Indexed OCR Text
Pages 481-500
الآية : ١٤٦ ٤٨١ سُؤَدَةُ الأَنْعَل ولعلَّ المسبّب عن الظلم هو تعميمُ التحريم؛ لأنَّ البعضَ كان حراماً قبله. ويَحتملُ أنْ يراد: كلّ ذي ظفر حلال، بقرينة: ((حرَّمنا))، وهذا - كما قيل - تحقيقٌ لما سلف من حصر المحرَّمات فيما فُصِّل بإبطالِ ما يخالفُه من فرية اليهود وتكذيبهم في ذلك، فإنَّهم كانوا يقولون: لسنا أوَّل من حُرِّمت عليه، وإنَّما كانت محرَّمةً على نوحٍ وإبراهيم ومن بعدهما عليهم السلام حتى انتهى التحريمُ إلينا . وقال بعض المحقّقين: إنَّ ذلك تتميمٌ لما قبله؛ لأنَّ فيه دفع (١) أنَّه تعالى حرَّم على اليهود جميعَ هذه الأمور، فكذلك حرَّم البحيرة والسائبة ونحوهما؛ بأنَّ ذلك كان على اليهود خاصَّةً غضباً عليهم. وقرأ الحسن: ((ظِفْر)) بكسر الظاء وسكون الفاء (٢). وقرأ أبو السمَّال بكسرهما(٣). وقُرئ - كما قال أبو البقاء -: ((ظُفْر)) بضمِّ الظاء وسكون الفاء(٤). ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ لا لحومهما، فإنَّها باقيةٌ على الحِلِّ، والمرادُ بالشحوم ما يكون على الأمعاءِ والكَرِشِ من الشحم الرقيق، وشحوم الكِلى. وقيل: هو عامٌّ استثني منه ما سيأتي. و((من البقر» متعلِّقٌ بـ ((حرَّمنا)) بعدَه، وكان يكفي حينئذٍ أنْ يقال: الشحوم، لكنَّه أضيفَ لزيادة الربط والتأكيد، كما يقال: أخذت من زيدٍ مالَه. وهو متعارفٌ في كلامهم. وجوَّز أبو البقاء(٥) - وظاهرُ صنيعه اختيارُه مع أنَّه خلافُ الظاهر - أنَّ ((من البقر)) عطف على (كلَّ ذي ظفر)) على معنى: وبعض البقر، وجعل ((حرَّمنا عليهم شحومهما)) تبيناً للمحرَّم من ذلك، وحينئذِ الإضافةُ للربط المحتاج إليه. (١) في (م): رفع. (٢) تفسير الرازي ٢٢٣/١٣، والدر المصون ٢٠١/٥. (٣) تفسير الرازي ٢٢٣/١٣، وتفسير القرطبي ٩٧/٩، والدر المصون ٢٠١/٥. (٤) الإملاء ٦٤٧/٢. وهي مروية أيضاً عن الحسن كما في إعراب القرآن للنحاس ١٠٤/٢، والقراءات الشاذة ص٤١، وتفسير القرطبي ٩٦/٩، والبحر المحيط ٤/ ٢٤٤. (٥) في الإملاء ٦٤٨/٢ . سُؤَدَّةُ الأَنْتَعَم ٤٨٢ الآية : ١٤٦ ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ أي: ما عَلِقَ بظهورهما، والاستثناءُ منقطعٌ، أو مثَّصلٌ من الشحوم، وإلى الانقطاع ذهب الإمامُ الأعظم رَبُه، فقد نُقِل عنه: لو حَلَف لا يأكُل شحماً، يحنَث بشحمِ البطن فقط . وخالفه في ذلك صاحباه فقالا: يحنَث بشحم الظهر أيضاً؛ لأنَّه شحمٌ وفيه خاصيَّةُ الذوبِ بالنار، وأُيِّدَ ذلك بهذا الاستثناء بناءً على أنَّ الأصل فيه الاتصال. وللإِمام نظّه أنَّه لحمٌ حقيقةً؛ لأنَّه ينشأ من الدم، ويُستعمَل كاللحم في اتخاذ الطعام والقلايا، ويؤكل كاللحم، ولا يُفعلُ ذلك بالشحم، ولهذا يحنَثُ بأكلِه لو حلفَ لا يأكل لحماً، وبائعُه يسمَّى لخَّاماً لا شخَّاماً، والاتِّصالُ وإنْ كان أصلاً في الاستثناء، إلَّ أنَّ هنا ما يدلُّ على الانقطاع، وهو قوله تعالى: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ فإنَّه عطف على المستثنى، وليس بشحم، بل هو بمعنى المباعر، كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. أو المرابض - وهي نباتُ اللَّبن(١) - كما روي عن ابن زيد. أو المصارين والأمعاء، كما قال غيرُ واحدٍ من أهل اللغة. وللقائل بالاتّصال أنْ يقول: العطفُ على تقدير مضاف، أي: شحوم الحوايا، أو يُؤوِّلَ ذلك بما حمله الحوايا من شحم. على أنَّه يجوز أنْ يفسِّر ((الحوايا)) بما اشتملت عليه الأمعاء؛ لأنَّه مِن حواه، بمعنى اشتمل عليه، فيطلقُ على الشحم الملتفِّ على الأمعاء. وجوَّزَ غيرُ واحدٍ أنْ يكون العطفُ على ((ظهورهما))، وأنْ يكون على ((شحومهما))، وحينئذٍ يكونُ ما ذكر محرَّماً. وإليه ذهب بعضُ السلف، وهو يَعطفُ قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا أَخْتَطَ بِعَظْهٍ﴾ - وهو شحمُ الآلية لاتصالها بالعصعص، وقيل: هو المخ. ولا يقول أحدٌ إنَّه شحمٌ - عليه. ويقولُ بتحريمه أيضاً. و((الحوايا)) قيل: جمع حاوية، كزاوية وزوايا، ووزنه فواعل، وأصله حواوي، فقلبت الواو التي هي عينُ الكلمة همزةً؛ لأنَّها ثاني حرفي لينِ اكتنفا مَدَّةَ مَفَاعل، ثمَّ قلبت الهمزةُ المكسورة ياءً، ثمَّ فتحت لثقل الكسرةِ على الياء، فقلبت الياءُ (١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: بنات اللبن، كما في مصادر اللغة. قال الأزهري في تهذيب اللغة ٥٠٦/١٥-٥٠٧: وبنات معّى: البعر، وبنات اللبن: ما صَغُّر منها. الآية : ١٤٦ ٤٨٣ سُورَةُ الأَنْعَم الأخيرة ألفاً لتحرُّكها بعد فتحة، فصارت حوايا. أو قلبت الواو همزةً مفتوحة، ثم الياءُ الأخيرةُ ألفاً، ثم الهمزة ياءً؛ لوقوعها بين ألفين، كما فعل بخطايا . وقيل: جمع حاوياء، كقاصعاء وقواصع، ووزنه فواعل أيضاً، وإعلاله كما علمت . وقيل: جمع حَويَّة، كظريفة وظرائف، ووزنه فعائل، وأصله حَوائي، فقلبت الهمزة ياءً مفتوحة، والياء التي هي لامٌ ألفاً، فصار حوايا. وجوَّزَ الفارسيُّ أنْ يكون جمعاً لكلِّ واحدٍ من هذه الثلاثة، وقد سُمِع في مفرده أيضاً. و((أو)) بمعنى الواو، وقال أبو البقاء(١): لتفصيل مذاهبهم. نظيرُها في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودَّا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١٣٥]. وقال الزَّجَّاج: هي فيما إذا كان العطفُ على الشحوم للإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أي: كلُّ هؤلاء أهلٌ أنْ يُعصَى، فاعصٍ هذا، أو اعصٍ هذا، و((أو)) بليغةٌ في هذا المعنى؛ لأنَّك إذا قلت: لا تطع زيداً وعمراً، فجائزٌ أَنْ تكون نهيتَ عن طاعتهما معاً، فإنْ أُطيعَ زيدٌ على حِدَته، لم تكن معصية. فإذا قلت: لا تطع زيداً أو عمراً أو خالداً، كان المعنى: هؤلاءِ كلهم أهلٌ أنْ لا يطاع، فلا تطع واحداً منهم، ولا تطع الجماعة. ومنه: جَالِس الحسنَ أو ابن سيرين أو الشعبيّ، فليس المعنى الأمر بمجالسة واحدٍ منهم، بل المعنى كلُّهم أهلٌ أن يجالَس، فإنْ جالستَ واحداً منهم فأنت مصيبٌ، وإن جالستَ الجماعةَ فأنت مصيبٌ(٢). واختاره العلّامة الثاني، وقال: الوجهُ أنْ يقال: إنَّ كلمة ((أو)) في العطف على المستثنى من قبيل: جالس الحسن أو ابن سيرين، كما في العطف على المستثنى منه، يعني أنها لإفادة التساوي في الحكم(٣)، فيحرم الكلّ. (١) في الإملاء ٢/ ٦٤٨ -٦٤٩. (٢) معاني القرآن للزجاج ٣٠٢/٢ . (٣) في الأصل: الكل. والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في حاشية الشهاب ٤/ ١٣٤، والكلام منه . سُورَةُ الأَنْعَل ٤٨٤ الآية : ١٤٦ وتحقيقُهُ أنَّ مرجعَ التحريم إلى النهي، كأنَّه قيل: لا تأكلوا أحدَ الثلاثة، وهو معنى العموم، وهذا مرادُ الزمخشريٌّ(١) فيما نُقِل عنه من أنَّ الجملة لمَّا دخلت في حكم التحريم، فوجهُ العطف بحرف التخيير أنَّها بليغةٌ بهذا المعنى. ثَّ قال(٢): وبهذا المعنى(٣) يتبيَّن فسادُ ما يتوهّم أنَّه يريد أنَّه على تقديرِ العطف على المستثنى منه يكون المعنى: حرَّمنا عليهم شحومهما، أو حرَّمنَا عليهم الحوايا، أو حرَّمنا عليهم ما اختلط بعظم، فيجوزُ لهم ترك أيِّها كان وأكلُ الآخرَين. وادَّعى أنَّ الظاهرَ أنَّ مثل هذا - وإنْ كانَ جائزاً - فليس من الشرع أنْ يحرَّمَ أو يحلَّل واحدٌ مبهمٌ من أمورٍ معيَّنةٍ، وإنَّما ذلك في الواجب فقط. وهذه الدعوى من العجب، فإنَّ الحرام المخيّر والمباح المخيَّر ممَّا صرَّح به الفقهاء وأهلُ الأصول قاطبةً. ويَحتاجُ الأمر إلى إمعان نظرٍ فليُمعن. وذكر الطيبيُّ في حاصل كلام بعض المحققين في ((أو)) هنا أنَّها (٤) إذا ◌ُطفت على الشحوم دخلت الثلاثةُ تحت حكم النفي، فيحرُم الكلُّ سوى ما استُثني منه، وإذا عُطفت على المستثنى لم يحرمْ سوى الشحوم. و((أو)) على الوجه الأول للإباحة، وعلى الثاني للتنويع. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الجزاء أو التحريم؛ فهو على الأوَّل نصب على أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لما بعده، وعلى الثاني على أنَّه مفعولٌ ثانٍ له، أي: ذلك التحريم. ﴿َيْنَهُمْ﴾ وجزى يتعدَّى بالباء وبنفسه، كما ذكره الراغب(٥) وغيره. وما نقل عن ابن مالك؛ أنَّ اسمَ الإشارة لا ينتصبُ مشاراً به إلى المصدر إلَّا ويُتْبَعُ بالمصدر، نحو: قمتُ هذا القيام، و: قعدتُ ذلك القعود، ولا يجوزُ: قمت هذا، ولا : قعدتُ ذاك. ردَّه أبو حيَّان والحلبي(٦)، وصحّحًا ورودَ اسمِ الإشارة مشاراً به إلى المصدر غيرَ متبوعٍ به . (١) في الكشاف ٥٨/٢ . (٢) القائل هو العلامة الثاني، وهو سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني. (٣) ليست في (م). (٤) في (م): أنك. (٥) في المفردات (جزى). (٦) البحر المحيط ٢٤٥/٤، والدر المصون ٢٠٨/٥. الآية : ١٤٦ ٤٨٥ سُورَةُ الأَنْعَل وجوِّز كونُ («ذلك)) خبرَ مبتدأ مقدَّر، أي: الأمر ذلك، أو مبتدأ خبره ما بعده، والعائدُ محذوف، أي: جزيناهم إيَّاه. ـهِمْ﴾ أي: بسببٍ ظلمهم، وهو قتلُهم الأنبياءَ بغير حقٍّ، وأكلُهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلُهم أموال الناس بالباطل. وكانوا كلَّما أتوا بمعصيةٍ عوقبوا بتحريم شيءٍ مما أُحِلَّ لهم، وهم ينكرون ذلك، ويدَّعون أنَّها لم تَزَلْ محرَّمةً على الأمم. وقيل: المراد: ببغيهم على فقرائهم، بناءً على ما نقل عليٌّ بن إبراهيم في (تفسيره)(١): أنَّ ملوك بني إسرائيل كانوا يمنعون فقراءَهم من أكل لحوم الطير والشحوم، فحرَّم الله تعالى عليهم ذلك بسبب هذا المنع، وهو تابعٌ للمصلحة أيضاً. ولا بُعْد في أنْ يكون المنعُ من الانتفاع لمزيد استحقاق الثواب، وأنْ يكون الجرمٍ متقدِّم. ﴿وَإِنَّا لَصَدِفُونَ في جميع أخبارنا التي من جملتها الإخبارُ بالتحريم ١٤٦ وبالبغي. وعُدَّ منها - واقتصرَ عليه بعضُهم - الوعدُ والوعيد. وقوَّى الإمام بهذه الآية ما ذهب إليه الإمام مالك وكثيرٌ من السلف، وهو القول بما يقتضيه ظاهرُ الآية السابقة من حِلِّ ما عدا الأربعة المذكورة فيها. وذلك أنَّه أوجبَ حمل الظفر على المخلب؛ لبعد حمله على الحافر لوجهين؛ الأول: أنَّ الحافر لا يكادُ يسمَّى ظفراً. والثاني: أنَّ الأمرَ لو كان كذلك لوجب أنْ يقال: إنَّه تعالى حرَّم عليهم كلَّ حيوانٍ له حافر. وهو باطل؛ لأنَّ الآية تدلُّ على أنَّ الغنم والبقر مباحان لهم مع حصولِ الحافر لهما(٢)، وإذاً وجب حمله على المخلب. والآيةُ تفيدُ تخصيصَ هذه الحرمة باليهود - كما أشرنا إليه - من وجهين؛ الأول: إفادة التركيبِ الحصرَ لغةً، والثاني: أنَّها لو كانت ثابتةً في حقِّ الكلِّ لم يبقَ للاقتصار على ذكرهم فائدةٌ، ووجبَ أنْ لا تكون السباحُ وذواتُ المخلب من الطير محرَّمةً على المسلمين، بل يكونُ تحريمها مختصّاً باليهود، وحينئذٍ فما رُوي أنَّه وَهم (١) المسمى: البرهان في تفسير القرآن، وعلي بن إبراهيم هو أبو الحسن الحوفي، وله أيضاً: إعراب القرآن، وكتب أخرى، توفي سنة (٤٣٠هـ). طبقات المفسرين للأدرنه وي ص ١١٠. (٢) في الأصل و(م): لهم، والمثبت من تفسير الرازي. سُؤَدَّةُ الْأَنْعَم ٤٨٦ الآية : ١٤٧ - ١٤٨ حرَّم كلَّ ذي نابٍ من السباع، وذي مخلبٍ من الطير(١). ضعيفٌ؛ لأنَّه خبرُ واحدٍ على خلافِ كتاب الله تعالى، فلا يكونُ مقبولاً، فيتقرَّرُ قول الجماعة السابق(٢). وفيه نظرٌ لا يخفى، فتدبّر. ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾ أي: اليهود، كما قال مجاهد والسديُّ وغيرهما. وهو الذي يقتضيه الظاهر؛ لأنَّهم أقربُ ذكراً، ولذكرِ المشركين بعدُ بعنوان الإشراك. وقيل: الضمير للمشركين. فالمعنى على الأول: إن كذَّبك اليهودُ في الحكم المذكور، وأصرُّوا على ما كانوا عليه من ادعاءِ قِدَم التحريم. ﴿فَقُل﴾ لهم: ﴿رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ﴾ عظيمةٍ ﴿َسِعَةِ﴾ لا يؤاخذكم بكلِّ ما تأتونَه من المعاصي، ويمهلُكم على بعضها ﴿وَلَا يُرَؤُ فلا تنكروا ما وقعَ بَأْسُهُ﴾ أي: لا يدفَعُ عذابه بالكليَّة ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ منه تعالى من تحريمٍ بعض الطيِّبات عليكم عقوبةً وتشديداً. وعلى الثاني: فإنْ كذَّبكَ المشركون فيما فَصَّل من أحكام التحليل والتحريم ((فقل)) لهم ((ربكم ذو رحمةٍ واسعَةٍ)) ولا يعاجلُكم بالعقوبة على تكذيبكم، فلا تغتروا بذلك، فإنَّه إمهالٌ لا إهمال. وقيل: يحتملُ أنْ يكون المرادُ أنَّه تعالى ذو رحمةٍ واسعةٍ، فهو يرحمني بتوفيق كثيرٍ لتصديقي، فلا يضرُّني تكذيبُكم، ويضرُّكم؛ لأنَّه لا يُردُّ بأسُه عن المجرمين المكذِّبين. أو: سيرحمني بالانتقام منكم، ولا يردُّ بأسُه عنكم. وفيه بُعد. وقيل: المرادُ ذو رحمةٍ للمطيعين، وذو بأسٍ شديدٍ على المجرمين، فأُقيم مقامَه قولُه تعالى: ﴿وَلَا يُرَؤُ﴾ إلخ؛ لتضمُّنِه التنبيهَ على إنزال البأس عليهم، مع الدلالة أنَّه لَاحِقٌ بهم ألبتَّةَ، من غير صارفٍ يصرفُه عنهم أصلاً . ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ حكايةٌ لفنٍّ آخر من أباطيلهم. والإخبارُ قبل وقوعه، ثمَّ وقوعُه حسبما أخبر، كما يحكيه قولُه تعالى عند وقوعه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] = صريحٌ في أنَّه من عند الله تعالى. (١) أخرجه مسلم (١٩٣٤) من حديث ابن عباس . (٢) تفسير الرازي ١٣/ ٢٢٣. الآية : ١٤٨ ٤٨٧ سُورَةُ الأَنْعَمُ وقد نصَّ غيرُ واحدٍ على أنَّ وقوعَ ما أخبر الله تعالى به من المغيَّبات من وجوه الإعجاز لكلامه، وإنْ لم يكن الإعجاز به فقط؛ كما في قولٍ مضغَّفٍ. ﴿لَوَ شَآءَ اُللَّهُ﴾ عدمَ إشراكنا، وعدمَ تحريمنا شيئاً ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَّ ءَابَاؤُنَا وَلَا خَّنَا مِن شٍََّْ﴾ لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذارَ عن ارتكاب القبيح، إذْ لم يعتقدوا قُبحَ أفعالهم، وهي أفعى لَهم، بل هم كما نطقت به الآيات: ﴿يَخْسَبُونَ أَهُمْ يُحْسِنُونَ مُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] وأنَّهم إنَّما يعبدون الأصنام ليقرِّبوهم إلى الله زلفى، وأنَّ التحريم إنَّما كان من الله عزَّ وجلَّ، فما مرادُهم بذلك إلَّا الاحتجاج على أنَّ ما ارتكبوه حقٌّ ومشروعٌ ومرضيٍّ عند الله تعالى؛ بناءً على أنَّ المشيئةَ والإرادة تساوِقُ الأمرَ، وتستلزمُ الرضا، كما زعمت المعتزلة، فيكونُ حاصلُ كلامهم: إنَّ ما نرتكبُه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلَّقت به مشيئةُ الله تعالى وإرادته، وكلُّ ما تعلَّق به مشيئتُه سبحانه وإرادتُه فهو مشروعٌ ومرضيٍّ عنده عزَّ وجلّ، فينتجُ أنَّ ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروعٌ ومرضيٍّ عند الله تعالى. وبعد أنْ حكى سبحانه ذلك عنهم ردًّ عليهم بقوله عزَّ من قائل: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ما كذَّب هؤلاء ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم أسلافُهم المشركون. وحاصلُهُ أنَّ كلامَهم يتضمَّن تكذيبَ الرسل عليهم السلام، وقد دلَّت المعجزةُ على صدقهم . ولا يخفى أنَّ المقدمةَ الأولى لا تكذيبَ فيها نفسِها، بل هي متضمِّنَةٌ لتصديق ما تَطابَقَ فيه العقل والشرع من كون كلِّ كائنٍ بمشيئة الله تعالى، وامتناع أنْ يجريَ في ملكه خلافُ ما يشاء، فمنشأ التكذيب هو المقدّمةُ الثانية؛ لأنَّ الرسلَ عليهم السلام يدعونهم إلى التوحيد، ويقولون لهم: إنَّ الله تعالى لا يرضى لعبادِه الكفرَ ديناً، ولا يأمرُ بالفحشاء، فيكونُ قولهم: إنَّ ما نرتكبه مشروعٌ ومرضيٍّ عنده تعالى، تكذيبٌ(١) لهذا القول. وحيثُ كان فسادُ هذه الحجّة باعتبارِ المقدمة الثانية، تعيَّن أنَّها ليست بصادقة، وحينئذٍ يَصْدُقُ نقيضُها، وهي أنَّه ليس كلُّ ما تعلقت به المشيئة والإرادة بمشروعٍ (١) كذا في الأصل و(م)، والوجه: تكذيباً. سُورَةُ الأَنْعَ ٤٨٨ الآية : ١٤٨ ومرضيٍّ عنده سبحانه، بناءً على أنَّ الإرادة لا تساوقُ الأمرَ والرضا، على ما هو مذهب أهل السنة؛ إذ المشيئةُ تُرجّح بعضَ الممكنات على بعض، مأموراً كان أو منهيّاً، حسناً كان أو قبيحاً . وعلى هذا فلا حجّة في الآية للمعتزلة، بل قد انقلبَ الأمرُ فصارت الآية حجَّةً لنا عليهم؛ لأنَّهم لم يُفرِّقوا بين المأمور والمراد، واعتقدوا كالمشركين بأنَّ كلَّ مرادٍ مأمورٌ ومرضيٍّ. ويجوز أيضاً أنْ يقال: مقصودُ المشركين من قولهم ذلك ردُّ دعوة الأنبياء عليهم السلام ورفعُ البعثة والتكليف، وهو المذكور في كثيرٍ من الكتب الكلاميَّة، وحاصلُه حينئذٍ أنَّ ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع، وكلُّ ما هذا شأنُه فلا يكلّفُ به؛ لكونه مشروطاً بالاستطاعة، فينتجُ أنَّ ما نرتكبهُ من الشرك وغيره لم نكلَّفْ بتركه، ولم يبعث له نبيٌّ. فردَّ الله تعالى عليهم بأنَّ هذه كلمةُ صدقٍ أريدَ بها باطل ؛ لأنَّهم أرادوا بها أنَّ الرسل عليهم السلام في دعواهم البعثةَ والتكليفَ كاذبون، وقد ثبتَ صدقُهم بالدلائل القطعيَّة. ولكون ذلك صدقاً أريد به باطل ذمَّهم الله تعالى بالتكذيب. ووجوبُ وقوع متعلَّق المشيئة لا ينافي صدقَ دعوى البعثة والتكليف؛ لأنَّهما لإظهارِ المحجَّة وإبلاغ الحُجَّة. وسيأتي توجيهٌ آخر إنْ شاء الله تعالى قريباً للآية. وعُطف ((آباؤنا)) على الضمير المرفوع في ((أشركنا))، وساغَ ذلك عند البصريين وإنْ لم يؤَّد الضمير؛ لأنَّه يكفي عندهم أيُّ فاصلٍ كان، وقد فصل بـ ((لا)) هاهنا . والكوفيون لا يشترطون في ذلك شيئاً، ويستدلُّون بما هنا، ولا يعتبرون هذا الفصلَ؛ لأنَّه ينبغي أنْ يتقدَّم حرفَ العطف ليدفع الهجنة، ولا يكفي عندَهم الفصلُ بين المعطوف والمعطوف عليه. وتوقَّف أبو علي في كفاية الفصلِ بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنْ لم يفصل حرف العطف. وادَّعى الإمام أنَّ في الكلام تقديراً؛ لأنَّ النفيَ لا يُصرفُ إلى ذوات الآباء، بل الآية : ١٤٨ ٤٨٩ سُورَةُ الأَنْعَم يجبُ صرفُه إلى فعلٍ صدر منهم، وذلك هو الإشراك، فيكونُ التقدير: ما أشركنا ولا أشركَ آباؤنا. وحينئذٍ فلا إشكال(١). ﴿حَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا﴾ أي: نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم، وفيه - على ما قيل - إيماءٌ إلى أنَّ لهم عذاباً مُدَّخراً عند الله تعالى؛ لأنَّ الذوقَ أوَّلُ إدراك الشيء. ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾ أي: من أمرٍ معلومٍ يصحُ الاحتجاجُ به على زعمكم ﴿فَتُخْرِجُ﴾ أي: فتظهروه ﴿لَنَاٌ﴾ على أتمٍّ وجهٍ وأوضحِ بيانٍ. وقيل: المراد: هل لكم من اعتقادٍ ثابتٍ مطابقٍ فيما ادعيتم أنَّ الإشراك وسائرَ ما أنتم عليه مرضيٍّ لله تعالى، فتظهروه لنا بالبرهان؟ وجعل إمامُ الحرمين في ((الإرشاد))(٢) هذا وما بعدَه دليلاً على أنَّ المشركين إنّما استوجبوا التوبيخَ على قولهم ذلك؛ لأنَّهم كانوا يهزؤونَ بالدين، ويبغونَ ردًّ دعوة الأنبياء عليهم السلام، حيثُ قرع مسامعَهم من شرائع الرسل عليهم السلام تفويضُ الأمور إليه سبحانه، فحين طالبوهم بالإسلام والتزام الأحكام احتجُّوا عليهم بما أخذوه من كلامهم، مستهزئين بهم عليهم الصلاة والسلام، ولم يكن غرضهم ذكرَ ما ينطوي عليه عقدُهم، كيف لا والإيمانُ بصفاتِ الله تعالى فرعُ الإيمان به عزَّ شأنه، وهو عنهم مناط العُّوق(٣). ﴿إِن تَنَّبِعُونَ﴾ أي: ما تتبعون في ذلك ﴿إِلَّ الظَّنَّ﴾ الباطلَ الذي لا يغني من(٤) الحقِّ شيئاً. أو المراد: إنَّ عادتكم وجُلَّ أمرٍكم أنَّكم لا تتبعونَ إلَّا الظن. تكذبونَ على الله تعالى، وقد تقدَّم الكلامُ في حكم ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَّخْرُصُونَ ١٤٨ اتِّباع الظنِّ على التفصيل، فتذكَّر. (١) تفسير الرازي ٢٢٨/١٣. (٢) ص٢٢٠ -٢٢١. (٣) العيُّوق: نجم أحمر مضيءٌ في طرف المجرة الأيمن، يتلو الثريا لا يتقدمها. ويقال: هذا مِنِّي مناط الثريا، أي: في البعد. القاموس المحيط (عوق)، (نوط). (٤) في الأصل: عن. سُورَةُ الأَنْعَل ٤٩٠ الآية : ١٤٩ ﴿قُلْ فَلَّهِ﴾ خاصَّةٌ ﴿اَلْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ أي: البيّنةُ الواضحةُ التي بلغت غايةَ المتانة والقوّة على الإثبات، أو بلغ بها صاحبُها صحَّة دعواه، كعيشةٍ راضية. والمرادُ بها في المشهور الكتاب والرسول والبيان. وقال شيخ مشايخنا الكورانيّ: ((الحجَّة البالغة)) إشارةٌ إلى أنَّ العلم تابعٌ للمعلوم، وأنَّ إرادةَ الله تعالى متعلِّقةٌ بإظهارِ ما اقتضاه استعدادُ المعلوم في نفسه، مراعاةً للحكمة جوداً ورحمةً لا وجوباً . وهي من الحجِّ بمعنى القصد، كأنَّها يُقْصَدُ (١) بها إثباتُ الحكم وتطلبه. أو بمعنى الغلبة، وهو المشهور. والفاء جوابُ شرطٍ محذوف، أي: إذا ظهرَ أنْ لا حجَّة لكم قل فلله الحجّة ﴿فَلَوَّ شَآءَ﴾ هدايتكم جميعاً ﴿لَهَدَلَكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ بالتوفيق لها والحملِ عليها، ولكن شاء هدايةَ البعض الصارفين اختيارَهم إلى سلوك طريق الحقِّ، وضلالَ آخرين صرفُوه إلى خلاف ذلك. وقال الكورانيّ: المراد: لكنَّه لم يشأ إذْ لم يعلم أنَّ لكم هدايةً يقتضيها استعدادُكم، بل المعلومُ له عدمُ هدايتكم، وهو مقتضى استعدادِكم الأزليِّ الغيرِ المجعول . وهذا تحقيقٌ للحقِّ، ولا ينافي ما في صدر الآية؛ لما علمتَ من مرادهم به. وفائدةُ إرسال الرسل على القول بالاستعداد تحريكُ الدواعي للفعل والترك باختيار المكلَّف الناشئ من ذلك الاستعداد، وقطعُ اعتذار الظالمين، وقد أشرنا إلی ذلك من قبلُ فتذگَّر. وذكر ابنُ المنير وجهاً آخر في توجيه ما في الآية، وهو أنَّ الردَّ عليهم إنَّما كان لاعتقادهم أنَّهم مسلوبون اختيارَهم وقدرتَهم، وأنَّ إشراكهم إنَّما صدرَ منهم على وجه الاضطرار، وزعموا أنَّهم يقيمونَ الحَجَّة على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بذلك، فردَّ الله تعالى قولَهم، [وكذَّبهم] في دعواهم عدمَ الاختيار (١) في الأصل: تقصد. ونصُّ العبارة كما في تفسير البيضاوي وتفسير أبي السعود: كأنها تقصد إثبات الحكم وتطلبه . الآية : ١٤٩ ٤٩١ سُورَةُ الأَنْدَعَل لأنفسِهم، وشبَّههم(١) بمن اغترَّ قبلهم بهذا الخيال؛ فكذَّب الرسل، وأشرك بالله عزَّ وجلَّ، واعتمد على أنَّه إنَّما يفعلُ ذلك بمشيئة الله تعالى، ورامَ إفحامَ الرسل بهذه الشبهة، ثم بيَّن سبحانه أنَّهم لا حجّة لهم في ذلك، وأنَّ الحَجَّة البالغةَ له جلَّ وعلا لا لهم، ثمَّ أوضح سبحانه أنَّ كلَّ واقعٍ واقعٌ بمشيئته، وأنَّه لم يشأ منهم إلَّا ما صدر عنهم، وأنَّه تعالى لو شاء منهم الهدايةَ لاهتدوا أجمعون. والمقصودُ من ذلك أن يتمَّضَ وجهُ الردِّ عليهم، وتتخلَّصَ عقيدةُ نفوذ المشيئة وعموم تعلُّقها بكلِّ كائن عن الردِّ، وينصرفَ الردُّ إلى دعواهم سَلْبَ الاختيار لأنفسهم وإلى (٢) إقامتهم الحجَّة بذلك خاصَّةً. وإذا تدبَّرتَ الآية وجدتَ صدرها دافعاً بصدور الجبريَّة، وعَجُزَها مُعْجِزاً للمعتزلة، إذ الأوَّلُ مثبتٌ أن للعبدِ اختياراً وقدرةً على وجهٍ يقطعُ حجَّتَهُ وعذرَه في المخالفة والعصيان، والثاني مثبتٌ نفوذَ مشيئة الله تعالى في العبد، وأنَّ جميعَ أفعاله على وفقِ المشيئة الإلهية، وبذلك تقومُ الحجَّةُ البالغةُ لأهل السنة على المعتزلة(٣). والحمد لله رب العالمين. ووجَّه القطبُ الآية بأنَّ مرادَهم ردُّ دعوى(٤) الأنبياء عليهم السلام، على معنى: إنَّ الله تعالى شاءَ شركَنَا وأرادَه منَّا، وأنتم تخالفونَ إرادتَه حيث تدعونا إلى الإيمان، فوبَّخهم سبحانه بوجوهٍ عدَّ منها قوله سبحانه: ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَّلِغَةُ﴾، فإنَّه بتقدير الشرط، أي: إذا كان الأمرُ كما زعمتم فلله الحَجَّة. وقولُه سبحانه: ﴿فَلَوْ شَآءَ﴾ إلخ بدلٌ منه على سبيل البيان، أي: لو شاء لدلَّ كلَّ منكم ومِنْ مخالفيكم على دينه، فلو كان الأمرُ كما تزعمون لكان الإسلام أيضاً بالمشيئة، فيجبُ أنْ لا تَمنعوا المسلمين من الإسلام كما وجبَ بزعمكم أنْ لا يمنعَكم الأنبياءُ عن الشرك، فيلزمُكم أنْ لا يكونَ بينكم وبين المسلمين مخالفةٌ ومعاداةٌ، بل موافقةٌ وموالاة. ثم قال: وربَّما يوجَّه هذا الاحتجاج بأنَّ ما خالفَ مذهبَكم من النِّحَل يجبُ أنْ يكون عندكم حقّاً؛ لأنَّه بمشيئة الله تعالى، فيلزمُ تصحيح الأديان المتناقضة، وفيه (١) في (م): وشبهتهم. (٢) في الأصل و(م): وأن، والمثبت من الانتصاف. (٣) الانتصاف ٥٩/٢-٦٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) في (م): دعوة. سُورَةُ الأَنْدَعَل ٤٩٢ الآية : ١٥٠ منعٌ؛ لأنَّ الصحّة إنَّما تكون بالجريان على منهج الشرع، ولا يلزمُ من تعلُّق مشيئة الله (١) تعالى بشيءٍ جريانُ ذلك عليه. ولا يخفى أنَّ التوجيهَ الأول كهذا التوجيه لا يخلو عن دغدغةٍ، فتدبر. ﴿قُلْ هَلُّ شُهَدَآءَكُمُ﴾ أي: أحضروهم للشهادة. وهو اسمُ فعل لا يتصرَّفُ عند أهل الحجاز، وفعلٌ يؤنَّثُ ويجمعُ(٢) عند بني تميم، وهو مبنيٌّ على ما اشتهر من أنَّ ما ذُكر من خصائص الأفعال. وعن أبي علي الفارسيِّ أنَّ الضمائر قد تَّصلُ بالكلمة وهي حرفٌ كليس (٣)، أو اسمُ فعلٍ كهات؛ لمناسبتها للأفعال. وعلى هذا تكونُ ((هلمَّ)) اسمَ فعل مطلقاً، كما في ((شرح التسهيل))، وعليه الرضيُّ حيثُ قال: وبنو تميمٍ يصرفونه، فيذكِّرونَه ويؤنثونَه ويجمعونَه؛ نظراً إلى أصله. وأصلُه عند البصريين ((هالُمَّ))، من ((لمَّ)) إذا قصدَ، حذفت الألف لتقديرِ السكون في اللام؛ لأنَّ أصلَه: أُلمُمْ. وعند الكوفيين ((هل أُمَّ) فنقلت ضمَّةُ الهمزة إلى اللام، وحذفت كما هو القياس. واستُبعدَ بأنَّ ((هل)) لا تدخل على (٤) الأمر. ودُفِع بما نقله الرضيُّ عنهم من أنَّ أصلَ هل أمَّ: هلَّا أمّ. وهلَّا كلمة استعجالٍ بمعنى أسرع، فغُيِّر إلى ((هل)) لتخفيف التركيب، ثم فُعِل به ما فُعِل. ويكون متعدِّياً بمعنى أَحْضِرْ وأتٍ، ولازماً بمعنى أَقْبِلْ، كما في قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. (١) في (م): تعليق مشيئته. بدل: تعلق مشيئة الله . (٢) قبلها في (م): ويثنى. والمثبت موافق لتفسير البيضاوي ٢١٣/٢. والكلام منه. وقال الشهاب الخفاجي ١٣٦/٤ : ترك التثنية لعلمها بالقياس، أو أراد بالجمع ما فوق الواحد فيشملها . (٣) هذا بناء على قول بعض علماء النحو ومنهم الفارسي بحرفية ليس، والصواب عند ابن هشام أنها فعل لا يتصرف. المغني ص ٣٨٧. (٤) ليست في (م). الآية : ١٥٠ ٤٩٣ سُورَةُ الأَنْدَعَلُ ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَزَّمَ هَذَا﴾ وهم كبراؤهم الذين أسَّسوا ضلالهم، والمقصود من إحضارهم تفضيحُهم وإلزامُهم، وإظهارُ أنْ لا متمسّك لهم كمقلِّديهم، ولذلك قيِّد الشهداءُ بالإضافة، ووُصِفوا بما يدلُّ على أنَّهم شهداءُ معروفونَ بالشهادة لهم وبنصرةٍ مذهبهم. و((هذا)) إشارةٌ إلى ما حرَّموه من الأنعام على ما حكتهُ الآياتُ السابقة، وقال مجاهد: إشارةٌ إلى البحائر والسوائب. ﴿فَإِن شَهِدُوا﴾ أي: أولئك الشهداءُ المعروفون بالباطل بعدَ ما حضروا بأنَّ الله حرَّمَ هذا ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي: فلا تصدِّقهم، فإنه كذبٌ بحثٌ، وبَيِّنْ لهم فسادَه؛ لأنَّ تسليمه منهم موافقةٌ لهم في الشهادة الباطلة، والسكوتُ قد يُشعر بالرضا. وإرادةُ هذا المعنى من ((لاتشهد)» إمَّا على سبيل الاستعارة التبعيّة، أو المجازِ المرسل - من ذكر اللازم وإرادة الملزوم؛ لأنَّ الشهادةَ من لوازم التسليم - أو الكناية، أو هو من باب المشاكلة. ومن الناس من زعم أنَّ ضمير ((شهدوا)) للمشركين، أي: فإنْ لم يجدوا شاهداً يشهدُ بذلك، فشهدوا بأنفسهم لأنفسهم، فلا تشهد. وهو في غاية البعد، وأبعدُ منه - بل هو للفساد أقرب - قولُ من زعم أنَّ المرادَ: هلمَّ شهداءكم من غيركم، فإنْ لم يجدوا ذلك - لأنَّ غير العرب لا يحرِّمون ما ذُكر - وشهدوا بأنفسهم، فلا تصدّقهم . ﴿وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا﴾ من وضع المُظْهَر موضعَ المضمر؛ للإيماء إلى أنَّ مكذِّبَ الآيات متَّبع الهوى لا غير، وأن متَّبعَ الحَجَّة لا يكون إلَّا مصدِّقاً بها. والخطاب؛ قيل: لكلِّ من يصلح له. وقيل: لسيِّد المخاطبين، والمرادُ أُمَُّّه. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ﴾ كعبدةِ الأوثان، عطفٌ على الموصول الأوَّل بطريق عطفٍ الصفة على الصفة مع انِّحاد الموصوف، فإنَّ (١) مَن يُكذِّبُ بآياته لا يؤمن بالآخرة، وبالعكس. (١) في الأصل: فإنه. سُورَةُ الأَنْعَم ٤٩٤ الآية : ١٥١ وزعمَ بعضُهم أنَّ المرادَ بالموصول الأول: المكذِّبون مع الإقرار بالآخرة، كأهل الكتاب(١)، وبالموصول الثاني: المكذِّبون مع إنكار الآخرة. ولا يخفى ما فيه . ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ تعالى: ((هم به يشركون))(٢). أي: يجعلون له عدیلاً، أي: شريكاً، فهو كقوله ١٥٠ وقيل: يعدلون بأفعاله عنه سبحانه، وينسبونَها إلى غيره عزَّ وجلَّ. وقيل: يعدلون بعبادتهم عنه تعالى. والجملةُ عطفٌ على («لا يؤمنون))، والمعنى: لا تتبع الذينَ يجمعونَ بين التكذيب بالآيات والكفر بالآخرة والإشراك بربِّهم عزَّ وجلّ، لكن لا على أنَّ مدارَ النهي الجمعُ المذكور، بل على أنَّ أولئك جامعون لها متَّصفونَ بها . وقيل: الجملة في موضع الحال من ضمير ((لا يؤمنون)). ﴿قُلّ تَعَالَوْ﴾ أمرٌ له وَّهِ بعد ما ظهر بطلانُ ما ادَّعوا أنْ يبيِّن لهم من المحرَّمات ما يقتضي الحالُ بيانَه على الأسلوب الحكيم؛ إيذاناً بأن حقَّهم الاجتنابُ عن هذه المحرمات، وأمَّا الأطعمةُ المحرَّمة فقد بُيِّنَت فيما تقدَّم. و ((تعالَ)) أمرٌ من التعالي، والأصل فيه أنْ يقولَه من هو في مكانٍ عالٍ لمن هو أسفل منه، ثم اتُّسعَ فيه بالتعميم، واستُعمل استعمالَ المقيَّد في المطلق مجازاً . ويحتمل هنا - كما قيل - أنْ يكون على الأصل تعريضاً لهم بأنَّهم في حضيض الجهل، ولو سمعوا ما يقالُ لهم ترقّوا إلى ذروة العلم وقُنَّةٍ(٣) العزّ. وقوله سبحانه: ﴿أَثْلُ﴾ جوابُ الأمر، أي: إن تأتوني أتلُ. (١) في (م): الكتابين. (٢) كذا في الأصل، وليست في القرآن. ووقع في (م): مشركون. وهي في سورة النحل، الآية: ١٠٠ . ولعلَّ المصنف أراد الاستدلال بقوله تعالى: ﴿بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤]. (٣) قُنَّة كل شيءٍ أعلاه. لسان العرب (قنن). الآية : ١٥١ ٤٩٥ سُؤَدَّةُ الأَنْعَل و((ما)) في قوله تعالى: ﴿مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إمَّا موصولةٌ والعائد محذوف، أي: أقرأ الذي حرَّمه ربُّكم، أي: الآيات المشتملة عليه. أو مصدريَّة، أي: تحريمَه. والمراد: الآياتُ الدالّة عليه. وهي في الاحتمالين في موضع نصبٍ على المفعوليَّة لـ ((أتل)). وجوِّزَ أنْ تكون استفهاميَّة، فهي في موضع نصبٍ على المفعوليَّة لـ ((حرَّم)»، والجملة مفعول ((أتل))؛ لأنَّ التلاوة من باب القول، فيصحُّ أنْ تعمل في الجملة، بناءً على المذهب الكوفيِّ من أنَّه تحكى الجملةُ بكلِّ ما تضمَّن معنى القول، وغيرهم يقدِّر في ذلك: قائلاً، ونحوه. والمعنى هنا على الاستفهام: تعالوا أقل لكم وأُبيِّن جوابَ: أيَّ شيءٍ حرَّم ربُگم؟ وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلِّقٌ على كلِّ حال بـ ((حرَّم)). وجُوِّز أنْ يتعلَّق بـ ((أتلُ)). ورُجِّح الأول بأنه أنسبُ بمقام الاعتناء بإيجاب الانتهاء عن المحرَّمات المذكورة، وهو السُّ في التعرُّض لعنوان الربوبيَّة مع الإضافة إلى ضميرهم. ولا يضرُّ في ذلك كونُ المتلوِّ محرَّماً على الكلِّ كما لا يخفى. ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ أي: من الإشراك، أو شيئاً من الأشياء، فـ ((شيئاً)) يحتملُ المصدريَّة والمفعولية؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ في إعراب ((أنْ لا))(١). وبدأ سبحانه بأمر الشرك؛ لأنَّه أعظمُ المحرَّمات وأكبر الكبائر. ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ﴾ أي: أحسنوا بهما ﴿إِحْسَنًا﴾ كاملاً لا إساءةَ معه. وعن ابن عباس: يريد البرَّ بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يُغْلِظ لهما في الجواب، ولا يحدُّ النظر إليهما، ولا يرفعُ صوتَه عليهما، بل يكون بين يديهما مثلَ العبد بين يدي سيدِه تذلُّلاً لهما . وثَنَّى الله تعالى بهذا التكليف؛ لأنَّ نعمةَ الوالدين أعظمُ النعم على العبد بعدَ نعمة الله تعالى؛ لأنَّ المؤثِّرَ الحقيقيَّ في وجود الإنسان هو الله عزَّ وجلَّ، والمؤثّر في الظاهر هو الأبوان. (١) ص٥٠٣ وما بعد من هذا الجزء. ٤٩٦ الآية : ١٥١ وعقَّب سبحانه التكليفَ المتعلِّق بالوالدين بالتكليفِ المتعلِّق بالأولاد؛ لكمالٍ المناسبة؛ فقال سبحانه: ﴿وَلَا نَّقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ﴾ بالوأد ﴿مِّنْ إِمْلَقِّ﴾ من أجل فقرٍ، أو من خشيته، كما في قوله سبحانه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]. وقيل: الخطابُ في كلِّ آيةٍ لصنفٍ، وليس خطاباً واحداً، فالمخاطبُ بقوله سبحانه: ﴿مِّنْ إِمْلَقِّ﴾ من ابتُليَ بالفقر، وبقوله تعالى: ﴿خَشْيَةً إِمْلَقٍ﴾ من لا فقرَ له، ولكن يخشى وقوعَه في المستقبل، ولهذا قدَّم رزقهم هاهنا في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإَِاهُمْ﴾ وقدَّم رزقَ أولادهم في مقام الخشية فقيل: ﴿فَخْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاگٌ﴾ وهو كلامٌ حسن. وأيّاً ما كان فجملةُ ((نحن)) إلخ استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل النهي، وإبطالٍ سببيَّة ما اتَّخِذُوه سبباً لمباشرةِ المنهيِّ عنه، وضمانٌ منه تعالى الأرزاقهم، أي: نحن نرزقُ الفريقين لا أنتم، فلا تُقْدِموا على ما نُهيتم عنه لذلك. ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ﴾ أي: الزنى، والجمعُ إمَّا للمبالغة، أو باعتبار تعدُّدٍ مَن يصدرُ عنه، أو للقصد إلى النهي عن الأنواع، ولذا أبدلَ منها قوله سبحانه: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ أي: ما يُفْعَل منها علانيةً في الحوانيت، كما هو دأبُ أراذلهم، وما يُفْعَل سرّاً باتخاذِ الأخدان، كما هو عادةُ أشرافهم. ورُوي ذلك عن ابن عباس والضَّخَّاك والسُّدِّيّ. وقيل: المراد بها المعاصي كلَّها. وفي المراد بـ ((ما ظهر منها وما بطن)) على هذا أقوالٌ تقدَّمت الإشارةُ إليها. واختارَ ذلك الإمام(١) وجماعةٌ. ورجّح بعضُ المحقّقين الأوَّل بأنَّه الأوفقُ بنظمِ المتعاطفات. ووجه توسيط هذا النهي بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن القتل مطلقاً عليه، باعتبار أنَّ الفواحشَ بهذا المعنى مع كونها في نفسها جنايةً عظيمةً في حكم قتل الأولاد، فإنَّ أولاد الزنا في حكم الأموات. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال في حقِّ العزل: ((ذلك وأدٌّ خفيٍّ))(٢). وعلى القول الآخر لا يظهرُ (١) تفسير الرازي ٢٣٣/١٣. (٢) أخرجه مسلم (١٤٤٢): (١٤١)، وهو عند أحمد (٢٧٤٤٧) من حديث جدامة بنت وهب ◌َّا. الآية : ١٥١ ٤٩٧ سُورَةُ الأَنْعَم وجه توسيط هذا العامِّ بين أفراده، ويكونُ توسيطُه بين النهيين من قبيل الفصلِ بين الشجر ولحائه. وتعليق النهي بقربانها إمَّا للمبالغةِ في الزجر عنها؛ لقوَّة الدواعي إليها، وإمَّا لأنَّ قربانَها داعٍ إلى مباشرتها . ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: حرَّم قتلَها بأنْ عصمَها بالإسلام، أو بالعهد، فيخرجُ الحربيُّ، ويدخل الذميُّ، فما روي عن ابن جبير من كون المراد بالنفس المذكورة النفسَ المؤمنةَ، ليس في محلِّه. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ استثناءٌ مفرٌَّ من أعمِّ الأحوال، أي: لا تقتلوها في حالٍ من الأحوال إلَّا حالَ ملابستكم بالحقِّ الذي هو أمرُ الشرع بقتلها، وذلك كما ورد في الخبر: بالكفرِ بعد الإيمان، والزِّنا بعدَ الإحصان، وقتل النفس المعصومة(١). أو من أعمِّ الأسباب، أي: لا تقتلوها بسببٍ من الأسباب إلَّا بسبب الحقِّ، وهو ما في الخبر. أو من أعمِّ المصادر، أي: لا تقتلوها قتلاً إلَّا قتلاً كائناً بالحقِّ، وهو القتلُ بأحد المذكورات. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما ذُكِر من التكاليف الخمسة الجليلة الشأن من بين التكاليف الشرعيَّةِ ﴿وَصَّنَكُمْ بِهِ.﴾ أي: طَلَبه منكم طلباً مؤكّداً. والجملةُ الاسميَّةُ استئنافٌ جيءَ به تجديداً للعهد، وتأكيداً لإيجاب المحافظة على ما كُلّفُوه. وقال الإمام: جيء بها لتقريب القَبول إلى القلب لما فيها من اللطف والرحمة(٢) . أي: تستعملون عقولَكم التي تَعقلُ نفوسَكُم وتحبسُها عن ١٥١ ﴿لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ مباشرة القبائح المحرَّمة . (١) أخرج البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦)، وأحمد (٣٦٢١) من حديث عبد الله بن مسعود رَُّ قال: قال رسول اللهِوَّ﴾: ((لا يحلُّ دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة)). (٢) تفسير الرازي ٢٣٣/١٣. سُورَةُ الأَنْفَعَم ٤٩٨ الآية : ١٥٢ ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَتِيمِ﴾ أي: لا تتعرَّضوا له بوجهٍ من الوجوه ﴿إِلَّ بِأَلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالفعلة التي هي أحسنُ ما يُفعل بماله، كحفظه وتثميره. وقيل: المراد: لا تقربوا مالَه إلَّا وأنتم متَّصفون بالخصلة التي هي أحسنُ الخصال في مصلحته، فمن لم يجد نفسَه على أحسن الخصال ينبغي أنْ لا يقربه. وفيه بعد. والخطابُ للأولياء والأوصياء لقوله تعالى: ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ﴾ فإنَّه غايةٌ لما يُفهم من الاستثناء، لا للنهي، كأنَّه قيل: احفظوه حتى يبلغ، فإذا بلغ فسلِّموه إليه، كما في قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم ◌ِنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَّ﴾ [النساء: ٦]. والأَشُدُّ - على ما قال الفرَّاء - جمعٌ لا واحدَ له. وقال بعضُ البصريين: هو مفردٌ كـ ((أَتُك))، ولم يأتِ في المفرداتِ على هذا الوزن غيرهما (١). وقيل: هو جمعُ شِدَّةٌ، كنِعمة وأنْعُم، وقُدِّر فيه زيادةُ الهاء؛ لكثرة جمع (فِعْلٍ)) على ((أفعُل))، كقِذْحٍ وأقْدُح. وقال ابن الأنباريّ: إنَّه جمعُ شُدٍّ بضمِّ الشين، كوُدٌّ وأَوُدّ. وقيل: جمع شَدِّ بفتحها . وأيّاً ما كان فهو من الشِّدَّة بمعنى (٢) القوة. أو الارتفاع، مِن شَدَّ النهارُ: إذا ارتفع. ومنه قول عنترة: عهدي به شدَّ النهارِ كأنَّما خُضِبَ البنانُ ورأسُهُ بالعِظْلِمِ (٣) والمراد ببلوغ الأشُدِّ عند الشعبيِّ وجماعة: بلوغ الحلم. وقيل: أنْ يبلغ ثماني عشرة سنة. (١) قال في تاج العروس (شدد): قال شيخنا: ولعلَّ مراده: من الأسماء المطلقة التي استعملتها العرب، فلا ينافي ورود أعلام على بلاد، ككابُل وآمُل، وما يبديه الاستقراء. (٢) في (م): أي. (٣) ديوان عنترة - طبعة المكتب الإسلامي - ص٢١٣. وشرح المعلقات السبع للتبريزي ص٢٤٢. والعِظلِم: عصارة شجر، أو نبت يصبغ به. القاموس (عظلم). الآية : ١٥٢ ٤٩٩ سُورَةُ الأَنْعَ وقال السُّدِّيُّ: أن يبلغَ ثلاثين، إلَّا أنَّ الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]. وقيل غيرُ ذلك. وقد تقدَّم الخلافُ في زمن دفع مال اليتيم إليه، وأشبعنا الكلامَ في تحقيق الحقِّ في ذلك، فتذكَّر. ﴿وَأَوْفُواْ﴾ أي: أتمُّوا ﴿اٌلْكَيْلَ﴾ أي: المكيلَ، فهو مصدرٌ بمعنى اسم المفعول ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ كذلك، كما قال أبو البقاء. وجَوَّزَ أنْ يكونَ هناك مضافٌ محذوف، أي: مَكِيلَ الكيل وموزونَ الميزان(١). ﴿يَاَلْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، وهو في موضع الحال من ضمير ((أوفوا»، أي: مقسطين. وقال أبو البقاء: يجوزُ أنْ يكونَ حالاً من المفعول، أي: تامّاً(٢). ولعلَّ الإتيان بهذه الحال للتأکید. وفي ((التفسير الكبير))(٣): فإن قيل: إيفاءُ الكيل والميزان هو عينُ القسط، فما الفائدةُ من التكرير؟ قلنا: أمرَ الله تعالى المعطي بإيفاءِ ذي الحقِّ حقَّه من غير نقصانٍ، وأمرَ صاحبَ الحقِّ بأخذ حقِّه من غير طلب الزيادة. فتدبّر. ﴿لَا تُكِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلَّا ما يسعُها ولا يعسرُ عليها. والجملةُ مستأنفةٌ جيءَ بها عقيبَ الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل؛ للترخيص فيما خرجَ عن الطاقة، لما أنَّ في مراعاة ذلك كما هو حَرجاً مع كثرة وقوعه، فكأنَّه قيل: عليكم بما في وسعكم في هذا الأمر، وما وراءه معفوٌّ عنكم. وجُوّز أنْ يكونَ جيء بها لتهوينِ أمر ما تقدَّم من التكليفات ليُقبِلوا عليها، كأنَّه قيل: جميعُ ما كلَّفناكم به ممكنٌ غيرُ شاقٌّ، ونحن لا نكلِّفُ ما لا يطاق. ﴿وَ إِذَا قُلْتُمْ﴾ قولاً في حكومةٍ أو شهادةٍ أو نحوهما ﴿فَأْعْدِلُواْ﴾ فيه، وقولوا الحقَّ ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المَقولُ له أو عليه ﴿ذَا قُرْبٌِ﴾ أي: صاحبَ قرابةٍ منكم. (١) الإملاء ٦٥٤/٢. (٢) الإملاء ٦٥٤/٢. (٣) ٢٣٤/١٣. سُورَةُ الأَنْفَم ٥٠٠ الآية : ١٥٢ ﴿وَبِعَهْدِ اللَِّ أَوْفُواْ﴾ أي: ما عهد إليكم من الأمور المعدودة، أو: أيِّ عهدٍ كان، فيدخلُ فيه ما ذكرَ دخولاً أوَّليّاً. أو ما عاهدتم الله تعالى عليه من أيمانِكم ونذورِ کم. والجارُّ والمجرور متعلِّق بما بعده، وتقديمُه للاعتناءِ بشأنه . ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ما فَصَّل من التكاليف الجليلة ﴿وَصَّنَكُمْ بِهِ﴾ أمركم به أمراً · ما في تضاعيفه وتعملون بمقتضاه. ١٥٢ مؤَّداً ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وقرأ حمزةٌ والكسائيُّ وحفص عن عاصم: ((تَذَكَّرون)) بتخفيف الذال. والباقون بالتشديد في كلّ القرآن(١). وهما بمعنىّ واحد. وختمت الآيةُ الأولى بقوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وهذه بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لأنَّ القوم كانوا مستمرِّين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزِّنا وقتل النفس المحرَّمة بغير حقِّ، غيرَ مستنكفين ولا عاقلين قُبْحَها، فنهاهم سبحانه لعلهم يعقلون قُبحَها فيستنكفوا عنها ويتركوها، وأمَّا حفظُ أموال اليتامى عليهم، وإيفاءُ الكيل، والعدلُ في القول، والوفاء بالعهد، فكانوا يفعلونَه ويفتخرون بالاتِّصاف به، فأمرَهم الله تعالى بذلك لعلَّهم يذكرونَ إنْ عَرضَ لهم نسيان؛ قاله القطبُ الرازيُّ. ثم قال: فإنْ قلتَ: إحسانُ الوالدين من قبيل الثاني أيضاً، فكيف ذُكر من الأول؟ قلت: أعظمُ النعم على الإنسان نعمةُ الله تعالى، ويتلوها نعمةٌ الوالدين؛ لأنَّهما المؤثِّران في الظاهر، ومنهما نعمةُ التربية والحفظ عن الهلاك في وقتِ الصغر، فلمَّا نهى عن الكفر بالله تعالى نهى بعده عن الكفران في نعمة الأبوين؛ تنبيهاً على أنَّ القومَ لمَّا لم يرتكبوا الكفران، فبطريق الأولَى أنْ لا يرتكبوا الكفر. وقال الإمام: السببُ في ختم كلِّ آيةٍ بما خُتمت: أنَّ التكاليفَ الخمسةَ المذكورة في الآيةِ الأولى ظاهرةٌ جليَّةٌ، فوجبَ تعقُّلها وتفهُّمها، والتكاليف الأربعةُ المذكورةُ في هذه الآية أمورٌ خفيَّة غامضةٌ، لا بدَّ فيها من الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقفَ على موضع الاعتدال، وهو التذكّر. اهـ (٢). (١) التيسير ص١٠٨، والنشر ٢٦٦/٢. وقرأ بالتخفيف أيضاً من العشرة خلف. (٢) تفسير الرازي ٢٣٥/١٣-٢٣٦.