Indexed OCR Text
Pages 101-120
الآية : ٣٨
١٠١
سُوَّةُ الأَغْرَافِ
وإذا قيل: أعطهِ ضِعْفَي واحدٍ، اقتضى ذلك الواحدَ ومثليه، وذلك ثلاثة؛ لأنَّ
معناه الواحدُ واللذان يزاوجانه، هذا إذا كان الضعفُ مضافاً، فإذا لم يكن مضافاً
فقلت: الضعفين، فقد قيل: يجري مجرى الزوجين في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يزاوجُ
الآخر، فيقتضي ذلك اثنين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يضاعفُ الآخر، فلا يخرجان
منهما . اهـ.
ونُصب ((ضعفاً)) على أنّه صفةٌ لـ ((عذاب))، وجُوِّزَ أن يكون بدلاً منه. و((من
النار)) صفةُ العذاب، أو الضعف.
◌ِقَالَ﴾ سبحانه وتعالى: ﴿لِكُلِّ﴾ منكم ومنهم عذابٌ ﴿ضِعْفٌ﴾ من النار؛ أمّا
القادةُ فلضلالهم وإضلالهم، وذلك سببُ الدعاء السابق، وأمَّا الأتباعُ فلذلك أيضاً
عند بعض.
وكونُهم ضالِّين ظاهرٌ، وأمَّا كونُهم مُضِلِّين؛ فلأنَّ اتخاذَهم إيَّاهم رؤساءَ
يصدرون عن أمرهم يزيدُ في طغيانهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ
اَلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].
واعتُرِض بعدم اطرادِه؛ فإنَّ اتِّباع كثيرٍ من الأتباع غيرُ معلوم للقادة، إلّا أنْ
يقال: إنَّه مخصوصٌ ببعضهم .
وقيل: الأحسنُ أن يقال: إنَّ ضِعْفَ الأتباع لإعراضهم عن الحق الواضح وتولِّي
الرؤساء لينالوا عرضَ الدنيا اتِّباعاً للهوى، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ
لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْتَكُمْ عَنِ الْمُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُرُ بَلْ كُنْتُم تُجْرِمِينَ﴾ [سبأ: ٣٢].
وفيه ما فيه.
والأَوْلَى أن يُقال: إنَّ ذلك في الأتباع لكفرهم وتقليدِهم. ولا شكَّ أن التقليدَ
في الهوى(١) ضلالٌ يستحقُّ فاعلُه العذاب.
ونقل الراغبُ عن بعضهم في الآية أنَّ المعنى: لكلِّ منكم ومنهم ضعفُ ما يرى
الآخر، فإنَّ من العذاب ظاهراً وباطناً، وكلٌّ يُدرِك من الآخر الظاهرَ دون الباطن،
(١) في الأصل و(م): الهدى، والمثبت هو الصواب، ينظر حاشية الشهاب ١٦٨/٤ .
سُورَةُ الأَغَافِ
١٠٢
الآية : ٣٩
فيُقَدِّر أنْ ليس له العذابُ الباطن. واختار أن المعنى: لكلِّ منهم ضعفُ ما لكم من
العذاب(١). والظاهر ما عوَّلنا عليه.
﴿وَلَكِنْ لَّا تَعْلَمُونَ ﴿٣)﴾ ما لكم، أو ما لكلِّ فريقٍ، فلذا تكلمتُم بما يُشعِر
باعتقادكم استحقاقَ الرؤساءِ الضِّعفَ دونَكم، فالخطابُ علی التقدیرین للأتباع،
كما هو الظاهر.
وقيل: إنَّه على الأول للأتباع، وعلى الثاني للفريقين، بتغليبِ المخاطبين الذين
هم الأتباع على الغُيَّب الذين هم القادة.
وقرأ عاصم: ((لا يعلمون)) بالياء التحتية (٢) على انفصالِ هذا الكلام عمَّا قبله،
بأنْ يكونَ تذييلًاً لم يقصد به إدراجه في الجواب. ومَن ادَّعَى أنَّ الخطابَ للفريقين
على سبيل التغليب قال: إنَّ هذه القراءةَ على انفصالِ القادة من الأتباع، إذ عليها
لا يمكنُ القول بالتغليب، إذ لا يُغلَّبُ الغائبُ على المخاطب.
﴿وَقَالَتْ أُولَئُهُمْ لِأُخْرَهُمْ﴾ حين سمعوا جوابَ الله تعالى لهم. واللام هنا يجوزُ
أنْ تكون للتبليغ؛ لأنَّ خطابَهم لهم بدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ
عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي: إنَّا وإِيَّاكم متساوون في استحقاقِ العذاب وسببه، وهذا مُرتَّب
على كلام الله تعالى على وجه التسبُّب؛ لأنَّ إخبارَه سبحانه بقوله جلَّ وعلا: ((لكلِّ
ضعفٌ)) سببٌ لعلمهم بالمساواة، فالفاء جوابيَّةٌ لشرطٍ مقدَّرٍ، أي: إذا كان كذلك
فقد ثبتَ أنْ لا فضلَ لكم علينا. وقيل: إنَّها عاطفةٌ على مقدَّر، أي: دعوتُم الله
تعالى فسوَّى بيننا وبينكم، ((فما كان)) إلخ. وليس بشيء.
وأيًّاما كان فقد عنَوا بالفضلِ تخفيفَ العذاب ووحدةَ السبب.
وأمَّا ما قيل من أنَّ المعنى: ما كان لكم علينا من فضلٍ في الرأي والعقل، وقد
بلغَكم ما نزلَ بنا من العذاب، فلِمَ اتَّبعتمونا؟ فكما ترى.
وقيل: المعنى: ما كان لكم علينا في الدنيا فضلٌ بسبب اتِّباعكم إيَّانا، بل
(١) المفردات (ضعف).
(٢) وهي قراءة شعبة الراوي عن عاصم، وقرأ الباقون: ((تعلمون)) بالتاء. التيسير ص١١٠،
والنشر ٢٦٩/٢.
الآية : ٤٠
١٠٣
سُوَّةُ الْأَّغَافِ
اتّباعُكم وعدمُ اتِّباعِكم سواءٌ عندنا، فاتِّباعُكم إيَّانا كان باختيارِكم دون حملِنا لكم
عليه. وعليه فليس مرتَباً على كلام الله تعالى. وجوابُه كما في الوجه الأول.
﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ المضاعفَ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾﴾ أي: بسبب كسبكم، أو
الذي تكسبونَه. والظاهرُ أنَّ هذا من كلام القادة، قالوه لهم على سبيل التشَفِّي،
وترتُبه على ما قبلَه على القول الأخير في معنى الآية في غاية الظهور.
وجُوِّزَ أنْ يكون من كلام الله تعالى للفريقين على سبيل التوبيخ. والوقف على
((فضل)) .
وقيل: هو من مقولِ الفريقين، أي: قالت كلُّ فرقةٍ للأُخرى ((ذوقوا)) إلخ. وهو
خلافُ الظاهر جدًّا .
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا﴾ الدالَّةِ على أصول الدين وأحكام الشرع، كالأدلَّة
الدالّة على وجود الصانع ووحدته، والدالَّة على النبوَّة والمعاد، ونحوِ ذلك
﴿وَأَسْتَكْبُواْ عَنْهَا﴾ أي: بالغُوا في احتقارها وعدم الاعتناء بها، ولم يلتفتُوا إليها،
وضمُّوا أعينهم عنها، ونبذوها وراء ظهورهم، ولم يكتسُوا بحُلل مقتضاها، ولم
يعملُوا به ﴿لَا نُفَنَّعُ لَهُمْ﴾ أي: لأرواحهم إذا ماتوا ﴿أَوَبُ السَّمَاءِ﴾ كما تُفتَّح لأرواح
المؤمنین .
أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقيُّ وغيرهم عن أبي هريرة .
أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((الميت تحضرُه الملائكة، فإذا كان الرجلُ صالحاً، قال:
اخرجي أيتها النفسُ الطيبة كانت في الجسد الطيِّب، اخرجي حميدةً، وأبشري
برَوْحٍ وريحانٍ وربِّ راضٍ غيرٍ غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثمَّ
يُعْرَجُ بها إلى السماء، فيستفتحُ لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان.
فيقال: مرحباً بالنفس الطيِّبة كانت في الجسد الطيِّب، ادخُلي حميدةً، وأبشري
برَوْحٍ وريحانٍ وربِّ راضٍ غيرٍ غضبان. فلا تزال يقال لها ذلك حتى تنتهيَ إلى
السماء السابعة. وإذا كان الرجلُ سَوءاً قال: اخرجي أيَّتها النفسُ الخبيثة كانت في
الجسد الخبيث، اخرُجي ذميمةً، وأبشري بحميمٍ وغسَّاق، وآخرَ من شكله أزواج،
فلا تَزالُ يقال لها ذلك حتى تخرج، ثمَّ يُعْرَجُ بها إلى السماء، فُيستَفتح لها فيقال:
من هذا؟ فيقال: فلان بن فلان، فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد
سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ
١٠٤
الآية : ٤٠
الخبيث، ارْجعي ذميمةً، لا تفتحُ لكِ أبوابُ السماء. فترسلُ من السماء ثم تصيرُ
إلى القبر))(١). والأخبارُ في ذلك كثيرةٌ.
وقيل: لا تُفتَّحُ لأعمالهم ولا لدعائهم أبوابُ السماء، ورُوي ذلك عن الحسن
ومجاهد .
وقيل: لا تُفْتَّح لأرواحهم ولا لأعمالهم، ورُوي ذلك عن ابن جريج.
وقيل: المراد لا يصعدُ لهم عملٌ، ولا تنزلُ عليهم البركة.
وكونُ السماء لها أبوابٌ تُفتَّح للأعمال الصالحة والأرواح الطيبة قد تفتَّحت
له أبواب القبول؛ للنصوص الواردة فيه، وهو أمرٌ ممكنٌ أخبرَ به الصادقُ
فلا حاجةَ إلى تأويله، وكونُ السماءِ كرويَّةً لا تقبلُ الخرقَ والالتئام ممَّا لا يتمُّ
له دليلٌ عندنا، وظاهرُ كلام أهل الهيئة الجديدة جوازُ الخرقِ والالتئام على
الأفلاك.
وزعم بعضُهم أنَّ القولَ بالأبواب لا ينافي القولَ بامتناع الخرقِ والالتئام. وفيه
نظرٌ كما لا يخفى.
والتاء في ((تفتَّح)) التأنيث الأبواب، والتشديدُ لكثرتِها، لا لكثرةِ الفعل؛ لعدم
مناسبة المقام.
وقرأ أبو عمرو بالتخفيف، وحمزةُ والكسائيُّ به وبالياء التحتية(٢)، ورُوي ذلك
عن البراء بن عازب له عن رسول الله وَ﴾(٣)؛ لأن التأنيثَ غيرُ حقيقيٍّ، والفعلُ
مقدَّمٌ مع وجودِ الفاصل.
وقُرِئ على البناء للفاعل ونصب الأبواب، بالتاء الفوقيَّة على أنَّ الفعلَ مُسندٌ
إلى الآيات مجازاً؛ لأنَّها سببٌ لذلك. وبالياء على أنه مسندٌ إلى الله تعالى(٤).
(١) مسند أحمد (٨٧٦٩)، والسنن الكبرى للنسائي (١١٣٧٨)، ومستدرك الحاكم ٣٥٢/١-٣٥٣،
وإثبات عذاب القبر (٣٥). وهو أيضاً عند ابن ماجه (٤٢٦٢).
(٢) التيسير ص١١٠، والنشر ٢٦٩/٢. وقرأ أيضاً بالتخفيف والياء التحتية من العشرة خلف.
(٣) أورده السيوطي في الدر المنثور ٨٣/٣، وعزاه لابن مردويه.
(٤) الكشاف ٧٨/٢، وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٨٣.
الآية : ٤٠
١٠٥
سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ يومَ القيامة ﴿حَتَّى ◌َلِجَ﴾ أي: يدخلَ ﴿الْجَمَلُ﴾ هو البعيرُ إذا
بَزَلَ(١)، وجمعه جمال وأجمال وجِمالة، ويجمعُ الأخير على جِمَالات.
وعن ابن مسعود أنَّه سُئِل عن الجمل فقال: هو زوج الناقة. وعن الحسن أنه
قال: ابنُ الناقة الذي يقوم في المِرْبد(٢) على أربع قوائم. وفي ذلك استجهالٌ
للسائل، وإشارة إلى أنَّ طلبَ معنّى آخَرَ تكلُّفٌ.
والعربُ تضربُ به المثل في عِظَم الخِلقة، فكأنَّه قيل: حتى يدخلَ ما هو مَثَلٌ
في عِظمِ الجرم.
﴿فِي سَمِّ الْخِيَالِ﴾ أي: ثقبة الإبرة، وهو مثلٌ عندَهم أيضاً في ضيق المسلَك.
وذلك ممَّا لا يكون، فكذا ما توقَّف عليه، بل لا تتعلَّق به القُدرة لعدم إمكانه ما دامَ
العظيمُ على عِظمه والضيِّقُ على ضيقه، وهي إنَّما تتعلَّق بالممكنات الصرفة،
والممكنُ الولوجُ بتصغيرِ العظيم، أو توسيع الضيِّق.
وقد كثُر في كلامهم مثلُ هذه الغاية، فيقولون: لا أفعلُ كذا حتى يشيبَ
الغراب، وحتى يَبيضَّ القار، وحتى يؤوب القارظان(٣). ومرادُهم: لا أفعلُ كذا
أبداً .
وقرأ ابنُ عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة والشعبيُّ: ((الجُمَّل)) بضمِّ الجيم،
وفتح الميم المشدَّدة، كالقُمَّل(٤).
وقرأ عبد الكريم وحنظلة وابن عباس وابن جبير - في روايةٍ أخرى -: ((الجُمَل))
بالضم والفتح مع التخفيف، كنُغَر (٥) .
(١) بزل البعيرُ يبزُلُ بزولاً: فطر نابه، أي: انشق. اللسان (بزل).
(٢) المربد: هو الموضع الذي تحبس فيه الإبل وغيرها. الصحاح (ربد).
(٣) القَرَظ: ورق السلم، والقارظ مجتنيه. والقارظان: يَذْكُر بن عَنَزة وعامر بن رُهم، وكلاهما من
عنزة، خرجا في طلب القرظ فلم يرجعا. فقالوا: لا آتيك أو يؤوب القارظان. القاموس (قرظ).
وانظر: فصل المقال في أمثال العرب ص٣٧٣ -٣٧٤، والمستقصى في أمثال العرب
٥٨/٢-٥٩.
(٤) المحتسب ٢٤٩/١، والمحرر الوجيز ٤٠٠/٢.
(٥) المحتسب ٢٤٩/١.
سُورَةُ الأَّغَافِ
١٠٦
الآية : ٤١
وفي روايةٍ عن ابن عباس ﴿يَا أنَّه قرأ: ((الجُمْل)) بضم الجيم وسكون الميم،
كالقفل. و((الجُمُل)) بضمَّتين، كالنُّصُب. وقرأ أبو السمَّال: ((الجَمْل)) بفتح الجيم
وسكون الميم، كالحبل(١).
وفُسِّر في جميع ذلك بالحبل الغليظ من القِنَّب(٢). وقيل: هو حبلُ السفينة.
وقرِئ: ((في سمِّ)) بضمِّ السين وكسرها(٣)، وهما لغتان فيه. والفتحُ أشهر،
ومعناهُ الثقبُ الصغير مطلقاً. وقيل: أصلُه ما كان في عضوٍ، كأنفٍ وأذن.
وقرأ عبد الله: ((في سمِّ المخيط)) بكسر الميم وفتحها(٤)، وهو والخِيَاط ما يُخَاط
به، كالحِزام والمِحْزَم، والقِنَاع والمِقْنَع.
﴿َرَكَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الجزاء الفظيع ﴿نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ ﴾﴾ أي:
جنسَهم، وأولئك داخلونَ فيه دخولاً أوَّلِيًّا. وأصلُ الجَرْم قطعُ الثمرةِ عن الشجرة.
ويقال: أَجْرَمَ، صارَ ذا جرم، كأتمر وأثمر، ويستعملُ في كلامهم لاكتسابٍ
المكروه، ولا يكادُ يقال للکسبِ المحمود.
﴿لَمُ مِّنْ جَهَنََّ مِهَادٌ﴾ أي: فراشٌ من تحتهم، وتنوينُه للتفخيم. وهو فاعلُ
الظرف، أو مبتدأ، والجملة إمَّا مستأنفةٌ أو حاليةٌ. و((من)) تجريديَّة، والجارُّ
والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ((مهاد)»؛ لتقدمه.
﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ﴾ أي: أغطيةٌ، جمع غاشية. وعن ابن عباس ومحمد بن
كعب القرظيّ أنها اللُُّف.
والآية - على ما قيل - مثلُ قوله تعالى: ﴿لَم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُطلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِن تَخْنِهِمْ
◌ُظَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] والمرادُ أنَّ النارَ محيطةٌ بهم من جميع الجوانب.
ج
وأخرج ابن مردويه عن عائشةَ أنَّ النبيَّ ◌َّ تلا هذه الآية، ثمَّ قال: ((هي
طبقاتٌ من فوقه، وطبقاتٌ من تحته، لا يدري ما فوقَه أكثر أو ما تحته، غيرَ أنَّه
(١) القراءات الشاذة ص٤٣، والمحتسب ٢٤٩/١.
(٢) هو نوعٌ من الكَتَّان. القاموس (قنب).
(٣) القراءات الشاذة ص٤٣، والبحر المحيط ٤/ ٢٩٧.
(٤) القراءات الشاذة ص ٤٣ .
الآية : ٤٢
١٠٧
سُوَّةُ الأَشْرَافِ
ترفعُه الطبقاتُ السفلى، وتضعُه الطبقاتُ العليا، ويضيقُ فيما بينهما حتى يكونَ
بمنزلةِ الزُّجِّ في القدح))(١).
وتنوين ((غواش)) عوضٌ عن الحرف المحذوف أو حركته، والكسرةُ ليست
للإعراب، وهو غير منصرفٍ؛ لأنَّه على صيغة منتهى الجموع، وبعضُ العرب يعربُه
بالحركات الظاهرة على ما قبل الياء؛ لجعلها محذوفةً نسياً منسيًّا، ولذا قُرئ:
((غواشٌ)) بالرفع(٢)، كما في قوله تعالى: ((وله الجوارُ المنشآت)) [الرحمن: ٢٤] في
قراءة عبد الله(٣).
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومِثْلَ ذلك الجزاء الشديد ﴿نَجْزِى اُلَّالِمِينَ ﴾﴾ عبَّر عنهم
بالمجرمين تارةً، وبالظالمين أخرى، للتنبيه على أنَّهم بتكذيبهم بالآيات واستكبارهم
عنها جمعوا الصفتين.
وذَكرَ الجُرْمَ مع الحرمانِ من الجنَّة، والظلمَ مع التعذيب بالنار؛ تنبيهاً على أنَّه
أعظمُ الأجرام. ولا يخفى على المتأمِّل في لطائف القرآن العظيم ما في إعدادٍ
المهاد والغواشي لهؤلاء المستكبرين عن الآيات، ومنعهم من العروج إلى
الملكوت، وتقييدٍ عدم دخولهم الجنَّة بدخول البعير بخرقِ الإبرة، من اللطافة.
فلْيتأمَّل.
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: بآياتنا، ولم يُكَذِّبوا بها ﴿وَعَكِلُواْ﴾ الأعمال
﴿اَلضَلِحَتِ﴾ ولم يستكبروا عنها ﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: ما تَقدِرُ عليه
بسهولةٍ دونَ ما تضيقُ به ذَرْعاً .
والجملةُ اعتراضٌ وُسِّطَ بين المبتدأ وهو الموصول والخبر الذي هو جملة
﴿أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ للترغيبِ في اكتسابٍ ما يؤدِّي إلى النعيم المقيم، ببيان
سهولة مناله وتیسُّر تحصيله.
وقيل: المعنى: لا نُكلِّفُ نفساً إلا ما يثمرُ لها السَّعة، أي: جنةً عرضُها
(١) الدر المنثور ٨٥/٣.
(٢) القراءات الشاذة ص٤٣، والبحر المحيط ٢٩٨/٤.
(٣) القراءات الشاذة ص١٤٩ .
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
١٠٨
الآية : ٤٣
السماوات والأرض. وهو خلافُ الظاهر، وإن كانت الآية عليه لا تخلو عن
ترغيبٍ أيضاً.
وجُوِّز أنْ يكون اسمُ الإشارة بدلاً من الموصول، وما بعده خبرُ المبتدأ، وما فيه
من معنى البعد للإيذان ببعدٍ منزلتهم في الفضل والشرف.
وجُوِّزَ أيضاً أنْ تكون جملة ((لا نكلِّفُ)) إلخ خبرَ المبتدأ بتقدير العائد، أي:
منهم.
وقوله سبحانه: ﴿هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ﴾﴾ حالٌ من ((أصحاب الجنة))، وجُوِّزَ كونُه
حالاً من ((الجنة)) لاشتماله على ضميرها أيضاً، والعاملُ فيها معنى الإضافة، أو
اللام المقدَّرة.
وقيل: خبرٌ [ثانٍ] لـ ((أولئك))، على رأي من جوَّزه(١). و((فيها)) متعلِّقٌ
بـ ((خالدون))، وقُدِّم عليه رعايةً للفاصلة.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ﴾ أي: قلعنا ما في قلوبهم من حقدٍ مخفيٍّ فيها،
وعداوةٍ كانت بمقتضى الطبيعة لأمورٍ جرت بينهم في الدنيا. أخرج ابن جرير وابن
أبي حاتم وأبو الشيخ عن السُّدِّيِّ قال: إنَّ أهل الجنَّة إذا سيقُوا إلى الجنَّة فبلغوها،
وجدُوا عند بابها شجرةً، في أصل ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فُيُنْزَعُ ما في
صدورِهم من غلٍّ، فهو الشرابُ الطهور، ويغتسلون من الأخرى، فتجري عليهم
نَضْرةُ النعيم، فلن يشعثُوا ولن يشحبوا بعدها أبداً (٢).
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بلغني أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((يحبسُ أهل
الجنة بعد ما يَجُوزون الصراط حتى يؤخذَ لبعضِهم من بعضٍ ظلاماتهم في الدنيا،
فيدخلون الجنَّة وليس في قلوب بعضٍ على بعضٍ غلّ))(٣).
وقيل: المراد: طهَّرنَا قلوبَهم، وحفظنَاها من التحاسُد على درجات الجنَّة
(١) أي: على رأي مَن جوَّز أن يكون الخبر الثاني جملة، وما بين حاصرتين من تفسير
أبي السعود ٢٢٨/٣، والكلام منه.
(٢) تفسير الطبري ١٩٩/١٠، وتفسير ابن أبي حاتم ١٤٧٨/٥-١٤٧٩ (٨٤٧٠).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ١٤٧٨/٥ (٨٤٦٨).
الآية : ٤٣
١٠٩
سُوَّةُ الأَّغْرَافِ
ومراتب القرب، بحيثُ لا يَحسُدُ صاحب الدرجة النازلة صاحبَ الدرجة الرفيعة.
وهذا في مقابلةِ ما ذكره سبحانه من لعنِ أهلِ النار بعضهم بعضاً.
وأيّاً ما كان فالمراد: ننزع؛ لأنَّه في الآخرة؛ إلَّا أنَّ صيغةَ الماضي للإيذان
بتحقُّقه. وقيل: إنَّ هذا النزع إنَّما كان في الدنيا، والمراد عدم اتِّصافهم بذلك من
أوَّل الأمر، إلَّا أنَّه عَبَّر عن عدم الاتِّصاف به مع وجودٍ ما يقتضيه حسب البشريّة
أحياناً بالنزع مجازاً. ولعلَّ هذا بالنظر إلى كُمَّل المؤمنين كأصحاب رسول الله ێ،
فإنَّهم رحماءُ بينهم، يحبُّ بعضهم بعضاً كمحبته لنفسه، أو المراد إزالته بتوفيق الله
تعالى قبلَ الموت بعدَ أنْ كان بمقتضَى الطّباع البشرية .
ويَحتملُ أنْ يخرَّج على الوجهين ما أخرجه غيرُ واحدٍ عن عليٍّ كرَّم الله تعالى
وجهه أنَّه قال في هذه الآية: إنّي لأرجو أنْ أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم (١).
ويقال على الثاني فيما وقعَ مما يُنبئ بظاهره عن الغلِّ: إنَّه لم يكن إلَّا عن
اجتهادٍ إعلاءً لكلمة الله تعالى. ولا يخفى بُعد هذا المعنى وإنْ ساعدَه ظاهرٌ
الصيغة .
و ((من غل)) على سائر الاحتمالات حالٌ من ((ما)). وقوله سبحانه: ﴿تَجْرِى مِن
تَحِمُ الْأَنْهَرُ﴾ حالٌ أيضاً؛ إمَّا من الضمير في ((صدورهم))؛ لأنَّ المضافَ جزءٌ من
المضاف إليه، والعامل معنى الإضافة أو العامل في المضاف، وإمَّا من ضمير
((نزعنا)) على ما قيل، والعامل الفعل. واختار بعضُهم أنَّ الجملةَ مستأنفةٌ للإخبار
عن صفة أحوالهم.
والمراد: تجري من تحت غُرفِها مياهُ الأنهار زيادةً في لذَّتهم وسرورهم.
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٩٩/١ عن معمر عن قتادة عن علي، ومن طريقه ابن
أبي حاتم ١٤٧٨/٥ (٨٤٦٧).
وأخرجه الطبري ١٩٩/١٠ من رواية محمد بن ثور عن معمر به.
وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١١٣/٣ من رواية محمد بن جعفر عن أبيه عن علي.
قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص٦٤ عن الطريقين: وكلاهما منقطع.
وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٨١/١٥- ٢٨٢ من رواية ربعي بن حراش عن علي. قال الحافظ ابن
حجر: وهو متصل.
سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ
١١٠
الآية : ٤٣
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا﴾ الفوزِ العظيم والنعيم المقيم، والمراد الهدايةُ
لما أدى إليه من الأعمال القلبيَّة والقالبيَّة مجازاً، وذلك بالتوفيق لها، وصرفٍ
الموانع عن الاتِّصاف بها .
وقيل: المرادُ من الهداية لِمَا هم فيه من النعيم مجاوزةُ الصراط إلى أنْ وصلوا
إليه .
ومن الناس من جعل الإشارة إلى نزع الغلِّ من الصدور. ولا أراهُ شيئاً .
﴿وَمَا كَُّا لِنَهْتَدِىَ﴾ أي: لهذا، أو لمطلبٍ من المطالب التي هذا من جملتها
﴿لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اللَّهُ﴾ وَفَّقنا له. واللام لتأكيد النفي، وهي المسماةُ بلام الجحود.
وجوابُ ((لولا)) محذوفٌ؛ لدلالة ما قبله عليه، وليس إِيَّاه؛ لامتناع تقدُّم الجواب
على الصحيح. ومفعول ((نهتدي)) و((هدانا)) الثاني محذوفٌ؛ لظهور المراد، أو
الإرادة التعميم كما أشير إليه، والجملةُ حاليَّةٌ أو استئنافيَّةٌ.
وفي مصاحف أهل الشام: ((ما كنا)) بدون واو، وهي قراءة ابن عامر(١)،
فالجملةُ کالتفسیرِ للأولى.
وهذا القولُ من أهل الجنة لإظهار السرور بما نالوا والتلذُّذِ بالتكلُّم به لا للتقرُّب
والتعبُّد؛ فإنَّ الدارَ ليست لذلك، وهذا كما ترى مَن رُزِقَ خيراً في الدنيا يتكلَّمُ بنحو
هذا ولا يتمالكُ أنْ لا يقوله؛ للفرح، لا للقربة.
وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ جَمَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِأَلَقِّ﴾ جملةٌ قسميّةٌ لم يُقصد بها التقرُّبُ
أيضاً، وهي بيانٌ لصدقٍ وعد الرسل عليهم السلام إيّاهم بالجنَّة، على ما نصَّ عليه
بعض الفضلاء. وقيل: تعلیلٌ لهدایتھم.
والباء إمَّا للتعدية، فهي متعلِّقة بـ ((جاءت))، أو للملابسة، فهي متعلِّقةٌ بمقدَّرٍ
وقعَ حالاً من الرّسل.
ولا يخفى ما في هذه الآية من الردِّ الواضح على القدريَّةِ الزاعمين أنَّ كلَّ مهتدٍ
خلقَ لنفسه الهدى، ولم يخلق الله تعالی له ذلك.
(١) التيسير ص ١١٠، والنشر ٢٦٩/٢.
الآية : ٤٣
١١١
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
ودونك فاعرِضْ قول المعتزلة في الدنيا: المهتدي من اهتدى بنفسه. على
قول الله تعالى حكايةً عن قول الموحِّدين في مقعد صدقٍ: ﴿وَمَا كُثَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلاً أَنْ
هَدَنَا اللهُ﴾ واخترْ لنفسك أيَّ الفريقين تقتدي به، ولا أراكَ أيُّها العاقلُ تعدلُ
بما نوَّهَ الله تعالى به قولَ ضالٌّ يتذبذبُ مع هواه وتعصُّبه.
ولما رأى الزمخشريُّ(١) هذه الآية كافحةً في وجوه قومه فسَّر الهدى باللطف
الذي بسببه يخلقُ العبدُ الاهتداءَ لنفسه، وهو لعمري كلامُ من حُرِمِ اللُّطفَ،
نسألُ الله تعالى العفو والعافية.
﴿وَنُودُوَا﴾ أي: نادتهم الملائكةُ، وجَوَّز بعضُهم احتمالَ أنْ المناديَ هو الله،
والآثارُ تؤيِّدُ الأوَّل.
﴿َنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ أي: أَيْ تلكم، على أنَّ ((أنْ)) مفسِّرةٌ؛ لما في النداء من معنى
القول. ويجوزُ أنْ تكونَ مخفَّفةً من ((أن))، وحرفُ الجرِّ مقدَّر، واسمُها ضميرُ شأنٍ
محذوف، أي: بأنَّها، أو بأنَّه تلكم؛ وأوجب البعضُ الأول(٢) بناءً على أنَّه يجبُ
أنْ يؤنَّث ضميرُ الشأن إذا كان المسندُ إليه في الجملة المفسَّرة مؤنَّئاً، والصحيح
عدمُ الوجوب على ما صرَّح به ابنُ الحاجب وابن مالك.
ومعنى البعد في اسم الإشارة؛ إمَّا لرفع منزلتها وبعدِ مرتبتها، وإمَّا لأنَّهم نودوا
عند رؤيتهم إيَّها من مكانٍ بعيد، وإمَّا للإشعار بأنَّها تلك الجنَّةُ التي وعدوها في
الدنيا، وإليه يشيرُ كلام الزَّجَّاج(٣).
والظاهر أنَّ (تلكم الجنة)) مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه: ﴿أُوْرِثْتُمُوهَا﴾ حالٌ من
((الجنَّة))، والعاملُ فيها معنى الإشارة، ويجوز أن تكون ((الجنَّة)) نعتاً لـ ((تلكم)) أو
((بدلاً))، و((أورثتموها)) الخبر. ولا يجوز أنْ يكون حالاً من المبتدأ، ولا من ((كم))
كما قاله أبو البقاء(٤)، وهو ظاهر.
(١) في الكشاف ٧٩/٢.
(٢) في الأصل و(م): الثاني. وهو خطأ. والمثبت من حاشية الشهاب ٤/ ١٧٠.
(٣) في معاني القرآن له ٢/ ٣٤٠.
(٤) في الإملاء ٣/ ١٠- ١١.
٠
سُورَةُ الأَغْرَافِ
١١٢
الآية : ٤٣
والتزم بعضُهم في توجيه البعد أنَّ ((تلكم)) خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هذه تلكم
الجنة الموعودة لكم قبل. أو مبتدأ حُذِفَ خبرُه، أي: تلك الجنة التي أخبرتم عنها
- أو وُعِدتم بها في الدنيا - هي هذه. ولا حاجة إليه.
والمنادى له أولاً وبالذات كونُها موروثةً لهم، وما قبلَه توطئةٌ له، والميراثُ
﴾ في الدنيا من
مجازٌ عن الإعطاء، أي: أعطيتُموها ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
الأعمال الصالحة. والباء للسببيَّة، وتُجُوِّزَ بذلك عن الإعطاء إشارةً إلى أنَّ السببَ
فيه ليس موجباً، وإن كان سبباً بحسب الظاهر، كما أنَّ الإرث ملكٌ بدون کسبٍ،
وإنْ كان النَّسبُ مثلاً سبباً له.
والباء في قوله {وَّهـ على ما في بعض الكتب -: ((لن يدخل أحدكم الجنَّة
بعمله))(١)، وكذا في قوله عليه الصلاة والسلام على ما في الصحيحين من حديث
أبي هريرة وجابر: ((لن ينجو أحدٌ منكم بعملِه))(٢) = للسبب التامٌّ، فلا تَعَارُض.
وجُوِّزَ أنْ تكون الباءُ فيما نحن فيه للعوض، أي: بمقابلة أعمالكم.
وقيل: تلك الإشارةُ إلى منازل في الجنَّة هي لأهل النار لو كانوا أطاعوا،
جعلها الله تعالى إرثاً للمؤمنين، فقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدِّيّ قال:
ما من مؤمنٍ ولا كافرٍ إلَّ وله في الجنَّة والنار منزلٌ مبين، فإذا دخلَ أهلُ الجنَّة
الجنَّةَ وأهلُ النَّار النَّار، ودخلوا منازلهم، رُفعت الجنة لأهل النار، فنظروا إلى
منازلهم فيها، فقيل: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله تعالى. ثم يقال: يا أهل
الجنة، رِئوهم بما كنتم تعملون، فيقتسم أهل الجنة منازلهم(٣). وأنت تعلم أنَّ
القول بهذا الإرث الغريب لا يدفعُ الحاجةَ إلى المجاز.
وزعم المعتزلة أنَّ دخولَ الجنة بسبب الأعمال لا بالتفضُّل؛ لهذه الآية،
(١) أخرجه أحمد (٧٤٧٩) عن أبي هريرة بلفظ: ((لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله)). وهو عند
البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦): (٧٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((لن يدخل أحداً
منكم عمله الجنة)) ولا شاهد فيه بهذا اللفظ.
(٢) أخرجه مسلم (٢٨١٦): (٧٦) من حديث أبي هريرة، و(٢٨١٧) من حديث جابر، وأخرجه
البخاري (٦٤٦٣) عن أبي هريرة، ولفظه فيه: ((لن ينجي أحداً منكم عملُه)).
(٣) الدر المنثور ٨٥/٣، وهو في تفسير الطبري ٢٠٢/١٠.
الآية : ٤٤
١١٣
سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ
ولا يخفى أنَّه لا محيصَ لمؤمنٍ عن فضل الله تعالى، لأنَّ اقتضاء الأعمال لذاتها
دخولَ الجنة، أو إدخالَ الله تعالى ذويها فيها، ممَّا لا يكادُ يعقل، وقصارى ما يُعقل
أنَّ الله تعالى تفضّل فرتَب عليها دخول الجنة، فلولا فضله لم يكن ذلك.
وأنا لا أرى أكثر جرأةً من المعتزلة في هذا الباب، ككثيرٍ من الأبواب؛ فإنَّ مآلَ
كلامهم فيه أنَّ الجنة ونعيمها الذي لا يتناهى أقطاعُهم بحقِّ مستحَقِّ على الله تعالى
الذي لا ينتفع بشيء ولا يتضرَّر بشيءٍ، لا تفضُّل له عليهم في ذلك، بل هو بمثابة دَيْنٍ
أَدِّيَ إلى صاحبه. سبحانك هذا بهتانٌ عظيم، وتكذيبٌ لغير ما خبرٍ صحيحٍ.
﴿وَنَدَّ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ﴾ بعد الاستقرار فيها كما هو الظاهر، وصيغة الماضي
لتحقُّق الوقوع، والمعنى: ينادي ولا بدَّ كلُّ فريقٍ من أهل الجنة ﴿أَحْخَبَ النَّارِ﴾ أي:
مَن كان يعرفُه في الدنيا من أهلها تبجّحاً بحالهم، وشماتةً بأعدائهم، وتحسيراً لهم،
لا لمجرَّد الإخبار والاستخبار ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَ﴾ على ألسنة رسله عليهم
السلام من النعيم والكرامة ﴿حَّ﴾ حيث نلنا ذلك ﴿فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ أي:
ما وعدكم من الخزي والهوان والعذاب ﴿حَقًّا﴾ وحُذِف المفعول تخفيفاً وإيجازاً،
واستغناءً بالأول.
وقيل: لأنَّ ما ساءهم من الوعودِ لم يكن بأسره مخصوصاً بهم وعدُه، كالبعث
والحساب ونعيم أهل الجنَّة، فإنَّهم قد وجَدوا جميعَ ذلك حقّاً، وإنْ لم يكن وعدُه
مخصوصاً بهم.
وتُعقِّبَ بأنَّه لا خفاءَ في كون أصحاب الجنة مصدِّقينَ بالكلِّ، والكلُّ ممَّا
يسرُّهم، فكان ينبغي أنْ يُطلق وعدهم أيضاً، فالوجه الحملُ على ما تقدم.
ونصب ((حقًّا)) في الموضعين على الحاليَّة، وجُوِّز أنْ يكون على أنَّه مفعولٌ
ثانٍ، ویکون (وجد)» بمعنى علم.
والتعبيرُ بالوعد قيل: للمشاكلة. وقيل: للتهكُّم. ومن الناس من جَوَّزَ أنْ يكون
مفعولُ ((وعد)) المحذوفُ (نا))، وحينئذٍ فلا مشاكلة ولا تهكُّم. وأيًّا ما كان لا يستبعدُ
هذا النداءُ هناك، وإن بَعُدَ ما بين الجنَّة والنار من المسافة كما لا يخفى.
﴿قَالُوا﴾ في جواب أصحاب الجنة: ﴿نَعَرْ﴾ قد وجدنا ذلك حقًّا .
سُوَّةُ الأَّغَافِ
١١٤
الآية : ٤٥
وقرأ الكسائيُّ: (نَعِم)) بكسر العين(١) وهي لغةٌ فيه نسبت إلى كِنانة وهذيل.
ولا عبرةَ بمن أنكرهُ مع القراءةِ به، وإثباتِ أهل اللغة له بالنقل الصحيح.
نعم ما رُويّ من أنَّ عمر ◌َهُ سَأل قوماً عن شيءٍ فقالوا: نَعَم. فقال عمر:
أمَّا النعَم فالإبل، قولوا: نَعِمَ. لا أراه صحيحاً؛ لما فيه من المخالفةِ لأصحِّ
الفصيح.
﴿فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ هو - على ما روي عن ابن عباس ◌ًَّا - صاحبُ الصور عليه
السلام، وقيل: مالك خازنُ النار. وقيل: ملكٌ من الملائكة غيرهما يأمرُه الله تعالى
بذلك.
ورواية الإماميَّة عن الرِّضا وابن عباس أنَّه علي كرَّم الله تعالى وجهه ممَّا لم
يثبت من طريق أهل السنة، وبعيدٌ عن هذا الإمام أنْ يكون مؤذِّناً وهو إذ ذاك في
حظائر القدس.
﴿بَهُمْ﴾ أي: الفريقين، لا بين القائلين: ((نعم))، كما قيل. ولا يَرِدِ أنَّ الظاهرَ
أنْ يقال: بينهما، لأنَّه غيرُ متعيِّن.
﴿أَنْ لَّغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ
بـ ((أنْ)) المخفَّفة أو المفسِّرة، والمرادُ الإعلامُ
٤٤
بلعنةِ الله تعالى لهم زيادةً لسرور أصحاب الجنَّة، وحزنِ أصحاب النار، أو ابتداءُ
لعنٍ.
وقرأ ابن كثير(٢) وابن عامر وحمزةُ والكسائيُّ ((أنَّ لعنةَ الله)) بالتشديد
والنصب.
وقرأ الأعمشُ بكسر الهمزة (٣)، على إرادة القول بالتضمين أو التقدير، أو على
الحكاية بـ ((أذَّنَ))؛ لأنَّه في معنى القول، فيجري مجراه.
﴿الَّذِينَ يَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّ﴾ أي: يصدُّون بأنفسهم عن دينه سبحانه، ويُعرِضونَ
عنه. فالموصول صفةٌ مقرِّرةٌ للظالمين؛ لأنَّ هذا الإعراض لازمٌ لكلِّ ظالم.
(١) التيسير ص ١١٠. والنشر ٢٦٩/٢.
(٢) من رواية البزي عنه، وبخُلْفٍ عن قالون. انظر التيسير ص ١١٠، والنشر ٢٦٩/٢.
(٣) تفسير القرطبي ٢٢٥/٩، والبحر المحيط ٣٠١/٤.
الآية : ٤٦
١١٥
سُورَةُ الأَِّغَافِ
وجُوِّزَ القطعُ بالرفع أو النصب، وكلاهما على الذمِّ، وأمر الوقف ظاهر. وفسَّر
الإمام النسفيُّ الصدَّ هنا بمنع الغير(١)، وعليه فلا تقرير؛ والمعنى: يمنعونَ الناس
عن دين الله تعالى بالنهي عنه، وإدخال الشُّبَهِ في دلائله.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يطلبونَ اعوجاجها ويذمُّونها، فلا يؤمنون بها، أو يطلبونَ
لها تأويلاً وإمالةً إلى الباطل؛ فالعوجُ إمَّا على أصله، وهو الميلُ، وإمَّا بمعنى
التعويج والإمالة.
ونصبُه قيل: على الحاليَّة. وقيل: على المفعوليَّة. وجَوَّز الطبرسيُّ أنْ يكونَ
نصباً على المصدرِ، كـ: رَجَعَ القهقرى، واشتملَ الصمّاءَ، وذَكَر أنَّ العوج بالكسر
يكون في الدين والطريق، وبالفتح في الخلقة، فيقال: في ساقه عَوجٌ. بالفتح، وفي
دينه عِوَجٌ. بالكسر(٢).
وقال الراغب: العَوَجُ يقال فيما يُدْرك بالبصر، كالخشب المنتصب ونحوه.
والعِوَج يقال فيما يدرك بفكرٍ وبصيرةٍ، كما يكونُ في أرضٍ بسيطٍ، وكالدين
والمعاش. وسيأتي لذلك تتمَّة إن شاء الله تعالى(٣).
﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَفِرُونَ
﴾ أي: غيرُ معترفين بالقيامة وما فيها. والجارُّ متعلِّقٌ
٤٥
بما بعده، والتقديمُ لرعاية الفواصل، والعدولُ عن الجملة الفعليَّة إلى الاسمية
للدِّلالة على الدوام والثبات، إشارةً إلى رسوخ الكفر فيهم.
﴿وَبَهُمَا حِجَابٌ﴾ أي: بين الفريقين، كقوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَتْنَهُمُ بِسُورٍ﴾
[الحديد: ١٣]. أو بين الجنَّة والنار حجابٌ عظيم؛ ليمنعَ وصولَ أثر إحداهما إلى
الأخرى، وإنْ لم يمنع وصولَ النداء. وأمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا.
﴿وَ عَلَى الْأَغْرَانِ﴾ أي: أعراف الحجاب، أي: أعاليه؛ وهو السورُ المضروب
بينهما، جَمْعُ عُرْف، مستعارٌ من عُرْف الدابَّة والديك.
(١) تفسير النسفي ٥٤/٢، وهو على هذا القول متعدٍّ من صدَّه صدًّا، وعلى الأول لازم من صدَّ
صدوداً، ينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٩) من سورة التوبة.
(٢) مجمع البيان ٨/ ٦٢.
(٣) عند تفسير الآية الأولى من سورة الكهف، وكلام الراغب في مفرداته (عوج).
سُوَّةُ الْأَّغْرَافِ
١١٦
الآية : ٤٦
وقيل: العرفُ ما ارتفعَ من الشيء، أي: أعلى موضعٍ منه؛ لأنه أشرفُ وأعرف
ممَّا انخفضَ منه.
وقيل: ذاك جبلُ أحد. فقد روي عنه وَّ: ((أحدٌ يحبنا ونحبه، وإنَّه يوم القيامة
يمثلُ بين الجنَّة والنار، يُحبَسُ عليه أقوامٌ يَعرفون كلَّا بسيماهم، وهم إنْ شاء الله
تعالى من أهل الجنة))(١).
وقيل: هو الصراط. ورُوي ذلك عن الحسين بن الفضل (٢).
وحُكِيَ عن بعضهم أنَّه لم يفسر ((الأعراف)) بمكانٍ، وأنَّه قال: المعنى: وعلى
معرفةٍ أهل الجنة والنار ﴿رِجَالٌ﴾.
والحقُّ أنه مكانٌ، والرجال طائفةٌ من الموحِّدين، قَصَّرت بهم سيِّئاتُهم عن
الجنة، وتجاوزت بهم حسناتُهم عن النار، جُعِلوا هناك حتى يُقضَى بين الناس،
فبينما هم كذلك إذ اطّلع عليهم ربُّهم، فقال لهم: قوموا ادخلوا الجنَّة، فإني غفرتُ
لكم. أخرجه أبو الشيخ والبيهقي(٣) وغيرهما عن حذيفة.
وفي روايةٍ أخرى عنه: يَجمعُ الله تعالى الناس ثم يقولُ لأصحاب الأعراف:
ما تنتظرون؟ قالوا: ننتظرُ أمرك، فيقال: إنَّ حسناتِكم تجاوزت بكم النار أنْ
تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنَّة خطاياكم، فادخلوها بمغفرتي ورحمتي (٤).
وإلى هذا ذهب جمعٌ من الصحابة والتابعين.
(١) ذكره ابن أبي زمنين في تفسيره ١٢٥/٢ من طريق إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن
النبي ◌َّ﴿ مرسلاً. وقوله: ((أحدٌ يحبنا ونحبه)) أخرجه البخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٩٣)
وأحمد (١٢٤٢١) من حديث أنس څته .
وأخرجه أيضاً البخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢)، وأحمد (٢٣٦٠٤) من حديث أبي حميد
الساعدي تطي
.
(٢) في (م): المفضل، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل ومجمع البيان ٦٥/٨، وعنه نقل
المصنف، والحسين بن الفضل البجلي من أئمة المفسرين، وأقواله في كتب التفسير
منثورة .
(٣) في البعث والنشور له (١١٠)، وأخرجه أيضاً الطبري ٢١٣/١٠.
(٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (١١١).
الآية : ٤٦
١١٧
سُوَرَّةُ الأَغْرافِ
وقيل: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجلَسهم الله تعالى على أعالي ذلك
السور تمييزاً لهم على سائر أهل القيامة، وإظهاراً لشرفهم وعلوٍّ مرتبتهم.
ورَوى الضحاك عن ابن عباس أنَّهم العباس وحمزة وعليٍّ وجعفر ذو
الجناحين ◌َّ، يجلسونَ على موضعٍ من الصراط، يعرفونَ محِّیھم ببياض الوجوه،
ومبغضيهم بسوادها (١).
وقيل: إنَّهم عدولُ القيامة الشاهدون على الناس بأعمالهم، وهم من كلِّ أمة.
﴾(٢)
حكاه الزهري
وأخرج البيهقيُّ وابن أبي حاتم وابنُ مردويه وأبو الشيخ والطبرانيُّ وغيرهم أنَّ
رسولَ الله ◌َّه سُئِل عن أصحابِ الأعراف فقال: ((هم أناسٌ قُتِلوا في سبيل الله
بمعصية آبائهم، فمنعَهم من دخول الجنَّة معصيةُ آبائهم، ومنعَهم من دخول النَّار
قتلُهم في سبيل الله))(٣).
وقيل: هم أناسٌ رضي عنهم أحدُ أبويهم دون الآخر.
وقال الحسن البصريُّ: إنَّهم قومٌ كان فيهم ◌ُجْبٌ.
وقال مسلم بن يسار: هم قومٌ كان عليهم دَیْنٌ.
وقيل: هم أهل الفترة. وقيل: أولاد المشركين. وفي روايةٍ عن ابن عباس
أنَّهم أولاد الزِّنى، وعنه أيضاً أنَّهم مساكينُ أهل الجنة.
وعن أبي مسلم أنَّهم ملائكةٌ يُرَون في صورة الرجال، لا أنَّهم رجالٌ حقيقةً؛
لأنَّ الملائكةَ لا يوصفون بذكورةٍ ولا أنوثة.
(١) ذكره الذهبي في الميزان ٣٥٢/٢، وفي إسناده عاصم بن سليمان، قال عنه النسائي: متروك،
وقال الدارقطني: كذاب، وقال ابن عدي: يعدُّ ممن يضع الحديث. وعدَّ الذهبي هذا الخبر
من بلاياه. وهو يرويه عن جويبر، وهو متروك، كما أن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٢) في المحرر الوجيز ٤٠٤/٢، وتفسير القرطبي ٢٢٨/٩ عزوه للزهراوي.
(٣) أخرجه البيهقي في البعث (١١٢)، وابن أبي حاتم ١٤٨٤/٥ (٨٤٩٨)، والطبراني في
الأوسط (٣٠٥٣).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٣/٧: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه محمد بن
مخلد الرعيني، وهو ضعيف.
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
١١٨
الآية : ٤٦
وقيل وقيل، وأرجحُ الأقوال - كما قال القرطبيُّ - الأول. وجمع بعضُهم بينها
بأنَّه يجوزُ أن يجلس الجميعُ ممن وردَ فيهم أنَّهم أصحابُ الأعرافِ هناك مع تفاوتٍ
مراتبهم، على أنَّ من هذه الأقوال ما لا يخفى تداخله.
ومن الناس من استظهرَ القول بأنَّ أصحابَ الأعراف قومٌ عَلَت درجاتُهم؛ لأنَّ
المقالات الآتية وما تتفرَّعُ هي عليه لا تليقُ بغيرهم.
ـعِفُونَ كُلّ﴾ من أهل الجنَّة والنار ﴿بِسِمَنْهُمْ﴾ بعلامتِهم التي أعلمهم الله تعالى
بها، كبياض الوجوه بالنسبة إلى أهل الجنة، وسوادِها بالنسبة إلى أهل النار. ووزنُه
فِعْلَى من سام إِلَه: إذا أرسلها في المرعى معلمة، أو من: وَسَمَ، على القلب،
كالجاه من الوجه، فوزنه عِفْلَى، ويقال: سِيْمَاء بالمد، وسِيمياء ككبرياء؛ قال
الشاعر :
له سِيْمِيَاءُ ما تَشُقُّ على البصر (١)
ومعرفتهم أنَّ كذا علامةُ الجنة وكذا علامة النار تكون بالإلهام، أو بتعليم
الملائكة، وهذا كما روي عن أبي مجلز ظُبه: قبلَ أنْ يدخلَ أهلُ الجنَّة الجنَّة،
وأهلُ النار النار. واستظهره بعضهم؛ إذ لا حاجةَ بعد الدخول للعلامة، ويشعرُ
كلامُ آخرين أنَّه بعده. والباء للملابسة.
﴿وَنَادَوْا﴾ أي: رجال الأعراف ﴿أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ حين رأوهم وعرفوهم ﴿أَنْ سَلَمّ
عَلَيْكُمْ﴾ بطريق الدعاء والتحيَّة، أو بطريقِ الإخبار بنجاتِهم من المكاره ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾.
حالٌ من فاعل ((نادوا))، أو من مفعوله.
حالٌ من فاعل ((يدخلوها)) أي: نادوهم وهم
وقوله سبحانه: ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ
لم يدخلوها حالَ كونهم طامعين في دخولها، مترقِبين له، أي: لم يدخلوها وهم
في وقتٍ عدم الدخول طامعون. قاله بعضهم.
وفَسَّر الطمعَ باليقينِ الحسنُ وأبو عليّ، وبه فُسِّر في قوله تعالى - حكايةً عن
إبراهيم عليه السلام -: ﴿وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَّتِىِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
(١) هو عجز بيت لابن عنقاء الفزاري، وصدره: غلام رماه الله بالخير يافعاً.
وهو في الأمالي ٢٣٧/١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٥٨٨، والأغاني ٢٠٨/١٩.
الآية : ٤٧
١١٩
سِوَرَةُ اللَّعْرَافِ
وفي ((الكشاف)) أنَّ جملةَ ((لم يدخلوها)) إلخ لا محلَّ لها؛ لأنَّها استئنافٌ، كأنَّ
سائلاً سألَ عن حال أصحاب الأعراف، فقيل له: ((لم يدخلوها وهم يطمعون))،
وجَوَّزَ أن يكون في محلِّ الرفع صفةً لـ ((رجال))(١). وضُعِّفَ بالفصل.
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ ثِلِقَةَ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ أي: إلى جهتهم، وهو في الأصل مصدر،
وليس في المصادر ما (٢) هو على وزن تفعال بكسر التاء غيره وغير تبيان وزلزال(٣)،
ثم استعمِل ظرفَ مكان بمعنى جهة اللقاء والمقابلة.
ويجوز عند السبعة إثباتُ همزتِه وهمزة ((أصحاب))، وحذفُ الأولى وإثبات
الثانية (٤).
وفي عدم التعرُّض لتعلَّق أنظارهم بأصحاب الجنَّة، والتعبيرِ عن تعلُّق أبصارهم
بأصحاب النار بالصرف، إشعارٌ - كما قال غيرُ واحد - بأنَّ التعلُّقَ الأول بطريقٍ
الرغبة والميل، والثاني بخلافه، فمن زعمَ أنَّ في الكلام الأوَّل شرطاً محذوفاً لم
يأتِ بشيء.
﴿قَالُوا﴾ متعوِّذين بالله سبحانه من سوءٍ ما رَأوا من حالهم: ﴿رَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ
الظّلمِينَ
﴾ أي: لا تجمعنا وإيّاهم في النار. وفي وصفهم بالظلم دونَ ما هم عليه
٤٧
حينئذ من العذاب وسوء الحال الذي هو المُوجِبُ للدعاءِ إشعارٌ بأنَّ المحذورَ
عندهم ليسَ نفس العذاب فقط، بل ما يؤدّي إليه من الظلم.
وفي الآية - على ما قيل - إشارةٌ إلى أنَّه سبحانه لا يجب عليه شيءٌ.
(١) الكشاف ٢/ ٨٢-٨٣.
(٢) في (م): وما.
(٣) من الواضح أن وزن زلزال: فعلال، فلعله سبق قلم من المؤلف رحمه الله. انظر الدر
المصون ٣٣١/٥، وحاشية الخفاجي ١٧٢/٤، والكلام فيهما دون كلمة: زلزال. وانظر
لسان العرب (زلل).
(٤) لهم في الهمزتين المفتوحتين إذا كانتا في كلمتين ثلاثة مذاهب:
الأول: حذف الهمزة الأولى وإثبات الثانية، وهي قراءة أبي عمرو، وقالون الراوي عن
نافع، والبزي الراوي عن ابن كثير.
والثاني: جعل الثانية کالمدّة، وهي قراءة ورش راوي نافع، وقنبل راوي ابن كثير.
والثالث: تحقيق الهمزتين، وهو مذهب الباقين. انظر التيسير ص ٣٣.
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
١٢٠
الآية : ٤٨
وزعم بعضهم أنَّه ليس المقصود فيها الدعاء، بل مجرَّدُ استعظام حال
الظالمين.
وقرأ الأعمش: (وإذا قلبت أبصارهم))(١). وعن ابن مسعود وسالم مثلُ ذلك.
﴿وَنَدَّ أَصْحَبُ اَلْأَعْرَافِ﴾ كرَّر ذكرَهم مع كفاية الإضمار لزيادة التقرير.
وقيل: لم يكتف بالإضمار؛ للفرق بين المراد منهم هنا، والمراد منهم فيما
تقدَّم، فإنَّ المنادَى هناك الكلُّ وهنا البعض.
وفي إطلاق أصحاب الأعراف على أولئك الرجال بناءً على أنَّ مآلَهم إلى
الجنَّة: دليلٌ على أنَّ عنوان الصحبة للشيء لا يستدعي الملازمة له، كما زعمه
البعض .
﴿رِجَالًا﴾ من رؤساء الكفرة، كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل
حين رأوهم فيما بين أصحاب النار ﴿يَعِفُونَهُ بِسِيمَهُمْ﴾ بعلامتهم التي أعلمهم الله
تعالى بها من سوادٍ الوجه، وتشويه الخلق، وزرقة العين، كما قال الجبائيُّ. أو
بصورهم التي كانوا يعرفونَهم بها في الدنيا، كما قال أبو مسلم. أو بعلامتهم
الدالّة على سوء حالهم يومئذٍ، وعلى رياستهم في الدنيا، كما قيل، ولعلَّه
الأولى.
وأيّاً ما كان فالجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بما عنده، ويفهم من كلام بعضهم - وفيه
بعدٌ - أنَّه متعلِّقٌ بـ ((نادى))، والمعنى: نادوا رجالاً يعرفونهم في الدنيا بأسمائهم
وكناهم وما يُدعَون به من الصفات.
﴿قَالُواْ﴾ بيانٌ لـ ((نادى))، أو بدلٌ منه ﴿مَا أَغْنَ عَنكُمْ﴾ استفهام للتقريع والتوبيخ،
ويجوزُ أنْ يراد النفي، أي: ما كفاكم ما أنتم فيه ﴿جَمْعُكُ﴾ أتباعكم وأشياعكم،
أو: جمعکم المال، فهو مصدرٌ مفعوله مقدرٌ.
﴾ أي: واستكباركُم المستمرُّ عن قَبول الحقِّ، أو على
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبُونَ (®
الخلق، وهو الأنسبُ بما بعده.
(١) الكشاف ٢/ ٨١، والبحر المحيط ٣٠٣/٤.