Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
باب الحاء
والليثُ فسَّر (( يستحيون)): يَطؤون، وجعلُه مَن يركبون حَيَاهُنَّ وهو الفرْجُ ليس بشيءٍ وفي
الحديث: ((إِنَّ اللَّهَ يَستحيي أن يعذِّبَ شَيبةٌ شابَتْ في الإِسلامِ)) (١) أي يتركُ، كما
تقدَّمَ تقريرُه، وإلا، فالحياءُ الحقيقيّ غيرُ لائقٍ بهذا المقامِ.
وحَيَّ هلاً وحَيَّهَلا وحَيُّهَلْ وحَيَّهَلَ (٢) بمعنَى أقبِلْ وعَجِّلْ وهاتٍ. وحيَّ وحدَها،
وهَلا وهَلْ وحدَها، ثم رُكِّبا وجُعلا بمنزلةٍ كلمةٍ واحدةٍ(٢). وقد تُفردُ ((حيَّ))(٤)، ومنه:
(حيَّ على الصلاةِ))(٥) أي أَقبِلُوا إِليها. وفي الحديث: ((إِذا ذُكرَ الصالحونَ فحيَّ هلا
بعمرَ))(٦). أي فعجُل بعمَر، لأنه سيدُ الصالحينَ وفيه: ((يسألُ الرجلُ عن كلِّ شيءٍ حتى
حيَّة أهله))(٧).
أي عن كلِّ حيٌّ في منزلهِ حتى الهرَّةِ، وإِنَّما أنَّثه ذهاباً بهِ إِلى النفْسِ، واللَّهُ تعالى
أُعلَمُ.
= بني إسرائيل ، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل .. فأمر فرعون بقتل كل
ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل وأن تترك البنات .. )) تفسير ابن كثير ١ / ٩٤ .
(١) كشف الخفاء ١ /٢٤٤.
(٢) حيّهلَ الصلاة: اسم انت الصلاة (سيبويه ١ /٢٤١)، ومن العرب من يقول حيهلَ إِذا وصل، وإِذا
وقف أثبت الألف حيهلا (سيبويه ٣ / ٣٠١) وإذا شئت قلت: حيهل (سيبويه ٤ /٦٣) وفي اللسان
(حياً): يقول بعض النحويين: إذا قلت حيّهلاً فنونت، قلت: حثّاً ، وإِذا قلت حيهلا فسكون فكانك
قلت : الحث .
(٣) زعم أبو الخطاب أنه سمع من يقول: حَيْ هَلَ الصلاة ( سيبويه ٣٠٠/٣)).
(٤) وتكون بمعنى هلمّ وأقبل، وهلا: حث واستعجال انظر اللسان ( حيا).
(٥) النهاية ١ / ٤٧٢ ((أي هلموا وأقبلوا وتعالوا مسرعين).
(٦) غريب ابن الجوزي ٢٥٨/١ والنهاية ٤٧٢/١ وهو حديث ابن مسعود .
(٧) غريب ابن الجوزي ٢٥٨/١ والنهاية ١ /٤٧٢ وهو حديث ابن عمير.

٤٨٢
باب الخاء
فصل الخاء والباء
خ بأ:
قولُه تعالى: ﴿يُخرِجُ الخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥] الخَبءُ: كلٌّ غائبٍ، وقيلَ: كلٌّ
مُدَّخرٍ مستورٍ، وقيلَ: المرادُ البسرُّ، وقيلَ: لَخَبءُ السماءِ المطرُ، وخَبِءُ الأرضِ النباتُ. وفي
الحديث: ((ابْتَغُوا الرِّزْقَ من خَبءِ الأرضِ))(١) أي بإِثارتها للحرثِ والزراعة. وعن
الزهريِّ: قالَ لي عروةُ بنُ الزبيرِ رضيَ اللَّهُ عنه: ازرعْ، فإِن العربَ كانتِ تَتمثَّلُ بهذا البيت:
[ من الطويل]
٤١٦ - تَتَّعْ خَبايا الأرضِ وادْعُ مَليكَها
لعلَّكَ يوماً أن تجَابَ وتُرزقًا(٢)
وجاريةٌ مُخْبأةً: أي مُخدِّرَةٌ، وخُبَأَةٌ: أي تَخْبأُ مرةٌ وتَظهرُ أُخرى. والخباءُ: البيتُ
: لأنّه تُخبأُ فيهِ الحرُمُ. والخباءُ: سِمةُ موضعٍ خفيٌّ.
خ بت:
قوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] الإخباتُ: الاطمئنانُ، وأصلُه مِنَ
الخَبْتِ وهوَ المكانُ المنخفضُ منَ الأرضِ كالغائطِ، وَمنهُ قوله: [ من الوافر]
٤١٧ - أفاطمُ لو شهدت ببطن خَبت
وقد قيل الهزبر أخاك بشراً(٣)
وقولُه: ﴿وَأَخَبِّتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣] أي اطمأنُّوا وَسَكنتْ نُفِوَسُهم إِليهِ،
ومنهُ: ﴿فَتُخْبِتَ لِه قلوبُهم﴾ [الحج: ٥٤] ويُعبِّرُ بذلكَ عن اللّينِ والتواضُعِ، ومنهُ:
(١) في الفائق ٣٢٥/١ وغريب ابن الجوزي ٢٥٩/١ والنهاية ٣/٢ (خبايا الأرض)
(٢) البيت في النهاية ٣/٢ واللسان (خبأ) مع قول عروة بن الزبير .
(٣) البيت لبشر بن عوانة في أمالي ابن الشجري ٢ /١٩٢ والدر المصون ٣٠٦/٦.

٤٨٣
باب الخاء
﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] أي المُتواضعينَ، وأصلُه من أخبتَ الرجلُ: إِذا أَتى
الخبْتَ أو قَصَده، وهو المكانُ المنخفضُ كما تقدَّمَ.
غبث:
الخَبثُ والخبيثُ: ما يُكرهُ رَداءةُ وخساسَةً، وأصلُه الرديءِ الدَّخْلةِ، الجاري مَجرى
خَبَثِ الحديدِ، وعليهِ قولُ الشاعرِ: [من الوافر]
٤١٨ - سَبِكناهُ ونحسبُهُ لُجيئاً
فأبدی الکیرُ عن خَبثِ الحديد(١)
والخّبثُ يكونُ في المعقولاتِ كما يكونُ في المحسوساتِ، وبذلك يتناولُ الباطلَ
في الاعتقادِ، والكذبَ في المقالِ، والقبيحَ في الفِعالِ. ثمَّ فسّره المفسرون بحسب
خُصوصِ الأماكنِ مع صدقهِ عليها كما تقدَّم في نظائرهِ.
قوله تعالى: ﴿كشجرةٍ خَبِيثةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]. فالكلمةُ الخبيثةُ كلمةُ الكفرِ، كما
أنَّ الكلمةَ الطيبةَ كلمةُ التوحيدِ. والشجرةُ الخبيثةُ قالَ ابنُ عباس: هي الحنظلةُ(٢). وقيلَ:
هيَ الخبوثُ(٣). والأحسنُ أنها كلٌّ نباتٍ مكروهٍ مُستَرْداً من جميعِ الشجرِ(٤).
قولُه: ﴿الخبيثاتُ للخبيثين﴾ [النور: ٢٦] قيلَ: الكلماتُ الخبيثاتُ للرجالِ
الخبيثينَ المُحبينَ شَيَاعَ الفاحشة في الذين آمنوا. وقيلَ: النساءُ الخبيثاتُ للرجالِ الخبيثين،
كالزّانيات للزَّواني. وقيلَ: الأفعالُ الخبيثاتُ للفاعلينَ الخبيثينَ(٥).
قولُه: ﴿كانتْ تعملُ الخبائثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] أي إتيانُ الرجالِ، كما صرَّحَ بهِ في
غيرِ موضعٍ. قولُه: ﴿ويحرِّمُ عليهم الخَبائثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أي الأشياءَ النَّجسةَ
المُستقذرةَ، كالدمِ والمَيْتَّةِ ولحم الخنزيرِ.
(١) البيت في التمثيل والمحاضرة ٢٨٨ والبصائر ٥٢٢/٢ دون نسبة.
(٢) نسب القول في تفسير ابن كثير ٥٥٠/٢ إلى أنس بن مالك، وفي التفسير نفسه (هذا مثل الكافر
لاأصل له ولاثبات، مشبه بشجرة الحنظل ويقال لها الشريان».
(٣) في التاج واللسان ( خبث): هي الكشوث ، وهي عروق صفر تلصق بالشجر .
(٤) في المفردات ٢٧٣ ((إِشارة إِلى كل كلمة قبيحة من كفر وكذب ونميمة وغير ذلك)).
(٥) الأقوال الثلاثة لابن عباس، والآية نزلت في عائشة وأهل الإفك. انظر تفسير ابن كثير ٢٨٨/٣ -
٢٨٩ .

٤٨٤
باب الخاء
قولُه: ﴿ليميزَ اللَّهُ الْخبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧ ]أي العمل الفاسدَ منَ
الصالحِ، وقيلَ: الكافرَ منَ المؤمنِ بدليلٍ قولهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ ليذَرَ المؤمنينَ على ما أُنْتُم
عليه حتى يَمِيزَ الخبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. قوله: ﴿وَلا تَتَبَدِّلُوا
الخبيثَ بالطيب﴾ [النساء: ٢] أي الحرامَ بالحلال، وكانوا يأخذونَ الأجودَ من مالَ
اليتيمِ، ويَجعلونَ مكانَه الأردأْ كالسَّمينِ والهزيلِ.
قولُه: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخبيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي رديءَ الثمرِ، وكانوا يأتونَ
بالعثاكيلِ الحُشُفِ فيعلّقُونَها في سَوارِي المسجد يأكلُ منها الفقراءُ، فنُهوا عن ذلك.
وقريبٌ منه: ﴿وَيَجْعلون للهِ ما يَكرهونَ﴾ [النحل: ٦٢].
والخُبثُ والخبثة: الزِّنا. وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((أعذَ بكَ من الخُبُث
والخبائثِ(١))) رواه أبو بكرٍ بسكونِ الباءِ وفَسَّره بالكفرِ. وأبو الهيثم بضمُّها وفسّره بأنه
جمعُ خَبِيثٍ وهمُ ذكرانُ الشياطين. والخبائثُ: جمعُ خَبيثةٍ وهي إِناثها. و(( مَنْ أَكلَ هاتينٍ
الخَبِيثتين)»(٢) سَمّاهُما بذلكَ لكونِهِما مَكروهَي الطعمِ والريحِ. وفيهِ: ((أعوذُ بكَ منَ
الخَبِيثِ المُخبثِ))(٣). فالخبيثُ: ذو الخُبثِ في نفسهِ، والمُخبِثُ: مَن له أعوانٌ خُبثاءُ
يَتَقوَّى بهم، نحوُ قُويٍّ ومُقْرٍ، فالقَويُّ في نفسه، والمُقْوي: مَن كانت دابته قوية. وقيلَ:
المُخبِثُ: مَن يُعلِّم الناسَ الخُبِثَ، وقيلَ: مَن يَنسبُ الناسَ إِلى الخُبثِ، وأنشدَّ للكميتِ:
[ من الطويل]
وطائفةٌ قالوا : مسيءٌ ومُذنبُ(٤)
٤١٩ - وطائفةٌ قد أكفروني بحبكم
أي نَسبوني للكُفْرِ. وفيه: «لايُصلِّين وهو يُدافعُ الأخبثينِ (٥) )) أي الغائط والبول.
(١) أخرجه البخاري في الوضوء ١٤٢ ومسلم في الحيض ٣٧٥ ومسند أحمد ٩٩/٣، ٣٦٩/٤ وانظر
الفائق ٣٢٣/١ وغريب ابن الجوزي ٢٦٠/١ والنهاية ٦/٢.
(٢) في النهاية ٢ / ٥ وغريب ابن الجوزي ١/ ٢٦٠ ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة)) يعني الثوم
والبصل.
(٣) أخرجه ابن ماجه في الطهارة برقم ٢٩٩ (ص ١٠٩) وانظر النهاية ٢ /٦ وغريب ابن الجوزي
٢٦١/١.
(٤) البيت في اللسان والتاج ( خبث) .
(٥) أخرجه مسلم في المساجد برقم ٦٧ (ص ٣٩٣) ومسند أحمد ٤٣/٦، ٥٤ والنهاية ٦/٢
وغريب ابن الجوزي ٢٦١/١ .

٤٨٥
باب الخاء
خب ر:
قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١٣]. الخبيرُ في صفاته تعالى بمعنى
العالِم ببواطنِ الأُمورِ وظواهرِها وبما كانَ منها وما يكونُ، والعالِم بأخبارِ مخلوقاته لا يَعزُبُ
عنه مثقالُ ذرَّةٍ فِي السماواتِ والأرضِ. وقيل: هي بمعنى مُخبرٍ كقولهِ: ﴿قد نبَّأَنَا اللَّهُ من
أخباركُم﴾ [التوبة: ٩٤]، وقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُم بما كنتُم تَعملون﴾ [المائدة: ١٠٥]،
وقولهِ: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ العليمُ الخبيرُ﴾ [التحريم: ٣] وأصلُه من الخيرِ وهو العلمُ بالمعلومات
من جهة الخبْر. ويقالُ: من أينَ خبرتَ هذا؟ وخَبَرَتُه: بَلَوْتُه خَبْراً وخُبرةُ. قالَ: ﴿وكيفَ
تَصبِرُ على ما لم تُحِطْ بهِ خُبْرً(١)﴾ [الكهف: ٦٨] قال: الخُبْرةُ: العلمُ ببواطنِ الأُمورِ.
والخَّبَارُ: الأرضُ اللينَةُ، والمُخابرةُ من ذلك، وهي مُزارعةِ الخَّارِ أي الأرضِ بشيءٍ معلومٍ.
والخبيرُ: الأكّارُ؛ فكان ابنِ الأعرابيّ يقول(٢): أصلُ المخابرة من خَيبر لأنه عليه الصلاةُ
والسلامُ كانَ أقرَّها في يدِ أهلِها على النِّصف، فقيلَ: خابرهم أي عامَلَهم في خيبر.
والظاهرُ الأولُ. والمخابرةِ المنهيُّ عنها (٣) أن يكوَنَ البذرُ من العاملِ. والمزارعةُ أن يكونَ
البذرُ من المالكِ، وكلاهما مَنْهِيٌّ عنه، إِلا المزارعةَ حينَ بياضَ النخل بشرطها .
والخُبْرُ: المزادةُ الصغيرةُ. وشُبُهتْ بها الناقَةُ فسُميتْ خُبراً. والخُبرةُ: النَّصيبُ. قال
عروةُ بنُ الورد: [ من الطويل]
٤٢٠ - إِذا ما جَعَلتَ الشَّاةَ للناسِ خُبرةً
فشأنَكَ إِني ذاهبٌ لشؤوني(٤)
قولُه: ﴿فاسألْ به خَبيراً﴾ [الفرقان: ٥٩] أي سَلْ عنه عالماً. والخبير: النباتُ،
وهو أيضاً الوبرُ. وفي الحديث: ((نَستخلب الخبيرَ))(٥) أي نجزُّ النباتَ بالمخلب، وهو
المنجلُ من غيرِ أسنانٍ تشبيهاً بمخلبِ الطائرِ صورةٌ.
(١) قرأ الحسن وابن هرمز (خُبُرا) الإتحاف ٢٩٢.
(٢) ورد قوله في غريب ابن الجوزي ٢٦١/٢، وورد قوله في اللسان والتاج (خبر) والنهاية ٧/٢ دون
ذكر اسمه، وانظر معجم البلدان ( خيبر: ٢ /٤٠٩ - ٤١١).
(٣) أخرج البخاري في المساقاة ٢٢٥٢ ((نهى النبي عليه عن المخابرة والمحاقلة .. )) ومسلم في البيوع
١٥٣٦ ومسند أحمد ١٨٧/٥ .
(٤) لم يرد البيت في ديوانه وهو في المقاييس ٢٤٠/٢ دون نسبة.
(٥) الفائق ٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٦٢/١ والنهاية ٧/٢ وهو حديث طهفة.

٤٨٦
باب الخاء
خ ب ز:
قولُه تعالى: ﴿خُبْزاً﴾(١) [يوسف: ٣٦]. الخبزُ معروفٌ، وهو ما يُخَبِزُ منَ
العجينِ. والخُبزةُ: ما يُجْعلُ في الملّةِ. يقالُ: أُطعمنا خبزَ المَلَّة، والخَبزُ اتخاذُه.
واخْتَبزتُ: أمرتُ. والخبازةُ: صنعتُه. وقد استُغيرَ الخَبرُ للسَّوقِ الشديد تشبيهاً بهيئة
السائق بالخبزِ.
غ بط:
قولُه تعالى: ﴿إِلا كما يقومُ الذِي يَتَخَّطُهُ الشيطانُ مِنَ المَسُ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي
يصرعُهُ ويضربه، من خبطِ البعيرِ بيدهِ الأرضَ. والخَبطُ باليدينِ، والرَّمحُ بالرُّجلينِ،
والزّبْنُ (٢) بالرُّكْبَتِينِ، والخبطُ: الضربُ على غيرِ استواءٍ كخبطِ البعيرِ. وخَبْطَ عشواءَ: عبارةٌ
عن الإقدام على الأُمورِ من غير تفكّرٍ في عواقِها. قالَ زهيرُ بنُ أبي سُلمى : [من الطويل]
٤٢١ - رأيتُ المنايا خَبْطَ عَشواءَ مَن تُصِبْ
تُمِنْهُ، ومَن تخطئْ يُعمِّرْ فَيَهْرَمِ(٢).
ومرً محکول(٤) برجلٍ نائم بعد العصرِ فرکضه برجله وقال: لقد دُفعَ عنك، إِها.
ساعةُ مَخْرجِهم - يعني الجنَّ - وفيها ينتشرونَ، وفيها تكونُ الخَبْتَةُ. قالَ شمر: كان في
لسانه لكنةٌ، وإنّما أرادَ الخبطةً(٥).
وخبطَ السَّمُرَ أي ضربَه بعصاً ليقعَ ورقُه، وعُبِّر بالخبطِ عن عُسْفِ السُّلطانِ فَقيلَ:
سلطانٌ خَيوطٌ. واختباط المعروف: تعسُّفٌ بطلبه تشبيهاً بخبط الورق. قالَ علقمةُ: [من
الطويل]
فحقَّ لشأسٍ مِن نَداكَ ذَنوبُ(٦)
٤٢٢ - وفي كلِّ حي قد خَبطت بنعمةٍ
(١) قرأ ابن مسعود (ثريداً) البحر المحيط ٣٠٨/٥ .
(٢) الزين: الدفع ، ومنه : الزبانية. اللسان (زين) .
(٣) ديوانه ٣٤. وتقدم البيت برقم ٣٣.
(٤) مكحول بن أبي مسلم أبو عبد الله الهذلي بالولاء (١١٢ هـ) فقيه الشام في عصره، لم يكن بزمنه
أبصر منه بالفتيا، وكان في لسانه عجمة انظر الاعلام ٢١٢/٨.
(٥) خبر مکحول في غريب ابن الجوزي ٢٦٢/١ والنهاية ٤/٢.
(٦) ديوانه ٤٨. الذنوب: الدلو، ضربها مثلاً للنصيب والحظ .

٤٨٧
باب الحاء
وكان شأسٌ أخوهُ مأسوراً، فلما سمعَه قالَ: نعم وأَذنبَةٌ. فقوله: ﴿الذي يتخبَّطه
الشيطانُ منَ المسِّ﴾ قالَ الراغبُ (١): يصحُّ أن يكونَ مِن خبطِ الشجرِ، وأن يكونَ منَ
الاختباط الذي هو طلبُ المعروفِ، انتهى. وليس للثاني معنىٌ لائقٌ بذلك. وقالَ عليه
الصلاةُ والسلامُ: ((اللَّهُمّ أعوذُ بك أن يَتَخَبَّطني الشيطانُ منَ المسِّ))(٢).
خ ب ل:
قولُه تعالى: ﴿لا يألونَكم خَبالاً﴾ [آل عمران: ١١٨]. الخّبالُ: الفسادُ الذي
يلحقُ الإنسانَ فيورتُه اضطرابًاً يُشبهُ الجنونَ، وهو أيضاً المرضُ المؤثِّرُ في الفكرِ والعقلِ.
يقالُ: خَبَلٌ وَخَبْلٌ وخَبالٌ. وخَبله فهو خابلٌ ومخبولٌ، وخيَّله فهو مُخبَّلٌ ومُخْبَلٌ. ومنه
قولُ زهيرٍ: [ من الطويل]
٤٢٣ - هنالكَ، إِنْ يُستَخْلُوا المالَ يُخْلوا
وإِنْ يُسألوا يُعْطُوا، وإِن يَيسِروا يُغْلوا (٤)
أي إِن يُسألوا إِفسادَ إِبلهم في نحرِها وأموالهم في المغارمِ أجابوا لذلك. وفي
الحديث: ((مَن أُصيبَ بذمٍ أو خَبْلٍ))(٥) أي بجُرحٍ يفسدُ العضوَ. والخَبلُ: فسادُ
الأعضاء، و((مَن شربَ الخمرَ سقاهُ اللَّهُ من طينةِ الخَبالِ)) قيلَ: هيَ عصارةُ أهل النارِ .
قال: أوسُ بنُ حجرٍ : [من الطويل]
٤٢٤ - تَبَدَّلَ حالاً بعدَ حالٍ عَهِدتُهُ
وأُخبلَ في عقلهِ أي أصيبَ بخبَلٍ.
تَنَاوَحَ جِئَّانٌ بِهِنَّ وَخُبْلُ(٦)
قولُه تعالى: ﴿كلَّما خَبتْ﴾ [الإسراء: ٩٧] سكنَ لهيبُها. يقالُ: خَبتِ النارُ أي
خ ب و:
(١) المفردات ٢٧٤ .
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة ١٥٥٢ ومسند أحمد ٣٥٦/٢ والنهاية ٨/٢.
(٣) ديوانه ٩٣، وفيه ((يغلوا: يأخذون سمان الجُزُر، ولا ينحرون إِلا غاليهُ. وييسروا من الميسر)).
(٤) غريب ابن الجوزي ١١ /٢٦٣ والنهاية ٢ /٨ والفائق ٣٢٤/١.
(٥) أخرجه مسلم في الأشربة ٢٠٠٢ والترمذي ١٨٦٣ وابن ماجه ٣٣٧٧ ومسند أحمد ٣٥/٢
والفائق ١ / ٣٢٨ وغريب ابن الجوزي ٢٦٣/١ والنهاية ٨/٢.
(٦) ديوانه ٩٤ .

٤٨٨
باب الخاء
انطفأُ لهيبُها وسكنَ حرُّها كأنّما تُصوِّرَ عليها خباءً يستُرها من رمادٍ ويغشِّيها. ومُرادُ الآية
أنَّ عذابَهم لا ينقطعُ ولا يخفَّفُ، وإِنْ تُصوِّرَ في نارِهم خبْوٌ زِيدتْ سَعيراً وإِيقاداً لقوله في
موضعٍ آخر ﴿لا يُفتّرُ عنهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥]: لا يخفُّف عنهم. وإذا سكنَ لهبُ النارِ
وهي حيةٌ قيلَ: خبت وباختْ وخَمدتْ، فإِذا بَطلتْ قيلَ: هَمدتْ، مِن همدَّ الإِنسانُ أي
سكنتْ حركاتُه. وخّبا المصباحُ يَخْبو: قلَّ ضوؤهُ. قال: [من الخفيف]
٤٢٥ - وسطُه كاليراعٍ أو سُرجُ المجـ.
دلٍ يخبو طَوراً وطوراً يُنِيرُ(١)
فصل الخاء والتاء
خت ر:
قولُه تعالى: ﴿كلُّ خَتَّارِ﴾ [لقمان: ٣٢]. الختّارُ: الغدّارُ، والخَتْرُ في الأصل:
الفسادُ في الغدرِ وغيرهِ، قالَه ابنُ عرفةَ. ختَّره الشرابُ: أفسدَ نفسَه. وقالَ
الراغبُ (٢): الخَتْرُ: الغدرُ يخَتِرُ فيه الإِنسانُ أي يَضعفُ ويسكُرُ لاجتهاده فيه. وقالَ
الأزهريُّ: الختْرُ: أقبحُ الغدرِ؛ فهو أخصُّ منه. فكلُّ خَتْرٍ غَدْرٌ من غيرِ عكسٍ.
ختم:
قولُه تعالى: ﴿وَخَاتَّمَ (٢) النَّبِيِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] قُرئً بفتح التاءِ وكسرِها في
السبعِ. فمعنى الكسر أنه ختُمَ مَن تقدُّمَه منَ الأنبياءِ والمرسلينَ. وقد شُرحَ هذا بقولهِ عليه
الصلاة والسلام: ((لانبيَّ بعدي))(٤). ولما استقرَّ لَهُ هذا الوصفُ قالَ فيه الشاعرُ: [من
الكامل ]
٤٢٦ - يا خاتمَ النُّبَآءِ إِنك مُرسلٌ (٥)
(١) البيت لعدي بن زيد في ديوانه ٨٥ واللسان والتاج ( وسط).
(٢) المفردات ٢٧٤ .
(٣) قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وابن كثير ونافع وخلف ويعقوب والأعمش وأبو جعفر (وخاتِمَ)
وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة (وخاتَمَ)
وقرأ ابن مسعود (خَتَمَ) وقرثت (خاتام، ختام) التبيان ٨/ ٣١١ والكشاف ٣٦٤/٣ - ٣٦٥
والقرطبي ١٩٧/٤
(٤) أخرجه البخاري في الانبياء ٣٢٦٨ وفي المغازي ٤١٥٤ ومسلم في الإمارة ١٨٤٢
وفي فضائل الصحابة ٢٤٠٤ .
(٥) صدر بيت العباس بن مرداس وعجزه: (بالحق كلّ هُدَى السبيل هداكا )
والبيت في ديوانه ١٢٢ واللسان (نبأ) والنهاية ٤/٥.
----

٤٨٩
باب الخاء
ومعنى المفتوحِ أنه جُعلَ كالشيءِ الذي يُختمُ به كالطابعِ والقالبِ، أي لما يُطبعُ به
ويُقلبُ فيه. والمعنى أن اللَّهَ تعالى ختمَ به الأنبياء والمرسلين كما يُختمُ بالخاتمِ الذي هو
آلةُّ الختمِ. فالمكسورُ اسمُ فاعلٍ، والمفتوحُ اسمُ الآلة.
قولُه: ﴿ختامُهُ مِسِكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] أي يوجَدُ في آخرهِ طعمُ المسكِ
ورائحتُه. وعن مجاهد: مزاجُه مسكٌ. وقال علقمةُ: خلطُّه. وقال ابنُ مسعود: عاقبتُه
مسكٌ. وقُرئ (خاتِمهُ))(١) في السبعِ أي سُؤْرُهُ مطيبٌ بالمسكِ. قالَ الراغبُ (٢): وَقَولُ مَن
قالَ: يُختمُ بالمسكِ(٣) أي يُطبعُ فليسَ بشيءٍ لأنَّ الشرابَ يجبُ أن يَطيبَ في نفسِهِ. فأمّا
ختمُهُ بالطيب فليسَ ممّا يفيدُه ولا ينفعُه طيبُ خاتمَهِ ما لم يَطبْ في نفسه، وفيه نظرٌ لأنه
يجوزُ أن يجمعُ بينَ الوصفينِ.
وفي الخاتمٍ أربعُ لغاتٍ: خاتَم، خاتِم، خاتام، خيتام(٤).
قولُه: ﴿خَتَّمَ اللَّهُ على قلوبِهِم﴾ [البقرة: ٧] أي طبعَ. ومعنى الخَتْمِ: التَّغطيةُ على
الشيءٍ والاستيثاقُ منه حتى لا يدخلَه شيءٌ. والمعنَى أنها لا تعقلُ ولا تَعي خَيراً. والخَتْمُ
والطّبْعُ يقالان على وجهينٍ(*): أحدُهما أنهما مصدرانٍ لخَتَمَ وطَبَعَ، وهو تأثيرُ الشيءٍ
كنقشِ الخاتمِ والطابع. والثاني الأثرُ الحاصلُ على الشيءٍ (٦)، ثم إِنّه يُتجوَّزُ بذلك تارةً عنٍ
الاستيثاقِ منَ الشيءٍ والمنعِ منه اعتباراً بما يحصُلُ منَ المنعِ بالختم على الكتبِ والأبوابِ،
نحو قولِهِ: ﴿خَتَمَ اللّهُ على قلوبِهِم﴾. وتارةً عن تحصيلٍ أثرٍ شيءٍ اعتباراً بالنقشِ
الحاصلِ. وتارةً يُعتبرُ منه بلوغُ الأمرِ، ومنه: ختمتُ القرآنَ، أي بلغتُ آخرَه.
(١) قرأ الكسائي وعلي والنخعي والسلمي والضحاك وزيد بن علي وأبو حيوة وابن أبي عبلة (خاتّمَهُ)
البحر المحيط ٤٤٢/٨ والقرطبي ١٩ / ٢٦٥، وقرأ الكسائي والضحاك وعيسى وأحمد بن جبير
( خاتمه) البحر المحيط ٤٤٢/٨ والكشاف ٢٣٣/٤.
(٢) المفردات ٢٧٥ .
(٣) هو قول قتادة والضحاك. انظر تفسير ابن كثير ٤ /٥١٩.
(٤) في الأشباه والنظائر ١٢٩ ((يقال خاتم ، بكسر التاء وفتحها، وخاتام وختام ، وهو في القرآن على
أربعة أوجه: الطبع ، والحفظ والربط، والمنع، والآخر ).
(٥) المفردات ٢٧٤ - ٢٧٥ .
(٦) لعله يريد ((على الشيء المنقوش)) وفي المفردات ٢٧٥ ((على النقش)).

٤٩٠
باب الخاء
وقيلَ في قولهِ: ﴿ حَتَّم اللَّهُ على قلوبهمٍ﴾ إِشارةٌ إِلى ما جَرَتْ به العادةُ من أنَّ
الإِنسانَ إِذا تَناهى في اعتقادٍ باطلٍ أو ارتكاب محظورٍ ولا يكونُ منهُ تلفّتٌ بوجهٍ إِلى الحقِّ
يورثُه ذلك هيئةً تُمرّنُه على استحسان المعاصي، فكأنما خُتم بذلك على قلبهِ، وعليهِ:
﴿أولئكَ الذين طبعَ اللَّهُ على قلوبِهِمْ ﴾ [النحل: ١٠٨]. ومثلهُ استعارةُ الإِغفالِ في قولهِ:
﴿أَغْفَلْنَا قلبَه عن ذِكْرِنا﴾ [الكهف: ٢٨]، واستعارةُ الكِنِّ في قولهِ: ﴿وَجَعَلْنا على
قلوبِهِم أكثَّةٌ﴾ [الأنعام: ٢٥]، واستعارةُ القساوة في قوله: ﴿قُلُوبَهم قاسِيةٌ﴾
[ المائدة: ١٣]. وقُرئ: ((قسيّة))(١) ..
وهلِ الختمُ مُستولٍ على الأسماعِ؛ فيكونُ الوقفُ على سمعِهم، أوليس مستولياً
عليها. وفي قراءة نصبها يجوزُ أن يستوليّ عليها حسبما بينّا ذلك في ((الدر)) و((التفسير
الكبير)). وبينًا هناكَ وجهَ جمعِ القلوب والأبصارِ وإِفرادِ السمعِ. وهذه الآيةُ من أعظم آي
القرآنِ وأدلّها على أنَّ اللَّهَ تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ من خيرٍ أو شرِّ، نفعٍ أو خيرٍ، إِيمانٍ أو
کفر.
ولمّا ضاقَ خناقُ المعتزلة بها تأوّلوها تأويلاتٍ ضعيفةٌ حسبما بينّاهُ في موضعهِ،
حتى قالَ الجُبّائِيُّ(٢): ((يجعلُ اللَّهُ خَتماً على قلوب الكفّارِ ليكونَ دلالةٌ للملائكة على
كفرِهم فلا يَدعُون لهم)) يَعني أنَّ الملائكةَ تستغفرُ للمؤمنين، وهذا تأويلٌ سخيفٌ قالَ
الناسُ في ردِّه، لأنَّ هذا الخَتَمَ إِمّا أن يكونَ معقولاً؛ فالملائكةُ يستغنونَ عن ذلك
باطلاعهم على خبث عقائدهم، أو محسوساً فينبغي أن يدركه أهلُ الشرع.
وقولُه: ﴿اليومَ نَختِمُ (٣) على أفواهِهِمْ ﴾ [ يس: ٦٥] عبارةٌ عن منعهم الكلامَ، وهذا
في وقتٍ غيرِ وقتٍ آخرَ يتكلمونَ فيهِ وهو قولُه: ﴿ولا يَكْتُمونَ اللَّهَ حَديثاً﴾ [النساء: ٤٢]
لأن يومَ القيامة متطاولٌ مختلفٌ الأمكنة والأزمنةِ .
(١) قرأ يحيى (قُسيّة) بالضم، وقرأ بعضهم (قِسِيَّة) بكسر السين والقاف. انظر مختصر ابن خالويه ٣١.
(٢) هو محمد بن عبد الوهاب الجبائي أبو علي (ت ٣٠٣ هـ) من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام
في عصره وإليه نسبة الطائفة الجبائية، له (( تفسيره حافل مطول، أنظر الاعلام ١٣٦/٧.
(٣) قرئت (يُخْتَم) البحر المحيط ٣٤٤/٧ .

٤٩١
باب الخاء
فصل الخاء والدال
غ دد:
قولُه تعالى: ﴿قُتلَ أصحابُ الأُخدودِ﴾ [البروج: ٤]؛ شقِّ مستطيلٌ في الأرضِ
غائضٌ. يُجمعُ على أخاديدَ. وأصلُ ذلك من خَدِّي الإِنسانِ، وهما العُضوانِ النّائتانِ
المُكتنِفان أنفَه يميناً وشمالاً. فالخدُّ يستعارُ للأرضِ وغيرِها كاستعارةِ الوجهِ .
وتخدُّدُ اللحم: زوالُه عن وجهِ الجسم. يقالُ: خَدَدتُهُ فتخدَّدَ. ثم عبِّرَ بالمتخدِّد
عن المنزل. والخدادُ: ميسمٌ في الخدِّ. وهؤلاءٍ قومٌ حفروا حَفائرَ، وأضرموها ناراً، فمن
أظهرَ الإِيمانَ ألقوهُ في تلك الأخاديدِ في قصةٍ استَوْفَيناها في غيرِ هذا(١).
خدع:
قولُه تعالى: ﴿يُخادِعونَ(٢) اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]. الخدْعُ: من الخداعِ وهو الفسادُ.
وأنشدوا: [ من الرمل]
٤٢٧ - طيِّبُ الرِّيقِ إِذا الريقُ خَدَعْ (٢)
ثم عُبْرَ به عن المكرِ والكيدِ لما فيهما منَ الفساد.
وقيلَ: الخدعُ: إِنزالُ الغيرِ عما هو بصددهِ بأمرٍ يُيديهِ على خلافٍ يُبطنُه ومنه
المَخْدعُ لموضعٍ خفيٌّ في البيتِ. والأخدَعانِ: عرقان مُستبطنانٍ، سُمّيا بذلك لخفائهما.
قالَ: [ من الطويل]
وَجَعْتُ من الإِصغاء ليتاً وأخدعا (٤)
٤٢٨ - تلفَّتُ نحو الحيّ حتى وجدتني
فالخداعُ: إِظهارُ خلافٍ ما يُبطنُّهُ، ومنه: ﴿إِنَّ المنافقينَ يُخادعونَ اللّهَ﴾
[النساء: ١٤٢] أي يخادعون رسوله والمؤمنين بإظهارِ الإِيمانِ وإِبطان الكفر. وقولُه:
(١) في تفسير ابن كثير ٤ /٥٢٦: عن علي أن أصحاب الأخدودهم أهل فارس، أو قوم باليمن أو أهل
الحبشة . وانظر الخبر مفصلاً في تفسير ابن كثير ٤ / ٥٢٦ - ٥٢٩.
(٢) قرأ ابن مسعود وأبو حيوة (يُخْدَعون) البحر المحيط ٥٥/١ والكشاف ٣١/١، وقرأ مورق العجلي
( يخدِّعون) القرطبي ١٩٦/١.
(٣) عجزبيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري في المفضليات ١٩١ وصدره: (أبيضَ اللون لذيذاً طعمُه).
(٤) البيت للصمة القشيري في ديوانه ٩٤ والطرائف الأدبية ٧٩.

٤٩٢
باب الخاء
﴿يخادعون اللَّهَ﴾ یریدُ یجادعون رسولَه. وقد جعل مخادعةً رسوله کمجادعته، وهو
ممَّن لا يجوزُ عليه الخداعُ تنبيهاً على عظمٍ مَن خادَعوهُ. كما جعلَ مبايعته في قولِهِ: ﴿إِنَّ
الذينَ يُبايعونَك إِنّما يبايعونَ﴾ [الفتح: ١٠] وفي هذا تنبيه على أمرين: أحدُهما الدَّلالةُ
على فظاعةِ فعلِهم، والثاني معظم قدر رسوله والمؤمنين. وقولُ أهلِ العربيةِ إِنه على حذف
مضافٍ بالنسبة ظاهرٌ في صرفِ الخداعِ عن اللَّهِ، ولكن لو صُرح بالمضاف لاتت الدَّلالةُ
على الأمرينِ المذكورينِ. وقد قيلَ إِنه لا حذفٌ البتّةَ. وإِن القومَ لجهلهم يزعمون أنَّ اللَّهَ
ممن يصحُّ خداعُه تعالى اللَّهُ عن ذلك.
وقولُه: ﴿وما يُخادعُون إِلا أنفسَهم﴾ [البقرة: ٩] أي ما يرجعُ وبالُ خداعِهم إِلا
عليهم لا يتعدَّاهم، ﴿إِنَّما بغَيُكُم على أنفسِكُمْ﴾ [ يونس: ٢٣]، ﴿ولا يَحيقُ المكرُ السئ
إلا بأهله﴾ [فاطر: ٤٣ ].
وقُرِئُ: ((وما يخدعونُ(١))) ولم يقرأ الأولُ في السبعِ إِلا((يخدعون)) كما بينًا وجهً
ذلك في غيرٍ هذا. وقيلَ: إِنَّ هذا من بابِ المقابلةِ، أي وهو يعاملُهم بعقابه معاملةً
الخادع. وقولُهم: ((أخدعُ منَ ضَبِّ))(٢) أي أمكرُ، وذلك أنَّ الضبّ يتَّخذُ عقرباً على باب
حُجرِهِ تلدغُ من يدخلُ يَده فيه حتى قالوا: إِنَّ العقربَ بوَّابُ الضبِّ وحاجبُه، فقالوا ذلك
لاعتقاد الخديعة فيه. وخَدَعَ الضَّبُّ أي استترَ في حُجرهِ. وطريقٌ خادعٌ وخَيدَعٌ كأنهم
تصوَّروا خداعَه لسالكه لمّا تَّاهَ فيهِ.
والمخدَعُ (٣): بيتٌ في بيت؛ تصوَّروا أنَّ بانيَهُ جعلَه لمن رامَ تناولَ ما فيهِ. وخَدعَ
الريقُ: قلَّ، تصوَّروا منه الخديعةً، والأخدعان: تُصوِّر منهما الخداعُ لظهورِهما تارةً
وخفائهما أخرى. وخَدعتُه: قطعتُ أخدَعَه. وفي الحديثِ: ((بينَ يدي الساعةِ سُنونَ
(١) قرأ الجارود بن أبي سبرة وأبو طالوت وعبد السلام بن شداد (وما يُخْدَعُون) البحر المحيط ٥٧/١
والقرطبي ١٩٦/١، وقرأ فتادة ومورق العجلي (وما يُخَدِّعُون) البحر المحيط ١ /٥٧ والكشاف
٣٢/١، وقرأ نافع وابن کثیر وأبو عمرو والأعرج وابن جندب وشیبة ومجاهد وشبل واليزيدي ( وما
يُخادعون ) البحر المحيط ٥٧/١ والقرطبي ١٩٦/١ وقرئت (وما يُخادّعون، وما يَخَدِّعُون)
البحر المحيط ١ /٥٧ .
(٢) مجمع الا مثال ٢٦٠/١ والمستقصى ١ /٩٥ وجمهرة الأمثال ١ /٤٤٠ والأمثال لابن سلام ٣٦٤.
(٣) المفردات ٢٧٦.
!

٤٩٣
باب الخاء
خدّاعةٌ))(١) أي محتالةٌ لتلوُّنها بالجدبِ مرةً والخصب أخرى. وفيه: ((الحربُ خَدعٌ))(٢)
أي حيلةً، أي يَنقضي أمرُها بخدعةٍ واحدةٍ. ونقلَ الهرويُّ: أنه يقالُ: خُدعة بضم. وعن
الأصمعيِّ في قوله: ((سنون خدّاعةٌ)) أي قليلةُ المطرِ، مِن خدعَه ريقُه أي قلَّ. وقالَ غيرُه:
أي يكثُر مطرُها ويقلَّ رَيْعُها.
خ د ن:
قولُه تعالى: ﴿ولا مُتَّخذاتِ أَخْدانٍ﴾ [النساء: ٢٥]. الخِدْنُ والخَدينُ:
المُصاحبُ. وأكثرُ ما يقالُ فيمَن صاحبتَهُ بشهوة. وقولُه:
٤٢٩ - خَدينُ العُلَى(٣)
استعارةٌ كقولهم: ينتسبُ للمكارمِ. ولكنه بمعنى المُصاحبِ لم يتعرَّف بالإضافةِ،
نحو: مررتُ برجلٍ خَدَتِك وخَدِينك . ومُرادُ الآية أنهم غيرُ مُتَّخذاتٍ غيرَ أزواجهن.
فصل الخاء والذال
خ ذل:
قولُه تعالى: ﴿وكانَ الشيطانُ للإِنسانِ خَذولاً ﴾ [الفرقان: ٢٩] أي كثيرَ الخُذْلان،
لأنه مثالُ مبالغة. والخُذلانُ: تركُ النصرِ ممَّن يُتوقع منه ذلك. وقولُه: ﴿ وإِنْ
يَخْذُلُكُمْ(٤)﴾ أي يتركْ تُصرتكم. وخَذَلَتِ الوحشيَّةُ ولدَها: تركتْه وحدَه. وتَخاذلتْ
رجلاهُ: إِذا لم تُعيناهُ على المشي. قالَ الأعشَى: [من الرمل]
وخَذولِ الرُّجلِ من غيرِ كَسَحْ(٥)
٤٣٠ - بينَ مغلوبٍ تَليلٍ خَدُّهُ
والمُخذَّلُ في الجيش: مَن تحَيَّنَ المقابلةَ. ولهذا يخرجُ من الصفِّ. ويقالُ: خذلَه
(١) مسند أحمد ٢٩١/٢، ٢٢٠/٣،٣٣٨ والفائق ٢١٥/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٦٧/١ والنهاية
٠١٤/٢
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد ٢٨٦٦ ومسلم في الجهاد والسير ١٧٣٩.
(٣) المفردات ٢٧٧ .
(٤) قرأ عبيد بن معمر ( يُخْذِلكم) البحر المحيط ١٠٠/٣.
(٥) ديوانه ٢٩٣ .

٤٩٤
باب الخاء
فهو خاذلٌ وخَذولٌ، والجمعُ خُذلٌ. قال الشاعر: [ من الطويل]
٤٣١ - وما خُذَّلٌ قَومِي فَأَخضعَ للعِدى
ولكنْ إِذا أُدعوهمُ فِهِمُ هُمُ (١)
فصل الخاء والراء
خر ب:
قولُه تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بيوتَهُم﴾ [الحشر: ٢]. التخريبُ: نقضُ البناءِ وهدمُه.
يقالُ: خرَّبه وأخربَهِ. وقرئَ (يُخرِّبُون(٢) و ((يُخْرِبون)). فتخريبُهم بأيديهم لئلا يَنْتِفْعَ بها.
مَنْ بعدَهم. وقيل: بل بإِجلائهم عنها لما تَسبِّوا في ذلك.
وخرِبَ المكانُ يَخِرَبُ خَرَاباً فهوَ خرِبٌ. والخاربُ: سارقُ الإِبلِ. والخُرْبَةُ: أيضاً
سرقةِ الإِبلِ. قال الشاعرُ: [من الرجز]
٤٣٢ - والخارب اللص يحبُّ الخاربا(٣)
وقيلَ: الخَربةُ: التُّهمَةُ. وفي الحديث: ((ولا فارًاً بخَرَبَةٍ)(٤). والخَرَبُ: ذكرُ
: الحُبارَى. قالَ: [من الرجز]
٤٣٣ - أَبصرَ خِرِبانَ فضاءٍ فانكَدَرْ(٥)
والخِرْبانُ جمعُ خَرَبٍ. وقال الآخرُ: [ من البسيط]
٤٣٤ - ولى لِطلِيَّهُ بالأسفرِ الخرِبِ(٦)
والخُرْبَةُ: عُروةُ المَزَادَةِ وهي أُذُنُها، وأصلها كلُّ تُقْبةٍ مستديرةٍ، والجمعُ خُرَبٌ.
..-.
(١) البيت بلا نسبة في المقاصد النحوية ٢ / ٩٤.
(٢) قرأ أبو عمرو وقتادة ومجاهد والجحدري والحسن والسلمي وعيسى وأبو حيوة ( يُخَرِّبون) الإتجاف
٤١٣ البحر المحيط ٢/٤٣/٨.
(٣) الرجز دون عزوفي الكامل ٢ /٤٧ مع بيتين آخرين.
(٤) مسند أحمد ٣٨٥/٦ وغريب ابن الجوزي ٢٧٠/١ والنهاية ١٧/١.
(٥) من أرجوزة للعجاج في ديوانه ١٧ (طبعة السطلي) .
(٦) لم أعتد إِليه .

٤٩٥
باب الخاء
ومنهُ: تقليدُ الهدايا بخُرَبِ العربِ، ونحوها. وقيلَ: الخُرْبةُ: شَقِّ واسعٌ في الآذانِ تَصوَّراً
أنه خُرِب أذنُه. ومنه: رجلٌ أَخْربُ، وامرأةٌ خَرباءُ. ثم شُبِه به الخُربةُ في أُذُنِ المزادةِ.
خ رج:
قولُه تعالى: ﴿ذلكَ يومُ الخُروجِ﴾ [ق: ٤٢] يريدُ يومَ القيامةِ، وسُمِّي بذلك
الخروجِ العالمِ فيهِ لقولهِ: ﴿يَخرُجون منّ الأجداث﴾ [القمر: ٧]. قال أبو عبيدةً: هو من
أسماء يوم القيامة، وأنشدَ للعجاجٍ: [من الرجز]
٤٣٥ - أليسَ يومُ سُمِّيَ الخُروجا
أعظمَ يَومٍ دَجَّةَ دَجُوجا(١)
وأصلُ الخروج: البروزُ من المقرِّ سواءٌ أكانَ داراً أم بلداً أم ثوباً، وسواءٌ كان بنفسه
أو بأسبابه الخارجة عنه. وأكثرُ ما يكونُ الإِخراجُ في الأعيانِ، ويقالُ في التكوين الذي هو
من فعلِ الباري تعالى نحو: ﴿فأخرجْنا بِهِ أزواجاً من نَباتٍ شَتَّى﴾ [طه: ٥٣].
والتَّخريجُ: أكثرُ ما يُقالُ في العلومِ والصناعاتِ . وقيلَ: لما يؤخذُ من كراءِ الأرضِ
والحيوانِ خَرَجٌ وَخَرَاجٌ(٢). قالَ تعالى: ﴿أم تسألُهم خرجاً(٣) فخَرَاجُ (٤) ربِّك خيرٌ﴾
[ المؤمنون : ٧٢].
وقولُه: ﴿فهلْ نَجعلُ لكَ خَراجاً﴾ [الكهف: ٩٤] وقُرِئُ ((خَرجاً)) مكان
((خراج))(٥). فزعمَ قومٌ أنهما بمعنى، وآخرون فرَّقوا، فقيلَ: الخراجُ: ما كانَ من كراء
الأرضِ ونحوِها. والخرْجُ: ما كانَ مضروباً على العبد. يقالُ: العبدُيُؤدِّي خرجَه، والعامةُ
تؤدِّي للأمرينِ الخراجَ، وقيلَ: الخرجُ أعمُّ من الخراجِ، والخرجُ بإزاءِ الدَّخلِ. وقيلَ: إِنَّما
قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] فأضافَ الخَراجَ إِلى نفسهِ المقدَّسةِ تَنبيهاً أنه هو
(١) الرجز للعجاج في اللسان والتاج (خرج) وديوانه ١١ .
(٢) في المفردات ٢٧٩ ((وقيل لما يخرج من الأرض ومن وكر الحيوان ونحو ذلك خرج وخراج)).
(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف والحسن وعيسى والأعمش وابن وثاب (خَراجاً) البحر المحيط
٦ /٤١٥ والقرطبي ١٢ /١٤١ .
(٤) قرأ ابن عامر والحسن وعيسى وأبو حيوة (فَخَرْجُ) البحر المحيط ٦ /٤١٥ والقرطبي ١٢ / ١٤١.
(٥) قراءة (الخراج) بالألف لحمزة والكسائي وخلف والحسن والأعمش وطلحة وابن سعدان وابن عيسى
الأصفهاني وابن جبير الأنطاكي، وقرأ الباقون (الخرج) دون ألف. انظر الإتحاف ٢٩٥ والبحر
المحيط ٠١٦٣/٦

٤٩٦
باب الخاء
الذي ألزمَه وأوجبه. وقال الأزهريُّ: الخراجُ يقعُ على الضريبةِ ومالِ الفيءِ ومالِ الجزيةِ
والغلَّةِ وما نقصَ منّ الفرائضِ والأموالِ .
والخرْجُ: المصدرُ، والخرجُ أيضاً من الحسابِ، وجمعُه خُروجٌ. وفي الحديثِ:
(الخراجُ بالضمانِ))(١) أي أن المشتري إذا اشترى عبداً مثلاً واستعمله ثم وجدَ بِهِ عَيْباً فَلَهُ
ردُّهُ، وغلّتُه تامَّةٌ لَه، لأنه لو هلكَ هلكَ فِي ضَمانِهِ، فغلّتُه مُقابلةٌ بضمانِهِ وهي الخراجُ. قال
معناهُ أبو عبيدةً، وقال الراغبُ(٢): أي ما يخرُجُ من مالِ البائعِ بِإِزاءٍ ما يسقُطُ عنهُ منَ
الضمان، والأولُ أحسنُ.
والخارجيُّ: ما خرجُ بذاتهِ عن أحوالِ أقرانهِ. ويقالُ ذلك على سبيلِ المدحِ إِذا
خرجَ إِلى منزلةٍ مَن هو أَعلَى، ولهذا يقالُ: فلانٌ ليسَ بِإِنسانٍ على طريقِ المدحِ كقولهِ:
[ من الطويل]
٤٣٦ - فلستُ پإنسيِّ ولكنْ لملأك
تَزَّلَ من جَوِّ السماءِ يَصُوبُ(٢)
وتارةً على سبيلِ الذمِّ كقولهِ: ﴿إِنْ هم إِلاَّ كَالأنعامِ﴾ [الفرقان: ٤٤]. والخرْجُ
لونان من بَياضٍ وسَوادٍ. ومنهُ: ظَلِيمٌ أخرجُ، ونعامةٌ خَرجاءُ، وأرضٌ مخترجةٌ، أي قطعةٌ
منها نابتةٌ وأخرى غيرُ نابتةٍ﴾ فهي ذاتُ لونينٍ. والخوارجُ: غلبَ على مَن خرِجَ عن طاعةٍ
الإِمام.
خ ر د ل :
قولُه تعالى: ﴿مِن خّردلٍ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. الخردلُ معروفٌ واحدتُه خردلةٌ،
ويُضربُ بها المثلُ في القلةِ والتَّلاشي. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ مثقالَ حبَّةٍ من خردلٍ أَقِينا
بها﴾[لقمان: ١٥]. وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وتنبيه على عدله تبارك
وتعالى، وما أحسنَ ما جاءَّ بذكرِ المثقالِ من حبة الخردلِ بعد ذكرِ الموازينِ. وفي
الحديث: ((ومنهم المُخَرْدَلُ))(٤) قيلَ: هو المرميُّ المصروعُ. وقيلَ: المقطَّعُ بكَلاليبٍ
(١) ابن ماجه ٢٢٤٢ ومسند أحمد ٤٨/٦ والحاكم ١٥/٢ وانظر كشف الخفاء ٣٧٦/١
(٢) المفردات ٢٧٨ .
(٣) البيت لعلقمة الفحل في ديوانه ١١٨ والمفضليات ٣٩٤.
(٤) أخرجه البخاري في التوحيد ٧٠٠٠ وفي صفة الصلاة ٧٧٣ ومسلم في الإيمان ١٨٢ ومسند أحمد
٢٧٦/٢، ٢٩٣. وانظر الفائق ١٤١/٣ وغريب ابن الجوزي ١/ ٢٧١ والنهاية ٢٠١٢ .

٤٩٧
باب الخاء
الصراطِ، من قولهم: لحمٌ مُخَردلٌ أي مقطعٌ. قال كعب: [ من البسيط]
٤٣٧ - يَغْدُو فَيَلِحَمُ ضِرِغامينِ عِيشُهُما(١)
ويقالُ: خَرِدلتُهُ وخَرِذَلتُه بالمهملة والمعجمة، والخردلةُ القطعةُ منه. فأمّا الخردلُ
الحبُّ فبالمهملة ليس إلا .
خ ر ر:
قولُه: ﴿فكأنّما خَرَّ منَ السماءِ﴾ [الحج: ٣١]. الخرورُ: السُّقُوطُ من علوٌّ يكونُ
معه صوتٌ غالباً. والخريرُ للماءِ والهواءِ. قولُه تعالى: ﴿يَخرُّونَ للأذقانِ﴾
[الإسراء: ١٠٧]، ﴿خَرّوا سُجّداً وَبَكِيّاً﴾ [مريم: ٥٨]، ﴿خَرُوا سُجّداً وسَبّحوا﴾
[السجدة: ١٥]. إِتيانُه تعالى بذكر البكاء والتسبيح تنبيهٌ على أن ذلك الصوتَ المُصاحبَ
للخرور إِمّا بكاءٌ من خشيتهِ وإِما تَسبيحٌ لربوبيَّتِهِ. وقولُه: ﴿وخرَّ موسَى صَعِقاً﴾
[الأعراف: ١٤٣]، ﴿وَخَرّ راكعاً﴾ [ص: ٢٤] تنبيهاً على أنهما عليهما السلام كانا في
حالة تقربُ من الموتِ لهيبةِ الربوبية، فإِن الخريرَ غلّب في الهلكة. قال: [من الطويل]
٤٣٨ - فخرّ صريعاً لليدينِ وللفم (٢)
وقد وقعَ الفرقُ في المادة فقيلَ: خرَّ الحَجرُ يخرُّ بضمٌ الخاءِ خُروراً، وخرَّ الماءُ أو
الميتُ يخرِّ بكسرِ الخاءِ خريراً.
خ ر ص:
قولُه: ﴿يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] أي يكذبون. ﴿قُتْلَ الخَرَّصون(٣)﴾
[الذاريات: ١٠]، أي الكذابون. وأصلُه الحِرْزُ. ومنه ((خَرْص النخلِ))(٤) وهو أن تَحزُرَ أنّ
على رؤوسِ النخلِ كذا وَسْقَاًمن الرُّطْبِ، وأنه يجيءُ منه كذا وَسْقاً من التمرِ. وكانَ عبدُ
(١) صدر بيت في ديوانه ٢٢ وعجزه: (لحمٌ من القومِ معفورٌ خراذيل).
(٢) تقدم في (تلل) برقم ٢٣٠ .
(٣) الكشاف ١٥/٤ (قَتَلَ الخرّاصين) دون ذكر القارئ.
(٤) البخاري في الزكاة ١٤١١ ومسلم في الفضائل ١٣٩٢ ومسند أحمد ٤٢٤/٥ والنهاية ٢٢/٢
وغريب ابن الجوزي ١ /٢٧٢ .

٤٩٨
باب الخاء
الله بنُ رَواحةَ خارصَ رَسُولَ اللَّهِلَ ◌ّليه - وذلك يختصّ بالنخلِ والكرْمِ - فأطلقٌ على
الكذبِ لأنه من غيرٍ تحقيقٍ ولا غلبةٍ ظنِّ، إِلا أن الكذبَ قبيحٌ، وهذا ليس بقبيحٍ.
يقالُ: خَرَصَ وتَخَرَّصَ واخْتَرَصَ أي افتَرى الكذبَ. وفي الحديث: ((لمّا حثَّهنَّ.
على الصَّدَقةِ جَعَلتْ إِحداهنَّ تُلقي الخاتمَ والخُرْصَ))(١) وهو الحلْقَةُ الصغيرةُ من الحلي
وخَرَصْتُ الدابةَ: جَمعت بينَ شُفْرَيْها بخُرصٍ أي حلقةٍ .
خ رط :
قولُه: ﴿سَنَسِمُهُ على الخرطومِ﴾ [القلم: ١٦]؛ الأنف. وإنّما خصَّه بالذّكر لأنَّه
أظهر شيءٍ في الوجهِ، والوجهَ أظهرُ شيءٍ في الإِنسان، أي يجعلُ له علامةٌ قبيحةٌ يُعرفُ.
بها. والخُرطومُ في الأصلِ أَنفُ الفيلِ، فذُكرَ هنا تقبيجاً لصاحبهِ. وقيل: بل أصلُه في :
السِّباعِ كلِّها. وقالَ الفرزدقُ: [ من البسيط]
٤٣٩ - یا ظَمْيَ ویحكِ إِني ذُو مُحافظة
أَنْمِي إِلى مَعشرٍ شُمِ الخَرَاطِيمِ(٢)
ء
أي مرتفعي الآناف، يشيرُ إِلَى عزمِهم. والعربُ تقولُ: بأنفهِ شَمَمٌ أي تكبِّرٌ، ولا
يَفعلُ ذلك إِلا مَن له عزٌّ ومَنَعَةٌ، فلما كان هذا العضْوُ يُستعملُ في معنى التعزِّزِ والتعظُّم كما
وصَفْنا، جعلَ اللَّهُ سمةَ ذلِّ هذا الشخصِ على محِلِّ العزِّ من غيرِهِ. والسَّمَةُ: العَلامةُ،
والمعنى: مُستلزِمةٌ عاراً لا يَنْمحي عنه أبداً، نحوُ: جَدعتُ أنفَه؛ فإِنّه أشهرُ له، إِذ لا
يُمكنُ إِخفاؤه عادةً.
خ رق:
قولُه تعالى: ﴿وَخَرَقوا(٣) لِهُ بنين وبناتٍ بغيرٍ علمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أي اخترقوا في
ذلك وكذبوا. وأصلُ الخَرْقِ قطعُ الشيءِ على سبيلِ الفسادِ من غيرِ تدبٍُّ ولا تَفكُّرٍ، وهو
عكسُ الخلقِ. ويعبَّرُ بذلك عن الحمقِ وقلةِ الحِلمِ وعدمِ القناعةِ. يقالُ: رجلٌ أخرقُ،.
(١) أخرجه البخاري في العيدين ٩٢١ ومسند أحمد ٢٢٠/١، ٢٨٠، ٣٤٠ وغريب ابن الجوزي.
٢٧٢/١ والنهاية ٢ /٢٢.
(٢) ديوانه ٧٤٥ .
(٣) قرأ نافع وأبو جعفر (وخَرَّقوا) النشر ٢ / ٢٦١ والسبعة ٢٦٤، وقرأ ابن عمر وابن عباس (وجَرْفوا) البحر
المحيط ٤ / ١٩٤ .

٤٩٩
باب الخاء
وامرأةٌ خَرقاءُ وهي ضِدُّ صَناعٍ. قال ذو الرمَّة: [ من الوافر]
على الخَرقاءِ واضعةَ اللَّامِ (١)
٤٤٠ - تمامُ الحجِ أن تقف المطایا
وذلك أنّه لما رأى ميَّةً أرادَ أن يَتَعلَّلَ بشيءٍ ليكلّمها فخَرَق دَلوَه ثم جاءَها فقال:
املئي لي دَلوي. فقالتْ: أنا خَرقاءُ لا صناعٍ. فولَى وعلى كتفهِ دلوُهُ وقطعةُ حبلٍ. فقالت:
يإذا الرُّمَّة. والرُّمَّة: قطعةُ الحبلِ، فسُمي بذلك، وأنشد قصيدَته التي فيها هذا البيتُ. وبها
شُبِّهتِ الريحُ فقيلَ: ريحٌ خرقاءُ.
والخُرْقُ: الحُمقُ. وفي الحديثِ: (( ما كانَ الخُرقُ في شيءٍ إِلا شانَه وما كانَ الرفقُ
في شيءٍ إِلا زانَه))(٢). واستَعيرَ منه المَخرَقةُ، وهو إِظهارُ الخرقِ توصُّلاً إِلى حيلةٍ.
والمخراقُ: شيءٌ يلعبُ به كأنَّه يخرجُ لإظهارِ الشيءٍ بخلافهِ. ومنهُ خَرِقَ الغزالُ يخرَقُ:
إِذا لم يُحسنِ العدْوَ.
وباعتبارِ القطعِ قيل: خرَقتُ الثوبَ وخرَّقْتُه. وخرَقْتُ المَفازَةَ، وهي خرقاءُ، وخَرْقٌ
وخَريقٌ وذلك مختصٍّ بالفلواتِ الواسعةِ؛ إِمّا لاختراقِ الريحِ فيها، وإِمّا لتخرِّقِها في سَعتِها.
وخُصَّ الخِرْقُ بمن يتخرَّق في السخاء.
والخَرْقُ: ثَقِبُ الأذنِ. ومنه صبيٍّ أخرقُ وامرأةٌ خَرقاءُ أي مثقوبَي الأذن. ومنه
الحديث: ((نَهى أن يُضحِّى بالشَّرقاءِ والخَرقاءِ))(٣)؛ فالخرقاءُ: ما في أذنِها ثقبٌ
٠
مستدير.
قوله: ﴿إِنّك لن تَخْرِق(٤) الأرضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] أي لن تَْقُبَها بشدّة وطئكَ.
وقيلَ: لن تقطّعها عَرضاً وطولاً. وقولُه: ﴿في السفينة خرقَها﴾ [الكهف: ٧١] فالمرادُ
نقبَها. ويقالُ: خَرَق وخرَّقَ وتخرَّق واخترقَ، وخلقَ واختلقَ، وبشّكَ وابتشَكَ، وخرصَ
وتخرَّصَ، كلُّها بمعنى افتَرى وكذبَ. وفي حديثٍ فاطمة: ((حينَ زوَّجَها، فلما أصبحتْ
(١) البيت في الأغاني ١٨ /٤٠.
(٢) أخرجه ابن ماجه في الزهد ١٧ وروايته «ماكان الفحش .. ؛ وانظر مسلم في البر والصلة ٢٥٩٤
والمقاصد الحسنة ١١٤
(٣) النهاية ٢٦/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٧٤/١.
(٤) قرأ الجراح الأعرابي (تَخْرُق) البحر المحيط ٦ /٣٧.

٥٠٠
باب الخاء
دعاها فجاءتْ خَرقةٌ من الحياءِ)) (١) أي خَجِلةً، من قولهم: خرِقَ الغزالُ خَرقاً إِذا
تحيّرَ من الفَرَقِ .
فصل الخاء والزاي
خ زن :
قوله تعالى: ﴿وللَّهِ خزائنُ السماواتِ والأرضِ﴾ [المنافقون: ٧]. الخزائنُ جمعُ.
خزانةٍ، وهيَ موضعُ الخَزْنِ .. والخَزْنُ: سَتَرُ الشيء وحفظُه، ومنه: خازنُ المَال. قالَ
امرؤالقيس: [ من الطويل]
٤٤١- إذا المرءُ لم يخزنْ عليهِ لسانَه
فليسَ على شيءٍ سِواهُ بخزّانِ(٢)
يقالُ: خزَنتُ المالَ أي سَتَرتُه وغيِّبته. والخزانةُ في الأصلِ مصدرٌ، وهي عملُ:
الخازن، كالإمارة والولايةِ، ثم أُطلقتْ على موضعِ الشئ المخزونِ فيهِ. وقبلَ في قولهِ:
﴿وَللَّهِ خزائنُ السّماواتِ﴾ إِشارة إلى قدرته على ما يريدُ إِيجادهُ. وقيلَ: إِلى الحالة التي
أشارَ إِليها عليه السلامُ بقولهِ: ((فَرغَ ربُّك من أربعٍ: الخَلْقِ، والخُلُقِ، والرزقِ، والأجلِ)) (٢) .
وقولُه: ﴿لا أقولُ لكم عندي خزائنُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٠]، قيلَ: أرادَ مقدوراته التي
تنفعُ الناسَ، لأنَّ الخزنَ ضربٌ من النفعِ. وقيلَ: هو قولُه للشيء: ((كُنْ)). وقِيلَ: جودهُ
الواسعُ وقدرتُهِ، وَقالَ ابنُ عرفةً: ما خَزَنَه فأسْرَّه. يقالُ للسرِّ من الحديثِ: مُخْتَزَنٌ. وأنشدَ
لابنٍ مُقبلٍ: [من البسيط ]
٤٤٢- نازعتُ ألبَبَها لُِّّي بمختَزَنٍ منَ الأحاديثِ، حتى زِدْتِي لِينا (٤)
وقال أبو بكرٍ: معناهُ علمُ غيوبِ اللَّهِ. وقيلَ للغيوبِ خزائنَ لاستتارِها وخفائها .
قولُه: ﴿وما أنتُم له بخازنينَ﴾ [الحجر: ٢٢] قيل: بحافظين له بالشكرِ. وقيلَ: إِشارةٌ إِلى
قولهِ: ﴿أَفِرأيتُمُ الماءَ الذي تَشْرِبون﴾ إِلى ﴿المُنزِلون﴾ [الواقعة: ٦٨] قيل: إِشارة إِلى
(١) غريب ابن الجوزي ١ /٢٧٤ والنهاية ٢٦/٢.
( ٢) ديوانه ٩٠ :.
(٣) وأخرجه الطبراني في الأوسط ٣٣٦/٢ وهو في مجمع الزوائد ٧ /١٩٥ كتاب القدر، والفتح الكبير
٢٦٦/٢ وانظر مسند أحمد ١٦٧/٢.
( ٤ ) ديوانه ٣٢٩ .