Indexed OCR Text
Pages 461-480
الآية : ١٤١ ٤٦١ سُورَةُ الأَنْعَُّ وقال عصام الدين: ولا يبعدُ أنْ يرادَ بالمعروش المعروشُ بالطبع كالأشجار التي ترتفعُ، وبغير المعروش ما ينبسطُ على وجه الأرض كالكرم، ويكون قوله سبحانه: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ تخصيصاً بعد التعميم، وهو عطفٌ على ((جنات)) أي: أنشأهما ﴿ُخْلِفًا﴾ في الهيئة والكيفيَّة ﴿أُكُلُهُ﴾ أي: ثمره الذي يُؤكّل منه. وقرأ ابنُ كثير ونافع ((أُكْلَهُ)) بسكون الكاف (١)، وهو لغةٌ فيه على ما يشيرُ إليه كلامُ الراغب(٢)، والضمير إمَّا أنْ يرجعَ إلى أحد المتعاطفين على التعيين، ويُعلَم حكمُ الآخر بالمُقايَسة إليه، أو إلى كلِّ واحدٍ على البدل، أو إلى الجميع والضميرُ بمعنى اسم الإشارة. وعن أبي حيان أنَّ الضميرَ لا يجوزُ إفراده مع العطف بالواو، فالظاهرُ عودُه على أقرب مذكور؛ وهو ((الزرع))، ويكون قد حذف حال ((النخل))؛ لدلالة هذه الحال عليها، والتقدير: والنخل مختلفاً أكلُه، والزرع مختلفاً أكله. وجوَّزَ وجهاً آخر، وهو أنَّ في الكلام مضافاً مقدَّراً والضميرُ راجعٌ إليه، أي: ثمر جنات. والحالُ المشارُ إليها على كل حالٍ مقدَّرةٌ؛ إذْ لا اختلافَ وقت الإنشاء(٣). وزعم أبو البقاء أنَّها كذلك إن لم يقدر مضافٌ، أي: ثمرَ النخل وحبَّ الزرع، وحالٌ مقارنةٌ إنْ قُدِّرَ (٤). ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَانَ﴾ أي: أنشأهما ﴿مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُكَشَيٍِ﴾ أي: يتشابهُ بعضُ أفرادهما في اللون أو الطعم أو الهيئة، ولا يتشابه(٥) بعضُها. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ(٦) عن ابن جريج أنَّه قال: متشابهاً في المنظر، وغير متشابهٍ في المطعم. والنصبُ على الحاليّة. ﴿كُلُواْ﴾ أمر إباحةٍ، كما نصَّ عليه غيرُ واحد ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ الكلامُ في مرجع الضمير على طرزِ ما تقدَّم آنفاً . (١) التيسير ص ٨٣، والنشر ٢١٦/٢. (٢) في المفردات (أكل). (٣) البحر المحيط ٢٣٦/٤. (٤) الإملاء ٦٤٥/٣. (٥) بعدها في (م): في. (٦) أورده عنهما السيوطي في الدر المنثور ٤٩/٣. سُورَةُ الأَنْفَعَل ٤٦٢ الآية : ١٤١ ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ وإنْ لم ينضج ويَنَع بعدُ، ففائدةُ التقييد إباحةُ الأكل قبل الإدراك. وقيل: فائدته رخصةُ المالك في الأكل منه قبل أداء حقِّ الله تعالى، وهو اختيارُ الجنَّائيِّ وغيره. ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ﴾ الذي أوجبه الله تعالى فيه ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وهو على ما في رواية عطاء عن ابن عباس: العُشْرُ ونصفُ العُشْرِ. وإليه ذهب الحسنُ وسعيدُ بن المسيب وقتادة وطاوس وغيرهم. والظرفُ قيدٌ لما دلَّ عليه الأمرُ بهيئته من الوجوب، لا لما دلَّ عليه بمادَّته من الحدث، إذ ليس الأداء وقتَ الحصاد والحبُّ في سنبله كما يفهم من الظاهر، بل بعد التنقية والتصفية. وادَّعى عليُّ بن عيسى أنَّ الظرفَ متعلِّقٌ بالحقِّ، فلا يُحتاج إلى ما ذُكِر من التأويل. وفي روايةٍ أخرى عن الحبر؛ أنه ما كان يُتَصدَّقُ به يومَ الحصاد بطريق الوجوب من غير تعيين المقدار، ثمّ نُسِخ بالزكاة. وإلى ذلك ذهب سعيدُ بن جبير والربيعُ بن أنس وغيرهما . قيل: ولا يمكن أنْ يرادَ به الزكاةُ المفروضة؛ لأنَّها فُرِضت بالمدينة، والسورة مكيَّةٌ. وأجاب الإمام عن ذلك بأنَّا لا نُسلِّم أنَّ الزكاةَ ما كانت واجبةً في مكَّة، وكونُ آيَتها مدنيَّةً لا يدلُّ على ذلك، على أنَّه قد قيل: إنَّ هذه الآيةَ مدنيّةٌ أيضاً (١). وعن الشعبيِّ أنَّ هذا حقٌّ في المال سوى الزكاة. وأخرج ابنُ منصور وابنُ المنذر وغيرهما عن مجاهدٍ أنَّه قال في الآية: إذا حصدتَ فحضرك المساكينُ فاطرح لهم من السنبل، فإذا دسته(٢) فحضركَ المساكينُ فاطرح لهم، فإذا ذَريتَه وجمعتَه وعرفتَ كيلَه، فاعزلْ زكاته(٣). وقرأ ابنُ كثير ونافع وحمزة والكسائيُّ: ((حِصاد) بكسر الحاء (٤)، وهي لغةٌ فيه . (١) تفسير الرازي ٢١٣/١٣. (٢) أي: درسْتَه، داس الناس الحبَّ وأداسوه: درسوه. لسان العرب (دوس). (٣) الدر المنثور ٤٩/٣، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٢٣ - التفسير)، والطبري ٩/ ٦٠٢. (٤) التيسير ص ١٠٧، والنشر ٢٦٦/٢. وهي قراءة أبي جعفر وخلف من العشرة. الآية : ١٤١ ٤٦٣ سُورَةُ الأَنْتَم وعَدَلَ عن حَصْدِه - وهو المصدرُ المشهور لحَصَدَ - إليه؛ لدلالته على حَصْدٍ خاصٍّ، وهو حصد الزرع إذا انتهى وجاء زمانُه، كما صرَّح به سيبويه(١)، وأشار إليه الراغب(٢). ﴿وَلَا تُرِفُواْ﴾ أي: لا تتجاوزوا الحدَّ، فتبسطوا أيديكم كلَّ البسط في الإعطاء. أخرج ابنُ جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: نزلتْ في ثابتٍ بن قيس بن شمَّاس، جدَّ نخلاً فقال: لا يأتينَّ اليومَ أحدٌ إلَّ أطعمتُه، فأطعمَ حتى أمسى وليست له ثمرةٌ، فأنزلَ الله تعالى ذلك(٣). ورُوي مثلُه عن أبي العالية. وعن أبي مسلم أنَّ المراد: ولا تسرفوا في الأكل قبلَ الحصاد؛ كيلا يؤدِّي إلى بخسٍ حقِّ الفقراء. وأخرج عبد الرزاق(٤) عن ابنِ المسيب أنَّ المعنى: لا تمنعوا الصدقةَ فتَعصوا. وقال الزهريُّ: المعنى: لا تنفقوا في معصية الله تعالى. ويروى نحوه عن مجاهد، فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنَّه قال: لو كان أبو قبيس ذهباً، فأنفقَه رجلٌ في طاعة الله تعالى، لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله تعالى كان مسرفاً(٥). وقال مقاتل: المراد: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام. والخطاب على جميع هذه الأقوال لأربابِ الأموال. وأخرج ابنُ أبي حاتم(٦) عن زيد بن أسلم، أنَّ الخِطاب للولاة، أي: لا تأخذوا ما ليس لكم بحقِّ، وتضرُّوا أربابَ الأموال. واختار الطبرسيُّ(٧) أنَّه خطابٌ للجميع من أرباب الأموال والولاة، أي: لا يسرف ربُّ المال في الإعطاء، ولا الإمامُ في الأخذ والدفع. (١) في الكتاب ٤/ ١٢ . (٢) في المفردات (حصد). (٣) الدر المنثور ٤٩/٣، وأخرجه الطبري ٩/ ٦١٥. (٤) في مصنفه (٧٢٦٧). (٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٣٩٩/٥ (٧٩٦٢). (٦) في تفسيره ٥/ ١٤٠٠ (٧٩٦٨). (٧) في مجمع البيان ٢١٦/٨. سُورَةُ الأَنْقُ ٤٦٤ الآية : ١٤٢ ®®﴾ بل يبغضُهم من حيث إسرافهم، ويعذِّبهم عليه ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِنَ إنْ شاء جلَّ شأنه. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَأْ﴾ شروعٌ في تفصيل حال الأنعام، وإبطالٍ ما تقوَّلوا على الله تعالى في شأنها بالتحريم والتحليل، وهو عطفٌ على ((جناتٍ))، والجهةُ الجامعةُ إباحة الانتفاع بهما، والجارُّ والمجرور متعلّق بـ ((أنشأ)). والحمولَةُ ما يُحمَل عليه، لا واحدَ له، كالرَّكوبة، والمراد به: ما يَحمِلُ الأثقال من الأنعام، وبالفرش ما يُفرشُ للذبح، أو ما يُفرَشُ المنسوجُ من صوفه وشعره ووبره، وإلى الأوَّل ذهب أبو مسلم، وروي عن الربيع بن أنس. وإلى الثاني ذهب الجبائيُّ. وقيل: الحمولَة الكبارُ الصالحة للحمل، والفرشُ الصغارُ الدانيةُ من الأرض، مثل الفَرْشِ المفروش عليها، وروي ذلك عن ابن مسعود، لكنَّه ◌َظُه خصَّ ذلك بكبار الإبل وصغارها، وهو إحدى روايات عن ابن عباس ﴿ها. وفي روايةٍ أخرى: الحمولة الإبلُ والخيلُ والبغالُ والحمير، وكلُّ شيءٍ يُحمَل عليه، والفرشُ الغنم. ﴿كُلُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ﴾ أي: كلوا بعضَ ما رزقكم الله تعالى، وهو الحلال، فـ ((من)) تبعيضية. والرزقُ شاملٌ للحلالِ والحرام، والمعتزلةُ خصُّوه بالحلال كما تقدَّم أوائل الكتاب، وادَّعوا أنَّ هذه الآية أحدُ أدلَّتهم على ذلك، ورَّبوا شكلاً منطقيّاً، أجزاؤه سهلةُ الحصول، تقديره: الحرامُ ليس بمأكولٍ شرعاً، وهو ظاهر. والرزق ما يؤكل شرعاً؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ﴾، فالحرامُ ليس برزق. وأنت تعلمُ أنَّ هذا إنَّما يفيدُ ـ لو صدقَ -: كلُّ رزقٍ مأكولٌ شرعاً. والآيةُ لا تدلُّ عليه؛ أمَّا إذا كانت تبعيضيَّةٌ فظاهر، وأمَّا إن كانت ابتدائيَّةً؛ فلأنَّه ليس فيها ما يدلُّ على تناول الجميع. وقيل: معنى الآية: استحِلُّوا الأكلَ ممَّا أعطاكم الله تعالى ﴿وَلَا تَنَّبِعُوا﴾ في أمر التحليل والتحريم بتقليد أسلافكم المجازفين في ذلك من تلقاءِ أنفسِهم، المفترين على الله سبحانه ﴿خُطُوَتِ الشَّيْطَنْ﴾ أي: طرقَه، فإنَّ ذلك منهم بإغوائه واستتباعه التفسير الإشاري (١٢٨ - ١٤٢) ٤٦٥ سُورَةُ الأَنْعَم ﴾ أي: ظاهرُ العداوة، فقد أخرجَ آدَمَ عليه السلام من إيَّاهم ﴿إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌ مُبِينٌّ الجنة، وقال: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] أعاذَنا الله تعالى والمسلمينَ من شرِّه، إنه الرحمن الرحيم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ في عين الجمع المطلق قائلاً: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِ﴾ أي: القوى النفسانية ﴿قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ أي(١): الحواسِّ والأعضاء الظاهرة، أو من الصورِ الإنسانيَّة، بأن جعلتموهم أتباعَكم بإغوائكُم إِيَّهم، وتزيينِ اللذائذ الجسمانيَّة لهم. ﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ وانتفعَ كلٌّ منَّا في صورة الجمعيَّة الإنسانيَّة بالآخر ﴿وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىّ أَخَلْتَ لَنَّأَ﴾ بالموت أو المعاد، على أقبح الهيئات وأسوأ الأحوال. ﴿قَالَ النَّارُ﴾ أي: نارُ الحرمان، ووجدان الآلام ﴿مَثْوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّ مَا شَآءَ اللٌَّ﴾ ولا يشاء إلَّا ما يعلم، ولا يعلمُ سبحانه الشيء إلَّا على ما هو عليه في نفسه ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ﴾ لا يعذِّبكم إلَّا بهيئات نفوسكم على ما تقتضيه الحكمةُ ﴿عَلِيمٌ﴾ بهاتيك الهيئات، فيعذِّب على حسَبها . ﴿وَكَذَلِكَ نُوْلِي بَعْضَ الَّلِينَ بَعْضَا﴾ أي: نجعلُ بعضَهم وليَّ بعضٍ، أو: واليه(٢) وقرينَهُ في العذاب ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من المعاصي حسبَ استعدادِهم. ﴿يَمَعْشَرَ الْنّ وَالْإِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ وهي عند كثيرٍ من أرباب الإشارة العقولُ، وهي رسلٌ خاصَّةٌ ذاتيّةٌ إلى ذويها، مصحّحةٌ لإرسال الرسل الأُخَر، وهي رُسلٌ خارجيَّة. وبعضُ المعتزلة حمل الرسول في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] على العقل أيضاً. (١) بعدها في (م): من. (٢) في (م): أواليه. سُورَةُ الأَنْعَل ٤٦٦ التفسير الإشاري (١٢٨-١٤٢) وهذه الأسئلةُ عند بعض المؤوِّلين والأجوبةُ والشهاداتُ كلُّها بلسان الحال، وإظهار الأوصاف. ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ أي: الأبدان أو القلوب ﴿يُظْلِمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ﴾ بل ينبِّههُم بالعقلِ، وإرشادُه إقامةٌ للحجَّة، ولله تعالى الحجَّةُ البالغة. ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ﴾ أي(١): مراتبُ في القرب والبعد. ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ﴾ لذاته عن كلِّ ما سواه ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ العامَّة الشاملة، فخَلقَ العباد ليربحوا عليه لا ليربحَ عليهم، والغنيُّ عند الكثير مشيرٌ إلى نعت الجلال، وذو الرحمة إلى صفة الجمال ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ لغناه الذاتيِّ عنكم ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ﴾ من أهل طاعتِه برحمته. ﴿قُلْ يَقَوْرِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِّكُمْ﴾ أي: جهتكم من الاستعداد ﴿إِنّ عَامِلٌ﴾ على مکانتي من ذلك. ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ﴾ في قلوب عباده ﴿جَنَتِ مَّعْرُوشَتٍ﴾ كَكَرْم العشق والمحبة ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ﴾ وهي الصفاتُ الروحانيَّة التي جُبلتِ القلوب عليها، كالسخاء، والوفاء، والعفَّة، والحلم، والشجاعة. ﴿وَالنَّخْلَ﴾ أي: نخل الإيمان ﴿وَالزَّرْعَ﴾ أي: زرعَ إرادات الأعمال الصالحة ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ أي: زيتونَ الإخلاص ﴿وَالرُّمَّانَ﴾ أي: رمانَ شجر الإلهام. وقيل في كلِّ غيرُ ذلك، وباب التأويل واسع. ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِةٍ﴾ وهو المشاهداتُ والمكاشفاتُ ﴿إِذَّا أَنْمَرَ وَءَاتُوا﴾. المريدين ﴿حَقَّهُ﴾ وهو الإرشاد والموعظةُ الحسنة ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أوانَ وصولكم فيه إلى مقام التمكين والاستقامة ﴿وَلَا شُرِفُواْ﴾ بالكتمانِ عن المستحقِّين، أو بالشروع في الكلام في غير وقتِه، والدعوةِ قبلَ أوانها. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ لا يرتضي فعلهم. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ﴾ أي: قوى الإنسان ﴿حَمُولَةٌ﴾ ما هو مستعِدٌّ لحمل الأمانة وتكاليف الشرع ﴿وَفَرْشَآ﴾ ما هو مستعدٌّ لإصلاحِ القالب وقيام البشريّة ﴿كُلُواْ (١) قوله: أي. ليس في (م). الآية : ١٤٣ ٤٦٧ سُورَةُ الأَنْعَل مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وهو مختلفٌ، فرزقُ القلب هو التحقيقُ من حيث البرهان، ورزقُ الروح هو المحبَّةُ بصدقِ التحرُّزِ عن الأكوان، ورزقُ السرِّ هو شهودُ العرفان بلحظ العيان. ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ﴾ بالميلِ إلى الشهواتِ الفانية، والاحتجاب بالسِّوى ﴿إِنَّهُ، لَڪُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ يريدُ أنْ يحجبَكم عن مولاكم. والله تعالى الموفّق لسلوك الرشاد. ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍ﴾ الزوجُ يقال لكلِّ واحدٍ من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات(١) المتزاوجة، ويطلقُ على مجموعهما، والمراد به هنا الأوَّل، وإلَّا كانت أربعة، وإيرادُها بهذا العنوان وهذا العدد أوفقُ لما سيق له الكلام. و((ثَمَانيَّة)) - على ما قاله الفراءُ(٢) واختارَه غير واحدٍ من المحقّقين - بدلٌ من ((حَمولة وفرشاً)) منصوبٌ بما نصبَهما، وهو ظاهرٌ على تفسيرِ الحَمولة والفرش بما يَشملُ الأزواجَ الثمانية، أمَّا لو خُصَّ ذلك بالإبل، ففيه خفاء. وُجُوِّزَ أنْ يكونَ التقدير: وأنشأَ ((ثمانية)) وأنه معطوفٌ على ((جناتٍ))، وحذف الفعل وحرف العطف. وضعَّفه أبو البقاء(٣)، ووجهُه لا يخفى. وأنْ يكونَ مفعولاً لـ ((كلوا)) الذي قبلَه، والتقدير: كلُوا لحمَ ثمانية أزواجٍ، و ((لا تتبعوا)) جملةٌ معترضةٌ. وأنْ يكون حالاً من ((ما)) مراداً بها الأنعام، ويؤوَّل بنحوٍ: مختلفة، أو: متعدِّدة؛ ليكون بياناً للهيئة، وهو عند مَن يَشترط في الحال أنْ يكون مشتقّاً أو مؤوَّلاً به ظاهرٌ. وتعقّب ذلك شيخُ الإسلام بأنه يأباه جزالةُ النظم الكريم؛ لظهورِ أنَّه مسوقٌ (١) في الأصل: كالحيوانات، بدل: في الحيوانات. (٢) في معاني القرآن له ٣٥٩/١. (٣) في الإملاء ٢/ ٦٤٥ . سُورَةُ الأَنْعَل ٤٦٨ الآية : ١٤٣ لتوضيح حال الأنعام بتفصيلها أولاً إلى حمولةٍ وفرش، ثمَّ تفصيلها إلى ثمانية أزواجٍ حاصلةٍ من تفصيل الأول إلى الإبل والبقر، وتفصيل الثاني إلى الضأن والمعز، ثمَّ تفصيلٍ كلٌّ من الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى، كلٌّ ذلك لتحرير المواد التي تقوَّلوا فيها عليه سبحانه بالتحليل والتحريم، ثمَّ تبكيتِهم بإظهارٍ كذبهم وافترائهم في كلِّ مادَّةٍ من تلك المواد بتوجيه الإنكار إليها مفصّلةً. اهـ (١). وفيه منعٌ ظاهر. وقوله سبحانه: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ على معنى: زوجين اثنين؛ الكبش والنعجة. ونصب ((اثنين))، قيل: على أنَّه بدلٌ من ((ثمانية أزواج)) بدلَ بعضٍ من كلٍّ، أو كلٍّ من كل إنْ لوحظ العطفُ عليه، منصوبٌ بناصبه، والجارُّ متعلِّقٌ به. وقال العلامة الثاني: الظاهرُ أنَّ ((من الضأن)) بدلٌ من ((الأنعام)) و((اثنين)) من (حَمولةً وفرشاً))، أو من ((ثمانيةَ أزواج)»، إنْ جوَّزنا أنْ يكون للبدل بدل. وجُوِّزَ أنْ يكون البدل (اثنين))(٢)، و((من الضأن)) حالٌ من النكرة قُدِّمت عليها. وقُرِئ: ((اثنان))(٣) على أنَّه مبتدأ خبرُه الجارُّ والمجرور، والجملةُ بيانيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. والضأن اسم جنس، كالإبل، جمعه(٤): ضئين كأمير وعبيد(٥)، أو جمعُ ضائن، كتاجر وتَجْر، وقُرِئَ بفتح الهمزة(٦)، وهو لغةٌ فيه. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ﴾ زوجين ﴿أَثْنَبْنِ﴾ التيسُ والعنزُ، وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو ويعقوب وابنُ عامر بفتح العين(٧)، وهو جمع ماعز، كصاحب وصَحْب، وحارس وحَرْس. وقرأ أبيٍّ: ((ومن المِعْزَى)) (٨) وهو اسمُ جمع مَعْز. (١) تفسير أبي السعود ١٩٢/٣. (٢) على قول من أعرب ((ثمانية)) مفعولاً به لفعلٍ مقدر. انظر حاشية الشهاب ١٣١/٤. (٣) القراءات الشاذة ص٤١، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٢/٢. (٤) في الأصل و(م): جمع. والتصويب من تفسير أبي السعود ١٩٣/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٣١/٤. (٥) في (م): وكعبيد. (٦) القراءات الشاذة ص ٤١، والمحتسب ٢٣٤/١. (٧) التيسير ص١٠٨، والنشر ٢٦٦/٢. (٨) القراءات الشاذة ص٤١. الآية : ١٤٤ ٤٦٩ سُورَةُ الأَنْعَظ وهذه الأزواجُ الأربعة - على ما اختاره شيخ الإسلام - تفصيلٌ للفَرْش، قال: ولعلَّ تقديمها في التفصيل مع تأخّر أصلِها في الإجمال؛ لكون هذين النوعين عُرضَةً للأكلِ الذي هو معظمُ ما يتعلَّق به الحلُّ والحرمة، وهو السُّ في الاقتصار على الأمر به في قوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من غير تعرُّضٍ للانتفاع بالحمل والركوب وغير ذلك ممَّا حرَّموه في السائبة وأخواتها(١). ومن الناس من علَّل التقديمَ بأشرفيَّة الغنم، ولهذا رعاها الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام، وهو لا يناسبُ المقام كما لا يخفى. ﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم، وإظهاراً لعجزِهم عن الجواب: ﴿ءَالذَّكَرَيْنِ﴾ ذكرَ الضأن، وذكرَ المعز ﴿حَزَّمَ﴾ الله تعالى ﴿أَمِ آلْأُنثَّيَيْنِ﴾ أي: أنثى ذينك الصنفين. ونصب ((الذكرين)) و((الأنثيين)) بـ ((حرَّم)). ﴿أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَبَيْنِ﴾ أي: أم الذي حملتهُ إناثُ النوعين ذكراً كان أو أنثى. ﴿نَبِّئُونِ بِعِلْمٍ﴾ أي: أخبروني بأمرٍ معلوم من جهته تعالى، جاءت به الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام، يدلُّ على أنَّه تعالىَ حرَّم شيئاً مما ذُكر، أو نبِّوني ببيِّنةٍ متلبسةٍ بعلم صادرةٍ عنه ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ في دعوى التحريم عليه سبحانه وتعالى. والأمرُ تأكيدٌ للتبكيت، وإظهارِ الانقطاع. ﴿وَ مِنَ الْإِبِلِ﴾ زوجين ﴿أَثْنَيْنِ﴾ الجمل والناقة، وهذا عطفٌ على قوله سبحانه: ((من الضأن اثنين)). والإبل - كما قال الراغب - يقعُ على البعران الكثيرة، ولا واحدَ له من لفظه (٢). ويجمع - كما في ((القاموس)) - على آبال، والتصغيرُ أُبَيْلَةٌ (٣). ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ هما الثورُ وأنثاه. ﴿قُلْ﴾ إفحاماً لهم في أمر هذين النوعين أيضاً ﴿ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ الله تعالى منهما ﴿أَرِ الْأُنَبَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ من ذينك النوعين. (١) تفسير أبي السعود ١٩٣/٣. (٢) المفردات (أبل). (٣) القاموس (أبل). سُؤَّةُ الأَنْتَعَل ٤٧٠ الآية : ١٤٤ والمعنى - كما قال كثيرٌ من أجلَّة العلماء - إنكارُ أنَّ الله تعالى حرَّم عليهم شيئاً من هذه الأنواع الأربعة، وإظهارُ كذبهم في ذلك. وتفصيلُ ما ذُكِر من الذُّكور والإناث وما في بطونها؛ للمبالغة في الردِّ عليهم بإيرادِ الإنكار على كلِّ مادَّةٍ من مواد افترائهم، فإنَّهم كانوا يحرِّمون ذكورَ الأنعام تارةً، وإناثَها تارةً، وأولادَها كيفما كانت تارةً أخرى، مسندين ذلك كلَّه لله سبحانه. وإنَّما لم يلِ المُنْكَرُ - وهو التحريم - الهمزةَ، والجاري في الاستعمال أنَّ ما أُنكر وليَها؛ لأنَّ ما في النظم الكريم أبلغ. وبيانُه ـ على ما قال السّاكيّ (١) - بأنَّ إثباتَ التحريم يستلزمُ إثباتَ محلِّه لا محالة، فإذا انتفى محلُّه - وهو المواردُ الثلاثة - لزمَ انتفاءُ التحريم على وجهٍ برهانيٌّ، كأنَّه وضعَ الكلام موضعَ من سلَّم أنَّ ذلك قد كان، ثمَّ طالبَه ببيانِ محلِّه(٢)؛ كي يتبيَّن كذبُه، ويفتضحَ عند المحاقّة. وإنَّما لم يورد سبحانه الأمرَ عقيب تفصيل الأنواع الأربعة بأن يقال: قل: الذكور حرَّم أم الإناث، أمَّا اشتملتْ عليه أرحامُ الإناث؛ لما في التكرير من المبالغة أيضاً في الإلزام والتبكيت. ونقل الإمامُ عن المفسّرين أنَّهم قالوا: إنَّ المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرِّمون بعضَ الأنعام، فاحتجَّ الله سبحانه على إبطال ذلك بأنَّ للضانِ والمعزِ والإبل والبقرِ ذَكراً وأنثى، فإنْ كان قد حرَّم سبحانه منها الذكرَ وجبَ أن يكونَ كلُّ ذكورها حراماً، وإنْ كان حرَّم جلَّ شأنُه الأنثى، وجبّ أنْ يكون كلُّ إناثها حراماً، وإنْ كان حرَّم الله تعالى شأنُه ما اشتملت عليه أرحامُ الإناث، وجبَ تحريمُ الأولاد كلِّها؛ لأنَّ الأرحامَ تشتملُ على الذكورِ والإناث. وتعقّبهُ بأنَّه بعيدٌ جدًّا؛ لأنَّ لقائلٍ أنْ يقول: هب أنَّ هذه الأجناسَ الأربعة محصورةٌ في الذكور والإناث، إلّا أنَّهَ لا يجب أنْ تكونَ علَّةُ تحريم ما حكموا بتحريمه محصورةً في الذكورة والأنوثة، بل علَّ تحريمها كونُها بحيرةً أو سائبةً أو وصيلةً أو غير ذلك من الاعتبارات، كما إذا قلنا: إنَّه تعالى حرَّم ذبحَ بعض (١) انظر مفتاح العلوم ص٣١٦، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٣١/٤. (٢) في الأصل و(م): محل، والمثبت من حاشية الشهاب. الآية : ١٤٤ ٤٧١ سُورَةُ الأَنْعَم الحيوانات لأجل الأكل، فإذا قيل: إنَّ ذلك الحيوان إنْ كان قد حُرِّم لكونه ذكراً وجبَ أنْ يحرَّم كلُّ حيوانٍ ذكر، وإنْ كان قد حرِّم لكونه أنثى وجبَ أنْ يُحرَّم كلُّ حيوانٍ أنثى، ولمّا لم يكن هذا الكلام لازماً عليه، فكذا هو الوجه الذي ذكره المفسرون(١). ثم ذكر في الآية وجهين من عنده، وفيما ذكرنا غنّى عن نقلهما. ومن الناس من زعم أنَّ المرادَ من الاثنين في الضأن والمعز والبقر: الأهليُّ والوحشيُّ، وفي الإبل: العربيُّ والبُختيُّ، وهو ممَّا لا ينبغي أنْ يُلتفتَ إليه، وما رُوي عن ليث بن [أبي] سليم(٢) لا يدلُّ عليه. وقولُ الطبرسيِّ: إنَّه المرويُّ عن أبي عبد الله عَظُه (٣). كذبٌ لا أصلَ له، وهو: شِنْشِنةٌ أعرفها من أخزم(٤) وقولُه سبحانه: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ﴾ تكريرٌ للإفحام والتبكيت، وأم منقطعة، والمرادُ: بل أكنتم حاضرينَ مشاهدين ﴿إِذْ وَصَّنْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: أمرَكم وألزمَكم ﴿بِهَذَا﴾ التحريم؛ إذ العلمُ بذلك إمَّا بأنْ يبعثَ سبحانه رسولاً يخبركم به، وإمّا بأنْ تشاهدوا الله تعالى، وتسمعوا كلامَه جلَّ شأنُه فيه. والأوَّل منافٍ لما أنتم عليه؛ لأنَّكم لا تؤمنون برسولٍ، فيتعيَّنُ المشاهدةُ والسماع بالنسبة إليكم، وذلك محالٌ، ففي هذا ما لا يخفى من التھگُم بهم. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَقْتَرَى عَلَى اللَِّ كَذِبًا﴾ فنسب إليه سبحانه تحريمَ ما لم يحرِّم، والمراد به على ما روي عن ابن عباس رضيًّا: عمرو بن لحي بن قمئة الذي بَحَرَ البحائر، وسيَّبَ السوائب، وتعمَّد الكذبَ على الله تعالى. وقيل: كبراؤهم المقرِّرون لذلك. وقيل: الكلُّ؛ لاشتراكِهم في الافتراء عليه (١) تفسير الرازي ١٣/ ٢١٧. (٢) أخرجه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٠٢ (٧٩٩٠)، وما بين حاصرتين منه ومن كتب التراجم، ونصُّ قوله: الجاموس والبختي من الأزواج الثمانية. (٣) مجمع البيان ٢١٩/٧. (٤) الشعر لأبي أخزم الطائي، وهو جدُّ أبي حاتم طيء، أو جدُّ جده، وكان له ابن يقال له: أخزم، فمات فترك بنين، فتوثبوا يوماً على جدهم أبي أخزم فأدموه، فقال: إن بنيَّ رمَّلوني بالدم شنشئة أعرفها من أخزم والشنشنة مثل الطبيعة والسجية. البيان والتبيين ٣٣١/١، ومجمع الأمثال ٣٦١/١. سُورَةُ الأَنْعَّ ٤٧٢ الآية : ١٤٤ سبحانه وتعالى، والمرادُ: فأيُّ فريقٍ أظلمُ .. إلخ. واعتُرِضَ بأنَّ قيد التعمُّد معتبرٌ في معنى الافتراء، ومن تابع عَمراً من الكبراء يحتملُ أنَّه أخطأ في تقليده، فلا يكون متعمِّداً للكذب، فلا ينبغي تفسيرُ الموصول به. والفاء لترتيب ما بعدُ على ما سبق من تبكيتهم، وإظهار كذبهم وافترائهم. ونصب ((كذباً))، قيل: على المفعوليَّة. وقيل: على المصدريَّة من غير لفظ الفعل، وجَعْلُه حالاً - أي: كاذباً - جوَّهُ بعضُ كُمَّل المتأخرين، وهو بعيدٌ لا خطأ، خلافاً لمن زعمه. ﴿لَيُضِلَ النَّاسَ﴾ متعلقٌ بالافتراء ﴿يِغَيْرِ عِلَّ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من ضمير ((افترى))، أي: افترى عليه سبحانه جاهلاً بصدور التحريم عنه جلَّ شأنه. وإنَّما وُصِفَ بعدم العلم - مع أنَّ المفتري عالمٌ بعدم الصدور - إيذاناً بخروجه في الظلم عن الحدود والنهايات، فإنَّ من افترى عليه سبحانه بغير علم بصدور ذلك عنه جلَّ جلاله مع احتمال صدوره، إذا كان في تلك الغاية من الظلم، فما الظنُّ بمن افترى وهو يعلمُ عدمَ الصدور؟ وُجُوِّزَ كونُه حالاً من فاعل ((يُضلّ)) على معنى: مُتلَبّساً بغير علمٍ بما يؤدِّي به إليه من العذاب العظيم. وقيل: معنى الآية عليه: أنَّه عمل عملَ القاصد إضلالَ الناسِ من أجل دعائهم إلى ما فيه الضلال، وإنْ لم يقصد الإضلال، وكان جاهلاً بذلك غير عالم به (١). وهو ظاهرٌ في أنَّ اللام للعاقبة، وله وجه. وجُوِّزَ أنْ يكون الجارُّ متعلِّقاً بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ((الناس))، وما تقدَّم أظهرُ وأبلغ في الذمِّ. واستدلَّ القاضي(٢) بالآية على أنَّ الإضلال عن الدين مذمومٌ لا يليق بالله تعالى؛ لأنَّه سبحانه إذا ذمَّ الإضلال الذي ليس فيه إلَّا تحريمُ المباح، فالذي هو أعظمُ منه أولی بالذمِّ. وفيه: أنَّه ليس كلُّ ما كان مذموماً من الخلق كان مذموماً من الخالق. (١) لفظة: به. ليست في (م). (٢) هو القاضي عبد الجبار، وكلامه في تفسير الرازي ٢١٨/١٣. الآية : ١٤٥ ٤٧٣ سُورَةُ الأَنْعَل ٣) إلى طريق الحقِّ، وقيل: إلى دارٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّلِينَ الثواب؛ لاستحقاقهم العذاب. واختارَه الطبرسيُّ(١)، وإلى نحوه ذهب القاضي بناءً على مذهبه، وليس بالبعيد على أصولنا أيضاً . وقيل: إلى ما فيه صلاحُهم عاجلاً وآجلاً. وهو أتمُّ فائدةً، وأنسبُ بحذف المعمول، ونفيُ الهداية عن الظالم يستدعي نفيَها عن الأظلم من بابٍ أولى. ﴿قُل﴾ أمرٌ لرسول الله وَّهُ بعدَ إلزام المشركين وتبكيتهم، وبيانِ أنَّ ما يتقوَّلونه في أمر التحريم افتراءٌ بحثٌ، بأنْ يُبيِّن لهم ما حُرِّم عليهم. وقوله سبحانه: ﴿لَّ أَجِدُ فِ مَّ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ إلخ كنايةٌ عن عدم الوجود، وفيه إيذانٌ بأنَّ طريق التحريم ليس إلَّ التنصيصُ من الله تعالى، دون التشهِّي والهوى، وتنبيهٌ - كما قيل - على أنَّ الأصلَ في الأشياءِ الحِلُّ. و ((محرَّماً)) صفةٌ لمحذوفٍ دلَّ عليه ما بعد، وقد قام مقامَه بعد حذفه، فهو مفعولٌ أول لـ ((أجد))، ومفعولُه الثاني ((فيما أوحي إليَّ» قُدِّمَ للاهتمام، لا لأنَّ المفعولَ الأوَّلَ نكرةٌ؛ لأنَّه نكرةٌ عامَّةٌ بالنفي، فلا يجبُ تقديم المسند الظرف، وليس المفعولُ الأوَّل محذوفاً، أي: لا أجدُ ريثما تصفّحتُ ما أوحي إليَّ قرآناً وغيره ـ على ما يشعرُ به العدول عن أُنزِل إلى ((أُوحي)) - أو ما أوحي إليَّ من القرآن، طعاماً محرَّماً من المطاعم التي حرمتموها ﴿عَ طَاعِمٍ﴾ أيِّ طاعمٍ كان من ذكرٍ أو أنثى؛ ردّاً على قولهم: ﴿وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]. وقوله تعالى: ﴿يَطْعَمُ﴾ في موضع الصفة لـ ((طاعم))، جيءَ به كما في قوله سبحانه: ﴿طَيْرٍ يَطِيرُ﴾ [الأنعام: ٣٨] قطعاً للمجاز. وقُرِئ: ((يَطْعِمه)) بالتشديد وكسر العين(٢)، والأصل: يطعمه، فأُبدِلت التاء طاءً، وأُدغِمت فيها الأولى. والمراد بالطّعم: تناولُ الغذاء، وقد يُستعمل طَعِمَ في الشراب أيضاً، كما تقدَّم الكلامُ عليه(٣). والمتبادرُ هنا الأوَّل. (١) في مجمع البيان ٧/ ٢٢٠. (٢) البحر المحيط ٤/ ٢٤١. (٣) ٣٦٨/٣. سُورَةُ الأَنْعَل ٤٧٤ الآية : ١٤٥ وقد يرادُ به مطلقُ النفع، ومنه ما في حديث بدر: ما قتلنا أحداً به طعمٌ، ما قتلنا إلا عجائز صلعاً(١). أي: قتلنا من لا منفعةً له، ولا اعتدادَ به، وإرادةُ هذا المعنى هنا بعيدٌ جدّاً، ولم أرَ من قال به. نعم قيل: المرادُ سائر أنواع التناولات من الأكل والشرب وغير ذلك، ولعلَّ إرادةً غير الأكل فيه بطريق القياس، وكذا حملُ الطاعم على الواجد من قولهم: رجلٌ طاعمٌ، أي: حسن الحال مرزوق، وإبقاءُ ((يطعمه)) على ظاهره، أي: على واجدٍ يأكله، فلا يكون الوصفُ حينئذٍ لزيادةِ التقرير على ما أشرنا إليه. ﴿إِلَّ أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك الطعامُ أو الشيءُ المحرَّمُ ﴿مَيْنَةٌ﴾ المرادُ بها ما لم يُذْبِح ذبحاً شرعياً، فيتناول المنخنقةً ونحوها. وقرأ ابنُ كثير وحمزة: ((تكون)) بالتاء(٢)؛ لتأنيث الخبر. وقرأ ابنُ عامر وأبو جعفر: ((تكونَ ميتةٌ)) بالتاء ورفع ((ميتة))، وأبو جعفر يُشدِّدُ أيضاً(٣). على أنَّ كان هي التامَّة. ﴿أَوْ دَمًا﴾ عطفٌ على ((ميتة))، أو على ((أنْ)) مع ما في حيِّزه. وقوله سبحانه: ﴿مَّسْفُوحًا﴾ - أي: مصبوباً سائلاً، كالدم في العروق - صفةٌ له، خرج به الدم الجامدُ، كالكبد والطحال، وفي الحديث: ((أحِلَّت لنا ميتتان: السمكُ والجراد، ودمان: الكبد والطّحال))(٤). وقد رُخِّص في دم العروق بعد الذبح، وإلى ذلك ذهبَ كثيرٌ من الفقهاء. وعن عكرمةَ أنَّه قال: لولا هذا القيد لاتَّبَعَ المسلمون من العروق ما اتّبع اليهود. (١) أخرجه الخطابي في غريب الحديث ٦٦٨/١ من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، وهو منقطع، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ١٤٧ عن موسى بن عقبة، وذكره الزمخشري في الفائق ٣٦٠/٢، وابن الأثير في النهاية (طعم)، وابن منظور في اللسان (طعم). والقائل هو سَلَمة بن سلامة بن وقش. ووقع في الأصل و(م): عجازاً، بدل: عجائز، والمثبت من المصادر. قال ابن الأثير: ويجوز فيها - أي الطّعم - فتح الطاء وضمها؛ لأنَّ الشيء إذا لم يكن له ◌ُطُغْم ولا طعم فلا جدوى فيه للآكل ولا منفعة. (٢) ونصب ((ميتةً)). التيسير ص١٠٨، والنشر ٢٦٦/٢. (٣) النشر ٢٦٦/٢. (٤) أخرجه أحمد (٥٧٢٣)، وابن ماجه (٣٢١٨) و(٣٣١٤)، من حديث ابن عمر ـ . الآية : ١٤٥ ٤٧٥ سُورَةُ الأَنْعَم ﴿أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي: اللحم - كما قيل - لأنَّه المحدَّث عنه، أو الخنزير؛ لأنَّه الأقربُ ذكراً. وذكر اللحم لأنَّه أعظمُ ما يُنتفع به منه، فإذا حُرِّمَ فغيرُه بطريقِ الأَولَى، وقيل - وهو خلاف الظاهر -: الضميرُ لكلِّ من الميتة والدَّم ولحمٍ الخنزير، على معنى: فإنَّ المذكور. ﴿رِجْسٌ﴾ أي: قذرٌ أو خبيثٌ مخبَّثٌ. ﴿أَوْ نِسْقًا﴾ عطفٌ على ((لحم خنزير)) على ما اختاره كثيرٌ من المعربين، وما بينهما اعتراضٌ مقرِّرٌ للحرمة. ﴿أُمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بٌِ﴾ صفةٌ له موضِّحة، وأصلُ الإهلالِ رفعُ الصوت، والمراد الذبحُ على اسم الأصنام. وإنما سَمَّى ذلك فسقاً؛ لتوغُّله في الفسق. وجُوِّز أن يكون ((فسقاً)) مفعولاً له لـ ((أُهلَّ)) وهو عطف على (یکون)). و(به)) قائمٌ مقامَ الفاعل، والضمير راجعٌ إلى ما رجع إليه المستكنُّ في ((يكون)). قال أبو حيان(١): وهذا إعرابٌ متكلَّفٌ جدّاً، والنظمُ عليه خارجٌ عن الفصاحة، وغيرُ جائزٍ على قراءة من قرأ: ((إلّا أنْ تكون(٢) ميتةٌ)) بالرفع؛ لأنَّ ضمیرَ (به)) لیس له ما يعودُ عليه، ولا يجوزُ أن يتكلَّفَ له موصوفٌ محذوف يعودُ عليه الضمير، أي: شيءٌ أهل لغير الله به؛ لأنَّ مثلَ هذا لا يجوزُ إلَّا في ضرورة الشعر. اهـ. وعنى بذلك - كما قال الحلبيّ(٣) - أنَّه لا يُحذَفُ الموصوف والصفة جملةٌ إلَّا إذا كان في الكلام ((من)) التبعيضيَّة، نحو: منَّا أقام ومنَّا فَعَن، أي: فريقٌ أقام، وفريقٌ ظعن، فإنْ لم يكن فيه ((من)) كان ضرورةً كقوله: ترمي بكفَّيْ كان مِنْ أرمى البشر (٤) (١) في البحر المحيط ٤/ ٢٤٣. (٢) في (م) ومطبوع البحر: يكون. (٣) في الدر المصون ١٩٩/٥ - ٢٠٠. (٤) قال عبد القادر البغدادي في الخزانة ٥/ ٦٥: وهذا الشاهد قلما خلا منه كتاب نحوي. لكنه لم يعرف له قائل. اهـ. وهو في المقتضب ١٣٩/٢، والأصول في النحو ١٧٨/٢، والخصائص ٣٦٧/٢، وأمالي ابن الشجري ٢٤٠٦/٢، والإنصاف في مسائل الخلاف ١١٥/١، ومغني اللبيب ص٢١٢ . سُورَةُ الأَنْعَمُ ٤٧٦ الآية : ١٤٥ أي: بكفَّي رجلٍ كان .. إلخ. وهذا - كما حُقُّق في موضعه - رأيُ بعضٍ. وأمَّا غيرُه فيقول: متى دلُّ دليلٌ على الموصوفِ حُذِف مطلقاً، فيجوزُ أن يرى المجوِّزُ هذا الرأي. ومنعُه من حيثُ رفع الميتة - كما قال السفاقسي - فيه نظر؛ لأنَّ الضميرَ يعود على ما يعود عليه بتقدير النصب، والرفعُ لا يمنعُ من ذلك، نعم الإعرابُ الأوَّل أَولَى كما لا يخفى(١). ﴿فَمَنِ اضْطُرَ﴾ أي: أصابته الضرورةُ الداعيةُ إلى تناول شيءٍ من ذلك. ﴿َغَيِّرَ بَاِخٍ﴾ أي: طالبٍ ما ليس له طلبُه، بأنْ يأخذ ذلك من مضطرِّ آخر مثلِه. وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسرين. وقال الحسن: أي: غير متناولٍ للذَّةٍ. وقال مجاهد: ((غير باغٍ)) على إمامٍ. ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: متجاوزٍ قدرَ الضرورة. ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (®﴾ مبالغٌ في المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك. وهذا جزاءُ الشرط لكن باعتبار لازم معناه، وهو عدمُ المؤاخذة. وبعضُهم قال: بتقدير جزاءٍ يكونُ هذا تعليلاً له. ولا حاجة إليه. ونصب ((غير)) على أنَّه حال، وكذا ما عُطِفَ عليه. وليس التقييد بالحال الأولى البيان أنَّه لو لم يوجدِ القيد بالمعنى السابق لتحقَّقت الحرمةُ المبحوثُ عنها، بل للتحذير من حرام آخر، وهو أخذُه حقَّ مضطرٍ آخر، فإنَّ مَنْ أخذ لحمَ ميتةٍ مثلاً من مضطرِّ آخر فأكله، فإنَّ حُرمتَه ليست باعتبار كونه لحمَ الميتة، بل باعتبارِ كونه حقّاً للمضطرِّ الآخر. وأمَّا الحالُ الثانية فلتحقيقِ زوال الحرمة المبحوث عنها قطعاً، فإنَّ التجاوزَ عن القدر الذي يسدُّ به الرمق حرامٌ من حيث إنَّه لحمُ الميتة . وفي التعرُّض لوصفي المغفرة والرحمة إيذانٌ بأنَّ المعصية باقيةٌ، لكن الله تعالى يغفرُ له ويرحمه. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك، فتذكَّر ولا تغفل. واستُشكِلت هذه الآيةُ بأنَّها حصرتِ المحرَّمات من المطعومات في أربعةٍ: الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والفسق الذي أهلَّ لغير الله تعالى به، ولا شكَّ أنَّها أكثرُ من ذلك. (١) قوله: كما لا يخفى، ليس في الأصل. الآية : ١٤٥ ٤٧٧ سُورَةُ الأَنْتَعَل وأجيب بأنَّ المعنى: لا أجدُ محرَّماً ممَّا كان أهلُ الجاهليَّة يُحرِّمونَه من البحائر والسوائب، كما أُشير (١) إليه، وحينئذٍ يكون استثناءُ الأربعةِ منه منقطعاً، أي: لا أجدُ ما حرَّموه، لكنْ أجدُ الأربعةَ محرَّمً. وهذا لا دلالةَ فيه على الحصر، والاستثناءُ المنقطعُ ليس كالمتَّصِل في الحصر كما نَّهوا عليه، وهو مما ينبغي التنبُّه له. فإنْ قلتَ: المستثنى ليس ((ميتةً)) بل كونه ميتةً، وذلك ليس جنس الطعام، فيكون الاستثناءُ منقطعاً لا محالةَ، فلا حاجةً إلى ذلك التقييد. قال القطب: نعم كذلك، إلَّا أنَّ المقصودَ إخراجُ الميتة من الطعام المحرَّم، يعني: لا أجدُ محرَّماً إلَّا الميتة، فلولا التقييدُ كان في الحقيقة استثناءً مثَّصلاً، ووَرَدَ الإشكالُ. وضُعِّفَ ذلك الجوابُ بأوجهٍ، منها: أنَّه تعالى قال في سورة البقرة، وفي سورة النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْئَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِّ﴾(٢) و ((إنَّما)) تفيدُ الحصر، وقال سبحانه في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتَى عَلَيْكُمْ﴾ [الآية: ١]، وأجمع المفسِّرون على أنَّ المرادَ بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّ مَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ﴾ قولُه تعالى: ﴿حُرِمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ وَلَّمُ وَخُمُ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ،﴾ [المائدة: ٣]، وأمَّا المنخنقةُ والموقوذةُ وغيرهما، فهي أقسامُ الميتة، وإنَّما أعيدت بالذِّكر لأنَّهم كانوا يحكمونَ عليها بالتحليل، فالآيتان تدلَّان على أنْ لا محرَّم إلَّا الأربعة، وحينئذٍ يجبُ القول بدلالة الآية التي نحن بصددها على الحصر لتطابق ذلك وأنْ لا تقييدَ مع أنَّ الأصلَ عدمُ التقييد. وأجيب عن الإشكال بأنَّ الآية إنَّما تدلُّ على أنَّه عليه الصلاة والسلام لم يجدْ فيما أُوحي إليه إلى تلك الغاية محرَّماً غيرَ ما نُصَّ عليه فيها، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيءٍ آخر. قيل: وحينئذٍ يكونُ الاستثناء من أعمِّ الأوقات أو أعمِّ الأحوال مفرَّغاً، بمعنى لا أجدُ شيئاً من المطاعم محرَّماً في (١) في (م): أشرنا . (٢) النحل: ١١٥، ونصُّ الآية التي في سورة البقرة (١٧٣): ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَّةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَّا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ . سُورَةُ الأَنْعَم ٤٧٨ الآية : ١٤٥ وقتٍ من الأوقات أو حالٍ من الأحوال، إلَّا في وقتِ أو حالٍ كون الطعام أحدَ الأربعة، فإنِّي أجدُ حينئذٍ محرَّماً، فالمصدرُ المتحصِّل من ((أنْ يكون)» للزمان أو الهيئة. واعترضَ الإمامُ هذا الجواب بأنَّ ما يدلُّ على الحصرِ من الآياتِ نزلَ بعد استقرار الشريعة، فيدلُّ على أنَّ الحكمَ الثابت في الشريعة المحمديَّة من أوَّلها إلى آخرها ليس إلَّا حصر المحرَّمات في هذه الأشياء، وبأنَّه لما ثبتَ بمقتضى ذلك حصرُ المحرَّماتِ في الأربعة، كان هذا اعترافاً بحِلِّ ما سواها، والقولُ بتحريم شيءٍ خامسٍ يكون نسخاً، ولا شكَّ أنَّ مدارَ الشريعة على أنَّ الأصلَ عدمُ النسخ؛ لأنَّه لو كان احتمالُ طريان النسخ معادِلاً لاحتمال بقاءِ الحكم على ما كان، فحينئذٍ لا يمكن التمسُّك بشيءٍ من النصوص في إثباتِ شيءٍ من الأحكام؛ لاحتمال أنْ يقال: لأنَّه وإنْ كان ثابتاً إلَّا أنَّه زال(١). وما قيل في الاستثناء يَرِدُ عليه أنَّ المصدرَ المؤوَّل من ((أنْ)) والفعل لا يُنْصَبُ على الظرفيَّة، ولا يقعُ حالاً؛ لأنَّه معرفةٌ. وبعضُهم قال لاتِّصال الاستثناء: إنَّ التقدير: إلَّا الموصوفَ بأنْ يكون أحدَ الأربعةِ، على أنه بدلٌ من ((مُحرَّماً)). وفيه تكلّفٌ ظاهر. وقيل: التقدير على قراءة الرفع: إلَّا وجود ميتة. والإضافةُ فيه من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ميتة موجودة. وأجيبَ أيضاً عن الإشكال بأنَّ الآية وإنْ دلَّت على الحصر إلَّ أنَّا نُخصِّصُها بالأخبار. وتعقّبه الإمام أيضاً بأنَّ هذا ليس من باب التخصيص، بل هو صريحُ النسخ؛ لأنَّها لمَّا كان معناها أنْ لا محرَّمَ سوى الأربعة، فإثباتُ محرَّم آخر قولٌ بأنَّ الأمرَ ليس كذلك، وهو رفعٌ للحصر. ونسخُ القرآنِ بخبر الواحد غيرُ جائزٍ (٢). وأجاب عن ذلك القطبُ الرازي بأنَّه لا معنى للحصر هاهنا إلَّا أنَّ الأربعةَ (١) تفسير الرازي ٢٢١/١٣. (٢) تفسير الرازي ٢٢١/١٣-٢٢٢. ء الآية : ١٤٥ ٤٧٩ سُؤَدَّةُ الأَنْتَعَل محرَّمةٌ وما عداها ليس بمحرَّم، وهذا عامٌ، فإثباتُ محرَّم آخر تخصيصٌ لهذا العام، وتخصيصُ العامِّ بخبر الواحد جائزٌ. وقد احتجَّ بظاهر الآية كثيرٌ من السلف، فأباحوا ما عدا المذكور فيها، فمن ذلك الحمُرُ الأهلِيَّةُ. أخرج البخاريُّ عن عمرو بن دينار، قلتُ لجابر بن زيد (١): إنَّهم يزعمون أنَّ رسول الله وَلل نهى عن لحوم الحُمُرِ الأهليّة زمنَ خيبر، فقال: قد كان يقول ذلك الحَكَمُ بنُ عمرو (٢) عن رسولِ اللهِوَّرِ، ولكنْ أبى ذلك البحر - يعني ابن عباس - وقرأ: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ﴾ الآية. وأخرج أبو داود(٣) عن ابن عمر ظيًّا أنه سُئل عن أكل القنفذ، فقرأ الآية. وأخرج ابنُ أبي حاتم وغيرُه بسندٍ صحيحٍ عن عائشةً ﴿ُّ أنَّها كانت إذا سُئِلت عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، ومخلبٍ من الطير، قالت: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ إلخ (٤). وأخرج عن ابن عباس قال: ليس من الدوابِّ شيءٌ حرامٌ إلَّا ما حرَّم الله تعالى في كتابه: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ الآية (٥). وقوَّى الإمام الرازيُّ القولَ بالظاهر، فإنَّه قال بعد كلام: فثبتَ بالتقرير الذي ذكرناه قوَّةُ هذا الكلام، وصحَّةُ هذا المذهب، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس، ثم قال: ومن السؤالات الضعيفة(٦) أنَّ كثيراً من الفقهاء خصُّوا عمومَ هذه (١) في الأصل و(م): لجابر بن عبد الله. وهو وهم أو سبق قلم. والمثبت من صحيح البخاري (٥٥٢٩). وجابر بن زيد هو أبو الشعثاء الجَوْفيُّ البصري، روى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما. توفي سنة (٩٣هـ) أو (١٠٣هـ). تهذيب الكمال. (٢) هو الغفاري، الأمير، نزل بالبصرة، وله صحبة ورواية، وفضل وصلاح. ولي خراسان، ومات بها سنة خمسين أو إحدى وخمسين. سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٧٤ . (٣) في سننه (٣٧٩٩). (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٠٧ (٨٠١١)، وهو أيضاً عند الطبري ٩/ ٦٣٥ بنحوه. (٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٤٠٦/٥ (٨٠٠٦). (٦) في الأصل و(م): الصعبة. والمثبت من تفسير الرازي ٢٢٢/١٣. سُوَةُ الأَنْقَم ٤٨٠ الآية : ١٤٦ الآية بما نُقل أنَّه وَّ قال: ((ما استخبثته العربُ فهو حرام)»(١)، وقد عُلِم أن الذي تستخبثُه غيرُ مضبوطٍ، فسيِّد العرب، بل سيِّد العالمين عليه الصلاة والسلام لما رآهم يأكلونَ الضبَّ قال: ((يعافُه طبعي))(٢)، ولم يكن ذلك سبباً لتحريمه، وأمَّا سائرُ العرب ففيهم مَن لا يستقذرُ شيئاً، وقد يختلفونَ في بعض الأشياء، فيستقذرُها قومٌ، ويستطيبُها آخرون، فعُلِم أنَّ أمرَ الاستقذار غيرُ مضبوط، بل هو مختلفٌ باختلافِ الأشخاص والأحوال، فكيف يجوز نسخُ هذا النصِّ القاطع بذلك الأمرِ الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم؟ !. اهـ، ولا يخفى ما فيه. واستدلَّ النبيُّ بَّه بقوله سبحانه: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ على أنَّه إنَّما حرَّم من الميتة أكلها، وأنَّ جلدها يطهر بالدبغ. أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال: ماتت شاةٌ لسودةً بنت زَمْعَة، فقال رسول الله وَِّ: (لو أخذتم مَسْكَها)) فقالت: نأخذُ مَسْك شاةٍ قد ماتت؟! فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّما قال الله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَّ أُوحِىَ إِلَىَ مُحَرَّمًا عَلَى طَاِمِ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً﴾ وإنَّكم لا تطعمونَه أَنْ تدبُغُوه فتنتفعوا به)»(٣). واستدلَّ الشافعيَّة بقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ على نجاسة الخنزير؛ بناءً على عودِ الضمير على ((خنزير))؛ لأنَّه أقربُ مذكور. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: اليهود خاصَّةً، لا على من عداهم من الأوَّلين والآخرين. ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى تُفِّرٍ﴾ أي: ما ليس منفرجَ الأصابع، كالإبل والنعام والإوزِّ والبطّ، قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد والسُّدِّي. وعن ابن زيد أنَّه الإبل فقط. وقال الجبَّائيُّ: يدخلُ فيه كلُّ السباع، والكلاب، والسنانير، وما يَصطادُ بِظُفره. وعن القتبيِّ والبلخيّ أنَّه ذو المخلب من الطير، وذو الحافر من الدوابِّ، وسُمّيَ الحافر ظُفراً مجازاً. واستبعدَ ذلك الإمام(٤). (١) لم نقف على هذا القول مرفوعاً إلَّا عند الرازي رحمه الله، وإنما هو مسألة يذكرها الفقهاء في كتبهم. انظر المغني لابن قدامة ٣١٦/١٣، وروضة الطالبين ص٤٧٢ (دار ابن حزم)، والمجموع ٢٤/٩، وحاشية ابن عابدين ٣٠٥/٦. (٢) أخرجه البخاري (٥٣٩١)، ومسلم (١٩٤٥) من حديث ابن عباس بلفظ: ((فأجدني أعافه)). (٣) مسند أحمد (٣٠٢٦). (٤) تفسير الرازي ٢٢٣/١٣.