Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ باب السین خبيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ(١) ٦٨٢ - فإن تسألوني بالنساء فإني وبعَن أكثر، كقوله تعالى: ﴿ويسألونَكَ عنِ الروحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. وإِنْ كانُ لاستدعاءِ مالٍ تعدَّى بنفسهِ أو بمِن. فمنَ الأول قولُه تعالى: ﴿وإِذا سألتموهنَّ مَتَاعاً﴾ [ الأحزاب: ٥٣]، ومنَ الثاني؛ ﴿واسألوا (٢) اللهَ من فضله﴾ [النساء: ٣٢]. وغلب السائلُ على الفقيرِ لقولهِ تعالى: ﴿وأمَّ السائلَ فلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] ﴿للسائل والمحروم﴾ [الذاريات: ١٩]. ولا معارضةً بينَ قوله: ﴿فيومئذٍ لا يُسألُ عن ذنبهِ إِنسٌ ولا جانٌ﴾ [الرحمن: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿فوربِّكَ لنسألنَّهم أجمعين﴾ [الحجر: ٩٢] إِذ يوم القيامة ذو مواطنَ فُيُسألونَ في مَوطن ولا يسألون في آخرَ، أو يُسألون سؤالَ تقريعٍ وتوبيخٍ لا سؤالَ تکرمةٍ. قولُه تعالى: ﴿وعداً مسؤولاً﴾ [الفرقان: ١٦] إِشارةٌ إِلى قوله تعالى حكايةً عن الملائكة في دعائهم للمؤمنين: ﴿رَبَّنا وأَدْخِلهُم جنات عدن التي وعدتَّهُم﴾ [غافر: ٨]. وقولُه تعالى: ﴿سألَ (٣) سائلٌ﴾ [المعارج: ١] أي دَعا داعٍ، وذلكَ إِشارةٌ إِلى قولِه حكايةٌ عن بعضِ الأشقياءِ: ﴿اللهمَّ إِنْ كانَ هذا هو الحقَّ من عندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. قولُه تعالى: ﴿ولا تُسألُ (٤) عن أصحاب الجحيم﴾ [البقرة: ١١٩] قُرْئَ ﴿لا تُسالْ﴾(٥) مبنياً للمفعول على الخبر المنفيِّ، أي إِنَّما عليكَ أن تُبلِّغَ، وفي معناهُ: ﴿فإِنَّما عليكَ البلاغُ وعلينا الحسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿ماعليكَ من حسابهم من شيءٍ وما مِن حسابِكَ عليهم من شيءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ﴿ولا تَسألُ﴾(٦) على النهي وذلكَ لشدَّة الأمرِ، كقولك: لا تسألْ عن فلان، أي هوَ بحالة لا يستطاعُ أن يُسألَ عنها، لما في جوابها من الفَظاعة . (١) البيت لعلقمة في ديوانه ٣٥. (٢) قرأ ابن كثير والكسائي (وَسَلُوا) السبعة ٢٣٢. (٣) قرأ ابن عباس (سايلٌ) البحر المحيط ٨ /٣٣٢، وقرأ ابن عباس (سَيْلٌ) القرطبي ١٨ /٢٧٩، وقرأ أبيّ وابن مسعود (سالٌ) البحر المحيط ٣٣٢/٨. (٤) قرأ ابن مسعود (ولن تُسْأَلَ)، وقرأ أبيّ وابن مسعود (وما تُسْأَلُ) القرطبي ٢ / ٩٢. (٥) قرأها نافع. القرطبي ٢ / ٩٢. (٦) قرأ بها نافع ويعقوب وابن عباس وأبو جعفر. الإتحاف ١٤٦ والنشر ٢٢١/٢. ١٦٢ باب السين وقولُه تعالى: ﴿واسألْ (١) مَن أرسلنا من قبلكَ مِن رُسُلنا﴾ [الزخرف: ٤٥] قيلَ: خوطبَ به ليلةَ الإِسراءِ به، حيثُ صلَّى إِماماً بالأنبياء عليهم الصلاةُ والسلامُ. وقيلَ: معناهُ: سَلْ أُمَمَهُمْ والأولُ أَوَجَهُ. س أم: قولُه تعالى: ﴿لا يَسأُمُ الإِنسَانُ﴾ [فصلت: ٤٩] أي لا يملُّ، والسآمةُ: المللُ، يقالُ: سئمَ زيدٌ فلاناً ومن فلانٍ. قال تعالى: ﴿لا يسأمُ الإِنسانُ من دعاءِ الخيرِ﴾. وقالَ زهيرُ بنُ أبي سُلمى: [ من الطويل] ٦٨٣ - سئمتُ تكاليف الحياة ومن یعش ثمانين عاماً - لاأبالك - يسأم (٢) وقيلُ: السآمةُ: الملالةُ ممّا يَكثُرِ لُبُّه فعلاً كانَ أوٍ انْفعالاً. فصل السين والباء س ب أ: قولُه تعالى: ﴿لقد كانَّ لسبٍ(٣)﴾ [سبأ: ١٥]. سَبأ في الأصل: اسمُ رجلٍ من قحطانَ. وقيلَ: اسمُهُ الأصليُ عبدُ شمسٍ، وسَبأ لقبٌّ له لأنَّه أولُ مَن سَبا، وفيه نظرٌ لأنَّ المادتينِ مُختلفتانٍ، ووُلِدَ له عشرةُ أولادٍ، تَيَامِنَ ستَةٌ وهم: جمعةُ وكندةُ والأزدُ ومُجاشعةٌ. وخَئعم وبَجيلةٌ. وتشأم أربعةٌ وهم: لخمٌّ وجُذاٌ وعاملةُ وغسانُ. ثم سُميت به بلدٌ معروفة وصُرِّفَ لْيُعرفَ أهلُها. المثلُ لِقَصَّةٍ استَوْفِيناها في ((التفسير))؛ فيقالُ: تَفرَّقُوا أيادي سبًا، وأيدي سبا(٤). وقيلَ: سُميَ به القبيلةُ أو الحيُّ. ومن ثَمَّ قُرئً في الصحيحِ بصرفه ومنعهِ؛ . (١) قرأ ابن كثير والكسائي وخلف ( وَسَلْ) النشر ٤١٤/١ وقرأ ابن مسعود (واسأل الذي أرسلنا إِليهم قبلك رسلنا) القرطبي ١٦ / ٩٥. (٢) ديوانه ٣٤. والرواية الشهيرة: ثمانين حولاً. (٣) قرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو عبيد (لسبأ)، وقرأ الحسن وابن كثير وقنبل وأبو حيوة والجحدري (لسبأ)، السبعة ٤٨٠ والنشر ٣٣٧/٢، وقرأ حمزة وهشام (لسبا) الإتحاف ٣٥٨. (٤) مجمع الأمثال ٢٧٥/١ والمستقصى ٨٨/٢، وقصة المثل أن سبأ بن يشجب لما أنذروا بسيل العرم . خرجوا من اليمن متفرقين في البلاد، فقيل لكل جماعة ((ذهبوا أيدي سبا)) والمراد بالأيدي: الأنفس. معجم البلدان (سبأ : ٣ / ١٨١) والتاج (سبأ). ١٦٣ باب السین فمن الصرف قولُه: [ من البسيط] قد عضَّ أعناقَهمْ جِلدُ الجواميسِ(١) ٦٨٤ - الواردونَ وتيمٌ في ذُرِی سَبٍ . ومن المنعِ قولُ الآخر: [من المنسرح] يَبْنُون مِن دون سَيلِها العَرِما (٢) ٦٨٥ - من سبأ الحاضرينَ مَارِبَ إِذ والسَّبْءُ: الخمرةُ، من سبأتُ الخمرة أي شربتُها؛ قالَ حسانُ بنُ ثابتٍ رضي الله عنه: [ من الوافر] يكونُ مزاجَها عسلٌ وماءُ (٣) ٦٨٦- كأنَّ سَبيئةً من بيتِ رأسٍ -- س ب ب: قوله تعالى: ﴿فليمدُدْ بَسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥]. السببُ في الأصلِ: هو الحبلُ الذي يُصعدُ به إِلى النَّخل ثم جُعل عبارة عن كلِّ شيءٍ يُتوصلُ به إِلى غيرِهِ، عَيناً كان أو معنى. قولُه: ﴿فَلَيَرْتَقوا في الأسبابِ﴾ [ص: ١٠] إِشارةٌ إِلى قوله: ﴿أم لهم سُلَّمٌ يَسْتَمعون فيه﴾ [الطور: ٣٨]. وقوله: ﴿وَآتَيناهُ من كلِّ شيءٍ سَبباً فأَتْبعَ سَبباً﴾ [الكهف: ٨٤ و٨٥] إِشارةٌ إِلى ما متَّعه به من وجوهِ المعارفِ وأحوالِ الدنيا، وأنه أتبعَ سَیباً واحداً منها فبلغَ به ما هوَ مشهورٌ عنه. وقولُه تعالى حكايةً عن فرعون: ﴿لعلّي أبلغُ الأسبابَ أسبابَ السمواتِ﴾ [غافر: ٣٦ و ٣٧] أي الذرائعَ التي يَتوصّل بها مثلي إِلى طلبتهِ. قولُه: ﴿وتقطّعتْ بِهِم الأسبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] أي الوصلُ والمودّات. وسَمَّوا الثوبَ والخمارَ والعمامةَ سَبباً لطولها تَشبيهاً بالحبلِ في الامتداد والطول. والسَّببُ: الطريقُ. السببُ: البابُ أيضاً، وذلكَ لأنهما يُتوصَّلُ بهما إِلى ما بَعدَهُما، وسُمي الشَّتمُ الوجيعُ سَبّاً لأنه يوصَلُ إِلى المشتومِ أو يُتوصَّل به إِلى أذاهُ، قال تعالى: ﴿ولا تسبُّوا الذينَ يَدْعون من دونِ اللهِ فُسِبُّوا اللهَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] أي يتكلمونَ بما لا (١) البيت لجرير في ديوانه ٣٢٥. ورواية الصدر فيه: ( تدعوك تيم وتيم في قرى سبأ). (٢) البيت للنابغة الجعدي في اللسان والتاج (سبا، عرم) وسيبويه ٢٥٣/٣ والإنصاف ٥٠٢. (٣) ديوانه ٥٩ . ١٦٤ باب السين يليقُ بجلاله لا أنَّهم يصرِّحون بسبِّه تعالى، إِذ لم يتجاسَرْ أحدٌ ولا يطاوعُه طبعُه ولا سجيَّتُه على ذلك، وقد يَطلِقُ على سَببِ السَّبَهُ سَبّاً، ومنه: ((لا يسبُّ الرجلُ أباهُ. قيلُ: كيف يسبُّ أباهُ؟ قال: يسبُّ أبا الرجلِ، فيسبُّ أباهُ))(١). قال الشاعر: [من المتقارب] بأنْ سُبَّ منهم غلامٌ فَسَبْ(٢) ٦٨٧ - وما كانُ ذنُ بني مالكٍ يُقُدُّ العظامُ ويَيرِي العَصَبْ بأبیضَ ذي شُطَب قاطعٍ نبّه بذلكَ على قول الآخرِ: [من الطويل] ٦٨٨ - ونَشْتُمُ بالأفعالِ لا بالتَّكلّمِ (٣) وقد أحسنَ مَن قالَ : [من الكامل] ٦٨٩ - ولقد أمرُّ على اللقيم يسبّني فمضيتُ ثُمَةَ قلتُ: لا يَعنيني(٤) والسبَّةُ: الشيءُ الذي يُسبِّ، قالَ الشاعرُ: [من البسيط ] : ٦٩٠ - إِنْ يَسمعوا سُبَّة طاروا بها فَرحاً مِنِّي وما سَمعوا من صالحٍ دَفنوا(٥) والسُّبُّ: الكثيرُ السبِّ. قال الشاعرُ: [من الرمل] ٦٩١ - لا تَسبَّي فلستَ بِسِي(٦) ويُكني بالسَُّّةِ عنِ الدَّبْرِ كما كُني بالسَّوءةِ عنه وعن القُبُل. والسبَّبَةُ من الأصابع: ما يَلِي الإِبهامَ؛ سُميتْ بذلك لتحريكها والإشارة بها وقتَ المَسابَّة، كما سَمُّوها مُسبِّحةً. (١) أخرجه البخاري في الأدب، (٤) باب: لا يسب الرجل والديه، ٥٦٢٨، وأخرجه مسلم في الإيمان؛ باب بيان الكبائر، ٩٠. (٢) البيتان لذي الخرق الطهوي في الصحاح والمقاييس واللسان والتاج (سبب) وأمالي القالي ٥٤/٣. (٣) عجز بيت في الصناعتين ٦٠ وصدره: (وتجهل أيدينا ويحلم رأينا). وهو في المفردات. وقد عزاه المحقق لإياس بن قتادة اعتماداً على شرح نهج البلاغة ١١٨/٢. (٤) البيت لرجل من بني سلول في الخصائص ٣٣٠/٣ والخزانة ١ /١٧٣، ٥٢٨ والهمع ٩/١ والدرر ٤/١ وشرح شواهد المغني ١٠٧ وأمالي الشجري ٢٠٣/٢ وسيبويه ٢٤/٣. (٥) البيت للقعنب بن أم صاحب في معاني الفراء ٢٧٦/٣ والمحتسب ٢٠٦/١ والسمط ٣٦٢. (٦) صدر بيت لعبد الرحمن بن حسان يهجو مسكين الدارمي، وعجز البيت: (إِن سبي من الرجال الكريم). والبيت في الصحاح والمقاييس واللسان والتاج (سبب) والجمهرة ١ /٣١. ١٦٥ باب السين لتحريكها وقته. والسبُّ أيضاً الثوبُ الرقيقُ. ومنه: ((فإِذا سبٌّ فيه دَوْ خَلَّةٌ رُطَبُ)) (١) والسِّبابُ مصدرُ سأَبَّه، نحوُ قاتلَه قتالاً. وفي الحديث: ((وسبابُهُ فُسوقٌ))(٢). س ب ت : قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلنا نومَكُمُ سُباتاً ﴾ [النبأ: ٩] أي قَطْعاً لأعمالكم التي تُزاولونَها نَهاراً، والمعنى: جعلناهُ راحةً لكم. أو لأنه تنقطعُ فيه حركاتُكم فتسكنون. والسُّبَاتُ: السكونُ، ومنه يومُ السَّبت لأنه يقالُ أنه تعالى قَطعَ فيه بعضَ خلقَ الأرضِ، أو لأنه حرَّمَ على اليهود فيه العملَ، يقالُ: أُسبتَ: إِذا دخلَ في السَّبتِ. وسَبتَ يسبتُ إِذا عظّمه، ومنه قولُه تعالى: ﴿يومَ لا يَسْبِتون﴾ [الأعراف: ١٦٣] أي لا يفعلون ما يجبُ في شَرعِهم في هذا اليوم. وسَبتَ رأسَه: حلقَه، ومنه: النِّعالُ السِّبتيَّةُ لأنها يُحلقُ شعرُها بالدِّباغ، وفي الحديث: ((يا صاحبَ السِّبتين اخلعْ سِبْتَك))(٣). وقيلَ: سُميتْ بذلك لأنَّها لِيِّنْتْ بالدباغ، ومنه: رُطبٌ مُنسبتَةٌ، أي لينةٌ. والسِّبتُ: جلدُ البقرِ المدبوغُ بالقَرَظ (٤). س پ ح: قولُه تعالى: ﴿فسبحانَ اللهِ﴾ [الأنبياء: ٢٢]. سُبحانُ: علمٌ للَّسبيح، ولذلك مُنع صرفُه للعلمية وزيادة الألف والنونِ؛ فهو المعاني كعثمانَ في الأعيانِ، وعليه قولُه: [ من السريع ] ٦٩٢ - أقولُ لما جاءَني فخرُهُ: سُبحانَ مِن عَلقمةَ الفاخِرِ !(٥) وأكثرُ استعماله مُضافاً كما تَرى، وقد يُقطعُ عن الإضافة ممنوعاً: [من البسيط ] (١) من حديث لصلة بن أشيم في النهاية ٣٢٩/٢ وغريب ابن الجوزي ٤٥٢/١ والفائق ١٩٦/١. (٢) أخرجه البخاري في الإيمان، (٣٥) باب خوف المؤمن ٤٨، وأعاده برقم ٥٦٩٧، ٦٦٦٥ وأخرجه مسلم في الإِيمان ٦٤. (٣) الفائق ١ /٥٦٤ وغريب ابن الجوزي ٤٥٢/١ والنهاية ٣٣٠/٢. (٤ ) القرظ: شجر يدبغ به. لها سوق غلاظ أمثال شجر الجوز. اللسان ٧ /٤٥٤ (قرظ) (٥) البيت للأعشى في ديوانه ١٩٣. ١٦٦ باب السین - وقبلنَا سَبّح الجوديُّ والحمدُ(*) وذلك لأنه يُكرهُ. فهو كقولك: ربّ عثمان العثمانينَ جاءَتي. وله أحكامٌ، ومعناهُ الشَّزيهُ فمعنى سبحانَ الله: تُنزيهُه عمّا لا يليقُ بهِ، ويُستعملُ في التعجبِ، ومنه الحديث: ((سبحانَ الله إِنَّ المؤمنَ لا ينجسُ))(١). وأصلُ المادة للدَّلالةِ على البعد، ومنه: السَّبْحُ في الماءِ، وكذلك تسبيحُ اللهِ لأنَّ فيه إِبعاداً له عمّا لا يليقُ به، ممّا كانتِ الكفرةُ الذين لا يقدِّرونه حقَّ قدرهِ ينسبونه إِليه من الشِّركِ والولدِ وغيرِ ذلك. والسَّبْحُ: المُرُّ السريعُ في الماءِ أو الهواءِ، ويُستعارُ ذلك للنجومِ، قال تعالى: ﴿كلِّ في فَلكٍ يَسْبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وفي دُؤوب العمل أيضاً قال تعالى: ﴿إِنّ لكَ في النهار سَبْحاً (٢) طويلاً﴾ [المزمل: ٧] والتَّسبيحُ عامٌ في العبادة؛ قَوليّة كانت أو فعليَّةٌ أو مَنْويَّةً. وقيلَ في قولِه تعالى: ﴿فَلولا أنه كانَ منَ المُسبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] أي القائلينَ: سُبحانَك، ويؤيده قولُه: ﴿فنادَى في الظُّلمَاتِ أنْ لا إِلهَ إِلا أَنتَ سُبحانَك إِنِي كنت منَ الظالمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقيلَ: مِنَ المصلّين. وقيل: من النَّوين؛ أنه إِذا تمكَّنَ من العبادة حين يخرجُ من بطنِ الحوتِ أن يسبِّحُ اللهَ بقلبه ولسانهِ، ويُذیبَ جوارحَه في طاعتِهِ، والأولى أن يُحمَلَ على جميعٍ ذلك، لأنه اللائقُ بحالٍ ذي النون عليه السلامُ. وقولُه: ﴿ألم أقلْ لَكُم لولا تُسبِّحون﴾ [القلم: ٢٨] أي تعبدونه وتشكرونه. وقيلَ: تقولون: إِن شاءَ اللهُ، يدلُّ عليه قولُه: ﴿وَلا يَسْتئنون﴾ [القلم: ١٨] وقولُه: ﴿فسبّحْ بحمد ربِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] أي صلِّ. وسُميت الصلاةُ تسبيجاً لاشتمالها عليه. ومنه: «كان يسبِّح على راحلته»(٢). وقولُه: ﴿فسبحانَ الله حين تُمسونَ وحين تُصبحون﴾ [الروم: ١٧]الآية، قيلَ: معناهُ تَصلون في هذه الأوقات. وقد استدلَّ به على ذكرِ الصلوات الخمسِ. والسُّبُّوحُ والقُدُّوسُ فُعُولٌ؛ من النَّسبيح ومن القدسِ (*) تقدم برقم ٢٩٨، وهو عجز بيت لأمية بن أبي الصلت. (١) أخرجه البخاري في الغسل، (٢٣) باب عرق الجنب ٢٧٩، ٢٨١ وأخرجه مسلم في الحيض ٣٧١ .. (٢) قرأ ابن يعمر وعكرمة والضحاك وابن أبي وائل (سَبخا) البحر المحيط ٣٦٣/٨. (٣) أخرج البخاري في الأذان، (١٨) باب الأذان للمسافر، ٦٠٦، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الصلاة في الرحال ٦٩٧ (( ألا صلّوا في الرحال». ۔۔ ١٦٧ باب السين وهو الطهارةُ، وليس لنا فُعَولٌ غيرُهما، وقد يُفتحان نحو: كُلُّوب وسَمّور. والسُّبْحَةُ للتَّسبيح، وهي أيضاً الخرزاتُ المُسبَّح بها؛ سُميت بذلك لأنه يعدُّ بها لفظُه. وقولُه تعالى: ﴿والسابحاتِ سَبحاً ﴾ [النازعات: ٣] قيلَ: هُم الملائكةُ، يسرعون فيما يؤمرون به بينَ السماء والأرضِ. وقيلَ: هي أرواحُ المؤمنين، تنبيهٌ على سهولة خروجها عندَ الموت، أوجَوَلانها في الملكوتِ عندَ النوم. وقيلَ: هي السفنُ لأنها تسبحُ في الماءِ، والسابقاتُ: الخيلُ. وفي الحديث: ((لأحرقتْ سُبُحاتُ وجههِ))(١) أي نورُ وجهه . وقولُه: ﴿وإِنْ من شيء إِلا يُسبِحُ بحمدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي بلسان الحال. وذلك هو الإِذعانُ لربوبيَّتِهِ والطواعيةُ لقدرتهِ، كقولهِ: ﴿ وللهِ يسجد من في السماواتِ والأرضِ طَوعاً وكرهاً ﴾ [الرعد: ١٥]. وقيلَ بلسان القال، ولكن أخفى اللهُ تعالى عنا فهمَ ذلك. وإليه أشارَ بقوله: ﴿ولكن لا تَفْقَهون تَسبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وهذا هوَ الظاهرُ؛ إِذ لو لم يكنْ شيئاً يخفَى عنّا لما خاطَبنا بذلك. فأمّا كونُها مسبحةً بلسان الحال بالمعنى الذي قدَّمته عنهم فهذا تفقّةٌ، فلا بدَّ من معنىً زائدٍ. وأمّا التسبيحُ الصادرُ من الجمادات كالحصى الصادرِ على يَدَي رسولِ الله ◌َّه معجزةً له فإِنَّ ذلك بلسان القال لا الحالِ، وإلا لم يظهرِ التفاوتُ بينَه وبينَ غيرهِ عليه الصلاةُ والسلام. س ب ط : قولُه تعالى: ﴿والأسباطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] جمعُ سبطٍ، وهم في بني إِسرائيلَ كالقبائلِ في العربِ. وأحسنُ منهِ ما قاله الأزهريُّ: الأسباطُ في ولدِ إِسحاقَ والقبائلُ في ولد إسماعيلَ؛ فعلوا ذلك تفرقة بينَ أولادِ الآخرين، أعني إِسحاقَ وإِسماعيلَ. ولكنَّ الأسباطَ إِنما هم أولادُ يعقوب بن إسحاقَ. واشتقاقُ ذلك من الامتداد والتفريع؛ لأنَّ السبطَ ولدُ الولد، فكانَّ النسبَ امتدَّ وانبسطَ وتفرَّعَ. يقالُ: شَعْرٌ سَبْطٌ ضدُّ جعدٍ، وعظامه سَبطٌ أي طويلةٌ. قال الشاعر: [من الطويل] (١) غريب ابن الجوزي ١ /٤٥٤ والنهاية ٣٣٢/٢ والفائق ٣٤١/٢. ١٦٨ باب السين ٦٩٣ - فجاءتْ به سَبطَ العظام كأنَّما عمامتُه بين الرجال لواءُ(١) وقد سَبُط سُبوطاً وسَبَاطةً. والساباطُ: ماهُدَّ من دارٍ إِلى أخرى، من ذلك. وسُباطةُ الدارِ: مَلقى زبالتها. لامتدادِها. وفي الحديث: ((فاتَّى سُباطةَ قومٍ فبالَ))(٢) وقيلَ: اشْتُقُّوا من السّبطِ؛ وهو الشجرةُ التي أصلُها واحدٌ وأغصانُها كثيرةٌ. وفي الحديثِ: ((الحسينُ سبطٌ من الأسباط - أي أمَّةٌ منَ الأمم - في الجنة))(٣) واستدلُوا بقوله تعالى: ﴿أَسباطاً أُمماً﴾ [الأعراف: ١٦٠] فتَرجمَ الأسباطَ بالأمم؛ فكلُّ سبطٍ أمةٌ، وفي الحديث: ((الحسنُ والحسينُ سبطا رَسُولِ اللهِ لَّه))(٤) أي طائفتان وقطعتان منه. وعن المبرِّد قالَ: سألتُ ابنَ الأعرابي عن الأسباطِ فقال: هم خاصةُ الولدِ . وفي الحديث؛ في صفته عليه الصلاة والسلام: (( ليس بالسَّبط ولا الجَعد القَطط )»(٥). يقالُ: رَجْلٌ سَبِطٌ، وَسَبْط، وسَبَطٌ. وقد سَبِطَ شَعرُهُ سُبوطةً، كقَطِطَ شعرُه قُطوطةٌ . س بع: قولُه تعالى: ﴿إِنْ تَستغفرْ لهم سَبعينَ مرةً﴾ [التوبة: ٨٠] ليس المرادُ حصزِ العدد، بل المرادُ التكثيرُ. والمعنى: إِن استكثرتَ منَ الاستغفارِ لهؤلاء فلن يغفرَ اللهُ لهم. قال الأزهريُّ: أنا أرى هذه الآيةُ من باب التكثير والتضعيف لا من باب حصر العدد. وحكى أبو عمرو أن رجلاً أعطى أعرابياً درهماً فقالَ: سبَّعَ اللهُ لك الأجرَ. أَي ضعَّفَه. قال الهرويُّ: والعربُ تضعُ التسُّبيعَ موضِعَ الَّضعيف، وإِنْ جاوزَ السبعَ، والأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿كمثلٍ حبةٍ أَنبتتْ سبعَ سنابلَ في كلِّ سنيلةٍ مئةُ حبةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]. ۔۔ (١) البيت لرجل من بني جناب أو لبعض بني العنبر وهو في الصحاح واللسان والتاج (سبط) والخزانة ٤ /١٤٦ والحماسة للمرزوقي ٢٧٠ والعيني ٢١١/٣. (٢) الحديث لحذيفة. أخرجه البخاري في الوضوء (٦٠) باب البول قائما ٢٢٤،٢٢٢، وفي المظالم ٢٣٣٩ ومسند أحمد ٤ /٢٨٣/٥،٢٤٦ والفائق ١ /٥٦٢ والنهاية ٣٣٤/٢ وغريب ابن الجوزي ١ /٤٥٧ . (٣) غريب ابن الجوزي ٤٥٦/١ والنهاية ٢ /٣٣٤. (٤) الفائق ١ /٩٣ وغريب ابن الجوزي ٤٥٦/١ والنهاية ٣٣٤/٢. (٥) الحديث لأنس بن مالك، أخرجه البخاري في المناقب، (٢٠) باب صفة النبي، ٣٣٥٤، ٣٣٥٥ ومسلم في الفضائل ٢٣٤٧ ومسند أحمد ١٣٥/٣. ١٦٩ باب السين والسّبْعُ: كلٌّ حيوانٍ مُتَقَوِّ. سُمِّي بذلك لتمام قوَّته. وذلك أن السَّبعَ من الأعدادِ التَّامة. وسَبَع فلان فلاناً: اغتابَه، كأنَّه أكل لحمَه أكلَ السباعِ. والمَسْبَعُ: موضعُ السباع. والسُّبْعُ: جزءٌ من سَبعةٍ أجزاء. والأُسبوعُ: سبعةُ أيامٍ، جمعُه أسابيع، ومثلُه السُّبع. والسُّبْعُ في الوِردِ كالخميس فيه. وقولُ ربيعةَ الهُذليِّ: [من الكامل] ٦٩٤ - كأنه عبدٌ لآلِ أبي ربيعةَ مُسْبَعُ (١) قيلَ: معناهُ وقعَ في غنمهِ السبعُ، وقيلَ: المهملُ من السباعِ. وكُنِيَ بالمُسْبع عن الدَّعيُّ الذي لا يُعرفْ أبوه. وسَبَعتُ القومَ: جعلتُهم سَبعةً، أو أخذتُ سُبعَ أموالهم، نحو رَبَعتُهم وثَلئتُهم، بمعنَيِيهِ. وقولُه: ﴿ذَرعُها سبعونَ ذراعاً﴾ [ الحاقة: ٣٢] من باب ﴿إِنْ تستغفرْ لهم سَبعينَ مرة﴾. وقولُه: ﴿وَبَنَينا فوقَكم سَبعاً شداداً﴾ [النبأ: ١٢] عنى بالسّبع المتطابقة . قولُه: ﴿اللـهُ الذِي خَلَقَ سَبَع سموات ومن الأرض مثلَهنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قيل: في العدد. وفي الحديثِ ما يؤيدُ هذا من قولِه: ((طُوِّقَهُ من سَبَع أرضينَ))(٢) وقيلَ: مثلهنَّ في الإِتقانِ لا في العدد. ولذلك لم يجئِّ القرآنُ إِلا بإِفراد الأرض، والأولُ أوجهُ. س ب غ: قولُه تعالى: ﴿وأسبغَ(٣) عليكم نِعمَهُ﴾ [لقمان: ٢٠] أي ألبسكم إيّاها وأتمَّها عليكم من قولهم: درعٌ سابغٌ، وقولُه تعالى: ﴿أَنِ اعملْ سابغات (٤)﴾ [ سبأ: ١١] إِشارةٌ إِلى ما علَّمه في قولِه تعالى: ﴿وعلَّمناهُ صَنعةً لبوسٍ لكم﴾ [الأنبياء: ٨٠] وأسبغَ وضوءه: أَتمَّه. ويسمى الدرعُ تَسبغة. ومنه الحديث: ((فتقَعُ في تَرقوتِه تحتَ تَسبغةٍ البيضة))(٥). (١) البيت بتمامه في ديوان الهذليين ١ /٤: ( صَخب الشوارب لايزال كأنه عبدٌ لآل أبي ربيعة مُسبّع) وقد وهم المؤلف ونسبه إِلى ربيعة والبيت لأبي ذؤيب الهذلي. (٢) أخرجه البخاري في المظالم، (١٤) باب: إِثم من ظلم شيئاً، ٢٣٢٠، ٢٣٢١ ومسلم في المساقاة، باب تحريم الظلم ١٦١٢،١٦١٠ ومسند أحمد ١٨٧/١، ١٩٠. (٣) قرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة (وأصبغ) القرطبي ١٤ /٧٣. (٤) قرئت (صابغات) الكشاف ٢٨٢/٣. (٥) غريب ابن الجوزي ٤٥٩/١ والفائق ٥٢٣/١ والنهاية ٣٣٧/٢. وأضاف ابن الجوزي: ((قال ابن قتيبة: تسبغة البيضة: شيء من حلق الدرع توصل به البيضة فتستر العنق)). ١٧٠ باب السين س ب ق: قوله تعالى: ﴿فالسَّابقاتِ سَبقاً﴾ [النازعات: ٤٠] عَنَى بها الخيلَ العاديةَ في الجهاد. وقيل: هم الملائكةُ، بأنهم يسبقون الجنَّ باستماعِ الوحي. والسَّبْقُ: أصلُه التقدمُ في السَّير، ثم يعبّر بذلك عن التقدُّمِ إِلى الأشياء أعياناً كانت أو معاني. قال تعالى: ﴿فَاسْتِبقوا الخيراتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وقوله تعالى: ﴿والسّابقون السابقون، أولئك المقرَّبُون﴾ [الواقعة: ١٠ و١١] أي المُحرزون قصبَ السبقِ في الفضلِ. وقولُه تعالى: ﴿وما نحنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] كنايةً عن عدمٍ فَوتِهم للهِ تعالى، أي أنهم لايُعجزوننا. وقولُه: ﴿ولقد سَبقتْ كلمتنا﴾ [الصافات: ١٧١] وقولُه: ﴿ولولا كلمةٌ سَبَقتْ﴾ [طه: ١٢٩] أي نفذتْ وتمَّتْ لقوله: ﴿وتمَّتْ كلمةٌ رَبُّك﴾ [الأنعام: ١١٥] وقوله: ﴿فاسْتَبقوا الخيراتِ﴾ أي بادِرُوُها، وافْعلوا فعلَ الواردةِ الذين يطلبُ كلٌّ منهم التقدُّمَ إِلى الماءِ ليحوزَه لنفسهِ ومَنَ يريدُ. وقولُه: ﴿وما كانوا سابقين﴾ [العنكبوت: ٣٩] أي فائتين، كقوله: ﴿وما أنتم بمُعجِزِين﴾ [الأنعام: ١٣/٤] وقوله: ﴿يسارعون في الخيراتِ وهم لها سابقون ﴾ [المؤمنون: ٦١] أي فاعلون فعلَ السابقِ غيرِ المتباطئَ. وقيل: اللامُ بمعنى إِلَى لقولِه: ﴿أوحى لها﴾ [الزلزلة: ٥] أي إليها. وقولُه: ﴿إِنّا ذَهبا نَستبِقُ (١)﴾ [يوسف: ١٧] أي نتناضلُ بالسهام ونتراهنُ. وجعلَ السَبَق كنايةً عن ذلك. قولُه: ﴿وَاسْتَبَقا البابَ﴾ [يوسف: ٢٥] أي بادرَ كلٌّ واحدٍ منهم نحوَ الباب. قولُه: ﴿فَاسْتَبَقوا(٢) الصِّرَاطِ ﴾ [ يس: ٦٦] أي جاوَزوه وتركوه حتى ضَلَّوا. وقولُه: ﴿لا يَسْبِقونه بالقَولِ﴾ [الأنبياء: ٢٧ ]أي لا يتكلمون بغيرِ إِذنه. وقيلَ لا يقولون بغيرِ عَلَمِه حتى يُعلّمهم. قولُه تعالى: ﴿فجاجاً سُبُلاً﴾ [الأنبياء: ٣١] السُّبلُ جمعُ سبيل: وهو الطريقُ، س ب ل: (١) قرأ ابن مسعود (ننتضل) القرطبي ٩ /١٤٥. (٢) قرأ عيسى (فاستَبِقُوا) البحر المحيط ٣٤٤/٧. ١٧١ باب السين ويذكَّر ويؤنثُ، قال تعالى: ﴿قُلْ هذهِ سَبيلي(١)﴾ [ يوسف: ١٠٨] ويعبّر به عن المذهب. ومنه: ﴿اتَّبِعوا سَبيلنا﴾ [العنكبوت: ١٢] أي طريقتنا في ديننا. قولُه: ﴿ وتقطعون السبيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أي طريقُ الولد، لأنَّ القومَ كانوا يأتون الذُّكران فيقلُّ النَّسلُ. قولُه: ﴿وَابنَ السبيلِ﴾ [الروم: ٣٨] هو المسافرُ: جعلَ ابنَ الطريقِ لملازمتهِ إِياه. قولُه: ﴿وفي سبيلِ الله﴾ [التوبة: ٦٠] قيلَ: هم المجاهدون. قومُه: ﴿ ثم السبيلَ يسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] قوله: ﴿ليسَ علينا في الأمِِّينِ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي دَرَكٌ أي لا تطرقُ لهم علينا، فأموالُهم حِلٌّ لنا، كذا كانوا يعتقدون. قوله: ﴿فصدَّهم عن السَّبيل﴾ [النمل: ٢٤] أي طريقُ الهدى. وكذا قوله: ﴿لُيَصُدُّونهم عنِ السبيلِ﴾ [ الزخرف: ٣٧]. قولُه: ﴿سُبُلَ (٢) السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] أي طرقُ السلامة المؤمَّنَةُ منَ العقوبة. وقيلَ : طرقُ الجنة، إِمّا طرقُها حقيقةً وإِمّا الأسبابُ التي يتوصّلون بها إِلى الجنة من الأعمال الصالحة. ويقالُ: سابلٌ وسابلةٌ، وسَبِيلٌ سابلٌ، نحو: شعرٌ شاعرٌ. وأسبلَ السِّرَ والذيلَ: أرخاهُ. وأسبلَ الزرعُ: صار ذا سُنبلٍ. وبه استُدلَّ علي زيادةِ نونهِ، وإن كانتِ القواعدُ التَّصریفیةُ تاباهُ. والمُسبِلُ: اسمٌ للقدِح الخامسِ من سهامِ الميسرِ. وخُصَّ السََّلَةُ بشَعرِ الشَّفة العليا لما فيها من التحدُّرِ قالَه الراغبُ (٣) ونقلَه الهرويُّ عنِ الأزهريِّ. وفي الحديث: «إِنَّه كان وافرَ السََّلة))(٤)؛ هي الشعراتُ التي تحتَ اللَّحْيِ الأسفل(٥). وقيلَ: هي مُقَدَّمُ اللّحيةِ وما أسبَلَ منها على الصدرِ. والسُّنبلةُ: لِما يقعُ على الزرعِ والسَّبْلُ: ما أسبلتَه من ثوب، تحو النَّشرِ: للشيءٍ المنشورِ، وكالقَبضِ بمعنى المقبوض، والرُّسلِ بمعنى المرسَلِ. (١) قرأ نافع وأبو جعفر (سبيلي) النشر ٢ /٢٩٧. (٢) قرأ الحسن وابن شهاب (سبْل) إِملاء العكبري ١٢٣/١. (٣) المفردات ٣٩٦. (٤) غريب ابن الجوزي ٤٥٩/١ والنهاية ٢٣٩/٢. (٥) ((السبلة: ما على الشارب من الشعر، وقيل طرقه، وقيل: هي مجتمع الشاربين)) اللسان (سبل ٣٢١/١١) ١٧٢ باب السین فصل السين والتاء س ت ر: قوله: ﴿حجابا مستوراً﴾ [الإسراء: ٤٥] قيلَ: معناهُ ساتراً، فهو مفعولٌ بمعنى فاعل، وعكسُه فاعلٌ بمعنى مفعولٍ نحو: ﴿ماءٍ دافقٍ﴾ [الطارق: ٦] أي مدفوق. والصحيح أن كلاً منهما على بابه كما حقَّقناهُ في غيرِ هذا الموضوع. وأصلُ السَّر: التغطيةُ والإِخفاءُ. والاسْتتارُ: الاستخفاءُ . والسِّتْرُ والسُّتْرةُ: مايُستَترُ به أي يُغطى. والإستارة: بمعنى السِّتر أيضاً، ومنه الحديثُ: ((أيُّما رجلٍ أغلق دونَ امرأته باباً وأرخى عليها إِستارةً فقد تَمَّ صَداقُها))(١) قال شَمِر: الإِستارةُ مِنَ السِّتْرِ، ولم أسمعْه إِلا في هذا الحديث. وقد جاءت السِّتارةُ والمِسْتَر في معنى السِّتر. وقد قالوا: أسوار للسُّوار، وإِشرارة لما يُشْرَرَّ عليه الأقِطُ . فصل السين والجيم س ج د قولُه تعالى: ﴿ولله يسجُدُ مَن في السماواتِ﴾ [الرعد: ١٥] أصلُ السجود الخضوعُ والتذَلِّلُ وخصَّ ذلك شَرعاً بعبادة الله؛ فلا يجوزُ السُّجودُ لغيرِ الله تعالى والمِللُ مختلفةٌ في ذلك. فأمّا السجُودُ، على سبيل العبادةِ، فلايجوز في مثلَّة من المللٍ، وأمّا على سبيلِ التعظيم كسجودِ الملائكة لآدم(٢)، وإِخوة يوسُفَ لأخيهم، فهذا محلٌّ الخلاف. على أنَّ منَ الناسِ مَن قال؛ إِنما كان آدمٌ كالقبلةِ لهم، ثم السجودُ عامٍّ في الأناسيِّ والحيوانات والجمادات، وهو نوعان(٣): نوعٌ باختيارٍ، وليس ذلك إِلا للإنسان وبه يُئابُ، كقوله: ﴿اركعوا واسْجُدُوا واعْبدوا ربّكم﴾ [الحج: ٧٧] وقوله: ﴿فَاسْجُدوا لله واعبدُوا﴾ [النجم: ٦٢]. ونوعٌ بتسخيرٍ، وهو في الإنسان والحيوان وغيرهما، وعليه: ﴿ ولله يسجد من في السماواتِ والأرضِ طَوعاً وكرهاً﴾، وقوله: ﴿سُجَّداً لله وهم داخرون﴾ [النحل: ٤٨] (١) الفائق ١ /٧٥٠ وغريب ابن الجوزي ٤٦٠/١ والنهاية ٣٤١/٢. (٢) في سورة البقرة / ٣٤ (واسجدوا لآدم). (٣) المفردات ٣٩٦. ١٧٣ باب السين وهو الدَّلالةُ الصامتةُ والناطقةُ المنبّهةُ على كونها مخلوقةً، وأنها خلقُ فاعلٌ حكيمٍ مُتقنٍ. لها وقولُه: ﴿والنجمُ والشجرُ يسجدانٍ﴾ [الرحمن: ٦] سجودُ تسخيرٍ. وقولُه: ﴿ واللهِ يسجُدُ مافي السماواتِ وما في الأرض من دابَّةٍ والملائكةُ وهم لا يَسْتكبرون﴾ [النحل: ٤٨] فشملَ السُّجودين: التَّسخيريَّ والاختياريَّ ويعبّرُ به عن الصلاة لا شتمالها عليه. وعليهِ قولُه: ﴿وأدبارَ السُّجودِ﴾ [ق: ٤٠] كما سُميتْ سُبحةً ودُعاء. وقالوا سبحةُ الدعاء، وسُجود الضُحى. قولُه تعالى: ﴿وأنَّ المساجد للهِ﴾ [الجن: ١٨] قيلَ: عَنى مواضعَ السجودِ؛ واحدُها مسجدٌ، بالكسر وقياسُه الفَتحَ،ُ وقد خرجَ هو وأخواتٌ له مذكورةٌ في غير هذا عن القياس(١). وقيلَ: عَنِيَ بها أعضاءَ السجودِ وهي سبعةٌ، وقيلَ: ثمانيةً؛ الجبهةُ، والأنفُ، واليدان، والرِّجلان، والركبتان. وفي الحديث: ((أُمرت أن أُسجد على سبعة آراب))(٢) أي أعضاء، لأنَّ كلَّ عضوٍ منها إِربٌّ. ويؤيد الأول قولُه عليه الصلاة والسلام: ((جُعلتْ لي الأرضُ مَسجداً وطهوراً))(٣) وقوله: ﴿وادخلوا البابَ سُجَّداً﴾ [البقرة: ٥٨] أي مُتَذللين. وقوله: ﴿أَلاَيَسْجِدُوا﴾ [النمل: ٢٥] قُرئ على التحضيضِ والاستفتاح (٤)؛ ﴿واسجدُوا﴾ أمراً، و﴿ تَسجدوا﴾ منصوباً بما قبله. ولنا فيه كلامٌ أتقنّاهُ في غيرِ هذا، أن تأتي قراءةُ؛ الأمر إِمّا تنبيهُ وإِمّا نداءٌ، والمنادى محذوفٌ كقوله: [من الطويل] ٦٩٥ - ألا يا اسلمي يا هندُ عندَ بني بدْرِ وإِنْ كان حيّانا عدَّى آخرَ الدهرِ(٥) في أبيات عديدة أنشدناها في غيرِه . وقيلَ: أصلُ السجودِ الإِمالةُ كقولِه، زيد الخيلِ: [ من الطويل] (١) ((قال الفراء: كل ما كان على فَعَلَ يَفْعُلُ؛ مثل: دخل يدخل فالمفعل منه بالفتح اسماً كان أو مصدراً ..... إِلا أحرفاً من الأسماء الزموها كسر العين. من ذلك: المسجد والمطلع والمغرب ..... فجعلوا الكسر علامة الاسم وربما فتحه بعض العرب في الاسم .. قال: والفتح في كله جائز وإِن لم نسمعه، اللسان (سجد ٢٠٤/٣ - ٢٠٥). (٢) أخرجه البخاري في صفة الصلاة ٧٧٦، ٧٧٧، ٧٧٩، ٧٨٢، ٧٨٣ ومسلم في الصلاة ٤٩٠. (٣) أخرجه البخاري في التيمم، ٣٢٨، وفي المساجد ٤٢٧، ومسلم في أول كتاب المساجد ٥٢١ (٤) هي بتخفيف ألا، على أنها للاستفتاح وبها قرأ الكسائي ورويس وأبو جعفر الإتحاف ٣٣٦. (٥) البيت للاخطل في ديوانه ١٧٩. ١٧٤ باب السين ترى الأُكْمَ فيها سُجَّداً للحوافر (١) ٦٩٦ - بجَمْع تَضِلُّ البُلقُ في حجراتِهِ وقول الآخر: [ من الكامل] ٦٩٧ - وافى بها كدراهم الإِسجاد(٢) قيلَ: عَنى بها دراهمَ عليها صورةُ ملك یُسجدُ له .. س ج ر: قولُه: ﴿والبحرِ المسجورِ﴾ [الطور: ٦] أي المملوء. وقيلَ: يُملا ناراً، ولذلكَ قالَ مجاهدٌ: الموقَدُ. وقيلَ: السَّجرُ: تهيجُ النارِ. ومنه سَجرتُ التنورَ. وأنشدَ :[ من المتقارب ] ٦٩٨ - إذا ساء طالَعَ مَسجورةٌ تَرى حولَها النّبْعَ وَالشَّوْحَطًا(٣) وقولُه تعالى: ﴿وإذا البحارُ سُجِّرتْ(٤)﴾ [التكوير: ٦]. قال الحسنُ: أضرمتْ ناراً. وقيلَ: غيضتْ مياهُها، وإِنما تكونُ كذلك لِتَسجيرِ النارِ فيها. قوله: ﴿ ثمَّ في النار يُسجَرون﴾ [غافر: ٧٢] أي يُطرحون فيها فيملؤونَها ومثلُه: ﴿وَقُودُها الناسُ والحجارةُ ﴾ [البقرة: ٢٤] وقولُهم: سَجَرَتِ الناقةُ، استعارةٌ نحو اشتعلتْ. ولذلك قالوا: السَّجيرُ: وهو الذي يُسجَرُ في مودَّةِ خليله أي يخترقُ في مودَّته. س چ ل: قوله تعالى: ﴿حجارةٌ من سجيلٍ﴾ [هود: ٨٢] أي طينٌ وحجرٌ مختلطان؛ قيلَ: وهو فارسيِّ عُرْبَ وأصله ... (٥) قيل. وقد بيَّن ذلك بقوله في قصة لوطٍ: ﴿ حجارةً من طينٍ مُسِوَّمَةٌ﴾ [الذاريات: ٢٣ و٢٤] وقوله: ﴿كطيِّ السِّجُلِّ (٦) للكُتُبِ﴾ : (١) البيت في ديوانه ١٧٩ ضمن (شعراء إِسلاميون) والوساطة ٤٢١ والحماسة البصرية ١ / ٦١. (٢) عجز بيت للأسود بن يعفر في المفضليات ٢١٨ وصدره: (من خمر ذي نطفٍ أغنّ مُنَطُّقٍ). (٣) البيت للنمر بن تولب في ديوانه ٣٨٠ (شعراء إِسلاميون) واللسان والتاج (سم) وقافيته: (والساسما) النبع: شجر تتخذ منه القسي، والساسم: قيل إنه الآبنوس. والشوحط: شجر تتخذ منه الفسي أيضاً. (٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ورويس (سجرت) الإتحاف ٤٣٤ والنشر ٣٩٨/٢. (٥) بياض في الأصل ولعله ما جاء في اللسان (سجل): ((سَنْكِ وكل) أي حجارة وطين. (٦) قرأ الحسن وعيسى (السُّجْلِ) وقرأ أبو هريرة وأبو زرعة (السَّجُلٌ) وقرأ الأعمش وطلحة وأبو السمال ( السُّجْلِ) البحر المحيط ٦ /٣٤٣، وقرئت (السُّجِلِ، السُّجُلِ) إِملاء العكبري ٧٥/٢ ١٧٥ باب السین [الأنبياء: ١٠٤]؛ قيلَ: السجلُّ: المكتوبُ فيه. والكتابُ مصدرٌ أي، كما يَطوي الرقُّ الكتبَ. وقيلَ: هو مَلكٌ يطوي كتبَ بني آدمَ ويحفظها. وقيلَ: هو اسمُ كاتبٍ من كُتّابه عليه الصلاة والسلام. وقيل: هوحجرٌ كان يكتبُ فيه، ثم سُمِّي كلٌّ مايُكتب فيه سجلاً(١). والسَّجْلُ: الدلُو العظيمةُ وسَجَلْتُ الماءَ أي صببتُه فانْسجَل. ومن ثَمُّ استُغيرَ للإِعطاء؛ قالوا: أسجلتُه أي أعطيته. والإِسجالُ أيضاً: الإرسالُ. وسجَّل الكتابَ أي أثبتَه وحقَّقه والمُساجلةُ: المُساقاةُ بالسَّجْل. ويُعبَّر به عن المباراة والمفاضلة؛ قالَ الشاعر: [ من الرمل] ٦٩٩ - مَن يُساجلني يُساجلْ ماجداً(٢) س ج ن: ﴿ربِّ السِّجْنُ أُحبُّ إِليَّ﴾ [يوسف: ٣٣] السِّجنُ: موضعُ الحبس. وقُرئ قوله تعالى: ﴿السّجن﴾ بالكسر على أنه مكانُ الحبس، وبالفتح على أنه نفسُ الحبس(٢). قولُه تعالى: ﴿لَفي سِجْيْنٍ﴾ [المطففين: ٧] هو فعِيلٌ من السّجن. قيلَ: هو حجرٌ تحتَ الأرضِ السابعةِ مكتوبٌ فيه عملُ الأشقياء، كما أنَّ مقابلَه وهو علّيُّون مكانُ كتبٍ الأبرارِ. وقيل: هو اسمٌ لنارٍ جهنّمَ، وزيدَ لفظُه تَنبيهاً على زيادةٍ معناهُ. وقيلَ: إِنَّ كلَّ شيءٍ ذكرَه اللهُ بقوله: ﴿وما أدراك﴾ [الحاقة: ٣] فسّره، وكل ماذكره بقوله: ﴿ومايُدْريك﴾ [الأحزاب: ٣٣] تركه مُبهماً. وفي هذا الموضع ذكرَ: ﴿وما أدراك ماسِجْينٌ﴾ [المطففين: ٨] وكذا قوله: ﴿وما أدراك ما علُّّون﴾ [المطففين: ١٩] ثم فسر ﴿الكتابُ﴾ (٤) لا السجّين ولا العلّيِّين. (١) وردت الأقوال السابقة فى تفسير ابن كثير ٢٠٩/٣. (٢) صدر بيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب في الحماسة البصرية ١ / ١٨٥ وأمالي القالي ٦٨/٢ واللسان (سجل). وعجز البيت: (يملا الدلو إلى عقد الكرب) (٣) قرأ يعقوب وعثمان وزيد بن علي (رب السِّجْنُ) وقرأ الباقون بكسر السين. النشر ٢٩٥/٢ والإتحاف ٢٦٤. (٤) يريد ما جاء في قوله ( كتاب مرقوم يشهده المقربون) [المطففين: ٢٠ - ٢١]. ١٧٦ باب السین س ج ر : قولُه تعالى: ﴿والليلِ إِذا سَجَا﴾ [الضحى: ٢] أي سَكن، وهو إِشارةٌ إِلى ماقيلَ: هَدأتِ الأرجلُ، وعينٌ ساجيةٌ أي فاترةُ النظرِ، وسَجا البحرُ سَجواً: سكنتْ أمواجُه. ومنه استُغيرَ: تَسجيةُ الميت أي تغطيتُه. وقال الشاعرُ: [ من الرجز] ٧٠٠ - يا حبذا القمراءُ والليلُ الساجْ (١) فصل السين والحاء س ح ب : قولُه تعالى: ﴿يومَ يُسْحبون(٢) في النار على وجوههم﴾ [القمر: ٤٨]. السحبُ: الجرُّ ومنه سحبَ ذيله، وسحبتُهُ على وجههِ. وسُمي السحابُ سحاباً، إِما لجرِّه الماءَ أو لجرِّ الرياح له أو لانجراره في ممرّه. وفلانٌ يَتَسحَّبُ على فلانٍ، کقولهم: ینجُّر عليه، وذلك إِذا تجرّاً عليه. والسحابُ: الغيمُ سواءٌ كان فيه ماءٌ أو لم يكنْ. ولذلك قيلَ: سحابٌ جَهامٌ. وقد يذكرُ السحابُ، ويرادُ به الظِّلُّ والظُّلمةُ على طريقِ التشبيهِ، كقوله تعالى: ﴿أو كظلمات في بحرٍ أُجِّيِّ يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقهِ سحابٌ(٣) ظُلماتٌ بعضها فوقَ بِعضٍ﴾ [ النور: ٤٠ ] سح ت: قوله تعالى: ﴿أكّالونَ للسَّجْتِ﴾(٤) السُّحْتُ: الحرامُ، وما لا يحلُّ تناولُهُ ، لأنه يُسْحتُ صاحَبه أي يذهبُ بدينه ومروءته. وأشارَ بذلك إِلى الرُّشا التي كان الأحبارُ يأخذونها ليحكموا لسلفهم وملوكهم بما يَهْوَونه. وأصلُ السُّحْتِ قَشرُ الشيءِ باستئصال. (١) رجز الحارثي في اللسان (سجا) والقرطبي ٢٠ /٩١ وبعده: (وطرقٌ مثل ملاء النسّاج). (٢) قرأ ابن مسعود (يسحبون إِلى) إِعراب النحاس ٢٩٧/٣. (٣) قرأ ابن كثير والبزي وابن محيصن (سحابُ ظلماتٍ) وقرأ قنبل (سحابٌ ظلماتٍ) الإتحاف ٣٢٥، وقرأ ابن كثير (سحاب ظلمات) تفسير الرازي ٢٤ /٩. (٤) قرأ نافع وزيد بن علي (للسُّحْتِ وقرأ عبيد بن عمير (للسحْتْ) وقرئت (للسَّحَت) البحر المحيط ٤٨٩/٣. ١٧٧ باب السین قال تعالى ﴿فُيسحتكم بعذابٍ﴾ [طه: ٦١] قرئَّ بضمِّ الياءِ من أَسْحَتَه، وبفتحها من سَحتَهُ(١)، أي يُهلككم هلاكَ استئصالٍ . فالسُّحتُ: ما يُلزم صاحَبه العارَ ، كأنه يقشُرُ دينه ومروءته . وقال الفرزدقُ: [ من الطويل] من المالِ إِلا مُسْحِتاً أو مُجَلّفُ(٢) ١٠٧- وعَضُّ زمانٍ يا بن مروانَ لم يَدَعْ وقيلَ: سُمي سُحتاً لأنه يُذْهبُ البركةَ . وقيل : هو الذي لا خيرَ فيه . وعندي أن هذه اختلافاتٌ في العبارةِ والمعنى واحدٌ . وفي الحديث: ((لحمٌ نَبَتَ من سُحتٍ ، النارُ أولى به)»(٣) وقولُه: «کسْبُ الحجّامِ سُحْتٌ﴾(٤) يريدُ أنه يسحتُ المروءةَ لا الدِّينَ، ولذلك أذن له عليه الصلاةُ والسلامُ في إِعلافهِ الناضحَ وإطعامهِ الأرقاءَ (٥). ولو كانَ محظوراً لم يأذن فيه بوجهٍ . س ح ر : قوله تعالى: ﴿يعلِّمون الناسَ السُحرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] السِّحرُ على أضربٍ : ضربٍ بخداعٍ وتخييلات لا حقيقةً لها ، كما يفعلُه تعضُ المشعبذةِ من صرفِ الأبصارِ عن حقائقِ الأشياءِ كخفَّةٍ يدٍ وسرعة صناعةٍ . قيلَ ومنه سَحرةُ فرعون إِذْ جاءَ في التفسيرِ أنهم جعلوا تحت العصيِّ والحبال زئبقاً يمشِيها. وعليه قولُه تعالى: ﴿سحروا أعينَ الناسِ وأُستَرْهَبوهم﴾ [الأعراف: ١١٦] ولذلك قال: ﴿يُخيِّلُ إِليه من سحرهم أنها تَسعى﴾ [طه: ٦٦] وضربٍ باستجلاب معاونة الشياطين بأعمال يفعلونَها يتقرَّبون بها إِلى الشياطين. وعليه قوله تعالى: ﴿هل أُنْبِّئُكُمُ على مَن تَتَزَّلُ الشياطينُ تَنَزَّلُ على كلِّ أَقَّاكِ (١) قرأها بضم الياء حفص وحمزة والكسائي ورويس وخلف، وقرأها بفتح الياء ابن كثير ونافع وعاصم وشعبة ورويس ويعقوب الإتحاف ٣٠٤ والسبعة ٤١٩. (٢) ديوانه ٥٥٦ . (٣) كشف الخفاء ٢ / ١٢١. (٤) في مسند أحمد ٣٦٤/٣(( كسب الحجام خبيث) راجع كشف الخفاء ١١٠/٢. (٥) عن ابن محيصه أحد بني حارثة عن أبيه أنه استأذن رسول الله تَّه في إجارة الحجام فنهاه. فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: ((اعلفه ناضحك، أو أطعمه رقيقك)) الترمذي ١٢٧٧ وابن ماجه ٢١٦٦ وانظر شرح السنة ١٩/٨. ١٧٨ باب السین أثيم﴾ الآية [الشعراء: ٢٢١-٢٢٢]. وضرب يذهبُ إِليه بعضُ الأغتامِ ، ويزعمون أنهم. يُقُلِّبون صورَ الحيواناتِ بعضها إلى بعضٍ ، فيقلبون الإِنسانَ حماراً والحمارَ جاريةُ حسناءَ ولا يثبتُه أهلُ التحقيقِ . وقد أَتينا على تقسيمه واختلاف العلماء فيه على أتمّ كلامٍ في كتابنا ((القولِ الوحيزِ في أحكام الكتاب العزيز). وقد يستعارُ السِّحرُ للكلامِ المنَّمَقِ المزوَّقِ؛ فيقالُ : سَحرني بكلامهِ . وأُطلقَ ذلك على الكلامِ من حيثُ إِنه يغيرُ المعاني عن مقارِّها إِلى مقرِّ آخَرَ، وهو ممدوحٌ في الأشياءِ الحسنة شَرعاً ، ومذمومٌ في غيرِها . ومنه قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((إِنَّ منَ البيانِ لسحراً))(١) قيلَ: ومنه سمَّوه ساحراً، وما جاءَ به السِّجَرَ لأنه يصرفْ الناسَ في زعمهم من دينِهم إِلى دينِه بحُسنِ كلامه ، وإلا فما أبعدَه من السِّحر. وقد تُصوّر من السحرِ تارةً حسنُه نحو: ((إِنَّ منَ البيان لسحراً))، وتارةً دقةُ فعله حتى قالت الأطباءُ : الطبيعةُ ساحرةٌ والغذاءُ سحرٌ ، من حيثُ إِنه يدقُّ ويلطفُ . تأثيرهُ. وعليه قولُه تعالى: ﴿إِنما أنتَ من المُسخَّرِين﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي ممن جُعلّ له سَحَرٌ تنبيهاً أنه محتاجٌ إِلى الغذاءِ كقولِهِ: ﴿مالِ هذا الرسولِ يأكلُ الطعام﴾ [الفرقان: ٧] وقال امرؤ القيس: [من الوافر] ونُسحِرُ بالطعامِ وبالشراب (٢) ٧٠٢ - أرانا مُوضعينَ لأمرٍ غیبٍ ونبّه بذلك على أنه بشرٌ كقولهِ: ﴿إِنْ أنتم إلا بشرٌ مثلُنا﴾[إبراهيم: ١٠]. وقيلَ ممَّن جُعل له سحرٌ يَتوصَّلُ بلطفهِ إِلى ما يأتي به ويدَّعيهِ. وقولُه: ﴿ إِنْ تَتَّبعون إِلا رَجلاً مَسحْوراً﴾ [الإسراء: ٤٧] يحتملُ الوجهينِ . قيلَ: وأصلُ السِّحرِ بالكسرِ مأخوذٌ من السَّحْرِ بالفتح ، وهو طرفُ الحلقومِ والرئة. ومنه قولُ أمِّ المؤمنين عائشة رضي اللهُ عنها: (ماتَ بينَ سَخْري ونحْري))(٣) يعني النبيِّ ◌َّهُ. وقالوا: انتفَخَ سَّحْرُه للجبانِ من الخَورِ. وبعيرٌ سَحيرٌ: عظيمُ السَّحر .. والسُّحارةُ: ما يُلقَى عندَ الذَّبِحِ ويُرمَى به. وبُنيَ على فُعالةَ كبناءِ النِّقاية والسُّقاطة ، (١) أخرجه البخاري في النكاح، (٤٨) باب الخطبة، ٤٨٥١، وفي الطب، (٥٠) باب إن من البيان سحراً ومسند أحمد ١ /٤٧٠/٣،١٦/٢،٢٦٩. (٢) مطلع قصيدة في ديوانه ٩٧. (٣) أخرجه البخاري في المغازي، (٦٧) باب كتاب النبي، ٤١٨٤، - ٤١٨٥ - ٤١٨٦ ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضل عائشة ٢٤٤٣ ومسند أحمد ٦ /٤٨، ١٢٨، ٢٠٠. ١٧٩ باب السین وذلك أن السحرَ يؤثر في المسحور فيكونُ بمنزلةٍ مَن أصيبَ سَحرهُ. وقولهُ تعالى ﴿بل نحنُ قومٌ مسحورون ﴾ [ الحجر:١٥] أي مصروفون عن معرفتنا بالسِّحر . وقيلَ : معناهُ: إِنَّ منه ما يصرفُ قلوبَ السامعين إِلى قَبولِ ما يَسمعون وإِن كانَ غيرَ حقّ . وقيل : يكتسبُ به من الإِثم ما يكتسبُهُ الساحرُ سحرهِ . وعليه قولُه ((فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقٍّ أخيه فإِنَّما أقطعهُ قطعةٌ من النارِ))(١) قولُه ﴿نَجْيناهم بسَحرٍ﴾ [القمر: ٣٤]. السَّحرُ: أولُ النهار، وهو اختلاطُ الظلمةِ بضياءِ النهارِ ، وأرادَ : سحرٌ منَ الأسحارِ ، ولذلك صرفَه. أما إِذا أرادَ به من يومٍ بعينهٍ فإنه يُمنعُ من الصرفِ (٢) ، نحو: أتيتُك يومَ الجمعةِ سَحرَ . قالوا: وعليه منعَه العدلُ وأُشبه العلميةَ. وزعمَ صدرُ الأفاضل (٣) أنه مبنيٌّ كأمسٍ. ولنا فيهِ كلامٌ طويلٌ أتقنّاهُ في مواضع من تأليفنا. والسَّحَرُ: اختلاطُ ظلامٍ آخر الليلِ بضياءٍ أول النهارِ. ولقيتُه بأعلى السُّحرينِ، أي بغلسٍ. والمُسحِرُ: الخارجُ بالسَّحرِ. والسُّحورُ: المأكولُ وقتَ السَّحر. وبالضمّ: الفعلُ. ومثلُه التسخير. وفي الحديث: ((تسحَّروا فإِنَّ السُّحورَ بركةٌ))(٤) الأحسنُ قراءتُه بالضمّ، أي في فعلٍ ذلك. س ح ق: قولُه تعالى: ﴿فسُحقاً(٥)﴾ [الملك: ١١] أي بُعداً. يقالُ: أسحقه اللـهُ، أي أبعده من رحمته. وقولُه: ﴿في مكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] أي بعيدُ العمقِ. ونخلةٌ سَحوقٌ أي طويلةٌ، وذلك لبعدٍ جَنَاها على مُجتنيها. وقيلَ: السَّحقُ: التَّفتيتُ. ومنه: سحقتُ الدَّواءَ فانسحقَ. والسُّحقُ أيضاً: البلاءُ، ومنه ثوبٌ سحقٌ أي بالٍ. وأسحقَ الثوبُ أي أخلقَ. وأسحقَ الضَّرعُ: ذهبَ لبنُه، على التشبيهِ بالثوبِ البالي. وأُسحقه اللهُ أي جعلَه سَحيقاً. وسحقَه: جعلَه بالياً. ودمٌّ مُنسحقٌ ومَسحوقٌ على الاستعارةِ، كقولهم: (١) أخرجه مسلم في الأقضية ١٧١٣. (٢) المسائل العضديات، المسألة (٢١) ٥٥ - ٥٦. (٣) هو القاسم بن الحسين بن أحمد الخوارزمي (ت ٦١٧هـ / ١٢٢٠م) عالم بالعربية، ومن فقهاء الحنفية، من كتبه: شرح أبيات المفصل وهو مخطوط في مكتبة الأسد بدمشق برقم ٣٣٤٣. الا علام ٦ /٨. (٤) أخرجه البخاري في الصوم، (٢٠) باب بركة السحور ١٨٢٣ ومسلم في الصيام، باب فضل السحور ١٠٩٥. (٥) قرأ الكسائي وابن وردان وأبو جعفر (فسُحُقاً) النشر ٢١٧/٢ والسبعة ٦٤٤. ١٨٠ باب السين مَذْرورٌ. وجعل بعضُهم إِسحاقَ من هذه المادة، وهو مردودٌ بمنعه منَ الصرف(١) س ح ل: قوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الِيمُّ بالساحلِ﴾ [طه: ٣٩] أي شاطئ البحر. وهو من سَحَلَ الحديدَ أي بردَهُ وقشره، لأنَّ الماءَ يفعلُ به ذلك. قيلَ وعلى هذا فكانَ ينبغي أن تجيءَ مَسحولاً، ولكنَّه جاءَ على حد قولهم: همٌ ناصبٌ. وقيل: بل هو على بابه، لأنه تُصوْرَ منهِ أنه يسحلُ الماءَ أي يُفرِّقُه ويضيِّعُه. والسُّحالةُ: البُرادة. والسَّحيلُ: الحبل؛ قال زهير: [ من الطويل] ٧٠٣ - لعمري لَنعم السيدان وُجدتُما على كلُ حالٍ من سَحيل ومُبْرَم(٢) والسَّحْلُ: الثوبُ الأبيضُ من القطن الأبيض النقيِّ. وفي الحديث: ((أنَّه عليه الصلاة والسلام كُفّن في ثلاثة أثوابٍ سَحوليَّةٍ))(٣) ويُروى بضمِّ السينِ على أنه جمعٌ سَحْل. ويُجمعُ أيضاً على سُجُل، نقلَه الهرويُّ. وبفتحها على أنه منسوبٌ لسَحولٍ: قرية. باليمن. وفي حديث ابن عباس ((أنه افتتَحَ سورةٌ فَسَحَلها))(٤) أي قرأها، وذلك على التشبيهِ. ومنه أسحَل في خُطبتِهِ، أي قالها جمعاً. ومثلُه: يصبُّ الكلامَ صبًّا . والمسحَلُ: اللسانُ. ومنه قولُ علي كرم الله وجهه في بني أُمية: (( لا يزالون يَطْعنونَ في مِسحلٍ ضلالةٍ))(٥) وأصلُ ذلك أنَّ السُّحال: نهيقُ الحمارِ؛ مأخوذٌ مِن سَحِلَ الحديدَ. تشبيهاً لصوتهِ بصوتٍ سحلِ الحديدِ. وقيلَ للسانٍ جهيرِ الصوتِ مِسحلٌ، لِما فيه من القوة التي في نهيقِ الحمارِ، لا في الكراهة . والمِسْحَلانِ: حديدَتان تكتنفانِ اللَّجامَ. وأنشد الهرويُّ في المعنى: [من الكامل] (١) جاء في الهامش (إسحاق: أعجمي، وإِن وافق لفظ العربي؛ يقال: أسحقه الله يسحقه إسحاقاً ((معرب))). وانظر سفر السعادة ١٩. (٢) تقدم برقم ١٥٥ (ب رم) وهو من معلقته في ديوانه ٢٣. (٣) أخرجه في الجنائز، (١٨) باب الثياب البيض للكفن ١٢٠٠ وفي (٢٣) باب الكفن بغير قميص ١٢١٢ ومسلم في الجنائز، باب في كفن الميت ٩٤١ ومسند أحمد ٤٠/٦، ٩٣، ١١٨. (٤) الفائق ٥٧٤/١ والنهاية ٣٤٨/٢. (٥) الفائق ٥٧٦/١ والنهاية ٣٤٨/٢. وغريب ابن الجوزي ١ /٤٦٦ .