Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ باب الباء والبِكرُ: التي لم تُفتضَّ(١). وقولُهُ: ﴿لا فارضٌ ولا بِكرِّ عَوَانٌ﴾ [البقرة: ٦٨]. فالفارضُ: المُسنَّةُ، والبكرُ: الفتيَّةُ، والعَوانُ: النَّصَفُ، وهي كما قالَ تعالى بينَ ذلك. قال الشاعرُ: [ من البسيط ] ١٨٥ - لا تنکحن عجوزاً إِن أتوكَ بها واخلع ثيابَكَ عنها مُعْلِناً هَرباً (٢) وإِنْ أَتّوكَ وقالوا: إِنَّها نصفٌ فإِنَّ أطيبَ نصفَيْها الذي ذَهبا قال الهرويُّ: البِكرُ: التي لم تُنْتَجْ، يقالُ: حاجةٌ بِكرّ: التي لم يكنْ قبلَها مثلُها، وسحابةٌ بِكرٌ أي لم تُمطرْ قطٍّ ماءٌ. وسُمِّيتِ البكرُ بكراً لمقابلتها بالثّيّب لتقدُّمها عَليها فيما يرادُ لهُ النساءُ وجمعُها أبكارٌ، قال تعالى: ﴿فجعلناهنَّ أَبكاراً﴾ [الواقعة: ٣٦]. والبكرةُ على البيرِ من ذلك، لتَصوَّرِ أولِ السرعةِ فيها . قوله: ﴿بالعشيّ والإِبكارِ﴾ [آل عمران: ٤١]. الإبكارُ مصدرٌ أَبْكَرَ يُبْكِرُ. ويقالُ: أبكرَ يَبْكُرُ إِبِكاراً، وبِكَّرَ يُبِكْرُ تبكيراً فهو مُبكّرٌ. وابتكرَ يبكرُ ابْتِكاراً فهو مُبتكرٌ. وبكَرَ يبكُرُ بکوراً فهو باکرٌ، کلُه بمعنی واحدٍ. وإِن كان قد یقعُ في بعضها فرقٌ، وذلك غیرُ خفي. ب ك ك : قال تعالى: ﴿للذي ببكَّةً مُباركاً﴾ [آل عمران: ٩٦]. بكةُ: قيلَ مكةُ والعربُ تُعاقِبُ بينَ الباءِ والميمِ، قالوا: ضربةُ لازمٍ ولازِبٍ، وسَبَّدَ رأسَه وسَمَّدَه، وهو قولُ مجاهدٍ في آخرينَ، وقيل: بل هُما ممَّا يَترادفانِ كُبُرِّ وحنطةٍ. وإنَّما سُميتْ مكةُ بكَّةً لأنها تَبُكُّ أعناقَ الجبابرةِ إِذا قَصدوا منها إِلحاداً، وقيلَ: لازدحامِ الناسِ فيها، وفي الحديث: ((فتباكَ الناسُ عليهِ))(٣) أي ازْدَحموا. (١) ويقال لها بكر بعد أن يدخل بها ((أضداد الأنباري ٢٤٦)). (٢) البيتان في عيون الأخبار ٤ /٤٣ والتاج واللسان (نصف) والجمهرة ٤٢٩/٣ بروايات مختلفة دون نسبة. وهما في ديوان المعاني ٢ /٢٤٠ للحرمازي. (٣) الغريبين ٢٠٢/١ والنهاية ١ /١٥٠ وغريب ابن الجوزي ٨٤/١. ٢٢٢ باب الباء وقيل: مكةُ اسمٌ للبلد، وبكةُ اسمٌ لبطنها، وهو جميعُ المسجد، وقيل: بل اسمٌ لموضعِ الطّوافِ(١) لأنَّ الناسَ يتباُّونَ فيهِ أي يَزْدحمون، وقيل: بل اسمٌ للبيت خاصَّة، لأنّه يبكُّ مَن قصدَه بسوءٍ، ولأنَّ الناسَ يتباكُون حولَه(٢). ب ك م: قال تعالى: ﴿صِمِّ بِكِمْ﴾(٣) [البقرة: ١٨] البُكمُ: الخُرسُ، والْأِبكمُ: الأخرسُ، وقيل: هو الذي يُولَدُ أَخبرسَ، فكلُّ أبکمَ أخرسُ من غيرٍ عكسٍ. وقد بَكَم عنِ الكلامِ لضعفهِ عنه لضعفٍ عقلهِ، فصارَ كالأبكم. والْبُكْمُ جمعُ الأبكمِ نحوُ حُمْرٍ في أحمرَ، المرادُ بُكماً، ووُصِفُوا هُنا بالبُكم وإن كانوا فصحاءً لأنَّهم لمّا لم يتكلموا بما يُجدي عليهم نَفعاً، جُعلوا بكماً كما جعلوا ضُمَّاً، وإِن كانوا سامعينَ لما لم يَسمعوا، وعُمياً وإِن كانوا بُصراءَ، لأنهم لا بصائرَ لهُم، وهذا من أحسنٍ تَشبيهاتِ القرآنِ وأبلغها. ب ك ي: الْبُكاءُ والبُكَى بالمدِّ والقصرِ مصدرُ بَكَى إِذا صرخَ من حزنٍ لمُصابهٍ. وقد يوجَدُ مع الفرح، وإليه أشارَ مَن قالَ: [ من الكامل] ١٨٦ - هجَّم السُّرورُ عليَّ حتى إنّني من عظم ما قد سرَّني أبكاني(٤) تبكين في فرحٍ وفي أحزان يا عينُ قد صارَ البکی لك عادةً والمعروفُ أنَّ المصدرينِ بمعنّى، وأن المدَّ والقصرَ لغتانِ. وقد جمع بينَهما مَن قالَ: [ من الوافر] ١٨٧- بكت عيني وحَقَّ لها بكاها وما يُغْنِيِ البُكاءُ ولا العويلُ(٥) (١) انظر الدر المنثور ١٥٧/٢ (٢) معجم البلدان: بكة ، مكة (٣) قرأ ابن مسعود وحفصة (صمّاً بكماً) إِملاء العكبري ١٣/١ ومعاني الفراء ١٦/١. (٤) لم أهتد إلى البيتين . (٥) ينسب البيت إِلى حسان بن ثابت في الحماسة البصرية ٢٠١/١ وفي ديوانه ١ /٥٠٤ (طبعة صادر) وهو ليس في ديوانه (طبعة الصاوي) وينسب إلى عبد الله بن رواحة في ديوانه ٩٨ والسيرة النبوية ١٦٢/١، وتنسب کذلك إِلی کعب بن مالك في اللسان (بکی) وفي المقاييس (بکی) دون عزو . ٢٢٣ باب الباء وفرَّقَ الراغبُ بينَهما فقالٌ (١): البكاءُ بالمدِّ: سَيَلانُ الدمعِ من حزنٍ وعَويلٍ، يقولُ: إِذا كانَ الصوتُ أغلبَ كالرُّغاءِ وسائرِ الأبنيةِ الموضوعةِ للصَّوتِ. وبالقصرِ إِذا كانَ الحزنُ أغلبَ. وبُكى: يقالُ في الحزنِ وإِسالةِ الدمعِ معاً، ويقالُ في كلِّ واحدٍ منُهما منفرداً عن لآخرِ. وقوله: ﴿فلَيَضْحكوا قليلاً ولْيبكوا كثيراً ﴾ [التوبة: ٨٢] إشارةٌ إِلى الفَرحِ والتَّرحِ، وإِنْ لم يكنْ مع الضحكِ قهقهةٌ ولا معَ البكاءِ إِسالةُ دمعٍ. وأنشدوا في المعنى: [من الطويل] مساءَةَ يومٍ أُرَيُها يشبهُ الصاب ١٨٨ - مَسْرَّةُ أحقابٍ تلقّيتُ بعدَها وراءَ تقصِّيها مساءة أحقاب فكيفَ بأن تلقَى مسرَّةَ ساعةٍ وقوله تعالى: ﴿فما بكتْ عليهِمُ السماءُ والأرضُ﴾ [الدخان: ٢٩] قيل: إِنَّ ذلك حقيقةٌ عندَ مَن يجعلُ لهما حياةً وعلماً. وفي الحديثِ: ((إِنَّ الرجلَ الصالحَ يرفعُ عملَه وله ريحٌ طيبٌ يَدخلُ مِن أيِّ بابُ شاءَ من أبوابِ السماء. فإِذا ماتَ انقطعَ عملُهُ ذلك فتبكي عليهِ السماءُ لفقدانِ ذلك العملِ، وكذلك الأرضُ لفقدانهِ من فوقَها)» وقيل: بل ذلك على مجازِ الحذف أي أهلهما وهم الثَّقلان منَ الناس والملائكة. وقيل: بل جاء ذلك على ما كانوا يتعارفونَه، من قولِهم في الرجلِ العظيم إذا ماتَ: بكتْ عليهِ السماءُ والأرضُ، وكُسفتْ لموتهِ الشمسُ. وكذلك بكتْ عليهِ الجبالُ. قالَ: [من الكامل] سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشْعُ(٢) ١٨٩ - لما أتَى خبرُ الزُّبیرِ تَواضَعتْ وقال: [ من البسيط] ١٩٠ - الشمسُ طالعةٌ لیستْ بکاسفة تُبكي عليكَ نجومَ الليلِ والقَمرا(٣) (١) المفردات ١٤١. (٢) البيت لجرير في ديوانه ٣٤٥ يهجو الفرزدق. (٣) البيت لجرير في ديوانه ٣٠٤ يرثي عمر بن عبد العزيز، ورواية صدره في الديوان : ( فالشمس كاسفة ليست بطالعة ) . ٠٠ ٢٢٤ باب الباء فصل الباء واللام ب ل : بل: حرفُ إِضراب، وهو نوعانٍ، إِضرابُ إِبطالٍ نحو: ما قامَ زيدٌ بل عمروٌ. وهي حينئذٍ عاطفةٍ، ولا يُعطفُ بها إِلا المفرداتُ، ويُزادُ (( لا)) قبلَها تأكيداً في النفْي نحو: ما قامَ زيدٌ لا بل عَمرو. وفي الإيجابِ والأمرِ نفيٌ، نحو: قامَ زيدٌ لا بلْ عمروٌ. واضربْ زيداً لا بل عمراً ولا يُعطف بها في الاستفهامٍ. وضربُ انتقالٍ. ولم تردْ في القرآنِ إِلا كذلك، ولا يقعُ بعدَها إِلا الجملُ، وليستْ عاطفةً حينئذٍ. ولها أحكامٌ اسْتَوفَيناها في كتبِ النحوِ والإِعراب(١). وبعضُهم يعبِّر عنها بأنَّها حرفُ استدراكٍ وإيجابٍ بعد النفي كالْهَرَويِّ. وقال الراغبُ(٢): بل للتَّدارُك، وهو ضربان: ضربٌ يُناقضُ ما قبلَه، وربما يُقصدَ بهِ تُصحیحُ الذي قبلَه وإثبات الثاني كقولهِ تعالى: ﴿إِذا تُتْلَىُّ (٣) عليهِ آيَاتُنا قالَ أساطيرُ الأوَّلِينَ كلّ بل رانَ على قلوبهم ما كانُوا يَكْسُبون﴾ [المطففين: ١٣-١٤] أي ليسَ الأمرُ كما زَعموا بل جَهلوا، فنَّه بقوله: ﴿بَل زانَ على قلوبهم﴾ على جهلهم. وعلى هذا قولُهُ: ﴿بَل فَعِلَه كبيرُهم﴾ [الأنبياء: ٦٣]. ۔۔۔ ومما قُصدَ به تصحيحُ الأُولِ وإِبطالُ الثاني: ﴿فأمّا الإِنسانُ إِذا ما ابْتِلاهُ رِبُّه﴾ إِلى قولهِ: ﴿كلا بلْ لا تُكرِمونَ اليتيمَ﴾ [الفجر: ١٥-١٧] أي ليسَ إِعطاؤهمْ منَ الكرمٍ وَلا منعُهم من الإهانةِ، لكن جّهلوا لوضعِ المالِ في غیرِ مَوضعه. وعلى ذلك قوله: ﴿ص والقرآنِ ذِي الذِّكرِ بل الذين كفروا في عزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ١-٢] فإِنه دلَّ بقوله: ﴿والقرآن﴾ أنَّ القرآنَ مُعِدٌّ للتذكُّرَ، وأنْ ليسَ امتناعُ الكفّارِ مِنَ الإِصغاءِ إِليهِ أنْ ليسَ موضعاً للذّكر بل لتعزِّزِهم ومشاقَّتِهم. وعلى هذا قوله: ﴿ ق والقرآنِ المجيدِ بل عجبوا﴾ [ق: ١-٢] أي ليسَ امتناعُهم منَ الإِيمانِ بالقرآنِ أن لامَجْدَ في القرآنِ ولكنْ لجهلهم، ونبَّه بقوله: ﴿بل عجبوا﴾ على جَهلهم، لأنَّ التعجُّب من الشيءٍ يَقْتضي الجهلَ بسببهِ. (١) الأزهية ٢١٩ - ٢٢٣ والمقاييس (بل: ١٨٧/١) والبرهان ٢٥٨/٤ -٢٦٠ والإتقان ٢١٩/٢ - ٢٢١ (٢) المفردات ١٤١. (٣) قرأ الحسن والأشهب والعقيلي وأبو السمال (يُتلى) الإتحاف ٤٣٥ والقرطبي ٢٥٩/١٩. : ٢٢٥ باب الباء وعلى هذا قوله: ﴿ما غرَّكَ برَبِّك الكريم) إلى قوله ﴿كلّ بل تُكذِّبون(١) بالدِّينِ﴾ [الانفطار: ٦-٩] كأنَّه قيلَ ليسَ ها هنا ما يَقْتضي أن يَغْرِّهم بهِ، ولكن يكذّبُهم، وهو الذي حَملهم على ما ارتكبوه. والضربُ الثاني من بل هو أن يكونَ مُبيِّناً للحُكم الاولِ وزائداً عليه ما بعدَ بلْ، نحوُ قوله تعالى: ﴿بلْ قالوا أضغاثُ أحلامٍ(٢) بل اقْتراهُ بل هو شاعرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] فإنَّه نَّه أنهم يقولون: ﴿أضغاث أحلامٍ بلِ افتراهُ﴾ يَزيدون على ذلك بأنَّ الذي أتى به مُفْترى افتراه. بل يزيدونَ ويدعون أنه كذابٌ، فإِنَّ الشاعرَ في القرآنِ عبارةٌ عن الكذابِ بالطّبعِ. وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿لو يَعلمُ الذين كفروا حينَ لا يَكفُّون عن وجوههم النار ﴾ إِلى قوله: ﴿بل تَأتيهم بَغْئةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٩-٤٠]. وجميعُ ما في القرآنِ من لفظِ ((بل)) لا يخرجُ عن أحَدٍ هذينِ الوجهينَ، وإِن دقَّ الكلامُ في بعضِهِ(٣). قلتُ: ما ذكرهُ(٤) من هذه الآيات الكريمة حسنٌ، غير أنَّ النحاةَ نصُّوا على أنها إِذا كانتْ بعدَها جملةٌ كانت لمجرَّد الإضرابِ عمَّا قبلها، والأخذُ في الحديث الذي بعدَها، ثم إِنَّ هذا الإضرابَ إِنْ كان في غيرِ كلامِ اللَّهِ تعالى جازَ أن يكونَ إِضرابَ إِبطالٍ، وأن يكونَ إِضرابَ تَركِ من غير إِبطالٍ، بل الانتقالُ من حديثٍ إِلى آخرَ. وإن كان في كلامِ الله تعالى كان انتقالاً لا إِبطالاً. وقد قالَ بعضُهم: إِنَّ قولَه تعالى: ﴿أم يقولون افتراهُ بل هوَ الحقُّ﴾ [السجدة: ٣] إِنَّه يجوزُ أن يكونَ للإضرابِ الإِبطالِ بالنسبة إِلى قولِهم ﴿افتراهُ﴾، كأنَّه قيلَ: لم يَفترِه بل هو الحقُّ. وأنتَ قد عرفتَ العبارتينٍ، فقابلْ بينهما تجدْ عبارَتَه خارجةً عن نصوصهم. ب ل د (٥) : قوله تعالى: ﴿لا أُقسمُ (٦) بهذا البلد﴾ [البلد: ١]، يعني بها مكةَ شرَّفَها اللَّهُ (١) قرأ الحسن وشعبة وأبو جعفر وأبو بشر (يُكذِّبون) الإتحاف ٤٣٥ والنشر ٣٩٩/٢. (٢) أضغاث أحلام : رؤى لايمكن تفسيرها. (٣) انتهى هنا ما نقله المؤلف من مفردات الراغب ١٤١ - ١٤٢. (٤) يقصد الراغب. (٥) في الأشباه والنظائر ٩٦ أن البلد في القرآن على أربعة أوجه: مكة، ومدينة سبا ، والبقعة النامية والمكان . (٦) قرأ الحسن والأعمش وابن كثير (لأقسم) المحتسب ٣٦١/٢. ٢٢٦ باب الباء : تعالى. والمعنّى: لا أقسمُ بها ﴿وأنتَ حِلٌّ﴾ بها، أي لا يعظّمونك حقَّ تعظيمك، ولا يحترمونك حقَّ حُرُمتك، فأنتَ كالحلالِ. وذلكَ تعظيمٌ له من ربِّه عزَّ وجلَّ وقيل: معناهُ وعدَه بفتحها عليه. وقد أتقنًّا هذا في غيرِ هذا الموضوع. وقوله: ﴿رَبِّ(١) اجعلْ هذا بلداً آمناً﴾ [البقرة: ١٢٦] يعني مكةً. وقالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: ٣]، فأتى بمكةً مُعرِّفاً ومنكراً، فقيلَ: إنه في حال التنكير لم يكنْ بلداً بل كان برِّيَّةً، فقالَ: ﴿اجعلْ﴾ في هذا المكانِ القفرِ بلداً من بلدان الناس يسكنُونَه لعمارةٍ حَرِمِك وزيارةٍ نبيِّك. وفي حالِ التعريف كان قد صارَ بلداً وسُكنى، فأتَى بِه معرَّفاً. وقيلَ: لأنَّه عليه الصلاةُ والسلام عَلِمَ أن يكونَ بهِ سكنُ الناسِ فانَی بهِ كالشاهدِ . وسُمي البلدُ بلداً لتأثّره بسكانهِ واجتماعٍ قُطّانهِ وإِقامتِهم فيه. واليلدُ هو المكانُ المحدود(٢)، وغالباً يكون مسوَّراً وقد لا يكونُ. وقوله: ﴿والبلدُ الطَّيِّبُ﴾ [الأعراف: ٥٨] المرادُ بهِ الأرضُ من غيرِ نظرٍ إلى تدبُّرِ أحدٍ فيها (٣). وقيل: كُني بذلك عن الأنفسِ الزكية، وبعكسهِ عن الأنفسِ الخبيثة(٤). ولاعتبارِ الأثرِ في البلدِ قيل: في جلدهِ بَلَدٌ أيْ أثّرٌ. ويجمعُ على أَبلادٍ. قال الشاعرُ: [من البسيط ] ١٩١ - وفي النُّجومِ كلومٌ ذاتُ أبلاد(٥) فرقاً بينَه وبينَ المكان، فإِنَّ جمعَه بلاد، كقوله تعالى: ﴿الذين طغَوا في البلاد﴾ [الفجر: ١١] وبُلدان. وأَبْلدَ الرجلُ: صارَ ذَا بَلدٍ كانجدَ وأَتْهم. وبَلِدَ بالكسرِ: لزمَ البلاد. ولما كان المُلازمُ لوطنه كثيراً ما يتحيِّرُ إِذا حصلَ في غيرِ موطنهِ، قيلَ: بَلِدَ فلانٌ أي تحيّرَ في أمرهِ، وأَبلدَ وتَبلَّدَ بمعناه قالَ الشاعرُ: [ من الطويل] (١) قرأ ابن محيصن (ربّ) الإتخاف ١٤٧. (٢) المقاييس ٢٩٨/١ (بلد) البلد: صدر القرى، بَلَدَ الرجل بالأرض إِذا لزق بها . (٣) في الأشباه والنظائر ٩٦ (البلد الطيب: البقعة النامية) .. (٤) هو قول ابن عباس وقتادة : راجع الدر المنثور ٤٧٨/٣. (٥) البيت للقطامي في ديوانه ٨٩ واللسان (بلد) وصدر البيت: ( ليست تجرّح فزّاراً ظهورهم). ٢٢٧ باب الباء ١٩٢- ولا بُدَّ للمحزون أَنْ يَتَبَلَّد!(١) والأبلَدُ: العظيمُ الخلقِ، وذلك أنَّ وجودّ البلادةِ يكثُرُ في مَن كانَ جلفَ البدن، قاله ب ل س: الراغبُ(٢) قوله تعالى: ﴿فإذا هم مُبْلِسُون﴾ [الأنعام: ٤٤]، ﴿يُبْلِسُ(٣) المجرمون﴾ [الروم: ١٢]. الإِبلاسُ: الحزنُ المعترضُ من شدَّةِ البأسِ. قالَ بعضُهم: وإِبليسُ (٤) مشتقٌّ منه، وهو عندَ أهلِ الصناعةِ لا يصحُّ لأنَّه أعجميٌّ، وأيضاً موضعُ اشتقاقهِ لا يَنصرفُ وقِيلَ: الإِبلاسُ التحيّرُ واليأسُ. ومنه إِبليسُ أيضاً، وقد تقدَّم. وقال الأزهريُّ: هو السكوتُ والتحسّرُ والندمُ على ما قُرطَ. وفُسِّر قوله: ﴿فإِذا هم مُبُلسون﴾ ساكتون متحسِّرون نادمون على ما فرط منهُم. وقيل: هو الانقطاعُ في الحجةِ والسكوتُ عن الجواب. وكلُّ مَن انقطع عن حُجَّتْهِ وسكتَ فقدَ أَبلسَ. أنشدَ الهرويُّ للعجّاجِ: [من الرجز] ١٩٣ - يا صاحِ هل تَعرِفُ رَسماً مُكْرَسا؟ قالَ: نَعم أعرفُه، وأَبْلَسا(٥) وهذا الذي قالَه راجعٌ إِلى ما قدَّمناهُ، فإِنه لما كانَ المُبلِسُ كثيراً ما يسكتُ ويَنْسی (١) يروى البيت: (ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا وهو في اللسان (بلد)،ويروى: ( لابد للمصدور من أن يسعلا). فقد غلب المحزون أن يتجلدا) وهو في اللسان (صدر) ،والبيت للأخوص في ديوانه ٩٨ والأغاني ١٥٣/١٣. (٢) المفردات ١٤٣. (٣) معجم القراءات ٦٦/٥. قرأ السلمي وعلي (يُبْلَسُ، يُبَلُسُ) إِعراب النحاس ٥٨٣/٢ وإملاء العكبري ٢ /١٠٠. (٤) سفر السعادة ٢٣ ( إبليس: زعم قوم أنه عربي، وأنه من (أبلس) إذا انقطعت حجته ، أو من أبلس من رحمة الله، أي يئس، أو من الانكسار والحزن ، يقال: أبلس: إِذا سكت عما قال. (٥) ديوانه ١ /١٨٥. قوله ((مكرساً)) أي متلبّداً من آثار الابوال والابعار حتى صار طرائق بعضه على بعض عن الاصمعي. ٢٢٨ باب الباء ما يَعْنيه، لما به من شُغلِ القلبِ بالحزنِ الفادحِ، قيلَ: أَبلسَ: إِذا سكتَ وانقطعتْ حُجَّتُه. وناقةٌ مِبْلاسٌ أي ساهيةٌ تاركةٌ المرعَى من شدَّةَ الضَّبَعة. -= والبلاسُ: الذي هو المسحُ، أعجميِّ معرَّبٌ، قاله الراغبُ(١). وفي الحديث: ((من أحبَّ أن يرِقَّ قلبُه فليُدِمْ أَكِلَ البَلَسِ))(٢)، قال أبو منصور: هو التينُ. وفي حديثٍ عطاءٍ: البُلْسُ: هو العدسُ. ب لع: قوله تعالى: ﴿وَقِيلَّ يا أرضُ ابْلَعي ماءَكِ﴾ [هود: ٤٤] أي بلعتُ الشيءَ وابتلعتُه، فكنَّى عن ذلك بلعها إِياهُ تَصويراً أنها تأخذُ ما يُفجّرُ منها وما نزلَ منَ المظلَّةِ، وجعْلُه ماءَها لحصولِ الكلِّ فيها. والبَلْعُ: تَغييبُ الشيءٍ في الجوفِ. ثم يُطلقُ على كلِّ تَغْيْبٍ على سبيلِ التَّشبيهِ. يقالُ: بَلِعتُ الشيءَ أبَلَعَهُ بُلعاً، ومنه البالوعةُ. وسَعدُ بُلَعَ (٣): المنزلةٍ من منازلِ النجومِ. وبَلْعَ الشيبُ في رأسهِ: أولُ ما يَظْهرُ(٤). ب لغ: قوله تعالى: ﴿هذا بلاغُ للناسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] أي هذا القرآنُ بيانُ كاف للناس. وأصلُ البلاغِ: الكفايةُ. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ في هذا ◌َبلاغاً لقومٍ عابدين﴾ [ الأنبياء: ١٠٦]. والبلاغةُ في الكلام من ذلك، لأنَّها بيانٌ كافٍ. وقيل(٥): البلاغُ هو الانتهاءُ إِلى أقصى الأمرِ، والمُنتهي مكاناً أو زماناً أو أمراً من الأمور المقدَّرة. وقد يُعبَّرُ به عن المُشارفة عليهِ وإِنْ لم ينتهِ إِليه. فمن الانتهاءِ قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغَ أَشُدَّه وبلَغ أربعينَ سنةً﴾ (١) المفردات ١٤٤. (٢) غريب ابن الجوزي ٨٥/١ والغريبين ٢٠٥/١ والنهاية ١٥٢/١. (٣) سعد بلع : كوكبان صغيران مستويان في المجرة شبّها بفم مفتوح، يريد أن يبتلع شيئاً ، وقيل: إِنما قيل بلع كأنه بلع شاته. العمدة لابن رشيق ٢٥٥/٢. (٤) المقاييس (بلع) ((لأنه إذا شمل رأسه فكأنه قد بلعه)). (٥) المفردات ١٤٤. ٢٢٩ باب الباء [الأحقاف: ١٥]. ومن المشارفة قوله: ﴿أَيمانٌ علينا بالغةٌ﴾ [القلم: ٣٩] أي مُنتهيةٌ في التوكيد . والبلاغُ يكونُ بمعنى الإبلاغِ وبمعنى التَّبليغ كقوله تعالى: ﴿فإِنَّما عليكَ البلاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وقوله: ﴿فهل على الرسُلِ إِلا البلاغُ﴾ [النحل: ٣٥]، وقوله: ﴿وَقُلْ لهم في أنفسِهِم قولاً بليغاً﴾ [النساء: ٦٣] أي كافياً. يقالُ: بَلُغَ الرجلُ يَبْلُغُ فهو بَلِيغٌ إِذا بَلَّغَ بلسانهِ كُنْهَ ما في ضميرهِ. وقوله: ﴿ والذین لم يَبْلِغوا الحُلُمَ﴾ [النور: ٥٨] أي لم يَنْهوا ولم يَصِلوا إِلى الحلم وهو الاحتلامُ. يقالُ: بَلَغَ الصبيّ يبلُغُ بلوغاً فهو بالغّ. وبلغَ زيدٌ مُرَادَه إِذا وصلَ إِلى ما يُرِيدُ. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّه بالغُ(١) أمرِهٍ﴾ [الطلاق: ٣] أي يفعلُ ما يريدُ من غيرٍ مُعارضٍ له تَعالى. وقُرِئَ ﴿بالغٌ﴾ بالتنوين ونصبٍ أمرهٍ(٢)، وبعدمهِ وخفضٍ أمرهٍ(٣). قوله تعالى: ﴿وإنْ لم تَفعلْ فما بلَّغْتَ رسالتَه(٤)﴾ [المائدة: ٦٧]. معناهُ إِنْ لم تُبلّغْ هذا أو شيئاً ممّا حُمُلْتَ، تكونُ في حُكمٍ مَن لم يُبلِّغْ شيئاً من رسالته، وذلك أنَّ حُكم الأنبياءِ وتكليفاتهم أشدُّ، وليس حكمُهم حكمَ سائرِ الناسِ الذين يُتَجَافى عنهم إذا خَلطوا عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً. وبهذا التأويل ... (٥) سؤالٌ يقالُ هنا وهو أنَّ الجزاءَ عينُ الشرطِ، وليس كذلك لما عرفته. وقوله: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أجلَهنَّ(٦) فأمسكوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] للمُشارفة، وإِنها إِذا انْتَهتْ إلى أقصى الأجلِ لا يَصِحُّ للزوجِ مُراجَعَتُها وإِمساكُها. وقوله: ﴿وقد بَلغني الكِبْرُ وامرأتي عاقرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وفي أخرى: ﴿وقد بَلغتُ منَ الكِبَرِ عِتِيَّاً﴾ (١) قرأ أبو عمرو وعصمة وابن أبي عبلة وداود وابن أبي هند (بالغٌ أمرُه) المحتسب ٣٢٤/٢ وإعراب النحاس ٤٥٣/٣ وقرأ المفضل (بالغاً أمرَه، بالغاأمره) البحر المحيط ٢٨٣/٨ والقرطبي ١٦١/١٨. (٢) أي (بالغّ أمرَه) وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب. السبعة ٦٣٩ والنشر ٣٨٨/٢ والحجة لابن خالويه ٣٤٧. (٣) يقصد (بالغُ أمرِهِ) وهي القراءة المثبتة في المصاحف. (٤) قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر وأبو جعفر والحسن ويعقوب (رسالاته) السبعة ٢٤٦ والنشر ٢٥٥/٢ والإتحاف ٢٠٢. (٥) فراغ في الأصل قدر كلمة،لعله ((جواب)) أو ((ردّ على)). (٦) قرأ الضحاك وابن سيرين (آجالهن) البحر المحيط ٢٨٢/٨. ٢٣٠. باب الباء [مريم: ٨]، وقوله: ﴿إِمَّا يبلغَنَّ(١) عندَك الكِبرُ﴾ [الإسراء: ٢٣] مثل قولهم: أُدركَتي الجَهِدُ، وإِنْ شئتَ: أدركتُ الجهدَ، ولا يجوزُ أنْ يقالَ ذلك في زمانٍ ولا مكان، فلا يقالُ: أَدْركَني مكانُ كذا، ولا بَلغني مكانُ كذا. ويقالُ: بلغتُه الخُبرَ وأَبلغتُهُ إِيَّاهُ. وقد قُرِئَ ﴿أُبْلغكم﴾ و﴿أُبلّغُكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] بالتخفيف والتثقيل. قال الراغبُ: وبلَّغَه أكثرُ، يعني: مِن أَبلغَّه(٢). والبلاغة في الكلامِ التي هي أختُ الفصاحةِ، يُوصَفُ بها المتكلِمُ والكلامُ، ولا توصَفُ بها الكلمةُ. والفصاحةُ يُوصَفُ بها الثلاثةُ، وهي في الكلامِ عبارةٌ عن مطابقةٍ لمقتضَى الحال مع كونهِ فَصيحاً، وفي المتكلم عن مَلكةٍ يُقْتدرُ بها على تأليفِ كلامٍ بليغِ، هذا حدِّها في اصطلاحِ البيائِيِينَ. وقال الراغبُ(٢): والبلاغةُ تكونُ على وجهينِ: أحدُهُما أن يكونَ بذاته بليغاً، وذلك بأن يجمعَ ثلاثة أوصافٍ: أن يكونَ صَواباً معَ موضوعٍ لغته، وطبقاً للمعنى المقصود بهِ، وصدقاً في نفسِهِ. ومتى انخرَمَ وصفٌ من ذلكَ كان ناقصاً في البلاغة، والثاني: أن يكونَ بليغاً باعتبارِ القائلِ والمقول له، وهو أنْ يَقصِدَ القائلُ به أمراً ما فُيُورِدُه على وجهٍ حقيقٍ أنْ يقبلَهُ المقولُ له. وقوله: ﴿وقُل لهم في أنْفُسِهِم قولاً بليغاً﴾ [النساء: ٦٣] يصحُّ حَملُه على المعنَينِ. وَقولُ مَنْ قالَ(٤): معناه قُلْ لهم: إِنْ أظهرتُم ما في أَنَفْسكم قُتْلِتُم، وَقَولُ مَن قالَ: خَوِّفْهم بمكارِهَ تَنزِلُ بهم، فإِشارةٌ إِلى بعضِ ما يَقْتَضيهِ عمومُ اللفظِ(٥). والبُلْغَةُ: ما يُتَبلَّغُ بهِ منَ العيشِ. والمبالغةُ: الاجتهادُ في الأمرِ، يقالُ: بالغّ في أمرهِ، وهو ما تقدّم، فإِنَّه بلوغُ نهايةِ الأمدِ في الاجتهادِ. وفي الحديثِ: ((كلِّ رافعةٍ رفعتْ عنّا (١) قرأحمزة والكسائي وخلف وطلحة والأعمش والجحدري (يبلغانٌ) السبعة ٣٧٩ والنشر ٣٠٦/٢ والحجة لابن خالويه ٢١٦. (٢) المفردات ١٤٤ ((يقال بلغته الخبر وأبلغته مثله، وبلغته أكثر)). (٣) المفردات ١٤٥. (٤) القول للزجاج في معاني القرآن ٢/ ٧٠ .. (٥) في تفسير ابن كثير ٥٣٢/١ ((أي انصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم)). ٢٣١ باب الباء منَ البلاغِ فَلْتُبلِّغْ عنَّا)) أرادَ منَّ المبالغةِ في التبيلغِ. يقالُ: بالغَ يبالغُ مُبالغةٌ فهو مُبالغٌ أي اجتهد. ويُروى ((منَ البلاغِ)) بفتحِ الباءِ على معنَى أنَّ البلاغَ ما بلغَ من القرآنِ والسُّئْنِ. وقيلَ: تقديرُهُ مِن ذَوِي البلاغ، أي الذين بَلَّغونا، أي مِن ذَوي التَّبليغِ، فأقامَ الاسمَ مُقَامَ المصدرِ الحقيقيِّ، كما تقولُ: أعطيتُهُ عَطاءً، وبكسرِها على أنه مصدرُ بالغَ نحو: قائلَ قتالاً. وقالتْ عائشةُ لعليّ رضي اللَّه عنهما يومَ الجملِ: ((لقد بَلِغْتَ منّا الْبُلَغَين))(٢) قال أبو عبيدةَ: هي مثلُ قولِهِم: لكيتُ منه البُرَحَينِ (٣)، وبناتٍ بَرْحٍ(٤) أي الدَّواهي. ب ل و: يقالُ: بَلوتُه أي اخْتبرتُه، ييكونُ في الخيرِ والشرِّ. قالَ تعالى: ﴿وَنَبلوكُم بالشرٌ والخيرِ فتنةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. ويقالُ: ابتليتُه كبلَوْتُه. قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] ﴿وَإِذ ابْتَلى إِبراهيمَ ربِّه بكلماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] أي اختبَرَهُ. وقوله زعالى: ﴿وفي ذلكُم بلاءٌ من ربّكم عظيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] قيلَ: معناهُ نعمةٌ، ومنهُ قوله تعالى: ﴿وَلِيُبليَّ المؤمنينَ منهُ بَلاءً حسناً﴾ [الأنفال: ١٧]. قالَ أبو الهيثم: البلاءُ يكونُ حَسناً بيكونُ سَيئاً. وأصلُه المِحنَةُ، واللَّهُ تعالى يَبْتلي عبدَه بالصُّنْعِ الجميلِ ليمتحنَ شُكرَهُ ويَبْلِوَهُ بالبلوى التي يكرهُها ليمتحِنَ صبرَهُ. وفي حديث حُذيفةً، وقد تدافعوا للصلاة: ((لتَبْتَلُنَّ لها إِماماً أو لتُصَلُنَّ وحْداناً)) (٥) أي لتَخْتارُنَّ. وجعل الراغبُ معنى هذه المادة من معنَى البلاء، وذكره في مادة ب ل ي. فقالَ(٦): يقالُ: بَلَى الثوبُ بلىّ وبَلاءً أي خَلَقَ. وبلوتُه: اختبرتُه كأني أخلقتُه من كثرة اختباري له. (١) النهاية ١ /١٥٢. (٢) غريب ابن الجوزي ٨٥/١ والنهاية ١٥٣/١ والفائق ١٢٤/١. (( أرادت أن الحرب بلغت كل مبلغ)). (٣) مجمع الأمثال ١٩٢/٢ والمستقصى ٢٨٤/٢ والأمثال لابن سلام ٣٤٩. وفي التاج واللسان (برح): ((البرحين: الدواهي والشدائد، كأن واحد البرحين: برح ... واقتصروا فيه على الجمع دون الإفراد من حيث كانوا يصفون الدواهي بالكثرة والعموم)). (٤) التاج (برح):((ومنه المثل: بنت برح شَرَكٌ على رأسك)) وانظر المستقصى ١٥/٢. (٥) النهاية ١ /١٥٢. (٦) المفردات ١٤٥. ٢٣٢ باب الباء وقُرِئٍّ: ﴿هنالكَ تَبلُو كلُّ نفسٍ ما أَسْلِفتْ﴾ [يونس: ٣٠] أي تعرفُ حقيقةً ما عَملتْ، ولذلك يقالُ: بَلَوْت فلاناً أي اخْتبرتُه. . وسُمِّي الغمُّ بلاءً من حيثُ إِنَّه يُبْلي الجسمَ، وسُمِّي التكليفُ بَلاءً من أوجه: الأولِ أنَّ التَّكاليفَ كلَّها فيها مشقَّةٌ على الأبدانِ. والثاني أنها اختباراتٌ، وعليه ﴿ وَلَنَبْلُونَّكُم حتى نعْلَم المجاهدين منكُم والصابرين﴾ [محمد: ٣١] وهو تعالى عالمٌ بهم بدون اختبار، وإنَّما معناهُ: حتى يظهرَ في الوجودِ ما في علمنا. وقيلَ: معناهُ حتَّى يَتميزَ، والثالثُ، كما تقدَّمَ، أنه اختبارٌ، فمبتَليهم بالمسَارِ تارةً ليشكروا، وأخرى بالمضارِّ ليصبروا. فصارَ الابتلاءُ تارةً مُنحةً وتارة محنةً. والمُنحةُ تَقْتضي الشكرَ، والمِحنةُ تَقْتضي الصَّبر. والقيامُ بحقوقٍ الصَبَّرِ أيسرُ وأَسهلُ مَنَ القيامِ بحقوقِ الشُّكر. فصارتِ المُنْحةُ أعظمَ البلاءَ ينِ. ومن هذا قولُ أمير المؤمنينَ عليّ رضيَ اللَّهُ عنه: ((بُلينا بالضَّرَاءِ فصَبَرنا، وبُلينًا بالسَّرَاءِ فلم نَصبرْ))(١). وقد جاءَ ذلك، أَعني المحنةً والمُنحة، في قولهِ تعالى: ﴿وفي ذلكم بلاءٌ من ربّكم عظيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، فالمحنة راجعَةٌ إِلى ما تقدّم من ذَبح أبنائهم واستحياءِ نسائهم. والمحنةُ راجعةٌ إِلى قولهِ: ﴿وإِذْ نَجْيناكم من آل فرعونَ﴾ [البقرة: ٤٩]. وابْتلَى وبَلَى يتضمَّنُ أمرينٍ: أحدُهما تَعرُّفُ حالهِ وما يُجهَلُ من أمرِهِ. والثاني ظهورُ جَودَتِه ورَداءتهِ. في جانبِ الباري تعالى إِذ قيلَ: ابْتِلَى اللَّهُ كذا أو بَلى كذا لم يكنْ إِلا بمعنى ظهورٍ جَودةِ المُبتَلى كقوله تعالى: ﴿وإِذِ ابْتَلى إِبراهيمَ ربُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أو رداءته نحو ﴿ كذلكَ تَيْلوهم بما كانوا﴾ [الأعراف: ١٦٣]. وقد يُقْصَدُ به الأمران معاً، نحو: بلوتُ زيداً إِذا قصدتُ المعنيينُ المذكورينِ. وقوله: [ من الطويل] ١٩٤ - فأبلاهُما خيرَ البلاءِ الذي يَبْلُو(٢) جمعَ بينَ اللغتينِ، إِذْ يقالُ: بلاهُ وأَبلاهُ. (١) نسب الحديث في المفردات ١٤٥ إلى الخليفة عمر، وهو في الزهد لابن المبارك ١٨٢ وسنن الترمذي ٣٠٧/٣. -- (٢) عجز بيت لزهير في ديوانه ٩١ وصدره: (رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم) ویروی « جزی الله)). ٢٣٣ باب الباء ب ل ی: بَلَى(١) جمعُها بلَوات كنَعم، إِلا أنَّها لا يُجابُ بها إِلا نفيٌ نحو: ﴿وَأَقسموا بالله جَهْدَ أَيمانهم لا يَبعثُ اللَّهُ مَن يَموتُ بَلَى﴾ [النحل: ٣٨] ﴿لن يدخل الجنةُ إِلا مَن كان هُوداً أو نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]. ولو دخلَ الاستفهامُ على النفيِ لم يُجَبْ إِلا بِبَلَى، وإنه صارَ إِيجاباً كما قدَّمناهُ، كقولهِ: ﴿ألستُ بربِّكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال ابنُ عباسٍ: لو قالوا نعم لكفروا(٢)، وابنُ عباسٍ أَخبرُ بهذه المقالة. وقد تكلَّمنا على هذه الآية بأَشبعٍ من هذا في مكانِها وما يليقُ بِها والحمدُ لله. ونَعم: حَرَفُ جوابٍ إِلا أنها يُجابُ بها في الإِيجابِ والنفي لأنها تصديقٌ وتدبّرٌ لما يتقدَّمُها، وستأتي في بابِها إِنْ شاءَ اللَّهُ. فصل الباء والنون ب ن ن : قوله تعالى: ﴿على أن نسوِّيَ بَنَانَه﴾ [القيامة: ٤] البَنانُ: الأصابعُ، سُميتْ بذلك لأنَّ بها إِصلاحَ الأحوالِ التي يمكنُ للإِنسانِ أن يبيِّنَ بها . يقالُ: أَبَنَّ بالمكانِ يَبِنُّ أي أقامَ. ومنه البَنَّةُ للرائحةِ التي تَبِنُّ بما تَعلقُ بهِ. وفي الحديث: ((إِنَّ للمدينةِ بَنَّةً))(٣)، قال أبو عمروٍ: هي الرائحةُ الطِّبَةُ، قال الأصمعيُّ: هي الرائحةُ مطلقاً. قلتُ: إِنما خصَّها أبو عمروٍ بالطِيةِ لخصوصيَّةِ المادَّةِ(٤). وقالَ الأشعتُ لعليّ بن أبي طالبٍ رضيَ اللَّه عنه: ((أحسبُك ما عرفتَني يا أميرَ المؤمنين. قالَ: بلى، وإِنِّي لأجدُ بَنَّةَ الغَزْلِ مِنكَ))(٥)، قيل: أرادَ أنه نسَّاجٌ. وواحدُ البنانِ بَنَانَةٌ على حدٍّ عَزَّ وعزَّة. قال النابغة: [من الكامل] عَثَمّ يكادُ منَ اللطافةِ يُعقَدُ(٦) ١٩٥ - بمخضَّبٍ رَخْصٍ كأنَّ بنانَهُ (١) البرهان ٣٧٣/١ - ٣٧٥، ٢٦١/٤ - ٢٦٥ والإتقان ٢١٩/٢ - ٢٢١. (٢) قول ابن عباس في البرهان ٢٦٢/٤ والإتقان ٢٢٠/٢. (٣) غريب ابن الجوزي ٨٧/١ والنهاية ١ /١٥٧ . (٤) المقاييس (بن: ١٩٢/١) قال الخليل: ((والبنّة الريح من أرباض البقر والغنم والظباء، وقد يستعمل في الطيب، فيقال : أجد في هذا الثوب بنّة طيبة من عرف تفاح أو سفرجل.)) (٥) غريب ابن الجوزي ٨٨/١ والنهاية ١ /١٥٧. (٦) ديوانه ٩٣ ويروى: (عنمٌ على أشجاره لم يعقد)، العنم: شجر أحمر الثمر ينبت في جوف شجر السَّمُر. وقيل العنم: أساريع (نوع من الدود) حمر تكون في البقل في الربيع. ثم تنسلخ فتكون فراشة. ٠٢٣٤ باب الباء وقالَ آخرُ: [من الوافر] عليَّ مهذَّبٍ رخصِ البَنان(١) ١٩٦- فإِنْ أهلك قرب فتی سیکي وللناسٍ على قوله: ﴿على أنْ نسوِّيَ بناتَهِ﴾ تأويلان، أحدُهما أَن يجعلَ أصابعَه ملتصقةُ غيرَ مُفترقةٍ، بل هي كخفِ البعيرِ أو حافرِ الحمارِ، فلا يُنتفعُ بها، وهو قولُ أكثرهِم. والثاني: إِنّا نقدرُ على أن نجمعَ أصغرَ عظامهِ وتؤلِّفَها بعدَ تمزيقٍ جلدِها وعصبها. وإذا قدرْنا على جمع هذه مع دقّتها فلان نقدر على جمع كبارِها أولى وأحرى، وهذا أليقُ بسياق الآية. وقوله: ﴿واضربوا منُهُم كَلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] إِنَّما خصَّها لأنها أنفعُ الأعضاءِ في مُزاولةٍ الأشياءِ لا سيَّما في القتالِ. ب ن و: الابنُ عندَ الجمهورِ لامُّه واوٌ، حُذفتْ لامُه وعوِّضَ عنها همزةُ الوصلِّ أولُه كاسم، وابنةٌ مؤنثةٌ وكذلك بنتٌ، إلا أنهم عوَّضُوا من لامِها تاء التأنيثِ، وسُمي تاءُ العِوضِ كتَاءٍ أختٍ. ويُكسّرُ ابنُ على أبناء، ويصحَّحُ(٢) فيرفعُ بالواوِ ويُنصبُ ویجرِّ بالياء .. قال تعالى: ﴿المالُ والبنونَ زينةُ الحياةِ الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦] ﴿يومَ لا يَنفعُ مالٌ ولا بَنون﴾ [الشعراء: ٨٨] ﴿يا بني إسرائيل﴾ [البقرة: ٤٠] ﴿وخَرَقُوا له بنينَ وبناتٍ﴾ [ الأنعام: ١٠٠]. وقيلَ: ابن اشتقاقاً مِنَ البناءِ لأنَّه بناءُ أبيهِ أي أصلٌّ في وجودهِ، وقيلَ لِكلِّ مَن كان يحصلُ من جهتهِ تّبنِّ أو مِن تربيتهِ هو ابنُه، ولمُلازِمِ الشيءِ نحو: هو ابنُ السبيلِ، وابنُ الحرْب(٣). وقوله: ﴿هؤلاءِ بَناتي﴾ [هود: ٧٨] وقوله: ﴿لقد علمتَ ما لَنا في بناتِكَ من حقٍ﴾ [هود: ٧٩] أرادَ نساءَ أمَّتْهِ وسماهنَّ بناته لأنَّ النبيَّ أبٌّ لَامَّته حسبَما قدَّمنا في (١) البيت لجحدر بن معاوية العكلي وكان من لصوص بني محرز والبيت من قصيدة طويلة قالها بعد ما حبسه الحجاج . أمالي القإلي ٢٨٣/١ وأشعار اللصوص ١٠٤. (٢) يقصد: جمع مذكر سالم. (٣) انظر المزهر ١ /٥١٨ - ٥٢٤ والمقاييس (بنو). ٢٣٥ باب الباء صدرِ هذا الكتاب. ومعناهُ: هؤلاءِ نساؤكم فانكحوهنَّ على الوجهِ المُرضي. وقيل(١): أرادَ ماءَه لصلبهِ، وإِنَّما خاطبَ بذلك كبارَ قومِهِ وهم قليلٌ، وإلا فمُحالٌ أن يقولَ ذلك للجمِّ الغَفيرِ. وقوله: ﴿ويجعلون للهِ البنات﴾ [النحل: ٥٧] أراد الملائكةَ، وذلكَ أن الكفارَ ... (٢) يزعمون، وقد كذَبوا أن يقالَ: تزوجَ بسرَواتِ الجنّ فأولدَهم الملائكة، وسمَّوهم بناته. وإليه أشارَ بقوله: ﴿سبحانَه وتَعالى عمَّا يقولون عُلوّاً كبيراً﴾ [الإسراء: ٤٣] ﴿ وَجَعَلوا بينَه وبينَ الجنَّةُ نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨] وقد يُعربُ بَنين مع الياءِ بالحركاتٍ تَشبيهاً لهُ بلفظٍ قَطينٍ، قالَ: [من الوافر] أباً بَرّاً ونحنُ لهُ بنينُ(٣). ١٩٧ - وكان لنا أبو حسن عليّ والبنيانُ: وضعُ شيءٍ بترتيبٍ خاصٍ، وهو جمعُ لا واحدَ لهُ. وقيل: بل واحدُهُ بُنيانَةٌ. وقولُه تعالى: ﴿كأنَّهم بنيانٌ مَرَصوصٌ﴾ [الصف: ٤] من أبلغ تشبيهٍ، لم يكتف بذ کرٍ البُنيان حتى وصفَه بأبلغٍ إِتقانٍ. واسمُ الجنسِ يذكَّر ويُؤنثُ، ومنَ التذكيرِ ﴿بنيانٌ مرصوصٌ﴾ كقوله: ﴿أعجازُ نخلٍ مُنْفِعٍ﴾ [القمر: ٢٠]. ولو أنَّثَ لجازَ كقوله: ﴿نخلٍ خاويةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. وقوله: ﴿أفمَنْ أَسَّسَ بُنيانَه﴾ [التوبة: ١٠٩] الآية استعارةٌ بديعةٌ، وذلك أنَّ الأمرَ الذي يُربِّيه الإِنسانُ من دينٍ واعتقادٍ إِنَّما يُربِيهِ على نَظرٍ وتأمُّلٍ ووضعِ شيءٍ فشيءٍ، وهذا أشبهُ شيءٍ بالبناءِ. ويقالُ: بنيتُ أَبني بناءً وبِنْيَةً وَبُنِىٌّ ويُنياناً. ويعبّرُ بِنَّةِ اللَّهِ عنِ الكعبة. والبناءُ: البيتُ ولو كان من وبرٍ أو شعرٍ. وأَبنيتُه: أعطيتُه ما يَبْني بهِ بيتاً. والمبناةُ: القُبَّةُ. قال النابغة: [من الطويل ] ١٩٨- على ظَهرِ مِبناةٍ جديدة سيورُها يطوفُ بها وَسْطَ اللَّطيمةِ بائعُ(٤) (١) هو قول حذيفة بن اليمان (الدر المنثور ٤ /٤٥٨). (٢) فراغ قدر كلمة من الأصل. ولعل الكلمة هي (هكذا). (٣) البيت لأحد أولاد علي بن أبي طالب في شرح التصريح ٧٧/١ والمقاصد النحوية ١٥٦/١، ولسعيدبن قيس الهمداني في الخزانه ٧٥/٨. (٤) ديوانه ٣١. اللطمة: هي سوق فيها بزٌ وطيب، وقيل: هي عير تحمل الطيب وأفضل المناع إِلى الأسواق. ٢٣٦ باب الباء وبنَى فلانٌ بامرأتهِ أي دخَل عليها، لأنهم كانوا إِذا فَعلوا ذلك بَنوا عليها قُبّةٌ، فعبَّرُوا به عنهُ وإِن لم يَبْنوا قُبَّةً. والبناءُ أيضاً: النِّطْعُ ومثلُه المِبْنَاةُ، وفي الحديث: ((إِلا إِذا بَسطنا لهُ مبناةً))(١) أي نِطْعاً. وبنَى طعامُه لحمَهُ، كنايةٌ عن سمنه. قال: [ من الرجز] كما بَنَى بُخْتَ العراق القَتُّ(٢) ١٩٩- بَنَى السَّويقُ لحمَها واللتُّ والبُنَّاتُ: الأقداحُ، وسأل عمرُ رجلاً: ((هل شِربَ الجيشُ بالْبُنَيَّاتِ الصِّغْار؟))(٣) فصل الباء والهاء ب هـ ت : البَهْتُ: التَّحْيُُّ. قال تعالى: ﴿فُبُهتَ الذي كفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي دُهشَ وتحيَّرَ وانقطعتْ حُجَّتُه. ومن ذلك البُهتانُ وهو الباطلُ الذي يحيرُ الناظرَ فيه. والبُهتَانُ: الكذبُ أيضاً، وهو نوعٌ من ذلك. يُقالُ: بَهَتَهِ يَبْهُتُه بَهْتَاً أي حَيََّه. وبَهَتَهُ: كذَب عليهِ فبُهتَ يُبْهَتُ، وَبَهِتَ يَبْهَتُ. وفي الحديث: أن اليهودَ ((قومٌ بُهْتٌ))(٤) مِن ذلك. وقوله: ﴿ولا يأتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١١٢]، قيلَ: كانت النِّسوةُ يَلْتقطْنَ الولدَ ويدِّعينَ ولادتَه شهوةً للأولادِ وصارَةٌ بهِ لميراثِ أزواجهنَّ حينئذٍ. وقيل: بل هو كنايةٌ عن الإتيانِ بولدٍ من زِناً، فتنسْبُهُ إِلى الزوج. وقيلَ: هو كنايةٌ عن كلِّ ما لا يَنْبغِي تَعاطيهِ ممَّا يُفعلُ باليدِ أو يُسعى إليه بالرجل. وقوله: ﴿سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ﴾ [النور: ١٦] أي كذبٌ فظيعٌ مُتُبالَغٌ في القُبحِ، يُحيِّرُ مَن يسمعُه ويُدهِشُه(٥). ب هـ ج. البَهجةُ: ظهورُ الحَسِنِ والجمالِ. قالَ تعالى: ﴿حدائقَ ذاتَ بَهِجَةٍ﴾ [النمل: ٩٠] أي ذاتَ لونٍ وحُسنٍ يُنهجُ مَن رآهُ، يقالُ: ابتهجَ فلانٌ بكذا أي سُؤَّ سُروراً (١) غريب ابن الجوزي ٨٨/١ والنهاية ١٥٨/١. (٢) البيت في اللسان (بني) والغريبين ١ /٢١٥. (٣) الغريبين ٢١٥/١ والنهاية ١٥٨/١ وغريب ابن الجوزي٨٨/١. (٤) النهاية ١٦٥/١ . ۔۔ (٥) في الأشباه والنظائر ٩٠ أن البهتان في القرآن على ثلاثة معان: الكذب والزنا والحرام. -٠ ٢٣٧ باب الباء به، ظَهر على وجههٍ أَثرُ السرورِ فحسِّنَه وزَيَّنَه . يُقالُ: بَهُجَ الشيءُ يَبهجهُ بهجةٌ فهو بَهِيجٌ. قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنا فيها من كلّ زوجٍ بهيجٍ﴾ [ق:٧]، وباهجٍ أيضاً. قال جُندبُ بنُ عمروٍ: [من الرجز] ٢٠٠- يا ليتني قبلتُ غیرَ خارجٍ قبلَ الصباحِ ذاتَ خَلْقٍ باهِجٍ(١) ويقالُ: بهجَهُ اللَّهُ يَبْهَجُه إِهاجاً . ب ھـ ل: البَهْلةُ: اللَّعنُ، يقالُ: بهلَهُ اللَّهُ، وعليه بَهلةٌ، وبهلتُه أي لعنْتُه، ومنهُ المباهَلةُ وهي الاجتهادُ في الدُّعاءِ. يقالُ: بهلَ اللَّهُ الكاذبَ منّا. وابْتَهَل في الدّعاءِ أي اجتهدَ فيهِ. ومنهُ قوله تعالى: ﴿ثم نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١] أي نَفعلُ المُباهلَةَ. وعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنه: (مَن باهَنِي باهَلْتُه))(٢). وقيلَ: أصلُ البَهْلِ كونُه غيرَ مُراعى. ومنه البعيرُ الْباهِلُ وهو المُخلَّى من غيرِ سِمةٍ ومن غيرٍ قيدٍ، والباهلُ أيضاً الناقةُ التي لم يَدرَّ ضَرَعُها. قال أبو طالبٍ : [من الطويل] ٢٠١ - فإِنْ يكُ قَومٌ سرَّهُم ما صَنَعْتُمْ سَتَحلبوها لاقحاً غيرَ باهلٍ وقالت امرأةٌ: أتيتُكَ باهلاً غيرَ ذاتِ صِرارِ (٣). وأبهلتُ فلاناً: خَلَيْتُه وإِرادَتَهُ، تشبيهاً بالبَعِيرِ الباهلِ. والبَهْلُ أيضاً والابتهالُ في الدعاءِ: الاسترسالُ فيه والتضرعُ. ومنه قولُ الشاعر: [ من الرمل] ٢٠٢ - نَظْرَ الدهرُ إليهم فابْتَهلْ (٤) أي استرسلَ إِليهم فأفناهُم. ومن فسَّرِ الابتهالَ من قولهِ تعالى: ﴿ثمَّ نبتهلْ﴾ باللعنِ فلاشكَّ أنَّ الإِرسالَ في هذا المكانِ لأجلِ اللعنِ. (١) معاني الفراء ٢١٤/١ والغريبين ٠١٢٣/١ (٢) غريب ابن الجوزي ٩٣/١ والنهاية ١٦٧/١ وروايته فيهما ((من شاء باهلته). (٣) في المقاييس واللسان (آدم) أن دريد بن الصمة أراد أن يطلق امرأته فقالت: أبا فلان ، أتطلقني فو الله لقد أطعمتك مأدومي وأبثنتك مکتومي ، وأتیتك باهلاً غيرَ ذات صرار. (٤) عجز بيت للبيد في ديوانه ١٩٧ وصدره: (في قروم سادةٍ من قومه ). ٢٣٨ باب الباء ب ھـ م: قوله تعالى: ﴿أُحلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعامِ﴾ [المائدة: ١] البهيمةُ: ما لا نُطْقَ لهُ، وذلك لما في صَوتِه من الإِبْهامِ، ولكنْ خُصَّ في التعارُفِ بماعَدا السِّبَاعَ والِطِيرَ. فالبهيمةُ شاملةٌ للأنعامِ وغيرها، فمن ثمَّ حَسُنت إِضافتُها للأنعامِ لإِفادةِ البَيانِ. أصلُ المادَّةِ الدَّلالةُ على عدمِ المسموع لِما في ذلك الشيءٍ من الاستغلاقِ. ومنه الْبُهْمةُ: الحجرُ الصَّلبُ. وقيلَ للشجاعِ بُهمةٌ من ذلك. والشيءُ المُبْهِمُ كلُّ ما عسُرَ إِدراكُه على الحاسَّةِ إِنْ كان محسوساً وعلى الفَهمِ إِن كان مَعقولاً. وأَبهمتُ الشيءَ أي جعلتُهُ مُبهماً. وأبهمتُ البابَ: أغلقتُهُ إِغلاقاً لا يُهتَدى لفتحهِ. وَمنهُ الليلُ البهيمُ لشدَّةِ سواده، وذلك أنه قد أُبهمَ أمرهُ لظُلمتِهِ، أو لأنَّه يُبهِمُ ما يُعرضُ فيه فلا يُدرّكُ. فهو على الأولِ فَعيلٌ بمعنى مُفْعَل، وعلى الثاني بمعنَى مُفْعِل. والبَهْمُ : صغارُ الإِبلِ. قال: [ من الطويل] ٢٠٣ - صغيرين نَرعَى البَهْمَ يا ليتَ أنَّا(١) والبُهْمَى: نباتٌ ذو شوكٍ يُبهمُ بشوكهِ، وأَبهمتِ الأرضُ: صارتْ ذاتَ بُهمَى، كأَبقلتْ وأَعشبْت. وفي الحديث: (( يُحَشرُ الناسُ يومَ القيامةِ حُفاةٌ عراةً بُهمْاً))(٢) فسَّرُه الهرويُّ بأنه ليس فيهم شيءٌ من أعراضِ الدنيا وعاهاتِها من المرضِ والعَرجِ، بل أجسادُهم أصحّاءُ لخلودِ الأبَدِ (٣). وجُعلَ ذلك من قولكَ: فرسٌ بَهيمٌ أي لا يخلطُ لونَه لونٌ سِواهُ. وقال الراغبُ(٤): أي عراةً، وفيهِ نَظَرٌ لتقدُّمِ عراةٍ قبلَ ذلك. وكأنَّ الراغبَ لم يَطَّلِعْ على صدرِ الحديث! قالَ: وقيلَ: مُعرَّونَ ممّا يتوسّمونَ بهِ في الدنيا ويتزيّنون به. وفرسٌ بَهمٌ إِذا كان على لونٍ واحدٍ لا تكادُ العينُ تُمِيزُهُ غايةَ الثَّمييز. (١) صدر بيت للمجنون في ديوانه ٢٣٨ وعجره: (إِلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البَهْمُ). (٢) أخرجه أحمد في مسنده ٤٩٥/٣ ومجمع الزوائد ١٠ / ٣٥٤ والنهاية ١٦٧/١ وغريب ابن الجوزي ١ / ٩٣ . (٣) قول الهروي في النهاية ١٦٧/١ وغريب ابن الجوزي ١ /٩٣. . (٤) المفردات ١٤٩. - باب الباء ٢٣٩ وفي حديثٍ عليّ رضي الله عنه: ((كانَ إِذا نزلَ بِهِ إِحدَى المُبْهِمَاتِ))(١) أي المسائل المُشْكلةِ. وفي حديث ابن عباسٍ(٢) وقد سُئل عن قولِهِ تعالَى: ﴿وحَلائلُ أبنائكم﴾ [النساء: ٢٣] ولم يُبيِّنْ أَدَخلَ بها الابنُ أم لا، فقالَ: «أَبْهِموا ما أَبْهمَ اللّهُ)). قال الهرويُّ: سمعتُ الأزهريَّ يقولُ(٣): رأيتُ كثيراً من أهلِ العلمِ يَذْهبون بهذا إِلى إِهامِ الأمرِ واستبهامهِ، وهو إِشكاله، وهو غلطٌ. وقوله تعالى: ﴿حُرَّمتْ عليكُم أمهاتكم﴾ إلى قوله: ﴿وبناتُ الأُختِ﴾ [النساء: ٢٣] هذا كلُّه يسمَّى التَّحريمَ المُبْهَمَ لأنه لا يَحِلُ بوجهٍ؛ كالبَهيم من ألوانِ الخيلِ الذي لا شِيَّةَ فيهِ تُخالفُ مُعظَّمَ لونهٍ. ولما سُئُلَ ابنُ عباسٍ عن قولِهِ عَزّ وجلَّ﴿وأمهاتُ نساءكم﴾ [النساء: ٢٣] ولم يُبيِّنِ اللَّهُ الدخولَ بهنَّ، أجابَ فقالَ: هذا مِن مُبْهَم التَّحريمِ الذي لا وجْهَ فيهِ غيرُ التحريمِ سواءٌ دخَلتم بالنساءِ أو لم تَدخُلوا بهنَّ، فأمَّهاتُ نسائكم حُرِّمْن عليكم من جميع الجهاتِ . وأمّا قوله تعالى: ﴿ وربائُكم اللاتي في حُجورِكُم من نسائكم اللاتي دخلتُم بهنْ﴾ [النساء: ٢٣]. قال ثابتٌ: ليس هذا من البُهمةِ لأنَّ لهنَّ وجهينٍ أُخْلِلْنَ في أحدِهما وحُرَّمْنَ فِي الآخَرِ. فإِذا دُخلَ بأمهاتِ الرَّائبِ حُرِّمْن، وإذا لم يُدْخَلْ لم يَحْرُمْنَ، فهذا تَفسیرُ المبهم الذي أرادَ ابنُ عباسٍ فاقْهمَ. فصل الباء والواو ب وأ: قوله تعالى: ﴿ولقد بوَّأنا بني إِسرائيلَ مُّبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣] أي أنزلناهُم منزلاً صالحاً. والمُبَوَّ: المنزلُ الذي يلزمُه نازلهُ. فأصلُه من البَواءِ وهو اللُّزومُ. يقالُ: أباَ الإِمامُ فلاناً بفلان أي ألزمَه دمَه وقتلَه بهِ. وفلانٌ بَواءٌ لفلانٍ إِذا كان كفالةً في القتلِ من ذلك. وفي دعائهِ عليه السلامُ: ((أَبُوءُ بنعمِتِكَ عليّ))(٤) أي أُقِرُّبِها وأُلزِمُها نفسي. (١) غريب ابن الجوزي ١ /٩٧. (٢) قول ابن عباس مذكور في غريب ابن الجوزي ٩٧/١ وتفسير ابن كثير ١ /٤٨٠ - ٤٨١. (٣) قول الأزهري مذكور في تهذيب اللغة ٢٣٥/٦ والنهاية ١٦٨/١ والغريبين ٢٢٨/١ وغريب ابن الجوزي ٩٤/١. وانظر تفسير ابن كثير ١ /٤٨٠ - ٤٨٢. (٤) البخاري في الدعوات برقم ٥٩٤٧ وأحمد ١٢٢/٤ وغريب ابن الجوزي ٨٨/١ والنهاية ٠١٥٩/١ ٢٤٠ باب الباء وقولُه تعالى: ﴿تُّبَوِّئُّ المؤمنينَ مَقاعدٌ للقتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] أي تُنزِلُهم منازلَ الحربِ مَيمنةٌ ومَيَسْرةً وقَلباً وكَمِيناً وطلائعَ. وقولُه تعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٤] أي تَتَّخذُ منها منازلَ. وقوله: ﴿تَبَوّءُوا الدارَ﴾ [الحشر: ٩] أي نَزَلوها ولزِمُوُها واعتقدوا الأيمانَ، أو جعلوا الإِيمان مُتَبَوّاً مَجازاً. وقوله: ﴿فباؤُوا بِغَضِبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] أي رَجَعوا بهِ ولزموهُ. وقولُه: ((فباءَ به أحدُهما)(١) أي لزمَه ورجعَ به. والباءُ والباءَةُ: النكاحُ، وفي الحديث: ((مَن استطاعٌ منكم الباءَةَ فليتزوَّجْ))(٢) وفي آخرَ: ((عليكُم بالباءةِ))(٢)، قيلَ: أرادَ عقدَ النكاحِ. وقيلَ: أرادَ الجماعَ، وأصلُه ممّا تقدَّم، وهو أن الباءَ والباءةَ اسمٌ للمكانِ المُتَبَوَّا. وكلُّ مِن تزوَّجَ امرأةٌ لا بدَّ أن يُنْزِلَها في مكانٍ ويُبِوَّتَهَا إِياهُ، فجعلَ ذلك كنايةٌ عمَّا ذكرْنا لملازمته لهُ. وهذا كما قدَّمناهُ في قولهِم: بنَى بامرأتِهِ وبنَى على امرأته. وفي الحديث: ((الجراحاتُ بَواءٌ))(٤) أي مُتساويَّةٌ في لزومِ المُماثلة، وذلكَ أنَّه لا يجُرحُ غيرُ الجارحِ، ولا يؤخذُ منه أكثر من جنايتهِ، فذلك معنَى اللزومِ فيها. وقيل (٥): أصلُ البَواءِ مُساواة الأجزاءِ في المكان عكسُ التَّبوَّءِ الذي هو منافاةً الا جزاء. ومكانٌ بواء أي غير باءٍ. وكان عليه الصلاة والسلام ((يَتْبَوَّأُ لبَولِهِ كما يَتَبَوَأُ لمنزله))(٦). وعنه عليه الصلاةُ والسلام: ((مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعمداً فليتبوَّأْ مقعدَهُ من النار))(٧). وبوَّأْتُ الرمحَ: هيأتُ له مكاناً ثم قصدت به الطعنَ. وقالَ الراعي في صفةِ الإِبلِ: [ من الطويل] ٢٠٤ - لها أمرُها حتى إذا ما تَبَوَّأَتْ بَأَخفافِها مَأوىِ تَبوَأَ مَضْجُها (٨) يريدُ أنَّ الراعي يتركُها حتى إِذا وجدتْ مكاناً صالحاً للرعي تَبَوَّأَ الرّاعي مكاناً (١) البخاري برقم ٥٧٥٢، ٥٧٥٣ والنهاية ١٥٩/١ وغريب ابن الجوزي ٨٨/١ وأحمد ٤٤,١٨/٢ سـ (٢) البخاري برقم ١٨٠٦ وباب النكاح ٤٧٧٨، ٤٧٧٩. (٣) غريب ابن الجوزي ٨٩/١ وأحمد ٣٧٨/١ والنهاية ١٦٠١. (٤) غريب ابن الجوزي ١٨٩/١ والنهاية ١٦٠/١. (٥) المفردات ١٥٨ . (٦) مجمع الزوائد ١ /٢٠٩ والمطالب العالية ١٥/١. (٧) مسند أحمد ٦٥/١ والبخاري برقم ١٠٧، ١١٠، ١٢٢٩ (٨) ديوان الراعي النميري ١٦٤ (المعهد الألماني ).