Indexed OCR Text
Pages 241-260
الآية : ٨٨ ٢٤١ سُورَةُ الَّعَرَافِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ اَلْحَكِمِينَ ﴾﴾ إذ لا معقِّب لحكمِه ولا حيفَ فيه، فهو في غاية السداد. ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ استئناف مبنيٌّ على سؤال ينساق إليه المقال، كأنه قيل له: فماذا قالوا له عليه السلام بعدما سمعوا منه هذه المواعظ؟ فقيل: قال أشراف قومه المستكبرون متطاولين عليه عليه السلام، غيرَ مكتفين بمجرَّد الاستعصاء، بل بالغين من العتوِّ مبلغاً عظيماً: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا﴾ بغضاً لكم، ودفعاً لفتنتكم المترتبة على المُساكنة والجوار. والتأكيدُ القَسَميُّ للمبالغة والاعتناء بالحكم، و((معك)) متعلقٌ بالإخراج لا بالإيمان، ونسبةُ الإخراج إليه عليه السلام أولاً وإلى المؤمنين ثانياً؛ للتنبيه على أصالته عليه السلام في ذلك، وتبعيَّتهم له فيه، وتوسيطُ النداء باسمه العليِّ بين المعطوفين؛ لزيادة التقرير والتهديد الناشئة عن غاية الوقاحة والطغيان. وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنًا﴾ عطفٌ على جواب القسم، أي: واللهِ ليكونَنَّ أحدُ الأمرين البتَّةَ؛ الإخراجُ أو العَوْدُ، على أن المقصِدَ الأهمَّ هو العودُ، وإنما ذكر الأول لمجرد القسر والإلجاء كما يُفْصِحُ عنه عدم تعرُّضه عليه السلام بجواب الإخراج. والمتبادر من العَود: الرجوعُ إلى الحالة الأولى، وهذا ممَّا لا يمكن في حقِّ شعيب عليه السلام، لأن الأنبياء عليهم السلام؛ معصومون عما دون الكفر بمراتب. نعم هو ممكن في حقِّ مَنْ آمن به، فإسنادُه إليه عليه السلام من باب التغليب، قيل: وقد غُلِّب عليه المؤمنون هنا كما غُلِّب هو عليهم في الخطاب، فیکون في الآية حينئذٍ تغليبان. وقال غيرُ واحدٍ: إنَّ ((تعود)) بمعنى تصير، كما أثبته بعضُ النحاة واللغويين، فلا يستدعي العودَ إلى حالة سابقة، وعلى ذلك قولُه: فإن لم تكُ الأيام تحسِنُ مرَّةً إليَّ فقد عادت لهنَّ ذنوب(١) (١) البيت لكعب بن سعد الغنوي كما في أمالي القالي ١٤٩/٢، والعقد الفريد ٢٧١/٣، والخزانة ٤٣٤/١٠، ونسب في الأصمعيات ص٩٩ لغُريقة بن مسافع العبسي. وروايته في المصادر: فإن تكن الأيام أَحْسَنَّ مرة. سُورَةُ الْأَّغَافِ ٢٤٢ الآية : ٨٨ فكأنهم قالوا: لنخرجنَّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرُنَّ مثلَنا، فحينئذٍ لا إشكالَ ولا تغليب، وكذا يقال فيما بَعْدُ، وهو حسنٌّ، ولا يأباه: ﴿إِذْ نَجَنَا اَللَّهُ مِنْهَا﴾ [الآية: ٨٩] لاحتمال أن يقال بالتغليب فيه، أو يقال: إن التنجيةَ لا يلزمُ أن تكون بعد الوقوع في المكروه، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿فَأَنَجَنَهُ وَأَهْلَهُ:﴾ [الأعراف: ٨٣] وأمثالِهِ؟. وقال ابنُّ المنير(١): على احتمال تسليم استعمال العَوْد بمعنى الرجوع إلى أمرٍ سابق، يجاب بأنه على نهج قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُغْرِجُهُم مِّنَ الُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى اُلُّلُمَتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فإنَّ الإخراج يستدعي دخولاً سابقاً فيما وقع الإخراج منه، وهو غيرُ متحقِّقٍ في المؤمن والكافر الأصليّين، لكن لمَّا كان الإيمانُ والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله تعالى العبدَ ميسَّرًا لكل واحدٍ منهما، متمكِّنًا منه لو أراده، عبّر عن تمكَّنِ المؤمن من الكفر، ثم عدوله عنه إلى الإيمان اختياراً بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقًا من الله تعالى له ولطفاً به، وبالعكس في حقِّ الكافر، ويأتي نظيرُ ذلك في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَّرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِآلْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]، وهذا من المجاز المعبَّرِ فيه عن السَّبب بالمُسَبَّب، وفائدةُ اختياره في هذه المواضع تحقيقُ التمُّن والاختيار؛ لإقامة حجّة الله تعالى على عباده. وقيل: إنَّ هذا القول كان جارياً على ظنِّهم أنه عليه السلام كان في ملَّتهم؛ لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم، أو أنه صدَرَ عن رؤسائهم؛ تلبيساً على الناس، وإيهاماً لأنه كان على دينهم، وما صدر عنه عليه السلام في أثناء المحاورة وقع على طريق المشاكلة. وذكر الشهاب احتمالاً آخر في الجواب: وهو أن الظاهر أنَّ العودَ هو المقابلُ للخروج إلى ما خرج منه وهو القرية، والجار والمجرور في موضع الحال، أي: ليكُنْ منكم الخروجُ من قريتنا، أو العودُ إليها كائنين في ملَّتنا، فينحَلُّ الإشكال من غير حاجةٍ إلى ما تقدَّم(٢). ولا يخفى بُعْدُه. (١) في الانتصاف ٢/ ٩٥. (٢) حاشية الشهاب ٤/ ١٩٠ . الآية : ٨٨ ٢٤٣ سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ وإنما لم يقولوا: أو لنعيدنَّكم، على طريقة ما قبله؛ لما أنَّ مرادَهم أن يعودوا بصورةٍ الطواعية حَذَرَ الإخراج عن الوطن باختيار أهون الشَّرَّين، لا إعادتهم بسائر وجوهِ الإكراه والتعذيب. ومن الناس من زعم أن ((تعودُنَّ)) لا يصلح أن يكون جواباً للقسم؛ لأنَّه ليس فعلَ المُقْسِم، وجَعَل ما أشرنا إليه أولاً(١) في بيان المعنى مخلِّصًا من ذلك، وهو باطلٌ؛ لأنه يقتضي أن القَسَم لا يكون على فعل الغير، ولم يقل أحدٌ به، وقد شاع نحو: والله ليُضرَبَنَّ زيدٌ، من غير نكير. وعُدِّيَ العود بـ ((في)) إيماءً إلى أن الملَّة لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم. قَالَ﴾ استئنافٌ كنظائره، أي: قال شعيبٌ عليه السلام ردًّا لمقالتهم الباطلة، وتكذيباً لهم في أيمانهم الفاجرة: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَرِهِينَ (®)﴾ على أنَّ الهمزة لإنكار الوقوع ونفيهِ، والواو العطف على محذوفٍ، وقد يقال لها في مثل هذا الموضع: واو الحال أيضاً، و((لو)) هي التي يُؤتى بها لبيان ما يفيدُه الكلام السابق بالذات أو بالواسطة من الحكم الموجب أو المنفيّ على كل حالٍ مفروضٍ من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدِها منه وأشدِّها منافاةً له؛ ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوتُه أو انتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريقة الأولويَّة، والكلامُ هاهنا في تقدير: أنعودُ فيها لو لم نكن كارهين، ولو كنّا كارهين غير مبالين بالإكراه؟! فالجملةُ في موضع الحال من ضمير الفعل المقدَّر، والمآل: أنعودُ فيها حال عدم الكراهة؟! إنكاراً لما تفيدُه كلمتُهم الشنيعة بإطلاقها من العَوْد على أيِّ حالةٍ، غير أنه اكتُفي بذكر الحالة التي هي أشدُّ الأحوال منافاةً للعود، وأكثرها بعداً منه؛ تنبيهاً على أنها هي الواقعة في نفس الأمر، وثقةً بإغنائها عن ذِكْر الأولى إغناءً واضحاً؛ لأن العود الذي تعلَّق به الإنكار حين تحقَّقَ مع الكراهة على ما يوجبه كلامُهم، فلَأَن يتحقَّقَ مع عدمها أولى، وهذا بعضٌ ممَّا ذكره شيخُ الإسلام في هذا المقام، وقد أطنب فيه الكلامَ، وأتى بالنقض والإبرام، فارجع إليه، وقد جوَّز أن يكون الاستفهام باقيًا على حاله(٢). (١) في (م): أولى. (٢) تفسير أبي السعود ٢٤٨/٣-٢٤٩. سُورَةُ الأَّغرافِ ٢٤٤ الآية : ٨٩ وجعل بعضُهم الهمزة بمعنى كيف، ووجَّه التعجبَ إلى العود، أي: كيف نعود فيها ونحن كارهون لها؟! وتقديرُ فعل العود لقوةٍ دلالة الكلام عليه أولى من تقدير فعل الإعادة كما فعل الزمخشري(١). وفي ((التيسير)) تقديرُ فعل الإخراج، أي: تخرجوننا من غير ذنبٍ، ونحن كارهون لمفارقة الأوطان؟! وقد وجِّه بأنَّ العودَ مفروٌ عنه لا يُتصور من عاقل، فلا يكون إلا الإخراج. ولا يخفى ضعفُ هذا التقدير. وذكر أبو البقاء(٢) أن ((لو)) هنا بمعنى إنْ؛ لأنها للمستقبل، وجوَّز أن تكون على أصلها، وما أشار إليه شيخ الإسلام في هذا المقام أبعدُ مغزى، فليتأمّل. ﴿قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا﴾ عظيماً لا يُقادَرُ قَدْرُه ﴿إِنْ عُدْنَا فِى مِلَتِكُمْ﴾ التي هي الشِّرك، وزَعَمْنا كما زعمتُم أن لله سبحانه ندًّا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً. ﴿بَعْدَ إِذْ نَنَا اَللَّهُ مِنْهَاً﴾، وعلمنا بطلانَها، وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، أي: إن عُدْنا في ملَّتكم فقد افترينا، واستُشكل ذلك بأنَّ الظاهر فيما إذا كان الجواب مثل ما ذُكِرَ أن يتعلَّق ظهورُه والعلم به بالشرط، نحو: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخٌ لَّهُ، مِن قَبْلٌ﴾ [يوسف: ٧٧]، ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]، وإن أكرمتني اليوم فقد أكرمتُك أمس، والمقصودُ هنا تقييدُ الافتراء بالعَوْد، ولفظُ ((قد)) وصيغةُ الماضي يمنعانه. والجوابُ ما أشار إليه الزمخشريُّ: من أنه من باب الإخراج لا على مقتضى الظاهر، وإيثار ((قد)) والماضي الدالَّين على التأكيد؛ إمَّا لأنه جوابُ قسم مقدَّر، أو لأنه تعجُّب على معنى: ما أكذَبَنا إن عُدْنا .. إلخ، ووجه التعُّب أن المرتدَّ أبلغُ في الافتراء من الكافر؛ لأن الكافر مفترٍ على الله تعالى الكذبَ حيث يزعمُ أن الله سبحانه ندًّا ولا نِدَّ له، والمرتدُّ مثلُه في ذلك، وزائدٌ عليه حيث يزعم أنه قد تبيَّن له ما خفيَ عليه من التمييز بين الحق والباطل(٣). (١) في الكشاف ٩٦/٢، والتقدير عنده: أتُعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ومع كوننا کارهین. (٢) في إملاء ما من به الرحمن ٣٩/٣. (٣) نقله المصنف بواسطة الشهاب الخفاجي ١٩١/٤، وانظر الكشاف ٢/ ٩٧. الآية : ٨٩ ٢٤٥ سُورَّةُ الْأَّغَافِ والحملُ على التعجّب على ما في ((الكشف)) أولى؛ لأن حذف اللام ضعيفٌ. وجوَّز أبو حيان تبعاً لابن عطية(١) أن يكون الفعل المذكور قَسَماً، كما يقال: برئتُ من الله تعالى إن فعلتُ كذا، وكقول مالك الأشتر (٢) النَّخَعيِّ: ولقيتُ أضيافي بوجهِ عَبُوسٍ أبقيتُ وَقْرِي وانحرفتُ عن العُلا لم تَخْلُ يوماً من ذهاب نفوسٍ(٣) إن لم أشنَّ على ابن هندٍ غارةً وهذا نوعٌ من أنواع البديع، وقد ذكره غير واحد من أصحاب البديعيَّات، ومَثَلَه عِزُّ الدين الموصليُّ بقوله: برئتُ من سَلَفي والشُّمُّ من هِمَمي إنْ لم أذِنْ بتقّى مبرورة القَسَمِ (٤) والباعُونية بقولها(٥) : لا مَكَّنتني المَعالي من سِيَادتها إن لم أكن لهمُ من جملة الخَدَم ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ أي: ما يصحُّ لنا وما يقع، فـ((يكون)) تامةٌ، وقد يأتي ذلك بمعنى: ما ينبغي وما يليقُ ﴿أَنْ تَّعُودَ فِيهَا﴾ في حال من الأحوال، أو وقتٍ من الأوقات. ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبَّنَا﴾ أي: إلا حالَ أو وقتَ مشيئة الله لعَودنا. والتعرُّضُ العنوان الرُّبوبية؛ للتصريح بأنه المالكُ الذي لا يُسأل عمّا يفعل. (١) البحر المحيط ٣٤٣/٤، والمحرر الوجيز ٤٢٨/٢، وحاشية الشهاب ١٩١/٤. (٢) في الأصل و(م): مالك بن الأشتر، وهو وهم تابع فيه المصنفُ ابنَ حجة الحموي في خزانة الأدب ص ١٤٥، ومالك: هو ابن الحارث، ولقب بالأشتر لأن رجلاً ضربه على رأسه، فسالت الجراحة على عينه فشترتها. انظر معجم الشعراء للمرزباني ص ٢٦٣ . (٣) البيتان في الأمالي لأبي علي القالي ١/ ٨٥، وديوان الحماسة بشرح المرزوقي ١٤٩/١، وخزانة الأدب لابن حجة الحموي ص ١٤٥، والبحر ٣٤٣/٤، وحاشية الشهاب ١٩١/٤. وروايته في المصادر: بقَّيت، بدل: أبقيت. والوفر: المال الكثير. (٤) البيت في خزانة الأدب لابن حجة الحموي ص١٤٨. (٥) هي عائشة بنت يوسف الباعوني، والبيت من بديعية لها على هامش خزانة الأدب لابن حجة ص٣٤٨. سُورَةُ الأَعْرَافِ ٢٤٦ الآية : ٨٩ ﴿وَسِعَ رَبُّنَّا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ فهو سبحانه يعلم كلَّ حكمةٍ ومصلحة، ومشيئتُه على موجَبِ الحكمة، فكلُّ ما يقع مشتمِلٌ عليها، وهذا إشارة إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه، فإنه لا يأمَنُ مكر الله إلا القومُ الكافرون، وفيه من الانقطاع إلى الله تعالى ما لا يخفى، ويؤكِّد ذلك قوله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّنَا﴾؛ فإنَّ التوكُّل عليه سبحانه إظهارُ العجز والاعتمادُ عليه جلَّ شأنه. وإظهارُ الاسم الجليل للمبالغة، وتقدیمُ المعمول لإفادة الحصر. وفي الآية دلالةٌ على أن الله تعالى أن يشاءَ الكفرَ. وادعى شيخُ الإسلام(١) أن المرادَ استحالةُ وقوع ذلك، كأنَّه قيل: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله تعالى العودَ، وهيهاتَ ذلك، ولا يكاد يكون، كما يُنبئُ عنه التعرُّض لعنوان الرُّبوبية، وقولهم: ((بعد إذ نجَّانا الله منها))؛ فإنَّ تنجيته تعالى إياهم منها من دلائل عدم مشيئته سبحانه لعَودهم فيها، وفَرَّعَ على قوله تعالى: (وسع)) إلخ - بعد أن فسَّره بما فسَّره - مُحاليةَ مشيئته(٢) العود، لكن لطفًا. وهو وجهٌ في الآية، ولعل ما ذهبتُ إليه فيها أولى. ولا يَرِدُ على تقدير العود مفعولاً للمشيئة أنه ليس لذِكْر سعة العلم بَعْدُ حينئذٍ كبيرُ مَعنّى، بل كان المناسبُ ذكرَ شمول الإرادة، وأن الحوادث كلَّها بمشيئة الله تعالى = لما لا يخفى، ولا يُحتاج إلى القول بأن ذلك منه عليه السلام ردٌّ لدعوى الحصر باحتمال قِسْم ثالث، والزمخشريُّ بنى ((تفسيره)) على عقيدته الفاسدة من وجوب رعاية الصلاح والأصلح، وأن الله تعالى لا يمكن أن يشاءً الكفر بوجهٍ؛ لخروجه عن الحكمة، واستدلَّ بقوله سبحانه: ((وسع)) إلخ، وردّه ابنُ المنير(٣) بأنَّ موقع ما ذُكِرَ الاعترافُ بالقصور عن علم العاقبة والاطلاع على الأمور الغائبة، ونظير ذلك قولُ إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَآَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بٍِ إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبٍِّ شَيْئاً وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] فإنه عليه السلام لمَّا ردَّ الأمر إلى المشيئة - وهي مُغَيَّبة - مَجَّدَ اللهَ تعالى بالانفراد بعلم الغائبات. انتهى. (١) تفسير أبي السعود ٢٥١/٣. (٢) في الأصل: مشيئة، والمثبت من (م). (٣) في الانتصاف ٩٦/٢. الآية : ٨٩ ٢٤٧ سُورَةُ الَّغَرَافِ وإلى كون المراد من الاستثناء التأبيد ذهب جعفر بنُ حَرْب(١) والزجَّاج(٢) أيضًا، وجعلوا ذلك كقول الشاعر: إذا شاب الغرابُ أتيتُ أهلي وصار القارُ كاللبن الحليب (٣) وأنت خبيرٌ بأن ذلك مخالف للنصوص النقلية والعقلية، وللعبارة والإشارة، وقال الجبائيُّ والقاضي(٤): المرادُ بالمِلَّة: الشريعةُ، وفيها ما لا يرجع إلى الاعتقاد، ويجوز أن يَتعبَّدَ اللهُ تعالى عبادَه به، ومفعولُ المشيئة العَود إلى ذلك، أي: ليس لنا أن نعود إلى مِلَّتكم إلا أن يشاء الله تعالى عَوْدَنا، بأن يتعبَّدَنا بها، وينقلَنا إليها، وينسخَ ما نحن فيه من الشريعة. وقيل: المرادُ: إلا أن يشاء الله تعالى أن يُمكِّنَكم من إكراهنا ويُخَلِّي بينكم وبينه، فنعود إلى إظهار مِلَّتكم مُكرَهين، وقُوِّيَ بسبق: ((أَوَلو كنّا كارهين)). وقيل: إن الهاء في قوله تعالى: ((فيها)) يعود إلى القرية لا المِلَّة، فيكون المعنى: إنَّا سنخرج من قريتكم ولا نعود فيها إلا أن يشاء الله بما يُنجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم والّفَر بكم، فنعود فيها . وقيل: إنَّ التقدير: إلا أن يشاء الله أن يردّكم إلى الحق، فنكون جميعاً على مَّةٍ واحدة. ولا يخفى أن كلَّ ذلك مما يُضحك الثَّكلى، وبالجملة الآيةُ ظاهرة فيما ذهب إليه أهلُ السنة، وسبحان من سدَّ باب الرُّشد عن المعتزلة. (١) في الأصل و(م): جعفر بن الحارث، وهو خطأ . وجعفر بن حرب: هو أبو الفضل الهمذاني المعتزلي، كان من نُسَّاك القوم، من تصانيفه: كتاب متشابه القرآن، وكتاب الأصول. توفي سنة (٢٣٦هـ). سير أعلام النبلاء ٥٤٩/١٠. وقد نقل قوله هذا الطبرسي في مجمع البيان ١١٨/٩ . (٢) في نسبة هذا القول للزجاج وهم لعل المصنف تابع فيه الشهاب الخفاجي ١٩١/٤، فقد ذكر الزجاج في كتابه معاني القرآن ٣٥٦/٢ قول أهل السنة ونصره، وذكر قول المعتزلة ونقضه بما لا يحتمل التأويل. (٣) البيت في الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا ص٥٩، وروضة العقلاء لابن حبان ص١٥٨، ومجمع البيان ١١٨/٩ . (٤) نقل قوليهما الطبرسي في مجمع البيان ١١٩/٩، والقاضي هو عبد الجبار المعتزلي. ـسُورَةُ الأَغَرَافِ ٢٤٨ الآية : ٩٠ ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ إعراضٌ عن مفاوضتهم إِثْرَ ما ظهر من عتوِّهم وعنادهم، وإقبالٌ على الله تعالى بالدعاء. والفتحُ بمعنى الحكم والقضاء لغةٌ لِحِمْيَر أو لِمُرَاد، والفتّاح عندهم: القاضي، والفُتاحةُ بالضم: الحكومة، وأخرج ابنُ أبي حاتم(١) عن السُّدِّي أنه قال: الفتحُ: القضاء، لغةٌ يمانية. وأخرج البيهقيُّ وجماعةٌ عن ابنِ عباس قال: ما كنتُ أدري ما قوله: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ﴾ حتى سمعتُ ابنةَ ذِي يَزَن، وقد جرى بيني وبينها كلامٌ [تقول]: تعال(٢) أُفاتِحْكَ. تريد: أُقاضيك(٣). و ((بيننا)) منصوبٌ على الظرفية، والتقييدُ بالحقِّ لإظهار النَّصَفة. وجُوِّز أن يكون مجازًا عن البيان والإظهار، وإليه ذهب الزجَّاج (٤)، ومنه فتحُ المشكِل: لبيانه وحَلِّه؛ تشبيهاً له بفتح الباب وإزالةِ الأغلاق حتى يوصَل إلى ما خلفها. و((بيننا)» - على ما قيل - مفعول به بتقدير: ما بيننا . أي: الحاكمين؛ لخلوِّ حكمك عن الجَور والحَيف، ٨٩ ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَيْحِينَ ( أو: المُظهرين؛ لمزيد علمك وسَعَة قدرتك. والجملةُ تذييل مقرِّر لمضمون ما قبله. ﴿وَقَالَ لَمْلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ،﴾ عطفٌ على ((قال الملأ)) إلخ، والمرادُ من هؤلاء الملأ: يحتمِلُ أن يكون أولئك المستكبرين، وتغيير الصِّلة لِمَا أنَّ مناط قولهم السابقِ هو الاستكبار، ويكون هذا حكايةً لإضلالهم بعد حكاية ضلالهم على ما قيل، ويحتمِلُ أن يكون غيرَهم ودونهم في الرتبة، شأنُهم الوساطةُ بينهم وبين العامة، والقيامُ بأمورهم حسبما يراه المستكبرون، أي: قالوا لأهل مِلَّتهم تنفيرًا لهم، وتثبيطاً عن الإيمان بعد أن شاهدوا صلابةَ شعيب عليه السلام ومن معه من المؤمنين فيه، وخافوا أن يفارقوهم: ﴿لَيْنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾، ودخلتُم في ملَّته وفارقتم ملَّةَ آبائكم ﴿إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴾﴾ أي: مغبونون؛ لاستبدالكم الضلالةَ بالهدى، (١) عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ١٠٣/٣. (٢) في (م): فقالت، بدل: تعال. (٣) الأسماء والصفات للبيهقي ١٦٥/١، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٣٢٠/١٠، وابن أبي حاتم ١٥٢٣/٥، وما بين حاصرتين من المصادر. (٤) في معاني القرآن ٣٥٨/٢. الآية : ٩١ ٢٤٩ سُؤَدَّةُ الأَغرافِ ولفوات ما يحصُلُ لكم بالبَخْس والتطفيف، فالخسرانُ على الأول استعارةٌ، وعلى الثاني حقيقة. وإلى تفسير الخاسرين بالمغبونين ذهب ابنُ عباس. وعن عطاء تفسيرُه بالجاهلين، وعن الضَّّاك تفسيره بالعَجَزة(١). و((إذاً)) حرفُ جواب وجزاء معترضٌ - كما قال غير واحدٍ - بين اسم إنَّ وخبرها، وقيل: هي إذا الظرفيةُ الاستقبالية، وحُذِفت الجملة المضاف إليها، وعُوِّض عنها التنوينُ، وردّه أبو حيان(٢) بأنه لم يقله أحدٌ من النحاة. والجملة جوابٌ للقسم الذي وظّأته اللامُ، بدليل عدم الاقتران بالفاء، وسادَّةٌ مسَدَّ جواب الشرط، وليست جواباً لهما معاً كما يُؤْهِمُه كلامُ بعضهم؛ لأنه - كما قيل - مع مخالفته للقواعد النَّحْوية، يلزمُ فيه أن يكون جملة واحدة لها محلٌّ من الإعراب ولا محلَّ لها، وإن جاز باعتبارین. ﴿فَأَخَذَتَّهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي: الزلزلة كما قال الكلبيّ. وفي ((سورة هود)): ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [٩٤] أي: صيحةُ جبريل عليه السلام، ولعلها كانت من مبادي الرجفة، فأُسند إهلاكُهم إلى السبب القريب تارةً، وإلى البعيد أخرى. وقال بعضهم: إن القصةَ غيرُ واحدةٍ؛ فإنَّ شعيبًا عليه السلام بُعِثَ إلى أُمَّتين: أهل مَدْين، وأهل الأيكة، فأُهلكت إحداهما بالرجفة، والأخرى بالصَّيحة. وفيه أنه إنما يتم لو لم يكن هلاكُ أهل مَدْين بالصيحة، والمرويُّ عن قتادة أنهم الذين أُهلكوا بها، وأن أهل الأيكة أُهلكوا بالظُلَّة. وجاء في بعض الآثار أن أهل مَدْين أُهلكوا بالظُّلَّة والرجفة؛ فقد رُوي عن ابن عباس وغيره في هذه الآية أنَّ الله تعالى فتح عليهم باباً من جهنم، فأرسل عليهم حرًّا شديداً فأخذ بأنفاسهم، ولم ينفعهم ظلٌّ ولا ماء، فكانوا يدخلون الأسرابَ فيجدونها أشد حرًّا من الظاهر، فخرجوا إلى البرِّية، فبعث الله تعالى سحابةً فيها (١) في (م): بالفجرة، وهو تحريف، والمثبت موافق لما في تفسير البغوي ٢/ ١٨٢، والبحر المحيط ٤ / ٣٤٥. (٢) في البحر المحيط ٤/ ٣٤٥. سُوَدَّةُ الأَّعْرَافِ ٢٥٠ الآية : ٩٢ ريحٌ طيبة فأظلَّتهم، فوجدوا لها برداً، فنادى بعضُهم بعضاً حتى اجتمعوا تحتها رجالهم وصبياهم، فألهَبَها عليهم ناراً، ورجفت بهم الأرضُ، فاحترقوا كما يحترق الجرادُ المقليُّ، وصاروا رماداً. ويُشْكِل على هلاكهم جميعاً نساءً ورجالاً ما نُقل عن [أبي)](١) عبد الله البَجَليِّ قال: كان أبو جادَ، وهوَّزُ، وحُطِّي، وكَلَمُن، وسَعْفَص، وقُرِشَت، ملوكَ مدين، وكان مَلِكُهم في زمن شعيب عليه السلام كَلَمُن، فلما هلك يومَ الظُّلة رثته ابنته (٢) بقولها: هُلْكُهُ وَسْطَ المَحَلَّهْ كَلَمُنْ قد هَذَّ رُكْني حَتْفُ ناراً تحت ظُلَّهْ سيِّدُ القوم أتاه الـ دارُهُم كالمُضْمَحِلَّهْ جُعِلَتْ نارًا عليهم اللهمَّ إلا أن يقال: إنها كانت مؤمنةً فنجتَ، وقد يقال: إن هذا الخبرَ مما ليس له سندٌ یعوَّل علیه. تقدَّم نظیرُه. ﴿فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَثِينَ ﴾﴾ ﴿اَلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا﴾ استئنافٌ لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم: «لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا))، والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّ يَغْنَوَا فِيَأْ﴾ أي: لم يقيموا في دارهم، وقال قتادة: المعنى: كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، وذكر غيرُ واحدٍ أنه يقال: غَنِيَ بالمكان يَغْنَى غِنّى غُنياناً: إذا أقام به دهراً طويلاً، وقيَّده بعضُهم بالإقامة في عيش رغد. وقال ابنُ الأنباريِّ(٣) كغيره: إنه من الغِنَى ضدِّ الفقر كما في قول حاتم: فكلَّ سقاناه بكأسِهِما الذَّهر غَنِينا زماناً بالتَّصَعْلُكِ والغِنَى غِنانا ولا أزرى بأحسابِنا الفقرُ(٤) فما زادنا بغياً على ذي قرابةٍ (١) ما بين حاصرتين من تفسير الطبري ٣٢٤/١٠، وتفسير البغوي ١٨٢/٢. (٢) في تفسير الطبري ١٠/ ٣٢٤ أن الأبيات لأخت كلمن، وما في تفسير البغوي ١٨٢/٢، والبحر المحيط ٣٤٦/٤ موافق لما ذكره المصنف. (٣) نقله عنه بواسطة الشهاب الخفاجي ٤/ ١٩٢. (٤) البيتان في الديوان ص٥١، غير أن البيت الأول جاء صدره لبيت، وعجزه لآخر، وهما في الأغاني ٣٨٦/١٧ بمثل رواية المصنف. الآية : ٩٢ ٢٥١ سُورَّةُ الَّغَافِ وعلى هذا تفسير قتادة، وردّ الراغب غَنِيَ بمعنى أقام إلى هذا المعنى، فقال: غَنِيَ بالمكان: طال مقامه فيه مستغنيًا به عن غيره(١). وقولُ بعضهم في بيان الآية: إنهم استؤصلوا بالمرة، بيانٌ لحاصل المعنى. وفي بناء الخبر على الموصول إيماءٌ إلى أن علةَ الحكم هي الصِّلة، فكأنه قيل : الذين كذَّبوا شعيباً هلكوا - لتكذيبهم إياه - هلاكَ الأبد ويُشعر ذلك هنا بأن مصدِّقيه عليه السلام نجوا نجاةَ الأبد، وهذا مرادُ من قال بالاختصاص في الآية، وقيل: إنه مبنيٌّ على أن مثل هذا التركيب كما يفيد التقوِّيَ قد يفيد الاختصاص، نحو: ﴿اللَّهُ يَبَسُطُ اَلْرِّزْقَ﴾ [الرعد: ٢٦] والقرينةُ عليه هنا أنه سبحانه ذكر فيما سبق المؤمنين والكافرين، ولم يذكر هنا إلا هلاكَ المكذِّبين، ويرجع حاصل المعنى بالآخرة إلى أنهم ◌ُوقبوا بتوعُّدهم السابق بالإخراج، وصاروا هم المخرجين من القرية إخراجًا لا دخول بعده دون شعیب علیه السلام ومن معه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ استئنافٌ آخر لبیان ٩٢ ابتلائهم بعقوبة قولهم الأخير، واستفادةُ الحصر هنا أوضحُ من استفادته فيما تقدَّم، أي: الذين كذَّبوه عليه السلام عُوقبوا بقولهم: (لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذًا الخاسرون))، فصاروا هم الخاسرين للدنيا والدِّين؛ لتكذيبهم، لا المتَّبعون له عليه السلام، المصدِّقون إياه عليه السلام، وبهذا القصر اكتُفي عن التصريح بالإنجاء، كما وقع في سورة هود من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَتْنَا شُعَيْبًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ إلخ [الآية: ٩٤]. وفي ((الكشاف)): أن في هذا الاستئناف، وتكرير الموصول والصلة، مبالغةٌ في ردِّ مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيةٌ لرأيهم، واستهزاءٌ بنصحهم لقومهم(٢)، واستعظامٌ لما جرى عليهم(٣). وأنتَ تعلم أن في استفادة ذلك كله من نفس هذه الآية خفاءٌ، والظاهرُ أن مجموع الاستئنافین مُؤْذِنٌ به. (١) مفردات ألفاظ القرآن (غني). (٢) في (م): بقومهم. (٣) الكشاف ٢/ ٩٧. سُورَةُ الأَغْرَافِ ٢٥٢ الآية : ٩٢ وبيَّن الطِّيبيُّ ذلك بأنه تعالى لما رتَّب العقاب بأَخْذ الرَّجفة وتَرْكِهم هامدين لا حَرَاك بهم على التكذيب والعناد، اتَّجه لسائلٍ أن يسأل: إلى ماذا صار مآل أمرهم بعد الجُثوم؟ فقيل: ((الذين كذبوا شعيبًا كأن لم يغنوا فيها)) أي: إنهم استُؤْصلوا، وتلاشت جسومهم كأَنْ لم يقيموا فيها، ثم سأل: أَخُصِّص الدمار بهم أم تعدَّى إلى غيرهم؟ فقيل: ((الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين)) أي: اختصَّ بهم الدمار، فُجُعِلت الصلةُ الأولى ذريعةً إلى تحقيق الخبر، كقوله(١): إنَّ التي ضربَتْ بيتًا مهاجِرَةٌ بكوفةِ الجُند غالَتْ وُدَّها غُوْلُ وكذلك بُولغ في الإخبار عن دمار القوم، وجِيءَ بتَقَوِّي الحكم والتخصيص، وجُعلت الصِّلةُ الثانية علةً لوجود الخبر، وجاء تسفيهُ الرَّأي من الردِّ عليهم بعين ما تلقَّظوا به في نُصْح قومِهم، والاستهزاءُ من الإشارة إلى أنَّ ما جعلوه نصيحةً صار فضيحةً، وانعكس الحال الذي زعموه. ويُستفاد عِظَمُ الخسران من تعريف الخبر بلام الجنس، وأما استعظامُ ما جرى فمن قوله سبحانه: (كأن لم)) إلخ، وكذا من مجموع الكلام. ولا يخفى أنَّ القول بالاستئناف البيانيِّ في الجملتين، وجَعْلَ الصِّلة الأولى ذريعةً إلى تحقيق الخبر، ليس بشيء، وقد ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ هذا الاستئناف من غير عطفٍ جارٍ على عادة العرب في مثل هذا المقام؛ فإنَّ عادتَهم الاستئنافُ كذلك في الذمِّ والتوبيخ، فيقولون: أخوكَ الذي نَهَبَ مالَنا، أخوكَ الذي هتكَ سِتْرنا، أخوكَ الذي ظلَمنا . وجوَّزَ أبو البقاء(٢) أن يكون الموصول الثاني بدلاً من الضمير في ((يَغْنَوا))، وأن يكون في محلِّ نصبٍ بإضمار أعني، وأن يكون الأول مبتدأ، والخبرُ ((الذين كذبوا شعيبًا كانوا))، و((كأَن لم يغنوا)) حالٌ من الضمير في ((كذَّبوا)»، وأن يكون الأولُ صفةً لـ: ((الذين كفروا))، أو بدلاً منه، وعلى الوجهين يكون ((كأن لم)) إلخ حالاً. وما اخترناه هو الأولى كما هو ظاهر، فليُتَدَبَّر. (١) هو عبدة بن الطبيب، وقد سلف البيت ٣١٧/٤. (٢) في إملاء ما منَّ به الرحمن على هامش الفتوحات الإلهية ٤١/٣-٤٢ . الآية : ٩٣ ٢٥٣ سُورَةُ الَّغْرَافِ وقوله سبحانه: ﴿فَنَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ تقدَّم الكلامُ على نظيره، بَيْد أنَّ هذا القولَ يحتملُ أن يكون تأنيباً وتوبيخاً لهم. وقوله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْرٍ كَفِرِينَ ﴾﴾ إنكارٌ لمضمونه، أي: لقد أَعذرتُ إليكم في الإبلاغ والنَّصيحة، والتَّحذير ممَّا حلَّ بكم، فلم تسمعوا قولي، ولم تصدِّقوني، ((فكيف آسى)أي: لا آسى عليكم؛ لأنَّكم لستُم أحقّاء بالأسى: وهو الحزن، كما في ((الصحاح)) و((القاموس)) (١)، أو شدَّةُ الحزن، كما في ((الكشاف)) و((مجمع البيان))(٢). ويحتمِلُ أن يكون تأسُّفاً بهم؛ لشدة حُزْنه عليهم، وقوله سبحانه: ((فكيف)) إلخ إنكارٌ على نفسه لذلك، وفيه تجريدٌ والتفاتٌ على ما قيل؛ حيث جرَّدَ عليه السلام من نفسه شخصاً، وأنكر عليه حزنَه على قوم لا يستحقُّونه، والتفَتَ عن الخطاب إلى التكلُّم. وذكر بعضُ المحقّقينِ أنَّ الظاهر أنه ليس من الالتفات والتجريد في شيء؛ فإنَّ ((قال)) يقتضي صيغة التكلَّم، وهي تنافي التجريد، وإنما هو نوعٌ من البديع يُسمَّى الرجوعَ - وهو العَودُ على الكلام السابق بالنَّقض - لأنه إذا كان ((قد أبلغتُكم)) تأسُّفاً ينافي ما بعدَه، فكأنه بدا له، ورجع عن التأشُف مُنْكِراً لفعله الأول، وقد جاء ذلك كثيراً في كلامهم، ومن ذلك قول زهير: بَلَى وغَيَّرها الأرواحُ والدِّيَمُ(٤) قِفْ بالدِّيار التي لم يَعْفُها(٣) القِدَمُ والنكتةُ فيه(٥) الإشعارُ بالتّوَلُّه والذُّهول من شدّة الحيرة؛ لعظم الأمر، بحيث لا يُفرِّقُ بين ما هو كالمتناقض من الكلام وغيره. (١) الصحاح والقاموس (أسى). (٢) الكشاف ٩٧/٢، ومجمع البيان ٩/ ١٢٠ . (٣) في الأصل و(م): تعفها، وهو تصحيف. (٤) البيت في ديوانه بشرح أبي العباس ثعلب ص١٤٥. والأرواح: جمع ريح، والديم: جمع ديمة: وهي مطر يدوم مع سكون يومًا أو يومين. (٥) الضمير عائد إلى الرجوع الذي هو نوع من أنواع البديع. انظر حاشية الشهاب ٤/ ١٩٣. سُوَدَّةُ الَّغَرَافِ ٢٥٤ الآية : ٩٣ وابن حجَّة لا يُفرِّق بين هذا النوع ونوع السَّلب والإيجاب(١)، وكأنَّ منشأ ذلك اعتمادُه في النوع الأخير على تعريف أبي هلال العسكريِّ له(٢)، ولو اعتمد على تعريف إمام الصِّناعة ابنِ أبي الإصبع(٣) لما اشتَبَه عليه الفرقُ. وعلى الاحتمالين؛ في قوله سبحانه: ((على قوم)) إلخ إقامةُ الظاهر مقامَ الضمير؛ للإشعار بعدم استحقاقهم التأسُّفَ عليهم؛ لكفرهم. وقرأ يحيى بنُ وثَّاب: ((فكيف إيسَى)) (٤) بكسر الهمزة وقلب الألف ياءً، على لغة من يكسرُ حرفَ المضارعة، كقوله: فَعِيدَكِ أَنْ لا تُسْمِعيني مَلامةً ولا تَنْكَئي جُرحَ الفؤاد فَبِيْجَعَا (٥) وإمالةِ الألف الثانية. هذا ثم إنَّ شعيبًا عليه السلام بعد هلاك من أُرسل إليهم نزل مع المؤمنين به بمكة حتى ماتوا هناك، وقبورُهم - على ما رُوي عن وهب بن مُنَبِّه - في غربيٍّ الكعبة بين دار النَّدوة وباب بني سهم. (١) انظر كلام ابن حجة عن الرجوع في خزانة الأدب ص ٦٥، وقد سماه: الاستدراك، وانظر كلامه عن السلب والإيجاب في الكتاب نفسه ص٣٦١، وقارنه بتعريف العسكري وابن أبي الإصبع. (٢) عرف العسكري السلب والإيجاب في كتاب الصناعتين ص٤٢١ بقوله: هو أن تبني الكلام على نفي الشيء من جهة، وإثباته من جهة أخرى، أو الأمر به في جهة، والنهي عنه في جهة، وما يجري مجرى ذلك. (٣) عرف ابن أبي الإصبع السلب والإيجاب في كتابه بديع القرآن ص١١٦ بمثل ما عرفه به أبو هلال العسكري، ولكنه عرفه في تحرير التحبير - فيما نقله عنه ابن حجة في الخزانة ص٣٦١ - بقوله: هو أن يقصد المادح أن يفرد ممدوحه بصفة مدح لا يشركه فيها غيره، فینفیها في أول كلامه عن جميع الناس، ويثبتها لممدوحه بعد ذلك. (٤) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٤٥، والكشاف ٢/ ٩٧. (٥) البيت لمتمم بن نويرة، وهو في المفضليات ص٢٦٩. وقوله: قعيدك: كقولهم: نَشَدْتُكِ، وأصله الحافظ، ويقال: قعيدكَ اللهَ، أي: أُذكِّركَ اللهَ الحافظَ لك. وقوله: لا تنكئي، من قولهم: نكأتُ القرحة: إذا قشرتها. وقوله: فييجعا: هي لغة بني تميم، يقولون: وجِعَ بِيجع، ووَجِل يجل، وقد وصفها ابن الأنباري في شرحه على المفضليات ٢/ ٨٠ بقوله: وهي شر اللغات. ثم بين علة رداءتها. وانظر شرح التبريزي على المفضليات ١١٨٤/٣ . الآية : ٩٤ ٢٥٥ سُوَدَّةُ الَّغَرَافِ وأخرج ابنُ عساكر عن ابن عباس ظًا أنه قال: في المسجد الحرام قبران، ليس فيه غيرُهما: قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما السلام، أما قبر إسماعيل ففي الحِجْر، وأما قبر شعيب فمقابل الحجر الأسود(١). ورَوَى عنه أيضًا أنه عليه السلام كان يقرأ الكتبَ التي أنزلها الله(٢) على إبراهيم عليه السلام(٣). ومن الغريب ما نقل الشِّهاب أن شعيبًا اثنان، وأنَّ صهرَ موسى عليهما الصلاة والسلام من قبيلةٍ من العرب تُسمَّى عَنَزَة. وعَنَزَة: ابنُ أسد بن ربيعة بن نزار بن مَعَدٍّ بن عدنان، وبينَه وبين من تقدَّم دهرٌ طويل(٤)، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ﴾ إشارةٌ إجماليةٌ إلى بيان أحوال سائر الأمم المذكورة تفصيلاً، وفيه تخويفٌ لقريش وتحذيرٌ، و((من)) سيفُ خطيبٍ جيء بها لتأكيد النفي، وفي الكلام حذفُ صفةِ ((نبي))، أي: كُذِّبَ، أو: كَذَّبَه أهلُها. ﴿إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال، و((أخذنا)) في موضع نصبٍ على الحال من فاعل ((أرسلنا))، وفي الرَّضيِّ(٥) أن الماضي الواقع حالاً إذا كان بعد («إلَّا)) فاكتفاؤه بالضمير من دون الواو، وقد كَثُر نحو: ما لقيتُه إلا أكرمني؛ لأنَّ دخول إلا في الأغلب الأكثر على الاسم، فهو بتأويل: إلا مُكْرمًا لي، فصار كالمضارع المثبَت، وما في هذه الآية من هذا القَبِيل، وقد يجيءُ مع الواو و((قد))، نحو: ما لقيتُه إلا وقد أكرمني، ومع الواو وحدَها نحو: ما لقيتُه إلا أكرمني؛ لأنَّ الواو مع ((إلَّا)) تدخل في خبر المبتدأ، فكيف بالحال، ولم يُسمَعْ فيه ((قد)) من دون الواو، وقال المُراديُّ في ((شرح الألفيَّة)): إن الحال المصدَّرةَ بالماضي المثبَتِ إذا كان تاليًا لـ ((إلَّا))، يلزَمُها الضمير والخُلُّ من الواو، ويمتنعُ دخول ((قد))، وقوله(٦): (١) تاريخ مدينة دمشق ٧٩/٢٣. (٢) في (م): التي كان الله تعالى أنزلها. (٣) تاريخ مدينة دمشق ٧٨/٢٣. (٤) حاشية الشهاب ٤/ ١٩٣. (٥) شرح الرضي على الكافية ٤٦/٢ . (٦) هو قيس بن الخطيم، والبيت في ديوانه ص٤٩. سُوْدَةُ الأَّغَرَافِ ٢٥٦ الآية : ٩٥ متى يأتِ هذا الموتُ لم تُلْفَ حاجةٌ لنفسي إلَّا قد قضيتُ قضاءها نادرٌ، وقد نصَّ على ذلك الأشمونيُّ(١) وغيرُه أيضاً، والظاهر أنَّ امتناعَ ((قد)) بعد ((إلا)) - فيما ذُكِر - إذا كان الماضي حالاً، لا مطلقاً، وإلا فقد ذكر الشهابُ(٢) أن الفعلَ الماضي لا يقعُ بعد ((إلا)) إلا بأحد شرطين: إما تقدُّم فعلٍ كما هنا، وإما مع ((قد))، نحو: ما زيدٌ إلا قد قام، ولا يجوز: ما زيدٌ إلا ضَرَب. ويُعلم ممَّا ذكرنا أن ما وقع في غالب نسخ ((تفسير)) مولانا شيخ الإسلام من أنَّ الفعل الماضي لا يقعُ بعد ((إلا)) إلا بأحد شرطين: إما تقدير ((قد)) كما في هذه الآية، أو مقارَنةِ ((قد)) كما في قولك: ما زيدٌ إلا قد قام(٣)، ليس على ما ينبغي، بل هو غلطٌ ظاهر كما لا يخفى. والمعنى فيما نحن فيه: وما أرسلنا في قريةٍ من القُرى المهلَكَة نبيًّا من الأنبياء - عليهم السلام - في حالٍ من الأحوال إلا حالَ كوننا آخذين أهلَها ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ أي: بالبُؤْس والفقر ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ بالضُّرِّ والمرض، وبذلك فسَّرهما ابنُ مسعود، وهو معنى قول من قال: ((البأساءُ)) في المال، و((الضراء)) في النفس، وليس المرادُ أن ابتداءً الإرسال مقارِنٌ للأخذ المذكور، بل إنه مستبعٌ له غيرُ منفَكٌّ عنه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾﴾ أي: كي يتضرَّعوا ويخضعوا، ويتوبوا من ذنوبهم، وينقادوا لأمر الله تعالى. ﴿ثُمَّ بَذَّلْنَا﴾ عطفٌ على ((أخذنا))، داخلٌ في حكمه. ﴿مَكَانَ السَّيِئَةِ﴾ التي أصابتهم؛ لما تقدَّم ﴿الْحَسَنَةَ﴾ وهي السَّعةُ والسلامة. ونُصب ((مكانَ)) - كما قيل - على الَّرفية، و((بَدَّل)) متضمِّنٌ معنى أعطى الناصبِ لمفعولين، وهما هنا: الضميرُ المحذوف و((الحسنة))، أي: أعطيناهم الحسنةَ في مكان السيئة، ومعنى كونها في مكانها أنها بدلٌ منها . وقال بعضُ المحقّقين: الأظهرُ أن ((مكانَ)) مفعولٌ به لـ ((بدَّلنا)) لا ظرفٌ، (١) شرح الأشموني على ألفية ابن مالك المطبوع مع حاشية الصبان ١٦٩/٢ . (٢) في الحاشية ٤/ ١٩٣. (٣) تفسير أبي السعود ٢٥٢/٣. الآية : ٩٥ ٢٥٧ سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ والمعنى: بدَّلنا مكانَ الحال السيئةِ الحالَ الحسنةَ، فالحسنةُ هي المأخوذة الحاصلةُ في مكان السيئة المتروكةِ، والمتروك هو الذي تصحَبُه الباءُ في نحو: بدَّلتُ زيدًا بعمرٍو. ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ أي: كَثُروا ونَمَوا في أنفسهم وأموالهم، وبذلك فسَّره ابن عباس وغيرُه، من: عفا النباتُ، وعفا الشَّحم والوَبَر: إذا كثُرت، ومنه قولُهُ وَِّ: ((أَحْفُوا الشوارب وأَعْفُوا اللِّحى))(١)، وقولُ الخُطَيئة: بمُستأسِدِ القُرْيانِ عافٍ نباتُه تُساقِطني والرَّحْلَ من صوتٍ هدهد (٢) وقوله : ولكنا نُعِضُّ السيفَ منها بأَسْوُقِ عافياتِ الشَّحم كُوْم(٣) وتفسيرُ أبي مسلم(٤) له بالإعراض عن الشكر ليس بيانًا للمعنى اللغويِّ، كما لا يخفى. ((وحتى)) هذه الداخلةُ على الماضي ابتدائيةٌ لا غائيةٌ عند الجمهور، ولا محلَّ للجملة بعدَها، كما نقل ذلك الجلالُ السُّيوطي في ((شرح جمع الجوامع)) له عن بعض مشايخه، وأما زعمُ ابن مالك أنها جارَّةٌ غائية، وأَنْ مضمرةٌ بعدها على تأويل المصدر، فغلَّطَه فيه أبو حيان وتبعَه ابنُ هشام، فقال: لا أعرفُ له في ذلك سلفًا، (١) أخرجه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩) (٥٢) من حديث عبد الله بن عمر. (٢) ساقه المصنف مساق البيت الواحد، فقوله: بمستأسد القريان ... هو صدر بيت عجزه: فَتُؤَّاره ميل إلى الشمس زاهره وقوله: بمستأسد: استأسد النبت: إذا طال وأتم. والقريان: مجاري الماء إلى الرياض، واحدها : قَرِيٌّ. ديوان الحطيئة بشرح ابن السكيت ص ١٨٠ . وقوله: تساقطني ... عجز بيت صدره: وكادت على الأطواء أطواءٍ ضارجٍ وقوله: تساقطني، أي: تسقطني. ديوانه ص١٥٥ . (٣) البيت للبيد، وهو في ديوانه بشرح الطوسي ص ١٠٥ . وقوله: عافيات الشحم، أي: كثيراته، وأعضَّه السيفَ: إذا ضربه به، وكوم: عظام الأسنمة. (٤) هو الأصفهاني، وقوله في مجمع البيان ٩/ ١٢٣. سُورَةُ الأَّغَرَافِ ٢٥٨ الآية : ٩٥ وفيه تكلُّفُ إضمارٍ من غير ضرورة(١). ولا يُشكِلُ عليه، ولا على من يقول: إن معنى الغاية لازمٌ لحتى ولو كانت ابتدائية = أنَّ الماضي لمضيِّه لا يصلحُ أن يكون غايةً لما قبلُ؛ لتأخّرِ الغاية عن ذي الغاية؛ لأن الفعلَ وإن كان ماضيًا، لكنه بالنسبة إلى ما صار غايةً له مستقبَلٌ، فافهم. ﴿وَقَالُوا﴾ غير واقفين على أنَّ ما أصابهم من الأمرين ابتلاءٌ منه سبحانه: ﴿قَدْ مَشَ ءَابََّنَا﴾ كما مسَّنا ﴿الضَّرَّةُ وَالسَّرَّةُ﴾ وما ذلك إلا من عادة الدَّهر، يعاقِبُ في الناس بين الضَّرَّاء والسَّرَّاء، ويُداولهما بينهم، من غير أن يكون هناك داعيةٌ إليهما، أو تبعةٌ تترتَّبُ عليهما، وليس هذا كقول القائل : فكلُّ امرئ لا بدَّ يلقى الثمانيه ثمانيةٌ عمَّت بأسبابها الورى وعُسْر ويُسْر ثم سُقْم وعافيةْ(٢) سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ كما لا يخفى. ولعلَّ تأخيرَ ((السَّرَّاء)» للإشعار بأنها تعقُبُ الضرَّاء، فلا ضيرَ فيها . ﴿فَخَذْنَهُمْ﴾ عطفٌ على مجموع ((عَفَوا وقالوا)) أو على ((قالوا))؛ لأنه المسبّب عنه، أي: فأخذناهم إِثْرَ ذلك ﴿بَغْنَةً﴾ أي: فجأةً. بشيءٍ من ذلك، ولا يُخطرون ببالهم شيئًا من المكاره. ٩٥ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ والجملةُ حالٌ مؤكّدةٌ لمعنى البغتة، وهذا أشدُّ أنواع الأخذ، كما قيل : وأنكأُ شيءٍ يَفْجَوْكَ البَغْتُ(٣) وقيل: المرادُ بعدم الشعور: عدمُ تصديقهم بإخبار الرسل عليهم السلام بذلك، لا خُلُقُّ أذهانهم عنه ولا عن وقته؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى (١) مغني اللبيب ص١٧٤ . (٢) البيتان للحسين بن عبد الرحيم الكلابي المعروف بابن أبي الزلازل، وهما في معجم الأدباء ١٠/ ١٢٠، والمحاضرات في الأدب لليوسي ١/ ٩٣ باختلاف ألفاظ البيت الأول. (٣) عجز بيت ليزيد بن ضَبَّةَ الثقفي، كما في اللسان (بغت)، وغريب الحديث للحربي ٦١٥/٢، وهو دون نسبة في جمهرة اللغة ٢٥٥/١، وتهذيب اللغة ٩٨/٨، وتمامه: ولكنهم بانوا ولم أَذْرِ بغتةً وأنكأُ شيءٍ حين يَفْجؤك البغتُ الآية : ٩٦ ٢٥٩ سُوَّةُ الْأَّغرافِ يُظَلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]. ولا يخفى ما فيه من الغفلة عن معنى الغفلة وعن محلِّ الجملة. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىِ﴾ أي: القرى المهلَكَة المدلول عليها بقوله سبحانه: ((في قرية))، فاللامُ للعهد الذِّكريِّ، والقريةُ وإن كانت مفردةً لكنها في سياق النفي، فتُساوي الجمعَ. وجُوِّز أن تكون اللامُ للعهد الخارجيِّ إشارةً إلى مكة وما حولها. وتُعقّب ذلك بأنه غيرُ ظاهرٍ من السياق، ووُجِّه بأنه تعالى لما أخبر عن القرى الهالكة بتكذيب الرسل، وأنهم لو آمنوا سَلِموا وغَنِموا، انتقل إلى إنذار أهل مكةً وما حولها مما وقَعَ بالأمم والقرى السابقة. وجوَّز في ((الكشاف)) أن تكون للجنس (١)، والظاهر أن المرادَ حينئذٍ ما يتناول القرى المرسَلَ إلى أهلها من المذكورة وغيرها، لا ما يتناولُ(٢) قرَى أُرسل إليها نبيٌّ وأخذ أهلها بما أخذ وغيرها كما قيل؛ لإباء ظاهر ما في حيِّز الاستدراك (٣) الآتي(٣) عنه. ﴿ءَامَنُواْ﴾ أي: بما أُنزل على أنبيائهم ﴿وَأَنَّقَواْ﴾ أي: ما حرَّم الله تعالى عليهم، كما قال قتادة، ويدخل في ذلك ما أرادوه من كلمتهم السابقة. ﴿لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ليسَّرنا عليهم الخيرَ من كلِّ جانب، وقيل: المراد بالبركات السماوية المطرُ، وبالبركات الأرضية النباتُ، وأيَّاما كان ففي ((فتحنا)) استعارةٌ تَبَعيةٌ، ووجهُ الشَّبَه بين المستعار منه والمستعار له الذي أشرنا إليه سهولةُ التناول، ويجوز أن يكون هناك مجازٌ مرسلٌ، والعلاقةُ اللُّزوم، ويمكن أن يتكَلَّفَ لتحصيل الاستعارة التمثيلية. وفي الآية - على ما قيل - إشكالٌ: وهو أنه يفهم بحسب الظاهر منها أنه لم (١) الكشاف ٢/ ٩٨. (٢) في (م): لا ما لا يتناول، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. ينظر حاشية الشهاب ٤/ ١٩٥ . (٣) وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وإرادة وقوع التكذيب والأخذ في القرى التي لم يرسل إليها نبيٌّ بعيدة. ينظر حاشية الشهاب ٤/ ١٩٥ . سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ ٢٦٠ الآية : ٩٦ يفتح عليهم بركات من السماء والأرض، وفي سورة الأنعام: ﴿فَلَمَا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الآية: ٤٤]، وهو يدلُّ على أنه فتح عليهم بركات من السماء والأرض، وهو معنى قوله سبحانه: ﴿أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ لأنَّ المراد منها الخِصْب والرخاءُ، والصحة والعافية؛ لمقابلة ﴿فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرّةِ﴾ [الأنعام: ٤٢]، وحَمْلُ فتح البركات على إدامته أو زيادته عُدولٌ عن الظاهر، وغيرُ ملائم لتفسيرهم الفتحَ بتيسير الخير، ولا المطرِ والنبات. وأجاب عنه الخياليُّ بأنه ينبغي أن يُراد بالبركات غيرُ الحسنة، أو يُراد: آمنوا من أول الأمر، فنجَوا من البأساء والضَّرَّاء، كما هو الظاهر، والمراد في سورة الأنعام بالفتح ما أُريد بالحسنة هاهنا، فلا يُتَوَّم الإشكال. انتهى. وأنت خبيرٌ بأنَّ إرادة: آمنوا من أول الأمر إلى آخره، غيرُ ظاهرة، بل الظاهر أنهم لو أنهم آمنوا بعد أن ابتُلُوا ليسَّرنا عليهم ما يسَّرنا مكان ما أصابهم من فنون العقوبات التي بعضُها من السماء كإمطار الحجارة، وبعضُها من الأرض كالرَّجفة، وبهذا ينحلُّ الإشكال؛ لأن آيةَ ((الأنعام)) لا تدلُّ على أنه فتح لهم هذا الفتح كما هو ظاهرٌ لتاليها، وما ذُكر من أنَّ المراد بالفتح هناك ما أُريد بالحسنة هاهنا، إن كان المراد به أنَّ الفتح هناك واقعٌ موقعَ إعطاء الحسنة بدل السيئة هنا، حيث كان ذِكْر كلٍّ منهما بعد ذِكْر الأَخْذ بالبأساء والضَّرَّاء، وبعدَه الأخذُ بغتةً، فربما يكون له وجهٌ، لكنه وحدَه لا يُجدي نفعًا، وإن كان المرادُ به أن مدلولَ ذلك العامِّ المرادِ به التکثیرُ هو مدلولُ الحسنة، فلا يخفى ما فيه، فتدبّر. وقيل: المراد بالبركات السماويَّة والأرضيَّة: الأشياءُ التي تُحمَد عواقبها، ويسعَدُ في الدارين صاحبُها، وقد جاءت البركةُ بمعنى السعادة في كلامهم، فلْتحمَل هنا على الكامل من ذلك الجنس، ولا يُفتح ذلك إلا للمؤمن، بخلاف نحو المطر والنبات، والصحة والعافية، فإنه يُفتح له وللكافر أيضاً استدراجاً ومكراً، ويتعيَّنُ هذا الحمل - على ما قيل - إذا أُريد من ((القرى)) ما يتناول قرّى أُرسل إليها نبيٌّ وأخذ أهلها بما أخذ وغيرَها . وقيل: البركات السماويَّة إجابةُ الدعاء، والأرضيّة قضاءُ الحوائج، فلْيُفهم.