Indexed OCR Text
Pages 441-460
الآية : ١٣٠ ٤٤١ سُورَةُ الأَنْعَم بعضٌ قيامَ الإجماع على أنَّه لم يرسَل إلى الجنِّ رسولٌ منهم، وإنَّما أُرسِل إليهم من الإنس. وهل كان ذلك قبلَ بعثة نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، أم لا؟ الذي نصَّ عليه الكلبيُّ: الثاني؛ قال: كان الرسلُ يرسَلون إلى الإنس حتى بُعِثَ محمدٌ نَّهِ إلى الإنس والجنِّ. ﴿يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى﴾ التي أوحيثُها إليهم، والجملة صفةٌ أخرى لـ ((رسل)) محقِّقةٌ لما هو المرادُ من إرسالهم من التبليغ والإنذار، وقد حصلَ ذلك بالنسبة إلى الثقلين . ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ أي: يخوِّفونَكم بما في تضاعيفها من القوارع ﴿لِقَّءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه ما عاينوا . ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، والمقصودُ منه حكايةُ قولهم، كيف يقولون وكيف يعترفون؟ ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَّ﴾ أي: بإتيان (١) الرسل وقصّهم وإنذارهم، وبمقابلتهم إيَّاهم بالكفر والتكذيب. وقوله سبحانه: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ مع ما عُطِفَ عليه اعتراضٌ لبيان ما أدّاهم في الدنيا إلى ارتكاب القبائح التي ارتكبوها، وألجأهم في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر واستيجاب العذاب، وذَمٌّ لهم بذلك، وتسفيهٌ لرأيهم؛ فلا تكرارَ في الشهادتين. أي: واغترُّوا في الدنيا بالحياة الدنيئة، واللذَّات الخسيسة الفانية، وأعرضُوا عن النعيم المقيم الذي بشَّرت به الرسلُ عليهم السلام، واجترؤوا على ارتكاب ما يجرُّهم إلى العذاب المؤَّد الذي أنذرُوهم إياه ﴿وَشَهِدُوا﴾ في الآخرة ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ﴾ في الدنيا ﴿كَفِينَ (٣)﴾ بالآيات والنُّذر، واضطرُّوا إلى الاستسلام لأشدِّ العذاب، وفي ذلك من تحسُّرهم وتحذيرِ السامعين عن مثل صنيعهم ما لا مزيدَ عليه. (١) في الأصل و(م): بإيتاء. والمثبت من تفسير أبي السعود ١٨٦/٣. سُورَةُ الأَنْعَل ٤٤٢ الآية : ١٣١ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى إتيانِ الرسل، أو السؤال المفهوم من ((ألم يأتكم))، أو ما قصَّ من أمرهم؛ أعني: شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجابِ العذاب. وهو إمّا مرفوعٌ على أنَّه خبرُ مبتدأ مقدَّر، أي: الأمرُ ذلك، أو مبتدأُ خبرُه مقدَّرٌ، أو خبرُه قوله سبحانه: ﴿أَنْ لَّْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ بحذف اللام على أنَّ (أنْ)) مصدريَّةٌ، أو مخفَّفة من ((أنَّ)، وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها [محذوف](١). وإمَّا منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ به لفعلٍ مقدَّرٍ، كـ ((خذ))، و((فعلنا)»، ونحو ذلك. وجُوِّزَ أنْ يكون ((أنْ لم)) إلخ بدلاً من اسم الإشارة. وقوله تعالى: ﴿يُطْرٍ﴾ متعلِّقٌ إمَّا بـ ((مهلك))، أي: بسببٍ ظلم. أو: بمحذوفٍ وقع حالاً من ((القرى))، أي: متلبِّسةً بظلم، أو حالاً من ((ربِّك))، أو من ضميرٍه في (مهلك)). والمراد: مهلكَ أهلِ القرى، إلَّا أنَّه تُجوِّزَ في النسبة، أو حُذف المضاف ه؛ لأنَّ أصله: ١٢١ وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا يأباه قولُه تعالى: ﴿وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ وهم غافلون، فلمَّا حُذفَ المضاف أقيم الظاهرُ مقامَ ضميرٍه. واعترض شيخُ الإسلام على جَعْلِ ((بظلم) حالاً من ((ربِّك)) أو من ضميره؛ بأنَّه بأباه أنَّ غفلةَ أهلها مأخوذةٌ في معنى الظلم وحقيقته لا محالة، فلا يحسنُ تقييده بالجملة بعد (٢). وأوردَ عليه أنَّه قد يُتصوَّر الظلم مع عدم الغفلة، بأن يكون حالَ التيقُّظ ومقارنة الانقياد، وإنْ كان المراد هاهنا هو الإهلاك حال الغفلة، ففائدةُ التقييد تعيينُ المراد، ولا یخفی حسنُه. ولا يخفى ما فيه. واختار قُدِّسَ سرُّه من احتمالات المشار إليه وأَوْجُهِ إعراب اسم الإشارة الثالثَ من كلِّ. قال: والمعنى: ذلك ثابتٌ لانتفاء كون ربِّك، أو: لأنَّ الشأن لم يكن ربُّك مهلكَ القرى بسببٍ - أي: ظلم فعلُوه من أفراد الظلم - قبل أنْ يُنْهَوا عنه، وينبَّهُوا على بطلانه برسولٍ وكتاب - وإنْ قضى به بداهةُ العقول - ويُنْذَرُوا عاقبةَ جناياتهم، أي: لولا انتفاء كونه تعالى معذِّباً لهم قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب، (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٨٦/٣، والكلام منه. (٢) تفسير أبي السعود ١٨٦/٣. الآية : ١٣٢ ٤٤٣ سُؤَدَّةُ الأَنْدَعَل لما أمكنَ التوبيخُ بما ذُكِر، ولما شهدُوا على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب، ولاعتذروا (١) بعدم إتيان الرسل إليهم، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْتَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَغَّالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَقَّعَ ءَايَنِئِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]. وإنما علّل ما ذُكِر بانتفاء التعذيب الدنيويّ الذي هو إهلاكُ القرى قبلَ الإنذار، مع أنَّ التقريبَ في تعليله بانتفاءِ مطلق التعذيب من غير بعثٍ الرسل أتمُّ على ما نطق به قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] على ما اختارهُ أهل السنَّة في معناه = لبيان كمال نزاهته سبحانه على كلا التعذيبين من غير إنذارٍ على أبلغ وجهٍ وآكده(٢). ولا يخفى أنَّ لما اختارَه وجهاً وجيهاً، خلا أنَّ قوله فيما بعدُ: إنَّ جَعْلَ («ذلك)) إشارةً إلى إرسال الرسل عليهم السلام وإنذارهم، وخبراً لمبتدأ محذوف(٣)، كما أطبق عليه الجمهور، بمعزل عن مقتضى المقام = ممنوعٌ. وعلى سائر الاحتمالاتِ الخطابُ للرسول وَله بطريقِ تلوين الخطاب، والظاهرُ أنَّ انتفاءَ الإهلاكِ قبل الإنذار لا يختصُّ بالإنس، بل الجنُّ أيضاً لا يُهلَكون قبل إنذارهم، وإنْ لم يَشِعْ إطلاقُ أهل القرى عليهم. وهذا مبنيٌّ على محض فضل الله تعالى عندنا. والمعتزلة يقولون: يجبُ على الله تعالى أن لا يعذِّب قبل الإنذار وقيامِ الحَجَّة، وبَنَوْه على قاعدة الحُسن والقُبح العقليين. وأئمتنا يثبتونَ ذلك، لكنَّهمَ لا يجعلونَه مناطَ الحكم كما زعم المعتزلة. ﴿وَلِكُلٍ﴾ من المكلَّفين جّاً كانوا أو إنساً ﴿دَرَجَتُ﴾ أي: مراتبُ، فيتناولُ الدركات حقيقةً أو تغليباً ﴿مِّمَا عَيِلُواْ﴾ أي: من أعمالهم؛ صالحةً كانت أو سيئةً، أو من أجلِ أعمالهم، أو من جزائها، فـ ((من)) إمَّا ابتدائيةٌ، أو تعليليَّةٌ، أو بيانيَّةٌ بتقدیر مضاف. (٣)﴾ فلا يَخفى عليه سبحانه عملُ عاملٍ، أو ﴿وَمَا رَبِّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قَدْرُ ما يستحقُّ به من ثوابٍ أو عقابٍ. (١) في (م) وتفسير أبي السعود: ولا اعتذروا. (٢) تفسير أبي السعود ١٨٦/٣-١٨٧. (٣) في الأصل و(م): محذوفاً، والمثبت من تفسير أبي السعود. سُورَةُ الأَنْعَ ٤٤٤ الآية : ١٣٣ وقرأ ابنُ عامر: ((تعملون)) بالتاء (١)، على تغليب الخطاب على الغيبة، ولو أريدَ شمول ((يعملون)) بالتحتية للمخاطب، بأن يُرَاد جميعُ الخلق، فلا مانعَ من اعتبار تغليبِ الغائب على المخاطب، سوى أنَّ ذلك لم يُعهد مثلُه(٢) في كلامهم. ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ﴾ أي: لا غنيَّ عن كلِّ شيءٍ كائناً ما كان إلَّا هو سبحانه، فلا احتياجَ له عزَّ شأنه إلى العباد، ولا إلى عبادتهم، ولا يخفى ما في التعرُّض لعنوان الربوبيَّة؛ مع الإظهار في مقام الإضمار، والإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام، من اللطف الجزيل. والكلامُ مبتدأٌ وخبر، وقوله سبحانه: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ خبرٌ آخر، وجُوِّزَ أن يكون هو الخبر و((الغنيُّ)) صفةٌ، أي: الموصوفُ بالرحمة العامَّةِ، فيترجَّم على العباد بالتكليف تكميلاً لهم، ويُمهلُهم على المعاصي إلى ما شاء، وفي ذلك تنبيه على أنَّ ما تقدَّم ذكرُه من الإرسال ليس لنفعِه، بل لترجُّمه على العباد، وتوطئةٌ لقوله سبحانه: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي: ما به حاجةٌ إليكم أصلاً، إن يشأ يذهبكُم أيُّها العصاة أو أيُّها الناس بالإهلاك. وفي تلوين الخطابٍ من تشديد الوعيدِ ما لا يخفى . ﴿وَيَسْتَغْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ﴾ أي: وينشئُ من بعد إذهابكم ﴿مَّا يَشَآءُ﴾ من الخلق. وإيثارُ ((ما)) على ((مَن))؛ لإظهار كمال الكبرياء، وإسقاطِهم عن رتبة العقلاء . ﴿كَمَّ أَنْشَأَكُمْ مِّنْ ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ،َاخَرِنَ ﴾﴾ أي: من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم، وهم أهل سفينة نوح عليه السلام، لكنَّه سبحانه أبقاكم ترجُّماً عليكم. و ((ما)) في ((كما)) مصدريَّةٌ، ومحلُّ الكاف النصبُ على المصدريَّة، أو الوصفيَّةِ المصدرِ الفعل السابق، أي: وينشئُ إنشاءً كإنشائكم، أو يستخلفُ استخلافاً كائناً کإنشائکم . (١) التيسير ص ١٠٧، والنشر ٢٦٢/٢-٢٦٣. (٢) لفظة: مثله. ليست في الأصل. الآية : ١٣٤ - ١٣٥ ٤٤٥ سُورَةُ الأَنْسَعَل و((من)) لابتداء الغاية. وقيل: هي بمعنى البدل. والشَّرطيَّةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلها من الغِنَى والرحمة. ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: إنَّ الذي توعدونَه من القيامة والحساب، والعقاب والثواب، وتفاوتٍ الدرجات والدركات. وصيغةُ الاستقبال للدلالة على الاستمرارِ التجدُّديّ. و((ما)) اسم ((إنَّ) ولا يجوز أنْ تكون الكافَّة؛ لأنَّ قوله سبحانه: ﴿لَتِّ﴾ يمنعُ من ذلك، كما قال أبو البقاء(١)، وهو خبرُ ((إنَّ)). والمراد: إنَّ ذلك لواقعٌ لا محالة. وإيثار ((آتٍ)) على واقع؛ لبيان كمالٍ سرعة وقوعه، بتصويره بصورةٍ طالبٍ حثيثٍ لا يفوتُه هاربٌ، حَسبَما يُعرِبُ ﴾ أي: جاعلي مَنْ طلبَكُم عاجزاً عنكم عنه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ (َ غيرَ قادرٍ على إدراككم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ظُهَا أنَّ المعنى: وما أنتم بسابقين(٢). وإيثارُ صيغة الفاعل على المستقبل؛ للإيذان بقرب الإتيان. والدوامُ الذي يفيدُه العدول عن الفعليَّةِ إلى الاسميَّة متوجّهٌ إلى النفي، فالمرادُ دوام انتفاء الإعجاز، لا بيان دوامٍ انتفائه (٣). وله نظائرُ في الكتاب الكريم. ﴿قُلْ يَقَوْمِ﴾ أمرٌ له بَّهِ أنْ يواجهَ الكفَّار بتشديدِ التهديد وتكرير الوعيد، ويُظهرَ لهم ما هو عليه من غاية التصلَّب في الدين، ونهايةِ الوثوق بأمره، وعدم المبالاةِ بهم أصلاً، إثر ما بيِّن لهم حالهم ومآلهم، أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفار: ﴿أَعْمَلُواْ عَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على غاية تمكّنكم واستطاعتكم، على أنَّ المكانةَ مصدرُ مَكُن إذا تمكَّنَ أبلغَ التمكُّن. وجُوِّزَ أنْ يكون ظرفاً بمعنى المكان، كالمقام والمقامة، ومن هنا فسَّرَهُ ابنُ عباس ﴿ّ - كما رواه ابن المنذر عنه - بالناحية(٤). وتَجوَّزَ به عن ذلك مَنْ فسَّره بالحالة، أي: اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها . (١) في الإملاء ٦٣٩/٢ . (٢) الدر المنثور ٤٧/٣، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ١٣٩٠/٤. (٣) وقعت العبارة في تفسير أبي السعود ١٨٨/٣ - والكلام منه - كالتالي: والمراد بيان دوام انتفاء الإعجاز لا بيان انتفاء دوام الإعجاز. فليتأمل. (٤) الدر المنثور ٤٧/٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٤ / ١٣٩٠. سُؤَدَّةُ الأَنْتَعَل ٤٤٦ الآية : ١٣٥ وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((مكاناتكم)) على الجمع في كلِّ القرآن (١). وزعمَ الواحديُّ أنَّ الوجه الإفراد. وفيه نظر. والمعنى: اثبتوا على كفركم ومعاداتكم لي ﴿إِنّ عَامِلٌ﴾ على مكانتي، أي: ثابتٌ على الإسلام وعلى مصابرتكم. والأمر للتهديد، وإيراده بصيغة الأمر - كما قال غير واحد - مبالغةٌ في الوعيد، كأنَّ المهدِّد يريد تعذيبه مجمِعاً عازماً عليه، فيحمله بالأمر على ما يؤدّي إليه، وتسجيلٌ بأنَّ المهدَّد لا يتأتّى منه إلا الشرُّ، كالمأمور به الذي لا يقدرُ أن يتفصَّى عنه. وجعل العلامة الثاني ذلك من قبيل الاستعارة التمثيلية؛ تشبيهاً لذلك المعنى بالمعنى المأمورِ به الواجب الذي لا بدَّ أنْ يكون ممن ضُرِبَت عليه الشقوة. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ, عَقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: إنكم لتعلمون ذلك لا محالة، ((فسوف)) لتأكيد مضمون الجملة. والعلم عرفانيٌّ، فيتعدَّى إلى واحد، و((مَنْ)) استفهاميَّةٌ معلِّقةٌ لفعل العلم، محلُّها الرفع على الابتداء، والجملةُ بعدَها خبرها، ومجموعهما سادٍّ مسدّ مفعول(٢) العلم. والمرادُ بالدار: الدنيا، لا دار السلام كما قيل. وبالعاقبة: العاقبةُ الحسنى، أي: عاقبة الخير؛ لأنَّها الأصلُ، فإنَّه تعالى جعل الدنيا مزرعةَ الآخرة، وقنطرةً المجاز إليها، وأرادَ من عباده أعمالَ الخير لينالوا حسن الخاتمة. وأمَّا عاقبة الشرِّ فلا اعتدادَ بها؛ لأنَّها من نتائج تحريفِ الفجَّار، أي: فسوف تعلمون أيُّنا تكونُ له العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها . ويجوز أن تكون ((مَنْ))(٣) موصولةً، فمحلُّها النصبُ على أنَّها مفعول ((تعلمون))، أي: فسوف تعلمون الذي له عاقبة الدار، وفيه مع الإنذار المستفادٍ من التهديد إنصافٌ في المقال، وتنبيهٌ على كمال وثوق المنذر بأمره. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: (يكون)) بالتحتيّةَ (٤)؛ لأنَّ تأنيثَ العاقبة غيرُ حقيقي. (١) التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٦٣/٢. (٢) في الأصل: مفعولي. والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٨٨/٣، والكلام فيه بنحوه. (٣) في الأصل و(م): ما، والمثبت هو الصواب، ينظر تفسير أبي السعود ١٨٨/٣. (٤) التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٦٣/٢. وهي قراءة خف من العشرة. الآية : ١٣٦ ٤٤٧ سُورَةُ الأَنْعَم ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأن ﴿لَا يُفْلِعُ الظَّالِمُونَ (٣٥)﴾ أي: لا يظفرون(١) بمطلوبهم، وإنَّما وَضع الظلم موضعَ الكفر لأنَّه أعمُّ منه، وهو أكثر فائدةً؛ لأنَّه إذا لم يفلح الظالم فكيف الكافر المتَّصفُ بأعظم أفراد الظلم؟ ﴿وَجَعَلُواْ﴾ أي: مشركو العرب ﴿لَّهِ مِمَا ذَرَا﴾ أي: خلق. قال الراغب: الذرء، إظهارُ الله تعالى ما أبدعَه. يقال: ذرأ الله تعالى الخلقَ، أي: أَوْجَدَ (٢) أشخاصهم(٢). وقال الطبرسيُّ: الذَرْءُ الخلقُ على وجه الاختراع، وأصله الظهور، ومنه: ملحٌ ذَرْآنِيٌّ؛ لظهور بياضه(٣). و ((من)) متعلِّقةٌ بـ ((جعل))، و((ما)» موصولَةٌ، وجملة ((ذرأ)) صلته، والعائدُ محذوف . وقوله سبحانه: ﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ﴾ متعلِّقٌ بـ ((ذرأ))، وجوَّزَ أبو البقاء أنْ يكون ((ممَّا)) متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع حالاً من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا﴾، وأنْ يكون ((من الحرث)) حالاً أيضاً من ((ما))، أو من العائد المحذوف (٤). و ((نصيباً)) على كلِّ تقديرٍ مفعول ((جعل)) وهو متعدٍّ لواحد، وجُوِّزَ أنْ يكون متعدياً لاثنين؛ أوَّلهما: ((ممَّا ذرأ)) على أنَّ ((مِنْ)) تبعيضيَّة، وثانيهما: ((نصيباً)). وقيل: الأمرُ بالعكس. واعترض بأنَّه لا يساعدُه سدادُ المعنى. وأيّاً ما كان فهذا شروعٌ في تقبيح أحوالهم الفظيعة، بحكاية أقوالهم وأفعالهم الشنيعة؛ أخرج ابنُ أبي حاتم(٥) من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿يَا أنَّه قال في الآية: إنَّهم إذا احترثوا حرثاً، أو كانت لهم ثمرةٌ جعلُوا لله تعالى منه جزءاً، وجزءاً للوثن، فما كان من حرثٍ أو ثمرةٍ أو شيءٍ من نصيبِ الأوثان حفظُوه وأحصَوه، (١) في الأصل و(م): لا يظفروا. (٢) المفردات (ذرأ). (٣) مجمع البيان ٢٠٤/٨. (٤) الإملاء ٦٤٠/٢. (٥) في تفسيره ١٣٩١/٤ (٧٩١٣). سُؤْدَةُ الأَنْعَل ٤٤٨ الآية : ١٣٦ فإن سقط شيءٌ ممَّا سُمَِّ للصمَد، ردُّوه إلى ما جعلُوه للوثن، وإنْ سبقَهم الماءُ الذي جعلوه للوثن فسقَى شيئاً ممَّا جعلُوه لله تعالى، جعلُوه للوثن، وإنْ سقط شيءٌ من الحرثِ والثمرة الذي جعلُوه الله تعالى، فاختلطَ بالذي جعلُوه للوثن، قالوا: هذا فقيرٌ، ولم يردُوه إلى ما جعلُوا لله تعالى، وإنْ سبقَهم الماءُ الذي سمَّوا لله تعالى، فسقى ما سمّوا للوثن، تركُوه للوثن، وكانوا يُحرِّمونَ من أنعامهم البَحيرة والسائبةً والوصيلة والحامي، فيجعلونَه للأوثان، ويزعمون أنَّهم يُحرِّمونَ الله سبحانه. وروي أنهم كانوا يعيِّنون شيئاً من حرثٍ ونتاجٍ لله تعالى، فيصرفونه إلى الضِّيفان والمساكين، وأشياءَ منهما لآلهتهم، فينفقون منها لسدنتها ويذبحون عندها، فإذا رأوا ما جعلُوه لله تعالى زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً، رجعوا فجعلُوه لآلهتهم، وإذا زكا ما جعلُوه لآلهتهم تركُوه معتلِّين بأنَّ الله تعالى غنيٌّ، وما ذاك إلَّا لفرط جهلهم؛ حيث أشركوا مع الخالقِ القادر جماداً لا يقدرُ على شيء، ثمَّ رجَّحوه عليه سبحانه بأنْ جعلوا الزاكي له، واختارَ هذه الرواية الزَّجَّاجُ(١) وغيره. وأصلُ النظم الكريم: وجعلوا لله .. إلخ ولشركائهم، فطوى ذكر الشركاء لأنَّه - على ما قيل - أمرٌ محقَّقٌ عندهم، وأُشير إلى تقديره بالتصريح به في قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَآَيْنَا﴾ أي: الأوثان، وسمَّوهم شركاءهم؛ لأنَّهم جعلُوا لهم نصيباً من أموالهم، فهم شركاؤهم فيها. ويحتمل أنَّ الإضافة لأدنى ملابسة، حيث إنَّهم زعموا كونهم شركاءَ الله تعالى. وقرأ الكسائيُّ ويحيى بنُ وثَّاب والأعمش: ((بزعمهم)) بضمِّ الزاي(٢)، وهو لغةٌ فيه، وجاء الكسرُ أيضاً (٣). فهو مثلَّثٌ، كالودِّ. وقد تقدَّم معناه. وإنَّما قيّد به الأول للتنبيه على أنَّه في الحقيقة ليس يُجعَل لله سبحانه غير مستتبعٍ لشيءٍ من الثواب، كالتطوعات التي يُبتغَى بها وجهُ الله تعالى. (١) كما في مجمع البيان ٨/ ٢٠٤، ولم نقف عليه في معاني القرآن له. (٢) قراءة الكسائي في التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٦٣/٢. وقراءة ابن وثاب والأعمش في إعراب القرآن للنحاس ٩٧/٢. (٣) وهي قراءة ابن أبي عبلة كما في البحر المحيط ٤/ ٢٢٧. الآية : ١٣٧ ٤٤٩ سُورَةُ الأَنْعَم وقيل: للإيذان بأنَّ ذلك ممَّا اخترعوه ولم يأمرهم اللهُ تعالى به. ورُدَّ بأن ذلك مستفادٌ من الجعل، ولذلك لم يقيّد به الثاني. وجُوِّزَ أنْ يكونَ ذلك تمهيداً لما بعده، على أنَّ معنى قولهم: ((هذا لله)) مجرَّدٌ زعم منهم، لا يعملون بمقتضاه الذي هو اختصاصه به تعالى، فقوله سبحانه: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَآَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَِّ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآَيِهِمْ﴾ بيانٌ وتفصيلٌ له، أي: فما عيَّنوه لشركائِهم لا يُصرَف إلى الوجوه التي يُصرفُ إليها ما عيَّنوه لله تعالى، وما عيَّنوه لله تعالى يصرفُ إلى الوجوه التي يصرفُ إليها ما عيَّنوه لآلهتهم. ﴾ فيما فعلوا من إيثار مخلوقٍ عاجزٍ عن كلِّ شيءٍ على ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ خالقٍ قادرٍ على كلِّ شيءٍ، وعملِهم بما لم يُشرَعْ لهم. و ((ساء)» يجري مجرى بئس، فـ ((ما)) سواءٌ كانت موصولةً أو موصوفةً فاعلٌ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي: حكمهم هذا، وقيل: إنَّ ((ساء)» هنا غيرُ الجارية مجرى بئس، فلا تحتاج إلى مخصوصٍ بالذمِّ، بل إلى فاعلٍ فقط، فإن فاعلَ الجارية يجبُ أنْ يكون معرَّفاً باللام أو مضافاً في الأَشْهَر. واختارهُ بعض المحقّقين. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثل ذلك التزيين، وهو تزيينُ الشركِ في قسمة القربات من الحرث والأنعام بين الله تعالى وبين شركائهم، أو مثل ذلك التزيين البليغ المعهود من الشياطين ﴿زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: مشركي العرب ﴿قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ﴾ فكانوا يئدونَ البنات الصغار، بأن يدفنوهنَّ أحياءً، وكانوا في ذلك - على ما قيل - فريقين؛ أحدهما يقول: إنَّ الملائكةَ بناتُ الله سبحانه، فألحقُوا البنات بالله تعالى فهو أحقُّ بها. والآخر يقتلهنَّ خشية الإنفاق. وقيل: خشيةَ ذلك والعار، وهو المرويُّ عن الحسن وجماعة. وقيل: السببُ في قتل البنات أنَّ النعمانَ بن المنذر أغارَ على قوم، فسَبَى نساءهم، وكانت فيهنَّ بنتُ قيس بن عاصم(١)، ثمَّ اصطلحوا، فأرادت كُلُّ امرأةٍ (١) هو قيس بن عاصم بن سنان التميمي المِنْقَري، يكنى أبا علي، وفد على النبيِّ وَّ في سُورَةُ الأَنْسَعَل ٤٥٠ الآية : ١٣٧ منهنَّ عشيرتَها غيرَ ابنة قيس، فإنَّها أرادت من سباها، فحلفَ قيسٌ لا تولدُ له بنتٌ إلَّا وأدَها، فصار ذلك سنَّةً فيما بينهم. وقيل: إنَّهم كانوا يَنْذرُ أحدُهم إذا بلغ بنوه عشرةً، نحرَ واحداً منهم، كما فعلَه عبدُ المطّلب في قصته المشهورة، وإليها أشار ◌َّه بقوله: ((أنا ابنُ الذبيحين))(١). و((قَتْلَ" مفعولُ ((زَيَّنَ)) مضافٌ إلى ((أولادهم)) من إضافة المصدرِ إلى مفعوله. وقوله سبحانه: ﴿شُرَكَآؤُهُمْ﴾ فاعلٌ له. والمرادُ بالشركاء إمَّا الجنُّ وإمَّا السدنَة، ووسمُوا بذلك لأنَّهم شركاءُ في أموالهم كما مرَّ آنفاً، أو لإطاعتهم لهم(٢) كما يُطاعُ الشريك الله عزَّ اسمه. ومعنى تزيينهم لهم ذلك: تحسينُهُ لهم وحثُّهم عليه. وقرأ ابنُ عامر ((زُيِّنَ)) بالبناء للمفعول الذي هو القتل، ونصبِ الأولاد، وجرِّ الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولاً بينهما بمفعوله(٣). وعقّب ذلك الزمخشريُّ بأنَّه شيء لو كان في مكان الضرورات - وهو الشعر - لكان سمجاً مردوداً كما سَمُجَ ورُدَّ : زجَّ القلوصَ أبي مزاده(٤) فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في الكلام المعجز؟ ثم قال: والذي = وفد بني تميم سنة تسع من الهجرة، فأسلم. نزل البصرة، ومات بها. الإصابة ١٩٨/٨، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٦٢ . (١) سيأتي تمام الكلام عن الخبر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَّ ... ﴾ [الصافات: ١١٣]. (٢) في الأصل و(م): له. والمثبت من حاشية الشهاب ١٢٨/٣، والكلام منه. (٣) التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٦٣/٢. (٤) صدره: فزجَجْتُها بمِزَجَّةٍ وهو في الكتاب ١٧٦/١، وخزانة الأدب ٤١٥/٤ وغيرها دون نسبة. قال عبد القادر البغدادي: قوله: فزججتها، يقال: زججته زجّاً، إذا طعنته بالزُّج، وهي الحديدة التي في أسفل الرمح. وقوله: زجَّ القلوص، أي: زجّاً مثل زج، والقلوص: الناقة الشابة. قال ابن خلف: هذا البيت يروى لبعض المدنيين المولدين، وقيل: هو لبعض المؤنثين ممن لا يحتجُّ بشعره. الآية : ١٣٧ ٤٥١ سُورَةُ الْأَنْعَل حمله على ذلك أنَّه رأى في بعض المصاحف ((شركائهم)) مكتوباً بالياء، ولو قرأ بجرِّ الأولاد والشركاء؛ لأنَّ الأولادَ شركاؤُهم، لوَجدَ في ذلك مندوحةً عن هذا الارتكاب. اهـ (١). وقد رَكِبَ في هذا الكلام عمياء، وتاه في تيهاء، فقد تخيَّل أنَّ القُرَّاءَ أئمةَ الوجوه السبعة اختار كلٌّ منهم حرفاً قرأ به اجتهاداً - لا نقلاً وسماعاً - كما ذهب إليه بعضُ الجهلة، فلذلك غَلَّط ابنَ عامر في قراءته هذه، وأخذ يبيِّنُ منشأ غلطه، وهذا غلطٌ صريحٌ يُخشَى منه الكفر والعياذُ بالله تعالى، فإنَّ القراءات السبعة متواترةٌ جملةً وتفصيلاً عن أفصح مَن نطق بالضَّاد ◌ِّ ز، فتغليطُ شيءٍ منها في معنى تغليطٍ رسول الله وَ﴿، بل تغليطِ الله عزَّ وجلَّ، نعوذ بالله سبحانه من ذلك. وقال أبو حيان(٢): اعجبْ لعجميٍّ ضعيفٍ في النحو، يردُّ على عربيٍّ صريحٍ محضٍ قراءةً متواترةً نظيرُها في كلام العرب في غير ما بيت، واعجب لسوء [ظنِّ] هذا الرجل بالقرَّاء الأئمّة، الذين تخيَّرتهُم هذه الأمَّة لنقل كتاب الله تعالى شرقاً وغرباً، وقد اعتمدَ المسلمون على نقلهم؛ لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم. اهـ. وقد شنَّع عليه أيضاً غيرُ واحدٍ من الأئمّة، ولعلَّ عذرَه في ذلك جهلُه بعلمي القراءة والأصول. وقد يقال: إنَّه لم يفرِّق بين المضاف الذي لم يَعمل وبين غيره(٣)، ومحقِّقُو النحاة قد فرَّقوا بينهما بأنَّ الثانيَ يُفصلُ فيه بالظرف، والأوَّلَ إذا كان مصدراً أو نحوه يُفْصل بمعموله مطلقاً؛ لأنَّ إضافته في نية الانفصال، ومعموله مؤخّرٌ رتبةً، فَضْلُه كلا فَضْلٍ، فلذا ساغ ذلك فيه، ولم يخصَّ بالشعر كغيره، وممَّن صرَّح بذلك ابنُ مالك وخظًّاً الزمخشريَّ بعدم التفرقة، وقال في ((كافيته)): جزأي إضافةٍ وقد يَستعمِلُ وظرفٌ أو شبيهُه قد يَفصِلُ (١) الكشاف ٥٤/٢. وقد قرأ ابن عامر بالقراءة التي تمناها الزمخشري في غير المشهور عنه. ينظر الدر المصون ١٦٦/٥. وسيأتي بيانها قريباً. (٢) في البحر المحيط ٢٣٠/٤، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٣) كذا في الأصل و(م). والعبارة كما في حاشية الخفاجي ١٢٨/٤: بين المضاف الذي يعمل وبين غيره. اهـ. أي دون: لم. وهو الصواب الذي يقتضيه السياق. والله أعلم. سُؤَدَّةُ الأَنْعَم ٤٥٢ الآية : ١٣٧ وفي اختيارٍ قد أضافوا المصدرا فصلانٍ في اضطرارٍ بعضُ الشعرا كقولِ بعضِ القائلين للرَّجز لفاعلٍ من بعد مفعولٍ حَجَزْ بالقاعِ فركَ القطنَ المحالجِ يفركُ حبَّ السنبلِ الكُنافجِ وكم لها من عاضدٍ وناصرٍ(١) وعمدتي قراءةُ ابن عامرٍ انتھی . وبعد هذا كلّه لو سلَّمنا أنَّ قراءةَ ابن عامر منافيةٌ لقياس العربية، لوجبَ قَبولها أيضاً بعد أنْ تحقَّق صحَّةُ نقلها، كما قُبلت أشياء نافت القياس مع أنَّ صحَّة نقلِها دونَ صحَّة القراءة المذكورة بكثير، وما ألطفَ قول الإمام، على ما حكاه عنه الجلال السيوطيُّ: وكثيراً ما أرى النحويين متحيِّرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهد في تقريره ببيتٍ مجهولٍ فرحوا به، وأنا شديدُ التعجُّبِ منهم؛ لأنَّهم إذا جَعلُوا ورود ذلك البيت المجهول على وَفْقه دليلاً على صحته، فَلَأنْ يجعلوا ورود القرآن به دليلاً على صحته كان أولى(٢). وممَّا ذكرنَا يُعلم ما في قول السّاكي: لا يجوز الفصلُ بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، ونحوُ قوله : بين ذِراعَيْ وجَبهةِ الأسدِ(٣) محمولٌ على حذفِ المضاف إليه من الأوَّل. ونحوُ قراءة مَن قرأ: ((قَتْلَ (١) شرح الكافية ص ٩٧٨، والرجز المذكور لأبي جندل الطهوي كما في شرح الشواهد الكبرى للعيني ٤٥٧/٣. والكنافج: هو الممتلئ، والقاع: المستوي من الأرض. والمحالج: جمع محلج، بكسر الميم؛ وهو الآلة التي يحلج بها القطن. (٢) تفسير الرازي ٩/ ٥٥ . (٣) هو عجز بيت، صدره: يا من رأى عارضاً أُسرُّ به وهو للفرزدق كما في الكتاب ١/ ١٨٠. قال عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب ٣١٩/٢: والعارض: السحاب الذي يعترض في الأفق ... والذراعان والجبهة من منازل القمر الثمانية والعشرين، فالذراعان أربعة كواكب، كلٌّ كوكبين منها ذراع. الآية : ١٣٧ ٤٥٣ سُورَةُ الأَنْعَل أولادَهم شركائهم)) - لاستنادِها إلى الثقات، وكثرة نظائرها، ومن أرادها فعليه بـ ((خصائص)) ابنِ جني(١) . محمولةٌ عندي على حذفِ المضاف إليه من الأول، وإضمار المضاف في الثاني، كما في قراءة مَن قرأ: ((والله يريد الآخرةِ)) [الأنفال: ٦٧] بالجر، أي: عَرَضَ الآخرة(٢). وما ذكرتُ وإنْ كان فيه نوعُ بعدٍ، إلّا أنَّ تخطئة الثقات والفصحاء أبعدُ(٣). اهـ. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ببناء ((زُيِّن)) للمفعول، ورَفْع ((قتلُ))، وجرِّ (أولادهم))، ورفع ((شركاؤهم))(٤) بإضمار فعلٍ دلَّ عليه ((زُيِّن)) كما في قوله: ليُبْكَ يزيدُ ضارِعٌ لِخصومةٍ ومختبٌ ممَّا تطيحُ الطوائحُ(٥) كأنَّه لما قيل: زُيِّن لهم قتلُ أولادهم، قيل: مَن زيَّنه؟ فقيل: زيَّنه شركاؤهم. ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أي: ليهلكُوهم بالإغواء ﴿وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أي: ليخلطُوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السلام حتى زالوا عنه إلى الشرك، أو: دينَهم الذي وجب أن يكونوا عليه. وقيل: المعنى: ليوقعوهم في دينٍ ملتبسٍ. واللام للتعليل إنْ كان التزيين من الشياطين؛ لأنَّ مقصودَهم من إغوائهم ليس إلَّا ذاك. وللعاقبة إنْ كان من السَّدَنة، إذ ليس محطّ نظرهم ذلك، لكنَّه عاقبته. ﴿وَلَوْ شَآءَ اللُّ﴾ أي: عدمَ فعلهم ذلك ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: ما فعل المشركون ما زُيِّن لهم من القتل، أو ما فعل الشركاء من التزيين أو الإرداء واللبس، أو ما فَعل الفريقان جميعَ ذلك، على إجراء الضمير المفرد مجرى اسم الإشارة. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾﴾ الفاء فصيحةٌ، أي: إذا كان ما كان بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءَهم، أو: وما يفترونَه من الكذب، ولا تبالِ بهم؛ فإنَّ فيما يشاء الله تعالى حِكماً بالغةً. وفيه من شدَّة الوعيد ما لا يخفى. (١) ٢ / ٤٠٧ . (٢) المحتسب ٢٨١/١. (٣) مفتاح العلوم لأبي يعقوب السكاكي ص١٢٩ - ١٣٠. (٤) وهي قراءة الحسن البصري وعبد الملك قاضي الجند صاحب ابن عامر. البحر المحيط ٤ /٢٢٩، والدرُّ المصون ١٧٧/٥. (٥) سلف ٣٦٩/٥. سُؤَدَّةُ الأَنْفَعَل ٤٥٤ الآية : ١٣٨ ﴿وَقَالُوا﴾ حكايةٌ لنوع آخر من أنواع كفرٍ أولئك الكفار، وقيل: تتمَّةٌ لما تقدَّم ﴿هَذِيةٍ﴾ أي: ما جعلوهَ لآلهتهم، والتأنيث للخبر ﴿أَنْعَمٌ وَحَرْثٌ﴾ أي: زرعٌ ﴿حِجْرٌ﴾ أي: ممنوع منها، وهو فعلٌ بمعنى مفعول - كالذِّبح - يستوي فيه الواحد والكثير، والذكر والأنثى؛ لأنَّ أصلَه المصدر، ولذلك وقع صفةً لـ ((أنعامٌ وحرث)). وقرأ الحسن وقتادة: ((حُجْر)) بضمِّ الحاء، وقُرِئَ(١) أيضاً بفتح الحاء وسكون الجيم، وبضمِّ الحاءِ والجيم معاً (٢). ويحتمل في هذا أنْ يكون مصدراً كالحُلُم، وأن يكون جمعاً، کسُقُف ورُهُن. وعن ابن عباس وابن الزبير ظلًّا: ((حرج)) بكسر الحاء، وتقديم الراء على الجيم (٣)، أي: ضيق، وأصلُه: ((حَرِج)) بفتح الحاء وكسر الراء. وقيل: هو مقلوبٌ من ((حجر))، كعَمِيق ومَعِیق . ﴿لَا يَطْعَمُهَا﴾ أي: يأكلها ﴿إِلَّ مَنْ ثَّشَآءُ﴾ يعنون - كما روي عن ابن زيد - الرجال دون النساء، وقيل: يعنون ذلك وخَدَمَ الأوثان. والجملة صفةٌ أخرى لـ ((أنعام وحرث)). وقوله سبحانه: ﴿بِزَعِْهِمْ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل ((قالوا)) أي: قالوا ذلك متلبِّسين بزعمهم الباطل من غير حجَّةٍ. ﴿وَأَنْعَهُ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، والجملة معطوفةٌ على قوله سبحانه: ((هذه أنعام)) إلخ، أي: قالوا مشيرين إلى طائفةٍ من أنعامهم: وهذه أنعامٌ. وقيل: إنَّ الإشارةَ أوَّلاً إلى ما جُعِل لآلهتهم السابق(٤)، وما بينهما كالاعتراض، وهذا عطفٌ على ((أنعام)) المتقدِّم، وإدخالُه فيما تقدَّم لأنَّ المراد به السوائب ونحوها، وهي بزعمهم تعتق وتُعفَى لأجل الآلهة. (١) في (م): وقرأ. (٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ٤١، وتفسير القرطبي ٩/ ٤٤، والبحر المحيط ٢٣١/٤. (٣) المحتسب ٢٣١/١، وتفسير الطبري ٥٧٩/٩، والبحر المحيط ٢٣١/٤. (٤) في الأصل: السابقة. الآية : ١٣٨ ٤٥٥ سُورَةُ الأَنْسَم ﴿حُرِّمَتْ﴾ أي: مُنِعت ﴿ُهُورُهَا﴾ فلا تُركَبُ، ولا يُحملُ عليها . ﴿وَأَتْعَهُ﴾ أي: وهذه أنعامٌ على ما مرَّ. وقوله سبحانه: ﴿لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ صفةٌ لـ ((أنعام)) مسوقٌ من قِبَلِه تعالى تعييناً للموصوف، وتمييزاً له عن غيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَئِلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] في رأيٍ، لا أنَّه واقعٌ في كلامهم المحكيِّ كنظائره، كأنَّه قيل: وأنعامٌ ذبحت على الأصنام فإنَّها التي لا يُذكرُ اسم الله تعالى عليها، وإنَّما يذكر عليها اسمُ الأصنام. وأخرج ابنُ المنذر وغيره عن أبي وائل أنَّ المعنى: لا يحجُّون عليها ولا يُلُبُّون(١). وعن مجاهد: كانت لهم طائفةٌ من أنعامهم لا يذكرونَ اسم الله تعالى عليها، ولا في شيءٍ من شأنها، لا إنْ ركبوا ولا إنْ حلبوا، ولا ولا . ﴿أَفْرَاءَ عَلَيَّةٍ﴾ أي: على الله سبحانه وتعالى، ونصب ((افتراء)) على المصدر؛ إمَّا على أنَّ قولهم المحكيّ بمعنى الافتراء، وإمَّا على تقدير عاملٍ من لفظه، أي: افتروا افتراءً، أو على الحال من فاعل ((قالوا)) أي: مفترين، أو على العلَّة، أي: للافتراء، وهو بعيدٌ معنّی. و((عليه)) قيل: متعلِّقٌ بـ ((قالوا)) أو بافتروا المقدَّرِ على الاحتمالين الأوَّلَين، وبـ ((افتراء)) على الاحتمالين الأخيرين. ولا يخفى بُعْدُ تعلُّقه بـ ((قالوا))، والذي دعاهم إليه ومنعَهم من تعلُّقه بالمصدر - على ما قيل - أنَّ المصدرَ إذا وقع مفعولاً مطلقاً لا يعمل؛ لعدم تقديره بأنْ والفعل. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ تأويلَه بذلك ليس بلازم لتعلُّق الجارِّ به، فإنَّه ممَّا يكفيه رائحةُ الفعل. وجَوَّزَ أبو البقاء(٢) أنْ يكونَ الجارُّ متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((افتراء))، أي: افتراءً كائناً عليه. ﴿َسَيَجْزِيهِمْ﴾ ولا بدَّ ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ١﴾ أي: بسببه، أو بدله، وأبهم ١٣٨ الجزاء للتهويل. (١) الدر المنثور ٤٨/٣، وأخرجه أيضاً الطبري ٥٨٢/٩. (٢) في الإملاء ٢/ ٦٤٣ . سُؤَةُ الأَنْعَم ٤٥٦ الآية : ١٣٩ ﴿وَقَالُوا﴾ حكايةٌ لفنٌّ آخر من فنون كفرهم: ﴿مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ﴾ يعنون به أجنَّةَ البحائر والسَّوائب، كما رُوي عن مجاهدٍ والسُّدِّيِّ. ورَوى ابنُ جرير وابنُ المنذر وغيرهما عن ابن عباس ◌ًِّا أنَّهم يعنونَ به الألبان(١). و ((ما)) مبتدأُ خبره قوله سبحانه: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ أي: حلالٌ لهم خاصةً، لا يَشْرَكُم فيه أحدٌ من الإناث. والتاءُ للنقل إلى الاسميَّة، أو للمبالغة، كراوية الشعر، أي: كثير الرواية له. أو لأنَّ الخالصةَ مصدرٌ - كما قال الفرَّاء(٢) - كالعافية، وقع موقعَ الخالص مبالغةً، أو بتقدير ((ذو))، وهذا مستفيضٌ في كلام العرب، تقول: فلانٌ خالصتي، أي: ذو خلوصي، قال الشاعر: كنت أميني وكنت خالصتي وليس كلُّ امرئٍ بمؤتمنٍ(٣) نعم قيل : مجيءُ المصدرِ بوزن فاعل وفاعلة قليل. وقيل: إنَّ التاء للتأنيث، بناءً على أنَّ ((ما)) عبارةٌ عن الأجِنَّة. والتذكير في قوله تعالى: ﴿وَمُحَزَّمُ عَلَىّ أَزْوَجِنَا﴾ - أي: على جنس أزواجنا، وهنَّ الإناث - باعتبار اللفظ. واستُبعِد ذلك بأنَّ فيه رعايةَ المعنى أوَّلاً واللفظِ ثانياً، وهو خلافُ المعهود في الكتاب الكريم من العكس. وادَّعى بعضٌ أنَّ له نظائر فيه؛ منها قوله تعالى: («كُلُّ ذلك كان سَيِّئَةً (٤) عند ربكَ مكروهاً)) [الإسراء: ٣٨] إذ أَنَّثَ فيه ضميرَ ((كل)) أوَّلاً؛ مراعاةً للمعنى، ثم ذَكَّرَ حملاً على اللفظ. وقيل: إنَّ((ما)) هنا جَارٍ على المعهود من رعاية اللفظ أوَّلاً؛ لأنَّ صلةَ ((ما)) جارٌّ ومجرور، تقديرُ متعلَّقِه استقرَّ لا استقرَّت. ولا وجهَ لذلك؛ لأنَّ المتعلَّق والضميرَ المستتر فيه لا يُعلم تذكيرُه وتأنيثه حتى يكون مُراعاةً لأحد الجانبين، والذي يقتضيه الإنصاف أنَّ الحملَ على اللفظ بعدَ المعنى قليلٌ، وغيرُه أولی ما وُجِد إليه سبيل. (١) تفسير الطبري ٩/ ٥٨٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٤٨/٣ . (٢) في معاني القرآن ٣٥٩/١. (٣) أورده بهذه الرواية الثعلبي في التفسير ٥٨٢/٢، والشهاب الخفاجي ١٢٩/٤، وأورده السمين في الدر المصون ١٨٣/٥ بلفظ: وكنت أمنيَّتي وكنت خالصتي. (٤) بفتح الهمزة مع التنوين على التأنيث، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢. الآية : ١٣٩ ٤٥٧ سُورَةُ الأَنْعَم وذكَّرَ بعضُهم أنَّ ارتكاب خلاف المعهود هاهنا لا يخلو عن لطفٍ معنويٌّ ولفظيٍّ؛ أمَّا الأوَّلُ فموافقةُ القولِ الفعلَ، حيث إنَّ المعهودَ من ذوي المروءة جبرُ قلوب الإناث لضعفهنَّ، ولذا يندبُ للرجل إذا أعطى شيئاً لولده أنْ يبدأ بإناثهم، وأمَّا الثاني فمراعاةُ ما يشبه الطّباق بوجهٍ بين ((خالصة)) و((ذكورنا))، وبين ((محرم)) و((أزواجنا)). وهو كما ترى. ﴿وَإِن يَكُنْ تَّيْنَةٌ﴾ عطفٌ على ما يُفهم من الكلام، أي: ذلك حلالٌ للذكور محرَّمٌ على الإناث إنْ وُلِدَ حِيّاً، وإنْ وُلِدت ميتةٌ ﴿فَهُمْ﴾ أي: الذكورُ والإناثُ ﴿فِيهِ﴾ أي: فيما في بطون الأنعام، وقيل: الضميرُ للميتة، إلّا أنَّه لما كان المرادُ بها ما يعمُّ الذَّكَرَ والأنثى، غُلِّبَ الذَّكَر، فذَكَّر الضمير كما فعل ذلك فيما قبله. ﴿شُرَكَاءٌ﴾ يأكلون منه جميعاً . وهذا الذي ذكر في هذه الشرطية إنَّما يظهر على القول الأوَّل في تفسير الموصول، وأمَّا على القول الثاني فيه فلا. ولعلَّ الذي يقول به يقرأ الآية بإحدى الأوجه الآتية، أو يتأوَّل الضمير. وقرأ الأعرج وقتادة: ((خالصةً)) بالنصب(١)، وخرِّجَ ذلك على أنَّه مصدرٌ مؤكّد، وخبرُ المبتدأ: ((لذكورنا)). وقال القطب الرازي: يجوزُ أنْ يكون حالاً من الضمير في الظرف الواقع صلةً، أي: في حالٍ خلوصه من البطون، أي: خروجه حيّاً، والتزمَ جعلها حالاً مقدَّرة، ولعلَّه ليس باللازم. ومنعَ غيرُ واحدٍ جعلَه حالاً من الضمير فيما بعدَه، أو من ((ذكورنا)) نفسه؛ لأنَّ الحال لا تتقدَّم على العامل المعنويّ، كالجارِّ والمجرور، واسم الإشارة، وهاء التنبيه العاملةِ بما تضمَّنته من معنى الفعل، ولا على صاحبها المجرور، كما تقرَّر في محلِّه. وقرأ ابنُ جبير: ((خالصاً)) بدون تاءٍ مع النصب أيضاً (٢)، والكلام فيه نظيرُ ما مرَّ. (١) البحر المحيط ٢٣١/٤. (٢) القراءات الشاذة ص ٤١، والمحتسب ٢٣٢/١. سُورَةُ الأَنْعَّل ٤٥٨ الآية : ١٣٩ وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود والأعمش: ((خالصُه)) بالرفع والإضافة إلى الضمير على أنَّه بدلٌ من ((ما))، أو مبتدأ ثانٍ(١). وقرأ ابنُ عامر وأبو جعفر: ((وإن تكن)) بالتاء ((ميتةٌ)) بالرفع، وابن كثير: ((يكن)) بالياء، ((ميتةٌ)) بالرفع، وأبو بكر عن عاصم ((تكن)) بالتاء كابن عامر، ((ميتةً)) بالنصب(٢) . قال الإمام: وجهُ قراءة ابن عامر أنَّه ألحقَ الفعلَ علامةَ التأنيث لمَّا كان الفاعلُ مؤنَّئاً في اللفظ، ووجهُ قراءة ابن كثير أنَّ ((ميتة)) اسمُ ((يكن))، وخبرُه مضمر، أي: إنْ يكن لهم أو هناك ميتةٌ، وذكَّر لأنَّ الميتة في معنى الميت. وقال أبو علي: لم يلحق الفعل علامة التأنيث؛ لأنَّ تأنيثَ الفاعل المسند إليه غيرُ حقيقيٍّ، ولا تحتاج كان إلى خبر؛ لأنَّها بمعنى: وقعَ وحدث. ووجهُ القراءة الأخيرة أنَّ المعنى: وإن تكن الأجنَّةُ أو الأنعامُ ميتةً(٣). ﴿َسَيَجْزِيِهِمْ﴾ ولا بدَّ ﴿وَصْفَهُمْ﴾ الكذبَ على الله تعالى في أمرٍ التحليل والتحريم، من قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] وهو - كما قال بعضُ المحقّقين - من بليغ الكلام وبديعه، فإنَّهم يقولون: وَصفَ كلامُه الكذب، إذا كذب، وعينُه تصفُ السحرَ، أي: ساحر، وقدُّه يصفُ الرشاقةَ، بمعنى رشيق. مبالغة، حتى كأنَّ مَن سمعَه أو رآه وصفَ له ذلك بما يشرحه له، قال المعريّ: فباتَ برامةٍ يصفُ الكلالا (٤) سرى برقُ المعرَّة بعدَ وَهْنٍ ونصب ((وصفهم)) - على ما ذهبَ إليه الزجَّاج ـ لوقوعه موقع مصدر (يجزيهم))، فالكلامُ على تقدير المضاف، أي: جزاءَ وصفهم(٥)، وقيل: التقديرُ: سيجزيهم العقابَ بوصفهم، أي: بسببه، فلمَّا سقط الباء، نصب ((وصفهم)). (١) القراءات الشاذة ص ٤١، والمحتسب ٢٣٢/١. (٢) التيسير ص ١٠٧، والنشر ٢٦٥/٢-٢٦٦. وشدد أبو جعفر الياء من ((ميتة)). (٣) تفسير الرازي ٢٠٨/١٣. وكلام أبي علي في الحجة ٤١٥/٣. (٤) في الأصل و(م): الملالا، والمثبت من شروح سقط الزند ٧٨/١، وحاشية الشهاب ١٣٠/٤، والكلام منه. ورامة: موضع وقوله: بعد وهن، أي: طائفة من الليل. (٥) معاني القرآن للزجاج ٢٩٥/٢. الآية : ١٤٠ ٤٥٩ سُورَةُ الأَنْسَم · تعليلٌ للوعد بالجزاء، فإنَّ الحكيمَ العليم بما صدر ﴿إِنَّهُ، حَكِيمٌ عَلِيمٌ ® عنهم لا يكادُ يتركُ جزاءهم الذي هو من مقتضيات الحكمة. واستُدِلَّ بالآية على أنَّه لا يجوزُ الوقفُ على أولادِه الذكور دونَ الإناث، وأنَّ ذلك الوقفَ يُفسَخُ ولو بعد موت الواقف؛ لأنَّ ذلك من فعل الجاهليَّة. واستدلَّ بذلك بعضُ المالكيَّةِ على مثل ذلك في الهبة. وأخرج البخاريُّ في ((التاريخ)) عن عائشةَ رَّه قالت: يعمِدُ أحدكم إلى المال فيجعلُه للذكور من ولده، إنْ هذا إلَّا كما قال الله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَزَّم عَلَىّ أَزْوَجِنَا﴾(١). ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ﴾ وهم العربُ الذين كانوا يقتلون أولادهم على ما مرَّ، وأخرجَ ابن المنذر عن عكرمة أنَّها نزلت فيمَن كان يئدُ البنات من ربيعة ومضر(٢). أي: هلكت نفوسُهم باستحقاقهم على ذلك العقابَ، أو ذهب دينُهم ودنياهم. وقرأ ابنُ كثير وابن عامر: ((قتَّلوا)) بالتشديد(٣) لمعنى التكثير، أي: فعلوا ذلك كثيراً . ﴿َسَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: لخفَّةِ عقلهم، وجَهْلِهِم بصفات ربِّهم سبحانه. ونصب ((سفهاً)) على أنَّه علَّةٌ لـ ((قتلوا))، أو على أنَّه حالٌ من فاعله، ويؤيِّده أنَّه قُرِئ (سفهاء))(٤)، أو على المصدريَّة لفعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه الكلام. والجارُّ والمجرور إمَّا صفةٌ أو حال. ﴿وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَّهُمُ اللَّهُ﴾ من البحائرِ والسوائب ونحوهما ﴿اُفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِ﴾ نصب على أحد الأوجُه المذكورة، وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمار؛ لإظهار كمال عتوِّهم وطغيانهم. (١) التاريخ الكبير ٤/ ٧. (٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤٨/٣ لابن المنذر وأبي الشيخ. (٣) التيسير ص٩٣، والنشر ٢٤٣/٢. (٤) القراءات الشاذة ص ٤١، والبحر المحيط ٢٣٤/٤. سُورَةُ الأَنْقَل ٤٦٠ الآية : ١٤١ ﴿قَدْ ضَلُواْ﴾ عن الطريق السويِّ ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾﴾ إليه وإن هُدُوا بفنون الهدايات، أو: ما كانوا مهتدين من الأصل، والمرادُ المبالغةُ في نفي الهداية عنهم؛ لأنَّ صيغةَ الفعل تقتضي حدوثَ الضلال بعد أنْ لم يكن، فأردفَ ذلك بهذه الحال؛ لبيان عراقتهم في الضَّلال، وأنَّ ضلالهم الحادث ظلماتٌ بعضُها فوق بعض. وصرَّح بعض المحقِّقين بأنَّ الجملة عطفٌ على ((ضَلُّوا)) على الأوَّل، واعتراضٌ على الثاني. وقرأ أبو رزين: ((قد ضلُّوا قبلَ ذلك وما كانوا مهتدين))(١). ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَنشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ﴾ تمهيدٌ لما سيأتي من تفصيل أحوال الأنعام. وقال الإمام: إنَّه عودٌ إلى ما هو المقصودُ الأصليُّ؛ وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد(٢). أي: وهو الذي خلق وأظهرَ تلك الجنات من غير شركةٍ لأحد في ذلك بوجه من الوجوه. والمعروشات من الكَرْم: ما يُحمَلُ على العريش، وهو عيدانٌ تصنعُ كهيئة السقف ويوضعُ الكرم عليها . ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ﴾ وهي الملقياتُ على وجه الأرض من الكرم أيضاً، وهذا قول من قال: إنَّ المعروشات وغيرها كلاهما للكرم. وعن أبي مسلم أنَّ المعروشَ ما يحتاجُ إلى أنْ يُتَّخذَ له عريشٌ يُحملُ عليه فيمسكه، من الكرم وما يجري مجراه. وغيرَ المعروش هو القائمُ من الشجر المستغني باستوائه وقوَّة ساقه على التعريش. وفي رواية عن ابن عباس ﴿ه: أنَّ المعروشَ ما يحصلُ في البساتين والعمرانات ممَّا يغرسُه الناس، وغيرَ المعروش ما نبتَ في البراري والجبال. وقيل: المعروشُ العنبُ الذي يُجعلُ له عريش، وغيرُ المعروش كلُّ ما نبت منبسطاً على وجه الأرض، مثل القرع والبطيخ. (١) أخرج هذه القراءة أبو الشيخ كما في الدر المنثور ٤٨/٣، وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف. (٢) تفسير الرازي ٢١٠/١٣.