Indexed OCR Text

Pages 221-240

الآية : ٨٢
٢٢١
سُورَةُ الأَشْرَافِ
والقصدُ منه نفي الجواب على أبلغ وجه، لأنَّ ما ذكر في حيِّز الاستثناء
لا تعلُّق له بكلامه عليه السلام من إنكار الفاحشة وتعظيم أمرها، ووسمِهم
بما هو أصلُ الشرِّ كلِّه. ولو قيل: وقالوا أخرجوهم، لم يكن بهذه المثابة من
الإفادة .
· تعليلٌ للأمر بالإخراج. ومقصودُ
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ ﴾﴾
الأشقياء بهذا الوصف السخريةُ بلوطٍ ومن معه، وبتطهُّرهم من الفواحش،
وتباعُدهم عنها، وتنزُّههم عما في المحاش، والافتخار بما كانوا فيه من القذارة،
كما يقولُ الشُّظَار من الفسقة لبعض الصُّلحَاء إذا وعظهم: أخرجوا عنَّا هذا
المتقشِّفَ، وأريحونا من هذا المتزهِّد.
وقُرِئ برفع ((جواب))(١) على أنَّه اسمُ كان، و((إلّا أن قالوا)) إلخ خبر، قيل:
وهو أظهر، وإن كان الأوَّل أقوى في الصناعة، لأنَّ الأعرفَ أحقُّ بالاسمية. وقد
تقدَّم ما ينفعُك هنا فتذكَّر.
وأيّما كان فليس المراد أنَّهم لم يصدر عنهم في مقابلة كلام لوط عليه السلام
ومواعظه إلَّا هذه المقالةُ الباطلة، كما ينساق إلى الذهن، بل أنَّه لم يصدر عنهم في
المرَّة الأخيرة من مرَّات المحاورات الجارية بينه عليه السلام وبينهم إلَّ هذه الكلمة
الشنيعة، وإلا فقد صدر عنهم قبل ذلك كثيرٌ من التُّرَّهات كما حُكي عنهم في غير
موضع من الكتاب الكريم، وكذا يقال في نظائره.
قيل: وإنَّما جيء بالواو في: ((وما كان)) إلخ دون الفاء كما في ((النمل))
و((العنكبوت))؛ لوقوع الاسم قبلُ هنا، والفعل هناك، والتعقيب بالفعل بعد الفعل
حسنٌّ، دون التعقيب به بعد الاسم. وفيه تأمُّل.
ولعلَّ ذكر ((أخرجوهم)) هنا، و﴿أَخْرِجُوَاْ ءَالَ لُوطٍ﴾ في ((النمل)) [الآية: ٥٦] إشارةٌ
إلى أنَّهم قالوا مرَّةً هذا وأخرى ذاك، أو أنَّ بعضاً قال كذا، وآخر قال كذا .
وقال النيسابوريُّ: إنما جاء في ((النمل)): ﴿أَخْرِجُواْ ءَالَ لُوطٍ﴾ ليكون تفسيراً لهذه
(١) هي قراءة الحسن كما في البحر المحيط ٣٣٤/٤.

سُورَةُ الَّغَافِ
٢٢٢
الآية : ٨٣
الكناية. وقيل: إنَّ تلك السورة نزلت قبل الأعراف، وقد صرَّح في الأولى وكنى
في الثانية. اهـ (١). ولعلَّ ما ذكرناه أولى، فتأمَّل.
﴿فَنَّنَهُ وَأَهْلَهُ:﴾ أي: من اختصَّ به واتَّبعه من المؤمنين، سواءٌ كانوا من ذوي
قرابته عليه السلام أم لا؟ وقيل: ابنتاه ريثا ويغوثا(٢).
وللأهل معانٍ، ولكلِّ مقام مقال، وهو عند الإمام الأعظم رَظ ◌ُّه في باب
الوصية: الزوجةُ؛ للعرف، ولقوله سبحانه: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ آمْكُثُواْ﴾ [طه: ١٠]، ﴿وَسَارَ
بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] فتُدْفَعُ الوصية لها إنْ كانت كتابيَّةً أو مسلمةً وأجازتِ الورثة.
وعند الإمامين أهلُ الرجل كلٌّ من في عياله ونفقته غير مماليكه وورثته.
وقولهما - كما في ((شرح التكملة))(٣) - استحسانٌ، وأيَّده ابن الكمال بهذه
الآية؛ لأنَّه لا يصحُّ فيها أنْ يكون بمعنى الزوجة أصلاً؛ لقوله سبحانه: ﴿إِلَّا
أَمْرَأَتَهُ﴾ فإنه استثناءٌ من ((أهله))، وحينئذٍ لا يصحُّ الاستثناء، وأنت تعلم أنَّ الكلامَ
في المطلق على القرينة، لا في الأهل مطلقاً .
واسمُ امرأته عليه السلام: واهلة، وقيل: والهة.
﴿ كَانَتْ مِنَ الْغَرِينَ ﴾﴾ أي: بعضاً منهم، فالتذكير للتغليب ولبيان
استحقاقها لما يستحقُّه المباشرون للفاحشة، وكانت تُسِرُّ الكفر وتوالي أهله،
فهلكت كما هلكوا. وجُوِّزَ أن يكون المعنى: كانت مع القوم الغابرين، فلا تغليب.
والغابرُ بمعنی الباقي، ومنه قول الهذليّ :
فَغبَرتُ بَعدهُمُ بعيشٍ ناصب(٤)
(١) غرائب القرآن ٨/ ١٧٢.
(٢) في تاريخ الطبري ٢٩٩/٢: ريثا ورعزيا. وفي البداية والنهاية ٤١٦/١: أريثا ودغوثا.
(٣) قال حاجي خليفة في كشف الظنون ١٦٣٣/٢: وجمع حسام الدين الرازي صاحب
الخلاصة ما شذ من نظم مختصر القدوري من المسائل المنثورة في المختصرات، كالجامع
الصغير ومختصر الطحاوي والإرشاد وموجز الفرغاني في مجلد سماه تكملة القدوري، ورتبه
على ترتيب كتابه وأبوابه من غير تكرار مسألة إلا ما صعب ذكره بدون إعادة ذكره ... ثم
شرح هذه التكملة كالقدوري. فلعله الذي أشار إليه المصنف.
(٤) صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في شرح أشعار الهذليين ٨/١، وعجزه:
وإخال أني لاحقٌ مـستتبع

الآية : ٨٤
٢٢٣
سُوَّةُ الَّْرَافِ
ويجيء بمعنى الماضي والذاهب، ومنه قول الأعشى: في الزمن الغابر(١). فهو
من الأضداد كما في ((الصحاح))(٢) وغيره، ويكون بمعنى الهالك أيضاً.
وفي بقاء امرأته مع أولئك القوم روايتان، ثانيتُهما أنه عليه السلام أخرجها مع
أهله، ونهاهم عن الالتفات، فالتفتتْ هي فأصابها حجرٌ فهلكت. والآيةُ هنا
محتملةٌ للأمرين. والحسن وقتادة يفسِّران الغبورَ هنا بالبقاء في عذاب الله تعالى.
وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمَّةٌ لهذا الكلام.
والجملة استئنافٌ وقع جواباً نشأ عن الاستثناء، كأنَّه قيل: فما كان حالها؟
فقيل: كانت من الغابرين.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾ أي: نوعاً من المطر عجيباً. وقد بيَّنه قوله سبحانه:
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤].
وفي ((الخازن)) أنَّ تلك الحجارة كانت معجونةً بالكبريت والنار(٣).
وظاهرُ الآية أنَّه أمطرَ عليهم كلهم. وجاء في بعض الآثار أنَّه خُسِف بالمقيمين
منهم، وأُمطِرت الحجارةُ على مسافريهم وشُذَّاذهم، حتى إنَّ تاجراً منهم كان في
الحرم، فوقفت له حجرٌ أربعين يوماً، حتى قضى تجارته وخرج من الحرم، فوقعَ
عليه .
وفرِّق بين مَطَرَ وأَمْطَرَ، فعن أبي عبيدة (٤) أنَّ الثلاثيَّ في الرحمة، والرباعيَّ في
العذاب، ومثله عن الراغب(٥).
وفي ((الصحاح)) (٦) عن أناسٍ أنَّ مطرت السماء وأمطرت بمعنَّى.
(١) وتمامه کما في ديوانه ص ١٩٥ :
عضَّ بما أبقى المواسي له من أمِّه في الزمنِ الغابر
(٢) مادة (غبر).
(٣) تفسير الخازن ٢٦١/٢.
(٤) كذا في الأصل و(م)، وتفسير الخازن ٢٦١/٢، وتفسير أبي السعود ٢٤٦/٤. ووقع في
الدر المصون ٣٧٤/٥، وحاشية الشهاب ١٨٧/٤ : عن أبي عبيد.
(٥) في المفردات (مطر).
(٦) مادة (مطر).

سُورَةُ الأَغرافِ
٢٢٤
الآية : ٨٤
وفي ((القاموس)): لا يقال: أمطرهم الله تعالى، إلَّا في العذاب(١). وظاهر
كلام ((الكشاف)) في ((الأنفال)) الترادف كما في ((الصحاح))، لكنه قال: وقد كثُر
الإمطار في معنى العذاب(٢). وذكر هنا أنه يقال: مطرتهُم السماء، ووادٍ ممطور،
ويقال: أمطرتْ عليهم كذا، أي: أرسلتُهُ إرسال المطر(٣).
وحاصل الفرق - كما في ((الكشف)) - ملاحظةُ معنى الإصابة في الأول،
والإرسال في الثاني، ولهذا عُدِّي بـ ((على)).
وذكر ابن المنير أنَّ مقصود الزمخشريِّ الردّ على من يقول: إنَّ مطرت في الخير،
وأمطرت في الشر، ويتوهَّمُ أنها تفرقةٌ وضعيَّةٌ، فبيَّنَ أن أمطرتْ معناه: أرسلت شيئاً
على نحو المطر، وإن لم يكن إيَّه، حتى لو أرسل الله تعالى من السماء أنواعاً من
الخير لجاز أنْ يقال فيه: أمطرت السماء خيراً، أي: أرسلته إرسال المطر، فليس
للشرِّ خصوصيَّةٌ في هذه الصيغة الرباعية، ولكن اتفق أنَّ السماءَ لم ترسل شيئاً سوى
المطر إلَّا وكان عذاباً، فظُنَّ أنَّ الواقع اتفاقاً مقصودٌ في الوضع، وليس به. انتهى(٤).
ويعلم منه - كما قال الشهاب(٥) - أنَّ كلام أبي عبيدة وأضرابه مؤوَّلٌ، وإن رُدَّ
بقوله تعالى: ﴿عَارِضٌ تُخْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فإنَّه عنى به الرحمة.
ولا يخفى أنَّه لو قيل: إنَّ التفرقة الاستعمالية إنَّما هي بين الفعلين دون
متصرّفاتهما، لم يتأثَّ هذا الردُّ، إلا أنَّ كلامهم غيرُ صريح في ذلك، ولعلَّ البعضَ
صرَّح(٦) بما يخالفه. ثمَّ إنَّ ((مطراً)) إمَّا مفعولٌ به أو مفعولٌ مطلق.
﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (
المقترفين لتلك الفعلة الشنعاء.
أي: مآل أولئك الكافرين
٨٤
(١) القاموس (مطر).
(٢) الكشاف ١٥٥/٢، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ
فَأَمَطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَآِ ... ﴾ [الآية: ٣٢].
(٣) الكشاف ٢/ ٩٣.
(٤) الانتصاف ٢/ ٩٣.
(٥) في حاشيته ٤/ ١٨٧ .
(٦) في (م): صرح.

الآية : ٨٤
٢٢٥
سُوَدَّةُ الأَّغَافِ
وهذا خطابٌ لكلٍّ من يتأتّى منه التأمُّل والنظر؛ تعجيباً من حالهم، وتحذيراً من
أفعالهم.
وقد مكث لوط عليه السلام فيهم - على ما في بعض الآثار - ثلاثين سنةً
يدعوهم إلى ما فيه صلاحُهم، فلم يجيبوه، وكان إبراهيم عليه السلام يركبُ على
حماره فيأتيهم وينصحهم، فيأبونَ أن يقبلوا، فكان يأتي بعدَ أن أيس منهم فينظر إلى
سدوم، ويقول: سدوم أيُّ يومٍ لك من الله تعالى سدوم؟! حتى بلغ الكتاب أجلَه،
فكان ما قصَّ الله تعالى على نبيّه وَّهِ. وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك.
ثم إنَّ لوطاً عليه السلام - كما أخرج إسحاقُ بن بشر وابنُ عساكر عن الزهريّ -
لمَّا عُذِّب قومُه لحق بإبراهيم عليه السلام، فلم يزل معه حتى قبضه الله تعالى إليه(١) .
وفي هذه الآيات دليلٌ على أنَّ اللواطة من أعظم الفواحش، وجاء في خبر
أخرجَه البيهقيُّ في ((الشعب)) عن أبي هريرة رَُّه وصحَّحه الحاكمُ عن النبي ◌َّل
قال: «لعن الله تعالى سبعةً من خلقه فوقَ سبع سماوات، فردد لعنةً على واحد منها
ثلاثاً، ولعَنَ بعدُ كلَّ واحدٍ لعنةٌ لعنة، فقال: ((ملعونٌ ملعونٌ ملعونٌ من عَمل عمل
قوم لوط)) الحديث(٢).
وجاء أيضاً: ((أربعةٌ يصبحون في غضب الله تعالى، ويمسون في سخط الله
تعالى)) وعدَّ منهم من يأتي الرجل(٣) .
(١) تاريخ ابن عساكر ٣٢٦/٥٠.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٤٧٢)، والطبراني في الأوسط (١٤٩٧)، وابن عدي في
الكامل ٢٤٣٤/٦.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٢٧٢: وفيه محرز بن هارون، ويقال: محرر. وقد ضعفه
الجمهور، وحسن الترمذي حديثه. وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأخرجه ابن عدي ٧/ ٢٥٨٦، والحاكم ٣٥٦/٤ لكن من طريق هارون أخي محرز، وسكت
عنه ولم يُصححه كما ذكر المصنف، وقال الذهبي في التلخيص: هارون ضعفوه.
وقال المنذري في الترغيب والترهيب ٢٤٩/٣: كلاهما واه، لكن محرز قد حسَّن له
الترمذي ومشَّاه بعضهم، وهو أحسن حالاً من أخيه هارون.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٨٥٨)، وابن عدي في الكامل ٢٢٣٣/٦، والبيهقي في
أنّه .
الشعب (٥٣٨٥) من حديث أبي هريرة
=

سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ
٢٢٦
الآية : ٨٤
وأخرج ابنُ أبي الدنيا وغيره عن مجاهد ﴿به أنَّ الذي يعملُ ذلك العملَ لو
اغتسلَ بكلِّ قطرةٍ من السماء وكلِّ قطرةٍ من الأرض، لم يزل نجساً (١). أي: إنَّ
الماء لا يزيلُ عنه ذلك الإثم العظيم الذي بعَّده عن ربِّه، والمقصودُ تھویل أمر تلك
الفاحشة.
وألحقَ بها بعضهم السِّحاق، وبدا أيضاً في قوم لوط عليه السلام، فكانت
المرأةُ تأتي المرأة، فعن حذيفة ظه: إنَّما حقَّ القولُ على قوم لوط عليه السلام
حين استغنى النساءُ بالنساء، والرجالُ بالرجال(٢).
وعن أبي حمزة: قلت لمحمد بن عليّ: عذَّب الله تعالى نساءَ قوم لوطٍ بعمل
رجالهم؟ فقال: الله تعالى أعدلُ من ذلك، استغنى الرجال بالرجال، والنساء
بالنساء(٣).
وآخرون إتيانَ المرأة في عجيزتها، واستدلَّ بما أخرجَ غيرُ واحدٍ عن عليٍّ
كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه قال على المنبر: سلوني. فقال ابن الكواء: تؤتى النساءُ في
أعجازهنّ؟ فقال كرَّم الله تعالى وجهه: سفلت سفل الله تعالى بك، ألم تسمع قوله
تعالى: ((أتأتون الفاحشة)) الآية (٤).
ولا يخفى أنَّ ذلك لا يتمُّ إلا بطريق القياس، وإلَّا فالفاحشةُ في الآية مبيّنةٌ
بما علمتَ، نعم جاء في آثارٍ كثيرة ما يدلُّ على حرمة إتيان الزوجة في عجيزتها .
والمسألةُ كما تقدَّم خلافيَّة، والمعتمدُ فيها الحرمة.
ولا فرق في اللواطة بين أنْ تكون بمملوكٍ أو تكون بغيره.
قال المنذري في الترغيب والترهيب ٢٤٩/٣: رواه الطبراني والبيهقي من طريق محمد بن
سلام الخزاعي - ولا يعرف - عن أبيه عن أبي هريرة، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه.
وقال ابن عدي: وعندي أن أنكر شيء لمحمد بن سلام هذا الحديث.
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (١٣٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٠٣).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (١٥٤)، والبيهقي في الشعب (٥٤٦٠).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (١٥٠)، والبيهقي في الشعب (٥٤٦٣).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٥٣/٤، وابن أبي حاتم ١٥١٧/٥ (٨٦٩٤)، والبيهقي في السنن
الكبرى ١٩٨/٧.

الآية : ٨٤
٢٢٧
سُوَّةُ الأَّعَرَافِ
واختلفوا في كفر مستحلِّ وطءِ الحائض ووطء الدبر. وفي ((التتارخانية)) نقلاً
عن ((السراجية)): اللواطةُ بمملوكه أو مملوكته أو امرأته حرامٌ، إلَّا أنَّه لو استحلَّه
لا يكفر، وهذا بخلاف اللواطة بأجنبيٍّ، فإنَّه يكفر مستحلُّها قولاً واحداً. وما ذكر
مما يُعْلَمُ ولا يُعلَّمُ كما في ((الشرنبلالية))(١)، لئلا يتجرَّأ الفسقةُ عليه بظنّهم حلَّه.
واختلفَ في حدِّ اللواطة، فقال الإمام: لا حدَّ بوطءِ الدبر مطلقاً، وفيه
التعزير، ويُقتلُ من تكرَّر منه، على المفتَى به، كما في ((الأشباه))(٢). والظاهر - على
ما قاله البيري(٣) - أنَّه يُقتَل في المرَّة الثانية؛ لصدق التكرار عليه.
وقال الإمامان: إنْ فعلَ في الأجانب حُدَّ كحدِّ الزنا، وإنْ في عبده أو أمته أو
زوجته بنكاحٍ صحيح أو فاسدٍ، فلا حدَّ إجماعاً، كما في ((الكافي)) وغيره، بل يعزَّر
في ذلك كلِّهَ ويقتل من اعتاده(٤).
وفي ((الحاوي القدسي)): وتكلَّموا في هذا التعزير: من الجَلْد، ورَمْيِهِ من أعلى
موضع، وحَبْسِه في أنتن بقعةٍ، وغير ذلك، سوى الإخصاء والجَبِّ، والجلدُ أصح.
وفي ((الفتح)): يعزَّرُ ويسجنُ حتى يموتَ أو يتوب(٥) .
وعن ابن عباس رضيًا: حدَّ اللواطةِ القتلُ للفاعل والمفعول. ورواه مرفوعاً (٦).
(١) حاشية الشرنبلالي على الدرر والغرر ٦٦/٢ .
(٢) لابن نجيم ص ٣٩٧.
(٣) هو إبراهيم بن حسين بن أحمد بن بيري، مفتي مكة، أحد أكابر فقهاء الحنفية، له حاشية
على الأشباه والنظائر سماها عمدة ذوي البصائر، وشرح الموطأ رواية محمد بن الحسن،
وشرح تصحيح القدوري، وغيرها. توفي سنة (١٠٩٩هـ). خلاصة الأثر ١٩/١-٢٠،
والأعلام ٣٦/١.
(٤) انظر بدائع الصنائع ٩/ ١٨٤، وفتح القدير ٤/ ١٥٠، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧.
(٥) فتح القدير لابن الهمام ٤/ ١٥٠.
(٦) أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، وابن ماجه (٢٥٦١)، والترمذي (١٤٥٦)، والنسائي في الكبرى
(٧٢٩٧)، وأحمد (٢٧٣٢) من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
قال رسول الله ويلهو: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به)).
قال الترمذي في العلل الكبير ٢/ ٦٢٢: سألت محمداً (يعني البخاري) عن حديث عمرو بن
أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، فقال: عمرو بن أبي عمرو صدوق، ولکن روی
عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيءٍ من ذلك أنه سمع من عكرمة.
=

مُورَةُ الأَغراف
٢٢٨
الآية : ٨٤
وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّه سُئل: ما حدُّ اللوطيّ؟ فقال: يُنظر أعلى بناءٍ في
القرية، فيلقى منه منكَّساً، ثم يتبعُ بالحجارة(١).
قال في ((الفتح)): وكأنَّ مأخذ هذا أنَّ قوم لوطِ أهلكوا بذلك، حيث حُمِلت
قُراهم، ونُكِّست بهم، ولا شكَّ في إتباع الهدم بهم وهم نازلون(٢).
وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنَّه رَجم لوطيّاً (٣)، وهو أشبهُ شيءٍ بما قصَّ الله
تعالى من إهلاك قوم لوط عليه السلام بإمطار الحجارة عليهم.
وصحَّحوا أنها لا تكون في الجنّة لأنَّه سبحانه استقبحَها، وسمَّاها فاحشةً،
والجنَّةُ منزَّهةٌ عن ذلك.
وفي ((الأشباه)) أنَّ حرمتها عقليَّة، فلا وجودَ لها في الجنة، وقيل: سمعيَّة
فتوجد(٤)، أي: فيمكن أن توجد. وكأنَّه أرادَ بالحرمة هنا القُبح إطلاقاً لاسم
السبب على المسبب، أي: إنَّ قبحَها عقليٍّ، بمعنى أنَّه يدركُ بالعقل وإن لم يَرِد به
الشرع. وليس هذا مذهبَ المعتزلة كما لا يخفى.
ونقل الجلال السيوطيُّ عن ابن عقيل الحنبليّ قال: جرت هذه المسألة بين
أبي علي بن الوليد المعتزلي(6) وبين أبي يوسف القزويني(٦)، فقال ابن الوليد:
= واستنكر النسائي هذا الحديث، كما ذكر الحافظ في التلخيص ٤/ ٥٤.
ونقل الذهبي في الميزان ٢٨٢/٣ عن ابن معين قال: عمرو بن أبي عمرو ثقة ينكر عليه
حديث عكرمة عن ابن عباس ... فذكره.
وانظر تخريجه في نصب الراية ٣٣٩/٣ وما بعدها .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٩/ ٥٢٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٣٢/٨.
وصحح الحافظ ابن حجر إسناده في الدراية ١٠٣/٢ .
(٢) فتح القدير ١٥٢/٤.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٥٣٠، والبيهقي في الكبرى ٢٣٢/٨، وفي الشعب (٥٣٩٠).
(٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢١٨ .
(٥) هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد، أبو علي، شيخ المعتزلة، الداعية إلى
مذهبهم (ت: ٤٧٨ هـ). الوافي بالوفيات ٨٤/٢-٨٥، والأعلام ٣١٥/٥.
(٦) هو عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، شيخ المعتزلة، وداعيتهم، له تفسير في القرآن
نحو ثلاث مئة مجلد، (ت: ٤٨٨ هـ). الوافي بالوفيات ٤٣٣/١٨-٤٣٤، والأعلام ٤/ ٧.

الآية : ٨٤
٢٢٩
سُورَةُ الأَّغَافِ
لا يمنع أن يجعل ذلك من جملة اللذاتِ في الجنة، لزوال المفسدة، لأنَّه إنما مُنِع
في الدنيا لما فيه من قطع النسل، وكونه محلًا للأذى، وليس في الجنة ذلك، ولهذا
أبيح شربُ الخمر، لما ليس فيه من السكر والعربدة وزوال العقل، بل اللذَّةُ
الصِّرفة، فقال أبو يوسف: الميلُ إلى الذكور عاهةٌ، وهو قبيحٌ في نفسه؛ لأنَّه محلٌّ
لم يخلق للوطء، ولهذا لم يُبَح في شريعةٍ؛ بخلاف الخمر. فقال ابن الوليد: هو
قبيحٌ وعاهةٌ؛ للتلويث بالأذى، ولا أذى في الجنة، فلم يبق إلَّا مجرد الالتذاذ.
انتھی(١).
وأنا أرى أنَّ إنكارَ قبح اللواطة عقلاً مكابرةٌ، ولهذا كانت الجاهليةُ تعيِّر بها،
ويقولون في الذمِّ: فلانٌ مصفِّرُ استِهِ(٢). ولا أدري هل يرضى ابنُ الوليد لنفسِه أن
يؤتى في الجنَّة أم لا، فإن رضي اليوم أنْ يؤتى غداً، فغالب الظنِّ أنَّ الرجل
مأبونٌ (٣)، أو قد أَلِفَ ذلك، وإنْ لم يرض لزمه الإقرار بالقبح العقلي. وإن ادَّعى
أنَّ عدمَ رضائه لأنَّ الناس قد اعتادوا التعبير به، وذلك مفقودٌ في الجنة، قلنا له:
يلزمك الرضا به في الدنيا إذا لم تعيَّر ولم يطَّلع عليكَ أحدٌ، فإن التزمَه، فهو
كما ترى، ولا ينفعه ادِّعاءُ الفرق بين الفاعل والمفعول، كما لا يخفى على
الأحرار.
وصرَّحوا بأنَّ حرمةَ اللواطةِ أشدُّ من حرمة الزنا؛ لقبحها عقلاً وطبعاً وشرعاً.
والزنا ليس بحرام كذلك، وتزولُ حرمته بتزويج وشراء؛ بخلافها، وعدمُ الحدِّ عند
الإمام لا لخقَّتها، بل للتغليظ؛ لأنَّه مطهّرٌ على قول كثير من العلماء، وإن كان
خلافَ مذهبنا .
وبعض الفسقة اليوم - دمَّرهم الله تعالى - يهوِّنون أمرَها ويتمَّون بها، ويفتخرون
بالإكثار منها، ومنهم من يفعلُها أخذاً للثأر، ولكن من أين؟ ومنهم من يحمد الله
(١) حاشية ابن عابدين ٢٨/٤، ونقلها عن ابن عقيل الصفديُّ في الوافي بالوفيات ٨٤/٢-٨٥،
وابن كثير في البداية والنهاية ١٢٩/١٢ (طبعة دار المعارف).
(٢) انظر مجمع الأمثال ١/ ٢٥١-٢٥٢، وتاج العروس (صفر).
(٣) أي: مثَّهم؛ أَبَنَ الرجلَ، يأبُنُه، ويأِنُه أبناً: اتهمه وعابه، يقال: فلانٌ يؤبنُ بخيرٍ وبشرِّ،
أي : یُزَنُّ به، فهو مابون.

سُوَّةُ الأَّغْرَافِ
٢٣٠
التفسير الإشاري (٧٣-٨٤)
سبحانه عليها، مبنيّةً للمفعول، وذلك لأنهم نالوا الصدارة بأعجازهم نسأل الله
تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
واعلم أنَّ للِّواطةِ أحكاماً أخر، فقد قالوا: إنَّه لا يجبُ بها المهر، ولا العدَّة
في النكاح الفاسد، ولا في المأتيِّ بها لشبهة، ولا يحصلُ بها التحليل للزوج
الأول، ولا تثبتُ بها الرجعة، ولا حرمةُ المصاهرة عند الأكثر، ولا الكفارةُ في
رمضان في رواية، ولو قُذِفَ بها لا يحدُّ ولا يلاعن، خلافاً لهما في المسألتين
كما في ((البحر)) أخذاً من ((المجتبى))(١). وفي ((الشرنبلالية))(٢) عن («السِّراج)): يكفي
في الشهادة عليها عدلان لا أربعة، خلافاً لهما أيضاً.
هذا ولم أقف للسادة الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم على ما هو من باب
الإشارة في قصَّة قوم لوط عليه السلام. وذكرَ بعضهم في قصَّة قوم صالح عليه
السلام بعد الإيمان بالظاهر: أنَّ الناقة هي مركَبُ النفسِ الإنسانية لصالح عليه
السلام، ونسبتُها إليه سبحانه لكونها مأمورةً بأمره عزَّ وجلَّ، مختصَّةً به في طاعته
وقربه. وما قيل: إنَّ الماء قُسِم بينها وبينهم؛ لها شِرْبُ يومٍ ولهم شرب يوم، إشارةٌ
إلى أنَّ مشربهم من القوة العاقلة العمليّة، ومشربَه من القوة العاقلة النظريّة. وما روي
أنَّها يومَ شربها كانت تتفخَّج فيُحلَبُ منها اللبن حتى تملَّ الأواني إشارةٌ إلى أنَّ
نفسه تَستخرجُ بالفكر من علومه الكليَّة الفطريَّة العلومَ النافعةَ للناقصين من علوم
الأخلاق والشرائع. وخروجُها من الجبل خروجها من بدنِ صالح عليه السلام.
وقال آخرون: إنَّ الناقةَ كانت معجزةَ صالح عليه السلام، وذلك أنَّهم سألوه أنْ
يُخرِج لهم من حجارة القلب ناقةً السرِّ، فخرجت فسقيت سرَّ السرِّ، فأعطت بلد
القالب من القوى والحواس لبنَ الواردات الإلهية، ثم قال لهم: ﴿فَذَرُوهَا﴾ ترتفع
في رياض القدس وحياض الأنس ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوّوٍ﴾ من مخالفات الشريعة
ومعارضات الطريقة ﴿فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو عذابُ الانقطاع عن الوصول إلى
الحقيقة.
(١) البحر الرائق ١٨/٥.
(٢) حاشية الشرنبلالي على الدرر والغرر ٦٦/٢.

التفسير الإشاري (٧٣-٨٤)
٢٣١
سُوَدَّةُ الأَشْرَافِ
﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ﴾ أي مستعدِّين للخلافة ﴿وَبَوََّكُمْ فِىِ الْأَرْضِ﴾
أي: أرض القلب ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا﴾ وهي المعاملات بالصدق ﴿قُصُورًا﴾
تسكنون فيها ﴿وَثَنْحِثُونَ الْجِبَالَ﴾ وهي جبال أطوار القلب ﴿يُوتًا﴾ هي مقاماتٌ
السائرين إلى الله تعالى.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهي الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة
﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ﴾ من أوصاف القلب والروح ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا تُرْسَلٌ مِّن
رَّيِِّْ﴾ ليدعو إلى الأوصافِ النورانيَّة.
﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ﴾ بسكاكين المخالفة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ لضعف قلوبهم وعدم
قوَّة علمهم ﴿فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَئِمِينَ﴾ موتى لا حراك بهم إلى حظيرة القدس.
وذكر البعضُ أنَّ الناقةَ والسقب صورتا الإيمان بالله تعالى، والإيمان برسوله
عليه السلام، وقد ظهرا بالذات وبالواسطة من الحجر الذي تشبههُ قلوبُ القوم،
وعقرُهم للناقة من قبيلٍ ذبح يحيى عليه السلام للموت الظاهر في صورةٍ الكبش يومَ
القيامة(١).
وفي ذلك دليلٌ على أنَّهم من أسوأ الناس استعداداً، وأتمهم حرماناً، ويدلُّ
على سوءِ حالهم أنَّ الشيخَ الأكبر قدِّس سره لم ينظمهم في ((فصوص الحكم))
في سلك قوم نوح عليه السلام حيثُ حكم لهم بالنجاة على الوجه الذي ذكره،
وكذا لم ينظم في ذلك السلك قومَ لوط عليه السلام، وكأنَّ ذلك لمزيدٍ جهلهم
وبعدهم عن الحكمة، وإنيانهم البيوتَ من غير أبوابها، وقذارتهم ودناءة
نفوسهم .
والذي عليه المتشرِّعون أنَّ أولئك الأقوام كلَّهم حصبُ جهنم لا ناجيَ فيهم،
والله تعالى أحكم الحاكمين.
(١) لم يثبت ذبح يحيى للموت في صورة كبش يوم القيامة، وإنما هو قول لبعض الصوفية،
وحديث ذبح الموت أخرجه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد
الخدري رظ ◌ُه. وينظر فتح الباري ٤٢٠/١١، والتذكرة للقرطبي ص٤٣٨.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٢٣٢
الآية : ٨٥
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ عطفٌ على ما مرَّ. والمرادُ: أرسلنا إلى
مدين .. إلخ. ومدين - وسُمِعٍ: مديان - في الأصل عَلَمٌ لابن إبراهيم الخليل عليه
السلام، ومنع صرفه للعلميَّة والعُجمة، ثم سُمِّيت به القبيلة. وقيل: هو عربيٌّ اسم
لماءٍ كانوا عليه، وقيل: اسم بلد، ومنع صرفه للعلميّة والتأنيث، فلابدَّ من تقدير
مضافٍ حينئذٍ - أي: أهل مدين، مثلاً - أو المجاز. والياءُ على هذا عند بعض
زائدة، وعن ابن برِّي: الميمُ زائدةٌ؛ إذ ليس في كلامهم: فَعْيَل، وفيه: مَفْعَل.
وقال آخرون: إنَّه شاذٌّ، كمريم، إذ القياسُ إعلالُهُ كمَقَام. وعند المبرِّد(١) ليس
بشاذ، قيل: وهو الحقُّ لجريانه على الفعل.
وشعيب قيل: تصغير شَعْب، بفتح فسكون: اسمُ جبل، أو شِعْب، بکسرٍ
فسكون: الطريقُ في الجبل. واختير أنَّه وُضِع مرتجلاً هكذا.
والقول بأنَّ القولَ بالتصغير باطلٌ؛ لأنَّ أسماءَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
لا يجوزُ تصغيرها: فيه نظر، لأنَّ الممنوعَ التصغيرُ بعدَ الوضع، لا المقارن له،
ومُدَّعي ذلك قد يدَّعي هذا .
وهو على ما وُجِد بخطّ النووي في ((تهذيبه))(٢): ابن ميكيل بن يشجر بن
مدين بن إبراهيم عليه السلام. وقيل: ابن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب.
وبعضهم يقول: ميكائيل، بدل ميكيل، ونُقِل ذلك عن خطّ الذهبيِّ في ((اختصار
المستدرك)»(٣). وآخر يقول: ملكاني(٤)، بدله.
وذكر أنَّ أُم ميكيل بنتُ لوط عليه السلام.
وأخرج ابنُ عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقيّ ابن القُطامي(٥) - وكان
(١) في المقتضب ١٠٨/١.
(٢) ٥٧٥/١، وفيه وفي عرائس المجالس ص ١٦٧: ميكائيل، بدل: ميكيل.
(٣) ٥٦٨/١.
(٤) في مطبوع الإتقان ١٠٦٦/٢ (والكلام منه): ملكاين.
(٥) هو الوليد بن الحصين، والشرقيّ لقبه، والقطامي لقب والده، كان عالماً بالنسب، وافر
الأدب، ضمَّ المنصورُ إليه المهديَّ ليأخذ من أدبه. توفي نحو (١٥٥هـ). ميزان الاعتدال
٢٦٨/٢، والأعلام ١٢٠/٨.

الآية : ٨٥
٢٣٣
سُورَةُ الأَغْرَافِ
نسَّابةً - أنَّ شعيباً هو يثروب بالعبرانية، وهو ابن عَيفاء بن يَوْبَب ـ بمثناةٍ تحتيَّةٍ أوله،
وواو وموحدتين، بوزن جعفر - بن إبراهيم عليه السلام(١)، وقيل: في نسبهِ غيرُ
ذاك .
وكان النبيُّ نَّهِ - كما أخرج ابنُ عساكر عن ابن عباس ◌َّ - إذا ذكر شعيبٌ
يقول: ((ذلك خطيبُ الأنبياء)) لحسن مراجعته قومَه(٢). أي: محاورته لهم، وكأنَّه -
كما قيل - عنى عليه الصلاة والسلام ما ذُكر في هذه السورة كما يعلم بالتأمُّل فيه.
وبُعثَ رسولاً إلى أمَّتين: مدين، وأصحاب الأيكة، قال السدِّيُّ وعكرمة رضّا:
ما بَعثَ الله تعالى نبيَّاً مرتين إلَّا شعيباً، مرَّةً إلى مدين، فأخذهم الله تعالى
بالصيحة، ومرَّة إلى أصحاب الأيكة، فأخذهم الله تعالى بعذابٍ يوم الظلة.
وأخرج ابن عساكر في ((تاريخه)) من حديث عبد الله بن عمرو (٣) مرفوعاً ((أنَّ
قوم مدين وأصحابَ الأيكة أمَّتان، بعثَ الله تعالى إليهما شعيباً)). وهو - كما قال
ابنُ كثير - غريبٌ، وفي رفعه نظرٌ. واخْتَارَ أنَّهما أمَّة واحدة، واحتجَّ له بأنَّ
كلَّا منهما وُعِظ بوفاء الميزان والمكيال(٤). وهو يدلُّ على أنَّهما واحدة، وفيه
ما لا يخفى.
(١) الدر المنثور ١٠٢/٣، ولم أقف عليه في تاريخ دمشق، فلعله في الجزء الساقط، انظر
المخطوط -نشرة دار البشير -٦٦/٨، والمطبوع ٧٠/٢٣.
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور ١٠٢/٣ مطولاً، وعزاه لإسحاق بن بشر وابن عساكر، وذكره
ابن كثير في البداية والنهاية ٤٢٩/١ وعزاه لإسحاق بن بشر، وإسحاق بن بشر متروك، ولم
نقف عليه في المطبوع من تاريخ ابن عساكر، ولكنه أخرجه ٦٠/١٠ عن أبي إدريس
الخولاني عن النبي ◌َّ، مرسلاً .
وأخرجه الطبري في تاريخه ٣٢٧/١ من طريق ابن إسحاق عن يعقوب بن أبي سلمة عن
النبي ◌َّل مرسلاً. وأخرجه الحاكم في مستدركه ٥٦٨/٢ من طريق ابن إسحاق عن النبي تَّ
مرسلاً .
(٣) في الأصل و(م): عمر. والمثبتُ من المصادر.
(٤) تفسير ابن كثير ١٥٩/٦. والحديث أورده ابن كثير أيضاً في البداية والنهاية ٤٣٩/١ ثم
قال: حديث غريب، وفي رجاله من تكلم فيه، والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو
مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل. اهـ. ولم نقف على الخبر
في تاريخ ابن عساكر.

سُورَةُ الَّغرافِ
٢٣٤
الآية : ٨٥
ومن الناس من زعم أنَّه عليه السلام بُعثَ إلى ثلاث أمم، والثالثة أصحابُ الرسِّ.
والقولُ بأنَّه عليه السلام كان أعمى لا عثّاز له(١) يعتمدُ علیه، بل قد نصَّ
العلماءُ ذوو البصيرة على أنَّ الرسول لابدَّ أن يكون سليماً من منقِّرٍ، ومثَّلوه بالعمى
والبرص والجذام، ولا يَرِد بلاءُ أيوب، وعمى يعقوب - بناءً على أنَّه حقيقيٌّ -
لطروِّه بعد الإنباء، والكلامُ فيما قارنه، والفرقُ أنَّ هذا منفِّرٌ بخلافه فيمن استقرَّت
نبوَّته. وقد يقال: إن صحَّ ذلك، فهو من هذا القبيل.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية إرساله إليهم، كأنه قيل: فماذا
قال لهم؟ فقيل: قال: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ مرَّ تفسيره.
﴿قَدْ جَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: معجزةٌ عظيمةٌ ظاهرةٌ من مالك
أموركم. ولم تذكر معجزتُه عليه السلام في القرآن العظيم، كما لم تذكر أكثرُ
معجزات نبينا ◌ٍَّ﴿ والأنبياءِ عليهم السلام فيه.
والقولُ بأنَّه لم يكن له عليه السلام معجزةٌ غلطٌ؛ لأنَّ الفاء في قوله سبحانه:
﴿فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ لترتيب الأمر على مجيء البينة - واحتمالُ كونها عاطفةً
على ((اعبدوا)) بعيدٌ وإن كانت عبادة الله تعالى موجِبةً للاجتناب عن المناهي التي
معظمها بعد الكفر البخسُ - فكأنه قيل: قد جاءتكم معجزةٌ شاهدةٌ بصحّة نبوَّتي،
أوجبتْ عليكم الإيمان بها، والأخذَ بما أمرتكم به، فأوفوا .. إلخ.
ولو ادعى مدَّعِ النبوَّةَ بغيرِ معجزة لم تقبل منه؛ لأنَّها دعوى أمرٍ غير ظاهر، وفيه
إلزامٌ للغير، ومثل ذلك لا يُقبل من غير بينة.
ومن الناس من زعم أنَّ البينة نفس شعيب، ومنهم من زعم أنَّ المرادَ بالبينة
الموعظة، وأنها نفس ((فأوفوا)) إلخ. وليس بشيء كما لا يخفى.
وقال الزمخشريُّ: إنَّ من معجزاته عليه السلام ما روي من محاربة عصا موسى
عليه السلام التنينَ حين دفع إليه غنمه، وولادةُ الغنم الدُّرْعَ(٢) خاصَّة حين وعدَه أنْ
(١) أي: للقول بأنه كان أعمى.
(٢) بضم الدال المهملة وسكون الراء والعين المهملتين، جمع أَدْرَع أو دَرْعاء، وهي ما اسودَّ
رأسه وابيضَّ سائره من الغنم والخيل. حاشية الشهاب ١٨٨/٤ .

الآية : ٨٥
٢٣٥
سُورَةُ الَّغَرَافِ
يكون له الدُّرْع من أولادها، ووقوع عصا آدم عليه السلام على يده في المرات
السبع. وغير ذلك من الآيات؛ لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى عليه
السلام، فكانت معجزاتٍ لشعيب(١). اهـ.
وفيه نظر؛ لأنَّ ذلك متأخِّرٌ عن المقاولة، فلا يصحُّ تفريعُ الأمر عليه، ولأنَّه
يحتمل أن يكون كرامةً لموسى عليه السلام، أو إرهاصاً لنبوَّته، بل في ((الكشف))
أنَّ هذا متعيِّنٌ؛ لأنَّ موسى أدرك شعيباً عليه السلام بعد هلاك قومه، ولأنَّ ذلك لم
يكن معرضَ التحدِّي.
وزَعْمُ الإمام أنَّ الإرهاصَ غيرُ جائزٍ عند المعتزلة، ولهذا جعلَ(٢) ذلك معجزةً
الشعيب عليه السلام(٣) = نظر فيه الطيبيُّ بأنَّ الزمخشريَّ قال في ((آل عمران)) في
تكليم الملائكة عليهم السلام لمريم: إنه معجزةٌ لزكريا أو إرهاصٌ لنبوَّة عيسى
عليهما السلام(٤) .
والمرادُ بالكيل ما يكال به مجازاً، كالعيش بمعنى ما يعاش به، ويؤيِّده أنَّه قد وقع
في سورة هود ﴿اَلْمِكْيَالَ﴾ [الآية: ٨٤]، وكذا عطف («الميزان)) عليه هنا، فإنَّ المتبادرَ
منه الآلة، وإنْ جاز كونُه مصدراً بمعنى الوزن، كالميعاد بمعنى الوعد. وقيل: إنَّ الكيلَ
وما ◌ُطِف عليه مصدران، والكلام على الإضمار، أي: أوفوا آلة الكيل والوزن.
﴿وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ﴾ أي: لا تنقصوهم، يقال: بخسه حقّه، إذا نقصه إِيَّاه،
ومنه قيل للمكس(٥): البخس، وفي أمثالهم: تحسبُها حمقاء وهي باخس، أي:
ذات بخس(٦). وتُعدَّى إلى مفعولين، أولهما: ((الناس))، والثاني: ﴿أَشْيَآءَهُمْ﴾
أي: الكائنة في المبايعات من الثمن والمبيع، وفائدة التصريح بالنهي عن النقص
بعد الأمر بالإيفاء تأكيدُ ذلك الأمر وبيانُ قبح ضدِّه.
(١) الكشاف ٢ / ٩٣.
(٢) أي: الزمخشري.
(٣) تفسير الرازي ١٤/ ١٧٣ .
(٤) الكشاف ٤٢٩/١ .
(٥) مكس في البيع يمكِسُ: إذا جبى مالاً، والمكسُ: النقص، والظلم. القاموس (مكس).
(٦) أراد أنها تبخس الناس حقوقهم. مجمع الأمثال ١/ ١٢٣.

سُورَةُ الَّغَرَافِ
٢٣٦
الآية : ٨٥
وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقاً، فإنَّهم كانوا مكَّاسين لا يَدَعون شيئاً
إلا مكسوه.
وقد جاء عن ابن عباس ﴿ًّا أنَّهم كانوا قوماً طغاةً بُغاةً، يجلسون على الطريق
فيبخسون الناس أموالَهم، وكانوا إذا دخلَ عليهم الغريب يأخذون دراهمه الجياد،
ويقولون: دراهمُك هذه زيوف، فيقطعونَها، ثمَّ يشترونَها منه بالبخس.
وروي أنَّهم يعطونَه أيضاً بدلها زيوفاً، فكأنه لمَّا نُهوا عن البخس في الكيل
والوزن، نهوا عن البخس والمكس في كلِّ شيءٍ.
قيل: ويدخلُ في ذلك بخسُ الرجل حقَّه من حسن المعاملة والتوقير اللائق به،
وبيان فضله على ما هو عليه للسائل عنه. وكثيرٌ ممَّن انتسبَ إلى أهل العلم اليومَ
مبتلونَ بهذا البخس، وليتهم قنعوا به، بل جَمعوا حشفاً وسوءَ كِيلَةٍ (١)، فإنَّا لله وإنّا
إليه راجعون.
وبدأ عليه السلام بذكر هذه الواقعة - على ما قال الإمام - لأنَّ عادةَ الأنبياء
عليهم السلام أنَّهم إذا رأوا قومَهم مقبلين على نوعٍ من أنواع المفاسد إقبالاً أكثرَ من
إقبالهم على سائرِ الأنواع، بدأوا بمنعهم عن ذلك النوع، وكان قومُه عليه السلام
مشغولين(٢) بالبخس والتطفيف أكثر من غيره.
والمرادُ من الناس ما يعمُّهم وغيرهم، أي لا تبخسوا غيرَكم، ولا يبخس
بعضُكم بعضاً .
﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ بالجَور، أو به وبالكفر. ﴿بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ أي:
إصلاح أمرها، أو أهلها بالشرائع. فالإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله بحذف
المضاف، والفاعل الأنبياء وأتباعهم. وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ مضافٌ، ويعتبرَ التجوُّز في
النسبة الإيقاعيَّة؛ لأنَّ إصلاحَ من في الأرض إصلاحٌ لها. وأن تكون الإضافة من
إضافة المصدر إلى الفاعل على الإسناد المجازيِّ للمكان، وأن تكون على معنى
(١) الكِيلة: فِعْلَة من الكيل، وهي تدلُّ على الهيئة والحالة، نحو: الرِّكبة والجِلسة. والحشف:
أردأ التمر. يضرب مثلاً لمن يجمع بين خصلتين مكروهتين. مجمع الأمثال ٢٠٧/١.
(٢) في تفسير الرازي ١٧٣/١٤: مشغوفين، بدل: مشغولين.

الآية : ٨٥
٢٣٧
سُؤَدَّةُ الأَّغْرَافِ
((في)) أي: بعد إصلاح الأنبياء فيها. ويأبى الحملَ على الظاهر لأن الإصلاحَ يتعلَّقُ
بالأرض نفسِها كتعميرها وإصلاح طرقها: ((لا تفسدوا في الأرض)).
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان، وتركِ
البخس والإفساد، أو إلى العمل بما أمرَهم به ونهاهم عنه، وأيّاً كان، فإفراد اسم
الإشارة وتذکیرُه ظاهرٌ.
ومعنى الخيريَّة إمَّا الزيادة مطلقاً، أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة(١)،
وما يطلبونَه من التكسُّب والتربُّح؛ لأنَّ الناس إذا عرفوهم بالأمانة رغبوا في
معاملتهم ومتاجرتهم. وقيل: ليس المراد من ((خير)) هنا معنى الزيادة؛ لأنَّه ليس
للتفضيل، بل المعنى: ذلكم نافعٌ لكم.
﴿إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴾﴾ قيل: المرادُ بالإيمان معناه اللغوي، وتخصُّ
الخيريَّةُ بأمر الدنيا، أي: إنْ كنتم مصدِّقين لي في قولي.
ومثلُ هذا الشرط - على ما قال الطيبيُّ - إنَّما يجاءُ به في آخر الكلام للتأكيد.
ويُعلَمُ من هذا أنَّ شعيباً عليه السلام كان مشهوراً عندهم بالصدق والأمانة،
كما كان نبيّنا وَلير مشهوراً عند قومه بالأمين.
وقال بعض الذاهبين إلى ما ذُكر: إنَّ تعليقَ الخيريَّة على هذا التصديق بتأويل
العلم بها، وإلَّ فهو خيرٌ مطلقاً .
وقال القطبُ الرازي: إنَّ ذلك ليس شرطاً للخيريَّةِ نفسِها، بل لفعلهم، كأنه
قيل(٢): فأتُّوا به إن كنتم مصدِّقين بي. فلا يَرِدُ أنَّه لا توقفَ للخيريَّة في الإنسانية
علی تصدیقهم به .
وقيل: المرادُ به مقابل الكفر، وبالخيريَّة ما يشملُ أمر الدنيا والآخرة، أي:
ذلكم خيرٌ لكم في الدارين، بشرطِ أن تؤمنوا. وشُرِطَ الإيمانُ، لأنَّ الفائدةَ من
حصولِ الثواب مع النجاة من العقاب ظاهرةٌ مع الإيمان، خفيَّةٌ مع فقدِه؛ للانغماس
في غمرات الكفر.
(١) الأحدوثة هنا الذكر الجميل، حاشية الخفاجي ١٨٩/٤.
(٢) وقع في الأصل سقط من هنا إلى آخر الجزء الثامن من تجزئة المصحف.

سُوَرَّةُ الأَّغَافِ
٢٣٨
الآية : ٨٦
وبنى بعضُهم نفعَ ترك البخس ونحوه في الآخرة على أنَّ الكفارَ يُعذَّبون على
المعاصي، كما يعذَّبون على الكفر، فيكونُ التركُ خيراً لهم بلا شبهة. لكن لا يخفى
أنَّه إذا فُسِّرَ الإفساد في الأرض بالإفساد فيها بالكفر لا يكونُ لهذا التعليق على
الإيمان معنىً كما لا يخفى، وإخراجه من حيِّز الإشارة بعيدٌ جدّاً.
وزعم الخياليُّ(١) أنَّ الأظهر أنَّ ((ذلكم خير لكم)) معترضةٌ، والشرط متعلِّقٌ
بما سبق من الأوامر والنواهي. وكأنَّه التزمَ ذلك لخفاء أمر الشرطيَّة عليه. وقد فرَّ
من هرَّةٍ ووقع في أسد، وهرب من القَظْرِ ووقفَ تحت الميزاب، فاعتبروا يا أولي
الألباب.
﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَطٍ﴾ أي: طريق من الطرق الحسيَّة ﴿تُوْعِدُونَ﴾ أي:
تخوِّفون مَنْ آمن بالقتل، كما نُقِل عن الحسن وقتادة ومجاهد. وروي عن ابن
عباس أنَّ بلادهم كانت يسيرةً، وكان الناس يمتارون منهم، فكانوا يقعدون على
الطريق، ويخوِّفونَ الناس أن يأتوا شعيباً، ويقولون لهم: إنَّه كذّاب فلا يفتنكم عن
دینکم .
ويجوزُ أنْ يكون القعودُ على الصراط خارجاً مخرج التمثيل، كما فيما حكي
عن قول الشيطان: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] أي: ولا تقعدوا بكلِّ
طريقٍ من طرق الدين كالشيطان، وإليه يشيرُ ما رُوي عن مجاهد أيضاً. والكليّةُ - مع
أنَّ دين الله الحقَّ واحدٌ - باعتبار تشعُبه إلى معارف وحدود وأحكام، وكانوا إذا رأوا
أحداً يشرعُ في شيءٍ منها منعوه بكلِّ ما يمكن من الحيل.
وقيل: كانوا يقطعون الطريقَ، فنُهوا عن ذلك. وروي ذلك عن أبي هريرة
وعبد الرحمن بن زيد. ولعلَّ المراد به ما يَرجعُ إلى أحد القولين الأوَّلين، وإلَّا ففيه
خفاءٌ وإن قيل: إنَّ في الآية عليه مبالغةً في الوعيد وتغليظِ ما كانوا يرومونه من قطع
السبيل.
(١) هو أحمد بن موسى، شمس الدين، من تصانيفه: حاشية على شرح السعد على العقائد
النسفية، وحواشي على أوائل شرح التجريد، (ت: ٨٦٢هـ). الفوائد البهية ص ٧٦،
والأعلام ٢٦٢/١.

الآية : ٨٦
٢٣٩
سُوَدَّةُ الأَشْرَافِ
﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: الطريقِ الموصلة إليه، وهي الإيمان، أو
السبيلِ الذي قعدوا عليه، فوضع المظهرَ موضعَ المضمر بياناً لكلِّ صراطٍ، دلالةٌ
على عِظم ما يصدون عنه (١)، وتقبيحاً لما كانوا عليه.
وقوله سبحانه: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِهِ﴾ مفعول ((تصدون)) على إعمال الأقرب،
لا ((توعدون))، خلافاً لما يوهمه كلامُ الزمخشريّ(٢)، إذ يجب عند الجمهور في
مثل ذلك حينئذٍ إظهارُ ضمير الثاني، ولا يجوزُ حذفه إلَّا في ضرورة الشعر، فيلزم
أنْ يقال: تصدونهم، وإذا جعل ((تصدُّون)) بمعنى تُعْرِضون، يصيرُ لازماً، ولا يكون
ممّا نحن فيه.
وضمير ((به)) لله تعالى، أو لكلِّ صراطٍ، أو سبيل الله تعالى؛ لأنَّ السبيلَ يُذكَّر
ویؤنَّث، كما قيل.
وجملة ((توعدون)) وما عطف عليه في موضع الحال من ضمير (تقعدوا))، أي:
موعدين وصادِّين. وقيل: هي على التفسير الأول استئنافٌ بيانيٍّ، والأظهر ما ذكرنا.
﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: وتطلبون لسبيل الله تعالى عوجاً بإلقاء الشُّبه، أو
بوصفها للناس بما ينقصُها، وهي أبعدُ من(٣) شائبة الاعوجاج.
وهذا إخبارٌ فيه معنى التوبيخ، وقد يكون تهكُّماً بهم، حيثُ طَلبوا ما هو
محالٌ، إذ طريقُ الحقِّ لا يعوجّ.
وفي الكلام ترقٌّ، كأنه قيل: ما كفاكم أنكم توعدونَ الناس على متابعة
الحقِّ، وتصدُّونهم عن سبيل الله تعالى، حتى تَصِفونَه بالاعوجاج ليكون الصدُّ
بالبرهان والدلیل.
(١) في (م): تصدق عليه. والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٨٩/٤، وتفسير
أبي السعود ٣٤٧/٤.
(٢) حيث إنه - بعد أن أعاد ضمير ((به)) على ((كل صراط)) مع تفسيره بكل منهاج من مناهج الدين -
قدر المعنى: تُوعدون مَن آمن به وتصدون عنه؛ قال الشهاب: وهذا تقديرٌ للمفعول
المحذوف لا دلالةٌ على إعمال الفعل الأول، وإلا لكان المختار: تصدونهم. ينظر الكشاف
٩٤/٢، وحاشية الشهاب ١٨٩/٤ .
(٣) في تفسير أبي السعود ٢٤٧/٣: وهي أبعد شيءٍ من ...

سُورَةُ الأَغَرَافِ
٢٤٠
الآية : ٨٧
وعلى ما رويَ عن أبي هريرة وابن زيد جاز أن يُرادَ بـ ((تبغونها عوجاً)) عيشُهم
في الأرض، واعوجاج الطريق عبارةٌ عن فواتِ أمنها .
وذكر الطيبيُّ أنَّ معنى هذا الطلب حينئذٍ معنى اللام في قوله سبحانه:
لِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وعلى سائر الأوجه في الكلامِ الحذفُ
والإيصال.
﴿وَذْكُرُوَاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ عددكم ﴿فَكََّكُمْ﴾ فوقَّر عددَكم بالبركة في
النسل، كما روي عن ابن عباس. وحكي أنَّ مدين بنَ إبراهيم تزوَّج بنتَ لوط،
فولدت، فرمى الله تعالى في نسلها البركةً والنماء، فكثروا وفَشوا.
وجوَّزَ الزَجَّاجُ أن يكون المعنى: إذ كنتم مقلِّين فقراءَ فجعلَكم مكثرين
موسرين، أو: كنتم أقلَّةً أذلَّةً فأعزَّكم بكثرة العَدد والعُدد(١).
و((إذ)) مفعول ((اذكروا))، أو ظرفٌ لمقدَّرٍ، كالحادث أو النعم، أي: اذكروا
ذلك الوقتَ أو ما فيه ﴿وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾﴾ أي: آخِرَ أمرٍ
مَن أفسدَ قبلَكم من الأمم، كقوم نوح وعاد وثمود، واعتبروا بهم.
﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنكُمْ ءَامَنُواْ بِلَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ من الشرائع والأحكام
﴿وَطَّابِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا﴾ به، أو لم يفعلوا الإيمان ﴿فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَا﴾ خطابٌ
للكفار ووعيدٌ لهم، أي: تربَّصوا لتَروا حكمَ الله تعالى بيننا وبينكم، فإنَّه سبحانه
سينصرُ المحقّ على المبطل، ويظهرُه عليه، أو هو خطابٌ للمؤمنين وموعظةٌ لهم،
وحثٌّ على الصبر واحتمال ما كانَ يلحقُهم من أذى المشركين إلى أنْ يحكمَ الله
تعالى بينَهم، وينتقمَ لهم منهم.
ويجوز أنْ يكون خطاباً للفريقين، أي: ليصبر المؤمنون على أذى الكفار،
وليصبر الكفّار على ما يسوءُهم من إيمان من آمن منهم، حتى يحكم، فيميزَ الخبيثَ
من الطيب.
والظاهرُ الاحتمال الأول، وكأنَّ المقصود: إنَّ إيمان البعض لا ينفعُكم في دفع
بلاءِ الله تعالى وعذابه.
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٥٥/٢.