Indexed OCR Text
Pages 41-60
الآية : ١٣ ٤١ سُورَّةُ الأَغَرَافِ ومعبده. ومعنى أمره بالخروج منها: أمرُه بقطع علائقه عنها، واتخاذِها مأوى له بعدُ، وهذا كما تقول لمن غصبَ دارك مثلاً عند نحو القاضي: اخرجْ من داري. مع أنَّه إذ ذاك ليس فيها، تريد: لا تدخلها، واقطع علائقك عنها . وقيل: الضميرُ للأرض، فقد رُوي أنَّه أُخرجَ منها إلى الجزائر، وأُمِر أنْ لا يدخلَها إلَّا خفيَةً. ويبعدُهُ(١) أنَّه لا يظهرُ للتخصيص في قوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ أي: فما يصحُّ ولا يستقيم ولا يليقُ بشأنك ﴿أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ على هذا وجهٌ إلَّا على بُعْدٍ، وأمَّا على الأوجه السابقة فالوجهُ ظاهر؛ وهو مزيدُ شرافة المخرَج منه، وعلوُّ شأنه، وتقدُّسُ ساحته، ومن هنا يعلم أنَّه لا دلالة في الآية على جواز التكبُّر في غير ذلك عند القائلين بالمفهوم. والجملة تعليلٌ للأمر بالهبوط، ولا يخفى لطافةُ التعبير به دونَ الخروج، في مقابلة قوله: ((أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ)) المشيرِ إلى ارتفاع عنصره وعلوِّ محله . والتكبُّر - على ما قيل - كالكبر، وهو الحالةُ التي يختصُّ بها الشخصُ من إعجابه بنفسه، وذلك أنْ يرى نفسَه أكبرَ من غيره وأعظم. والمراد بالتكبُّر ها هنا؛ إمَّا التكبُّرُ على الله تعالى، وهو أعظمُ التكبُّر، ويكون بالامتناع من قَبول الحق والإذعان له بالعبادة، وفسَّره بعضهم بالمعصية، وإمَّا التكبُّر على آدَمَ عليه السلام بزعمه أنَّه خيرٌ منه وأكبرُ قَدْراً. وقيل: المرادُ ما هو أعمُّ منه ومن التكبُّرِ على الملائكة، حيثُ زَعم أنَّ له خصوصيَّةً ميَّزتْه(٢) عليهم، وأخرجته من عمومهم. وفيه تأمُّل. وزعم البعضُ أنَّ في الآية تنبيهاً على أن التكبُّرَ لا يليقُ بأهل الجنة، فكما يُمنعُ من القرار فيها يمنعُ من دخولها بعد ذلك، وأنَّه تعالى إنَّما طردَهُ لتكبُّره، لا لمجردٍ عصيانه، وهو ظاهرٌ على أحد الاحتمالات كما لا يخفى. والظرفُ إمَّا متعلِّقٌ بما عنده، أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً . (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: وبعد فيه أيضاً ما لا يخفى. منه. (٢) في الأصل: مزية. سُورَةُ الأَشَرَافِ ٤٢ الآية : ١٣ وقوله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ﴾ تأكيدٌ للأمر بالهبوط، متفرِّعٌ عليه(١). وقوله سبحانه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّفِرِينَ ﴾﴾ تعليلٌ للأمر بالخروج، مشعرٌ بأنَّه لتكبُّرِهِ، أي: إنَّك من أهل الصَّغار والهوانِ على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبُّرك. أخرج البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن عمر بن الخطاب نظراته قال: قال رسول الله وَّ: ((من تواضعَ لله رفعَه الله تعالى، ومن تكبِّر وضعه الله عزَّ وجلَّ)(٢). ومن حديثه رظُه: مَن تواضعَ لله تعالى رَفَعَ الله تعالى حَكَمَتَه وقال: انْتَعِشْ نَعَشَكَ اللهُ، ومَن تكَبَّر وعَدَا طورَه وهصَهُ الله تعالى إلى الأرض(٣). وقيل: المراد: من الأذلَّاء في الدنيا بالذمِّ واللعن، وفي الآخرة بالعذاب بسبب ما ارتكبه من المعصية والتكُّر. وإذلالُ الله تعالى المتكبرين يومَ القيامة مما نطقت به الأخبار: أخرج الترمذيُّ عن عمرو بن شعيب [عن أبيه] عن جدِّه أنَّ رسول الله وَِّ قال: ((يحشرُ المتكبِّرون يوم القيامة أمثال الذَّرِّ في صور الرجال، يغشاهم الذُّلُّ من كلِّ مكانٍ، يساقونَ إلى سجنٍ في جهنم يقال له: بُولَس، يسقونَ من طينةِ الخبال؛ عصارةٍ أهل النار)) (٤). وفسَّر بعضهم الصاغرَ بالراضي بالذلِّ، كما هو المشهور فيه، والمرادُ وصفه بأنَّه خسيسُ الطبع دنيء، وأنَّه رأى نفسه أكبر من غيره وليس بالكبير. ولقد أبدعَ أبو نواس بقوله خطاباً له: (١) في تفسير أبي السعود ٢١٧/٣ - والكلام منه -: متفرٌِّ على علته. اهـ. (٢) شعب الإيمان (٨١٤٠) وله شاهد من حديث أبي هريرة ﴿ه مسلم (٢٥٨٨) بلفظ: ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله). (٣) شعب الإيمان (٨١٣٩). وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ٢٧٠، وهو موقوف على عمر رَُّبه. قوله: حَكَمته، أي: قَدْرَه ومنزلته. وقيل: الحَكَمة من الإنسان أسفل وجهه، مستعارٌ من موضع حَكَمة اللجاك، ورَفْعُها كنايةٌ عن الإعزاز؛ لأن من صفة الذليل تنكيسَ رأسه. وقوله: انتَعِشْ نعَشَك الله، أي: ارتَفِعْ رَفَعَك الله، أو: جَبَرك وأبقاك. ينظر النهاية (حكم) والتاج (نعش). ومعنى: وَهَصَه اللهُ تعالى: رماه رمياً شديداً. النهاية (وهص). (٤) سنن الترمذي (٢٤٩٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٦٦٧٧)، وما بين حاصرتين منهما. قال الترمذي: هذا حديث حسن. الآية : ١٤ - ١٥ ٤٣ سُوَّةُ الأَغْرَافِ ـاس غيظاً عليهم أجمعينا سَوْأة يا لعين أنتَ اختلست النـ ـر وفارقتَ زمرة الساجدينا لمثالٍ خلقتَه ربِّ طينا تهتَ لمَّا أُمرت في سالف الدهـ عندما قلتَ لا أطيقُ سجوداً رلمن كان مبتدا العالمينا يا مجير الزناة واللائطينا حسداً إذا خُلقتَ من مارجٍ النا ثم صُيِّرتَ في القيادة تسعى وله أيضاً من أبياتٍ فيه (١): وصار قوَّاداً لذريَّتِه(٢) تاهَ على ادم في سجدةٍ ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما مرَّ، مبنيٌّ على سؤالٍ نشَأ ممَّا قبلَه، كأنَّه قيل: فماذا قال اللعينُ بعد ما سمعَ ما سمع؟ فقيل: قال ﴿أَنِظِرْنِ﴾ أي: أمهلني ولا تُمتني ﴿إِلَى يَوْرِ ١٤ أي: آدمُ عليه السلام وذرِّيتُه، وهو وقتُ النفخة الثانية. وأرادَ بذلك أنْ مُسْعَثُونَ يجدَ فسحةً في الإغواء وأخذِ الثأر، ونجاةً من الموت، إذ لا موتَ بعد البعث. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما مرَّ ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ظاهرُه إلى يومٍ يبعثون، حیثُ ١٥ وقعَ في مقابلة كلامِه، لكن في سورة الحجر و((ص))(٣) التقييدُ بيوم الوقتِ المعلوم. واختلِفَ في المرادِ منه، فالمشهورُ أنَّه يومُ النفخةِ الأولى دونَ يوم البعث؛ لأنَّه ليسَ بيومٍ موتٍ، وجَوَّزَ بعضُهم أنْ يكونَ المرادُ منه يومَ البعث، ولا يلزمُ أنْ لا يموت، فلعلّه يموتُ أوَّل اليوم ويبعثُ مع الخلق في تضاعيفه. وفي كتاب ((العرائس)) عن كعب الأحبار أنَّ إبليسَ إنَّما يذوق طعمَ الموت يومَ الحشر. وذكرَ في كيفيَّةِ موته وقبضٍ عزرائيل روحَه ما يقضى منه العجب. ولم يرتض ذلك الفاضلُ السفاريني (٤)، وقال في كتابه ((البحور الزاخرة)): (١) ديوان أبي نواس ص١٢٥ . (٢) من قوله: ولقد أبدع أبو نواس، إلى هنا ليس في الأصل. (٣) سورة الحجر: ٣٨، وسورة ص: ٨١. (٤) هو محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفارينيُّ، المسند الحافظ المتقن، صاحب التأليف الكثيرة، منها: شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، وشرح نونية الصرصري، والبحور الزاخرة في علوم الآخرة (ت١١٨٨هـ). سلك الدرر ٣١/٤، والسحب الوابلة ٨٣٩/٢. سُوَرَّةُ الْأَّغَرَافِ ٤٤ الآية : ١٥ أخرجَ نعيم بن حماد في ((الفتن)) والحاكم في ((المستدرك)) عن ابن مسعود نظرابه أنَّه قال: لا يلبثون - يعني الناس - بعدَ يأجوج ومأجوج حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها، فتجفُّ الأقلامُ، وتطوى الصحف، فلا يُقبَلُ من أحدٍ توبةٌ، ويخرُّ إبليس ساجداً ينادي: إلهي مرني أنْ أسجدَ لمن شئت، وتجتمعُ إليه الشياطين فتقول: يا سيدنا إلى من تفزع؟ فيقول: إنَّما سألتُ ربي أن يُنظِرني إلى يوم البعثِ، فأنظَرني إلى يومٍ الوقت المعلوم، وقد طلعت الشمسُ من مغربها، وهذا يومُ الوقتِ المعلوم، وتصيرُ الشياطين ظاهرةً في الأرض، حتى يقول الرجل: هذا قريني الذي كان [يغويني]، فالحمد لله الذي أخزاه، ولا يزال إبليسُ ساجداً باكياً حتى تخرجَ الدابَّة، فتقتله وهو ساجد. اهـ (١). ومنه يُعلَم أنَّ المرادَ باليوم المعلوم ما صرَّح به اللعين، وهو قبلَ يوم النفخة الأولى بكثير، وهذا قولٌ لم نرَ أحداً من المفسرين ذكره، وهو الذي ارتضاه هذا الفاضل، وقال: إنَّ الخبر في حكم المرفوع(٢)؛ لأنَّه لا يقالُ من قبل الرأي، وليس ابنُ مسعود ككعب الأحبار ممن يتلقَّى من كُتبِ أهل الكتاب. وأنت تعلمُ أنَّه إن صحَّت نسبةُ هذا الخبر إلى ابن مسعود ينبغي أنْ لا يُعدَل إلى القول بما يخالفُه، ولكن في صحّة نسبتِه إليه نظُه عندي تردُّدٌ. وقيل: المرادُ به وقتٌ يعلمُ الله تعالى انتهاءَ أجله فيه، وقد أُخفيَ عنَّا وكذا عن اللعين، وأوجبَ على هذا أنْ يكونَ قبل النفخةِ الثانية. واستدلَّ له(٣) بعضُهم بأنَّ اللعينَ كان مكلّفاً، والمكلَّفُ لا يجوزُ أن يَعلم أجله؛ لأنه يُقدِمُ على المعصية بقلبٍ فارغ، حتى إذا قَرُبَ أجلُه تابَ، فتقبل توبته، وهذا كالإغراء على المعاصي، فيكون قبيحاً . (١) ذكره مطولاً السيوطي في الدر ٦١/٣، وابن كثير في النهاية في الملاحم والفتن ١/ ١٣١ - ١٣٤ وما بين حاصرتين منهما. وفي المستدرك ٥٢١/٤ - ٥٢٢ قطعة منه. وأعله الحاكم بأن فيه عبد الوهاب بن الحسين، وهو مجهول. وقال ابن كثير: قال شيخنا الحافظ الذهبي: هذا حديث شبه موضوع. (٢) كذا ذكر، وقد ورد الحديث مرفوعاً في المصادر المذكورة آنفاً. (٣) قوله: له. ليس في الأصل. الآية : ١٥ ٤٥ سُوَّةُ الْأَغْرَافِ وأُجيبَ بأنَّ مَن عَلِمَ الله تعالى من حاله أنَّه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء عليهم السلام، أو على الكفرِ والمعاصي كإبليس وأشياعه، فإنَّ إعلامَه بوقتٍ أجله لا يكونُ إغراءً على المعصية؛ لأنَّه لا يتفاوتُ حالُه بسبب ذلك التعريف والإعلام. وظاهرُ النظم الكريم عندَ غير واحد أنَّ هذه إجابةٌ لدعائه كلَّا أو بعضاً، وفي ذلك دليلٌ لمن قال: إنَّ دعاءَ الكافر قد يستجاب، وهو الذي ذهب إليه الدبوسيُّ(١) وغيرُه من الفقهاء، خلافاً لما نقله في ((البزَّازيَّة)) عن البعض من أنَّه لا يجوزُ أنْ يقال: إنَّ دعاءَ الكافر مستجابٌ؛ لأنَّه لا يَعرفُ الله تعالى ليدعوه. والفتوى على الأول؛ للظاهر، ولقوله بَّ: ((دعوة المظلوم مستجابةٌ وإنْ كان كافراً)»(٢). وحَملُ الكفر على كُفران النعمة لا كفرانِ الدين خلافُ الظاهر، ولا يلزمُ من الاستجابة المحبَّةُ والإكرام، فإنَّها قد تكونُ للاستدراج. وقال بعضُ المحققين: الجملةُ إخبارٌ عن كونه من المنظرين في قضاء الله تعالى من غير ترتُّبٍ على دعائه، واذَّعى أنَّ ورودها اسميَّةً مع التعرُّض لشمول ما سأله اللعينُ لِخَرِينَ(٣) على وجهٍ يُشعر بأنَّ السائلَ تبعٌ لهم في ذلك: صريحٌ في أنَّ ذلك إخبارٌ بأنَّ الإنظار المذكور لهم(٤) أزلاً لا إنشاءٌ لإنظارٍ خاصٍّ به إجابةً لدعائه، ويُعلَم من ذلك أيضاً أنَّ استنظارَه كان طلباً لتأخير الموت، إذ به يتحقَّقُ كونُه من جملتهم، لا لتأخير العقوبة كما قيل. ولا يخلو عن حسن. (١) هو أبو نصر الدبوسي. كما صرَّح به ابن عابدين في حاشيته ٢/ ١٨٥ عند بيان هذه المسألة. وهو إمامٌ كبيرٌ من أئمة الشروط، نسبته إلى دبوسية، قرية بسمرقند. الجواهر المضية ٤ / ٩٤، والفوائد البهية ص٣٦٣. (٢) أخرجه أحمد (٨٧٩٥) عن أبي هريرة ◌ُبه بلفظ: ((دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجراً)). وأخرجه أحمد أيضاً (١٢٥٤٩) عن أنس بن مالك رضيبه بلفظ: ((اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافراً ... )). وقد صحَّ من رواية ابن عباس ظُه مرفوعاً: ((واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب)). أخرجه البخاري (٢٤٤٨)، ومسلم (١٩)، وأحمد (٢٠٧١). (٣) في الأصل و(م): الآخرين، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢١٧/٣، والكلام منه. (٤) في تفسير أبي السعود: إخبار بالإنظار المقدَّر لهم. وهو أنسب بالسياق. سُورَةُ الَّغَرَافِ ٤٦ الآية : ١٥ والحكمةُ في إنظاره ذلك الزمن الطويل، مع ما هو عليه عليه اللعنة من الإفساد ممَّا ينبغي أنْ يفوَّض علمها إلى خالق العباد. وقد ذكر الشهر ستانيُّ(١) عن شارح الأناجيل الأربعة صورةً مناظرةٍ جرت بين الملائكة وبين إبليس بعد هذه الحادثة، وقد ذُكرت في التوراة، وهي أن اللعين قال للملائكة: إنِّي أسلِّم أنَّ لي إلهاً هو خالقي وموجدي، وهو خالق الخلق، لكن لي على حكمه أسئلة : الأول: ما الحكمةُ في الخلق، لا سيَّما وقد كان عالماً أنَّ الكافرَ لا يستوجبُ عند خلقه إلَّا النار؟ الثاني: ما الفائدةُ في التكليف، مع أنَّه لا يعود إليه منه نفعٌ ولا ضررٌ، وكلُّ ما يعود إلى المكلَّفين، فهو قادرٌ على تحصيله لهم من غيرِ واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنَّه كلفني بمعرفته وطاعته، فلماذا كلَّفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لمَّا عصيته في ترك السجود، فلم لعني وأوجبَ عقابي، مع أنَّه لا فائدةً له ولا لغيره فيه، ولي فيه أعظم الضرر؟ الخامس: أنَّه لمّا فعلت(٢) ذلك، لم سلَّطني على أولاده، ومكَّنني من إغوائهم وإضلالهم؟ السادس: لمَّا استمهلتهُ المدَّة الطويلة في ذلك، فلم أمهلني؟ ومعلومٌ أنَّ العالمَ لو كان خالياً من الشرِّ لكان ذلك خيراً. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى إليه من سرادقِ العظمة والكبرياء: يا إبليس، أنت ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمتَ أنَّه لا اعتراضَ عليَّ في شيءٍ من أفعالي، فإِنِّي أنا الله لا إله إلَّا أنا، لا أسأل عمَّا أفعل. اهـ. (١) في الملل والنحل ١٧/١-١٨. والشهرستاني هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح المتكلم، من تصانيفه: الإرشاد إلى عقائد الأنام، ونهاية الإقدام في علم الكلام، وغيرها. (ت٥٤٨هـ). وفيات الأعيان ٦/ ٢٧٣، والأعلام ٦/ ٢١٥. (٢) في الأصل و(م): فعل. والمثبت من تفسير الرازي ٢٣٦/٢-٢٣٧. وعنه نقل المصنف كلام الشهر ستاني. الآية : ١٥ ٤٧ سُوَّةُ الأَشْرَافِ وفي السؤال السادس ما يؤيِّد القول الأول في الجملة. ولا يخفى أنَّ هذه الشبهات يصعب على القائلين بالحسن والقبح العقليين الجوابُ عنها، بل قال الإمام: إنَّه لو اجتمعَ الأوَّلون والآخرونَ من الخلائق، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا من هذه الشبهات مَخْلَصاً وكان الكلُّ لازماً(١). ويعجبني ما يُحكَى أن سيفَ الدولة بن حمدان خرج يوماً على جماعته فقال: قد عملتُ بيتاً ما أحسبُ أنَّ أحداً يعمل له ثانياً، إلَّا إنْ كان أبا فراس. وكان أبو فراس جالساً، فقيل له: ما هو؟ فقال: قولي: لك جسمي تُعِلَّه قدمي لِمْ تطلّه فابتدرَ أبو فراس قائلاً: قال إن كنتُ مالكاً فلي الأمر كلُّه(٢) وعلَّل الزمخشريُّ إجابتَه إلى استنظاره بأنَّ في ذلك ابتلاءَ العباد، وفي مخالفتِه أعظم الثواب، وحكمه حكمُ ما خلقَ الله تعالى في الدنيا من صنوفِ الزخارف، وأنواع الملاهي والملاذِّ، وما رَكَّبَ في الأنفس من الشهوات ليمتحنَ بها عبادَه(٣). وتعقّبه العلّامةُ الثاني كغيره بأنَّه مبنيٌّ على تعليل أفعالِه تعالى بالأغراض، وعدم إسنادٍ خلق القبائح والشرور إليه سبحانه، مع أنَّه ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ حقيقةَ الابتلاء في حقِّه تعالى محالٌ، ومجازهُ لا يَدفعُ السؤال، ولأنَّ ما في متابعته من أليم العقاب أضعاف ما في مخالفته من عظيم الثواب، بل لو لم يكن له الإنظار والتمكين، لم يكن من العباد إلَّا الطاعاتُ وتركُ المعاصي، فلم يكن إلَّا الثواب، كالملائكة. ولا يَخفى ما فيه، إلّا أنَّ قوله بعدُ: والأولى أنْ لا يخوضَ العبدُ في أمثال هذه الأسرار، ويُفوّضَ حقيقتَها إلى الحكيم المختار. ممَّا نقولُ به؛ لأنَّ معرفةَ ذلك في غاية الصعوبة على أرباب القال وأَهل الجدال. (١) تفسير الرازي ٢٣٧/٢ . (٢) أوردهما الثعالبي في يتيمة الدهر ٤٢/١-٤٣، وابن خلكان في وفيات الأعيان ٤٠٣/٣، وفيهما: تحله. بدل: تطلّه. وذكرهما الصفدي في الوافي بالوفيات ١٩٦/٢١-١٩٧، بمثل رواية المصنف . (٣) الكشاف ٦٩/٢. سُوَّةُ الأَغْرَافِ ٤٨ الآية : ١٥ هذا وإنَّما ترك التوقيتَ في هذه الآية ثقةً بما وقع في سورة الحجر و((ص))، كما ترك ذكرَ النداء والفاء في الاستنظار والإنظار؛ تعويلاً على ما ذُكر فيهما . فإنْ قلت: لا ريبَ في أنَّ الكلامَ المحكيَّ له عند صدوره عن المتكلِّم حالةٌ مخصوصةٌ تقتضي ورودَه على وجهٍ خاصٍّ من وجوه النظم، بحيث لو أخلَّ بشيءٍ من ذلك سقطَ الكلام عن رتبة البلاغة البثَّة، فالكلامُ الواحدُ المحكيُّ على وجوهٍ شتى إن اقتضى الحالُ وروده على وجهٍ معيَّنٍ من تلك الوجوه الواردة عندَ تلك الحكاية، فذلك الوجهُ هو المطابقُ لمقتضى الحال، والبالغُ إلى رتبة البلاغة دون ما عداه من الوجوه. ونقولُ حينئذٍ: لا يخفى أنَّ استنظارَ اللعين إنَّما صدرَ عنه مرَّةً واحدةً لا غير، فمقامه إن اقتضى إظهارَ الضراعة وترتيبَ الاستنظار على ما حاق به من اللعن والطرد على نهج استدعاءِ الجبر في مقابلة الكسر، كما هو المتبادر من قوله: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِ﴾ [الحجر: ٣٦، ص: ٧٩]، حسبما حكي عنه في السورتين، فما حكي عنه هاهنا يكون بمعزلٍ من المطابقة لمقتضى الحال، فضلاً عن العروج إلى معارج الإعجاز. قلت: أجابَ مولانا شيخُ الإسلام عن هذا السؤال بعد أنْ ساقَه بأنَّ مقامَ استنظاره مقتضٍ لما ذُكر من إظهار الضراعة وترتيبٍ الاستنظار على الحرمان المدلول عليه بالطّرد والرجم، وكذا مقامُ الإنظار مقتضٍ لترتيب الإخبار بالإنظار على الاستنظار، وقد طبَّق الكلام عليه في تينكَ السورتين، ووُفِّي كلٌّ من مقامَي الحكاية والمحكيِّ جميعاً حظّهُ، وأمَّا هاهنا فحيثُ اقتضى مقامُ الحكاية مجرَّدَ الإخبار بالاستنظار والإنظار، سيقَت الحكايةُ على نهج الإيجاز والاختصار، من غير تعرُّضٍ لكيفيَّةِ كلٌّ منهما عند المخاطبة والجواب، ولا يلزمُ أنْ لا يكونَ ذلك نقلاً للكلام على ما هو عليه ولا مطابقاً لمقتضى المقام، فالذي يجبُ اعتباره في نقل الكلام إنَّما هو أصلُ معناه ونفسُ مدلوله، وأمَّا كيفيَّةُ الإفادة فقد تُراعى وقد لا تُراعى حسب الاقتضاء، ولا يَقدحُ في أصلِ الكلام تجريدُه عنها، بل قد تُراعى عند نقله كيفيَّاتٌ لم يراعها المتكلِّمُ أصلاً، بل قد لا يَقدرُ على مراعاتها، وجمیعُ المقالاتِ المحكيَّة في الآيات من ذلك القبيل، وإلَّا لما كان الكثيرُ منها معجزاً، وملاكُ الأمر في المطابقة مقامُ الحكاية، وأمَّا مقام المحكيّ فإنْ كان مقتضاهُ موافقاً الآية : ١٦ ٤٩ ـُورَةُ الأَغراف لذلك، وُفِّيَ كلٌّ منهما حقَّه كما في السورتين، وإلّا لا، كما فيما هنا (١). فليفهم. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كنظائره ﴿فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِ﴾ الفاءُ لترتيبِ مضمون الجملة التي بعدُ على الإنظار، والباءُ إمَّا للقسم أو للسبيَّة. و((ما)) على التقديرين مصدريَّةٌ، والجارُّ والمجرور متعلّق بـ («أقسم)). وقيل: إنَّه على تقدير السببيَّة متعلِّقٌ بما بعدَ اللامِ. وفيه أنَّ لها الصدرَ على الصحيح، فلا يعملُ ما بَعدها فيما قبلَها . وجوَّز بعضُهم كون ((ما)) استفهاميةٌ لم يحذف ألفها، وأنَّ الجارَّ متعلِّقٌ بـ ((أغويتني)). ولا يخفَى ضعفُه. والإغواءُ خَلقُ الغيِّ، وأصلُ الغيِّ الفساد، ومنه غَوِيَ الفصيلُ وغَوَى: إذا بشم(٢) وفسدتْ معدتُه. وجاء بمعنى الجهل من اعتقاد فاسدٍ، كما في قوله سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] وبمعنى الخيبة، كما في قوله: فمن يلقَ خيراً يحمدِ الناسُ أمرَه ومن يغوِ لا يعدَمْ على الغَيِّ لائما (٣) ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَصَّ ءَادَمُ رَبَّهُ، فَغَوَ﴾ [طه: ١٢١]. واستعمِل بمعنى العذاب مجازاً بعلاقة السببيَّة. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. ولا مانعَ عند أهل السنة أنْ يُراد بالإغواءِ هنا خَلْقُ الغيِّ بمعنى الضلال، أي: بما أضللتني، وهو المرويُّ عن ابن عباس ﴿هَا. ونسبةُ الإغواء بهذا المعنى إلى الله عزَّ وجلَّ ممَّا يقتضيه عمومُ قوله سبحانه: ﴿خَلِقُ كُلِّ شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. والمعتزلةُ يأبونَ نسبةَ مثل ذلك إليه سبحانه، وقالوا في هذا تارةً: إنَّه قولُ الشيطان، فليس بحجّة. وأوَّلُوه أخرى بأنَّ الإغواءَ النسبةُ إلى الغيِّ، كأَكْفَرَه إذا نسبَه إلى الكفر. أو إنَّه بمعنى إحداث سبب الغَيِّ وإيقاعه، وهو الأمرُ بالسجود. (١) تفسير أبي السعود ٢١٨/٣. (٢) البَشَم: التخمة. القاموس (بشم). (٣) قائله المرقِّشُ الأصغر، وهو في المفضليات ص٢٤٧، والشعر والشعراء ٢١٥/١. سُوَّةُ الأََّافِ ٥٠ الآية : ١٦ وقال بعضهم: إنَّ الغيَّ هنا بمعنى الخيبة، أي: بما خيبتَه من رحمتك. أو الهلاك، أي: بما أهلكته بلعنك إيَّه وطردك له. والذي دعاهم إلى هذا كلِّه عدمُ قولهم بأنَّ الله تعالى خالقُ كلِّ شيء، وأنَّه سبحانه لا خالقَ غيره، ولم يكفِهم ذلك حتى طعنوا بأهل السنَّة القائلين بذلك، وما الظنُّ بطائفةٍ ترضى لنفسها من خفايا الشرك بما لم يسبق به إبليسُ عليه اللعنة، نعوذُ بالله سبحانه وتعالى من التعرُّض لسخطه. نعم الإغواءُ بمعنى الترغيب بما فيه الغواية والأمرِ به - كما هو مرادُ اللعين من قوله: ﴿لَأُغْوِيَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] - ممَّا لا يجوزُ من الله تعالى شأنه كما لا يخفى. ثمَّ إنْ كانت الباء للقسم يكونُ المقسَم به صفةً من صفات الأفعال، وهو مما يقسَم به في العرف، وإنْ لم تُجرِ الفقهاء به أحكام اليمين. ولعلَّ القسم وقع من اللعين بهما جميعاً، فحُكي تارةً قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر. وإنْ كانت سببيَّةً فالقسم بالعزة، أي: فبسبب إغوائك إيَّاي لأجلهم أقسم بعزتك: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَمْ﴾ أي: لآدم عليه السلام وذريته ترصُّداً بهم كما يقعدُ القطّاعُ الموصلَ إلى الجنَّة، وهو الحقُّ الذي فيه رضاك. للسابلة ﴿صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ لَـ أخرج أحمد والنسائيُّ وابنُ حبان والطبرانيُّ والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن سَبْرَة بن الفاكه(١) قال: سمعت رسول الله وَّه يقول: ((إنَّ الشيطانَ قعدَ لابن آدم في طرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذرُ دينَك دينَ آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعدَ له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجرُ وتذرُ أرضَك وسماءك وإنَّما مثلُ المهاجر كالفرس في طِوَلِه(٢)؟. فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: هو جَهْدُ النفس والمال. فتقاتلُ فتُقتل، فتنكحُ المرأةُ، ويقسمُ المال، فعصاه (١) المخزومي، ويقال: ابن أبي الفاكه. صحابيُّ نزل الكوفة. الإصابة ٤/ ١٢٠. (٢) قال السندي في حاشيته على مسند أحمد: الطّوَل بكسر الطاء وفتح الواو، وهو الحبل الذي يُقَدُّ طرفه إلى وتد، والآخر في يد الفرس، وهذا من كلام الشيطان، ومقصوده أن المهاجر يصير كالمقيَّد في بلاد الغربة، لا يدور إلا في بيته، ولا يخالطه إلَّا بعض معارفه، فهو كالفرس في طِوَلٍ لا يدور ولا يرعى إلا بقدره، بخلاف أهل البلاد، فإنهم مبسوطون لا ضيق علیهم، واحدهم كالفرس المرسل. الآية : ١٧ ٥١ سُورَةُ الأَغَافِ فجاهد)) ثم قال ◌َّرَ: ((فمن فعل ذلك منهم فماتَ أو وقصتهُ دابَّته فماتَ، كان حقًّا على الله تعالى أنْ يدخلَه الجنَّة))(١). ولعل الاقتصارَ منه وَ لِّ على هذه المذكورات للاعتناء بشأنها، والتنبيهِ على عظم قدرِها؛ لما أنَّ المقامَ قد اقتضى ذلك، لا للحصر. ونظيرُ ذلك ما روي عن ابن عباس وابن مسعود ﴿يا وغيرهما من تفسير الصراط المستقيم بطريق مَّة، والكلامُ من باب الكناية أو التمثيل. ونصب الصراط إمَّا على أنَّه مفعولٌ به بتضمين ((أَقعُدَنَّ) معنى أَلْزَمَنَّ، أو على نزع الخافض، أي: على صراطك، كقولك: ضُرِبَ زيدُ الظهرَ والبطنَ، أو على الظرفيَّة، وجاء نصبُ ظرف المكان المختصِّ عليها قليلاً، ومن ذلك في المشهور قوله : لَدْنٌ بهزِّ الكفِّ يَعْسِلُ متنُّه فيه كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ(٢) ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَآيَلِهِمَّ﴾ أي: من الجهات الأربع التي يعتاد هجومُ العدوِّ منها، والمراد: لأَسوِّلنَّ لهم ولأضلنَّهم بقدرٍ الإمكان، إلَّا أنَّه شبهَ حال تسويله ووسوستِهِ لهم كذلك بحالٍ إتيان العدوِّ لمن يعاديه من أيِّ جهةٍ أمكنته، ولذا لم يذكر الفوق والتحت، إذ لا إتيان منهما، فالكلام من باب الاستعارة التمثيليَّة، و((لأقعدنَّ لهم)) - على ما قيل - ترشيحُ لها. وبعضهم لم يُخرج الكلامَ على التمثيل، واعتذرَ عن ترك جهة الفوق بأنَّ الرحمةَ تنزلُ منها، وعن تركِ جهة التحت بأنَّ الإتيان منها يوحشُ، والاعتذارُ عن (١) مسند أحمد (١٥٩٥٨)، والمجتبى للنسائي ٢١/٦، وصحيح ابن حبان (٤٥٩٣)، والمعجم الكبير للطبراني (٦٥٥٨)، وشعب الإيمان للبيهقي (٤٢٤٦). وقد حسن إسناده الحافظ ابن حجر في الإصابة ٤/ ١٢٠ . (٢) البيت لساعدة بن جُؤَيَّة، وهو في الكتاب ٣٦/١، وشرح أشعار الهذليين ٣/ ١١٢٠، وخزانة الأدب ٨٣/٣. وجاء في شرح أشعار الهذليين: لذَّ. بدل: لدن. قال الأعلم الشنتمري في تحصيل عين الذهب ص٧٣: وصف في البيت رمحاً ليِّنَ الهزِّ، فشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزِّه بعسَلَان الثعلب في سيره. والعَسَلان: سيرٌ سريعٌ في اضطراب، واللدن: الناعم الليِّن. ويروى: لذّ، أي: مستلذَّ عند الهزِّ للينه. سُورَةُ الَّغْرَافِ ٥٢ الآية : ١٧ الأول بما ذُكر أخرجه غيرُ واحدٍ عن ابن عباس(١) رًِّا، ورُوي أيضاً عن عكرمة والشعبيّ. والاعتذارُ عن الثاني نسبَه الطبرسيُّ(٢) إلى الحبر أيضاً. ولا يبعدُ على ذلك أنْ يكونَ الكلامُ تمثيلاً أيضاً، ويكون الفرقُ بين التوجيهين بأنَّ تركَ هاتين الجهتين على الأوَّل لعدمهما في الممثَّلِ به، وعلى الثاني لعدمهما في الممثَّل. وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس . أنَّ ((من بين أيديهم)) من قبل الآخرة؛ لأنَّها مستقبلة آتيةٌ، وما هو كذلك كأنَّه بين الأيدي، و((من خلفهم)) من قِبَل الدنيا؛ لأنَّها ماضيةٌ بالنسبة إلى الآخرة، ولأنَّها فانيةٌ متروكةٌ مخلَّفةٌ. و((عن أيمانهم وعن شمائلهم)) من جهةٍ حسناتهم (٣) وسيئاتهم(٣). وتفسيرُ الأيمان بالحسنات والشمائل بالسيئات؛ لأنهم يجعلونَ المحبوبَ في جهة اليمين، وغيرَه في جهة الشمال، كما قال: بُثَيْنُ أفي يُمْنَى يديك جَعَلْتِني فأفرحَ أم صيَّرتِني في شمالكِ(٤) وقال الأصمعيُّ: يقال: هو عندنا باليمين، أي بمنزلةٍ حسنة، وبالشمال على عكس ذلك، والكلامُ على هذا يجوز أنْ يكونَ فيه مجازاتٌ أو استعاراتٌ أو کنایات. ونظيرُ هذا ما قيل: ((من بين أيديهم)): من حيث يعلمون ويقدرُون على التحرُّز عنه، و((من خلفهم)): من حيثُ لا يعلمون، و((عن أيمانهم وعن شمائلهم)): من حيثُ يتيسَّر لهم أنْ يعلموا ويتحرَّزوا، ولكن لم يفعلوا لعدم تيقّظهم واحتياطهم، ومن حيثُ لا يتيسَّر لهم ذلك. وقال بعضُ حكماء الإسلام: إنَّ في البدن قوّى أربعاً: (١) أخرجه الطبري ١٠/ ١٠١ . (٢) في مجمع البيان ٢٥/٨. (٣) الدر المنثور ٧٣/٣، وهو في تفسير الطبري ٩٦/١٠-٩٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٥٪ ١٤٤٤ -١٤٤٥. (٤) البيت لابن الدمينة، وهو في ديوانه ص١٧، وجاء فيه، وفي دلائل الإعجاز ص ٩٠ وفي حاشية الشهاب ١٥٦/٤ - وعنه نقل المصنف -: أبيني. بدل: بثين. الآية : ١٧ ٥٣ سُؤَدَّةُ الأَّغَرَافِ القوَّة الخيالية (١) التي تجتمعُ فيها مثل المحسوسات، وموضعُها البطنُ المقدَّم من الدماغ، وإليها الإشارة بقوله: ((من بين أيديهم)). والقوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات، ومحلَّها البطنُ المؤشّر من الدماغ، وإليها الإشارةُ بقوله: ((ومن خلفهم)). والقوَّة الشهوانيَّةُ، ومحلُّها الكبد، وهو عن يمينِ الإنسان، وإليها الإشارةُ بقوله: ((وعن أيمانهم)). والقوة الغضبيَّةُ، ومحلُّها القلبُ الذي هو في الشِّقِّ الأيسر، وإليها الإشارةُ بقوله: ((وعن شمائلهم)). والشيطانُ ما لم يستعنْ بشيءٍ من هذه القوى لا يقدرُ على إلقاء الوسوسة. وهذا عندي نوعٌ من الإشارة كما لا يخفى(٢). وقيل غير ذلك. وإنما عدَّى الفعلَ إلى الأوَّلين بحرف الابتداء؛ لأنَّه منهما متوجِّهٌ إليهم، وإلى الآخِرَين بحرف المجاوزة؛ فإنَّ الآتيَ منهما كالمنحرفِ عنهم المارِّ على عرضهم، ونظيره قولُهم: جلست عن يمينه. وذكر القطبُ في بيان وجهِ ذلك ما بناه على ما قاله بعضُ حكماء الإسلام، وهو أنَّ ((مِن)) للاتصال، و((عن)) للانفصال، وأثرُ الشيطان في قوتي الدماغ حصولُ العقائد الباطلة، كالشرك والتشبيه والتعطيل، وهي مرتسمةٌ في النفس الإنسانيَّة متَّصلةٌ بها، وفي الشهوة والغضب حصولُ الأعمال السيئةِ الشهوانيَّة والغضبيَّة، وهي تنفصلُ عن النفس وتنعدم، فلهذا أورد في الجهتين الأوليين (من)) الاتصاليَّة، وفي الأخريين ((عن)) الانفصالية. وقيل: خصَّ اليمين والشمال بـ ((عن))؛ لأنَّ ثَمةَ ملكين يقتضيان التجاوزَ عن ذلك. وفيه نظرٌ لا يخفى. (١) في الأصل و(م): الخالية. والمثبت من غرائب القرآن ٨٦/٨، والبحر المحيط ٢٧٦/٤. (٢) وقال أبو حيان في البحر ٢٧٦/٤ بعد أن نقل كلام حكماء الإسلام عن الرازي في تفسيره ٤١/١٤: وهو بعيدٌ عن مناحي كلام العرب والمتشرعين. سُورَةُ الأَغَرَافِ ٥٤ الآية : ١٨ وادَّعى بعضُهم أنَّ الآيةَ كالدليل على أنَّ اللعينَ لا يمكنُهُ أنْ يدخلَ في بدن ابن آدم ويخالطه، إذ لو أمكنَه ذلك لذكَرَه في باب المبالغة، وحديث: ((إنَّ الشيطانَ يجري من ابن آدم مجرى الدم)»(١) من باب التمثيل، وقد يجابُ بأنَّ التمثيلَ اقتضى عدم الذكر، فتدبّر. ، أي: مطيعين، وإنَّما قال ذلك ظنًّا - كما رُوي عن ١٧ ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ ( الحسن وأبي مسلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] - لمَّا رأى أنَّ للنفس تسعَ عشرة قوَّةً؛ الحواسُّ الظاهرة، والباطنة، والشهوة، والغضب، والقوى السبع النباتية: الجاذبةُ، والماسكة، والهاضمة، والدافعة، والغاذية، والنامية، والمولدة، وأنها بأسرِها تدعو النفسَ إلى عالم الجسم، وأنْ ليس هناك ما يدعو إلى عالم الأرواح إلَّاّ قوَّة واحدةٌ، وهي العقل، وما يصنع واحدٌ من متعدِّدٍ : أرى ألفَ بانٍ لا يقومُ لهادمِ(٢) فكيف ببانٍ خلفَه ألفُ هادم(٣) وعن الجبائيّ أنَّه سمعَ ذلك من الملائكة، فقاله على سبيل القطع. وقيل: إنَّه رآه قبلُ في اللوح المحفوظ. ووجدَ إمَّا بمعنى: صادفَ، فينصبُ مفعولاً واحداً وهو ((أكثرهم))، و((شاكرين)) حالٌ. وإِمَّا بمعنى: علمَ فينصبُ مفعولين ثانيهما ((شاكرين)). والجملةُ إمَّا معطوفةٌ على المقسَم عليه، وإمَّا مستأنفةٌ، وإنَّما لم يفرِّعها على ما تقدَّم؛ لأنَّ مضمونها بمقتضى الجبلَّة أيضاً، لا بمجرَّد إغوائه، ووجهُ التعبيرِ بالأكثر ظاهر. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما مرَّ غير مرَّة ﴿أَخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنة، أو من زمرة الملائكة، أو من السماء. الخلافُ السابق. ﴿مَذْهُومًا﴾ أي: مذموماً، كما رُوي عن ابن زيد. أو: مهاناً لعيناً، كما رُوي عن ابن عباس وقتادة، وفعله ذَام. (١) أخرجه البخاري (٢٠٣٩)، ومسلم (٢١٧٥) من حديث صفية (٢) في (م): بهادم. (٣) هو للخليع الرقي، محمد بن أحمد، من ولد عبيد الله بن قيس الرقيات، كما في معجم الشعراء للمرزباني ص ٤١٠. الآية : ١٨ ٥٥ سُورَةُ الأَغْرَافِ وقرأ الزهريُّ: ((مذُوْماً)) بذالٍ مضمومةٍ وواوٍ ساكنة (١)، وفيه احتمالان؛ الأوَّل: أن يكون مخفَّفاً من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن، ثمَّ حذفِها، والثاني: أنْ يكون من ذَام بالألف، كباع، وكان قياسه على هذا مذيم كمَبيع، إلَّا أنَّه أُبدِلت الواو من الياء على حدٍّ قولهم: مَكول في مكيل، مع أنَّه من الکیل. ونصبهُ على الحال، وكذا قوله تعالى: ﴿مَّدْحُورًا﴾ وهو من الدحر بمعنى الطرد والإبعاد. وجوِّزَ في هذا أنْ يكونَ صفةً. واللام في قوله تعالى: ﴿لََّنْ تِعَكَ مِنْهُمْ﴾ على ما في ((الدر المصون))(٢) موظّئَةٌ للقسم، و((من) شرطيَّ في محلِّ رفع مبتدأ. ﴾ جوابُ القسم، وهو سادٍّ مسدً وقوله عزَّ اسمه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَبْعِينَ جواب الشرط، والخلافُ في خبر المبتدأ في مثل ذلك مشهور. وجُوِّزَ أنْ تكون اللام لامَ الابتداء، و(من)) موصولةٌ مبتدأ، صلتها ((تبعك))، والجملة القسميَّة خبرٌ(٣). وقرأ عصمةُ عن عاصم: ((لِمَن)) بكسر اللام(٤)، فقيل: إنَّها متعلِّقةٌ بـ ((لَأملأنَّ)). ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا يعملُ ما بَعدها فيما قبلها. وقيل: إنَّها متعلّقةٌ بالذأمِ والدحر على التنازع وإعمالِ الثاني، أي: اخرج بهاتين الصفتين لأجل أتباعِك. وقيل: إنَّ الجار والمجرور خبرُ مبتدأ محذوف يُقدَّرُ مؤخّراً، أي: لِمَن اتَّبعك هذا الوعيدُ، ودلّ عليه قولُه سبحانه: ((لأملانَّ) إلخ، ولعلَّ ذلك مراد الزمخشري بقوله: إنَّ ((لأملانَ)) في محلِّ المبتدأ، و((لمن تبعك)) خبرُه(٥). كما يرشدُ إليه بيانٌ المعنى . (١) القراءات الشاذة ص٤٢، والمحتسب ٢٤٣/١. وزاد ابن خالويه نسبتها للأعمش. (٢) ٥/ ٢٧٣. (٣) أي أن ((لأملأن)) جوابُ قسم محذوف بعد ((من تبعك))، وهذه الجملة المكونة من القسم وجوابه هي خبر (مَن)). البحر ٤/ ٢٧٧ . (٤) القراءات الشاذة ص٤٢ . (٥) الكشاف ٢/ ٧١. سُوَدَّةُ الَّغَرَافِ ٥٦ التفسير الإشاري (١-١٨) و ((منكم)) بمعنى: منك ومنهم، فغلّبَ فيه المخاطب كما في قوله سبحانه: قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]. ثمَّ إنّ الظاهر أنَّ هذه المخاطبات لإبليس عليه اللعنة كانت منه عزَّ وجلَّ من غير واسطة، وليس المقصود منها الإكرام والتشريف، بل التعذيب والتعنيف. وذهب الجبائيُّ إلى أنَّها كانت بواسطة بعض الملائكة؛ لأنَّ الله تعالى لا يكلِّم الكافر. وفيه نظر. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿الَّصَ﴾ الألف إشارةٌ الى الذات الأحديَّةِ، واللام إلى الذات مع صفة العلم، والميم إلى معنى محمد، وهي حقيقته، والصاد إلى صورتِه عليه الصلاة والسلام. وقد يقال: الألف إشارة إلى التوحيد، والميمُ إلى الملك، واللام بينهما واسطةٌ لتكونَ بينهما رابطة، والصادُ لكونه حرفاً كُرَيَّ الشكل قابلاً لجميع الأشكال - كما قال الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه(١) - فيه إشارةٌ إلى أنَّ الأمرَ وإنْ ظهرَ بالأشكال المختلفة والصور المتعدِّدة، أوَّلُه وآخرُه سواء. ولا يخفى لطفُ افتتاح هذه السورة بهذه الأحرف بناءً على ما ذكره الشيخُ قُدِّسَ سرُّه في ((فتوحاته)) من أنَّ لكلٍّ منها ما عدا الألف الأعراف، وأمَّا الألف فقد ذكر نفعنا الله تعالى ببركات علومه أنَّه ليسَ من الحروف عند من شمَّ رائحةً من الحقائق(٢)، لكن قد سمَّتَهُ العامَّة حرفاً، فإذا قال المحقق ذلك فإنَّما هو على سبيل التجوُّز في العبارة(٣). والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ﴿كِتَبُّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي: ضيقٌ من حمله، فلا تسعه لِعِظَمه، فتتلاشى بالفناء والوحدة والاستغراق في عين الجمع. ﴿لِنُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليمكنك الإنذارُ والتذكيرُ، إذ بالاستغراقِ لا ترى إلَّ الحقَّ، فلا يتأتَّى منك ذلك. (١) في الفتوحات المكية ٢٧٤/١ و٣١٣. (٢) في الأصل: الحقيقة. والمثبت من (م) وهو الموافق للفتوحات المكية ٢٩٥/١. (٣) في (م): العبادة. التفسير الإشاري (١-١٨) ٥٧ سُؤَدَّةُ الَّغَرَافِ ﴿وَم مِّن قَرْيَةٍ﴾ من قرى القلوب ﴿أَهْلَكْتَهَا﴾ أفسدنا استعدادها ﴿فَجَآءَهَا بَأَسُنَا بَيَتَّ﴾ أي: بائتين على فرُشِ (١) الغفلة في ليل الشباب ﴿أَوْ هُمْ قَآيِلُونَ﴾ تحتَ ظلالٍ الأمل في نهار المشيب. ﴿وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيْدٍ الْحَقُّ ﴾ هو عند كثيرٍ من الصوفيَّةِ اعتبارُ الأعمال، وذكروا أنَّ لسانَ ميزان الحقِّ هو صفةُ العدل، وإحدى كفَّتيه هو عالمُ الحسِّ، والكفَّةُ الأخرى هو عالم العقل، ﴿فَمَن﴾ كانت مكاسبُه من المعقولات الباقية، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الخيرية المقرونة بالنيَّة الصادقة ﴿فَقُّلَتْ﴾ أي: كانت ذا قدرٍ. وأفلح هو، أي: فاز بالنعيم الدائم، ﴿وَمَنْ﴾ كانت مقتنياتُه من المحسوسات الفانية، واللذَّات الزائلة، والشهوات الفاسدة، والأخلاق الرديئة ﴿خَفَّتْ﴾ ولم يُعتنَ بها، وخسرَ هو نفسه؛ لحرمانه النعيم وهلاکهِ. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ إذ جعلناكم خلفاءَ فيها ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَّرْ﴾ متعدِّدةً دون غيركم، فإنَّ له معيشةً واحدة؛ وذلك لأنَّ الإنسانَ فيه ملكيَّةٌ وحيوانيَّةٌ وشيطانيَّةٌ، فمعيشةُ روحِه معيشةُ الملك، ومعيشةُ بدنه معيشةُ الحيوان، ومعيشةُ نفسِهِ الأمّارة معيشةُ الشيطان. وله معايشُ غير ذلك، وهي معيشةُ القلب بالشهود، ومعيشةُ السِّرِّ بالكشوف، ومعيشةُ سرِّ السرِّ بالوصال. ﴿قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ولو شكرتم ما رضیتم بالدون. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرَنَّكُمْ﴾ أي: ابتدأنا ذلك بخلق آدم عليه السلام وتصويرِه ثمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُوا لِلَدَمَ﴾ فإنَّه المظهرُ الأعظم، وفي الخبر: ((خلق الله آدم على صورته))(٢) وفي رواية: ((على صورة الرحمن))(٣). ﴿فَسَجَدُوَأْ﴾ وانقادوا للحقِّ ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ لَ يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ﴾ لنقصان بصيرته. (١) في (م): فراش. (٢) أخرجه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١)، وأحمد (٨١٧١). (٣) أخرجه بهذه الرواية الحارث (٨٧٢ - بغية الباحث)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٣١٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٥١٧)، وابن خزيمة في التوحيد ص٣٨، والطبراني في الكبير (١٣٥٨٠). وقد سلفت الروايتان ٩٠/٢ - ٩١. سُورَةُ الأَزْرَافِ ٥٨ الآية : ١٩ ﴿قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقَفِى مِن ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ، مِن ◌ِينٍ﴾ أرادَ اللعينُ أنَّه من الحضرة الروحانيَّة، وأنَّ آدمَ عليه السلام ليس كذلك. ﴿قَالَ فَأَهَبِطَ مِنْهَا﴾ أي: من تلك الحضرة ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ لأنَّ الكبرَ ينافيها ﴿فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾ الأذلاء بالميل إلى مقتضيات النفس. ﴿قَالَ فَيِمَا أَغْوَيْتَنِ﴾ قسمٌ بما هو من صفاتِ الأفعال، ولم يكن محجوباً عنها، بل كان محجوباً عن الذات الأحديَّة ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وهو طريقُ التوحيد ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَئِهِمْ وَعَن شَيِلِهِمَّ﴾ أي: لأجتهدنَّ في إضلالهم، وقد تقدَّم ما قاله بعضُ حكماء الإسلام في ذلك، وفي تأويلاتٍ النيسابوري(١) كلامٌ كثيرٌ فيه، وما قاله البعضُ أحسنه في هذا الباب. وذكر بعضُهم لعدم التعرُّض لجهتَي الفوقِ والتحت وجهاً، وهو أنَّ الإتيان من الجهة الأولى غيرُ ممكنٍ له؛ لأنَّ الجهةَ العلويَّةَ هي التي تلي الروحِ، ويَرِدُ منها الإلهامات الحقَّةُ، والإلقاءات الملكيَّةُ، ونحو ذلك، والجهةُ السفليَّةُ يحصلُ منها الأحكام الحسيَّة، والتدابيرُ الجزئيَّةُ في باب المصالح الدنيويَّةِ، وذلك غيرُ موجبٍ للضلالة، بل قد يُنْتَفْعُ به في العلوم الطبيعيَّةِ والرياضيَّة. وفيه نظر. ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾(٢) مستعملينَ ما خُلِقَ له لما خُلِقٍ له. ﴿قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ حقيراً ﴿مَدْحُورًا﴾ مطروداً ﴿لَّمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ بالأنانية، ورؤيةٍ غير الله تعالى، وارتكابِ المعاصي ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْعِينَ﴾ فتبقونَ محبوسينَ في سجِّين الطبيعة، معذّبين بنارِ الحرمان عن المراد، وهو أشدُّ العذاب، وكلُّ شيءٍ دونَ فراقِ المحبوب سهلٌ، وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل. ﴿وَدَمُ أَسْكُنْ﴾ أي: وقلنا، كما وقع في سورة البقرة. فهذه القصّة بتمامها معطوفةٌ على مثلها، وهو قوله سبحانه: ﴿قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُوا﴾ على ما ذهبَ إليه غيرُ واحدٍ من المحققين. وإنَّما لم يعطفوه على ما بعد ((قال))، أي: قال يا إبليس (١) في غرائب القرآن ٨٦/٨-٨٧. (٢) جاء في هامش (م) ما نصه: إلى هنا ربع القرآن ولله الحمد. اهـ منه. الآية : ٢٠ ٥٩ سُورَةُ الأَعْرَافِ اخرج، ويا آدم اسكن؛ لأنَّ ذلك في مقام الاستئناف والجزاء لمَا حلف عليه اللعين، وهذا من تتمَّة الامتنانِ على بني آدم والكرامة لأبيهم. ولا على ما بعد: ((قلنا)) لأنَّه يؤولُ إلى: قلنا للملائكة: يا آدم. وادَّعى بعضُهم أنَّ الذي يقتضيه الترتيبُ العطفُ على ما بعد: ((قال))، وبيَّنَه بما له وجهٌ، إلَّا أنَّه خلافُ الظاهر. وتصديرُ الكلام بالنداء؛ للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به، وتخصيصُ الخطاب بآدم عليه السلام للإيذان بأصالته بالتلقِّي وتعاطي المأمور به. و(اسكن)) من السُّكنى، وهو اللبث والإقامة والاستقرار، دون السكون الذي هو ضدُّ الحركة، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك وفي قوله سبحانه: ﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْمِنَّةَ﴾. وتوجيهُ الخطاب إليهما في قوله تعالى: ﴿فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِقْتُمَا﴾ لتعميم التشريف، والإيذانِ بتساويهما في مباشرة المأمور به، فإنَّ حواء أسوةٌ له عليه السلام في حقِّ الأكل، بخلاف السكنى فإنها تابعةٌ له فيها، ولتعليق النهي الآتي بهما صريحاً، والمعنى: فكلا منها حيث شئتما، كما في ((البقرة))، ولم يذكر ﴿رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] هنا ثقةً بما ذكر هناك. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا نَقْرَيَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ مبالغةٌ في النهي عن الأكل منها. وقُرئ: ((هذي))(١)، وهو الأصلُ إلَّا أنَّه حذفت الياء وعُوِّضَ عنها الهاء، فهي هاءُ عوضٍ لا هاءُ سكتٍ. قال ابن جنِّي(٢): ويدلُّ على أنَّ الأصل هو الياء قولُهم في المذكّر: ذا، والألف بدلٌ من الياء، إذ الأصلُ ذَيّ بالتشديد، بدليل تصغيره على ذَيّا، وإنَّما يصغَّرُ الثلاثي دون الثنائي كـ ((ما)) و((من))، فحُذِفت إحدى اليائين تخفيفاً، ثمَّ أبدلت الأخرى ألفاً؛ كراهةَ أن يشبه آخره آخر ((كي)). أي: الذين ظلموا أنفسهم. و((تكونا)» فَتَكُونَ﴾ أي: فتصيرا ﴿مِنَ الَّلِينَ يحتملُ الجزمَ على العطف على (تقربا))، والنصبَ على أنَّه جوابُ النهي. ﴿فَوَسَوَسَ لَّمَا الشَّيْطَانُ﴾ أي: فَعَلَ الوسوسةَ لأجلهما، أو أَلْقَى إليهما الوسوسةَ، وهي في الأصل الصوتُ الخفيُّ المكرَّرُ، ومنه قيل لصوتِ الحَلْي: وسوسة، وقد (١) هي قراءة ابن محيصن، كما في المحتسب ٢٤٤/١. (٢) في المحتسب ٢٤٤/١. سُورَةُ الأَّغَافِ ٦٠ الآية : ٢٠ كثرت فَعْلَلة في الأصوات، كهَيْنَمة، وهمهَمة، وخَشْخشَة. وتطلق على حديث النفس أيضاً، وفعلُها وَسْوَس، وهو لازمٌ، ويقال: رجل مُوَسوِسٌ، بكسر الواو ولا تُفتح، على ما قاله ابنُ الأعرابيّ. وقال غيره: يقال: مُوَسْوَسٌ - بالفتحِ - ومُوَسْوَسٌ إليه، فيكون الأول على الحذفِ(١) والإيصال. والكلامُ في كيفيَّةٍ وسوسة اللعين قد تقدَّمتِ الإشارة إليه في سورة البقرة. ﴿لِيُبْدِىَ لَّمَا﴾ أي: ليظهرَ لهما، واللام إمَّا للعاقبة؛ لأنَّ الشيطانَ لم يقصد بوسوسته ذلك ولم يخطر له ببال، وإنَّما آل الأمرُ إليه، وإمّا للتعليل على ماهو الأصلُ فيها. ولا يبعدُ أنَّه أرادَ بوسوسته أنْ يسوءهما بانكشافِ عورتيهما، ولذلك عبَّر عنهما بالسوأة، ويكون هذا مبنيًّاً على الحدس، أو العلم بالسماع من الملائكة، أو الاطلاع على اللوح. قيل: وفي ذلك دليلٌ على أنَّ كشفَ العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجةٍ قبيحٌ مستهجنٌ في الطباع. ﴿مَا ؤُرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَتِهِمَا﴾ أي: ما غُطِّيَ وسُتِّرَ عنهما من عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدُهما من الآخر، وكانت مستورةً بالنور على ما أخرجَهُ الحكيمُ الترمذيُّ وغيرُه عن وهب بن منبه(٢). أو بلباسٍ كالظفر، على ما أخرجَه ابن أبي حاتم عن السُّدِّيّ(٣). وجمع السوآت على حدٍّ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] واعتبار الأجزاء بعيدٌ. والمتبادر من هذا الكلام حقيقتُه. وقيل: هو كنايةٌ عن إزالة الحرمة، وإسقاط الجاه. و((ووري)) بواوين ماضي وارى، كضارَبَ وضُورِب، أُبدلت ألفه واواً، فالواو الأولى فاءُ الكلمة والثانية زائدة. (١) أي: على حذف: له. انظر حاشية الشهاب ١٥٨/٤. (٢) الدر المنثور ٧٤/٣، وأخرجه الطبري ١١٤/١٠، وإسناده إلى وهب صحيح، كما ذكر ابن كثير في تفسيره ٣٩٨/٣، وينظر الأصل الثالث والخمسون والمئة من نوادر الأصول. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٠ (٨٢٨٨).