِ والمعروفُ أن المضمومَ مصدرٌ والمفتوحَ جمعُ شاربٍ كقول النابغة الذبياني: [ من البسيط ] ٧٨٨ - كأنَّه خارجاً من جنْب صَفحتِهِ سَفُّدُ شَرْبٍ نَسُوهُ عنْدَ مُفْتَأَدِ(٢) والمكسورُ: الحظّ والنَّصيبُ؛ ومنه: ﴿هذه ناقةٌ لها شِرْبُ(٣) ولكُم شِرْبُ يومٍ معلومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] والشَّرابُ: ما يُشربُ قولُه تعالى: ﴿قد عَلِمَ كِلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهَمْ﴾ [البقرة: ٦٠] الظاهرُ أنه مكانُ الشراب، ويضعفُ كونُه زَماناً أو مصدراً وجمعُه مَشاربُ. قال تعالى: ﴿ولهُم فيها منافع ومشاربُ﴾ [ يس: ٧٣] فهذا جمعُ مَشْرب، المرادُ به المصدرُ. والشَّاربُ: الشعرُ الذي على الشَّفةِ العُليا، وهو أيضاً عرقٌ في باطن الحلقِ؛ سُمي بذلك تصوَّراً بصورة فاعلِ الشرابِ. وقولُه: ﴿وَأُشْرِبوا في قلوبهم العِجْل﴾ [أي تمكَّن حبُّه من قلوبهم تمكُّناً بمنزلةٍ من شَرَبَ ماءٌ فوصل إِليهِ وخالطَه وقيلَ: هو على حذف مضافٍ أي حبُّ العجلِ. وأنشدَ للنابغةِ الجعديِّ: [ من المتقارب] خلالتُهُ كأبي مَرْحَب (٤)؟ ٧٨٩ - فکیف تواصلُ من أصبحتْ أي كخلالة ابنٍ مَرحب. وقالَ ابنُ عرفةً: يقالُ: أُشْرِبَ قلبُه محبّةَ كذا، أي حلَّ محلَّ الشرابِ وقيلَ: هو مِن (١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي والأعرج وابن المسيب وخلف ويعقوب (شَرْبَ) النشر ٢ /٣٨٢ والسبعة ٦٢٣، وقرأ مجاهد وأبو عثمان النهدي (شِرْبَ) البحر المحيط ٢١٠/٨ (٢) ديوانه ١٩ والبيت من معلقته . (٣) قرأ ابن أبي عبلة (شُرْب) البحر المحيط ٣٥/٧. (٤) أمالي القالي ١ /٩٢ وديوانه ٢٦. ٢٥٨ باب الشین قولهم: أَشْرِبتُ البعيرَ أي شَددْتُ في عنقهِ حَبلاً وأنشدَ : [ من الوافر] ولا حُزْنٌ، ولم يَبْلُغْ سُرُورُ (١) ٧٩٠ - تغلغل حیثُ لم بلغ شرابٌ ولو قيلَ: حُبُّ العجلِ، لم يكنْ في بلاغةٍ ما أنزلَ اللهُ تعالى فإِنَّ في ذكرِ العجلِ تنبيهاً أنّهم لفْرطِ شَغَفهم به صارتْ صورةُ العجلِ في قلوبهم لا تَنْمحي وفي المثلِ: ((أَشْرَيْنِي مَا لَم أَشرَبْ))(٢) أي ادَّعيتَ عليَّ ما لم أفعلْ. ش رح: قوله تعالى: ﴿أَفَمِن شَرَحَ اللهُ صدرَهُ للإِسلام﴾ [الزمر: ٢٢] أي بَسَطَ ووسْعَ وهو عكسُ مَنْ قالَ فيه: ﴿يجعلُ صدرَهَ ضِيِّقًا حَرِجاً﴾ [الأنعام: ١٢٥] وأصلُ الشَّرح: البَسْطُ والتَّوسِعةُ. ومنه شرحُ الكلامِ لإيضاحِهِ، وشَرَحِ اللَحمِ لبَسْطِهِ، وشرحُ الله صدورَ عبادهِ، إِنما هوَ بما يُلقي فيها من أنوارِ الهدايةِ ووفورِ النظرِ وشرَحَ فلانٌ جارِيتَه، أي وطئها. على قَفاها(٣) وفي حديث ابنِ عباسٍ: ((وكان هذا الحيٍّ من قريشٍ يَشْرحون النساءَ شرْحاً))(٤) أي يَبْسُطُونهنَّ وقتَ الجماع. شی ر د: قولُه تعالى: ﴿فَشَرُدْ (٥) بهم من خَلْفَهم﴾ [الأنفال: ٥٧ ] أي اطْرُدْ من خلفهم طَرْداً بليغاً، وذلك إِذا فعلتَ بهؤلاء فعلاً ينزجرُ بهِ من رآهُم فيشرُدُونِ ويَهْرِبونَ كَلَّ مَهْرِب؛ أي هم سببٌ في تشريدٍ غيرِهِم ومنه تَكَّلتُ بفلانٍ، أي منعتُ غيرَه بسببهِ، أي يسببٍ فعلي: به فعلاً يردعُ غيرَه ومنه، شرذَ البعيزُ، وشرَّدَتُه أنا وقيلَ: شَرَّدَ بهم. أي أسمعَ بهم وقيلَ: هي لغةٌ قرشيةٌ قالَ شاعرُهم: [من الوافر] ٧٩١ - أطوِّفُ في الأباطحِ كلَّ يومٍ مخافةَ أنْ يُشرِّدَ بِي حَكِيمُ(٦) (١) البيت لعبيد بن عبد الله بن عتبة في شرح الحماسة للتبريزي ٣٠٦/٣ ومجمع البلاغة ٤٧٩/١ (٢) أي ادعيت علي شربة ولم أشرب. المستقصى ١٩٥/١ ومجمع الأمثال ٣٦٨/١. .(٣) النهاية ٢ /٤٥٦ (( شرح فلان جاريته: إِذا وطئها نائمة على قفاها)). (٤) النهاية ٢ /٤٥٦ والفائق ١ /٢٥١ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٢٦. (٥) قرأ المطوعي وابن مسعود والأعمش (فشرذ) الإتحاف ٢٣٨ والبحر المحيط ٤ /٥٠٩ (٦) البيت دون نسبة في اللسان والتاج (شرد) والجمهرة ٢٤٦/٢. ٢٥٩ باب الشین وفي الحديث أنه عليه الصلاةُ والسلامُ قالَ لَخَّواتِ بنِ جُبير: ((ما فَعَلَ شِرادُك))(١) قال الهرويُّ: يعرّضُ بقصتهِ مع ذات النِّحْيِينٍ، وهي معروفةٌ(٢) وأرادَ به: لما فرَغَ شردَ في الأرضِ واثْفلتَ خَوفاً يقالُ: شَرَدَ يَشْرُدُ، فهو شاردٌ وشَرودٌ وشَرّادٌ. ورجلٌ شَرِيدٌ، أي طریدٌ. ش رذ م: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرِ ذمَّةٌ قَليلون﴾ [الشعراء: ٥٤] الشّرذمةُ: الجماعةُ المُنْقطعةُ، من قولِهم: ثوبٌ شَرِذامُ، أي مُتْقَطع. ش ر ر: قولُه تعالى: ﴿إِنّها تَرْمي بشَررٍ (٢) كالقصرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] الشَّررُ: قطعُ النّارِ التي تتطايرُ منها الواحدةُ شَرَرَةٌ وصف النارَ بأنها على خلاف ما يتعارفُهالناسُ، وهو أن شَرَرها بقدرِ القصورِ والشّرُّ: ما يتفرُ منه كلُّ أحدٍ؛ وقد يكونُ دينياً ودُنيوياً والدنيويُ مُدرَكٌ لذوي العقولِ من غيرٍ توقفٍ على غيرِهِ غالباً. وأما الدينيُّ فلا يُعلمُ غالباً إلا بتوقف الرسلِ كآداب الجوارح في العباداتِ، والامتناعِ من ملاذْ دُنيويةٍ، وإِنْ حصلَ بها تألَمٌ عاجلٌ فإِنَّ بها خيراً آجلاً. وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((والشرُّليسَ إِليك))(٤) أي لا يليقُ بالأدب نسبةُ ما يتعارفهُ الناسُ شَرّاً إِليك. وقيلَ: لا يصعدُ إِليك إِلا الطّيبُ من العملِ دونَ الخبيثِ، ﴿إِليه يصعد الكلمُ والعملُ الصالحُ يرفُّعه﴾ [فاطر: ١٠] وقد تقدّمَ طرفٍّ من ذلك عند ذكرٍ الخيرِ ويقالُ: رجلٌ شرِيرٌ وشرّائِيٌّ: مُتعاطٍ للشرِّ. والجمعُ شرارٌ قال تعالى: ﴿كنّا نعدُّهم (١) النهاية ٤٥٧/٢ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٢٧. (٢) ملخص قصته أن امرأة كانت تبيع عسلاً في وعاءين فأتاها خوّات فحلّ أحدهما وذاقه وأعاده ؛فمسكته بإحدى يديها ؛ وفعل بالآخر كذلك ، ثم أمسك رجليها وقضى وطره. وبهما ضرب المثل فقالوا ((أشغل من ذات النحيين)) و((أظلم من خوّات)) وأنظر الخبر في الاغاني ٢٧١/١٣ ومجمع الامثال ٣٧٦/١ وسوائر الأمثال ٣٥٣ ٣٥٤٠ وجمهرة الأمثال ١ /٤٣٢، ٥٦٤ والمستقصى ١ /٩٩، ١٩٦،١٩١ وفصل المقال ٨٦ (٣) قرأ عيسى (بِشَرار)، وقرأ ابن عباس وابن مقسم (بشرار) البحر المحيط ٨ / ٤٠٧. (٤) النهاية ٢ /٤٥٨ ٢٦٠ باب الشین من الأشرارِ﴾ [ص: ٦٢] وأشررْتُهُ: نسبتهُ إِلى الشرِّ وقيلَ: أشرْرْنَ كذا، أي أظهرْنه. وأنشدَ [ من الطويل]. أَشَرَّتْ كُلْيبٌ بالأكُفِّ الأصابعا(١) ٧٩٢ - إِذَا قِيلَ : أَيُّ النَاسِ شَرُّ قبيلةٍ قال الراغبُ (٢): فإِنْ لم يكنْ في هذا إِلا هذا البيتُ فإِنه يحتمِلُ أنها نَسِبَتِ الْأصابعَ بالإشارة إِليه، فيكونُ من أشرَرْتُه: إِذا نسبتُهُ إِلى الشرِّ. يعني أنه إِنْ لم يكنْ لهذا القول شاهدٌ إِلاّ الشِّعرُ، فإِنه لا دَلالَةُ فيه، لاحتمالِ ما ذكره. وهو كما قالَه. ويُروى البيتُ: ٧٩٣- أشارتْ کلیب بالأكفِ الأصابعُ بجرٌّ كليبٍ ورفع الأصابع، على تقدُّمٍ أشارتِ الأصابعُ إِلى كليبٍ فحذفَ الجارّ : وأبقَى عمله، وهو شَاذُ كقولِ الآخرِ: [من الكامل] ٧٩٤- حتى تبذّخ فارتقى الإعلام(٣) یریدُ: إِلى الإعلامِ. والشّرُّ بالضم خُصَّ بالأمرِ المكروهِ. وشَرَرُ النارِ: ما تَطايرَ منها؛ سُمي بذلك لما فيهِ من الشرِّ. قولُه تعالى: ﴿وَيَدْعُ الإِنسانُ بالشرِّ دعاءَه بالخيرِ﴾ [الإسراء: ١١]، أي يدعو على نفسِهِ وولده ومالهِ حالَ ضجرهٍ، كما يدعو لهم بالخيرِ فلا يُعجلُ اللهُ تعالى عليه لطفاً به. وقولُه تعالى: ﴿أنتم شَرِّ مَكاناً﴾ [ يوسف: ٧٧] نسبَ الشرَّ إِلى مكانِهم مبالغةً؛ إِذ لا يَحضرُ المكانَ الموصوفَ بالشُرِّ إِلا شرِّيِّرٌ. وفي الحديث: ((يُشَرْشِرُ شِدْقَه))(٤) أي يشقّقُ. والمشهورُ في مادة الخيرِ والشرِّ إِذا بُني منها أفعلُ تفضيلٍ أن لا تَثَبتَ همزتُها(٥)؛ فيقالُ: زيدٌ خيرٌ من عمرٍو، وشرّ من بكرٍ. (١) البيت للفرزدق في ديوانه ٥٢٠ والهمع ٣٦/٢ والدرر ٣٧/٢ والخزانة ٦٦٩/٣ والبيت شاهد لموضع خفض بالجار المحذوف، وانظر دیوان جریر ٣٥٧ ( ٢) المفردات ٤٤٨ (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو عجزبيت في الدرر ٣٧/٢ والهمع ٣٦/٢ والدر المصون ٢١٣/١ وصدره: ( وكريمة من آل قيس أَلفته ) ٤٨) أخرجه البخاري في التعبير، (٤٨) باب تعبير هلرؤيا بعد صلاة الصبح ٦٦٤٠ ومسلم في الرؤيا باب. رؤية النبي تم ليه ٢٢٧٥ ومسند أحمد ٥ /٩ (٥) انظر المسائل العضديات ٢٦٤ -٢٦٦ وتقدم القول في ذلك في مادة ( خ ي ر)