Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
باب الباء
عن شدةٍ وَطْئُها الأرضَ)). والبُحاثةُ: الترابُ الذي يُبحثُ عما يُطلبَ [فيه](١). والبَحْثَةُ
بفتح الباء وكسرها لعبةٌ، وفي الحديثِ: ((أنَّ غلامينِ كانا يلعبانِ البَحْثةَ(٢) )). ومن ذلك
سَمَّوا ((براءةَ)) سورةَ البحوثِ لبحثها عن أحوالِ المنافقين(٣).
ب ح ر:
والبحرُ: أصلُه المكانُ المتَّسعُ ذو الماءِ الملحِ. وأما العذبُ فهل يقالُ فيه بحرٌ (٤)؟
فمَنْ أَثبتَه استشهدَ بقوله: ﴿وما يَستوي البَحْرانِ هذا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شَرابُهُ وهذا
ملح (٥) أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]. ومَن منعَ جعلَه من بابِ التَّغليبِ، كقولِهِم: العُمرَان
والقَمرانِ، في أبي بكرٍ وعمرَ، والشمس والقمر. ثم اعتُبرتْ منه السَّعةُ في الأجرامِ والمعاني،
فقالوا: بحَرْتُ البعيرَ، أي شققْتُ أذُنَّه شَقّاً متَّسعاً. ومنه البَحيرةُ قال اللَّه تعالى: ﴿ ما جعلَ
اللَّهُ مِن بَحيرةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، ناقةٌ تُنتجُ عشرةَ أبطُنٍ، فتُشقُّ أذُنُها وتُهمَلُ فلا تُركبُ
ولا يُحمِلُ عليها. وقيلَ: هي الخامسة وذلك أنَّهم كانوا إِذا أَنتجتِ الناقةُ خمسةَ أبطنٍ فَإِن
كان الخامسُ ذكراً نَحروهُ، وأكلّه الرجالُ والنساءُ. وإِن كانَ أُنثى بَحَروا أُذُنَها وشَقُّوها،
وحرَّموا على النساءِ لحمَها ورُكوبَها ولبَتَها، فإِذا ماتتْ حلَّتْ لهنَّ.
وأما في المعاني فقالوا: تَبحَّر في العلمِ أي توسّع فيهِ وتوغَّلَ. وكانَ يُقالُ لا بنِ
عباسٍ الحَبْرُ البَحرُ، لاَتِّساعِ علمِهِ. واستعيرَ في عدْوِ الفَرَسِ السريع. قال عليه الصلاةُ
والسلامُ في فرسِ أبِي طَلحةً، وقَد ركبَه مُعْرَوْرِياً: ((إِنْ وجدْناه لبحراً)(٦) واسعَ الجري.
واعتُبر من البحرِ ملوحتُه فقالوا: أبحرَ الماءُ أي مَلُحَ. وقال نُصيبٌ: [من الطويل]
إِلى مَرضي أنْ أبحرَ المشرَبُ العذْبُ (٧)
١٣٥- وقد عادَ بحرُ الماءِ عَذْباً فزادَني
(١) إضافة من التاج.
(٢) الفائق ٦٥/١ وغريب ابن الجوزي ٥٦/١ والنهاية ١ /٩٩.
(٣) الفائق ٦٥/١.
(٤) ذكر الثعالبي في الأشباه والنظائر ٩٣ أن البحرفي القرآن على أربعة أوجه:
البحر المعروف - بحرتحت العرش - -الماء العذب والملح - العامر من البلاد.
(٥) قرأطلحة وأبو نهيك (مَلِحٌ) المحتسب ١٩٩/٢.
(٦) أخرجه البخاري برقم ٢٤٨٤ ومسلم برقم ٢٣٠٧ وأحمد ١٦٣/٢ والنهاية ٩٩/١ وغريب ابن
الجوزي ٥٧/١ .
(٧) ورد البيت في الغريبين ١ /١٤٠ واللسان والتاج والمقاييس (بحر).

١٦٢
باب الباء
وقولُه: ﴿ظهر الفسادُ في الْبرُ والبحرِ﴾ [الروم: ٤١] قيلَ: الفسادُ في البرِّ قتلُ قابيلَ
هابيلَ، وفي البحرِ أخذُ الجَنْدَى السفينةَ غَصْباً. وقيلَ: قُحوطُ المطرِ. وقيلَ: البرُّ:
الحضَرُ، والبحرُ: البدْوُ والعربُ تُسمِّي القُری والاریاف بحراً، قال ابو دُؤاد: [ من
الخفيف ]
١٣٦- بعدَ ما كان سرب قومي حيناً ولنا البدْو كلُّه والبحارُ(١).
ولما شكا رسولَ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم عبدُ اللّه بنُ أُبيّ قال: يارسولَ اللَّه اعفُ
عنه؛ فقد اصْطلحَ أهلُ هذه البحيرةِ على أنْ يُعصِّبوهُ(٢).
والبحرانيُّ(٣): الدمُ الشديدُ الحمرة، منسوبٌ إِلى قَعرِ الرَّحمِ، قال العجَّاجُ:
١٣٧ - وَرْدٌ مِن الجَوفِ وَبَحْرانيُ (٤)
يصفُ طعنةٌ بأنَّها ذاتُ لونينٍ: وردٌ وهو القليلُ الحمرةِ، وبَحرانيٌّ، يقالُ: دمّ باحريّ
وبَحرانيُّ وقَولُهم: لقيتُه صَحْرةَ بَحْرَةَ مِن ذلك، أي ظاهراً مكشوفاً لا بناءَ يَستُرهُ. يبنون
هاتينٍ كخمسةَ عشَر، فإِذا ضَمُّوا إِليهما غيرَه أَعربوا، فقالوا: صَحْرَة بَحرةً. وهي حالية في
الحالين.
فصل الباء والخاء
ب خس:
البَخْسُ: النَّقصُ. قال تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسوا الناسَ أَشياءَهم﴾ [الأعراف: ٨٥]،
فيتعدّى لاثنينٍ. والبَخْسُ والباخِسُ: الشيءُ الناقصُ. وقيلَ: البَخْسُ النقصُ على سبيلٍ
الظُّلمِ. قولُه: ﴿وَشَرَوَهُ بَثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، قال الهرويُّ: أي بثمنٍ ظُلمٍ لانه حرِّ
بيعَ ظلماً. وقال الراغبُ(٥): باخسٌ أي ناقصٌ، وقيلَ: مَبخوسٌ أي مَنقوصٌ، وتَباخَسوا أي
(١) ديوانه ٣١٦، وعجزه: (لهم النخل كلها والبحار ).
(٢) الفائق ١ / ٦٤ وغريب ابن الجوزي ٥٦/١ وأحمد ٢٠٣/٥ والنهاية ١٠٠/١.
(٣) الفائق ١ /٦٤ وغريب ابن الجوزي ٥٦/١ ((قال ابن عباس: اذا رأت الحائض الدم البحراني فلتدع.
الصلاة .. قال ابن قتيبة : سماه بحرانياً لغلظه ، وشدة حمرته حتى يكاد يسودٌ، ونسبه الى البحر،.
والبحر: عمق الرحم . وكل عمق وكل شق : بحر.)) .
( ٤) ديوانه ٧١ .
(٥) المفردات ١١٠، وفي الغريبين ١٣٦/١ أن القول للأزهري.

١٦٣
باب الباء
تغابَنُوا الظُّلمَ بعضهم بعضاً.
والبخْسُ أي المكْسُ أيضاً. وهو أن يمكسَ أحدُ المتبايعينَ الآخرَ أي يُناقصُهُ في ما
یشتریه أو يبيعُه.
ب خع:
البَخْعُ: قتلُ النَّفْسِ، كما قال تعالى: ﴿فلعلَّك باخِعٌ (١) نفسَكَ﴾ [الكهف: ٦]
يحثُّه على تركِ الحزنِ عَليهم والتلهُّفِ. وفي معناهُ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نفسُكَ عليهم
حَسراتٍ﴾ [فاطر: ٨]. ويقالُ: بخَعَ فلانٌ بالطاعةِ أَي أَقرَّ بها. وبَخَع بما عليهِ مَن الدِّينِ
أي أَقْرَّ بِهِ إِقرارَ شدةٍ وكراهةٍ، فجعلَ كالباخعِ نفسَه . وقيلَ: لعلَّكَ مُهلكٌ نفسَكَ، مبالغاً في
ذلك حرصاً على إِسلامهم، مِن بَخَعَ الشاةَ إِذا بالغَ فِي ذَبْحها. وقيلَ: بخَعها بمعنى قطع
بخاعَها. قلتُ: وهو عرقٌ في حُلقومِها. قال الزمخشريُّ: هو أن يبلغَ بالذَّبحِ البِخاعَ وهو
عرقٌ.
وقولُهم: بَخَع الأرضَ بالزراعةِ معناهُ نَهكها وبالَغ في حَرْئها ولم يتركْها سَنةً لتَقْوى.
وعن عائشةَ في حقِّ عمَرَ رضيَ اللَّهُ عنهما: (( بخَع الأرضَ فَقاءتْ أُكُلَها))(٢) يعني استخرجٌ
منها الكنوزَ وأموالَ الملوك. وفي حديثٍ عقبةَ: ((أهلُ اليمنِ أبخَعُ طاعةٌ))(٣). قال
الأصمعيُّ: أنصحُ، وقيل : أبلغُ. وقيلَ: أنصعُ وهما متقاربان.
ب خ ل :
البُخْلُ والبَخَلُ: إِمساكُ المال عن مستحقُّهِ. ويقابلُه الجودُ والسماحَةُ . يقالُ: بَخِلَ
يَبْخَلُ بُخلاً وبَخَلاً فهو باخِلٌ.
والبخيلُ: مبالغةٌ فيهِ كرحيمٍ وراحم. والبخلُ تارةً يكونُ بما يملكُهُ الإِنسانُ وهو
مذمومٌ، وبما يملكُهُ غيرُه وهو أشدُّ ذَماً. وأشدُّ منهما دماً مَن يبخلُ بماله وبمالٍ غيرهِ.
وعليه قولُه: ﴿الذينَ يَبْخلون ويأمرونَ الناسَ بالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]. والبُخْلُ والبَخَلُ:
(١) قرأ قتادة (باخع نفسك) مختصر ابن خالويه ٧٨.
(٢) الغريبين ١٣٧/١ وغريب ابن الجوزي ٥٨/١ والنهاية ١ /١٠٢.
(٣) غريب ابن الجوزي ٥٨/١ والفائق ٦٥/١ والنهاية ١٠٢/١. وعقبة: هوعقبة بن عامر الأنصاري،
صحابي شهد بدراً وبيعة العقبة الأولى («أسد الغابة ٤١٦/٣).

١٦٤
باب الباء
لُغتان قرئَّ بهما(١) في السَّبع كالعُدْمِ والعَدَم، والعُرْبِ والعَرَب، وَالحُزْنِ وَالخَزَن، والضُّرِّ
والضّرر.
فصل الباء والدال
ب د أ:
البدْءُ والابتداءُ (٢): تقديمُ الشيء على غيرهِ نوعاً من التقديم. قال تعالى: ﴿وَبَدأ
خَلْقَ الإِنسانِ من طينٍ﴾ [السجدة: ٤]. يقالُ: بدأتُ بكذا وأبدَأَتُ به وابتدَاتُ به أي
قدَّمتُه. ومبدأ الشيءِ ما يترتَّبُ منه أو يكونُ منه . :
الحرفُ مَبدأُ الكلامِ، والخشبُ مبدأُ الباب، والنَّواةُ مَبدأُ النَّخلة. ومنهُ قيلَ للسيِّد:
بدْءٌ، لأنه يقدَّمُ على غيرهِ. قالَ: [من الوافر]
١٣٨- فحيَّتْ قَبَرهُم بدءاً ولما
تنادَبتِ القبورُ فلم تُجبهُ (٣)
واللَّهُ تعالى يقولُ: هو المُبْدِئُّ المعيدُ، أي الخالقُ الباعثُ. وتحقيقُه أنَّه ابتدَعُ
الخلائقَ، ثم يُفْنيها، ثم يعيدُها. وقَالَ الراغبُ (٤): أي هو السببُ في المبدأ والنهاية.
وقولُه: ﴿وما يُبدِئُّ الباطلُ وما يُعيدُ﴾ [ سبأ: ٤٩]، قالوا: الباطلُ هنا إِبليسُ أي لا يَخْلُقُ
ولا يَبْعَثُ. ومنه قولُه: ﴿فانظروا كيفَ بدأَ الخلقَ. ثمَّ اللَّه يُنشِئُ النشأةَ الآخِرَةِ﴾
: [العنكبوت: ٢٠]. يقالُ: بدأ اللَّهُ الخلقَ وأَبدأَهُم، وعليهِ ﴿أولم يَرَوا كيف يُبدِئُ(٥) اللَّهُ
الخلقَ﴾ [العنكبوت: ١٩]، فهذا من ((أبداً)) الرباعيّ.
وأَبدأتُ من أرضٍ كذا أي ابتدأتُ بالخروجِ منها. وقولُه: ﴿بادئَّ الرَّأَيِ(٦)﴾
(١) (البَخَل) قراءة حمزة والكسائي وخلف والأعمش الكشاف ١ /٢٦٨ والبحر المحيط ٢٤٦/٣
(البخْل) قراءة حمزة والكنائي وقتادة وابن الزبير. النشر ٢٤٩/٢ والسبعة ٢٣٣. (البُخُل) قراءة
الحسن وعيسى بن عمر البحر المحيط ٢٤٦/٣ والكشاف ٢٦٨/١.
: (٢) المسائل العضديات ١٢٧-١٣٠ المسألة ٥١ ..
(٣) لم أهتد إليه .
(٤) المفردات ١١٣ .
(٥) قرأ الزهري (يَبْدا) المحتسب ٦١/٢. وقرأحمزة وهشام (يُبدي) الإتجاف ٣٤٥. وقرأ أبو عمر
وعيسى والزبير ( يبدأ) الحجة لابن خالويه ٢٧٩.
(٦) قرأالكسا ئي وأبو عمرو وعيسى الثقفي ونصير (باديء) السبعة ٣٣٢ والحجة لابن خالويه ١٨٦
وقرأ السوسي وأبو عمرو(الرأي) السبعة ٣٣٢.

١٦٥
باب الباء
[ هود: ٢٧] وقُرِئَ بغيرِ همزةٍ بمعنى: ما يظهرُ من الرأي ولم يُتْروَّ فيهِ، ويُهمزُ بمعنى أولِ
الرأي وابتدائه. وفيه رأيٌ فطيرٌ أي لم يُخمَّرْ، وذلك على جهةِ الاستعارةِ من اختمارِ العجينِ
وعدمه .
والبَديءُ كالبديعِ في كونه لم يُعهَدْ. والبدأةُ: النَّصيبُ المُبتدأُ بهِ في القسمةِ، ومنه
قيلَ لقطعة لحمٍ عظيمةٍ: بَدْءٌ. والبَدْأَةُ أيضاً: ابتداءُ السَّفْر. وفي الحديث ((أنه نَفَّلَ في
البَدْأَةِ الرِّبْعَ، وفي الرَّجعةِ الثَّلث))(١) أي في سَفرِ الغزْوِ. يقالُ: أَكرَّ للبَدْأَةِ بكذا وفي الرَّجعةِ
بكذا. وفي الحديث: ((منعتِ العراقُ درهَمها وقَفِيزَها، ومَنعتِ الشامُ مُدْيَها ودينارَها،
ومنعتُ مصرُ إِردَبَّها، وعُدتُم من حيثُ بَدأتم)﴾(٢)، إِنَّما سُقْتُ هذا الحديثَ لأنَّ فيه
معجزةً له عليه الصلاةُ والسلام، وذلك أن معناهُ أنَّه صلى اللّه عليه وسلم أَخبرَ أنَّ أهلَ هذِهِ
البلاد سيُوضَعُ عنهم هذه الأشياءُ ثم يَمْتَنعون من أدائها، إِما بإِسلامِهم فتسقطُ عنهُم
الجزيةُ، وإِمّا بعصيانِهم، وفي ذلك إِنِباءٌ بالمغيَّباتِ، فإِنه أَخبرَ بذلك قبلَ وقوعِه، وفي
الرِّضا بما وظَّفَه عمرُ قبلَ وجودِهِ.
وقولُه: عُدتُم من حيثُ بدأتُّم، في علمِ اللَّهِ وفيما وصَّى أنهم سيُسلمون، فعادوا من
حیثُ بدؤوا.
[الابتداءُ: هو أولُ جزأ في المصراعِ الثاني. وهو عندَ النَّحويينَ تَعريةُ الاسم عن
العواملِ اللفظية للإِسناد نحو زيدٌ مُنطلقٌ، وهذا المعنى عاملٌ فيهما. ويسمى الأولُ مبتدأٌ
ومسنداً إِليه ومحدَّثاً عنه، والثاني خبراً وحديثاً ومُسنداً. والابتداءُ العُرفيُّ يُطلقُ على الشيءِ
الذي يقعُ قبلَ المقصود فيتناولُ الحمْدلَة بعد البسملة](٣).
ب در:
المبادرةُ: المسارعةُ إِلى الشيءِ، قالَ تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وبِداراً أَنْ
يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]. أي مسارعة يعني أنهم كانوا يُسرعون في أكل أموالِ اليتامى
(١) غريب ابن الجوزي ٥٩/١ والفائق ٦٧/١ وأحمد ١٦٠/٤، ٣٢٠/٥ وابن ماجه رقم
٢٨٥٢ والنهاية ١٠٣/١.
(٢) الغريبين ١ /١٣٩ وغريب ابن الجوزي ٥٩/١ والنهاية ١٠٣/١.
(٣) ما بين القوسين كان في الهامش. وهو من كتاب التعريفات للجرجاني ٤-٥ .

١٦٦
باب الباء
ويُبادرونَ، ولذلك كرَّهَهم لئلا يَتَزِعُوها منهم.
وبَدِرْتُ وبادرتُ إِلَيهِ بمعنى. وقيلَ: بِدَرَ عليه في ذلك. يقالُ: بادرتُه فبدَّرَني
نحو : سابقتُهُ فسبقني. فالمعنى: لا يبادِرُوا بلوغَهُمْ بِإِنفاقِ أموالهم. ومنه قيلَ للقُمرِ بدرٌ(١)
لأنَّه يَبدُرُ مغيبَ الشمسِ بالطلوعِ، أي يَسبِقُها. وقيلَ: لامتلائِهِ تَشبيهاً بِالبَدْرَةِ(٢). قالَ
الراغبُ(٣): فَعلى ما قيلَ يكونُ مَصدراً بمعنى الفاعلِ، والأقربُ عندي أن يُجْعلَ البدرُ
أصلاً في الباب، ثم تُعْتَبِرُ معانيهِ التي تَظهرُ منه، ثم يقالُ تارةً: بدَرَ كذا أي طلعَ طَلوعَ
البدرِ. ويُعتبرُ امتلاؤه تارةٌ فَتُشَبَّه البدْرَةُ بهِ.
والبَيدرُ: المكانُ المُرشَّحُ لجمعِ الغَلَّة فيه (٤). وبدرُ: علمٌ لرجلٍ بعينهِ ولمكانٍ بِعِينِهِ،
قيلَ: هو بدرُ بنُ قريشِ بنِ مَخلدِ بنِ النضيرِ(٥) حَفر في هذا المكانِ بئراً فَسُمي بهِ. وفي
الحديث: ((فأُتِيَ ببدرٍ فِيهِ بَقِلٌ))(٦) أي طَبَقٌ، سُمِّي بِهِ تَشبيهاً بالبدرِ في استدارتْهِ.
والبوادرُ جمعُ بادرةٍ، وهي ما يَقعُ من الخطأ في حِدَّةٍ. يقالُ: أَتَّى من فلان بادرةٌ،
وأتَى ببادرةٍ، والبادرةُ أيضاً: لَحمةٌ ما بينَ المنكبِ والعُنقِ. يقالُ: رجعتُ بوادرُهُ. وفي
الحديث: ((فرجَعَ بها تَرْجُفُ بَوادِرُهُ))(٢) ومثلُه: ارتَعدَتْ فرائصُهُ. وَالفَرِيصَةُ هي هذه
البادرةُ بعَينِها .
ب دع :
الإبداعُ: الاختراعُ والإنشاءُ من غيرِ مَثالٍ يُجرى عليهِ. ومِنهُ: ﴿بديعُ(٨) السماوات
والأرضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي أنه أنشأهُما من غيرِ تقدُّم مثالٍ. ومنهُ البدعةُ وهي: إِحداثُ
قولٍ أو فعلٍ لم يُسبقْ مُحدِثُه بفعلٍ متقدِّم.
(١) وسمي القمر ليلة الأربعة عشر بدراً لتمامه وعظمه (اللسان: بدر).
(٢) البدرة : كيس فيه ألف أوعشرة آلاف درهم.
(٣) المفردات ١١٠.
(٤) أسقط المؤلف ما ثقل من المفردات ١١٠ (وملئه منه لامتلائه من الطعام)). وذكرياقوت
( بدر: ١ /٣٥٧) ((سمي بيدر الطعام بيدراً لأنه أعظم الأمكنة التي يجتمع فيها الطعام)).
(٥) معجم البلدان: بدر ( بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة)) وذكر ياقوت أقوالا أخرى.
(٦) الفائق ١ / ٧٠ وغريب ابن الجوزي ١ /٦١ والنهاية ١ /١٠٦.
(٧) غريب ابن الجوزي ١ / ٦٠ وأحمد ٢٣٣/٦ والنهاية ١٠٦/١ والبخاري: كتاب التعبير برقم ٦٥٨١.
(٨) قرأ المنصور (بديعَ) الكشاف ٩١/١ والبحر ٣٦٤/١ وفي المصدرين نفسهما (بديعٍ) .
قراءة النصب (بديع ) على المدح . وبالجر على أنه بدل من الضمير له .

١٦٧
باب الباء
وبديعٌ: يقالُ بمعنى فاعلٍ، كقوله: ﴿بديعُ السماواتِ والأرضِ﴾ أو بمعنى مفعولٍ
ومنهُ رَكيٌ بَديعٌ أي مُبدعٌ. والبِدْعُ يُستعملُ كذلك. وقوله: ﴿ما كنتُ بِدْعاً(١) من
الرُّسْلِ﴾ [الأحقاف: ٩] أي مُبدعاً لم يَتقدَّمْني رسولٌ، أو مبدعاً قلتُ قولاً لم يَسْبقني إِليه
أحدٌ غيري منَ الرُّسْل.
وقد أُبدِعَ بِهِ أي انقُطِعَ في سَفرِهِ لما أصابَ راحلته. وفي حديثٍ أُبي: ((قد أُبدِع
بي فاحمِلْني)﴾(٢) وفي الحديث: ((أنَّ تهامةَ كبديعِ العسلِ حلوٌ أوَّلُهُ حلوٌ آخرُهُ))(٢)
البديعُ: الزكُّ الجديدُ، شبّهَها بهِ لطيبٍ هوائها لا يَتَغَيِّرُ.
ب د ل:
البدلُ والإِبدالُ والتَّبديلُ والاسْتبدالُ: جعلُ شيءٍ مِكانَ آخرَ، وهوَ أعمُّ مَن العِوضِ،
فإِنَّ العوضَ هو أن يصيرَ لك الثاني بإعطاءِ الأوَّلِ. والتَّبديلُ: تغييرُ الشيءٍ وإِن كانَ بغيرٍ
عوضٍ. وفَرَّقَ ابنُ عرفَة بينَ التَّبديلُ والإِبدالِ فقالَ: التَّبديلُ: تغييرُ حالِ الشيءٍ، والإبدالُ:
جعلُ الشيءِ مكانَ غيرِهِ. وأنشدٌ لأبي النجم: [من الرجز]
١٣٩ - نحا السدس فانتحي للمعدل (٤)
عَزْلَ الأميرِ بالأمير المُبْدَلِ
قال تعالى: ﴿يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرض والسماواتُ﴾ [إِبراهيم: ٤٨]. قال
الأزهريُّ: فتبديلُها تسييرُ جبالِها، وتَفجيرُ بحارِها، وجعلُها مستويةٌ ﴿لا تَرى فيها عِوَجاً ولا
أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٧]، وتغييرُ السماوات بانتشارٍ كوكبها وانفطارِها، وتكويرٍ شمسها
وخسوفٍ قَمرها، وهذا من تَغيير الحالِ. وقيلَ: إِنَّ التبديلَ يقعُ فيهما بالذاتِ، بدليلٍ
﴿ فإذا هم بالساهرةِ﴾ [النازعات: ١٤]. وقيلَ: هي أرضٌ بيضاءُ لم يُعصَ اللَّهُ عليها.
وأنشدَ ابنُ عباسٍ: [ من الطويل]
(١) قرأعكرمة وأبو حيوة وابن أبي عبلة (بدّعاً) المحتسب ٢٦٤/٢.
(٢) غريب ابن الجوزي ١ / ٦١ والفائق ٦٧/١ والنهاية ١ /١٠٧.
(٣) غريب ابن الجوزي ١ /٦١ والفائق ٦٩/١ والنهاية ١٠٦/١ وقال ابن الجوزي ((والمعنى لا يتغير.
هواؤها كما لا يتغير العسل بخلاف اللبن فإِنه يتغير، وتهامة في فصول السنة كلها طيبة )) .
(٤) ديوان أبي النجم العجلي ٢٠٤ والطرائف الأدبية ٦٩ .

١٦٨
باب الباء
١٤٠ - فما الناسُ بِالناسِ الذين عَرفْتَهمْ
ولا الدارُ بالدارِ التي كنتَ تَعرِفُ (١)
قولُه: ﴿فأولئكَ يُبَدِّلُ (٢) اللَّهُ سَيئاتِهِم حَسناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] قيلَ: هُوَ أن يَعفوَ
عن سيئاتِهم ويُثيبَ بحسناتِهم. وقيلَ: هوَ أن يَعملوا عملاً صالحاً يُبطلُ ما قِدَّموهُ من
السيئات ..
قولُه: ﴿ ما يُبدَّلُ أَلْقَولُ لِديَّ﴾ [ق:٢٩] قيلَ: ماسبقَ في اللوحِ المحفوظِ فلا
يَتَغيِّرُ. وفيهِ تَنبيةٌ أن علمه أنْ يكونَ ماسيكونُ على ما قد عَلَمَه مِن غيرِ تغييرٍ. وقيلَ:
معناهُ: لا يقعُ في قَولي خُلْفٌ، وعلى المعنيينِ قولُه: ﴿لا تَبديلَ لكلماتِ اللَّهِ﴾
[ يونس: ٦٤].
وقولُه: ﴿لا تبديل لخلقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أي ما قدَّرَه في الأزلِ لم يتغيْر. وقيل:
هو في ... (٣)، وفي حديث عليّ: ((الأبدالُ بالشامِ))(٤). وقال ابنُ شُميلٍ: هُم خيارٌ بَدلٌ
من خيارٍ. وقالَ غيرُه: هم العُبّادُ، جمعُ بِدْلٍ وبَدَلٍ. وقالَ الراغبُ: هم قومٌ صالحون
يجعلُهم اللَّهُ مكانَ آخرِينَ مِثْلِهم ماضِينَ، وحقيقتُه هُم الذين بدَّلوا أحوالَهم الذَّميمة بأحوالٍ
حَميدةٍ، وهم المشارُ إليهم بقوله: ﴿فأولئك يبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهِم حسناتٍ﴾ .
والبآدلُ: ما بينَ العنشِ إِلى التَّرقُوةِ، جمعُ بأدَلةٍ. وأنشدَ: [ من الطويل]
١٤١ - ولا رَهِلٌ لِبَاتُه وبآدلُه(٥)
وقولُه: ﴿فَبِدَّلَ الذِّينَ ظلَمُوا قَولاً غيرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] لو أُخذَ على
ظاهرهِ لكانَ معناهُ أنَّهم بدَّلوا قولاً لم يُقَلْ لهم، وليس في ذلك ذمٌّ. إِنما الذمُّ أن يُبدِّلُوا قَولاً
قيلَ لهم بغيرهِ. وتأويلُه: فبدَّل الذين ظلموا بقولهم حِطّةٌ قولاً غيرَ الذي قيلَ لهم : فإِنَّ الباءَ
(١) لم أهتد إلى مصادر البيت.
(٢) قرأشعبة والبرجمي (يُبْدِلُ) الكشاف ١٠١/٣.
(٣) فراغ في الأصل، لعله ماذكر الراغب في المفردات ١١٢ ((قيل معناه أمر، وهونهي عن الخصاء)).
(٤) غريب ابن الجوزي ١ /٦١ والغريبين ١ /١٤٤ والنهاية ١ /١٠٧ والفائق ٧٠/١ ومسند أحمد
٣١٦/٦ وتتمته في الفائق ((والنجباء بمصر والعصائب بالعراق)).
(٥) عجز بيت للعجير السلولي وقيل لأم يزيد بن الطثرية أو زينب بنت الطثرية أو وحشية الجرمية وتثمته
في الأغاني ٨ /٦٠/١٣،١٨٢ واللسان (بدل) وشرح الحماسة للتبريزي ٤٦/٣ والخصائص ٧٩/١
( فتىَ قُدَّقَدَّ السيف لا متضائلٌ ).

١٦٩
باب الباء
تدخلُ على المتروكِ. وقد حقّقْنا هذا في ((الدرِّ النَّضيد))(١).
ب د ن :
البدَنُ: جثةُ الإِنسانِ. وقيل: هوَ الجسدُ. إِلا أنَّ البدَنَ يقالُ باعتبارِ كِبرِ الجثَّةِ،
والجسدَ باعتبارِ اللونِ. وامرأةٌ بادنٌ وبَدينٌ من ذلك، أي عظيمةُ الجسد، والبَدنَةُ من ذلك
لسمنها .
وبدَنَ وبدَّنَ: سَمِن. وقيل: بدَّنَ: أسنَّ. وفي الحديث: ((لا تُبادِروني بالركوع فقد
بَدَّنْتُ))(٢) أي كبِرتْ سَنِّي. يقال: بدَّنَ الرجلُ تَبديناً: أسَنَّ. قال الهرويُّ: رواهُ بعضهم:
(بَدُنْتُ)) وليس له معنى لأنَّه خلافُ صفته، يعني أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ لم يكن سميناً.
وبدُنَ إِنما يُقالُ للسِّمنِ وكثرة اللحم. يقال: بدُنَ يَبدُنُ بَدنةٌ فهو بَدِينٌ.
قوله: ﴿فاليومَ نُنَجِيكَ بَيَدَنِكَ (٣)﴾ [يونس: ٩٢] أي بجسدكَ، وقيل(٤):
بِدِرْعِك. سُمي الدِّرِعُ بَدَنَاً لكونه على البدنِ كما يُسمَّى مَوضِعُ اليدِ منَ القميصِ يداً،
وموضعُ الظهرِ منهُ ظهراً، ومعنى ﴿نُنَجِّكَ بِيَدِنِكَ﴾ نُلقيكَ بشخصكَ وبدَنِكَ على نجوةٍ
من الأرض أي ربوةٍ، وذلك أنَّ بني إسرائيل لم يُصدّفوا بغرقه. وكذلكَ كلّ ظالمٍ لا تكادُ
الأنفسُ تصدِّقُ بزواله وإِنْ شاهدَتْه. فأراهُم اللَّهُ إِياهُ ميتاً لم يَتغيَّرْ منه شيءٍ حتى مَلبوسُه
لیعرفَه كلُّ واحدٍ.
والبَدَنةُ: واحدُ الْبُدُنِ وهي الإِبلُ السِّمانُ التي تُهَدى للبيت. قال تعالى:
﴿وَالْبُدْنَ (٥) جَعَلنَاها لكمْ من شعائرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦].
ب د و:
البدْوُ خلافُ الحضَرِ لأنَّها تَبدو كلَّ ما يعرفُها أي تكشفُ وتظهر لخلوها من ساترٍ.
(١) للمؤلف كتابان، أحدهما بعنوان ((الدر المصون))والآخر بعنوان ((العقد النضيد)) ولعل الناسخ قد
دمج العنوانين سهواً .
(٢) الفائق ٦٨/١ والنهاية ١٠٧/١ وغريب ابن الجوزي ٦٠/١ ومسند أحمد ٤ / ٩٢.
(٣) قرأ أبو حنيفة (بأبدانك) البحر المحيط ١٨٩/٥. وقرأ ابن مسعود وابن السميفع (بندائك) البحر
المحيط ١٨٩/٥ والقرطبي ٣٧٩/٨.
(٤) المفردات ١١٢ - ١١٣.
(٥) قرأ نافع والحسن وعيسى وأبو جعفر (والبُدُنَ) إِعراب النحاس ٤٠٣/٣ والإتحاف ٣١٥. وقرأ ابن
أبي إسحاق (والبُدُنَّ) الكشاف ١٤/٣ والبحر المحيط ٣٦٩/٦.

١٧٠
باب الباء
يقالُ: بَدا يَبْدُو بَدْواً وبَداءٌ أي ظهرَ ظهوراً بيِّناً كقوله: ﴿وَبَدا لهم سيِّئَاتُ ماعملوا﴾
[الجاثية: ٣٣]، ﴿وإِنْ تُبُدوا ما في أَنفُسِكمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، ولذلك قابلَه بالإِخفاء،
في قوله: ﴿أو تُخْفُوه﴾، وقال: ﴿ثمَّبَدا لهم مِن بعد ما رأَوا الآيات ليسجُنُنَّهُ(!) حتى
حينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]. وقال الشاعرُ: [من الطويل]
١٤٢ - بدا لكَ في تلكَ القُلوصِ بَداءُ (٢)
أي ظهر.
وقوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِن الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، يريدُ غيرَ الحضرِ، وهي البادية،
كأنَّهم جَعلوها فاعلةُ مجازاً أي ظاهرةً، وإنما تظهرُ فيها الأشياءُ، أو يكونُ على النسب
ك﴿ راضية﴾ [الحاقة: ٢١] أي ذاتُ بدو، والأصلُ: بادُوَةٌ، فقُلبتِ الواو ياءِ، ومثلُه
﴿باديَ الرأي﴾ [هود: ٢٧]، بغير همزٍ لأنه من: بدا يَبدو. وقد تقدَّم شرحُه في ((بَدا))
عند ذكرِ هذه القراءة(٣). وقيل لساكنِ البدوِ: بادٍ كغادٍ من غَدا.
والنسبة إِلى الباديةُ بَدْويٌّ وهو شاذٌّ، وقياسُه باديٍّ أو بادَويٌّ كقاضي وقاضَويّ.
وقوله: ﴿سواءً العاكفُ فيهِ والبادِ﴾ [الحج: ٢٥] أي القادمُ والمقيمُ، والبدويُّ
والحضريِّ، والقاطنُ والواردُ.
ويقولون: فلانٌ ذو ◌ِبَدَواتٍ، أي ذو رأي، جمعُ بَداةٍ قناة مثل قطاة ونواة فجمعتْ
على بَدَواتٍ كقَنواتٍ. قيل: وهذا يحتملُ المدح والذمَّ. فالمدحُ بمعنى أنه إِذا نزلَ به أمرٌ
مُشكلُ فيبدو له رأيٌ بعد رأي إلى أن يظهر له رأيُ الصواب فيعزمُ، أنشد الأزهريُّ للراعي:
[ من البسيط ]
١٤٢ - من أمرٍ ذي بَدَواتٍ لا یزالُ لها
بَزْلَاءُ يَعْيا بها الجَّامَةُ اللُّبَدُ(٤)
(١) قرأ الحسن (لتَسْجُنتَهُ) الإتحاف ٢٦٤ والبحر المحيط ٣٠٧/٥ وقرأابن مسعود (عتّى) بدلاً من
(حتى) المحتسب ٣٤٣/١.
(٢) عجز بيت للشماخ في ديوانه ٤٢٧ وصدره: (لعلك والموعودُ حقٌّ لقاؤه ).
(٣) انظر مادة (بدأ) في هذا الكتاب .
( ٤) ديوانه ٥٢ .

١٧١
باب الباء
والذمُّ أنه كلما عنَّ له رأيٌّ عرض له آخرُ، فلا يزال يوثَّقُ منه بشيءٍ. ويقالُ: أَعِلمْني
بَداءاتٍ عوارِضكَ، جمعُ بدأةٍ، أي ما يبدو من حاجَتَك فيُثْنيك؛ فَعْلة، والثانيةُ فَعالة،
فجُمعا بالألف والتاء. وفي الحديث: (( أنه أرادَ البَداوةَ))(١) أي الخروجُ إِلى البادية. يُروَى
البداوة بكسر الباء وفتحها. وفيه: ((مَن بَدا جَفاً))(٢) أي من نزل البادية حصل فيه جفاءُ
الأعراب.
فصل الباء والذال
ب ذ ر:
التِّبذيرُ: التفريقُ. ومنه بذرتُ الحبَّ في الأرض أي فرَّقْتُه فيها. وأصلُه من إِلقاءٍ
البذر في الأرض وطرحه فيها. فاستُغيرَ لكلِّ مُضيِّعٍ مالَهُ، لأنَّ التبذيرَ في الأرض بالنسبة إلى
ظاهر الصورة تضييعٌ للبذرِ لولا ما ترجَّاهُ الباذرُ.
والتبذيرُ في العُرفِ: السَّفَهُ، قال تعالى: ﴿ولا تُبذِّرْ تَبذيراً﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿إِنَّ
المبذُّرِينَ كانوا إِخوانَ الشياطينِ﴾(٣) [الإسراء: ٢٧]. النَّهيُ في الحقيقة لامَّهِ، وإِنَّما
خاطبه لأنَّه هو سيدُ خَلقهِ. وبذرتُ الكلامَ من الناس أي نقلتُ ما سمعتهُ من بعضهم إلى
بعضٍ. وعن علي: ((ليسوا بالمذاييع ولا البُذُرِ))(٤) هما بمعنى واحدٍ، وهم الذين يَفشون
السرَّ. والبُذُرُ جمعُ بَذورٍ، نحو صُبْرٍ وصبور.
فصل الباء والراء
ب رأ:
البرءُ والتَّبْرِّي: الانفصالُ من الشيء المكروه مُجاورتُه، والتَّغْضِّي منه. يقالُ: بَرَأْتُ
من المرضِ وبرئتُ منهُ وأَبْرَأْتُ منكَ وتَبْرَأْتُ وأَبرأتُه وبرَّاتُه. ورجلٌ بريءٌ ورجالٌ بِرَاءٌ على
فِعالٍ وفَعيلٍ كظرافٍ وظريفٍ.
(١) النهاية ١٠٨/١، وفي غريب ابن الجوزي ١ / ٦٢(( كان رسول الله عليه إذا اهتم بشيء بدا.)).
(٢) غريب ابن الجوزي ٦٢/١ ومسند أحمد ٣٧١/٢، ٢٩٧/٤ والنهاية ١٠٨/١.
(٣) قرأالحسن (المُبْذِرِين) الإتحاف ٢٨٣ وقرأ الحسن والضحاك وأنس ( الشيطان)
الكشاف ٢ /٤٤٦ والبحر المحيط ٦ /٣٠.
(٤) الحديث في صفة الأولياء، غريب ابن الجوزي ١ / ٦٢ والنهاية ١١٠/١.

١٧٢
باب الباء
وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ [الزخرف: ٢٦] أي بريءٌ. ويستوي فيه الواحد والجمع،
فيقال: قومٌ بُرْءٌ وبُراءُ مثلُنا. وقوله: ﴿الخالقُ البارئ المصوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]. فالخالق
هو القادر الموجد من العَدمِ، والبارئ خُصَّ بوصف اللَّه تعالى، فإِنَّه أَخصُّ من الخالق، لأنه
خلقٌ بترتيبٍ مسوّ؛ ثم التصوير بعد ذلك. فلذلكَ جاءتْ عدَّةٌ الصفاتِ متتاليةً على أبدعِ
سياقٍ. وقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بارِئِكُمْ(١)﴾ [البقرة: ٥٤] تنبهٌ على أخصُّ الصفتينِ، فلذلك
قال: بارِئكم دون خالقكم، لأنَّه أبعثُ لهم على الثَّوبة .
و﴿ بَرَاءَةٌ(٢) مِنَ اللَّهِ ورسولِهِ﴾ [التوبة: ١] مصدرُه براءةٌ منهُ، والمعنى نَّبذُ العهد
إلى المشركين والانفصال !
والبريَّةُ: الخَلقُ، قُرئتْ مهموزةٌ ومخفَّفةٌ، فقيل: المخفَّفةُ أصلُها الهمزُ. ونَصَّ
الهَرويُّ أن العربَ يقولون: الهمز في خمسة أحرفٍ: البَريَّةُ مِن بَرأ اللَّهُ الخَلقَ، والخابيةُ من
خَبأتُ الشيءَ، والدُّرِّيَّةُ مِنْ ذَرأُ اللَّهُ الخلقَ، والنِّبوَّةُ من الإِنباءِ، والرّويَّةٌ من روَّات. وقيل:
مِن بَزَيْتُ العُودَ. وقيل: مَن البَري وهو الترابُ ويُرشِّحه: ﴿خلقكُمْ من تُرابٍ﴾
[ الروم : ٢٠].
ب رج:
قال تعالى: ﴿ولا تَبَرِّجْنَ تَبرِّجَ الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
التبرُّجُ: التفعُّل من البَرَجِ وهو الظهور. ومنه بُروجُ السماءِ وبُروجُ الحصنِ لظهورِها.
نُهِينَ أنْ يتظاهرْنَ كتظاهر نساء الجاهلية بل أُمرْنَ بالتَّحفّظ.
والبروجُ أيضاً: القصورُ، وبه شُبُهتْ بروجُ السماء لمنازل الكواكب. وقوله تعالى:
﴿ولو كنتُم في بروجٍ مِشْيَّدَةٍ﴾(٣) [النساء: ٧٨]. والمشيَّدةُ: المُثْبَتَةُ بالشدِّ. وقيل:
المرتفعةُ . ويكونُ هذا في معنى قول الشاعر: [من الطويل]
(١) قرأ حمزة وأبو عمرو واليزيدي والداني (بارثكم) السبعة ١٥٤ والنشر ٢١٢/٢ والحجة لابن خالويه.
٧٧ وقرأ نافع والزهري وابن مجاهد ( باريكم) البحر المحيط ٢٠٦/١.
(٢) قرأ عيسى بن عمر (براءة). قرأ أبو عمرو بن العلاء (من) البحر المحيط ٥ /٤ والكشاف ١٧٢/٢.
(٣) قرأ نعيم ميسرة (مُشَيْدَة) البحر المحيط ٣٠٠/٣ والكشاف ٢٨٣/١. وقرئت (مَشيدة) في
البحر المحيط .

١٧٣
باب الباء
١٤٤ - ولو كنتَ في غُمدانَ يَحْرُسُ بابَهُ
أراجيلُ أحْبوشٍ وأسْوَدُ آلفُ(١)
إذاً لأَتَتْني حيثُ كنتُ مَنِيِّتي
يحُثُّ بها هادٍ لإِثريَ قائفُ
وقيل: يجوز أن يُرادَ: ولو كنتُم في بروج السماءِ، وهو أبلغُ، والمشيدةُ حينئذٍ:
المرتفعة ليس إِلاّ، والمُثْبَتَةُ بالشدِّ استعارةٌ، ويكون في معنى قولِ زهيرٍ: [من الطويل]
١٤٥ - ومَن خافَ أسبابَ المنايا يَنْنَهُ
ولو نالَ أسبابَ السماءِ بِسُلْمٍ(٢)
وقال ابنُ عرفة: البُرجُ: البناءُ العالي. وأنشدَ للأخطل: [ من البسيط]
١٤٦- كأنها برجُ روميّ يُشيِّدُه
لُزَّ بِجصٌ وآجُرْ وأحجارٍ (٢)
وقيل: بروجُ السماءِ: كواكُبها العظامُ. وثوبٌ مُبرَّجٌ: عَليه صورةُ البروجِ، كثوبٍ
مُرَجَّلٍ فيهِ صورةُ الرجالِ. ومنه اعتُبر معنى النَّحسينِ، فقيلَ: تَبرَّجتِ المرأةُ أي
تحسَّنَتْ(٤). وقيل: ظهرتْ من بُرْجها، ويرشِّحُه: ﴿وَقَرْنَ(٥) في بُيُوتكنَّ ولا تَبرَّجْنَ﴾
[ الأحزاب: ٣٣]. البَرَجُ: سعَةُ العين. قاله الراغبُ(٦)، وقال الهرويُّ: تَباعُدُ ما بينَ
الحاجبين وظهورُه. قلتُ: ما ذكراه يُحتملُ: فإِن كلاً منهما يُمدحُ به، ألا ترى أنَّ العينَ
تُوصَف بالنَّجلاءِ وهي المتَّسعةُ، ويوصَفُ المرأةُ بالبَلَج وهو تَباعدُ ما بينَ حاجبيها؟ وقول
ذِي الرَّمَّة: [ من البسيط ]
(١) البيتان لثعلبة بن حزن العبدي وهما في حماسة البحتري الباب ٥٢ ص ٩٧ وبصائر ذوي التمييز
٠٢٣٤/٢
(٢) ديوانه ٣٥ وهو البيت ٥٥ من المعلقة. أسباب السماء: نواحيها ووجوهها.
(٣) ديوانه ١٦٣ .
(٤) أي تشبهت به في إظهار المحاسن ((المفردات ١١٥)).
(٥) قرأ الكسائي وحمزة وابن عامر وابن كثير وعاصم والأعمش وخلف ويعقوب (وَقِرْنَ) السبعة
٠٥٢٢ والنشر ٣٤٨/٢. وقرأ ابن أبي عبلة (واقْرِرْنَ) القرطبي ١٤ /١٧٩.
(٦) المفردات ١١٥. وفي خلق الإنسان ١٢٨ ( البرج سعة العين وكثرة بياضها).

١٧٤
باب الباء
١٤٧ - بيضاءُ في بَرَجٍ صفراءُ في غَجٍ
.....
كأنّها فضَّةٌ قد مسَّها ذَهبُ(١)
يَحتملُ ما قالاهُ.
ب رح:
البَراحُ: المكانُ المتَّبِعُ الظاهرُ الذي لا بناءَ به ولا شجرَ، ومنهُ بَراحُ الدارِ، واعتُبر فيه
الظهورُ فقيل: فعل ذلك بَراحاً أي ظاهراً غير خَفِيّ. وَبَرِحَ الخَفاءُ: یظھرُ كانَّه صارَ في
مكانٍ بَراحٍ يراهُ الناسُ. وبَرَحَّ: ذهبَ فِي البَراحِ، ومنه البارحُ للْرِيحِ الشديدةِ.
والبارحُ من الظباءِ والطير أيضاً، ولكنَّ البارحَ يُتْشاءَمُ به لأنَّه ينحرفُ عن الرامي إلى
جهةٍ لا يمكنُ فيها الرَّميُ، ويُجمعُ على بَوارحَ. والسانحُ: يُتِيمُّنُ به لأنه يُقبلُ من جهةٍ
يُمكنُ الرامي فيها الرميُّ(٢).
۔
وبرِحَ: يثبتُ فيه البراحُ أيضاً، ومنه: ﴿لا أَبَرَحُ﴾ [الكهف: ٦٠] قال الراغبُ (٣):
وخُصَّ بالإِثبات كقولهم: لا أزالُ، لأنَّ بَرِحَ وزالَ اقتضيا معنى النفي، ولا للنَّفِي، وَالنَّفْيَانِ
يحصُلُ من مجموعهما إِثباتٌ، وعلى ذلكَ قوله تعالى: ﴿لا أَبرحُ حتَّى أَبْلُغَ مَجْمَع(٤)
البحرينِ﴾ [الكهف: ٦٠]. قلتُ: برِحَ وأخواتُها وهي: زالَ، وفتئ، وانفكَّ لازمها النفيُ
وشبهُه، وقد تُحْذَفُ كقوله: ﴿تفتأُ(٥) تذكرُ يوسُفَ﴾ [ يوسف: ٨٥]، وهو منفيٌّ في
اللفظِ مُثبتٌ في المعنى، لأنَّ معناه ◌ُداومُ على كذا. ولذلك لم يَدخلِ الإِيجابُ بإِلا في
خبرِها. وما وردَ غيرُه مؤوَّلٌ كقوله(٦) .
ولكن ما ذكرَهُ من حصول الإِثبات بالطريق المذكور يَنْتقضُ بفتئَ وانفكَّ. فَالطريقُ
فيه ماقدَّمتُه من المعنى. ولما تُصوِّرَ من البارحِ التشاؤُمُ اشتقُّوا مِنْه التَّبريحَ وهو الشدَّةُ،
(١) ديوانه ٣٣/١ ورواية الشطر الأول فيه: (كحلاء في بَرَجٍ صفراء في نعج) .
(٢) أضاف ابن الجوزي في غريبه ٦٣/١ ((والناطح ما تلقّاك، والقعيد مااستديرك.)) ..
(٤) قرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم (مَجْمع) المحتسب ٣٠/٢ وقرأ النضر وعبد الله بن مسلم
(٣) المفردات ١١٦.
:
(مِجْمع) البحر المحيط ١٤٤/٦ .
(٥) قرأ حمزة وهشام (تقتا) الإتجاف ٢٧٦.
: (٦) بياض في الأصل.

١٧٥
باب الباء
وجمعه التّباریحِ.
وبَرَّحَ به، وضربٌ مبرِّحٌ، وجاءَ بالبَّرْحِ. وقيلَ: بَرْحَى للرامي المخطئ دُعاءٌ عليه،
ومرْحَى دعاءٌ لهُ. ولقيت منه البُرَحاءَ والبُرَحينَ أي الشدائدَ. وبُرَحاءُ الحمَّى: شِدَّتُها.
[ من المتقارب ]
١٤٨ - وأَبْرحت رباً وأبرحت جاراً (١)
والبارحةُ: الليلةُ الماضيةُ كذا أطلقه الراغبُ(٢)، والصوابُ أنه لا يقالُ لليلة الماضية:
بارحة، إلا بعد الزوال، وإلا فهي الليلةُ. ومنه قولُهُ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((مَن رأى منكم
الليلةَ رُؤيا))(٣) وذلك بعد مضيِّ الليلة. قال: [من السريع]
ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة (٤)
وفي الحديث: ((نَهى عن الثَّوليهِ والتَّبْريح قتلة السوء))(٥)، يقال إنه جاء في إِلقاءٍ
السمك حياً في النارِ، أي شقَّ عليه. وقوله تعالى: ﴿فلن أبرحَ الأرضَ﴾ [يوسف: ٨٠]
أي: لا أَفارتُها. وقولُه: ﴿لن نَبرِحَ عليه عاكفينَ﴾ [طه: ٩١]، أي لا نزالُ، وقوله: ﴿لا
أَبَرَحُ حتى أَبْلُغَ مجمع البحرينِ﴾ أي لا أزالُ سائراً، قال الأزهريُّ: هو مثلُ قوله: ﴿لن
نبرحَ عليهِ عاكفينَ﴾، هو بمعنى لا تزالُ، ولا يجوزُ أن يكونا بمعنى لا أزالُ. ولم يُرِدْ
بقوله: ﴿لا أبرحُ﴾ لا أفارقُ مكاني، وإنَّما هذا بمعنى قوله: ﴿فلن أبرحَ الأرض﴾. هذا
إِقامةٌ وذاكَ ذهابٌ. وقالَ غيرهُ: لا أبرحُ: لا أُفارقُ سَيَري. ليسَ قوله: ﴿ لا أبرحُ حتى
أَبْلُغَ﴾ مثلُ قوله: ﴿فلن أبرحَ الأرضَِ﴾ لأن الثاني يدلَّ على إقامته بالأرض. والأُولُ يدلُّ
على الانتقال، لأنها إِن كانت تامَّةٌ فمعناها: لا أفارقُ البراحَ، وإِن كانتْ ناقصةٌ فالجزءُ
مقدَّرٌ أي لا أبرحُ سائراً. ثم إِنه يُنافيهِ قولُه: هذا إِقامةٌ وذاك ذَهابٌ.
(١) عجز بيت للأعشى وصدره في ديوانه ٩٩ ( أقول لها حين جدّ الرحيل ).
(٢) المفردات ١١٦.
(٣) ورد الحديث في تهذيب الأسماء ٢٤/٢ ((هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا)).
(٤) مجمع الأمثال ٢٧٤/٢ وكتاب الأمثال لابن سلام ١٤٩ والمستقصى ٣١٢/٢ وفصل المقال ٢٢٧
والفاخر للضبي ٣١٦، والمثل عجز بيت لطرفة في ديوانه ١٥ وصدره : ( كلهم أروغ من ثعلب ).
(٥) النهاية ١١٣/١، وروايته لدى ابن الجوزي في غريبه ٦٣/١ ((نهى رسول الله عن التبريح)) وهو
القتل السئ.

١٧٦
باب الباء
ب رد:
البردُ: ضدُّ الحرِّ، والبرودةُ: ضدُّ الحرارة. فتارةٌ يُعتبر ذاتُه فيقالُ: بَرَدَ كذا: اكتسب
برداً. وبردَ الماءُ كذا: أکسبه برداً. وبردَ کذا: ثَبتَ. واختصاص الثبوت بالبرد کاختصاص
الحركة بالحرِّ. بردَ كذا: أي ثَبَتَ، لم يَبْرُد بيدي شيء أي لم يثبت(١).
وبردّ فلان: ماتَ، وبرَّدَه: قَتَله، وذلك إِمَّ لأنه تَذهبُ حرارتُه أو لأنه تذهبُ
حركتُه، ومنه قيل للسيوف: البوارِدُ. ومن ذلك سُمِّي النومُ بَرداً اعتباراً ببرْدِ جلده الظاهرِ،
وإِما بذهابٍ حركتهِ، فإِنَّ النومَ موتٌ. قال: [ من الطويل]
١٤٩ - فإِنْ شِئْتَ حرَّمْتُ النساءَ سِواكُمُ
وإِنْ شئتَ لم أَطْعَمِ نُقاخاً ولا بَرْداً(٢)
النُّقاخ: الماءُ، والبردُ: النومُ. وعليه حمل قوله: ﴿ لا يَذوقون فيها برداً ولا شراباً ﴾
[ النبأ: ٢٤].
وقيل: البردُ: الراحةُ نُظراً إِلى ما يجدُه الإِنسانُ من ◌َذَاذَةِ البردِ في الحرِّ. وعيشٌ باردٌ
أي طيبٌ من ذلك. والأبْرَدَانِ: الغداةُ والعَشيُّ لكونهما أبردَ أوقات النهار. واليَرَدُ: مَا
يتصلَّبُ من ماء المطرِ لِما يُصيبُه من البَرْدِ، يقال: سحابٌ أَبْرَدُ وبَرِدٌ: ذو بَرَدٍ. وقوله تعالى:
﴿وَيُنْزِّلُ (٣) منَ السماءِ من جبالٍ فيها مِن بَرَّدٍ﴾ [النور: ٤٣]. قال ثعلبٌ: فيه قولان
أحدهما ويُنزِّلُ من السماءِ أمثالَ الجبالِ من البَرَدِ(٤). وقيل: سُميَ بَرَداً لأنَّهِ يُبرِّدُ وجَهَ
الأرض أي يُفْسدُها. وأَبردُتِ السحابةُ: جاءَت ببردٍ. وفي الحديث: ((أصلُ كلِّ داءٍ
البَرَدَةُ))(٥)، قال الهرويُّ: يَعني الطعامَ والتُّخَمَةَ والثَّقَلَ على المعدةِ، سُمِّيتْ بَرَدةً لأنَّها تُبْرِدُ
(١) المفردات ١١٧ .
(٢) البيت للعرجي في ديوانه ١٠٩ والأضداد لابن الأنباري ٦٤ واللسان والتاج والصحاح (نفخ -
برد).
(٢) قرآابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (ويُنْزِلُ) الإتحاف ٣٢٥.
(٤) لم يرد القول الثاني. وقد ذكره ابن منظور في اللسان (برد: ٨٥/٣) ((والثاني: وينزل من السماء
من جبال فيها برداً )) ولم ينسب القول إلى ثعلب. وفي تفسير ابن كثير ٣٠٩/٣ ((من الأولى
لابتداء الغاية والثانية للتبعيض والثالثة لبيان الجنس. وهذا إنما يجيء على قول من ذهب من
المفسرين إِلى أن قوله معناه أن في السماء جبالٌ برد ينزل الله منها البرد، وأما من لجعل الجبال ههنا
كناية عن السحاب فإِن من الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضاً، لكنها بدل من الأولى .)).
(٥) هو حديث ابن مسعود في الفائق ١ /٨٤ وغريب ابن الجوزي ١ /٦٣ والنهاية ٠١١٥/١

١٧٧
باب الباء
المعدةَ فلا تَستمرئُ الطعامَ.
وقال الراغبُ(١): إِنَّ النُّخمَةَ سُمِّتْ بذلك لأنها عارضةٌ من البُرودة الطبيعيَّة التي
تَعْجَزُ عن الهضمِ. والبرودُ يقال للشيءِ الذي يَبْرُدُ به، فيكونُ بمعنى فاعلٍ، ومنه: ماءٌ
بَرودٌ، وللشيءٍ الذي يبرَّدُ فيكونُ بمعنى مفعولٍ، ومنه: ثَغرٌ بَرودٌ، وكُحلٌ بَرودٌ. وَبَرِدْتُ
الحديدَ: سَحَلْتُه تَشبيهاً بـ ((بَرَدْتُه)) أي قَتَلتُه. والبُرادةُ: ما يَسقطُ. والمِبْرَدُ: الآلةُ التي يُبْرِدُ
بها.
والبُرُدُ في الطريقِ: هم الذين يَلْزَمُ كلُّ واحدٍ منهُم مَوضعاً منه معلوماً. ثمَّ قيلَ لكلِّ
سريعٍ: بريدٌ، ومنهُ بَريدا الطائرِ لجناحيه تشبيهاً بذلك.
وقوله: ﴿كوني بَرْداً وسلاماً﴾ [الأنبياء: ٦٩] أي ذاتَ برْدِ ضدَّ حرارتها، وذاتَ
سلامة لأنه ربَّما يتأذَّى بالبَردِ. وفي التفسير: لو لم يقلْ: ﴿وسلاماً﴾ لهلكَ بيردِها. وفي
الحديث: ((إِذا أَبردْتُم إِليَّ بريداً))(٢) أي أرسلتُم إِليَّ رسولاً(٢). ويقالُ: الحمَّى بريدُ
الموت(٤). وقال الشاعرُ: [من الرجز]
١٥٠ - رأيتُ للموتِ بَرِيداً مُبْرَدا(٥)
وفيه: ((لا أَحبسُ الْبُرْدَ))(٦) و ((لمَّا لقيَهُ بُريدةُ صلى اللَّه عليه وسلم قالَ لهُ: مَن أنتَ؟
قالَ: بُريدةُ. قالَ: بردَ أمرُنًا))(٧) أي سهُلَ، وقيلَ: ثبتَ.
البَرُّ: خلافُ البحرِ، ولتَصوُّرِ التَّوسُّعِ فيه أُطلقَ على التَّوسُّع في الجنة فقيل: البِرُّ(٨)
ب رر:
(١) المفردات ١١٧ .
(٢) الفائق ١ /٧٠ وغريب ابن الجوزي ٦٤/١ والنهاية ١١٦/١ وتتمة الحديث ((فاجعلوه حسن الوجة
حسن الاسم.).
(٣) أضاف في الفائق واللسان (٨٦/٣) ((والبريد في الأصل البغل، وهي كلمة فارسية أصلها (بريده
دم) أي محذوف الذنب، لأن يغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فأعربت وخففت)).
(٤) غريب ابن الجوزي ١ /٦٤.
(٥) الرجز في اللسان ٨٦/٣ (برد) وتهذيب اللغة ١٠٦/١٤ والغريبين ١ /١٥٢.
(٦) غريب ابن الجوزي ١ / ٦٤ والنهاية ١ /١١٥.
(٧) المصدران السابقان والفائق ١ /٦٤ .
(٨) الأشباه والنظائر ٥٩١ هو في القرآن على أربعة أوجه :
-الصلة -التقوى - الطاعة -الجنة )).

١٧٨
باب الباء
وهو ضدُّ الجَورِ. قال تعالى: ﴿إِنه هو البَرِّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. ومنه بر الوالدين وهو
الإتساعُ في إِكرامِهما وطاعتهما. وقوله تعالى: ﴿ولكنَّ البِرُّ(١) مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩]
في الآية تَنبيهٌ على أنَّ هذه هي أفعالُ البِرِّقولاً وعملاً واعتقاداً.
وقولهم: برُّ في يمينه، أي صدَّقَها في ما يحلفُ بها عليه. وقولهم في إجابة المؤذن
عندَ التَّثويب: ((صَدَقتَ وَبَرَرْتَ)) أي فعَلتَ البِرُّ. يقالُ: بِرِرْتَ بالكسر يَيْرُّ بالفتح. وقوله:
﴿وَبَرَاً(٢) بوالديَهِ﴾ [مريم: ١٤] ﴿وبرًا(٣) بوالدتي﴾ [مريم: ٣٢] ممَّا تقدَّم. وحٌّ
مَبْرورٌ أي مقبولٌ كأنك برْرتَه أي أطعتَه. فمن ثمَّ قيل: ويقالُ: رجلٌ بارٌّ وبرٍّ، فقيل بوصفه
على حدة، وقيل: مقصورٌ من بارٌّ، والجمعُ أبرارٌ. قال تعالى: ﴿إِنَّ الأبرارَ﴾ [الإنسان: ٥]
﴿إِنَّ كتابَ الأبرارِ﴾ [المطففين: ١٨]. فالأبرارُ يجوزُ أن يكونَ جمعاً لبارٌّ نحو: صاحب
وأصحاب، أو لبَرُّ نحو ربِّ وأرباب. قال الراغبُ: وجمعُ البارّ أَبرارٌ وبَرَرَةٌ. وقال تعالى في
وصف الملائكةُ: ﴿كرامٍ بَزَرةٍ﴾ [عبس: ١٦]. فـ ((بررة)) خُصَّ بها الملائكةُ في القرآنِ
من حيث إنه أبلغ من ((أبرارٍ) فإِنه جمعُ بُرِّ، وهو أبلغ من ((بارٍ))، كما أن عدلاً أبلغ من
عادلٍ. قلتُ: هذا بناءٌ منه على أنَّ((براً)) مصدرٌ في الأصلِ وهو مسموعٌ بل وصفٌ بِزنةٍ فَعْلٍ
كصَعَبٍ وضَخْرٍ وثَمّ.
والبُرُّ: الحنطةُ لكونه أوسعَ الأطعمةِ .
والبريرُ: ثمرُ الأراكِ تشبيهاً بالبُرِّ في الأكل. والبَرْبرةُ: حكايةٌ لصوت كثرة الكلام.
وقولهم: ((لا يَعرُفُ الهِرَّ من البِرَّ)(٤) من ذلك. وفي الحديث: ((لهم تَغَذْمُرٌ وبَرْبَرَةٌ))(٥)،
التَّعْذْمُرُ: التكلمُ بكلامٍ فيه كثرةٌ، والبَرْبِرةُ: حكاية الصوت. وقيل: هو البرُّ المعروفُ. وأبَرَّ
(١) قرأ الحسن وشريح ونافع وابن عامر (ولكنِ البِرُّ) الإتحاف ١٥٣.
(٢) قرأ الحسن وأبو جعفر وأبو مجلز وأبو نهيك (وَبِراً) الإتخاف ٢٩/١.
(٣) قرأ الحسن وأبو جعفر وأبو مجلز وأبو نهيك (وبرّاً) المحتسب محتسب ٢ /٤٢. وقرأ ابن نهيك
( وَبَرَّ) الإملاء للعكبري ٦٢/٢ والإعراب للنحاس ٣١٤/٢ .
(٤) ورد المثل في المستقصى ٣٣٧/٢ وفصل المقال ٥١٥ جمهرة الأمثال ٣٧٦/٢، ٤٠١ ومجمع
الأمثال ٢٦٩/٢ وفي هذا المثل خمسة أقوال: ذكرها ابن الجوزي في غريبه ١ /٦٥. الهر: السنور
والبر: الفأرة. قاله ابن الأعرابي، الهر: الهرهرة وهو صوت الضأن، والبر: البربرة وهو صوت المعزى.
قاله أبو عبيدة. البرّ: دعاء الغنم والهر: سوقها. قاله يونس. البر: اللطف، والهر العقوق، قاله.
الفزاري . البر: الإكرام، والهر: الخصومة ، قاله الأزهري .
(٥) غريب ابن الجوزي ١ / ٦٥ والغريبين ١٥٤/١ والبريرة: رفع الصوت بكلام لا يفهم.

١٧٩
باب الباء
على صاحبه: زادَ عليه في ذلك. وأَبررتُ: صرتُ ذا بَرٍ فِي يَميني.
وقوله: ﴿لن تنالوا البِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال الهرويُّ: هو الجنةُ. قلتُ: هذا ممَّا
فُسِّر فيه الشيءُ بغايته أو بما تَسبَّبَ عنهُ، فإِنَّ الجنة غاية البِرِّ ومُتَسبِّبةٌ عنه، كما قررتُ عليه
أول هذا الموضوع.
وقوله: ﴿أَتأمرون الناسَ بالبِرِ﴾ [البقرة: ٤٤] يريدُ بسعة الإِحسان وكثرة العبادة.
ومنهُ: البريَّة، عند قومٍ لاتِّساعِها.
ب رز:
البروزُ: الكشفُ والظهورُ، ومنهُ البرازُ: الأرضُ المكشوفةُ الفَضاءِ.
وبَرَزَ: حصلَ في البَرَازِ. والمُبارزةُ في الحربِ أن يَبرزَ للغريمِ لأنه يُظهرُ نفسَه ويبرزُ
بها من الصَّفِّ. وقد يكونُ الْبُروزُ بالذاتِ نحوُ: ﴿وَترى الأرضَ بارزةٌ﴾ [الكهف: ٤٧]،
ومنه: ﴿وَبَرزوا (١) للَّه الواحدِ القهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وفيه تنبيهٌ أنهم لم يخفَ منهم
عليهِ شيءٌ، وإِنَّ الأرضَ ليس عليها بناءٌ ولا جبلٌ ولا ساترٌ، بل هي فضاءٌ مكشوفةٌ.
وبَرَزَ فلانٌ: كنايةٌ عنِ التغوُّط. وعَدلٌ مُبرزُ العدالةِ أي مُظهرُها لما يتعاطاها من
صفاتها الظاهرة. وامرأةٌ بَرْزٌ: إِذا كانتْ تبرُزُ، ويقالُ: هي العفيفةُ لأنَّ العفَّةَ رفَعَتْها، لا أنَّ
اللفظةَ اقْتَضتْ ذلك، قالَه الراغبُ (٢).
وفي حديثٍ أمِّ معبدٍ: ((كانت امرأةٌ بَرزةٌ تَحْتُبي بفناءِ القُبَّةِ))(٣). قال الهرويُّ:
البرزةُ الكهلةُ التي لا تَحتجبُ احتجابَ الشَّابِ، وهي مع ذلك عفيفةٌ. ورجلٌ بَرْزٌ إِذا كان
مُنكشفَ الحالِ. قال العجاجُ: [ من الرجز]
١٥١- بَرْزٌ وذو العَفافةِ البَرْزِيُّ(٤)
وذهبُ إِبريزُ: خالصٌ ظاهرُ الجَودةِ. وفي الحديث: ((ومنه ما يخرُجُ كالذَّهبِ
(١) قرأ زيد بن علي (وبُرِّزوا) البحر المحيط ٤٤٠/٥.
(٢) المفردات ١١٨.
(٣) غريب ابن الجوزي ٦٦/١ والفائق ٧٦/١ والنهاية ١ /١١٧.
( ٤) ديوانه ٤٩٣/١ (عزة حسن).

١٨٠
باب الباء
الإِبريزِ))(١) يقالُ: إِبرِيزٌ وإِبريزيٌّ
ب رزخ :
والبَرْزخُ: هوَ الحاجزُ بينَ الشَّيْئِينِ. قال تعالى: ﴿بينَهُمَا بَرَزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠] أي
بينهما فاصلٌ وحاجزٌ، فلا يبغي هذا على كلِّ حاجز بين شيئين فهو مومق وبرزخ، فهما في
رأي العينِ مختلطانِ، وفي قُدَرتِهِ مُنفصلانٍ. فهذا معنى قوله: ﴿ مرجَ البحرينِ يَلتقيانِ
بينهما برزخٌ﴾ [الرحمن: ١٩- ٢٠]
وقولُه: ﴿وَمِن ورائِهِم بِرَزَخٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أي حاجزٌ بين الدنيا والأُخرى،
وهو مدةُ لَبْئِهم في القبورِ. فَقيلَ: هو البرزخُ إِلى يومِ القيامةِ، ((وهو الحائلُ بِيْنَ الناسِ وبين
[ بلوغ ]المنازل الرفيعة في الآخرة، وذلك إِشارةٌ إِلى قوله: ﴿فلا اقْتَحَمْ العَقَبَةَ﴾ وبتلك
العقبةِ موانِعُ لا يصلُ إِليها إِلاّ الصالحون))(٢). وقد فسَّرِها تعالى بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبةٍ(٣)﴾
فسمَّى هذه الأشياءَ عقبةً لمشقّتها على الأنفُسِ.
وأصلُ برزخ: برزَه فعزَّْته العربُ، نصَّ عليه الراغبُ (٤). وفي حديثٍ عليَّ أنَّه ((صلّى
بقومٍ فأسوَى بَرزخاً)»(٥)، قال أبو عبيدٍ: أَسوى: أسقطَ، والمرادُ بالبرزخِ: الذي أسقطه من
ذلك الموضع إِلى الموضع الذي انتهى إليه من القرآن .
ب رص :
البَرصُ؛ داءٌ معروفٌ عسرُ الزوالِ أو مُمتَنعُه، ولذلك جُعِلَ زوالُه معجزةً لعيسى عليه
السلام في قولِه تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الأكمهَ والأبرَصَ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وقيل للقمرِ أَبرصُ
: لتلك النكتةِ المُشارِ إِليها في قولِه : [ من الطويل]
(١) الغريبين ١ / ١٥٥ وغريب ابن الجوزي ١ /٦٦ والنهاية ١ /١٤.
(٢) المفردات ١١٨ .
(٣) قرأابن كثير والكسائي وابن محيصن والحسن واليزيدي وعلي بن أبي طالب (فَكَّ رَقبةٌ) السبعةُ
٦٨٦ والنشر ٢ /٤٠١ والحجة لابن خالويه ٣٧١ .
(٤) المفردات ١١٨ ..
(٥) غريب ابن الجوزي ١ /٦٦ والغريبين ١ /١٥٦ والنهاية ١١٨/١.