Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
باب الهمزة المفردة
ويطلق عليها الألف(١)
فالألف تارةً تكونُ عبارةٌ عن الحرف الذي هو همزةٌ، وتارةً عن حرفِ المَدِّ واللِّينِ،
وذلك كوسط ((قال)) ولا غرضَ لنا فيها لأنها لا يُبتدأُ بها. وإِنما صُورتِ الهمزةُ ألفاً في
الخطِّ لأنها لا تقومُ بنفسها لإبدالها واواً في الضمِّ وألفاً في الفتح وياءً في الكسر، نحو:
مُومن، وراس، وبِير. وبعضُهم يصورُه صورةَ عَينٍ صغيرةٍ، نحو ((ء))، إِذا عُلم ذلك.
فالهمزةُ تكون للاستفهامٍ ولها أخواتٌ، وهي أمَّ الباب. ولذلك تنفردُ بأحكامٍ بيّنتُها
في مواضعها. ومعناها فيه لطلب التصديق نحو: أزيدٌ قائمٌ؟ أو التصوّرِ نحو: أدبسٌ في
الإِناءِ أم عسلٌ؟ وقد يقعُ الاستفهامُ بها إِنكاراً وتَعريضاً وتَوبيخاً نحوُ: ﴿أَنْتُمْ أنشأْتُم
شَجرتَها﴾؟ [الواقعة: ٧٢]. وقول عامرٍ: ((أغُدَّةٌ كغدَّةِ البعيرِ وموتاً في بيتِ سَلوليَّةٍ)(٢).
وقوله: [ من الطويل].
وفي الحربِ أمثالَ النساءِ العوارك(٣)
١- أفي السُّلمِ أعياراً جَفاءُ وغلظةٌ
وبعضُهم يقولُ (٤): الهمزةُ للاستخبارِ، ليعمَّ الاستفهامُ والإِنكارُ والتَّبكيتُ(٥) والنفيُ
والتسويةُ، نحو: ﴿أَجَزَعْنا أم صَبرْنًا﴾ [إِبراهيم: ٢١]. وإِذا دخلتْ على نفي قرَّرتْه كقوله
(١) أسهب النحاة في الحديث عن الهمزة، وللتوسع ينظر الأزْهية للهروي ٢٠-٤٤ وسفر السعادة ١٠٢
١٠٣ قطر الندى ٣٣١ -٣٣٣ وكتب نحوية أخرى.
(٢) عامر: هو عامر بن الطفيل (١١ هـ / ٦٣٢م) أحد فتاك العرب وشعرائهم، وهو ابن عم الشاعر لبيد.
كان أعور، أدرك الإسلام شيخاً ولم يسلم. له ديوان مطبوع. الاغاني ١٦ /٢٨٣ - ٢٩٧، الإصابة
ت ٦٥٥٠. وقوله في المستقصى ١ /٢٥٨ وفصل المقال ٣٧٤.
(٣) البيت لهند بنت عتبة قالته يوم بدر تحرض قريشاً على المسلمين. سيبويه ٣٤٤/١ والعيني
١٤٢/٣ وتفسير ابن كثير ٣٩٤/٢، واللسان والتاج (عور، عرك).
(٤) استفاد المؤلف في حديثه عن همزة الاستخبار من مفردات الراغب ١٠٤ - ١٠٥.
(٥) التبكيت: التقريع والغلبة بالحجة. (اللسان: بكت).

٤٢
باب الهمزة
تعالى: ﴿أَليسَ اللهُ بكافٍ عَبدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. قال الراغبُ: ((وهذه الألفُ متى دخلتْ
على الإِثبات تجعلُه نَفياً. وإِذا دخلتْ على النفي تجعلُه إِثباتاً، لأنه يصيرُ معه نَفياً يحصلُ
منه إِثباتٌ))(١).
- وتكونُ الهمزةُ للنداءِ لكنْ للقريب خاصةً، ومنه عندَ بعضِهم: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانتٌ﴾
.[الزمر: ٩]، ولها أخواتٌ.
- وتكون للمضارَّعة، وتدلُّ على المتكلم وحدَه نحوُ: ﴿أُسْمِعُ وَأَرَى﴾
[ طه : ٤٦].
- وتكونُ للتَّعدية نجوُ: ﴿كما أَخْرَجَك رَبِّكَ﴾ [الأنفال: ٥]. فيصيرُ المفعولُ
معها فاعلاً .
- وتكونُ ألفَ قطعٍ وألفَ وصلٍ(٢)، والفرقُ بينَهما أنَّ ألفَ القطع تَثبتُ ابتداءً
ودَرْجاً نحوُ: ﴿أَنزِلْ علينا مائدةٌ﴾ [المائدة: ١١٤]. والأخرى تَثبتُ ابتداءً لا دَرْجاً نحو:
﴿أَبْنِ لِي عَنْدَكَ بيتاً ﴾ [التجريم: ١١].
- ثم إِنَّ ألفَ الوصل تدخلُ على الحرفِ والاسمِ والفعلِ، فتدخلُ على حرفٍ واحدٍ،
وهو اللامُ للتعريفِ على رأي سيبويهٍ(٢). وتتصلُ من الأسماء بعشرةٍ: اسم، واسْتٍ، وابنٍ،
وابنةٍ، وابنم، وامرئٍ، وامرأةٍ، واثنين، واثنتينٍ، وأيمنٍ، وبكلِ مصدرٍ لفعلٍ زائدٍ على ثلاثة
أحرفٍ صُدِّرَ بهمزةٍ(٤) نحو: الانطلاق، والاستخراج، وهي في جميعٍ ذلك مكسورةٌ(٥)،
إِلا معَ اللامِ وأيمن(٦). ومُتَصلٍ من الأفعالِ بكلِّ أمرٍ من ثلاثيُ سُكنتْ فاؤهُ بعدَ حرف
(١) المفردات ١٠٥.
(٢) الأزهية ٢٧ وفيه موضوع مفصل عن الفرق بين ألف الوصل وألف القطع.
(٣) الكتاب ٦٣/٢ - ٦٤.
(٤) يريد الخماسي والسداسي، لأن همزته همزة قطع: إِخراج، إِنعام ...
(٥) الكتاب لسيبويه ٤ / ٠١٤٦ ١٥٠.
(٦) في الكتاب ٥٠٣/٣ (كما فتحوا الألف التي في الرجل، وكذلك أيمن ... ) وفي الأزهية ٢٨
( الفات الوصل التي في أوائل الأسماء تبتدأ كلها بالكسر، إلا ألف لام التعريف و((أيمن الله))
فإنهما يبتدآن بالفتح).

٤٣
باب الهمزة
المضارعة (١)، نحو: اقبَلْ، واضرِبْ، واشْرَبْ. فإِنَّ ضُمَّ ثالثُه ضمةُ لازمةٌ ضُمتْ(٢). وإِنَّ
فُتح أو كُسرّ كسرةً لازمةً كُسرتُ(٣)، نحو: اغزي ياهندُ، وارمُوا يازيدون، وبكلِ ماضٍ
زائدٍ على أربعة أحرفٍ صُدرَ بهمزةٍ، نحو: انطلقَ واقتدرَ. ولا تكونُ فيه إلا مكسورةً(٤).
وما عدا هذه الأنواع فلا تکونُ الهمزةُ فیه إِلا همزة قطعٍ.
وقد تُقطعُ ألفُ الوصلِ كقوله: [ من الطويل]
بِنَثِّ وتكثيرِ الوُشَاةِ فَمِينُ(٥)
٢ - إِذا جاوزَ الإِثنينِ سِرُّ فإِنَّهُ
وتوصلُ ألفُ القطع كقولهِ: [ من الكامل)
٣- إِنْ لم أقاتلْ فالسويُ تَرفّعا
فصل الألف مع الباء
أب ب:
الأبُّ من قوله تعالى: ﴿وفاكهةٌ وَأَبَّاً﴾ [عبس: ٣١] هو المرعَى مُطلقاً. وقالَ
شَمِّرٌ: مَرَعى السَّوائمِ. وأنشدَ: [من المتقارب]
٤- فأَنْزِلْتَ ماءٌ منَ المُعْصَراتِ
فَأَنْبَتَّ أَبّاً وغُلْبَ الشِجَرْ (١)
وقيلَ: هو للبهائم بمنزلة الفاكهة للناسٍ (٧). هو المرعَى المتهِّئٍ للرعيِ والجزء من:
أبَّ لكذا أي تَهِيًّا، أبّاً وأبابةُ وأباباً، وأبَّ إِلى وطنِهِ أي نَزِعَ إِليه وتَهيّا لقصده. قال
الأعشَى: [ من الطويل]
(١) الأزهية ٢٧ (يستدل على ألفات الوصل في الأفعال بانفتاح الياء في المستقبل كقولك: يَذهب،
ينطلق ونحوهما، فيعلم أن ألفاتها في الماضي وفي الأمر ألفات الوصل).
(٢) الكتاب ٤ /١٤٦، ١٥٠ والأزهية ٣٢.
(٣) الأزهية ٣٢.
(٤) الكتاب ٤ /١٤٥ - ١٤٦.
(٥) البيت لقيس بن الخطيم في اللسان والتاج (نث) وديوانه ١٠٥.
(٦) البيت من شواهد الغريبين ٧/١.
(٧) ورد القول في تفسير ابن كثير ٥٠٤/٤. وفي التاج (أبب): قال مجاهد: الفاكهة ما أكله الناس،
والأبّ ما أكلت الأنعام.

٤٤
باب الهمزة
٥ - أخٌ قد طوَى كَشْحاً وأبَّ ليذْهَيا(١).
وأبَّ لسيفه: تَهيّأ ليبتَدِرَهُ. وإنّانُ الشيءِ: زَمِنُه المُنْتهي لفعلهِ، فهوَ فِعْلَانُ منه.
وقيلَ: هو الثِّبنُ خاصةً، قاله الضحاكُ وأنشدَ : [ من المتقارب]
مِ والأَبُّ عندهمُ يُعذَرُ (٢).
٦ - فما لهمُ مرتعٌ للسَّوا
ويُروى عن ابنِ عباسٍ: وقيلَ: كلِّ نباتٍ على وجهِ الأرض. ومنه قولُ ابنِ عبّاسٍ:
(الأبُّ: ما تُنبتُ الأرضُ ممّا تأكلُ الناسُ والأنعامُ))(٣). وعلى هذا فيكونُ مِن ذكرِ العامِ بعدَ
الخاصِّ. وقالَ الكلبيُّ: هو كلُّ نباتٍ سِوى الفاكهةِ (٤). وقيلَ: الفاكهةُ رَطبُ الثمارِ،
والأبُّ يابسها. وقيلَ: ما نأكلُه حَصيداً، وما تأكلُه البهائمُ أبٌّ. وأنشدَ قولَ الشاعرِ يمدحُ
سيدنا رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: [ من الطويل]
بها يُنبتُ اللهُ الحصيدةَ والأبّا(ه)
٧- لهُ دعوةٌ ميمونةٌ رَّحها الصَّبا
وقيلَ : إِنَّمَا سُمي أَبَّا لأنه يَؤُبُّ .
وعن أبي بكر الصديقِ، رضي الله عنه، وقد سُئلَ عن تفسيرِ الأبُّ فقال: ((أيُّ سماءٍ
تُظلِّي، وأيِّ أرضٍ تُقُلُّنِي، إِذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلمُ؟)) (٦). وعن عمر رضي اللهُ عنه
حين تلاها قال: ((كلُّ هذا عرفناهُ، فما الأبُّ؟)). ثم رفع عصاً كانت بيده فقال: ((هذا
لَعَمْرُ الله التكلِّفُ، وما عليكَ يابنَ أمِّ عمرَ أما تعرفُ ما الأبُّ). ثم قالَ: ((ما تَبِيَّنَ لكم من
هذا الكتاب فاتَّبعوهُ، وما لا فدَعوهُ)(٦). يعني رضي الله عنه في مالا يتعلقُ به حكمٌ أو
فائدةٌ جليلةٌ. فإِنا قد عرَّفْنَا الأبَّ: نبتٌ في الجملة. فقالَ عمرُ رضي الله عنه: لا يضرُّ
الجهل بمعرفته على التعيين، وهو كما قال رضيَ الله عنهُ. وهذا بخلافَ الكَلالة (٧)
(١) عجز بيت في ديوانه ١٦٥ أوصدره
صرمت ولم أصرمکم و کصارمٍ
(٢) لم أهتد إِلى البيت.
(٣) نسب ابن كثير هذا القول إلى أبي السائب. انظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥٠٤.
(٤ ) هو قول الضحاك. انظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥٠٤.
(٥) لم أهتد إلى قائله. والبيت في الدر المصون ٦٩٤/١٠ والقرطبي ٢٢٢/١٩.
(٦) تفسير ابن كثير ٤ /٥٠٤ والبرهان ٢٩٥/١.
(٧) الكلالة: بنو العم الأباعد، وكل من لم يرثه ولد أو أب أو أخ. اللسان (أبب).

٤٥
باب الهمزة
ونحوِها لتعلَّقِ الأحكامِ بها.
(( والأبُّ: لغةٌ في الآبِ الوالدِ. قيل: أبدلوا من الواوِ المحذوفة حَرفاً يجانسُ العينَ.
ومن ذلك قولُهم: استأبَيْتُ فلاناً أي اتَّخذتُه أباً))(١) ومثلُه: أخٌ بتشديدِ الخاءِ.
أب ت:
لم يَرِدْ منه إِلا نحو: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [مريم: ٤٢]. والتاءُ ليستْ بأصلٍ، وإِنما هي عوضٌ
عن ياءِ المتكلِمِ، والأصلُ: يا أبي. وكذلك: يا أمَّتِ، والأصلُ: يا أمي. ولم تُعوَّضِ التاءُ
عن ياءِ المتكلم، إِلا في هاتينِ اللفظتين في النداءِ خاصةً. فلو قلتُ: جاءتي أَبَتٍ وأُمَّتِ لم
يجُزْ. فذكري لهذه اللفظة من باب التجوُّز؛ وإلا فالتاءُ ليست من أصولها في شيءٍ(٢)،
ولكن لم أجدْ موضعاً أنسبَ لذكرها من هذا.
ويجوزُ فيها الحركاتُ الثلاثُ. وقد قُرئَ بالكسرِ والفتحِ في السبع(٣). وإِثباتُ
الألف معها شاذٌّ أو ضرورةٌ (٤)، نحوُ قوله: [ من الرجز]
٨ - يا أبتا علَّك أو عساكا(٥)
ومعَ الياءِ ممتنعٌ في المشهورِ، خلافاً للهَرويِّ. وهي تاءُ تأنيثٍ، ولذلك تُبدلُ في
الوقف هاء(٦) على اختلافٍ بينَ القراءِ في ذلك، كما أوضحناهُ في ((العقد النَّضيد)).
(١) اللسان والتاج (أبب)، وفي المقاييس (أبو) تأبيت أبا، كما تقول : تبنيت ابناً.
(٢) قال ابن مالك في ألفيته:
واكسر أو افتح ومن اليا النّا عِوَضْ)
( وفي الندا آبْت ◌ُمْت عَرّضْ
وفي شرح ابن عقيل على الألفية ١٤٢ (التاء عوض من الياء، ولا يجمع بين المعوض والمعوض منه)
وفي قطر الندى ٢٠٦ - ٢٠٨ شرح مستفيض.
(٣) قرأ ابن عامر وأبو جعفر الأعرج بفتح التاء في جميع القرآن وكسر الباقون التاء، ((غاية الاختصار
٣٥٨، الغاية في القراءات ٢٨٥))، وقرئت بالضم في الكشاف ٣٠١/٢ ومعاني الفراء ٣٢/٢.
(٤) قرأ ابن عامر ((يا أبتَ)) بفتح التاء، أراد : يا أبتي، ثم قلب وحذف الألف لدلالة الفتحة عليها
الكشف عن وجوه القراءات ١ /٥٣٠، وانظر قطر الندى ٢٠٦.
(٥) البيت لرؤية بن العجاج في ديوانه ١٨١ وصدره:
( تقول بنتي : قد أنى أناكا )
(٦) سيبويه ٢١٠/٢ -٢١١ وفي غاية الاختصار ٣٥٨ أن ابن عامر وأبا جعفر المدني كانا يقرآن ( يا
أبتَ) بالفتح ووقفا عليها بالهاء. ومن قرأها بالكسر وقف عليها بالتاء كالوصل.

٤٦
باب الهمزة
والفرّاءُ: («الهاءُ فيها رُخصةٌ، فكثرتْ في الكلام حتى صارتْ كهاء التأنيث، وأدخلوا عليها
الإضافة».
أبد:
الأبدُ: الزمنُ الطويلُ الممتدُّ غِيرُ المنجزئ، فهو أخصُّ منَ الزمان. قالوا: ولذلك
يقال: زمانُ كذا، ولا يقالُ: أبدُ كذا. ويقالُ: أَبَدٌ آبدٌ وأبيدٌ على المبالغة أي دائمٌ؛ قال
تعالى: ﴿خالدين فيها أبداً﴾ [النساء: ٥٧]. أي زماناً لا انقضاءَ لآخره. قالِ النابغةُ
الذبيانيُّ : [من البسيط]
٩ - أقْوَتْ وطالَ عليها سالفُ الأبد (١).
((وحقُه ألاَ يُنَّى ولا يُجمَعَ لاستغراقهِ الأزمنةَ كلَّها. على أنه قيلَ: آبادٌ، كأنهم
قصدوا به أنواعاً كما يقصدُ باسم الجنسِ ذلك. وقيلَ: إِنَّ آبادَ مُوَلَّدٌ ليس من لغة
العرب)»(٢) ومن معنى الأبدِ قالوا للوحشِ أوابدِ جمع أُبَّدٍ لبقائها دهراً طويلاً. وتأبّدَ
الشيءُ: بقيَ دهراً طويلاً. وتأَبِّدتِ الدارُ: خَلتْ. وذلك أنها لخلوِّها وطولٍ بقائها تحلّها
الأوابدُ الوحشياتُ. فجعلَ ذلك كنايةً من خلوِّها. ((وتأَبَّد البعيرُ: توحَّشَ فصارَ
كالأ وابد)»(٣)، ومنه الحديثُ: ((إِنَّ لهذه البهائمِ أوابدَ کأوابدِ الوحشِ »(٤). يقال: أبَدَتِ
الوحوشُّ تأْبُدُ، وتأبدُ، واستُعيرَ من ذلك: الآبدُة، وهي الكلمةُ أو الخَصلةُ التي يُنَفَر منها
ويُستوحشُ، فيقولون: جَاءَ فلانٌ بابدةٍ، ومن ذلك قولُهم أيضاً: تأبَّد وجهُ فلانٍ، أي
تُوخَّش(٥) فصار يُنْفَرُ منه، ومعناهُ: أَبَدَ. وقيلَ: أَبِدَ بمعنى غضبَ، لأن الغضبَ يلازمُه
ذلك غالباً .
(١) عجز لمطلع معلقة النابغة في ديوانه ١٤ وصدره:
( يادار ميّة بالعلياء فالسند )
(٢) المفردات ٥٩. وفي التاج ((أبد)) (نقل الشهاب عن الراغب أن آباد مولد ليس من كلام العرب).
(٣) المفردات ٥٩.
(٤) النهاية ١٣/١، غريب الحديث لابن الجوزي ١ /٥، البخاري ٢٣٥٦، فتح الباري ١٨٨/٦، مسند
أحمد ٤٦٣/٣ -٤٦٤، مسلم في كتاب الأضاحي (٤) ١٥٥٨.
(٥) المفردات ٥٩. وفي التاج (تأبّد الوجه: كلف ونمش)

٤٧
باب الهمزة
أبر:
إبراهيمُ: اسمٌ أعجمي، وفيه لغاتٌ(١): إِبراهيمُ، وهو المشهورُ، وإبراهامٌ، وقُرِئَ بهما
في السبعِ(٢)، وإِرَهَم بحذفِ الألفِ والياءِ.
اب ق:
الإِباقُ: هربُ العبد من سيده. ولما كان الخلقُ كلُّهم عبيدَه قالَ تعالى في حقٌّ عبده
يونسَ صلى الله عليه وسلم: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلى الفُلكِ﴾ [الصافات: ١٤٠] إِذْ لله أن يقولَ ما
يشاءُ. ولا يجوزُ لنا أن نقولَ: أَبَقَ نبىٌّ، إنما ذلك للَّه تعالى. يقال: أبِقَ العبدُ يَأْبَق،
بكسرها. وأَبَق يأبِقِ بالعكسِ فيهما، فهو آبِقٌ، والجمعُ أُبَّاق، والمصدرُ الإِباقُ، وتأبُّق
الرجلُ: تشَّبه به في الاسْتَار. وقالوا في قولِ الشاعرِ: [ من البسيط ]
١٠ - قد أُحكمتْ حكمات القدَّ والأبقار٣)
إِذِ الأَبَقُ: القِنَّبُ(٤) وقالَ المبرِّدُ: آبَقَ: تباعدَ، ومنه غلامٌ آبِقٌ. وقيلَ: خرجَ سرَّاً منَ
الناس. وقد قالَ الحكيمُ التِّرمذيُّ ما لا يجوزُ أن يُقَالَ في حقِّ نبيٌّ؛ ذكرتهُ للتَّنبيهِ على
فساده؛ قال: ( سمَّه آبقاً لأنَّه أبقَ عنِ العبودية، وإنما العبوديةُ تركُ الهوى وبذلُ النفسِ عن
أمورِ الله. فلمّا لم تبذلِ النفسُ عندما اشتدَّتْ عليه العزمةُ من الملكِ وآثرَ هواهُ لزمَه اسمُ
الآبقِ، وكانت عزْمةُ المُلكِ في أمرِ اللَّهِ لا في أمرٍ نفسهِ، وبحظِّ حقِّ اللَّهِ لا بحظُ حقٌّ نفسه.
فتحرَّى يونسُ بنُ متَّى عليه السلام فلم يُصبِ الصوابَ الذي عندَ اللَّه فسمّاهُ آبقاً ومُلِيماً(٥)
انتهى. ولقد أساءَ في هذه العبارةِ جداً، يغفرُ اللَّه لنا وله، وهذه زلَّةٌ فاحشةٌ. وأما القصةُ
التي يذكرُها المفسرون فقد نبّهتُ عليها في التفسيرِ وذكرتُ هناكَ ماينبغي ذكره.
(١) أورد السخاوي هذه اللغات فى سفر السعادة ١٨ وأضاف لغة أخرى هي: (إبراهم على حذف
الياء).
(٢) في سفر السعادة ١٨ (وإبراهام، وقد قرئ به) وهي قراءة ابن عامر، انظر إعراب ثلاثين سورة ص٤،
الحجة لابن خالويه ٨٨، وحجة القراءات ١١٣. وتفسير الرازي ٣٧/٤.
(٣) عجز بيت لزهير في ديوانه ص٤٦ وصدره: القائد الخيل منكوباً دوابرها.
(٤) التاج ((الأبق: حبل القنّب، وقال ثعلب: هو الكتّان)).
(٥) العُليم: يقصد به قوله تعالى ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم﴾ الصافات / ١٤٢.

٤٨
باب الهمزة
أب ل:
قال تعالى: ﴿طيراً أبابيلٌ﴾ [الفيل: ٣] هذا من صيغِ التكسيرِ التي لم يُسمِعْ
مفردُها(١)، ومثلُه عباديدُ، وشماطيطُ، وأساطيرُ(٢). وقيلَ: بل لها واحدٌ من لفظتها، وكأنه
قياسٌ لَا سَماعٌ. فقيلَ: إِيلٌ(٣)، وقيلَ: إِبَّولٌ (٤) مثلُ: عِجَوْل وعَجاجيل. وقيلَ: إِيَّالة(٥).
وظاهرُ كلامِ العُزَيزيِّ(٦) أنَّ هذه المسألةَ مسموعةٌ؛ فإِنهٌ بعدَ ذكرِهِ إِياها، قالَ: ((ويقالُ هذه
أَجْمعٌ لا واحدَ لها))(٦)، والمختارُ قولُ غيرهِ، ولذلك يُنسبُ إِليها فيقالُ: عَبَاديديٌّ
وأبابيليّ.
وحكى الرُّؤاسيُّ (٧)، وكانَ ثقةً، أنه سمعَ إِبّالةَ مُثقَّلاً. وحكى الفرَّاءُ: إِبَالةٍ مِخفّفاً
قال: وسمعتُ بعضَ العربِ يقولُ: ((ضِغِثٌ على إِيَّالةٍ))(٨) أي حَطبٌ على حطبٍ، وهو
مشكلٌ من حيثُ ظهورُ الياءَين في الجمع، ولو كان مخفَّفاً لم تردْ في الجمع ياءَين. قال:
ولو قالَ إِيبالة كان صَواباً مِثْلُ دينار ودنانير. قلتُ: دينارٌ أصلُه دِنّارٌ، ولذلك قيلَ: دَنافيزُ.
وإنما أُبدلَ أحدُ المثلين حرفَ علةٍ تخفيفاً. يقولُ: فكذلك هذا، ومثلُه: قيراط وقراريط
وديوان ودواوين، ومعنى ﴿طيراً أبابيل﴾ أي «جماعاتٍ في تَفرِقة حلقة، حلْقةٌ»(٩).
قال الراغبُ: ((مُتفرقةً كقطعانِ إِبلٍ، واحدُها إِبِيلٌ))(١٠). فرجعَ بها إِلى لفظِ الإِبل.
(١) مجاز القرآن ٣١٢/٢ والقول فيه لأبي عبيدة.
(٢) ذكرها ابن خالويه في إعراب ثلاثين سورة ١٩٣.
(٣) هو قول الكسائي وقد أورده ابن كثير في تفسيره ٥٨٩/٤ وقول الرؤاسي في إعراب ثلاثين سورة
١٩٣. وقال به الراغب في المفردات ٦٠.
(٤) قال به الفراء في معاني القرآن ٣ / ٢٩٢ والأخفش في معاني القرآن ٢٧٢ والهروي في الغريبين ١١ ..
(٥) هو قول الرؤاسي في معاني الغراء ٣/ ٢٩٢.
(٦) هو السجستاني، وقوله في كتابه الغريب ١٢٠.
(٧) الرؤاسي: محمد بن أبي سارة علي، أبو جعفر (١٨٧هـ / ٨٠٣م) أول من وضع كتاباً في النحو من
أهل الكوفة، وهو أستاذ الكسائي والفراء، وقوله ورد مفصلاً في معاني الفراء ٢٩٢/٣، ((نزهة الالبا
٥٤، مراتب النحويين ٢٤ !.
(٨) مثل يعني: بلية على أخرى. مجمع الأمثال ٤١٩/١، المستقصى ١٤٨/٢، الأمثال لابن سلام
٢٦٤.
!
الضّغت: قبضة من حشيش مختلطة الرطب باليايس، الإبالة: الحزمة من الحطب.
(٩) الغريب للسجستاني ١٢٠
(١٠) المفردات ٦٠.

٤٩
باب الهمزة
وقريبٌ من هذا ما حُكي عن إِسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ نوفل(١): الأبابيلُ مأخوذٌ من الإبلِ
المؤبَّلة، وهي الاقاطيعُ. وعن ابنِ عباسٍ ومجاهد(٢): متتابعةٌ بعضُها في إثرٍ بعضٍ.
وقيلَ(٣): أبابيل: متفرقةً تجيءُ من كلِ ناحيةٍ؛ من هُنا ومن هُنا. قاله ابنُ مسعودٍ وابنُ زيد
والأخفشُ. ومن مجيءٍ ﴿ طيراً أنابيلَ﴾ قولُه: [ من الرجز]
فھُیروا مثل كعصفٍ ماکولْ (٤)
١١- ولعبت طيرٌ بهمْ أبابيلْ
وقد وصفَ الأبابيلَ بكونهِ منّ الطيرِ تارةً في قولِ الأعشى: [ من الطويل]
عليه أبابيلٌ من الطيرِ تَنْعَبُ(٥)
١٢ - طريقٌ وجبّارٌ رواءٌ أصولُهُ
وأضيفَ إِليه أخرى في قولِ الآخرِ: [ من الطويل ]
أبابيلُ طيرٍ تحتَ دَجنٍ تَخرَّقُ(٦)
١٣ - تَراهمْ إلى الدَّاعي سراعاً كأنهمُ
وفي هذين دليلٌ على أن هذه اللفظةَ خاصةٌ بالطيرِ. وقد جاءً ما يشهد بخلاف
ذلك. قال الشاعرُ: [ من البسيط]
إِذ سالتِ الأرضُ بالجردِ الأبابيلِ(٧)
١٤- كادتْ تهزُّ من الأصوات راحلتي
أي بالخيلِ الجردِ المتتابعةِ .
والإِبلُ: اسمُ جمعٍ لا واحدَ لهُ من لفظهِ. مفردُه: جملٌ أو ناقةٌ. وقال الراغب:
(الإِبلُ يقعُ على البُعرانِ الكثيرةِ))(٨). وتقييدُه بالكثرةِ غيرُ مرادٍ، إِذ اسمُ الجمعِ كالجمعِ في
(١) قوله أورده ابن كثير ٤ /٥٨٩.
(٢) أورد ابن كثير ٤ /٥٨٩ هذا القول عن ابن عباس والضحاك.
(٣) هو قول ابن زيد، أورده ابن كثير ٤ /٥٨٩.
(٤) البيت لرؤية في ملحقات ديوانه ١٨٤ والعيني ٤٠٢/٢ وهمع الهوامع ١٥٠/١. ولحميد الأرقط
في كتاب سيبويه ٤٠٨/١. والشاهد فيه: إِدخال ((مثل)) على الكاف لأن الكاف بمعنى مثل،
والتقدير: مثلٌ مثلٍ عصف مأكول. العصف: التبن، أو الزرع الذي أُكل حبه.
(٥) ديوانه ٢٥١.
(٦) لم أهتد إلى البيت.
(٧) البيت دون نسبة فى الدر المصون ١١٠/١١ والقرطبي ١٩٧/٢٠ والبحر المحيط ٥١١/٨. ونسبه
ابن كثير في التفسير ١ /٤٣٩ مع أبيات أخرى إلى معبد الخزاعي.
(٨) المفردات ٥٩.

٥٠
باب الهمزة
صدقه على ثلاثة فأكثرَ. وقولُه تعالى: ﴿أفلا ينظرُونَ إِلى الإِبِلِ(١) كيفَ خُلِقَتْ ﴾
[ الغاشية: ١٧]. قيلَ: هي النَّعمُ المعروفةُ. وعن المبرِّدِ: هي السحائبُ؛ حكاها الماورديُّ
وغيرهُ. وإِلى ذلك ذهبَ المُبِردُ. قال الثعلبيُّ: لم أجدْهُ في كتبِ الأئمةِ. قلتُ: قد حكى
ذلك قبلَه الأصمعيُّ. وقال أبو عَمْرٍ وبنُ العلاءِ (٢): مَن قرأ الإِبلَ بالتخفيف عنَى به البعيرَ،
ومَن قرأَ بالتَّثقيل عَنَى بها السَّحابَ التي تحملُ ماءَ المطرِ. قال الراغبُ(٣): ((فإِنْ لم يكن
ذلك صحيحاً فعلى تَشبيهِ السحابِ بالإِبلِ وأحوالهِ)). وإِنما ذكرهم بالإِبل وإِن كان غيرُها
من الحيوانات أعجبَ منها كالفيل والزرافة، لأن العربَ لم تألفْه، ولانَّ فيها منافعَ لم
تجتمعْ في غيرها، فإِنها حلوبةٌ ركوبةٌ حَمولةٌ مأكولةٌ.
وقد سُئل الحسنُ عن ذلك فأجابَ بأن العرب بعيدةُ العهد بالفيل، قال: ولانَّ الفيلَ
خنزيرٌ لا يُؤْكلُ لحمُها، ولا يُركبُ ظهرُها، ولا يُحلبُ درِّها. وأيضاً إِنَّ أصغرَ الآدميين
يَجُرُّ الا باعرَ الكثيرةَ فتطيعهُ.
ويقالُ: ((أَبَلَ الوحشيِّ يَأْبِلُ أَبُولاً، وَأَبِلَ يأَبَلُ أَبلاً: أجزاً عن الماءِ تشبيهاً بالإبل في
صبرِها عنه)). قاله الراغبُ(٤)، وقالَ الهرويُّ: أبلَتِ الإِبلُ وتأَبَّلَتْ اجتزأتْ بالرُّطب عن
الماء. وتأبَّل الرجلُ عن امرأته: بعُدَ عنها من ذلك لأنه يجزئُ بصبرِه عنها، وفي الحديث:
( تأبَّلَ آدمُ عليه السلام على حواءَ بعدَ مقتل ابنِهِ)) (٥) أي توحَّش عنها، وتركَ غشياتَها.
(( وأَبَّلَ الرجلُ: كثُرتْ إِبِلُه. ورجلٌ أَبِلٌّ وآبِلٌ: حسنُ القيامِ على الإِبل. وإِبلٌّ مُؤْبَّلةٌ:
أي مجتمعةٌ. والإِبالةُ: الحزمةُ من الحطبِ تشبيهاً بذلكَ))(٦). ويقالُ في النسب: إِبَلِيّ
بفتح الباء، ويقالُ: إِبْلِي بسكونِ الباء. ولم يجئْ من الأسماءِ على ((فِعِل)، إلا : إِبلٍ، وإِبِد،
(١) قرأ أبو عمرو والأصمعي (الإِبْلِ)، البحر المحيط ٨ /٤٦٤ قرأ علي بن أبي طالب وأبو حيوة وأبو
العالية (خَلَفْتُ) البحر المحيط ٤٦٤/٨، القرطبي ٣٦/٢٠، مجمع البيان ٤٧٧/١،
وقرأ الكسائي وأبو عمرو وعلي وابن عباس (الإبلِّ) البحر المحيط ٤٦٤/٨، القرطبي ٣٥/٢٠.
(٢) قول أبي عمرو في مختصر ابن خالويه ١٧٢.
(٣) المفردات ٦٠.
( ٤) المفردات ٦٠.
(٥) الفائق ١ / ١٠، النهاية ١٦/١، غريب ابن الجوزي ٧/١ غريب الحديث للهروي ٣٩٦/٤.
(٦) المفردات ٦٠.

٥١
باب الهمزة
وإِطِل. وقد زادَ بعضُهم ألفاظاً تحريرُها في غيرِ هذا الموضع (١).
اب و:
أبٌّ: أصلُه أبوٌ، حُذفتْ لامُه اعتباطاً. وله أخواتٌ، ويسمى منقوصاً غيرَ قياسيِّ،
والأشهرُ إِعِرابُه بالحروفِ، وقد يُقصرُ. ومنه: [من السريع]
١٥ - إِنَّ أباها وأبا أباها (٢)
أو يُنْقَصُ، ومنه في المَثَل: [من الرجز]
ومَنْ يشابهْ أَبَهُ فما ظَلَمْ(٣)
١٦- بأبه اقتدى عدي في الكرم
وقد تُشدّدُ بَاؤه كما تقدمَّم، ويُكسرُ على آباء، ويصحَّح على أبُونَ وأبِينَ. قال:
وأشبهَ فعلُه فعلَ الأنبياءِ. وقُرئ: ﴿وإِلهَ أبيك(٤) إِبراهيم .. ﴾ [البقرة: ١٣٣]. والمصدرُ
الأبوَّةِ، وهو أحدُ المصادرِ التي أُخذتْ من الأسماء، ومثلُها النِّبوَّةُ، والقُتوَّة، والأخوّة.
والأبوَّة أيضاً جمٌ كالأُبولة .
والأبُ: الوالدُ، وكلُّ مَن نُسبَ في اتّخاذِ شيءٍ، أو إِصلاحهِ، أو ظهورهِ فهو أبٌّ له.
(١) ورد في ((المبدع في التصريف)) ٥٥ (لم يأت من ((فعل)) إلا ((إِبل)) فيما زعم سيبويه، وحكى غيره
((إِيدِ) فأما إِطِل وحيِرَةٌ وبلزّ فلاحجة فيها)، وقد أحصى السيوطي في المزهر ٢ /٦٥ -٦٦ اثنتين
وعشرين كلمة.
(٢) ينسب إلى رؤية في ملحقات ديوانه ١٦٨ كما ينسب إلى أبي النجم العجلي في شرح المفصل
٥٣/١ وشرح ابن عقيل ٥١/١.
(٣) ينسب إلى رؤية في ملحقات ديوانه والبيت تداولته كتب الأمثال: الفاخر للضبي ١٠٣، ٢٧٧
وجمهرة العسكري ٢٤٤،٢٥٥/٢ وفصل المقال ١٨٥ والمستقصى ٢ /٣٥٢ والأمثال لابن سلام
١٤٥، ٠٢٦٠
(٤) القراءة المشهورة لهذه الآية (وإله آبائك .. ) أما قراءتها ( وإله أبيك) فهي قراءة ابن عباس والحسن
وابن يعمر وعاصم الججدري. معجم القراءات ١١٨/١ وفيه: إتحاف فضلاء البشر ١٤٨، الإعراب
للنحاس ٢١٦/١ الإملاء للعكبري ٢٧/٢ .-
وقرئت الآية ( وإله إِبراهيم ) وفي قراءة أبيّ في الكشاف ٩٦/١ والبحر المحيط ٤٠٢/١. وذكر
أبو علي الفارسي في المسائل العضديات ٦٣ أن ((الياء التي في أبيك هي التي تكون في مسلميك
وصالحيك ونحوهما، وليست التي في: مررت بأبيه وأخيه. وكان الأصل (أبونَ) فحذف النون
للإِضافة، فأدغم الواو في الياء ثم أبدل من الضمة الكسرة فصارت: (وأبيٍّ)

٥٢
باب الهمزة
ومنه قيلَ في حقَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِنه أبو المؤمنين وفي بعض القراءات:
﴿وأزواجه أمهاتُهم﴾ [الأحزاب: ٦](١) ((وهو أبٌّ لهم)). فأما قولُه تعالى: ﴿ما كانَ
محمدٌ أَبَا أحدٍ من رجالِكُمُ﴾ فنفيُ الولادة وتنبيهٌ على التَّنِّي لا يَجري مَجرى البنوّة
الحقيقية، وذلك حين قالوا : كيف تزوَّج امرأةً زيدٍ و کان یتبنّاه؟ وقولُه في قوله : ﴿ اشكُرْ
لي ولادَيْكَ﴾ [ لقمان: ١٤](٢) قيلَ هما أبو الولادة وأبو التعليم. وفي قوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنا
آباءَنا على أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢ ] قيلَ: مُعلمينا، بدليل ﴿أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾
[الأحزاب: ٦٧](٣). وفي الحديث أنَّه عليه الصلاة والسلام قال لعليّ: (( أنا وأنتَ أبَوَا
هذه الأمة)) (٤) وصدقَ اللّه صلى عليه وسلم. وعليه حُملَ قولُه عليه الصلاةُ والسلام: ((
كلُّ سَبَبٍ ونَسبٍ مُنقطعٌ يومَ القيامةِ إِلاَ سَبِي وَنَسبي)) (٥).
وأبو الحرب: لمهيِّجها . وأبو عُذْرتِها: لمن افتضَّ بِكارتَها. وأبو الأضياف:
لتفقُّدهم والقيام بأمرهم. ويُقالُ: أَبَوتُ زيداً أَأبوهُ، إِذا كنتَ له بمنزلة الأب. ومنه: فلانٌ
أبو همَّته ، أي يتفقَّدُها الأب. ويطلقُ على الجدِّ؛ فقيلَ حقيقةُ وقيلَ مجازاً وهو الظاهرُ.
وعلى العمِّ والأمِّ والخالةِ، ولكنْ بالتغليب، فيقالُ: أبوهُ. وقيلَ في قولهِ تعالى: ﴿وَرَفَعَ
أبويه على العرشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] إِنهما أبوه وخالته (٦)، وقيل: أخي أمَّه. قال تعالى:
آباك إِبراهيم وإِسماعيل وإِسحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وإِبراهيمُ جدِّ ليعقوبَ وإسماعيلٌ
عَمَهم.
۔۔
----
(١) قرأ ابن مسعود وأبي وابن عباس ﴿من أنفسهم وهو أبٌّ لهم وأزواجه أمهاتهم﴾ معجم القراءات
١١٢/٥ وفيه: البحر المحيط ٢١٢/٧ مجمع البيان للطبري ٧٧/١٢ والجامع للقرطبي ١٢٣/١٤
والكشاف ٢٥١/٣ ومعاني القرآن للفراء ٢ /٣٣٥، وقرأ أبيّ (من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب
لهم) الجامع للقرطبي ٢٢٣/١٤.
(٢) قرأ أبو عمر والدوري (اشكر لي) بالإدغام، معجم القراءات ٨٦/٥ وفيه: الغيث للصفاقسي ٣٢٢.
(٣) جاء في تفسير ابن كثير ٣ /٥٢٧ (قال طاوس: سادتنا يعني الأشراف، وكبراءنا يعني العلماء).
(٤) نقله الراغب في المفردات ٥٧ .
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٣٦/٣ والحاكم ١٤٢/٣ وأسباب ورود الحديث ٩٠/٣
والمفردات ٥٧ .
(٦) غريب السجستاني ٩٩ (يعنى أباه وخالته وكانت أمه قد ماتت).
٠٠

٥٣
باب الهمزة
أ ب ي:
قال تعالى: ﴿إِلَّ إِبليسَ أَبَى﴾ [البقرة: ٣٤] و﴿وتأْبَى قلوبُهم﴾ [التوبة: ٨].
والإِباءُ: شدةُ الامتناع، فهو أخصُّ من مُطلقِ الإِباءِ؛ إِذ كلُّ إِباءٍ امتناعٌ من غيرٍ عكسٍ.
وبعضُهم يقولُ: الامتناعُ، ومرادُه ذلك لكونهِ في قوةِ النفيِ ساغَ وقوعُ الاستثناءِ المفرَّغ
بعدَه. قال تعالى: ﴿ويأبى اللَّهُ إِلا أن يُتَمَّ نورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، لأنه في قوة تمنّعٍ. وشدَّ
مجيءُ مضارعِهِ على يأَبَى بالفتح؛ إِذ قياسُه يأبي بالكسر، كأتَّى يأتي، ورمَى يرمي.
والذي حسَّن ذلك كونُ الألفِ حرفَ حلقٍ. ومثلُه قَلَى يَقلَى، على لُغيَّةٍ. والأفصحُ يقلي
بالكسر .. قال: [من الطويل]
١٧ - وتَرَمينَني بالطّرفِ أيْ أنتَ مذنبٌ وَتَقلينَني، لكنَّ إياكِ لا أَقلي(١)
ورجلٌ أبيٌّ، من ذلك فعيلٌ من أَبَى يأْبَى، أي ممتنعٌ من تحمُّل الضّيم. قال: [من
الطويل ]
لكم، غيرَ أنّا إِنْ نُسالمْ نَسلمٍ (٢)
١٨- ولسنا إِذا تأبون سلماً بمُذْعِني
أي ممتنعون .
وفي الحديث: ((كلُّكم يدخلُ الجنةَ إِلا من أبَى بعيرُه))(٣)، أي امتنعَ من تَعاطي
أسباب الدخول. قال الراغبُ(٤): أبتِ العنزُ تأبى إِباءً، وقيسٌ آبى. وعنزٌ أبواءٌ إِذا أخذَه داءٌ
من شربٍ ماءٍ فِيهِ بَولُ الأَرْوَى، فيمنعُه من شربِ الماءِ، وينبغي أن تكونَ الواوُ في (( أبو))
بدلاً من الياء، لأنَّ المادةَ في ذواتِ الواوٍ لا الياءِ.
(١) البيت دون نسبة في الدر المصون ٤٩٣/٧ ومعاني الفراء ٢/ ١٤٤ والخزانة ٤ /٤٩٠ والهمع
١٤٨/١ والدرر ١٤٨/١. وقال الفراء: أنشدني أبو ثروان.
(٢) البيت دون نسبة في الدر المصون ٤١/٢ ورواية عجزه: (لكم غير أنا إِن نسالَمْ نسالِمْ).
(٣) الحديث عن أبي هريرة أن النبي ◌َّه قال: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يارسول
الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى. أخرجه البخاري برقم ٦٨٥١
وأحمد في المسند ٣٦١/٢،.
(٤) المفردات ٥٨.

٥٤
باب الهمزة
فصل الألف والتاء
أت ي:
الإِثْيانُ: قيل: هو المجيءُ مطلقاً، وقيل: بسهولةٍ. ومنه قيلَ للسَّيْلِ المارِّ على
وجههٍ: أَتيَّ وأتاوِيٍّ. وأنشدّ للنابغة: [ من البسيط]
١٩ - خَلَّتْ سَبيلَ أَتيٍّ كان يَحبسُهُ(١)
وقيلَ: سَيلٌ أتيٌّ جاءَ ولم يَجَعْك مطرهُ. ويقالُ: أَتَّيتُ الماءَ بالتشديد أي أصلحتُ
مَجراهُ حتى يجريَ إِلى مقاصدهِ. وفي حديثٍ ظَبْيانً الوافدِ وقد ذكر ثمودَ وبلادَهم فقالَ:
((وأتَّوا جَداولُها)(٢) أي سهَّلوا طريقَ الماءِ إِليها. وقيلَ للغريب: أتاويِّ، تشبيهاً بذلك،
وفي الحديث: ((إِنَّما هو أَتِيٌّ فينا)(٣). وفي حديث عثمانَ رضي اللَّه تعالى عنه: ((إِنّا
رجلان أتاويّان))(٤) ويعبِّرُ به عن الإعطاءِ، قال تعالى: ﴿آتيناهُم مُلكاً﴾ [النساء: ٥٤]
﴿وَآتَيْنَا داودَ زَبوراً﴾ [النساء: ١٦٣]. وقُرىً: ﴿آتوني زُبُرّ الحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦].
بالمدَّ والقصرِ، أي أعطوني أو جيعوني. الإِيتاء: خُصَّ بدفْعِ الصَّدقةِ في القرآن دونَ
الإعطاءِ. قال تعالى: ﴿وَيُؤْتُون الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. ويقالُ: أرضٌ كثيرةُ الإِتاءِ،
أي الرَّيعِ. والإتاوةُ: الخراجُ. ويُسندُ الإتيانُ للباري تعالى، كما أُسندَ إليه المجيءُ على
معنى يليقُ بجلالهِ، أو على حذف مضافٍ، كقوله: ﴿أو يأتيَ أمُرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣]
كما صرَّح بهِ في قولهِ: ﴿أتى(٥) أمرُ اللهِ﴾ [النحل: ١]. وكذا ﴿فَأَتَّى اللهُ بُنيانَهُم(٦)﴾
(١) ديوانه ١٥ وتتمة البيت: (ورفّعته إِلى السجفين فالنضد). وفيه: ((الآتيّ: سیل یاتي من بلد إلى بلد،
والآتيّ: مجرى الماء. وقوله: خلّت، أي كنسته ونحّتْ مافيه من مدر وغير ذلك لئلا يحتبس الماء
فيه فیفسد».
(٢) غريب ابن الجوزي ٩/١ والنهاية ٢١/١.
(٣) النهاية ١ /٢١ والغريبين ١٤ وغريب ابن الجوزي ٩/١ والفائق ١٠/١ وسنن الدارمي ٢٧٥/٢.
..
وهو قول عاصم بن عدي في جوابه على سؤال النبي ◌ّ عن ثابت بن الدحداح حين توفي: هل
تعلمون له نسباً فيكم؟.
(٤) النهاية ١ / ٢١ والفائق ١ /١١ وغريب ابن الجوزي ٩/١.
: (٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان والصوري (أتى) بالإمالة. معجم القراءات: ٢٦٧/٣ وفيه
الإتحاف ٧٢٦ الغيث ٢٧٠ النشر ٣٥/٢، ٤٢.
(٦) قرأ جعفر (بيتهم) بدلاً من (بنيانهم) وقرأ الضحاك (بيوتهم) كما قرئت (بنيتهم) البحر المحيط
٤٨٥/٥.

٥٥
باب الهمزة
[النحل: ٢٦]. أي بأمره.
وقولُه: ((أتى))، بصيغة الماضي ليخصَّ الوقوعَ، فكأنَّه قد أتى ووقعَ. وقال نِفْطويهِ:
تقولُ: أتاكَ الأمرُ، وهو متوقَعٌ بعدُ، أي أتى أمرُ اللَّه وعداً فلا تستعجلوه وقوعاً. وقال ابنُ
الأنباريِّ في قولهِ: ﴿فاتى اللَّهُ بنيانَهم﴾: فأتى اللَّهُ مكرَهُم من أجلهِ، أي عادَ ضررُ المكرِ
عليهم. وهل هذا مجازٌ أو حقيقةٌ؟ والمرادُ به نمرودُ وصَرْحُه خلافٌ.
ويعبَّر بالإتيان عنِ الهلاك؛ قال تعالى: ﴿فأتاهُمُ اللَّهُ من حيثُ لم يَحتَسِبوا﴾
[الحشر: ٢]. ويقال: أُتِيَ فلانٌ من مَأمنهِ، أي جاءَه الهلاكُ من جهةٍ أمْنه. وقولهُ:
﴿فَأَتَتْ أُكُلَها (١)﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي أعطتْ، والمعنى: أثمرتْ ضِعْفَيْ مايُثمرُ غيرُها
من الجنان.
وقوله: ﴿وآتاهُم (٢) تَقْواهُم﴾ [محمد: ١٧]. أي أعطاهم جزاءَ اتِّقائهم. وقولُه:
﴿إِلى الهُدى اثْنَا (٣)﴾ [الأنعام: ٧١] أي بايعْنا على ملَّتنا. وقوله: ﴿يأتِ بصيرا﴾
[يوسف: ٩٣]. أي يَعُدْ، كقوله: ﴿فارتَدَّ بَصيراً﴾ [ يوسف: ٩٦].
والميتاءُ من قولهم: طريقٌ ميتاءٌ من ذلك، فهو مفعال من الإِثْيان (٤). وفي
الحديث: ((لولا أنه طريقٌ ميتاءٌ لحزنًا عليكَ يا إِبراهيمُ))(٥)، أي أن الموتَ طريقٌ مسلوكٌ.
وما أحسنَ هذه الاستعارةَ وأرشقَ هذه الإِشارةَ وقال شِمر: ميتاءُ الطريقِ ومبدؤهُ: مَحجَّتُه.
وفي الحديثِ أيضاً: ((ما وجدتَ في طريقٍ ميتاءٍ فعرِّفْهُ سَنَةٌ))(٦). والإِتيانُ: يقالُ للمجيءِ
بالذاتٍ وبالأمرِ والتدبيرِ، وفي الخيرِ والشّرِّ. ومن الأولِ قوله: [من المتقارب]
(١) قرأ نافع وأبو عمرو (أكلها) معجم القراءات ٢٠٧/١ وفيه الإتحاف ١٦٣ والحجة ١٠٢ لابن
خالويه والسبعة ١٩٠ والنشر ٢١٦/٢.
(٢) قرأ ابن مسعود والأعمش (وأنطاهم) بدلاً من (وآتاهم) مختصر شواذ القراءات ١٤١. وقرئت
(وأعطاهم) في الجامع للقرطبي ١٦/ ٢٤٠ والكشاف ٥٣٤/٣.
(٣) قرأ ابن مسعود (أتينا) بصيغة الماضي بدلاً من (ائتنا) البحر المحيط ٤ /١٥٨. وقرأها أيضاً
(بيّناً) في جامع القرطبي ٧ /١٨ والطبري ١١ / ٤٥٤ -٤٥٥.
(٤) الفائق ١١/١ ((الميتاء: مفعال من الإتيان، أي يأتيه الناس كثيراً ويسلكونه)).
(٥) الغريبين ١٣ والفائق ١١/١ والنهاية ٣٧٨/٤ وتتمة الحديث ((لولاأنه وعد حقٍّ وقولٌ صدقٌ وطريقٌ
ميتاء لحزنًا عليك أشدّ ماحزنًا))
(٦) هو حديث استفتاء اللقطة. الغريبين ١٣ والفائق ١١/١ والنهاية ٣٧٨/٤.

٥٦
باب الهمزة
٢٠ - أَتَيْتَ المروءةَ من بابها(١)
وقوله: ﴿ولا يأْتُونَ الصلاةَّ إِلا وهم كُسالَى﴾ [التوبة: ٥٤]. أي لا يتعاطون(٢).
وقولُه: ﴿يأتينَ (٣) الفاحشةَ﴾ [النساء: ١٥]. أي يتلَبَّسون بها. فاستعمالُ الإتيان هنا
كاستعمالِ المجيءٍ في قوله: ﴿لقد جئتِ شَيئاً فَرِيًّا(٤)﴾ [مريم: ٢٧]. ويُكنى بالإِتيان
عن الوطْءُ. ومنه: أتَى امرأتَه. وقولُه: ﴿أَتَأْتُون الذُّكْرَانَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿أَئِنَّكُم
لتأتونَ الرِّجالَ﴾ [النمل: ٥٥]. من ذلك، وهو من أحسنٍ الكنايات.
ويقالُ: ((أتَيْتُهُ وأَتَوْتُه. ومنه يقالُ للسِّقاء إِذا مُخِضَ وجاءَ زُبْدُه: قد جاءَ أَتْوُهُ.
وحقيقتُه: جاءَ ما من شأنه أن يأتيَ منهُ، فهو مصدرُ معنىً))(٥). قالوا: ((وكلُّ
موضعٍ ذُكرَ في وصفِ الكتابِ ((آتَينا)) فهو أبلغُ من كلِّ موضعٍ ذُكر في وصفهِ (أوتوا))، لأنَّ
(أُوتوا)) قد يقالُ في مَن أُوتِيَ، وإِن لم يكن معَه قَبولٌ. و((آتَينا)) يقالُ في مَن كَانَ مِعَه
قبول)»(٥).
وقولُه: ﴿فلناتِنَّهُمْ يُجنودٍ﴾ [النمل: ٣٧]: فلنجيثَّنهم. وقولُه: ﴿كَأَنَ وَعْدُهُ
ماتياً﴾ [مريم: ٦١] بمعنى آتٍ(٦) كَسيلٍ مُفْعَمٍ بمعنى مُفعِم، وحجاباً ساتراً. والثاني أنه
على بابهِ، لأنه يقالُ: أتاني الأمرُ واتَيتُه. فهذا من قولهم: أتيتُ الأمرَ، قالَه الراغبُ. وقالِ
الهرويُّ: يقال: أتاني خبرُه وأتيتُ خبرَه.
وقولُه: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْ﴾(٧) [المؤمنون: ٦٠] أي يتصدَّقون بأيِّ صدقة قليلةٌ
(١) عجز بيت للأعشى وقبله:
( وكأس شربت على لذة
وأخرى تداويت منها بها )
أتيت المروءة من بابها )
(لكي يعلم الناس أني امرؤ
ديوانه ٢٢٣ وخاص الخاص ١٧٣.
(٢) في تفسير ابن كثير ٧٧/٢ ٣ ((أي ليس لهم قدم صحيح ولا همة في العمل)).
(٣) قرأها ابن مسعود (تأتي بالفاحشة) معجم القراءات ١١٨/٢ وفيه: البحر المحيط ١٩٥/٣
والكشاف ٢٥٦/١ ومعاني القرآن للفراء ١ /٢٥٨.
(٤) قرأ أبو حيوة (فَرْباً، فرئاً) البحر المحيط ٦ /١٨٦.
(٥ ) المفردات ٦١.
(٦) غريب السجستاني ٣١٥ (أي: آتياً، مفعول بمعنى فاعل)).
(٧) قرأ ابن عباس وعائشة وقتادة والأعمش والحسن (يأتون ما أتوا) معجم القراءات ٢١٧/٤ وفيه:
الإملاء العكبري ٨٢/٢ والبحر المحيط ٤١٠/٦ والجامع للقرطبي ١٣٢/١٢ والكشاف ٣٥/٣.

٥٧
باب الهمزة
كانت أو كثيرةً، لذلك أَبهمها اللَّهُ تعالى، وما أوقعَ هذا في نفسٍ مَن له أدنى ذوقٍ حتى لو
صرَّح بجميعِ أنواع الصدقةِ على اختلافها لم يقعْ موقعَ هذا الإبهام.
فصل الألف والثاء
أث ث :
قال تعالى: ﴿أحسنُ أثاثاً﴾ [مريم: ٧٤]. الأثاثُ: الكثيرُ من متاع الدنيا، كذا
أطلقه الراغبُ(١). وقالَ غيرهُ: هو ما جدَّ من قُرْشِ البيتِ. والخرِّيتُ ما قدُم منها وأنشدَ:
[ من البسيط ]
دهراً، وصارَ أثاثُ البيتِ خِرِّيتا(٢)
٢١ - تقادم العهدُ من أُمِ الوليد لنا
وقد نقلَ الهرويُّ القَولينِ، فقالَ: قال الأزهريُّ: هو متاعُ البيتِ(٣). وقال غيرُه:
ما يُلبسُ منها. وقيلَ: هو المالُ مطلقاً. وعن ابنِ عباسٍ فِي قَولِه تعالى: ﴿أَثاثاً ومتاعاً إِلى
حينٍ﴾ [النحل: ٨٠] أي مالاً (٤). قال الراغبُ: وقيلَ للمال كلُّه إِذا كثُرَ: أثاثٌ ولا واحدَ
له من لفظه (٥)، وفيه نظرً؛ إِذ واحدُهُ أثاثةٌ(٦)، كتمرٍ وتمرةٍ. وجمعُ الأثاثِ آَنَّةٌ وَأُثُثّ (٧).
والأولُ هوَ القياسُ، لأنه مضاعَفٌ. وأُثثٌ شاذٌّ كُبُيُنٍ وحُجُجٍ. قال الراغبُ: وجمعُه إِثاثٌ،
وفيه نظرٌ.
ونساءً أثاثثُ: كثيراتُ اللحم(٨)، كأنَّ عليهنَّ أثاثاً. وتأنَّثَ فلانٌ: أصابَ أثاثاً.
وتأثَّيتُ: اتّخذتُ أثاثاً. واشتقاقُ هذا مِن: أنَّ الشَّعْرُ والنَّبَاتُ أي كثُر وتكاثَفَ. ومنه قولُ
(١) المفردات ٦١.
(٢) لم أهتد إِلى البيت ولا إِلى قائله.
(٣) غريب السجستاني ١٠٨، وأردف صاحب التاج في مادة أثث((ماكان من لباس أو حشو لفراش أو
دثار)).
(٤) ذكر ابن كثير ٢ /٦٠١ (قال ابن عباس: الأثاث: المتاع)) ثم قال دون عزو للقول ( وهو المال وقيل
المتاع وقيل الثياب)).
(٥) هذا قول الفراء في اللسان والتاج (أثث) والمجمل ٧٨/١.
(٦) غريب السجستاني ١٠٨ والتاج (أثث).
(٧) التاج ((قال الفراء: ولو جمعت الأثاث لقلت: ثلاثةُ آنَّة، وأُثثٌّ كثيرة)).
(٨) أضاف صاحب التاج ((أو الطوال التامات منهن)) واستشهد ببيت لرؤية يؤيد قوله.

٥٨
باب الهمزة
امرئ القيس: [ من الطويل]
. أثيث كقنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعفكلِ(١)
٢٢- وأسود یغشی المتن أسودَ فاحمٍ
وعن ابنِ عباسٍ أيضاً: ((أثاثاً) ثياباً. وعن الخليلِ: هو المتاعُ المنْضِمُ بعضُهُ إِلى
بعضٍ. وأنشدَ بيتَ امرئ القيسِ المذكورِ. وقال ابنُ عباسٍ في قولهِ تعالى: ﴿أحسنُ
أَثاثاً﴾ أي هيئةً( ٢). وقالَ مُقاتلٌ: ثياباً. وقد تقدَّم مثلُه عن ابنِ عباسٍ في آيةِ النَّجل.
أث ر :
قال تعالى: ﴿فانظرْ إِلى أثارِ رحمةِ اللهِ(٣)﴾ [الروم: ٥٠]، وقُرئّ: ((آثارِ))(٤)
جَمعاً. والأثرُ: حصولُ مايدلُّ على وجودِ شيءٍ، ومنه: أثرُ البعيرِ والرجلِ. يقالُ: إِثْرٌ وأثّرٌ.
ومنه: أثرتُ البعيرَ: جعلتُ على خُفَّهِ أُثْرةً أي علامةٌ تؤثّرُ في الأرضِ، لِيُسْتَدلِّ بها على
أثَّرهِ، والحديدةُ التي يُعملُ بها ذلك مِثْثَرَةٌ كمِكنسَةٍ.
وأَثْرُ السيف: جوهرُه، وهو أثَرُ جودتهِ. والسيفُ مأثورٌ. وقوله تعالى: ﴿هم ◌ُولاء
على أَثَرِي(٥)﴾ [طه: ٨٤ ]أي بعدي يقليلٍ. وقوله تعالى: ﴿فَهُم على آثارِهم يُهْرَعونِ﴾
[ الصافات: ٥٠] أي على طريقتهم وسُنَّتِهم. وقيلَ هذا في قوله تعالى: ﴿هم أولاءٍ على
(١) البيت من معلقته في شرخ المعلقات ٥٢ وديوانه ١٦.
(٢) لعل المؤلف يقصد بهذا التفسير تتمة الآية: (أحسن أثاثاً ورئياً). وذكر ابن كثير ٢ /١٤١ عن ابن
عباس ((الأثاث: المتاع، والرئي: المنظر)).
(٣) قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وشعبة وأبو جعفر ويعقوب والجحدري وابن السميفع وأبو حيوة (أُثر)
معجم القراءات ٥ /٧٥ وفيه: الإتحاف ٣٤٩ والإملاء للعكبري ١٠١/٢ والحجة لابن خالويه ٢٨٣
والحجة لأبي زرعة ٥٦١ والسبعة ٥٠٨ والنشر ٣٤٥/٢. وقرأ سلام (إِثر) البحر المحيط
٠١٧٩/٧
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (رحمتٍ) ووقفوا عليها بالهاء. الإتحاف ٣٤٩ والغيث
٣٢١.
(٤) وهي قراءة الكسائي والدوري وابن ذكوان والصوري الإتحاف ٣٤٩ والغيث ٣٢١ والنشر ٥٤ -٥٥.
(٥) (أولاء) قرأها (أولا) بالقصر: ابن وثاب وعيسى، الكشاف ٢٤٨/٢. وقرأ يحيى بن وثاب
(أولايّ)، والفراء (أولايٌّ) مختصر ابن خالويه ٨٨. (أَثَري) قرأها أبو عمرو ويعقوب وزيد بن علي
وعيسى (إِثْري)، الإتحاف ٣٠٦ والكشاف ٢٤٨/٢ والنشر ٣٢١/٢ وقال ابن كثير ٤٤٦/٣
( يعني المطر).

٥٩
باب الهمزة
أَثَري﴾ [طه:٨٤] وقوله: ﴿أو أَثَّارَةٍ (١)﴾ [الأحقاف: ٤]. وقُرئَّ: ﴿أَثَرَةٍ﴾(٢)، قيلَ:
هيّ من: أَثَرْتُ العلمَ آثرُهُ. ومنه: مآثرُ العربِ لمكارمٍ أخلاقها، جمعُ مَاثُرةٍ، وهي ما يُرَوى
عنها من ذلك.
وفي الحديث: ((أَلا إِنَّ كلَّ دم ومالٍ ومَاتُّرةٍ كانتْ في الجاهليةِ فإِنها تحتَ
قَدميَّ))(٣). ومنهُ حديثُ عمرَ: ((ماحَلفتُ به ذاكراً ولا آثراً))(٤) أي حاكياً له عَن غيري.
ومنه قولُّه تعالى: ﴿إِلَّ سِحْرٌ يُؤثِّرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، أي يرويهِ واحدٌ عن آخرَ. وحديثٌ
مأثورٌ: أي نقلَّه العَدْلُ عنِ العدل. وقيلَ: هي بمعنىّ، أي بقيةٌ من علم. ومنه سَمِنتِ الإبلُ
على أثارةٍ، أي بقيةٍ من شَحم(٥).
ويَستعارُ الأثرُ للفَضلِ، والإيثارِ للتفضُّلِ إثارةً. قال تعالى: ﴿لقد آثرَكَ اللَّهُ علينا﴾
[يوسف: ٩١]. أي فضَّلك(٦). وقولُه: ﴿وَيُؤْثرونَ على أنفسهم﴾ [الحشر: ٩] من
ذلكَ، أي يفضِّلون غيرَهُم على أنفِسُهم. ومنه: له عليَّ أَثَرةٌ، أي فضلٌ(٦). ومنه
الحديثُ: ((إِنكم سَتَلقَونَ بعدي أثَّرَةٌ فاصبِروا حتى تَلقَوني على الحوضِ»(٧) أي يُستأثرُ
عليكم فيفضَّلُ غيرُكم عليكم في الفيء.
فالأَثَرةُ: اسمٌ من آثَرَ يُؤْثِرُ إِثاراً. واسْتَأثرَ فلانٌ بكذا: أي تفرَّدَ به دونَ غيرِهِ. وفي
الحديث: ((أوِ اسْتأثرتَ بهِ في علم الغيبِ عندَكَ)) (٨) أي تفرَّدتَ بهِ. ومنه قولُ الأعشى:
(١) قرئت (إِثارة) في تفسير الآلوسي ٦/٢٦.
(٢) هي قراءة علي وابن عباس والحسن وقتادة والأعمش، الجامع للقرطبي ١٨٢/١٦ والكشاف ٥١٥/٣
والبحر المحيط ٥٥/٨ وقرأها الكسائي (أثرة، إِثْرة) البحر المحيط ٥٥/٨ والكشاف ٥٥/٣ وقرأها
قتادة والحسن والمسلمي (أثرة) الكشاف ٥٥/٣ والبحر المحيط ٥٥/٨.
(٣) الفائق ١٢/١ والنهاية ٢٢/١ وغريب ابن الجوزي ١٠/١ ومسند أحمد ٣٦،١١/٢، ١٠٣ وابن
ماجه حديث رقم ٢٦٢٨ وأبو داود حديث رقم ٤٥٨٨.
(٤) الفائق ١٢/١ والنهاية ١ /٢٢.
(٥) عن اللسان والتاج، وفي مقاييس اللغة ((أي على شحم قديم)) ونسب القول إلى الأصمعي.
(٦) قول السجستاني في الغريب ١٠٧.
(٧) البخاري، حديث رقم ٣٥٨١، ٤٠٧٥ والنسائى فى القضاء ومسلم رقم ١٣٢، ١٣٩، وأحمد
٣٨٧/١،٣٨٤/١ والنهاية ١ /٢٢ وغريب ابن الجوزي ١ /١٠.
(٨) مسند أحمد ٣٩١.

٦٠
باب الهمزة
[من المنسرح]
٢٣ - اسْتأثَرَ اللَّهُ بالوفاء وبال
عَدْلِ، وَولَّى الملامَةَ الرَّجُلا(١).
والآَثَرَةُ: اسمٌ للاستئثارِ، والجمعُ الإِثْرُ، قالَه الأزهريِّ، وأنشدَ قولَ الخطيئةِ في عمرَ
رضيَ اللَّهُ عنهُ: [ من البسيطِ ]
٢٤- ما قدّموك لها إِذ آثروكَ بھا
لكنْ لأنُفِسهم كانتْ بِكَ الإِثَرُ(٢)
وقولُهم: استَأثَرَ اللَّهُ بفلانٍ كنايةٌ عن موتِه وتنبيهٌ أنه ممّا اصطفاهُ فتفرَّدَ به دونَ
الورَى. وقولُهم: مافيها عينٌ ولا أَثْرٌ أَيْ بقيةٌ. وفي الحديثِ: ((من سرَّهُ أن يَبْسُطَ له في
رزقِهِ ويَنْسَأَ في أثَرهِ فليصلْ رَحمَهُ))(٣) أي في أجلِه. وسُمِّيَ الاَجلُ أَثَراً لأنه يتبعُ العمرَ.
قال كعبُ بنُ زهيرٍ (٤): [من البسيط]
٢٥ - یسعی الفتی لأمورٍ لیس یدرکُها
والنفسُ واجدةٌ والھمُ منتشرُ
والمرءُ ماعاشَ ممدودٌ له أملٌ
لا يَنْتهي العمْرُ حتى ينتهي الأثَرُ
ويروى : لا تَنْتُهي الْعِينُ.
وقولُه: ﴿وَآثاراً في الأرضِ﴾ [غافر: ٢١] إِشارةٌ إِلى ما شَيَّدوا من البُنيانِ ووطّدوا
من الأحوال. وقوله تعالى: ﴿ما قدَّموا وآثارهُمْ﴾ [يس: ١٢] أي قدَّموه من الأعمال
وسنُّوه من السُّنْن، فعُمَلَ بها بعدَهُم، وفي معناه: ((مَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً .. ))(٥) الحديث.
ويقالُ؛ رجلٌ أَثْرٌ، أي يَستأثرُ على أصحابهِ، وقال اللَّحياني(٦): خُذْه آثراً ما، وأثراً
ما، وإِثْراً ما، وآثرَ ذي أثير، كلٌّ ذلك بمعنى الانفراد(٧). وقولُه تعالى: ﴿قبضِةٌ من أَثَرٍ
(١) ديوانه ٢٨٣.
(٢) ديوانه ١٩٢ ورواية صدره: (لم يؤثروك بها إِذ قدّموك لها).
(٣) البخاري حديث رقم ١٩٦١، ٥٦٣٩، الفائق ١٣/١ والنهاية ٢٣/١، وغريب ابن الجوزي ١١/١.
(٤) ديوانه ٢٢٩.
٠٠
(٥) أخرجه أحمد ٣٦٢/٤ ومسلم في باب الزكاة برقم ١٠١٧.
(٦) علي بن حازم اللحياني (ت ٢٠٧ هـ) لغوي، عاصر الفراء، وتصدر في أيامه، وأخذ عنه القاسم بن
سلام. له: كتاب في النوادر (معجم المؤلفين ٥٦/٧، إنياه الرواة ٢٥٥/٢) وفي المقاييس ٥٥/١
(حكى اللحياني: أخذته بلا أثرى عليك) وفي التاج (أَثّرَ ذي أثیرین بالكسر ويحرك، وإثرة ما) ..
(٧) هو قول الفراء كما في اللسان والتاج وفيهما ((أي ابداً به أول كل شيء)).