Indexed OCR Text

Pages 101-120

١.١
باب الهمزة
لهم إِلْفٌ ولَيَس لكمْ إِلافُ (١)
٦٥- زَعَمتُمْ أنَّ إِخوتكم قریشٌ
والمؤلّفةُ: ضَربانٍ؛ ضربٌ ضعفاءُ الإِسلام، وضربٌ كفارٌ؛ ولكن يُتألَّفون بالعطاء
لعلّهم يُسْلِمونَ. وقولُه: ﴿لإيلافٍ(٢) قريشٍ إِيلافهم (٣) رحلةَ الشتاءِ﴾ [قريش: ١- ٢]
فالإِيلافُ مصدرُ الْفَ يُؤلِفُ، بمعنى ألفَ الثلاثي؛ ففَعلَ وأَفعلَ بمعنى.
ويقالُ: آلفتُهُ المكانَ، فيتعدَّى لاثنين. وقال الأزهريُّ: الإِيلافُ شِبهُ الإِجارَةِ
بالخُفارة. يقالُ: أَلَّفَ يُؤْلِفُ، وَالَفَ يُؤْلِفُ إِذا أجازَ الحمائلَ بالخُفارةِ. والحمائلُ جمعُ
حمولةٍ، وذلك أنَّ قريشاً لم يكن لهم زرعٌ ولا ضَرَعٌ. وكانوا يرحلون رحلتينٍ؛ رحلةً في
الشتاءِ ورحلةً في الصيفِ ... والناسُ يُتخطّفون. فكانَ المعنى: اعجبوا لإيلافٍ. وقيلَ:
اللامُ متعلقةٌ بقولهِ: ﴿فليعبدوا﴾. وقيلَ: بآخرِ الفيلِ، وتحقَّقَ هذا في موضعٍ آخرَ. وقُرئَ:
(لإِلافِ)) و((لإيلافٍ))، و((إيلافِهم)) بلا خلافٍ، مع أنه رسم ((إِلافِهم)) بغيرِ ياءٍ.
والألْفُ: عددٌ معروفٌ يميِّزُ بواحدٍ مخصوص، قال تعالى: ﴿أَلفَ سنةٍ﴾ [البقرة:
٩٦] ويثنَّى، ويجمعُ على آلافٍ وأُلوفٍ. وسُميتْ بذلك لائتلاف الأعداد فيها، وذلك أنَّ
الأعدادَ آحادٌ وعشراتٌ ومئونَ وأُلوفٌ، فإِذا بلغتَ الألفَ فقد ائتلفتْ، وما بعده يكونُ
مكرَّراً. والَفْتُ الدراهمَ أي بلغتُ بها الألفَ، نحوُ ماءَيتُ.
وأوالفُ الطيرِ ما لزِّمَ مكانَه. قال : [من الرجز]
٦٦- أوالفاً مكةَ مِن وُرْقِ الحمىَ (٤)
يريدُ الحمامَ.
(١) لمساور بن عند يهجو بني أسد، ذكره أبو تمام في حماسته باب الهجاء ١٦٩/٢ . والبيت أيضاً في
اللسان (ألف) والدر المصون ١١٢/١١.
(٢) قرأ ابن عامر (لإلاف) وقرأ الأعرج وأبو عكرمة (ليلاف) الإتحاف ٤٤٤ والنشر ٤٠٣/٢ والبحر
المحيط ٥١٤/٨، وقرأ عاصم وشعبة (لإتلاف) السبعة ٦٩٨. وقرأ عكرمة وابن مسعود (ليالف
قريشٌ)
الكشاف ٤ /٢٨٨ والبحر المحيط ٥١٤/٨. وفي مختصر الشواذ ١٨٠ (ويل أمكم قريش إِلْفِهم).
(٣) قرأ ابن كثير وابن عباس ومجاهد وأبو جعفر وعكرمة (إِلَّفِهِم). وقرأ عاصم وشعبة والأعشى
(إِثلافهم، إيلافهم) الحجة لأبي زرعة ٧٧٣ والبحر المحيط ٥١٤/٨.
(٤) الرجز للعجاج في ديوانه ٢ / ٤٥٢.

١.٢
باب الهمزة
قيلَ(١): ﴿والمؤلّفة قلوبُهم﴾ [التوبة: ٦٠] الذين يُتحرِّى بِهم بتَفقِّدهم أن يصيروا
من جملةٍ مَن وصفَهم اللَّهُ تعالى بقوله: ﴿لو أنفقتَ ما في الأرضِ جميعاً ما ألَّفتَ بينَ
قلوبِهم ﴾ [الأنفال: ٦٣ ].
والتأليفُ: التركيبُ بشرطِ مُلَاءَمَتهِ؛ فكلُّ تأليفٍ تركيبٌ من غيرٍ عكسٍ. ولذلك
قيلَ: التأليفُ ما جُمع فيهِ بينَ أجزاءَ مختلفةٍ ورُتِبَ ترتيباً قُدِّمَ فيهِ ما حقُّه أن يتقدَّمَ وأُخْر
فيه ما حقُّه أن يتأخّرَ.
والألفُ من حروف الهجاءِ، يُطلقُ على حروفِ المدِّ وعلى الهمزةِ. وقد تقدَّمَتْ
انقساماتُها فلا نُعيدُها .
أل ك :
أَلكَ: أرسلَ. والمالْكَةُ: الرسالةُ. قالَ:
٦٧- أَبلغْ أبا دَخْتَوسَ مَالْكَةُ(٢)
یریدُ من الكذب.
والمألُكُ والألوكُ: الرسالةُ يقالُ: أَلِكْني إلى زيدٍ أي أَبلغْهُ رسالتي. قال: [من
الطويل]
يُنكَّرُ إِلمامي بها ويُشَهِّرُ(٣)
٦٨- أَلِكْنِي إِليها بالسَّلامِ فإِنّه
وقال: [من الطويل]
٦٩ - أَلِكْني إلى قومي العداة رسالةً(٤).
والملَكُ: واحدُ الملائكة مشتقٌّ من ذلك، والأصلُ مَالكٌ، فقُدِّمتِ العينُ وهي
(١) المفردات ٨١.
(٢) صدر بيت، وعجزه: (عن الذي قد يقال م الكذب)، والبيت في اللسان (ألك) والخصائص ٣١٠/١
دون نسبة وأبو دختنوس: هو لقيط بن زرارة، ودختنوس ابنته سماها باسم بنت كسرى، وهي كلمة
فارسية تعني بنت الهنيء. انظر المعرب للجواليقي ١٤٢، وأمالي ابن الشجري ١ /٩٧.
. (٣) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٩٣.
(٤) صدر بيت لعمرو بن شأس في شعره: ٩٠ وعجزه:
( بآية ما كانوا ضعافاً ولا عُزْلا).

١.٣
باب الهمزة
وأُخرت الفاءُ فصارتْ مَلاكاً، واستْثقلتِ الهمزةُ، فَتُقَلتْ حركتُها إِلى الساكنِ قبلَها
وحُذفتْ(١)، كقولهم: مَرَه وكَمَه في المرأةِ والكمْأَةِ. والميمُ مزيدةٌ ووزنُه الآنَ: مَفَلٌ وهذا
تصريفٌ واضحٌ، فلمّا جُمع رُدَّ إِلى أصلهِ من الهمزة وبقيَ على قلبهِ فقيلَ: مَلائكة ووزنُها
مَفاعلة. وقيلَ: أصلُّه مَلأَكةٌ بتقدُّمِ اللامِ مِن لاكَ أي أرسلَ أيضاً. ثم فُعِلَ بهِ من النَّقل ما
تقدَّم ففيهِ نقلٌ من غيرٍ قلبٍ، فوزنُه مَعَلٌ. ويدلُّ على أنَّ هذا أصلٌّ بنفسهِ قولُه: [ من
الطويل ]
تَنزَّلَ من جوِّ السماءِ يصُوبُ(٢)
٧٠- فلست لأنسيِّ ولکنْ لِملأك
وقيل: هو مِن لاكَ اللقمةَ في فيه يلوكُها أي يُديرُها. والملكُ من هذا المعنَى فيكونُ
قد حَذف العينَ، ووزنُه مَفَل ثم عادتِ العينُ في الجمعِ. ووزنُ الملائكة على هذينٍ
مَفاعلةٌ من غيرِ قلبٍ. وقيلَ: هو مِن الملكِ فميمُه أصليةٌ، ثم زِيدتْ فيه الهمزةُ إِمّا قبلَ اللامِ
وإِما بعدَها كما زِيدتْ فِي شَأملٍ وشَمالٍ، وفُعلَ به ما فُعلَ في مَالكٍ ومَلأْكِ المتقدِّمينِ.
فوزنُ مَلَكٍ فَعَلٌّ، وملائكةٍ فَعائلةٌ. وإِنَّ ما أحوجَنَا إِلى هذا كلُّهِ وجودُ هذه الهمزةِ في
الجمع.
أل ل:
الإِلُّ: الحالُ الظاهرةُ من عهدٍ وحَلِفٍ وقَرابةٍ. ألَّ يثلُّ أي لمعَ يلمَعُ، والألّةُ: الحربةُ
اللامعةُ، وألَّ بها أي ضربَ بها. وألَّ الفرسُ: أسرعَ. وأصلُه أنه إِذا عَدا لمعَ بذنبهِ، واستُعيرٌ
لذلك. قالَ: [ من الرجز]
هذا سلاحٌ كاملٌ وَإِلَهْ
٧١- إِنْ تقتلوا اليومَ فما لي عِلَّهْ
وذو عذارينٍ سريعُ السُّلُمْ(٣)
فقولُه: ﴿لا يَرَقبون في مُؤمنٍ إِلاَّ ولا ذِمَّةٌ﴾ [التوبة: ١٠] أي لا يَرقُبون عهداً ولا
(١) سفر السعادة ٩٢١ ورسالة الملائكة ٦ وسيبويه ٤ /٣٧٦، ٣٨٠. والاشتقاق ٢٦ واللسان والتاج
( ألك ).
(٢) البيت لعلقمة الفحل في ديوانه ١١٨.
(٣) الرجز في اللسان (سلل) لحماس بن قيس الكناني، وفي التاج (أول) لأبي قردودة الأعرابي وفي
الصحاح واللسان (أُولَ ـ جدل) دون عزو.

٠١٠٤
باب الهمزة
قرابةً ولا حلفاً.
وقيلَ: الإِلُّ والإِيلُ من أسماء اللَّه تعالى(١)، قالَ الراغبُ(١): وليسَ بصحيحٍ. قلتُ:
يمكنُ أن يقوِّيَ ما ذُكر بأنَّه قد أُضِيفَ إِلى اللَّهِ تعالى في حديثٍ لقيطٍ: (( أُنْبِعُك بمثْلٍ
ذلك، في إِلَّ اللّهِ))(٢) أي في قُدرتهِ وإِلهيتهِ. فلو كان اسماً للَّه لما أُضيفَ إِليهِ لا سيما وقد
فسَّره العلماءُ بالقدرةِ والإلهية. وفي حديث الصدِّيق رضي اللَّه عنه، وقد عُرضَ عليه كلامُ
مُسيلمة الكذاب لعنهُ اللَّهُ: ((إِنَّ هذا لم يَخرجْ من إِلَّ)(٢) يَعني من رُبوبيَّةٍ. ومن هُنَا غَلِطَ
مَن جَعَلَهُ اسماً للَّه. وفي الحديث: ((عَجبَ ربُّكم من إِلَكم وقُنوطِكم)) (٤). قال أبو عبيدٍ:
المُحدِّثون يروونَه بكسرِ الهمزةِ، والمحفوظُ عندَنا فتحُها، وهو أشبهُ بالمصادرِ؛ كأنه
أرادَ: من شدة قُنوطكم. ويجوزُ أنْ يكونَ مِن رفعِ الصَّتِ بالبكاءِ. يقالُ: ألَّ الرجلُ يَعَلٌّ
أَلَّلاًوإِلاّ واليلاً، ومنه يقالُ: لَهُ الويلُ والآَليلُ. قال الكميتُ: [من البسيط ]
٧٢- وأنتَ ما أنتَ في غبراءَ مُظلمةٍ إِذَا دَعت أَلَيْها الكاعبُ الفُضُلُ(٥)
وفي حديثٍ أمَّ زَرعٍ: ((بنتُ أبي زرعٍ وفيٌّ الإِلِّ كريمُ الخُلِّ بَرودُ الظُّلِّ))(٦)، أي وفيّ
العهد، وذُكِّرتْ على معنَى التَّشبيهِ أي بنتُ أبي زرعٍ مثلُ رجلٍ وفيِّ العهدِ.
والأللان: صفحتا السکین.
أل م:
الألمُ: شدةُ الوجعِ يِقالُ: أَلِمَ الرجلُ يَالَمُ ألماً، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهم يَأْلَمونَ كما
تألَمِونَ﴾[النساء: ١٠٤]، وهو أَلِمٌّ، وَالَمْتُهُ أُؤْلِمُهُ إِيلاماً، فأنا مُؤْلِمٌ وهو مُؤْلَمٌ. وقولُه:
﴿عذابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]. بمعنَى مُؤْلِم (٧). قال أبو عبيدةَ: أليمٌ أي مُؤْلِمٌ. يقالُ:
(١) المفردات ٨١، ٩٩.
(٢) النهاية ١ /٦١.
(٣) النهاية ١ /٦١ وغريب ابن الجوزي ٣٦/١ وغريب أبي عبيد ١٠٠/١.
(٤) الفائق ٣٩/١ والغريبين ٧١ وغريب ابن الجوزي ٣٦/١ وغريب أبي عبيد ٢٦٩/٢ والنهاية ١ /٦١.
(٥) اللسان والتاج (الل) والغريبين ١ / ٧١.
(٦) غريب ابن الجوزي ١ /٣٧ والغريبين ٧٢ والنهاية ١/ ٦١.
(٧) هو قول ابن الأعرابي في المقاييس.

١.٥
باب الهمزة
المني الشيءُ والِمْتُ الشيءَ. وقولُه: ﴿إِنْ تكونوا تَأْلَمون(١) فإِنَّهُم يألمونَ كما تألمون ﴾
[النساء: ١٠٤]. قالَ ابنُ عرفةَ: أليمٌ أي ذو ألم، وسَميعٌ ذو سَماعٍ. قال: ولا أدري
مامعنى ما قالَ أبو عبيدةً. قلتُ: ما قاله أبو عبيدةً أوضحُ مِن كونِ أليمٍ بمعنى مؤلمٍ. وأما
قولُه: آلَمني الشيءُ - بالفتح - وأَلِمتُ الشيءَ - بالكسر - فهو كما قالَ ابنُ عرفةً: لا
يُدرَی معناهُ.
و((ألم)) من أوائلِ السورِ، وكذلك الحروفُ المقطَّعةُ، للناسِ فيها أقوالٌ كثيرةٌ(٢)،
فَصلتُها في ((التفسيرِ الكبيرِ)) إِلى نحوِ ثلاثينَ قولاً، منها: أنها جِيءَ بها للإِعلامِ بأنَّ ما أَتَّى
به الرسولُ من جنسِ هذهِ الأحرفِ التي ينطقون بِها، ويؤلّفون منها كلامَهم، فعجزكم عن
الإتيانِ بمثلهِ مع فصاحَتِكم دليلٌ على صدقهِ، وهذا أَحسنُ الوجوهِ. وقيلَ: هي بعضُ أسماءٍ
اللَّه تعالى؛ فالألف منَ اللَّهِ، ولامٌ من لطيفٍ، وميمٌ من عَليمٍ، ويُروى عن ابنِ عباس(٢).
وبُسط هذا في الكتابِ المشارِ إِليه.
أ ل هـ:
اللَّهُ: هذا الاسمُ المعظّمُ، للناسِ فيهِ أقوالٌ كثيرةٌ ومسألاتُ شهيرةً(٤)، قد أتقنتُها
والحمدُ لله في ((التفسير الكبير)) وكتاب ((الدرِّ المصون)). ولنذكرْ هُنا بعضَ ذلك فنقولُ:
اختلفَ الناسُ في الجلالة المعظمَّة؛ هل هو مشتقٌّ أو مُرتجلّ؟ والقائلون بالاشتقاق اختلفوا.
١- فقيل(٥): هوَ من أَلَهَ فلانٌ يَأْلُهُ أَلاهَةٌ أي عَبد عبادة؛ فإِلاَهٌ فعالٌ بمعنى معبودٍ.
(١) قرأ منصور بن المعتمر وابن السميع (تعلمون) البحر المحيط ٣٤٣/٣ وقرأ منصور بن المعتمر
ويحيى ابن الوثاب (تيليمون) الكشاف ٢٩٦/١ والإملاء للعكبري ١ /٠١١٢
(٢) قال الزمخشري في الكشاف ١٣/١-١٤ ((إذا تأملت الحروف التي افتتح الله بها السور وجدتها
نصف أسامي حروف المعجم، أربعة عشر في تسع وعشرين سورة عدد حروف المعجم)). وجمع
بعضهم هذه الحروف بقوله: ((نص حكيم قاطع له سر»، «لم يسطع نور حق كره)) وانظر البرهان
١٦٥/١-١٧٨ والإتقان ٢٤/٣-٣٤.
(٣) الإتقان ٢٤/٣.
(٤) أورد السخاوي في سفر السعادة ٥-١٤ بعض الأقوال في تفسير لفظ الجلالة، وسرد المحقق عدة
مصادر منها: اشتقاق أسماء الله للزجاجي. شرح أسماء الله الحسنى للفخر الرازي. رسالة الملائكة
للمعري. تفسير القرطبي.
(٥) سفر السعادة ١١ ((شرح أسماء الله للرازي ١١٩)).

١.٦
باب الهمزة
ومنه قيلٌ(١) للشمسِ إِلاهٌّ لأنَّ بعضَ الناسِ عبدوها. قالَ: [ من الوافر]
٧٣- تُروِّحُنا من اللَّعْباءِ عَصراً فأَعَجلْنَا الإِلاهةَ أن تَؤوبا (٢)
٢ - وقيل(٣): مِن أَلِهَ أي تَحيَّرَ. وقيلَ: معناهُ ما أشارَ إِليهِ عليّ بنُ أبي طالبٍ كَرَّم
اللَّهُ وجهَه: ((كَلَّ دونَ صِفَاتِه تحبيرُ الصفات، وضَلَّ هناك تصاريفُ اللغات))(٤) أي أنّ
العبدَ إِذا تفكّر فيه تحيّرَ. وفي الحديث: ((تَفكّرُوا في آلاءِ اللَّهِ ولا تَتَفكروا في اللَّهِ)»(٥).
٣- فإِذا ثبتَ أنَّ أصله إِلاّةٌ فقد أدخلوا عليه الألف واللامَ فصار الإِلهَ، ثم نَقلوا حركةَ
الهمزة إلى لام التعريف وحذفوها. والتقَى مِثْلان فأدغموهُ وفخَّموه تعظيماً(٦).
٤- وقيل (٧): بل حُذفت همزتُه كما حذفتْ همزةُ الناسِ، وأصلُهُ الناسُ. ويدلُّ
على ذلك مراجعةُ الأصلِ فيهما. قال: [ من الطويل]
٧٤- معاذَ الإِله أن تكونَ كظبيةٍ ولا دميةٍ ولا غَفِلَةِ رَبْرَب(٨)
وقال الآخر: [من مجزوء الكامل]
٥ ٧- إِن المنايا يَطَّلِعْنَ على الأناس الآمنينا(٩)
٥- واختصَّ بالباري تعالى فلم يجسْر أحدٌ من المخلوقينَ أنْ يتسمَّى(١٠) به،
(١) المقاييس (أله).
(٢) ينسب البيت إِلى أم البنين مية بنت عتيبة، قالته في رثاء أبيها وينسب إلى غيرها. اللسان - تاج -
مقاييس (أله) ومعجم البلدان (لعباء) ١٨/٥ مع ثلاثة أبيات.
لعباء : سبخة بناحية البحرين بحذاء القطيف على سيف البحر. وجبل لغطفان في أكناف
الخجاز.
(٣) سفر السعادة ١١ ((شرح أسماء الله للرازي ١١٧).
(٤) المفردات ٨٣.
(٥) هو قول ابن عباس في كشف الخفاء ٣١١/١ والنهاية ١ /٦٣.
--
(٦) سفر السعادة ٥ وسيبويه ١٩٥/٢ ..
(٧) سفر السعادة ٥-٧، ١٤.
(٨) البيت في الحماسة ٢١٨/١ والخزانة ١ /٣٥٠ والدر المصون ٢٦/١، وينسب البيت إلى البعيث بن
حریث .
(٩) البيت في ((المعمرون ٤٣) وقائله: ذو جدن الحميري، قيل عاش ثلاثمائة سنة. وانظر اللسان والتاج
( أنس) وسفر السعادة ٦ والخصائص ١٥١/٣، والدر المصون ٢٦/١، ومجالس العلماء ٧٠.
وسيرد البيت مرة ثانية في (نوس).
(١٠) سفر السعادة ١٣ وهو القول الثامن، وفيه قال الخليل ((هو علم، اسم غير مشتق ..

١.٧
باب الهمزة
ولذلك قال تعالى: ﴿هل تعلّمُ لَهُ سَمِيًّاً﴾ [مريم: ٦٥]. وهذا بخلاف بقية أسمائه؛ فإنَّه
قد تَجاسَرَ عليهِ الكذابُ، فتسمَّى، عليه اللعنةُ، الرحمنَ الرحيمَ. وكذا الإِلهُ قبلَ النقلِ
والتفخيمٍ يختصُّ بهِ تعالى. وأمّا إِلهٌ فقد يقعُ على المعبودِ بالباطلِ، قال تعالى: ﴿ومَن
يدْعُ معَ اللهِ إِلهاً آخرَ لا بُرهانَ لهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
٦- وقيل(١): هو مُشتقٌّ من وَلَهَ أي دُهِشَ، ومن إِخوانهِ دلَهَ وعَلَّهَ، أي أنَّ كلَّ
مخلوق قد وَلَّهَ نحوَه وفزعَ إِليهِ، وذلك إِمّا بالتَّسخيرِ فقط كالجمادات والحيوانات، وإِمَّا
بالتسخير والإرادة معاً كبعض الناس. ومن ثمَّ قالَ بعضُ الحكماءِ(٢): اللَّهُ محبوبُ الأشياءِ
كلِّها، وعليهِ ﴿وإِنْ مِن شيءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بحمدِهِ، ولكنْ لا تَفْقَهونَ تَسبيحَهم﴾ [الإسراء:
٤٤].
فأصلُه ولاءٌ بمعنى مألوهٍ أي مفزوعٌ إِليه، فأُبدلتِ الواوُ المكسورةُ همزةٌ كھيَ في
وشاحٍ ووعاءٍ حيثُ قالوا فيهما إِشاحٌ وإِعاءٌ، ثم أدخلوا عليهِ الألفَ، وفُعلَ به ما تقدَّمَ،
وعليهِ قولُ الخليلِ، وعليه اعتراضاتٌ أجبتُ عنها .
٧- وقيل(٣): هو مِن لاهَ يَلُوهُ، أو من لاهَ يَليهِ إِذا احتجبَ. قيلَ: وهو إِشارةٌ إِلى
قوله: ﴿لا تُدركُهُ الأبصارُ وهو يدرِكُ الابصارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وإلى الباطنِ في قولهِ:
﴿هو الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهُرُ والباطنُ﴾ [الحديد: ٣]. وفي حديثٍ وُهَيبٍ: ((إِذا وقعَ العبدُ
في الأُلْهانيَّةِ لم يجدْ أحداً يأخذُ بقلبهِ))(٤). قالَ القُتَيبِيُّ: هي فُعلانيةٌ منَ الإِلهِ، فقال: إِلهٌ
بَيِّنُ الإِلهِيَّةِ والأُلْهانيّة .
وقولُهم: اللهمَّ(٥)، أصلُّه عندَ البصريين يا اللَّهُ حُذفتْ ياؤها وعُوَّض عنها فى آخرهِ
الميمُ المشدَّدَةُ، وليسَ ذلك في غيرهِ. وقال الكوفيون: ليستْ عوضاً من (يا) بل بعضُ
فعلٍ أصلُه: يا اللَّهُ أُمَّنا(٦)، ثم حُذفَ بعضُ الفعلِ لكثرةِ الدُّورِ مُستدلّين بأنَّه قد جُمع
(١) سفر السعادة ١٠.
(٢) المفردات ٨٣.
(٣) سفر السعادة ٨-١٠ وهو القول الثاني وقد نسبه إلى المبرد.
(٤) النهاية ١ / ٦٢ وهو حديث وهيب بن الورد.
(٥) الإنصاف في مسائل الخلاف ٣٤١-٣٤٩ وسيبويه ١٩٦/٢.
(٦) تمام الجملة عند أهل النحو واللغة ( يا ألله أمنا بخير).

١.٨
باب الهمزة
بينهما في قوله: [من الرجز]
سبُحتِ أو هِلَّلتِ: يا للَّهُمَّا
٧٦- وما عليكِ أنْ تَقولي كلّما
أردُدْ عِلينا شَيخنَا مُسلّماً (١)
ولا دليلَ فيه لأنَّه ضرورةٌ.
وقولُه تعالى: ﴿وهو الذي في السماءِ إِلّ (٢) وفي الأرض إِلهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أي
معبودٌ فيهما. ولذلك تعلقَ بِه الجارِّ. ولهذا الاسمِ الشريفِ أحكامٌ كثيرةٌ يختصُ بها دونَ
غيره من الأعلام؛ ذکرتُها في کتابي المشار إليه.
أل و:
الألْوُ: التقصيرُ. قال تعالى: ﴿لا يألونَكُم خَبالاً﴾ [آل عمران: ١١٨] أي لا
يُقَصِّرُون في إِفساد أمورٍ كم ولا يُبقُّون غايةً في اتّباعهم في الفساد. يقالُ: أصابَه داءُ
الفساد ولا آلوهُ نُصحاً أي لا أقصِّرُ في نُصحهِ. وقال الأزهريُّ: الأَلوُ يكونُ جهداً ويكونُ
تقصيراً ويكونُ استطاعةً. يقالُ: ما آلوهُ أي ما أستطيعُه.
والألُوَّةُ والأَلْوَّةُ، بفتح الهمزةِ وضُمِّها، الذي يُتبخّرُ به(٣). قالَ الأصمعيّ: هي فارسيةٌ
عُرِبتْ. ويقالُ: لَوَّةٌ ولِيّةٌ. وتُجمَعُ الأَلْوَةُ على أَلاوِيَّةٍ، قالَ الأصمعيُّ وأَنشدَ: [ من الطويل]
بأعوادٍ رَنْدٍ أو ألاوِيّةً شُقْرًا(٤)
٧٧- بساقَينِ ساقَيْ ذي قِضِينٍ تَحُشُّها
وألوتُ فلاناً: أَوْلِيتُه تَقْصِيراً نحو كسَبْتُه كَسْباً. وما ألوتُه جُهداً أي ما أوليتُه تَقصيراً
بحسب الجُهد. فجهداً تَميِيزٌ؛ قاله الراغبُ(٥)، وجعلَ هذه المادةَ ومعناها فقالَ: إِلى
حرفُ جرِّ تُحدٍّ بهِ النهايةُ .
(١) الإنصاف ٣٤٢ واللسان (أله) وخزانة البغدادي والغريبين ٧٤ ومعاني القرآن للفراء ٢٠٣/١ دون
عزو .
(٢) قرأ عمر وابن زيد وابن يعمر وأبيّ (الله) بدلاً من (إِله) البحر المحيط ٢٩/٨ والكشاف ٤٩٧/٣.
: (٣) قال ابن الجوزي في الغريب إِن ابن عمر كان يستجمر بالأُلوَّة غير مُطرَّة، أي غير معالجة بنوع آخر من
الطيب . الغريب ٣٧/١
(٤) البيت دون نسبة في اللسان (قضض، ألا، قضى) والتاج (ألو).
(٥) المفردات ٨٣.

١.٩
باب الهمزة
وَلُوتُ في الأمر: قصَّرَتُ فيه، هو منهُ كأنه رأى فيه الانتهاءَ. وقولُه: ﴿للذين
يُؤْلُّون مِن نسائهم﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي يحلفون. والآليَّةُ: اليمينُ، وضَمَّن معنى هذا
الامتناعِ فتعدَّى بمن. يقالُ: آلى مِن أمرِ اللَّه يُولي إِيلاءُ فهو مُولٍ. قال الراغبُ(١): والآَلِيَّةُ:
الحِلفُ المُقْتِضي لتقصيرٍ في الأمرِ الذي حُلفَ عليهِ. والإِيلاءُ في الشَّرعِ: الحلفُ المانعُ من
جماعِ المرأةِ. قلتُ: ولا بدَّ من قيدٍ آخَرِ، وهو مدةُ أربعةِ أشهرٍ فأكثرَ للنصُ.
قوله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولو الفضلِ منكم﴾(٢) [النور: ٢٢] قيلَ: هو افْتْعَلَ من أَلَوْتُ،
وقيلَ: مِن آليتُ: حَلفتُ. وهذا قد نزلَ في شأنِ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ تعالى عنه، حين
حلفَ ليقطعنَّ نفقتَه عن مِسْطِحٍ(٣). وقد غلَّط ابنُ عرفةَ أبا عبيدٍ في قولهِ: ﴿ولا يأتلِ﴾:
لا يُقَصِّرُ، قالَ: لأنَّ الآيةَ نزلتْ في خَلِفِ أبي بكرٍ، فالمعنى: لا تَحلفوا، منَ الآليّة. قلتُ:
وقد يترجَّح ما قالَه أبو عبيدٍ من حيثُ الصناعةُ، وذلكَ بأنَّ يأتلِ: يَفتعلُ، وافتعلَ قليلٌ من
أفعلَ، وإنّما يكثُرُ من فَعَلَ، نحو: كسَب واكتسَبَ، وصنعَ واصطنعَ، واحدُه من ألوْتُ
موافقٌّ للقياسِ، وإِنزالها في حَلَفِ أبي بكرٍ لا يُنافيهِ، لأنَّ المرادَ النَّهيُ عنِ التقصيرِ. وفي
الحديث: ((لا دَرِيتَ ولا ائْتَليتَ))(٤)، هو افْتعلتُ من قَولك: لا أَلَوتُه شيئاً، كأنه قيل: ولا
أَستطيعُهُ. وحقيقتُه الإِيلاءُ. ويُرَوى: ولا تَليتَ. قال الهرويُّ: هو غلطٌ، وصوابُه: ((لا دَريتُ
ولا ائتليتُ))، يَدعو عليها بالاثلاءِ أي لا يكونُ لها أولادٌ تَتْلوها.
وفي الحديث: ((لا صامَ ولا ألَّى))(٥) هو فعَّلَ من أَوْتُ أي ولا استطاع أن يصومَ.
وقيلَ: إِخبارٌ أي لم يصُمْ ولم يُقْصِّر. وفي الحديثِ: ((مَن يَتَالَّ على اللَّهِ يُكَذِّبُهُ))(٦) أي
(١) المفردات ٨٤.
(٢) قرأ أبو جعفر وأبو رجاء والحسن وأبو مجلز ( ولا يتألّ) وقرأً أبو جعفر وأبو عمرو وورش (ولا يتال)
النشر ٣٣١/٢ والإتحاف ٣٢٣. وقرأ الحسن وابن عياش (أولو العقل) معجم القراءات ٢٤٣/٤.
(٣) هو مسطح بن أثاثة، كان من قرابة أبي بكر الصديق الذي كان ينفق عليه، وحين قال مسطح
بالإِفك امتنع أبو بكر من الرنفاق عليه، فنزلت الآية فعاد أبو بكر ينفق عليه.
(٤) النهاية ٦٢/١ وغريب ابن الجوزي ٣٧/١. والبخاري برقم ١٢٧٣ ومسند أحمد ١٢٦/٣.
والغريبين ١ /٨١ ومسلم برقم ٢٨٧٠ وشرح السنة ٥ /٤١٥.
(٥) الفائق ٥٠/١ والنهاية ٦٣/١، ٨١/١ وغريب ابن الجوزي ٣٨/١. وسيرد الحديث في مادة
( أول).
(٦) الحديث لابن مسعود فى الفائق ١ /٣٩ والنهاية ٦٣/١.

١١٠
باب الهمزة
من حَلَف أنَّ اللَّه يُدخلُ فلاناً الجنة أو النارَ وشبهَ ذلك يُكذّبُهُ.
وأولاءٍ: اسمُ إِشارةٍ للمذكرِ والمؤنثِ، ويمدُّ وهو الأكثر ويُقصِرُ. وتتصلُ به هاءُ
الَّنبيهِ مِن أوَّلِهِ وكافُ الخطابِ من آخرهِ. ويقالُ: أولئك، وفيه لغاتٌ ذكرتُها في ((إِيضاح
السبيلِ إِلى شرحِ التسهيلٍ))، وذكرتُ هناك رُتبةً نسبةِ القرب والبعد والتوسُّط.
والآلاءُ: النِّعمُ، واحدُها إِلىّ كمِعِىَ، وأَلَىَّ بكرحىّ، وأَلَيّ كهجرٍ، وإِيٌّ كفلسٍ. قال
تعالى: ﴿فاذكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٤] أي نعمه الظاهرة والباطنةَ، وإِليهِ الإشارةُ
بقولِه: ﴿وأسبغَ(١) عليكم نِعمَهُ ظاهرةً وباطنةً ﴾ [لقمان: ٢٠] قُرىَّ بالإفرادِ والجمعِ(٢).
وقولُه: ﴿فِبأيِّ آلاءِ ربِّكما تُكَذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ١٣] معناهُ أنَّ كلَّ نعمةٍ من نعمِهِ وإِنْ
قلَّتْ بالنسبةِ إِلى فضلهِ العَميمِ، فلا يَنْبغي أن تُكفرَ بل تُشكر. وقولُه: ﴿وجوه يومئذ
ناضرةٌ(٣) إِلى ربُّها ناظرةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] قيلَ: (إِلى) هنا هي النِّعمةُ، وناظرةٌ بمعنى
مُنْتظرةٍ، وهذا تأوَّلهُ المعتزلةُ على ذلك ليَنْفوا ماثبتَ قَطعاً من الرؤية . قال الراغبُ بعدَ أن
ذكرَهُ: وهو تعسُّفٌ من حيثُ البلاغةُ (٤).
وألا: بالتخفيف، يكونُ حرفَ استفتاحٍ وتَنبيهٍ يُنَّه به المخاطبُ(٥)، ويكونُ
للعَرْضِ والتمنِّي(٦). وتكونُ (لا) النافيةُ دخلتْ عليها همزةُ الاستفهام من غيرِ تغييرٍ لها في
العملِ(٧). وتكونُ للتحضيضِ(٨)، فتختصَّ بالفعل كألا بالتشديد، ولولا، ولوما، وهلا.
ولها أحكامٌ أخرُ (٩).
(١) قرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة (وأصبغ) الكشاف ٢٣٤/٣.
(٢) قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة وزيد بن علي (نعمةً)، وقرأ يحيى بن عمارة
. (نعمته). السبعة ٥١٣ والنشر ٣٤٧/٢.
(٣) قرأ زيد بن علي (نضرة) البحر المحيط ٣٨٨/٨.
( ٤) المفردات ٨٤.
(٥) كقوله تعالى في سورة البقرة: ١٢ ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾.
(٦) كقوله تعالى في سورة النور: ٢٢ ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾.
(٧) كقوله تعالى في سورة الذاريات: ٢٧ ﴿ألا تأكلون) والتقدير أنهم ليسوا بآكلين.
(٨) كقوله تعالى في سورة النمل: ٣١° ﴿ألاّ تعلو عليّ﴾.
(٩) البرهان ١٨٨/٢ -١٨٩ والإتقان ٢٣٥/٤ -٢٣٦ والأزهية ١٦٣.

١١١
باب الهمزة
أل ي :
حرفُ جرِّ معناهُ انتهاءُ الغابةِ(١). وهل يدخلُ ما بعدها في ماقبلها؟ خلافٌ مشهورٌ
حققتُه في غير هذا الكتاب.
١-وتكونُ بمعنى (مع) نحو: ﴿ولا تأكلوا أموالَهم إلى أموالِكُم﴾ [النساء: ٢].
٢-وبمعنى (في) كقوله: [من الطويل]
إِلى الناسِ مَطْلِيُّ بِهِ القَارُ أَجْرَبُ(٢)
٧٨- فلا تتر کِی بالوعید کأنني
أي: في الناسٍ.
٣- وبمعنى مِن، كقوله: [من الطويل]
٧٩- أُيُسْقَى فلا يَروَى إِليَّ ابنُ أحمرا(٣)؟
أي فلا يرويّ منّي .
٤ - وزائدة كقراءة ﴿تَهْوَى إِليهم﴾ [إبراهيم: ٣٧] بفتح الواو(٤).
والآليةُ: الثانية عن الظهر، وشَذَّ تننيتُها أليان بحذف الياء. والآليةُ أيضاً أصلُ
الإبهام، كما الضَّرَّةِ أصلُ الخِنْصَر. وفي الحديث: ((أنه عليه الصلاةُ والسلام تَفَلَ في عينٍ
عليّ فمسحَ بِأَلْيَةِ إِهامِهِ»(٥).
وإليكَ : قد تقعُ موقعَ تَنحُّ. وفي الحديث: ((ولا إِليك إِليك))(٦).
فصل الألف والميم
أما :
أمّا بالتشديد: حرفٌ يفصِّلُ ما أجملَه المتكلّمُ وادَّعاهُ المخاطبُ. ومعناها معنى
اسمٍ شرطٍ وفعلهِ، فسَّرَها سيبويِهِ(٢) بـ: مهما يكنْ من شيءٍ. ولذلك تلزمُ الفاءُ في
(١) الأشباه والنظائر للثعالبي ٥٢-٥٣ والأزهية ٢٧٢ والإتقان ١٩١/٢-١٩٣ والبرهان
٢٣٢/٤-٠٢٣٤
(٢) البيت للنابغة في ديوانه ٧٣.
(٣) عجز البيت لعمرو بن أحمر الباهلي من قصيدة قالها حين هرب من يزيد بن معاوية وكان قد بلغه أنه
هجاه فطلبه ففرّ . وصدر البيت: (تقول وقد عاليت بالكور فوقها). والبيت في ديوانه ٨٤.
(٤) قيل: ضمن ((تهوى) معنى ((تميل)) البرهان ٢٣٤/٤ والإتقان ١٩٣/٢.
(٥) الغريبين ٧٨/١ وغريب ابن الجوزي ٣٩/١ والنهاية ٦٤/١.
(٦) النهاية ١ /٦٤.
(٧) سيبويه ٢٣٥/١ والإتقان ١٩٦/٢ والبرهان ٤ / ٢٤٢.

١١٢
باب الهمزة
جوابها .. قالَ تعالى: ﴿فأمَّا اليتيمَ فِلا تَقْهِرْ﴾ [الضحى: ٩]. وقد تُحذفُ بكثرة مع قولٍ
مُضمرٍ، كقولِه تعالى: ﴿فَأمّا الذِينَ اسودَّت وجوهُهُم أكفرتُم﴾ [آل عمران: ١٠٦] فيقال
لهم: أكفرتُم؟ ودونَه قليلاً كقوله: [من الطويل]
٨٠- فأمّا القتالُ لا قتال لدیکمُ
ولكنَّ سَيْراً في عِراضِ المَواكب(١)
أي فلا قتالَ.
ويُجاءُ مع الشرطِ الصَّحيحِ فُحذفُ جوابُه لدلالة جوابها عليه كقوله تعالى: ﴿وأمَّا
إِنْ كانَ مِن أصحابِ اليمينِ، فسلامٌ﴾ [الواقعة: ٩٠]. ولا يليها إِلا الأسماءُ، وبذلك
أجمعوا، إِلا مَن شذَّ على رفعٍ(٢) ثمودَ من قولِه: ﴿وأمّا ثمودُ فهدَيناهم﴾
[فصلت: ١٧]. ولم يَنصبْ(٣) على الاشتغال.
وأما بالتخفيف: حرفٌ كالا، وتكونُ بمعنى حقّاً، ولكونها بهذينِ المعنيينِ جازَ في
( أن) الواقعة بعدها الكسرُ والفتح (٤)، على أنها استفتاحُ كلامٍ فوقعتْ أنْ في ابتداءٍ
الكلامِ، فمن ثَمَّ كُسرتْ، والفتحُ على أنها بمعنى حقّاً. وحقاً مُشبهةً بالظرف؛ فتكونُ خبراً
مقدَّماً. وأنْ وما بعدها في محلِّ المبتدأ تقديرهُ: أنَّك ذاهبٌ أي ذهابُك.
وإِمَّا، بالكسرِ والتشديد(٥): حرفٌ معناهُ الشكُّ أو الإبهامُ أو التخييرُ أو الإِباحةُ أو
التَّقسيمُ كأو. وادَّعى بعضُهم أنها عاطفة إِجماعاً، وبعضُهم أثبتَ فيها خلافاً، قال تعالى:
﴿إِنّا هَدَيْناهُ السبيلَ إِمّا شاكراً وإِمَا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣] فهذه للتقسيم. وقولُه: ﴿إِمّا أن
تُعذِّبَ وإِمَّا أنْ تَتَّخِذَ فيهِم حُسْناً﴾ [الكهف: ٨٦] ظاهرٌ فيهِ التخييرُ، ويجوزُ الإِباحة.
وقولُه: ﴿حتى إِذا رأوا ما يوعَدُونَ إِما العذابَ وإِما الساعةَ﴾ [مريم: ٧٥] ظاهرٌ فيه
التنويعُ، وقد تُحذفُ الثانيةُ ويُغني عنها (أو)، نحو: قامَ إِما زيداً أو عَمراً. وقد يُغني عنها
إلا، كقوله: [ من الوافر]
٨١- فإِمّا أنْ تكونَ أخي بحقٍ
فأعرفَ مَنْكَ غِثِي مِنْ سَميني(٦)
(١). البيت الحارث بن خالد المخزومي في ديوانه ٤٥ .
(٢) هي قراءة يحيى والأعمش فى مختصر الشواذ ١٣٣ والكشاف ٤٤٩/٣.
(٣) قرأ عاصم والحسن (ثمود، ثموداً) البحر المحيط ٧ /٤٩١ والكشاف ٤٤٩/٣.
(٤) سيبويه ١٢٢/٣.
(٥) الأزهية ١٣٩-١٤٣ والبرهان ٢٤٥/٤-٢٤٦ والإتقان ١٩٧/٢-١٩٨.
(٦) البيتان للمثقب العبدي في المفضليات ٢٩٢ ومعجم الشعراء ١٦٧ والأزهية ١٤٠.

١١٣
باب الهمزة
عدُواْ أَثْقِيكَ وتَتَّقِيني
وإِلاَّ فاطرحْني واتِّخذْني
وقد تُبدلُ ميعٌّها الأولى ياءً مع فتحٍ همزتها، وأنشدَ: [من البسيط]
أيْما إلى جنة أيْما إِلى نارٍ (١)
٨٢- يا ليتَما أُمُّنا شالتْ نَعَامَتُها
وهذه الأحرفُ الثلاثةُ قد ذكرتُها مبسوطةً في غيرِ هذا. وفي هذا كفايةٌ لما نحن
بصدده .
أم ت :
قال تعالى: ﴿لا تَرِى عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٧] أي لا ارتفاعَ فيها ولا
انخفاضَ، أي لا حَدَبَ فيها ولا نَبَكَ. وَالنَّبَكُ: التلالُ الصغار.
والأمْتُ في الأصلِ: المكانُ المرتفعُ. ويقال: ملا مَزادتَه فلا أَمْتَ فيها، أي لا
غَرْضَ فيها ولا تَثَنِّيَ. وأمَتُّ الشيءَ أي قدَّرتُه فهو مَأموتٌ. وأَنشدَ: [ من الرجز]
٨٣- هيهاتَ فيها ماؤها المأمُوتُ(٢)
وفي الحديث: ((إِنَّ اللَّهَ حرَّمَ الخمرَ فلا أُمْتَ فیها»(٢). قالَ شَمِرٌ: أي لا عيب
فيها. قال الأزهريُّ: بل معناهُ: لا شكَّ فيها، ولا ارتيابَ أنه لتنزيلٌ من ربِّ العالمين، لأنَّ
الأمْتَ في صيغة اللغة: الحَزْرُ والتقديرُ ويدخلُهما الظنُّ. يقالُ: بيننا وبينَ الماءِ ثلاثةُ أميالٍ
على الأَمْتِ، أي الظنِّ. وكم تأمِتُ هذا الأمر؟ أي تقدّرُه؟ قال الهرويُّ: قلتُ: معناه
حرَّمها تحريماً لا هوادةَ فيه، أي لا لينَ فيهِ. يقالُ: سار سَيراً لا أَمْتَ فيه، أيْ لا لينَ فيه ولا
فُتُورَ.
أم د :
قال الله تعالى: ﴿فطالَ عليهمُ الأمَدُ (٤).﴾ [الحديد: ١٦] والأمَدُ والأبَدُ أَخوان
(١) البيت للأحوص في التاج والصحاح (أمم) وانظر ديوانه ٢٢١.
(٢) الرجز لرؤية في اللسان (أمت).
(٣) الحديث لأبي سعيد الخدري في الفائق ١ /٤٤ والنهاية ٦٥/١. وغريب ابن الجوزي ٤٠/١.
(٤) قرأ ابن كثير (الأمَدُّ) البحر المحيط ٢٢٣/٨.

١١٤
باب الهمزة
إلا أنَّ بينَهما فرقاً وهو أنَّ الأبدَ عبارةٌ عن مدة الزمانِ التي ليسَ لها حدٍّ محدودٌ، ولا يتقيّدُ
فلا يقالُ: أبدُ كذا. والأمدُ: مدةٌ لها حدٍّ مجهولٌ إِذا أُطلقَ، وقد ينحصرُ نحوَ أنْ يُقالَ:
أمدُ كذا. والفرقُ بينه وبينَ الزمن أنّ الأمدَ يقالُ باعتبارِ الغايةِ. والزمانُ عامٌّ في المبدأ
والغاية. ولذلك قالَ بعضُهم: الأمدُ والمدَى يتقاربان(١). وقد تجيءُ لمجرد الغاية كقوله
تعالى: ﴿تودُّ لو أنَّ بينَها وبينَه أمداً بعيداً﴾ [آل عمران: ٣٠] أي غاية. وقد تجيءُ
لنهاية بلوغها كقوله: ﴿فِطَالَ عليهم الأمدُ﴾. وقيل من قولهم: طالَ الأمدُ على لبد، أي
الزمان. ولُبدٌ: اسمُ نَسرٍ لقمانَ بنِ عمادٍ. وكقوله: ﴿أُحصَى لِما لَبثوا أمَّداً﴾
[الكهف: ١٢] أي غايةَ إِقامة.
وقولُهم: استولى على الأمد أي غَلبَ سابقاً. وللإِنسان أمدان؛ مولدُه وموتُه(٢).
وعنِ الحجاج أنه قالَ للحسنِ : مَا أَمَدُكَ؟ قال: سَنتانٍ من خلافة عمرَ رضيَ اللَّهُ تعالى
عنه(٢) أي ولدتُ لسنتینٍ بَقیتا من خلافته.
وجمع الأمد: آمادٌ.
أم ر :
الأمرُ يقالُ باعتبارِ طلبِ الفعلِ، وله صيغٌ أصلُها افعلْ وما في معناها. وهل يُشترطُ
فيه الاستعلاءُ والعلوُّ؟ خلافٌ بينَ الأصوليين. ولذلك اختلفوا في مدلوله هل هو وجوبٌ أو
ندْبٌ، أو مشتركٌ بينَهما. ويردُ لمعانٍ أُخَرَ حرَّرتُها في موضعٍ آخر. ويطلقُ باعتبارِ الحالِ
والبيان، فيشملُ ذلك الأقوال والأفعالَ (٤)، كقوله تعالى: ﴿وما أمرُ فرعونَ بِرِشِيدٍ﴾
[هود: ٩٧] ومثلُه في العموم: ﴿وإليه يُرجَعُ (٥) الامرُ كُلُّه﴾ [هود: ١٢٣]. وزادَ بالإبداع
وعليهِ: ﴿ألا لهُ الخلقُ والأمرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ومن ثمَّ حمل الحكماءُ قوله: ﴿قُلِّ
الرُّوحُ مِنْ أمرٍ رَبِّيٍ﴾ [الإسراء: ٨٥] على ذلك، أي هوَ من إبداعه، ويختصُّ بِهِ دونَ
خَلقهِ. وقولُه: ﴿افعلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] تنبيهٌ أنَّ رؤيا الأنبياء صلواتُ الله
(١) المفردات ٨٨.
(٢) هو قول شمر كما في غريب ابن الجوزي ١ /٤٠.
(٣) غريب ابن الجوزي ٤٠/١ والفائق ١ /٤٥ والنهاية ١ /٦٥.
(٤) في الأشباه والنظائر للثعالبي ٨٠- ٨٣ تفصيل لتسعة عشر وجهاً.
(٥) قرأ حمزة والكسائي وابن كثير وابن عامر ويعقوب (يَرْجِعُ) السبعة ٣٤٠ والنشر ٢٠٨/٢.

١١٥
باب الهمزة
وسلامُه عليهم بمنزلة اليقظة لا فرقَ بينَهما. وقولُه: ﴿ وما أمرنا إِلاَّ واحدةٌ كلمحٍ بالبصرِ﴾
[القمر: ٥٠] عبّر به عن سرعة إِيجاده بأسرعٍ ما يدركه فهمُنا، وتسعُه عقولُنا. وعليه قولُه:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذا أرادَ شيئاً أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فِيكُونُ﴾ [ يس: ٨٢]. وقولُه: ﴿بل سَوَّلَتْ لَكُم
أنفسُكُمْ أمراً﴾ [يوسف: ١٨] عبّر به عمّا تأمُرُ به النفسُ الأمَّرةُ المشارُ إِليها بقولِه: ﴿إِنَّ
النَّفسَ لامَّارَةٌ بالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. وقولُه: ﴿أتى أمرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] يعني
القيامةَ. فعبَّر عنها بأعمّ أحوالها من أقوالٍ وأفعالٍ. وقولُه: ﴿أمرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾
[ الإسراء: ١٦] أي أمرْناهُم بالطاعةِ فعَصَوا. وقيل: معناهُ كثَرْنَاهُم فبسببٍ ذلك عصَوا
وفَسَقُوا، وتَنصرُه قراءةُ ((أمَّرْنًا))(١) بالتشديد و ((آمرنا))(٢) بالمدّ. وقد منعَ أبو عمرو
(أَمِرْنًا))(٢) بمعنى التكثيرِ، مخففاً غيرَ ممدودٍ، وأثبتَه أبو عبيدةَ مُستدلاً بقوله عليه الصلاةُ
والسلام: ((خيرُ المالِ مُهرةٌ مأمورةٌ وسِكَّةٌ مأبورةٌ))(٤). المأمورةُ: الكثيرةُ النتاج، وهيّ من
أمرَ الثلاثيِّ. والمأبورةُ: التي لُقحتْ. والسكَةُ: حديقة النَّخل. وقد حُكِيَ: أمرتُ المهرةَ
بالتخفيف والقصرِ؛ فهي مأمورةٌ. وَآمرْتُها بالمدَّ فهي مؤمَّرةٌ.
وأَمِرَ القومُ: كثُرُوا، لأنهم لما كثُروا صاروا ذَوِي أمرٍ من حيثُ إِنه لا بدَّ لهم من
سائسٍ. وقيلَ في قراءةٍ: أمِّرْنا بالتشديد جَعلناهم أُمراءَ، وسلطانُهم آمرٌ عليهم يأمرُ صار
أميراً. وفي الحديث: ((آمِرِي جبريلُ))(٥)، أي ولِي وصاحبُ أمري. وقيلَ: إِن كثرةً
الأمراء سببٌ في إِفسادٍ ...
وقولُه: ﴿لقد جئتَ شيئاً إِمْراً﴾ [الكهف: ٧١] أي شيئاً مُنكراً، وهو من أَمِرَ الأمرُ،
أي كَبُرَ وكثُر، نحوُ: استفحلَ الأمرُ.
والائتمارُ: التَّشاوُرُ. وأصلُه أنَّ الائتمارَ قبولُ الأمرِ، وذلك أن المتشاورينَ يقبلون أمرٌ
بعضٍ بعضاً، ومنه : ﴿إِنَّ المِلاَ يأتمرونَ بكَ﴾ [القصص: ٢٠]. قالَ الأزهريُّ: الباءُ
(١) (٢) هي قراءة عاصم والحسن وعلي وأبي عمرو. البحر المحيط ٦ /٢٠ والقرطبي ٢٣٢/١.
(٣) هي قراءة الحسن وعكرمة وابن عباس ويحيى بن يعمر. البحر المحيط ٢٠/٦ والقرطبي ٢٣٢/١.
(٤) النهاية ١٣/١ وغريب ابن الجوزي ٤٠/١ ومسند أحمد ٤٦٨/٣ ومجمع الزوائد ٢٦١/٥.
وغريب الهروي ٣٤٩/١. وفي المقاييس: أمر ((قال الأصمعي: يقول العرب: خير المال سكة مأبورة
أو مهرة مامورة ».
(٥) الغريبين ١ /٨١ والنهاية ١ /٦٦ وغريب ابن الجوزي ١ /٤٠.

١١٦
: باب الهمزة
بمعنى في. ﴿وما أُمروا إِلا لَيَعْبدوا اللَّهَ﴾(١). [البينة: ٥] مثلُ: اثثمروا. وقولُه: ﴿وائتمِروا
بينكُم بمعروف﴾ [الطلهق: ٦] أي ليكنِ المعروفُ من أمرٍكم، ومما يَنْبغي ... (٢) به بلْ
يشاورُ بعضُكم بعضاً في دفعهِ يَفعهِ. وقال عمرُ رضي الله عنه: ((الرجالُ ثلاثةٌ: رجلٌ إِذا
نزلَ به أمْرَ ائتمر رأيَهُ»(٣) والخْتُلُفَ فيهِ، فقالَ شَمِرٌ: شاوَرَ رأيَه، وارتأى قبلَ مُواقعةِ الأمر.
وقيلَ: هو الذي يهمُّ بِالأمرِ يفعلهُ. وكلٌّ مَن عملَ برأيهِ فلا بدَّ لهُ من مُواقعة الخطأ
وأنشَدوا للنَّمر بنِ تَولبٍ: [ من المدید]
٨٤- عَلَقِتْ لَوْاً تكرِّرُها
إِنَّ لوَأَ ذَاكَ أَعيانا (٤)
مُخطئٍّ في الرأي أحیانا
إعلمي أنْ كلُّ مُؤتمرٍ
وفي حديثٍ آخرَ: ((لا يَأْتَمِزُ رُشْداً))(٥) أي لا يأتي برُشدٍ من ذات نفسِهِ(٦). وقال
القُتَيبيُّ: أحسبُهُ منَ الأمرِ، كأنَّ نفسَه أَمَرَتْه فائتمرَ. وقال أبو عبيدٍ في قولِ امرئ القيسِ:
[ من المتقارب ]
٨٥- ويَعْدو على المرءِ ما يأتمرْ(٧)
فعلُ الشيءَ من غيرِ رويَّةٍ ولا تَنِّت فيندمُ.
والأمارةُ بفتح الهمزةُ بمعنى العلامة، وفي الحديث: ((هل لك من أمارة؟)) (٨).
والأمارُ جمعها، نحو مرَّةً ومرًّ. والإِمارةُ بالكسرِ مصدرٌ كالولايةِ معَ أنه سُمع الفتحُ والكسرُ
في المصدر. وقد قُرئَّ: ﴿الولايةُ للَّهِ﴾ [الكهف: ٤٤] و﴿من وَلايَتِهِم﴾ [الأنفال:
٧٢] بالوجهينِ(٩). وقولُه: ﴿وأُولِي الأَمرِ﴾ [النساء: ٥٩]. قيل: هم الأمراءُ في زمنه
عليه الصلاةُ والسلامُ، وقيلَ: هم الأنبياءُ عليهم السلام. وقيلَ: العلماءُ. وقيلَ: الآمرون
(١) قرأ ابن مسعود (إلا أن يعبدوا الله) القرطبى ١٤٤/٢٠ والكشاف ٤ /٢٧٣.
(٢) فراغ في الأصل بقدر كلمتين.
. (٣) الغريبين ٨٢/١ وغريب ابن الجوزي ١ / ٤٠ والنهاية ١/ ٦٦.
(٤) البيتان للنمر بن تولب في شعره : ٣٩٣.
(٥) الغريبين ٨١/١ وغريب ابن الجوزي ٤٠/١ والنهاية ٦٦/١.
(٦) الغريب لابن الجوزي ١ / ١٤٠.
(٧) ديوانه ١٥٤ وصدره: (أحار بن عمرو كاني خمر)
(٨) غريب ابن الجوزي ١ /٤٠ والغريبين ٠٨٣/١
(٩) قرأ حمزة والأعمش والأخفش بالكسر (ولايتهم) السبعة ٣٠٩ والنشر ٢٧٧/٢.
٠
:

١١٧
باب الهمزة
بالمعروف. وقيلَ: أهلُ الدين المطيعون للَّه من الفقهاءِ قالَه ابنُ عباسٍ. وهذا كلُّه محتملٌ،
قال الراغبُ(١): وجهُ ذلك أن أُولي الأمرِ الذين يرتدعُ بهم الناسُ هم أربعةٌ: الأنبياءُ
وحُكمُهم على ظاهرِ العامَّة والخاصَّةِ وعلى باطِنهم. والولاةُ وحُكمُهم على ظاهرِ الكافَّة
دونَ باطِنهم. والحكماءُ وحكمُهم على بواطنِ العامة دونَ ظاهرِهم. والوعاظُ وحكمُهم
على بواطنِ العامةِ دونَ ظواهرِهم. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى في كلِّ سماءٍ أَمْرَهَا﴾
[ فصلت: ١٢ ].
أمس (٢):
أمسٍ: ظرفُ زمانٍ ماضٍ يُبنَى لتضمَّنِهِ معنى الحرفِ وهو الألفُ واللامُ بدليلٍ وصفهِ
المعرف في قوله: [من مجزوء الكامل]
٨٦- ذَهبوا كأمسِ الدَّابِرِ(٣)
قیل: وقد يُعرب غیرَ مُنصرفٍ کقوله: [من الرجز]
٨٧- لقد رأيتُ عَجَباً مُذْ أَمْسا(٤)
عجائزاً مثلَ السَّعَالِي خَمْسا
يَأْكُلْنَ ما بينَهِنَّ هَمْسا
لا تَرِكَ اللَّهُ لهنَّ ضِرْسا
وحقيقتُه: اليومُ الذي قبلَ يومِكَ، ويَليهِ يومُكَ. وقد يُعبَّرِ بهِ عن مُطلقِ الزمانِ
الماضي كقوله: ﴿فَجَعَلْناها حَصيداً كأنْ لم تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾(٥) [يونس: ٢٤]. وكما لم
يُرَدْ باليومِ اليومُ الذي أنتَ فيهِ، ولا بالغدِ اليومُ الذي بعدَ يومِكَ، بل يُرادُ بها الماضي
(١) المفردات ٩٠.
(٢) انظر قطر الندى ١٥ وشذور الذهب ٩٨ والمسائل العضديات ٢٤٤ - ٢٤٦ وسيبويه ١٨٣/٢،
١٨٦ ٣٠٢/٣، ٣٣٠، ٤٨٤ ومواضع أخرى.
(٣) هذا كقولهم ((ذهبوا كأمس الذاهب)) المستقصى ٢١٤/٢ وثمة بيتان في اللسان (دبر) ينتهيان
بكلمتي ( كأمس الدابر).
(٤) الرجز للعجاج في ديوانه والأبيات استشهد بها سيبويه ٢٨٤/٣ واللسان (أمس)
(٥) قرأ الحسن وقتادة (يَغْنَ) وقرأ مروان (تَتَغَنّ) البحر المحيط ١٤٤/٥ والكشاف ٢٣٣/٢. وقرأ أبيّ
(لم تغنَ بالآمس وماكنا لنهلكها إِلا بذنوب أهلها) وقرأ أبيّ وابن عباس ومروان (لم تغن بالأمس
وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها). وقرأ أبيّ وأبو سلمة (لم تغن بالأمس أهلكناها إلا بذنوب
أهلها) البحر المحيط ٥ / ١٤٤.

١١٨
باب الهمزة
والحاضرُ والمستقبلُ، وعلى ذلك حُمَلِ قَولُ زُهيٍ: [من الطويل]
٨٨- وأعلمُ علمَ اليومِ والأَمسِ قَبْلَهُ ولكنَّني عن علمٍ ما في غدٍ عَمِ (١)
قالوا: أرادَ باليوم الزمنَّ الحاضرَ، وبالأمسِ الماضي، وبالغدِ المستقبلَ، وإلا لم يكنْ
لكلامه فائدةً؛ إِذ من المعلوم أنَّ ماقبل یومه وبعده كذلك، فتخصیصُه لهما بالذ کرِ عِيٍّ.
ومتَى أُضيفَ أو عُرفَ بأل أُعرِبَ، قال تعالى: ﴿كأنْ لم تغنَ بالأمسِ﴾. وتقولُ: أمسُكَ
خَيْرٌ من يومِك.
أم ل :
الأمَلُ: ظنُّ البقاءِ، والطمعُ في زيادتهِ، قالَ تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأكلوا ويَتَمْتَّعوا ويُلهِهِمُ
:
الأملُ﴾ [الحجر: ٣]. وقد تجيءُ لمجردِ الطمعِ، قال كعبُ بنُ زهيرٍ: [من البسيط]
وما إِخالُ لِدَينا منكِ تَنْوِيلُ(٢)
٨٩- أرجو وآمل أن تدنو مؤدّتُها
وأمَلتُ معروفَك أُؤَمِّلُهِ تأ ميلاً. وفي الحديث: (( يشيبُ المرءُ وتَشيبُ فيه خَصلتانِ:
الحرصُ وطولُ الأملِ»(٣) أي الطَّمعُ في البقاءِ.
والتأمُّلُ: التدبِّرُ، وهو النظرُ في عواقبِ الشيءِ والتفكّرِ فيها. ومنهُ تأمَّلَ المسألةَ(٤).
على ضربينِ: مُتصلةٍ ومُنقطعةٍ فالمتصلةُ هي العاطفةُ. وشرطُها أن تَتقدَّمَها همزةُ
استفهام لفظاً نحوُ : أقامَ زيدٌ أم عَمْرٌو؟ أو تقديراً نحو قوله: [من الطويل]
٩٠ - لَعَمَرُكَ مَا أَدري وإِن كنتُ داریاً
شُعِيثُ بن سَهمٍ أم شعيثُ بنُ مِنْقَرٍ؟(٥)
أو همزةُ تسويةٍ نحو: ﴿أ ◌َنْذَرْتَهم أم لم تُنْذِرْهُم﴾ [البقرة: ٦]، وأن يُعطِفَ بها
(١) ديوانه ٣٥ وهو البيت الخمسون من معلقته.
. (٢) ديوانه ٩.
(٣) مسند أحمد ١١٥/٣ والبخاري برقم ٦٠٥٧ برواية «لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين: في حب.
الدنيا وطول الأمل».
(٤) الأزهية ١٢٤ - ١٣٣ والبرهان ٤ /١٨٠- ١٨٦ والإتقان ١٩٤/٢ - ١٩٦.
(٥) البيت للأسود بن يعفر أورده سيبويه: ١٧٥/٣. شعيث: خي من تميم، ثم من بني منقر، وسهم: حي
من قيس فجعلهم أدعياء وشك في كونهم منهم أو من بني سهم.

١١٩
باب الهمزة
مُفرداً وما في قوتِه، وأن يَصلحَ موضعها (أي) ويجابَ بإحدى: الشيئين أو الأشياء.
والمنقطعةُ بخلافها، وتقدَّرُ بـ (بل) والهمزة نحو: إِنِها لإبلِّ أَم شاءٌ وقد تقدَّرُ بـ
(بل) وحدّها، كقوله: [من الطويل]
٩١- فلیت سلیمی في المماتِ ضَجيعتي
هنالكَ، أم في جنةٍ أم جَهنمٍ(١)
وتُجابُ على بـ (لا) أو بـ (نعم). ولها أحكامٌ كثيرةٌ مذكورةُ في الكتبِ المشارِ
إليها .
أمم :
الأمُّ: القَصدُ. يقالُ: أممتُ زيداً قَصدتُّه؛ قال تعالى: ﴿ولا آمِّينَ(٢) البيتَ
الحرامَ﴾ [المائدة: ٢] أي قاصديهِ، أي لاتتعرضُّوا لهم. وقيَّده بعضُهم فقال: هو القصدُ
المستقيمُ نحوَ المقصودِ، فهو أخصُّ منهُ. يقال: أمَّ ويؤمٌّ، وتَيمَّم بمعنى واحدٍ. وفي
حديثٍ: ((كانوا يتأمَّمون شِرارَ ثمارِهم للصَّدقة))(٣).
والأمّةُ (٤): الجماعةُ من الناسِ يَجمعُهم أمرٌ ما؛ دينٌ أو زمانٌ أو مكانٌ واحدٌ، سواءٌ
كان ذلكَ الجامعُ اختيارياً أم قَهْرياً والجمعُ أُمَمّ، قولُه تعالى: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالُكُمْ﴾
[الأنعام: ٣٨] أي كلُّ نوعٍ منها على طريقةٍ قد سخَّرها عليه بالطبعِ فهي ناسجةٌ
كالعنكبوت، وبانيةٌ كالسُّرْفة(٥)، ومدَّخِرةٌ كالنَّمل، ومُعتمِدةٌ على قوتٍ وقتِهِ كالعصفورِ
والحمامِ إِلى غيرِ ذلك من الطبائع التي يختصُّ بها نوعٌ دونَ نوعٍ. وقيلَ: أمثالُكم في
الشَّقاوةِ والسعادة. وقيلَ: في أنَّ لهم آجالاً مقدَّرةً كما أنتم. وقيلَ: أمثالُكُم في الخلقِ
والموت والبعث .
(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٥٠١ برواية:
(وليت سليمى في المنام ضجيعتي
لدى الجنة الخضراء أو في جهنم).
(٢) قرأ ابن مسعود والمطوعي (ولا آمّي البيت .. ) البحر المحيط ٤٢٠/٣ والإتحاف ١٩٧.
(٣) الغريبين ٩١/١ والنهاية ١ /٦١ والفائق ١ /٤٥ وغريب ابن الجوزي ١ /٤١.
(٤) الأشباه والنظائر للثعالبي ٧١ («هو في القرآن على خمسة معان ... ).
(٥) السرفة: دودة القز (اللسان: سرف).

١٢٠
باب الهمزة
وعن ابن عباس: الأمةُ أتباعُ الأنبياء ومنه أمَّةُ محمدٍعَ لّ. وقولُه: ﴿إِنَّ هذهِ أُمَّتُكُمْ
أُمَّةٌ واحدةٌ ﴾ [الأنبياء: ٩٢] أي دينكُم. والأمَّةُ أيضاً الطريقةُ المستقيمةُ. قال الذبيانيّ:
[ من الطويل]
-- -
وهل يَأثمنْ ذو أُمَّةٍ وَهُوَ طائعُ؟(١)
٩٢- حَلَفتُ فلم أَتُركْ لنفسِكَ رِيبٌ
وعليه قولُه: ﴿مِن أُهلِ الكتاب أمَّةٌ قائمةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، قيلَ: ذو أمَّ أي
ذو طريقة قويمة.
والأُمَّةُ: كلٌّ جيلٍ في زمنٍ وإِن لم يكونوا ناساً؛ وفي الحديث: ((لولا أنَّ الكلاب
أمَّةٌ تُسْبِحُ لأمرتُ بقتلها))(٢). وفي الحديثِ: ((إِنَّ يهودَ بني عَوفٍ أمةٌ من المؤمنين))(٢)
تأويلُه أنَّهم بالصلحِ الذي حصلَ بينهم وبينَ المؤمنين كأمَّةٍ من المؤمنين؛ كلمتُهم وأيديهم
واحدةٌ .
ويُطلقُ على مَن تفرَّدَ بدينٍ: أَمَّةٌ، ومنه: (قَسُّ بنُ ساعدة وزيدُ بنُ عمرو بنِ نُفيلٍ
يُبعث أمَّةً وحدَهُ))(٤)، قال تعالى: ﴿إِنَ إِبراهيمَ كانَ أُمَّةٌ﴾(٥) [النحل: ١٢٠] ..
والأُمَّةُ: المدَّةُ من الزمان ﴿وَادَّكْرَ بعدَ أُمَّةٍ (٦)﴾ [يوسف: ٤٥] أي بعد حينٍ.
وقوله: ﴿ولئن أخَّرنا عنهمُ العذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعَدودةٍ﴾ [هود: ٨] من ذلك. وقولُه: ﴿ولو
شاءَ اللَّهُ لجعلُكم أمةٌ واحدةٌ﴾ [المائدة: ٤٨] أي ديناً واحداً. ومثلُه: ﴿كان النّاسُ أُمّةً
واحدةٌ﴾ [البقرة: ٢١٣] أي ديناً واحداً، فقيلَ: كفرٌ وقيلَ: إِسلامٌ.
والأمَّةُ: الصِّنْفُ، قال تعالى: ﴿تلكَ أمَّةٌ قد خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] أي صنفٌ قد
طُوِيَ زمنهُ؛ فما بالكم تَفتخرون بهم؟ وكانوا يقولون: نحن أبناءُ الانبياء، ويترجَّون أن
یکونوا أمثالھم.
(١) ديوانه ٣٥.
(٢) غريب ابن الجوزي ١ / ٤١ ومسند أحمد ٤ /٨٥- وسنن أبي داود برقم ٢٨٤٤ (١٠٨/٣) والنهاية
٠٦٨/١.
(٣) النهاية ١ /٦٨.
: (٤) الإصابة ١ / ٧٠ مجمع الزوائد ٩ /٤٢٠.
(٥) قرأ هشام وابن ذكوان وابن عامر (إِبراهام) النشر ٢٢١/٢.
(٦) قرأ الحسن ( أَمَّة) البحر المحيط ٥ / ٣١٤ والكشاف ٣٢٤/٢.