Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ باب الجيم الأشياء. والجَملُ في الآية هو هذا الحيوانُ المعروفُ. ورُويَ عن ابنِ عباسٍ أنه كانَ يقرأُ (الجُمَّلُ)). والجُمَّلُ: القَلْسُ وهو الحبلُ الغليظُ الذي تُجرِّ به السفنُ. وكانَ يقولُ: اللَّهُ أحسنُ تشبيهاً؛ بمعنى أنَّ في ذلك مناسبةً وهو: الجُمَّل في خُرمِ الإِبرةِ. وقد حقَّقنا هذا في ((التفسير الكبير)). ومثلُ التعليق بولوج الجملِ قولُ النابغة: [ من الوافر] ٣٠١ - فإِنّكَ سوفَ تَعقلُ أو تَنَاهَى إِذا ما شِبتَ أو شابَ الغُرابُ (١) قيلَ: وسُمي الجملُ جَمَلاً لأنَّ فيه جَمالاً عندَ العرب، ولذلكَ أشارَ إِليه بقوله: ﴿ولكم فيها جَمالٌ حينَ تُريحونَ وحينَ تَسرحونَ﴾ [النحل: ٦]. والجَمالُ: كثرةُ الحُسن وهو نوعان؛ نوعٌ يختصُّ بالإِنسان في نفسهِ أو فعلهِ، ونوعٌ يوصَلُ منه إِلى غيرِه، وعلى ذلك قولُه: ((إِنَّ اللَّه جميلٌ يحبُّ الجمالَ))(٢) بيِّن أنَّ منه نقيضَ الخيرات، فُيحبُّ ما يختصُّ بها . ورجلٌ جميلٌ وجُمَالٌ وجُمَّالَ على التكثيرِ. وجاملتُه: فعلتُ معه جميلاً. وأجملتُ في كذا: أحسنتُ فيهِ. واعتُبر فيه معنى الكثرة فقيلَ لكلِّ جماعةٍ غيرِ منفصلةُ جُملةٌ. ومنه قيلَ للحسابِ الذي لم يُفْصَّل، والكلام الذي لم يُبَّنْ تفصيلُه مُجمَلٌ. والمُجمَلُ عند المتكلمينَ ما لم تَتَّضحْ دَلالتُه. وقولُ (٣) بعضِ الفقهاءِ: المُجملُ ما يَحتاجُ إلى بيانٍ ليس بحدٍّ له ولا تفسيرٍ. قال الراغبُ: وإِنما هو ذكرُ أحدِ أحوالِ بعضٍ الناسِ معه. والشيءُ يجبُ أنْ تُبَيِّنَ صفتُه في نفسهِ التي بها يَتَميِّزُ. وحقيقةُ المُجملِ: هو المشتملُ على جملةٍ أشياءَ كثيرةً غيرِ مُلخّصةٍ. والجميلُ عندَ العرب: ما أُذيبَ من الشحم، والحمّ: ما أُذيبَ من الألْيةِ، والجَمْلُ: الإِذابةُ؛ في الحديث: ((لعن اللَّهُ اليهودَ حرِّمتْ عليهم الشحومُ فجَملوها))(٤) أي أَذابوها. قيلَ: ومنه الجَمالُ وهو الحُسنُ لأنه يكونُ من أكلِ الجميلِ . وفي حديثٍ عاصم المِنْقريِّ: ((لقد أدركتُ أقواماً يتّخذون الليلَ جَمَلاً؛ يشربون (١) ديوانه ١٠٩. (٢) المستدرك ٤ /١٨١، ٢٦/١ والنهاية ٢٩٩/١ ومسلم فى كتاب الإيمان ١ /٩٣. (٣) المفردات ٢٠٣ . (٤) البخاري ٢١٢١ والنهاية ٢٩٨/١ وابن الجوزي ١٧٣/١. ٣٤٢ : باب الجيم هذا النبيذَ، ويلبسّون المُعَصْفَرِ))(١)، يعني بالنَّبيذِ ما يُنبذُ من التَّمر ونحوهِ في الماءِ ولم يُسكْر، وكُنَّى بذلك عن ضَلالِهم وإِحيائهم الليلَ كلَّه. فاستعارَ اسْمَ الجملِ لليلِ نحو: اقتعدَ غاربَ اللهوِ، وركبَ سَنَامَ الغِوايةِ. وفي حديثِ المُلاعنةِ: ((إِنْ جاءتْ بهِ أَورقَ: جَعْداً جُماليّاً))(٢) الجُماليُّ: العظيمُ الخلقِ، التامُّ الأوصالِ. وناقَةٌ جُماليّةٌ كذلك تشبيهاً بالجمَل لعظم خلقهِ وقوته. ج. م. م : قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ المالَ حُبّاً جَمَّاً﴾ [الفجر: ٢٠]. والجمَّ: الكثيرُ، من جُمَّةِ الماءِ أي مُعظمُهُ ومجتمعُه، الذي جُمَّ فيهِ الماءُ عن السَّيلانِ. ومنه جَمَّةُ البئرِ لمكانِّها الذي يجتمعُ فيه الماءُ كأنه أُجِمَّ أياماً . وجُمَّةُ الشَّعرِ لاجتماعه، قال الراغبُ(٣): ما اجتمعَ من شعرِ الناصيةِ. وقَالَ شَمِرٌ: الجُمَّةُ أكثرُ من الوَقْرة؛ وهي ما سَقط من شَعرِ الرأسِ على المَنْكبينِ، والوَفْرةُ ما بلغت منه شَحمةً الأذنينِ. واللَّمَّةُ: ما ألبَّتْ بالمنكبينِ؛ فأكبرُها الجُمَّة، ثم اللمّة، ثم الوَقْرة. وفي صفتهِ عليه الصلاة والسلام: ((كان له جُمَّةٌ جَعْدَةٌ))(٤). وجَمَّةُ الماءِ لمعظمهِ لاجتماعهِ في البئرِ. وقد جمَّ يَجُمُّ وَيَجِمُّ جَمَّاً وجُموماً، قال: [ من الطويل] ٣٠٢ - وإنسانُ عيني يحسرُ الماءَ تارةٌ فيبدو، وتاراتٍ يَجِمُّ فيغرِقُ (٥) قال الراغبُ(٦): وأصلُ الكلمة من الجَمامِ وهو الراحةُ للإقامة وتركِ تحمُّلِ (١) غريب ابن الجوزي ١٧٣/١ والنهاية ٢٩٩/١. (٢) غريب ابن الجوزي ١٧٣/١ والنهاية ٢٩٨/١ ومسند أحمد ٢٣٩/١ وأبو داود في الطلاق. (٣) المفردات ٢٠٠ . . (٤) غريب ابن الجوزي ١٧٣/١ ومسند أحمد ٢٨١/٤ والنهاية ٢٨٩/١ والبخاري في اللباس باب : الجعد . (٥) البيت لذي الرمة في ديوانه ٤٦٠ ونظر (ت ي ر ). (٦) المفردات ٢٠٠ . ٣٤٣ ہاب الجیم الشَّعبِ. ويقالٍ(١): جِمامُ المكّوكِ(١) دقيقاً بالكسر، وجُمامُ القَدح ماءٌ بالضم، إِذا امتلا وعجز عن الزيادة لاجتماع ذلك و کثرته. والجُمَّةُ أيضاً: القومُ يجتمعون لتحمُّلِ مكروهٍ. والجَمومُ: الفَرسُ الكثيرُ الشدّ. وشاةً جَمَاءُ: لا قرنَ لها، قال الراغبُ: اعبثاراً بجُمّةِ الناصيةِ. وفي الحديث: ((يقتصُّ للجَمّاءِ منَ القَرْناءِ)»(٢). والجَمِّ الغفير أي الجمعُ الكثيرُ. والغغيرُ من الغَفرِ وهو السَّتْرُ كأنه سَتَر الأرضَ بكثرته. وقولُهم: جاؤوا الجمّاءَ الغَفيرَ، من ذلك. وشدَّ مجيءُ الحالِ هنا معرفةً. وقيلَ: ((ال)) زائدةٌ، وهو المختارُ. وفي الحديث: ((سُئل: كم المرسَلون؟ فقالَ: ثلاثُ مئةٍ وخمسةَ عشرَ جمَّ الغفير)»(٣)، قال أبو بكر: الروايةُ كذلك، والصوابُ: جَمّاءَ غَفيراً. وعن ابنِ الأعرابيِّ والكسائيّ: أصلُ الجمّاءِ الغفيرِ: بيضةُ الحديدِ يَعني أنها تجمعُ الشَّعر؛ فالجمّاءُ من الجَمِّ، والغفيرُ من غفرتُ المتاعَ: سَترتُه(٤). فقولُك: مررت بهم الجمّاءَ الغفيرَ أي مجتمعينَ كاجتماع البيضةِ وما تحتَها من الشعر. وفي الحديث: ((لعنَ اللّهُ المُجمِّمات من النساء)) (٥)، قال الأزهريُّ: أراد المترجِّلاتُ يتّخذْنَ شُعورَهِنَّ جُمَّةً لا يُرْسِلْتَها. قال الهرويُّ: ويحتملُ أن يكونَ مأخوذاً من الاجَمِّ وهو الذي لا رُمحَ معَه، وهو جَمَّ يجُمُّ، وفيه نظرً إِذ لا معنىً لذلك. وفيه: ((أُمِرْنا أن نَبنيَ المدائنَ شُرَفاً والمساجدَ جُمَّاً)(٦)؛ جُمِّ جمعُ أَجَمّ وهي التي لا شُرَفَ لها. قلتُ: كأنَّه من التَّيسِ الأَجمِّ والشاةِ الجمّاءِ، وهي التي لا قرنَ لها. وفي الحديث: ((رمَى إِليه بسفرجلةٍ، وقالَ: دونكَها فإنها تُجِمُّ الفؤادَ))(٧)، قيلَ: تجمعُه (١) جمام المكوك بتثليث الجيم: هو ما علا رأسه فوق طفافه . ولا يقال جمام بالضم إلا في الدقيق. وانطر اللسان ( جمم) . (٢). النهاية ١ / ٣٠٠ وفيه ((إِن الله تعالى لَيّدِيَنَّ الجمّاء من ذات القرن)) يدي: يجزي. (٣) غريب ابن الجوزي ١٧٣/١ والنهاية ٢٩٩/١ ومسند أحمد ٥ /١٧٩،١٧٨، ٢٦٦. (٤) قول أبي بكر والكسائي وابن الأعرابي فى غريب ابن الجوزي ١ /١٧٣. (٥) الغريبين ١ /٤٠١ وغريب ابن الجوزي ١٧٣/١ والنهاية ٣٠٠/١، وذكر ابن الجوزي أنهن اللواتي يتخذن شعورهن جمة كالرجال وانظر اللسان (جمم) . (٦) هو قول ابن عباس في غريب ابن الجوزي ١٧٤/١ والغريبين ١ /٤٠١ والنهاية ٣٠٠/١ والشرف: التي لها شُرفات . (٧) غريب ابن الجوزي ١٧٤/١ والنهاية ٣٠٠/١ وهو حديث طلحة وقد رمى إليه النبي سفرجلة . ٣٤٤ باب الجيم وتُكمِّلُ صلاحَه، وهو معنى قولِ عائشةً: ((تُريحه))(١). وفي الحديث: ((أُتيِ بجُمجمةٍ)(٢) هي قدحٌ من خشبٍ، وبه سُمي دَير الجماجم (٢) كان تُعمِلُ فيه تلك. الأقداحُ. وتُطلقُ على الرأسِ أيضاً. وقالت عائشةُ: ((لقدِ استَفْرِغَ حِلْمَ الأحنفِ هجاؤُهُ إِيّيَ، أَلي كانَ يَستجمُّ؟))(٤) أي أَلَي كانَ يجتمعُ هجاؤه؟ فصل الجيم والنون ج ن ب : قولُه: ﴿وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]. الجَنْبُ: الجارحةُ المعروفةُ، وعُبِّرَ بذلكَ عن مُلازمتهِ لهُ وقربه منهُ، لأن الصاحبَ غالباً يلصقُ جنبَه إِلى جنبِ الآخِر في المُماشَاةِ والمُحادثةِ والمصاحبةِ وغيرِ ذلك. وقيلَ: هو كنايةٌ عن رفيقِ السَّفر(٥)، وقيلَ: عن المرأة (٦). وأُصلُ ذلك أنهم يستعيرون لجهة الجارحة اسمَها كقولك: اليمينُ والشّمالُ لجهتهما وناحيتهما. قولُه: ﴿في جنبٍ(٧) اللّه﴾ [الزمر: ٥٦] أي في أمره وحدِّ الذي حدَّه لنا، فاستُغيرَ ذلك لأوامره ونواهيهِ، أي على ما في أوامره ونواهيه. يقالُ: ما فعلتُ فِي جَنْبٍ حاجتي أي في أمرِها، قاله ابنُ عرفةً وأنشدَ قولَ كثير عزَّةَ: [ من الطويل] ٣٠٣ - ألا تَتَّقِينَ اللَّهَ في جُنْبِ عاشقٍ له كبِدٌ حِرَّى عليك تَقطّعُ؟(٨) (١) غريب ابن الجوزي ١ / ١٧٤ والنهاية ٣٠١/١. (٢) غريب ابن الجوزي ١٧٤/١ والنهاية ٢٩٩/١. (٣) دير الجماجم: بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ على طرف البر للسالك إلى البصرة (معجم البلدان : ٥٠٣/٢) . . (٤) غريب ابن الجوزي ١٧٤/١ والنهاية ٣٠١/١ والحديث قالته بعدما بلغها أنه قال شعراً يلومها فيه. أ . (٥) هو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة ((ابن كثير ١ /٥٠٧) . (٦) هو قول ابن مسعود وعلي ((ابن كثير ١ /٤٥٠٧ وأضاف ابن كثير أقوالاً أخرى هي: قال ابن عباس وجماعة : هو الضعيف . وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح. وقال زيد بن أسلم : هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر . (٧) قرأ ابن مسعود وحفصة (في ذكر الله ) الكشاف ٤٠٤/٣. (٨) ديوانه ٤٠٩. ٣٤٥ باب الجيم وعن الفراءِ: ﴿في جنبِ اللّهِ﴾ أي في قُربه وجوارِه. وجانبُ الشيءُ: جَنْبُه. ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْرَضَ ونَأَى بجانبهٍ﴾ [الإسراء: ٨٣] كنايةٌ عن تكبِّرِهِ نحو: ﴿ثانيَ عِطفِهِ﴾ [الحج: ٩]، ﴿يَثْنونَ صُدورَهم﴾ [هود: ٥]، ﴿ولا تُصعِّرْ خدَّك﴾ [لقمان: ١٨] كلُّهُ بمعنى التَّكُّر، لأنَّ المتكبِّرَ يفعلَ ذلك غالباً. وقولُه: ﴿دعانا لجَنْبِهِ﴾ [يونس: ٢١] يَعني مُضطجعاً لجنبه، ولهذا عَطفَ عليه ﴿قاعداً أو قائماً﴾ والمعنى: دعا في سائرٍ أحواله لأنَّ الإنسانَ لا يخلو حالهُ عن إِحدى هذه الهيئات . وقوله: ﴿والجارِ الجُنُبِ(١)﴾ [النساء: ٣٦] يعني القريب(٢)، قيل له ذلك المُجانبتِهِ مَن يجاورُهُ نَسباً ومنزلاً . يقالُ: رجلٌ جُنُبٌ، ورجالٌ جُنُبَّ، وامرأةٌ جُنُبٌ، وهما جُنُبان، والمطابقةَ قليلةً. وكذلك الجنُبُ من الجنابة الموجبة للغُسلِ يَستوي فيها الواحدُ وغيرُه. قال تعالى: ﴿ وإِن كنتُم جُنُباً﴾ [المائدة: ٦] سُمي بذلك لبُعدهِ من مكان الصلاة. يقالُ: جَنُبَ وَأَجْتَبَ، ويقالُ: رجلٌ جُنُبٌ أي غريبٌ، وجانبٌ أيضاً، وجمعُه جُتّابٌ كراكبٍ ورُكّاب. والجَنْبُ: البعدُ في الأصلِ، فأُطلقَ على الأناسيِّ إِطلاقَ المصادرِ عليها نحوُ: رجلٌ عَدْلٌ ، وفيه مذاهبُ للناسِ بينّاهُ غيرَ مرةٍ. قوله: ﴿فبصُرَتْ بِهِ عن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] أي عن بُعد. والجنابةُ: البُعدُ أيضاً. ومنه قولُ علقمةَ بنِ عَبَدةً: [ من الطويل] فإِني امرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غَرِيبُ (٣) ٣٠٤ - فلا تحرمِي نائلاً عن جنابةٍ وجَنُبَ الرجلُ جَنابةً: إِذا احتلمَ. وسارَ جَنِيبَه وجنيبتَه وجَنَابَيْهِ وَجَنَابِيَتَهُ. وَجَنّبتُه: أصبتُ جَنْبَه، نحو كبدْتُه. وجُنِبَ: اشتكَى جَنْبَه، نحو: فُتِدَ وَكُبِدَ. قيلَ: وَبُني الفعلُ من (١) قرأ عامر والمفضل والمطوعي (الجَنْب) السبعة ٢٣٣ والإتحاف ١٩٠ .. (٢) قال ابن عباس: هو الذي ليس بينك وبينه قرابة . وقال نوف البكالي: يعني اليهودي والنصراني وقال مجاهد : يعني الرفيق في السفر وانظر ابن كثير ١ /٥٠٦ . (٣) الشاعر هو علقمة الفحل والبيت في ديوانه ٤٨ والمفضليات ٣٩٤ أي: لا تحرمني بعد غربة وبعد عن دياري . وعن : بمعنى بعد . ٣٤٦ باب الجيم = الجَنْبِ على وجهينٍ: أحدُهما: الذهابُ عن ناحيته، والثاني: الذهاب إِليه. فمن الأول: ﴿ وَالذينَ اجْتَنَبُوا الطاغوت﴾ [الزمر: ١٧] ﴿فاجتنبُوهُ لعلكُمْ تُفلحونَ﴾ [المائدة: ٩٠] أي اتركوهُ، وهو أبلغُ منه، لأنَّ معنى ((اجتنبوهُ)) اتركوا ناحيتَه وابتعدوا عنها. وهذا أبلغُ من قولك: اتركوهُ. ومثلُه في المعنى: لا أرينَّكَ ها هنا؛ نهاهُ عن قربانِ مكان الرُّؤْيا فهو أبلغُ من قولِه: لا تَجْني. وقولُه: ((فلا تحرمنِّي نائلاً عن جنابةٍ))، أي بُعدٍ، وقولُه تعالى: ﴿واجنُبْني(١) وبَنِيَّ﴾ [إبراهيم: ٣٥] أي أَبعدْني، مِن جَنيتُه عن كذا أي أبعدْتُه. قال الراغبُ(٢): وقيلَ: هو مِن جَنَبتُ الفرسَ، كأنَّما سألهَ أن يقودَه عن جانبِ الشِّركِ بألطافٍ منه وأسبابٍ خفيَّةٍ. والجَنّبُ: الرَّوَحُ في الرِّجلين عن الأخرى خلقَةَ. والرِّيحُ الجَنوبِ: يُحتملُ أن تكونَ سُميتْ بذلك لمجيئها من جِنْبِ الكعبة، أو لذّهابها عنهُ لوجودِ المعنيين فيها. وجَنَبَتِ الريحُ: هَبَّتْ جَنوباً. وجَتّبتْ زيداً: أصابتْه الجَنوبُ. وأَجنبَ: دَخْلَ فيها. وسحابة مَجنوبٌ: هبَّتْ عليها. وجَنَب فلانٌ خيراً أو شَرّاً إِلا أنَّه متَى أُطلقَ لا يكونُ إِلا عن الخيرِ. ويقالُ ذلك في الخيرِ والدُّعاءِ. وجَنْبُ الحائط وجانبُه: ناحيتُه. ج ن ح : قولُه تعالى: ﴿وَإِن جَنَجوا للسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] أي مالوا ﴿فَاجْتَحْ(٣) لها﴾ أي مِلْ. وأصلُه مِن: جَنحتِ السفينةُ أي مالتْ بأحدٍ جانبيْها، وجانباها: جناحاها. وأصلُ هذا من جناحِ الطائرِ؛ قال تعالى: ﴿ولا طائرٍ يطيرُ بجناحَيهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وجَنحتُ. الطائر: أصبتُ جناحَه، ثمَّ عُبِّر عن جائبي الشيءِ بجناحَيهِ؛ فقيل(٤): جَنَاجًا الإِنسان ليدَيهِ، كما قيلَ لجناحَي الطائر يداهُ على الاستعارة فيهما. وجناحا السفينة، وجناحا الوادي، وجناحا العسكر. (١) قرأ الجحدري وعيسى والثقفي وعيسى الهجهاج (وأجنبني) المحتسب ٣٦٣/١ ومعاني الفراء ٧٨/٢. (٢) المفردات: ٢٠٦ . (٣) قرأ الأشهب العقيلي (فاجتُحْ) المحتسب ٢٨٠/١. ( ٤) المفردات ٢٠٦ . ! ٣٤٧ باب الجيم وقولُه: ﴿وَاضِمُمْ يدَكَ إِلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢] أي ما بينَ إِبطك وعضُدكَ. وقولُه: ﴿واخفضْ لهم جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، استعارةٌ بديعةٌ، وذلك أنه لما كانَ الذلُّ ضربينٍ؛ ضربٌ يرفعُ الإِنسانَ وضربٌ يضَعُه، وكان المقصودُ في هذا المكانِ جهةً الرفعِ قيلَ جناح الذلِّ، كأنه قيلَ: استَعمِلِ الذُّلَّ الذي يرفعُكَ عندَ اللَّهِ من أجلِ الرحمة أو من أجلٍ رحمتكَ لهما. وجنحَ البعيرُ في سيرهٍ: أسرعَ، كأنهم تصَّوروا لهُ جناحَينٍ. وجنَح الليلُ: أقبلَ بظلامهِ، والجنحُ قطعةٌ من اللّيلِ مُظلمةٌ. والجُنَاحُ: الإِثمُ، وأصلُه ما يميلُ بكَ عن الحقِّ. ومنهُ الجوائحُ: وهي عظامُ الصدرِ المتَّصلةِ رؤوسُها في وسطِ الزُّورِ، والواحدة جائحةٌ سُميت بذلك لمَيَلانِها. وعصا الرَّجلِ تُسمى بالجناحِ لاستعانتِه بها؛ وبها فسَّر الفراءُ ﴿واضمُمْ إِليكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]، قال: عصاكَ(١)؛ ولذلك كنَّتِ العربُ عن القوةِ والثروةِ بالجَنَاحِ؛ قالوا: طالَ جناحُ فلانٍ، لمن أثرى. وقُصَّ جناحُه لمن انْتَقَرِ؛ استعارةٌ من الطائرِ المقصوصِ. ج ن د: الجندُ: العسكرُ المعَدُّ للقتالِ اعتباراً بالجند؛ وهي الأرضُ الغليظةُ الكثيرةُ الأحجارِ. ثم قيلَ لكلِّ مجتمعٍ: جُنُدٌ. ويجمعُ على أجنادٍ وجُنُودٍ. قال: ﴿ مَا يَعلمُ جنودَ رَبِّك إِلا هُو﴾ [المدثر: ٣١] أي خلائقُه التي إِنْ أرادَ أن يُهلك بها مَن شاءَ أهلكتْه. وقولُه: ﴿وما أنزلنا على قومهِ من بعده من جُندٍ﴾ [يس: ٢٨] أي أنَّ صيحَة الملك قد أهلكتهم، فلم يحتجْ معها إِلى إنزالِ جُندً. وقولُه: ﴿إِذ جاءَتْكُم جنودٌ فأرسَلْنا عليهم ريحاً وجُنُوداً (٢) لم تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]؛ الجنودُ الأولى همُ الكفارُ، والثانيةُ الملائكةُ. وهذا يدلُّ على عظيم قدرٍ نبيِّنَا مٌَّ إِذْ كان ربُّنَا يُهلكُ أهلَ القُرى بصيحةٍ ملكٍ واحدٍ، وينصرُ رسولَه بآلافٍ مِنّ الملائكة، فيهم ذلك الملكُ الذي كان يُهلك بصيحتهِ القُرى، وهو جبريلُ، اعتناءً بشأنه .• (١) في معاني الفراء ٣٠٦/٢ ((يريد عصاه في هذا الموضع. والجناح في الموضع الآخر[ أي قوله: يدك إلى جناحك ] مابين أسفل العضد إلى الرفغ وهو الإبط .)) . (٢) قرأ الحسن ( جَنوداً). ٣٤٨ باب الجيم وقولُهُ تَّى ((الأرواحُ جنودٌ مجنّدةٌ)) (١) أي مجتمعةٌ، نحوُ قَناطيرَ مُقْنطرة، وأُلوف مؤلّفة يُقصد به التکثیرُ. : ج ن ف : الجَنَفُ: الميلُ في الحُكمِ. ومنهُ: ﴿فمن خافَ من مُوصٍ جَنَفاً (٢)﴾ [ البقرة: ١٨٢] أي مَيلاً ظاهراً وقوله: ﴿غيرَ مُتَجَانِفٍ(٣)﴾ [المائدة: ٣] أي غيرَ مائل إِليه بفاعلٍ منه. يقالُ: جَفَ عليَّ يَجْنِفُ جَنَفاً فهو جَنِفٌ. وفي الحديث: ((إِنّا نُرُدُّ من جَنَفٍ الظالمٍ مثلما نَردُّ من جَنَفِ المُوصي))(٤). وعن عمر رضي اللهُ عنه: (( ما تَجانَفْنا))(٥). وقيلَ: الجَنفُ: الجَوْرُ، وهو في معنى المَيْلِ أيضاً. ج ن ن: قوله تعالى: ﴿جنّات﴾ [البقرة: ٢٥] و﴿جَنّة﴾ [البقرة: ٣٥]. الجنةُ: قيلَ: هي في الأصل البستانُ ذو الشجرِ الساترِ بأشجاره الأرضَ. وقد يُطلقُ على الأشجارِ نفسِها. جَنَّة . وأنشد لزهيرٍ: [من البسيط ] ٣٠٥ - كأنَّ عينيَّ فِي غَرْبَيْ مُقْتَّلةٍ منَ النَّواضحِ تَسْقِي جَنَّةٌ سُحُقًا(٦) سُمي بذلك لِسَتْرِهِ الأَرِضَ ومَن يدخلُ فيهِ. وكيفَما دارتْ هذه المادّةُ دَّتْ على السَّتْرِ. ومنه الجِنَّ: لاستتارِهم عن العيونِ، لذلك سُمي مُقابلُهم بالإِنسِ لأنَّهم يُؤنَسون أي يُصَرُونِ. وقولُه: ﴿وخلقَ الجانَّ﴾ [الرحمن: ١٥]، قيلَ: هو أبو الجنّ كما آدم عليه السلام (١) غريب ابن الجوزي ١٧٦/١ ومسند أحمد ٢٩٥/٢ والنهاية ٣٠٥/١ وفي الغريبين ٤١٠/١ والبخاري في الأنبياء ٣١٥٨. .(٢) قرأ علي (حيفاً) البحر المحيط ٢٤/٢ والقرطبي ٢٧٠/٢. (٣) قرأ النخعي وابن وثاب وأبو عبد الرحمن (متَجَنَّفٍ) المحتسب ٢٠٧/١ والبحر المحيط ٣ /٤٢٧. (٤) النهاية ١ /٣٠٧ وغريب ابن الجوزي ١ /١٧٧. (٥) النهاية ١ /٣٠٧ وغريب ابن الجوزي:١٧٧/١. (٦) ديوانه ٤١ . ٣٤٩ باب الجيم أبو الإِنسِ. وقوله: ﴿أَمْ يقولون به جِنّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] أي جنونٌ لأنه يستُرُ العقلَ. وقولُه: ﴿من الجنَّةِ والناسِ﴾ [الناس: ٦] هم الجنّ. وكذلك ﴿يجَعلوا بينَه وبينَ الجنّة نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨]. والمجَنَّةُ والمِجَنُّ: الترسُ لسَتَرٍ حاملهِ. وقولُه: ﴿أَجنّةٌ في بُطونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] جمعُ جَنَينٍ وهو ما في البطنِ لاستتارهِ في الرّحمِ. وكذلك قال تعالى: ﴿في ظُلماتٍ ثلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] قيلَ: ظُلمةُ الرحمِ، وظلمةُ الْبَطنِ، وظلمةُ المَشِيمةِ. والجَنانُ: القلبُ لاستتارِهِ بالصدرِ. وقولُه: ﴿اَتَّخَذُوا أيمانَهُمْ جُنَّةَ﴾ [المجادلة: ١٦] أي جَعلوها وقايةً لهم كما يُتَّقى بالتُّرسِ، ومنه: أجنَّهُ الليلُ. وجنَّهُ أي سَتَرَهُ بظلمته، قال تعالى: ﴿فلما جَنَّ عليه الليلُ﴾ [الأنعام: ٧٦]. يقالُ: جنَّهُ وأَجَنَّهُ وجنَّ عليه، فجنَّه: سَتَرَه، وأَجِنَّه: جَعَلَ لهُ ما يَجُنُّه، كقولك: سَقَيتُهُ وأَسْقَيتُه، وقَبَرْتُه وأَقْبرتُه. وجَنَّ عليه: سَتَر علیهِ . وقولُه: ﴿جناتٍ﴾ [الكهف: ١٠٧] قال ابنُ عباس(١): إِنَّمَا خَصَّها لأنَّها سَبعٌ: جنةُ الفردوس، وجنَّةُ عَدْنٍ، وجنةُ النَّعيم، ودارُ السلام، ودارُ الخلد، وجنةُ المأوى، وعلُّون. وسُمِّيت الجنةُ في الآخرةِ جنةً إِمّا تشبيهاً بجنة الأرض وإِن كانَ بينَهما بَونٌ وإِما لسَتَرِها عنا نعمها المشارِ إِليها بقولِه: ﴿فَلا تَعلمُ نفسٌ ما أُخْفِيَ لهُم﴾ [السجدة: ١٧] والجنينُ: الولدُ ما دامَ في البطنِ؛ فعيل بمعنى مفعول. والجنينُ: القبرُ فعيلٌ بمعنى فاعلٍ. والجِنُّ يقالُ على وجهينٍ؛ أحدُهما للروحانِينَ المُستترةِ عن الحواسِّ كلّها بإزاءٍ الإِنسِ، فعلى هذا يشملُ الملائكةَ والشياطين؛ فكلُّ مَلَكِ جنّ، وليسَ كلُّ جنُّ مَلكاً(٢). قيلَ: الجنّ بعضُ الروحانيينَ، وذلكَ أنَّ الروحانيينَ ثلاثةُ أجناسٍ: أخبارٌ مَحض وهمُ الملائكةُ، وأشرارٌ محضّ وهم الشياطينُ، وأوساطٌ وهم الأخيارُ والأشرارُ. ويدلُّ عليه قولُه تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِليَّ أنه اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١] إلى قوله: ﴿وأنّ مِنّا المُسلِمون ومِنّا القاسطون﴾ [الجن: ١٤]، وعلى هذا فقولُه: ﴿فسجد الملائكةُ كلُّهم أجمعون إِلا (١) المفردات ٢٠٤ . (٢) المؤلف ينقل من المفردات ٢٠٤، وقد أسقط قول الراغب [وعلى هذا قال أبو صالح: الملائكة كلها جن ] . ٣٥٠ باب الجيم إِبليسَ﴾ [الحجر: ٣٠-٣/١] فإبليسُ استثناءٌ مُنقطعٌ لأنّه منَ الجنَ، وقيلَ؛ متصلٌ. وِلهُ موضعٌ غيرُ هذا. ويقالُ: جُنَّ فلانٌ، على صيغةٍ ما لم يُسمَّ فاعلُه. ومعنى جُنَّ أصابَه جنٍّ، أو أُصيب جَنَاتُهُ وهو عقلُه، تعبيراً عنه بالقلبِ. وقولُه: ﴿مُعَلَّمٌّ مَجنونٌ﴾ [الدخان: ١٤ ] أي عن تَعلُّمِهِ. والجانُّ: أبو الجنّ كما تَقدَّم. وقيلَ: نوعٌ من الجنِّ. : والجانُّ أيضاً: الحيّاتُ الخفافُ، هو عندي إِنَّما سُمِيت بذلك تشبيهاً بالجانٌ لخفَّتها وسرعة انقلابها، وجمعُها جنَّانٌ، وفي حديثٍ كشحٍ زمزمَ قالَ العباسُ: (( يا رسولَ اللَّهِ إِنَّ فيها جَنَّاناً كثيرةً))(١). وفي آخر: ((نَهى عن قتل الجنَّانِ))(٢) التي تكونُ في البيتِ، وجمعُ فاعل على فِعلان غريبٌ. وقال ابنُ عرفةً: الجانُّ: الحيّة الصغيرةُ. وقد تقدَّم الجوابُ عن عصا موسى كيفَ وُصِفَتْ تارةً بالثعبانِ؛ وهو العظيمُ من الحيّاتِ، وتارةً بالجانٌ وهو الصغيرُ، وفي مادةِ ((ث.ع.ب) وقد ذكرَه الهرويُّ هنا. ج ډ ي: قولُه تعالى: ﴿وَجَنَى (٣) الجِنَّتينِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]؛ المُجتَنَى من ثَمرِهما قريبٌ. فَالجَنى مصدرٌ واقِعٌ موقعَ المفعولِ. وقيلَ: هوَ فعلٌ بمعنى مفعول كالقَبْضِ والنَّقض. والجَنَى والجَنِيُّ: المُجْتَنَى، هو التمرُ أو العسلُ، وأكثرُ ما يقالُ ذلك في الثمرِ إِذا كان غَضّاً، كقوله: ﴿رُطَّباً جَنِيّاً﴾ (٤) [مريم: ٢٥]. يقالُ: جَنَيتُ الثمرةَ وَاجْتَنِيتُها وأَجنتِ الشجرةُ: أَدركَ ثمارُها. وحقيقتُه: صارتْ ذاتَ جنىٌّ. واستعيرُ من ذلك: جَنَى علی فلانٌ: إِذا أصابه بشرٌّ. وعن عليّ رضي الله عنه: [ من الرجز] إِذْ كلُّ جانٍ يَدُهُ إِلى فيهْ (٥) ٣٠٦ - هذا جاي وخيارُه فيهْ (١) غريب ابن الجوزي ١٧٨/١ والغريبين ١ /٤١٣ والنهاية ٣٠٨/١. (٢) غريب ابن الجوزي ١٧٨/١ والنهاية ٣٠٨/١ والبخاري ٣١٣٥. (٣) قرأ عيسى (وجَنِي) البحر المحيط ١٩٧/٨ وقرئت (وجنّى) القرطبي ١٨٠/١٧ (٤) قرأ طلحة بن سلمان (جنيّاً) المحتسب ٤١/٢ والبحر المحيط ١٨٥/٦. (٥) البيت في معجم الشعراء ٠ ١ لعمرو بن عدي وهو في الغريبين ٤١٣/١ وغريب ابن الجوزي ١٧٨/١ والنهاية ١ /٣٠٩ لعلي بن أبي طالب . ٣٥١ باب الجيم بمعنى أنه رضيَ اللَّه عنهُ لم يلتمسْ شيئاً من فَيْءٍ المسلمين. وأصلُ المثلِ لعمرو ابن أختِ جَذيمةً، وذلكَ أنه خرجَ يَجْني الكمْأَةَ مع رفقتهِ، فجعلَ كلٌّ مِنْهُمْ إِذا وجدَ طيِّباً أكلّه وإِذا وجدَ هوَ الطِّبَ جناهُ في كمِّهِ لخالِهِ جُذيمةً. فلما قالَها أرسلها مَثَلاً مَن آثر صاحبَه بخيرٍ ما عندَه. وفي بعضِ الأحاديثِ: ((أُهديَ إِليهِ أَجْنٍ زُغْبَّ))(١)؛ أجنٍ: جمع جَنَىَ، والأصلُ أجنّى على أفعل، كما يُجمعُ عصاً على أَعْصٍ، والأصلُ: أَعصُو، فَقَلّبوا الضمَّةَ في أجنى كسرةٌ لتصحَّ الياءُ، ثم اعتلَّ إِعلال قاضٍ والإشارةُ بذلك إِلى القشّاءِ؛ سَمّاهُ جنىً لكونهِ غَضّاً، والمشهورُ في روايةٍ هذا ((أَجْرٍ)(٢) بالراءِ جمعِ جِرْرٍ وهو القِنَّاءُ. فصل الجيم والهاء ج هد : قولُه تعالى: ﴿وجاهدوا في اللَّه حقَّ جهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] الجهادُ: استفراغُ الوُسْعِ والطاقةِ في مُدافعةِ العدوِ. وهو ثلاثةُ أنواعٍ: جهادُ العدوِ ظاهراً، وهو الغزوُ لقتالِ الكفارِ لتكونَ كلمةُ اللّه هيَ العُليا. وجهادُ المُلحدينَ بالحُججِ الواضحة. وجهادُ العدوِّ باطناً، وهو جهادُ النفسِ وجهادُ الشيطانِ وهو أصعبُ الجهاد. وفي الحديث: ((رَجعنا من الجهادِ الأصغرِ إِلى الجهادِ الأكبرِ))(٢) ؛ يعني مجاهدةً النفسِ والشياطين، وهو تَّهُ وإِن كان آمناً من ذلك لأنه معصوم لكنْ عَلَّمَنا ذلك، وصدقَ عليه الصلاة والسلام؛ فإِنَّ مراجعةً النفسِ ومقابلتها أصعبُ من قتالِ أفتكِ الرجالِ. وهذا أمرٌ محسوسٌ نجدُه من أنفسنا، فإِنَّ الأعمالَ البدنيَّةَ أهونُ من الأعمالِ القَلبية، ولذلك نجدُ الناسَ يُعالجون الصنائع الشاقَّة، ولا يعالِجُ العَلمَ منهم إلا القليلُ لأنه أمرٌ قَلِيٍّ. (١) النهاية ٣١٠/١ ويقول ابن الأثير ((هكذا جاء في بعض الروايات، والمشهور ((أجر)) بالراء. وانظر الهامش التالي . (٢) في غريب ابن الجوزي ١ /١١٢ أتيته بأجْرٍ. قال ابن قتيبة: هو جمع جِرْو، يجمع أيضاً جرّ، وجرو القثاء والرمان : صغاره .» . (٣) كشف الخفاء ٥١١/١. وانظر المفردات للراغب ٨٣٣. ٣٥٢ باب الجيم وقولُه تعالى: ﴿لا يَجِدُونِ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. الجُهْدُ: الطاقةُ والمَشقَّةُ، وقُرئَ بالفتح(١)، فقيلَ: هما لغتان كالقُرْءِ والقَرْءِ. وقيلَ: بالضمِّ الوُسْعُ وبالفتح المشقَّةُ. وقال الشعبيُّ: الجُهدُ بالضمّ بمعنى القوتِ. والجَهدُ بالفتح في العمل. وقال ابنُ عرفةً: هو بالضمِ الوُسعُ والطاقةُ، وبالفتْح: المبالغةُ والغاية. ومنه: ﴿وأقسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أيمَانِهِم﴾ [النور: ٥٣] أي بالغوا في اليمين وأجهدوا فيها بمعنى أنهم أجهدوا فيها أن يأتُوا بها على أبلغِ ما في وُسعِهِم وطاقِتِهِم. والاجتهادُ افتعالٌ من ذلك وهو أخذُ النفسِ ببذلِ الطاقةِ وتحمُّلِ المشقَّةِ. يقالُ: جَهَّدْتُ رَأيِي واجْتَهدتُ فيه: أتعبتُهُ بالفكرِ والتأمُّل. والجَهْدُ: الهُزالُ. وفي حديثٍ أُمُّ معبدٍ: ((شأةٌ خَلْفَها الجَهْدُ﴾(٢) أي هُزالُها. ومنه جُهد الرجلُ فهو مجهودٌ. وعن الحسن: ((لا يُجهِدُ الرجلُ مالَه))(٣) أي لا يبذِّرُه حتى يسألَ غيرَهُ. وفي الحديثِ: (نزلَ بأرضٍ جَهادٍ))(٤) أي لا نباتَ بها وهي الجُرُزُ. ج هـ ر: الجَهْرُ: الظاهرُ المكشوفُ ضدُّ السِّر. يقال: جهَرْتُ الشيءَ: كَشَفَتُه. وهو من قولهم: وجهٌ جهيرٌ أي ظاهرُ الوَضاءة. وجَهرتُه وأَجْهرتُه بمعنىً. وقولُه: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهرةَ﴾ [النساء: ١٥٣] أي عياناً غيرَ مُحتجبٍ، قالُوه لجهلهم بصفاتِه العُلَى أو تَعنَّتاً في الكفرِ. وجَهَرتُ البئرَ واجْتَهِرتُها: أظهرتُ ماءِها. والجهرُ: يقالُ لظهورِ الشيءِ بِإِفراطِ حاسَّةِ البصرِ أو حاسَّةِ السمع؛ من الأولِ ﴿أرِنا اللَّهَ جهرةً﴾ ﴿حتَّى نَرَى اللَّهِ جَهرةً(*) ﴾ [البقرة: ٥٥] ورأيتُه جهاراً، ومن الثاني: ﴿ثم إِنّي دعوتُهم جِهاراً﴾ [نوح: ٨]، وقوله: ﴿سواءٌ مِنكُم من أَسَرَّ القولَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] ﴿وأسِرُّوا قولكم أوِ اجْهَروا بهِ﴾ [الملك: ١٣] ﴿ولا تَجْهِرْ بصلاتِكَ ولا تُخافِتْ بها﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿ وَلا تَجْهِروا له (١). قرأها بالفتح (جَهْدَهم) الأعرج ومجاهد وعطاء، مختصر ابن خالويه ٥٤. وفي البحر المحيط ٥ / ٧٥ قرأها ابن هرمز . (٢) غريب ابن الجوزي ١/ ١٨١ والنهاية ٣٢٠/١ وهو من حديث الهجرة. (٣) غريب ابن الجوزي ١٨٢/١ والنهاية ٣٢٠/١ وتتمة الحديث (ثم يقعد يسأل الناس)). (٤) غريب ابن الجوزي ١٨٢/١ والنهاية ٣٢٠/١. : (٥) قرأ ابن عباس وسهل بن شعيب وحميد بن قيس (جَهَرَةً) المحتسب ١ /٨٤ والبحر المحيط ٢١١/١. ٣٥٣ ہاب الجيم بالقول كجهرِ بعضِكم لبعضٍ﴾ [الحجرات: ٢]. ورجلٌ جَهْوريُّ الصوتِ وجَهيرُه أي رفيعُ الصوتِ عالیهِ. والجوهرُ: فَوَعلّ، من الجهرِ المحسوسِ بالبصرِ لظهورهِ بإِشراقه وتلالئ ضوئهِ. والجوهرُ في عُرفِ المتكلمينَ: المُقابلُ للعَرَضِ من ذلك لظهورهِ للحاسَّةِ. وقيلَ: الجوهرُ: ما إِذا بطلَ بطلَ محمولُه(١). وجَهرْتُ الجيشَ واجْتُهرتُهم: إِذا نَظرتَهم، فكثُرُوا فِي عَينِكَ. ومنه وَصف عليّ رسولَ اللَّهِ لَّهُ: ((مَن رَآهُ جَهرُ))(٢) أي عظُم عندَه. ومنهُ الجُهْرَةُ وهي حسنُ المنظر. قال القُطاميُّ: [من الطويل] ٣٠٧ - شَتُكَ إِذْ أبصرتُ جُهْرَكَ سَيَّاً وما غيَّبَ الأقوامُ تابِعَة الجُهرِ (٣) وقولُه: ﴿بَغْتَةُ أُو جَهْرَةً(٤)﴾ [الأنعام: ٤٧] أي يأتيهم العذابُ مُفاجأةً من حيثُ لا یرونه ولا یشاهدونَه. ج ھـ ز : الجَهازُ: ما يُعدُّ من مَتَاعٍ ونحوهِ. والتَّجهيزُ: بعثُ ذلك، أو حملُه. وعليه قولُه تعالى: ﴿ولمّا جَهِّزْهُم بجَهازِهِمْ﴾ [يوسف: ٥٩]، وقُرىَ بالكسرِ(٥). وجَهيزةُ: امرأةٌ مُحْمَقَةٌ(٦) ثم قيلَ لكلِّ مَن تُرضعُ ولدَ غيرها جهيزةٌ لذلك. وضَربَ البعيرُ بجهازهِ: إِذا أَلْقَى مَتَاعَه في رحلهِ فَنَفْرَ. وجهازُ العروسِ: أثاثُ البيتِ ومتاعُه. ج ھـ ل: الجهلُ: ضدُّ العلم، والعلمُ: تصُّورُ الشيءٍ بما هوَ عليه، أو تصديقٌ لذلك، والجهلُ يقابلُه. وقيلَ: العلمُ ضَروريٍّ فلا يحدُّ، وقيلَ: كَسْبِيٌّ. والجهلُ ضربان: بسيطٌ ومركبٌ، (١) انظر تعريف الجوهر في تعريفات الجرجاني ٨٣. (٢) غريب ابن الجوزي ١٨٢/١ والنهاية ٣٢٠/١. (٣) ديوانه ٧٣ واللسان والتاج (جهر) . (٤) قرئت (جَهَرَةٌ) الكشاف ١٤/٢ . (٥) قرئت (بجهازِهم) الكشاف ٢ /٢٣٠ والبحر المحيط ٣٢١/٥ دون تعيين قارئ. (٦) يقصد المثل (أحمق من جهيزة). وذكره الميداني في مجمع الأمثال ٢١٨/١ وقال ((هي أم = ٣٥٤ باب الجيم وأقبحهما الثاني لأنَّ صاحبَه يجهلُ ويجهلُ أنَّه يَجهلُ. وقد قسَمه بعضُهمْ(١) إِلى ثلاثةِ أقسام: الأولُ خُلوُّ النفسِ من العلمِ وهذا هو الأصلُ. ولذلك جعلَه بعضُ المتكلمين معنىّ مُقْتضياً للأفعالِ الخارجةُ على النظامِ، كما جعلَ العلم معنَى مُقْتَضياً للأفعال الخارجة من النظامِ(٢). والثاني اعتقادُ الشيءٍ على خلاف ما هو عليهِ. والثالثُ فعلُ الشيءِ خلافَ ما حقُّه أن يُفعلَ سواءٌ أعتقدَه صحيحاً أو فاسداً، كمنْ تِركَ الصلاةَ. وإِذا أطلقَ الجهلُ فأكثرٌ ما يرادُ به الذمُّ، وقد لا يَردُ بهذا المعنى كقوله: ﴿يحسّبُهم الجاهلُ أغنياءَ من التَّعْفُّفِ﴾ [ البقرة: ٢٧٣] يريدُ الجاهلَ بأحوالهم. واستجهلت الريحُ الغَضا أي استخفَّتْه فحرَّكْته، فكانَّ الجهلَ حقُّه العلمُ كالسَّفِهِ. والمَجْهلُ: الأرضُ التي لا مُثارَ بها. قالَ: [من الطويل] ٣٠٨ - غَدَتْ مِن عليه بعد ما تمَّ ظِمْؤُها تَصِلُّ وعنِ قَيْضٍ بِزَيزاءَ مَجْهَلٍ (٣) والمَجْهَلُ: أيضاً الأمرُ والخَصلةُ الحاملةُ للإنسان على اعتقاد الشيء بخلاف ما هوّ عليه. وقد يُطلقُ الجهلُ على مُجازاته للمقابلة ، كقوله: [ من الوافر]: فتجَهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا (٤) ٣٠٩ - ألا لا یجھلن أُحدّ علينا وفي الحديث: ((أنه عليه الصلاةُ والسلام أخذَ أُحدَ ابْنَيْهِ وقالَ: إِنكم لتُجهِّلونَ وتُجبِّنُونَ وتُبخِّلون(٥)) يَعني عليه الصلاةُ والسلام مثلُ قولِ العربِ: الولدُ مَجهلةٌ مَجبنةٌ = شبيب الحرورى ومن حمقها أنها لما حملت شبيباً فأثقلت قالت لاحمائها : إِن في بطني شيئاً ينقر فتشون عنها هذه الكلمة، فحمقت)) وانظر المستقصى ٧٧/١ وجمهرة الأمثال ٣٤٢/١ وفصل المقال ٤١٧. وثمة مثل آخر ورد في المستقصى ١٩٧/٢ ومجمع الامثال ٢ /٩١ وهو( قطعت جهيزة قول كل خطيب )، يضرب لمن يقطع ماهم فيه بحماقة يأتي بها. (١) المفردات ٢٠٩ : (٢) المفردات ٢٠٩ ((للأفعال الجارية على النظام)). (٣) البيت لمزاحم العقيلي في الأزهية ١٩٤، واستشهد به المؤلف على مجيء (على) بمعنى فوق. والبيت أيضاً في الحيوان ٤١٨/٤ والخزانة ٢٥٣/٤ (بولاق) والمخصص ٥٧/١٤ واللسان: (صلل) وانظر أخباره في الاغاني ١٩ /٩٧. (٤) البيت لعمرو بن كلثوم في معلقته. شرح المعلقات العشر ٢١٣. (٥) غريب ابن الجوزي ١٨٢/١ والنهاية ٣٢٢/١. ٠٠ ٣٥٥ باب الجيم مَبخلةٌ؛ يَعنون أنه يُجبِّنُ عن حضورِ الحربِ، ويجعلُ الرجلَ بخيلاً بماله، ويجهّلون ما كانَ يعلمُه خاطُه بمعيشتهم. وفي الحديث: ((إِنَّ مِن العلمِ جَهلاً)) (١) معناهُ أنَّ العالمَ يكلّفُ ما لا يَعلمُه فيجهّلُه ذلك. وقالَ الجوهريُّ (٢): هو أن يتعلُّمَ ما لا يحتاجُ إِليه كالكلامِ والنجومِ وكتبِ الأوائلِ. وجهلتُه أي لم أعرفْه. وجهَّلتُه بالتشديد: نسَبتُه إِليهِ. واستجهلتُه: وجدتُه جاهلاً. وأجهلتُه: جعلتُه جاهلاً. واستجهلتُه: حملتُه على الجهلِ أيضاً. ومثلُه استعجلَ أي حَملُه على العَجلة. كقولِ القِطاميُّ: [ من البسيط ] ٣١٠ - فاسْتُعجلونا وكانوا من صحابَتنا كما تَعجِّلَ فُرّاطٌ لِوُرَّاد (٣) ومنه: استجهلت الريحُ القَصبةَ، كأنها حَملْها على الجهلِ، وهو الحركة كما تقدَّم. ج ھ ن: جهنّمُ أعاذَنا اللّهُ منها: اسمٌ لنارِ اللَّه الموقَدةِ. قال بعضهم: هي فارسيةٌ معرَّةٌ، وأصلُها جَهْنام، وأكثرُ النحويين على ذلك، كما نقلّه الراغبُ(٤). فعلى هذا مَنع صرفَها للعَلميةِ، وما قاله غيرُ مشهورٍ فِي النَّقْلِ، بل المشهورُ عندهُمْ أنَّها عربيةٌ، وأنَّ منعَها للعلمية والتأنيث. وحكى قُطربٌ عن رُؤبةً(٥): ركيَّةٌ جِهِنَّامٌ أي بعيدةُ القعرِ، واشتقاقُ جَهَنَّمَ من ذلك لبعدٍ قعرِها.(٦) وفيها لغتانِ: بفتح الفاءِ والعينِ وهو المشهورُ وبكسرِهما جميعاً. وقيلَ: هل هيّ اسمٌ لجميعِ نارِ الطبقاتِ السبع، أو هيَ أحدُ الطبقاتِ السبعِ؟ للناس في ذلك كلامٌ. والظاهرُ الأُولُ لقوله تعالى: ﴿وإِنَّ جهنّمَ لَموعدُهم، أجمعينَ لها سبعةٌ أبوابٍ﴾ [الحجر: ٤٣-٤٤] وقيل: هي نارُ غيرِ العصاةِ . (١) غريب ابن الجوزي١ /١٨٣ والنهاية ٣٢٢/١ وأبو داود في الأدب ٥٠١٢ (٣٠٣/٤). (٢) نسب ابن الجوزي هذا القول إلى الأزهري . (٣) ديوانه ٩٠ والقافية فيه ((لروّاد)). (٤) المفرادات ٢٠٩-٢١٠. (٥) قوله في اللسان والتاج والصحاح (جهنم ) . (٦) سفر السعادة ٢١٣-٢١٥ ورسالة الملائكة ٢١-٢٣. ٣٥٦ باب الجيم فصل الجيم والواو ج وب: الجَوْبِ: قَطْعُ الجوبِ، وهو كالغائطِ من الأرضِ. ثم استُعملَ في قَطع كلِّ أرضٍ. قال تعالى: ﴿جابُوا الصخرَ بالوادِ﴾ [الفجر:٩] أي قَطعوهُ وجَعلوهُ بُيوتاً يسكنونَها. وقولُه: ((جَوّبُ ليلٍ سَرْمدٍ)(١) أي قَطَّاعُ ليلٍ بِالسُّرَى. وجبتُ الفلاةَ: قطعتُها سَيراً. وقال أبو بكر الصدِّيقُ رضي الله عنه: ((جيبت العربُ عنا كما جيبت الرَّحَى عن قُطْبها))(٢)، وهذا من أبلغِ الاستعاراتِ، يُريدُ أنَّه خُرِقَتِ العربُ عنا، فكنّا وَسَطاً وهيَ حَوالَيْنا، وخيارُ الشيءٍ وسَطُه، كما خُرقتِ الرَّحَى في وسطِها لأجلٍ قُطِها الذي تدورُ عليه. والجوابُ: السؤالُ مِنْ هذه المادة، لأنه يَقطعُ الجَوبَ مِن في المتكلِم إِلى أُذنِ السامعِ، إِلا أنه خصَّ بما يعودُ من الكلامِ دونَ المبتدأ من الخطاب. والسؤالُ على ضربينٍ: مَقالٌ وجوابُه المُقالُ، وطلبُ نَوالٍ وجوابُه النَّوالُ؛ فمن الأولِ: ﴿أَجيبوا داعيَ اللّهِ﴾. [الأحقاف: ٣١]. ومن الثاني: ﴿قال: قد أُجیبت(٢) دعوتُکما﴾ [ يونس:٨٩] أي أُعطيتُما ما سألتُما. ومثلُه: ﴿أُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وفي الحديث: ((أنَّ رجلا قالَ: يا رسولَ اللَّه أيُّ الليلِ أَجْوَبُ دعوةٌ؟ قالَ: جوفُ الليلِ الغابرِ)»(٤)، قال شَمِرٌ: أسرعُ إِجابةً نحو: أطْوَعُ منَ الطاعةِ. واستجاب بمعنى أجاب. وأنشدوا: [ من الطويل] ٣١١ - وداعٍ دَعا: يا مَن يُجِيبُ إِلى النَّدى فلم يَستجبْهُ، عند ذاك، مُجِيبُ(٥) وتحقيقُه ما قالُه الراغبُ(٦): هو تحرِّي الجواب وتهيُّؤه لهُ، لكن عبَّر به عن الإحاطةِ (١) النهاية ٣١١/١، وهو جزء من رجز قاله لقمان بن عاد. (٢) غريب ابن الجوزي ١ /١٧٨ والغريبين ٤١٦/١ والنهاية ٣١٠/١ والحديث قاله أبو بكر يوم السقيفة . (٣) قرأ ابن السميفع والربيع (أجبْتُ) القرطبي ٣٧٦/٨. (٤) غريب ابن الجوزي ١٧٩/١ والنهاية ٣١١/١ ومسند أحمد ٣٨٧/٤. (٥) البيت لكعب بن سعد الغنوي فى الأصمعيات ٩٦ وديوان المعاني ١٧٩/٢. وتقدم البيت برقم ٣٢، ٠ ١٦٥ ٠ (٦) المفردات ٢١٠. : ٣٥٧ باب الجيم لقَّلة انفكاكها منها. ج ود : قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَوتْ على الجوديّ (١)﴾ [هود: ٤٤] الجوديُّ: جبلٌ بينَ الموصلِ والجزيرةُ(٢)، وقيلَ: بَآمِدَ، وقيلَ: بالجزيرة. والأصلُ أنه منسوبٌ إِلى الجُودِ. والجود: بذلُ المُقْتَنَياتِ مالاً كان أو علماً. يقالُ: رجلٌ جَوَادُ، وفرسٌ جوادٌ أي يجودُ بمدِّ عَدْوِهِ. ويقالُ للمطر الغزيزِ: جَودٌ بالفتح. وفي الفَرَسِ جُودَة، وفي المالِ جُودٌ بالضم فيهما. واللَّهُ تعالى يوصَفُ بالجوادِ لكثرةِ جُودِهِ على خَلقهِ. وفيه إشارةٌ إِلى قولِه تعالى: ﴿أَعطَّى كلَّ شيءٍ خلقَه ثمّ هدى﴾ [طه: ٥٠]. والجوادُ مخففٌ، والتشديدُ غيرُ محفوظٍ. فإِن قصدتَ المبالغةً فلا مانعَ منها، فيؤتَى به مُشدَّداً. وفي الحديثِ: ((للمُضمِّرِ المُجيدِ))(٣) أي صاحبُ الجوادِ، نحو مُقْرٍ ومُضْعِفٍ لمن كانتْ دابَّتُه قويَّةً أو ضعيفة، والأصلُ المجْودُ فَأُعِلَّ بنقلِ كسرةِ العينِ إِلى الفاءِ، وقلبِ العينِ ياءٌ. وفي الحديث: ((تركتُهم وقد جيدُوا))(٤) أي مُطِروا مَطراً جَوْداً، والأصلُ جَواداً فأُعلَّ: كما نُقلَ قيلوا. ج و ر: الجارُ في الأصلِ معربٌ، وهو منَ الأسماءِ المُتضايفةِ؛ فإِنه لا يكونُ جاراً لغيره إِلا وغيرُهُ جارٌ له كالاخٍ والصديقٍ. ولما استُعظِمَ من حقِّ الجارِ عَقْلاً وشَرْعاً عُدَّ كلُّ مَن يَعْظُمُ حقُّه أو يُعظّمُ حقَّ غيرهِ بالجارِ، كقوله تعالى: ﴿والجارِ (٥) ذي القُربَى والجارِ الجُنُبِ﴾ (١) قرأ الأعمش والمطوعي وابن أبي عبلة (الجودي) المحتسب ١ /٣٢٣ والإتحاف ٢٥٦. (٢) الجودي : جبل مطل على جزيرة ابن عمرفي الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل ، عليه استوت سفينة نوح عليه السلام (معجم البلدان: الجودي ١٧٩/٢). (٣) غريب ابن الجوزي ١٧٩/١ والنهاية ٣١٢/١ وتمام الحديث ((ألا باعده الله سبعين خريفاً للمضمر المجيد ه . (٤) غريب ابن الجوزي ١٧٩/١ والنهاية ٣١٢/١والمطر الجود: الكثير . (٥) قرئت (والجارَذا القربى) الإملاء للكعبري ٤١٥/١ والبحر المحيط ٢٤٥/٣. ٣٥٨ باب الجيم [النساء: ٣٦]. وتُصوّرَ منُه معنى القُرْبِ، فقيلَ لمن يَقْرُبُ مِن غيرهِ(١): جارَه وجاوَرَه وتَجاورَ نحو جازَهُ وتجاوزه. وتَجاوَروا بمعنى اجْتَوروا. قالَ تعالى: ﴿وفي الأرضِ قطعٌ مُتْجاوراتٌ﴾(٢) [الرعد: ٤] على التشبيه بالجيران. مَن جاوركَ فقد جاورْتَه، وإِنَّهما مُتَجاوران. وباعتبارِ القُربِ قيلَ: جارَ عنِ الطريقِ. ثم جُعلَ ذلك عبارةٌ عن كلِّ مَيلٍ عن الحقِّ والعدلِ، فقيلَ: جارَ فِي حُكِمِهِ إِذا عدلَ عن الحقِّ. وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْها جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩] أي عن السبيل؛قيل: هو عادلٌ عن المحَجَّةِ، وذلك عبارةٌ عن الطريق الموصلةِ إِلى الخيرِ وإِلى الشرِّ. فقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّه قَصْدُ السبيلِ﴾ [النحل: ٩] أي مستوى الطريق. ثم أخبرَ أنَّ مِن الطرقِ ما هو خارجٌ عن هذا القصد، ناكبٌ عنه. وما أحسنَ ما نَسبَ القِصَدَ لنفسهِ دونَ الجوْرِ، وإِنْ كان الباري تعالى هو خالقُ كلِّ شيءٍ من خيرٍ وشرٍ، ولكنه من بابٍ: ﴿بيدك الخيرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] ﴿وإذا مرضتُ فهو يَشفينٍ﴾ [الشعراء: ٨٠] وقولُه: ﴿وهوَ يُجيرُ ولا يُجَارُ عليه﴾ [المؤمنون: ٨٨] أي يؤمِّنُ مَن يخاف من غيرهِ، ولا يؤمَّنُ مَن يخيفُهُ هوَ. يقال: أجرتُ فلاناً أي حميتُه ومنعتُه. واستجارَ بي أي استغاثَ بي واحتَمى وامتنَعَ. ج وز: قولُه تعالى: ﴿فلما جاوزَه﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي تعدَّاهُ. يقالُ: جُزْتُ البلدَ أَي تعدَّيْتُهِ، فجاوزَ بمعنى تجاوزَ. ومنه قيلَ للفعلِ المتعدِّي: مُتجاوزٌ، وأصلُه من لفظِ الجَوز. والجوزُ: الوسَطُ. تقولُ: رأيتُ جَوزَ السماءِ أي وسَطَها. ومن ذلك الجوزاءُ لأنّها تتوسَّطِ جَوزَ السماءِ، قالَ امرؤ القيسِ: وأردف أعجازاً وناءَ بكلْكل(٣) ٣١٢ - فقلتُ لهُ لما تمطى بجوزه أي تَمَطَّى بوسَطهِ، ولذلك يُروَى بصُلبه. فمعنى جاوزَه أي تجاوزَ جَوزَه. وجُزْتُ (١) المفردات ٢١١ . (٢) قرأ الحسن (قطعاً متجاورات) إِملاء العكبري ٣٤/٢ والإتحاف ٢٦٩. ، (٣) البيت من معلقته في ديوانه ١٨. ٣٥٩ باب الجيم المكان: ذهبتُ فيه ودخلتُه. وأجزتُه: خلّفتُه. وشاةٌ جَوزاءُ: ابيضَّ وسَطُها. والمجازُ: مِفْعَل مِن جازَ يَجوزُ، لأنَّه يجاوزُ مَوضعَه الذي وُضع له، عكسُ الحقيقةِ فإِنّها ثابتةٌ لما وضعتْ له. والجائزةُ: العطيَّةُ، لأنها تُجاوزُ مُعطيها. والجيزةُ: الناحيةُ، والجمعُ الجِيَزُ. والجيزةُ أيضاً: قدرُ ماءٍ يجوزُ به المسافرُ من مَنْھلٍ إِلى مَنْهل. وجائزُ البيت: الخشبةُ المعروضةُ في وسَطِهِ؛ يوضَع عليها أطرافُ الخشب. والجمعُ أَجْوِزة وجُوزان. واستجزتَه فأجازَك أي استسقيتُه فسقاك، وهو استعارةٌ. والمجيزُ: البائع، ووليِّ النُّكاح، والعبدُ المأذونُ له. ج ر س: قوله تعالى: ﴿فجاسوا (١) خلالَ الدِّيارِ﴾ [الإسراء: ٥] أي دَخلوا وتوسَّطوا ووطئوا. ومثلُه حاسَ يحوسُ بالمهملةِ. وقيلَ: الجَوسُ: طلبُ الشيءٍ باستقصاءُ. وقالَ أبو عبيدٍ: كلهُ مَوضعٍ خالطتَه ووطئتَه فقد جُستَه وحُستَه. وأنشد للحطيئة: [من الكامل] ٣١٣ - يا لَعَمرِ من طُولِ الثَّقَافِ وجارُهُمْ يُعطى الظُّلامةَ في الخُطوبِ الحُوَّسِ(٢) يعني الأمورَ التي تَغشاهم وتتخلَّلُ ديارهم. ج وع: قوله تعالى: ﴿فأذاقَها اللَّهُ لباس(٣) الجوعِ﴾ [النحل: ١١٢] مِن أبلغ الاستعاراتِ حيثُ جعلَ للجوع لباساً، ثم رجعَ إِلى أصلهِ في قولِهِ، والإِذاقةُ في المطعومِ دونَ الملبوسِ، وله موضعٌ حقَّقناه فيه. والجوعُ ألمّ يحصلُ للحيوانِ من خلوِّ المعدة، يقالُ: جائعٌ و جوعان، وجیعان خطأ . (١) قرأ أبو السمال (فحاشوا ) مختصر ابن خالويه ٧٥ وقرأ أبو السمال وطلحة (فحاسوا ) المحتسب ١٥/٢. وقرئت (فجّوَّسوا) في الكشاف ٤٣٨/٢، و(فتجوّسوا) في البحر المحيط ١٠/٦. (٢) ديوانه ١٠٣ من قصيدة يهجو بها أمه وأباه وصدر البيت في الديوان : ( بالهمزمن طول الثقاف وجارهم) الثقاف : الذي يقوم به الرمح . الحوّس : الأمور الشدائد . (٣) قرأ ابن مسعود (فأذاقها الله الخوف والجوعَ) وقرأ أبيّ (لباس الخوف والجوع ) البحر المحيط ٠٥٤٣/٥ ٣٦٠ باب الجيم وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّما الرَّضاعةُ من المَجاعةَ)) (١) معناه الذي تثبتُ لُهُ حرمةُ الرَّضاع هو الذي خوّفَ الجوعَ، فإِذا استغنى عنه فلا تثبتُ له حرمةٌ. وقدَّره الفقهاءُ بمدةِ الرَّضاع الكاملةِ حَولينٍ. وما زادَ لا عبرةَ بهِ .. [ ج و ف] ﴿ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه﴾(٢)[ الأحزاب: ٤ ] أي : لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان ، كما لا يمكن أن يكون له أبوان (٢) والجوف : ما انطبعت عليه الكتفان والعَضُدان والأضلاع. وجوف الإِنسان، بطنه. والأجوفان : البطن والفرج لاتساعاً جوافهما . في الحديث: ((لا تنسوا الجوف وما وعى)) أي ما يدخل فيه من الطعام والشراب(٣) وفي حديث الحج: (أنه دخل البيت وأجاف الباب) أي ردّه عليه. والجوف من الأرض: أوسع من الشَّعب؛ تُسيل فيه التلاع والأودية. ج و و : قوله تعالى: ﴿في جوِّ السماءِ﴾ [النحل: ٧٩] الجوُّ: الهواءُ البعيدُ من الأرض، وهَوَ اللوحُ والسُّكَاكُ أيضاً. وجوٍّ كلِّ شيءٍ داخلُه وباطنُه. وفي حديثٍ سلمانَ: ((إِنَّ لكلِّ شيءٍ جَوَّانِيّاً وبَرّانيًاً))(٤) أي ظاهر وباطن، قالٌ شَمِرٌ: قالَ بِعَضُهم: يَعنى سِرَّه وعلنَه. وقالَ الشاعر: [ من الطويل] ٣١٤ - فلستُ لأنسيّ ولكنْ لملأَكِ: تَنَزَّلُ، من جوِّ السماءِ يَضُوبُ(٥) (١) غريب ابن الجوزي ١٨٠/١ والنهاية ٣١٦/١ والبخاري برقم ٢٥٠٤. (٢) سقطت مادة (جوف) من الأصل، وهذا التفسير نقله من تفسير ابن كثير ٤٧٤/٣، والآية نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي ◌َُّ، وكان النبي قد تبنّاه قبل النبوة . (٣) اللسان ( جوف ) (٤) غريب ابن الجوزي ١ / ١٨١ والنهاية ١ /٣١٩ وحلية الا ولياء ١ /٢٠٣ .. (٥) البيت لعلقمة الفحل في ديوانه ١١٨ والمفضليات ٣٩٤، وينسب إلى أبي وجزة أو إلى رجل من عبد القيس في اللسان ( صوب ، ملك ) .