Indexed OCR Text

Pages 361-380

الآية : ١٠٥
٣٦١
سُورَةُ الأَنْعَل
وأصلُ التصريفِ كما قال عليُّ بن عيسى: إِجراءُ المعنى الدائرِ في المعاني
المتعاقبةِ، من الصَّرف، وهو نقلُ الشيءٍ من حالٍ إلى حال. وقال الراغب(١):
التصريفُ كالصَّرف إلَّا في التكثير، وأكثرُ ما يقال في صرف الشيءٍ من حال إلى
حالٍ وأمرٍ إلى أمر.
﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ علَّة لفعلٍ قد حُذف تعويلاً على دلالة السِّياق عليه، أي:
وليقولوا درستَ نفعلُ ما نفعل من التصريف المذكور. وبعضُهم قدَّر الفعلَ ماضياً،
والأمرُ في ذلك سهل. واللام لامُ العاقبة. وجوِّز أن تكونَ للتعليل على الحقيقة؛
لأنَّ نزول الآياتِ لإِضلال الأشقياءِ وهدايةِ السُّعداء، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ،
كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]. والواو اعتراضيةٌ.
وقيل: هي عاطفةٌ على علَّة محذوفة، واللامُ متعلّقة بـ ((نصرِّف)) أي: مثلَ ذلك
التصريفِ نصرِّف الآياتِ لتلزمَهم الحجَّة وليقولوا .. إلخ. وهو أَوْلى من تقدير:
لينكروا وليقولوا .. إلخ.
وقيل: اللامُ لامُ الأمر. ويَنصره القراءةُ بسكون اللَّام(٢)، كأنه قيل: وكذلك
نصرِّف الآياتِ ولْيقولوا هم ما يقولون؛ فإنَّهم لا احتفالَ بهم ولا اعتدادَ بقولهم.
وهو أمر معناه الوعيدُ والتهديد وعدمُ الاكتراث.
وردَّه في ((الدُّرّ المصون))(٣) بأنَّ ما بعده يأباه؛ فإنَّ اللامَ فيه نصٌّ في أنَّها لامُ
كي، وتسكينُ اللام في القراءة الشاذَّة لا دليلَ فيه؛ لاحتمال أن يكونَ للتخفيف.
ومعنى ((درست)): قرأتَ وتعلَّمت، وأصلُه ــ على ما قال الأصمعيُّ - من
قولهم: درس الطعامَ يدرسه دِراساً: إذا داسه، كأنَّ التالي يدوس الكلامَ فيخفُّ
على لسانه.
وقال أبو الهيثم: يقال: درستُ الكتاب، أي: ذلَّلته بكثرة القراءةِ حتى خفَّ
حفظُه، من قولهم: دَرَسْتُ الثوبَ أَدْرسه درساً، فهو مدروسٌ ودَريس، أي:
(١) في المفردات (صرف).
(٢) البحر المحيط ٤ / ١٩٧.
(٣) ٥/ ٩٥.

سُؤَةُ الأَنْعَهُ
٣٦٢
الآية : ١٠٥
أُخْلَقْتُه، ومنه قيل للثّوب الخَلَق: دريس؛ لأنَّه قد لان، والدُّرْسة: الرِّياضة، ومنه:
دَرَسْتُ السورةَ حتى حفظتها. وهذا - كما قال الواحديُّ(١) - قريبٌ مِمَّا قاله
الأصمعيُّ، أو هو نفسُه؛ لأنَّ المعنى يعود فيه إلى التَّذليل والتليين.
وقال الراغب(٢): يقال: درس الدارُ، أي: بقي أثرُه، وبقاءُ الأثرٍ يقتضي
انمحاءَه في نفسه؛ فلذلك فسِّر الدُّروس بالانمحاء، وكذا دَرَسَ الكتابُ، ودرست
العلم: تناولت أَثرَه بالحفظ، ولَمَّا كان تناولُ ذلك بمداومة القراءةِ عبِّر عن إِدامة
القراءةِ بالدَّرس، وهو بعيدٌ عما تقدَّم كما لا يخفى.
وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عَمرٍو: ((دارسْتَ)) بالألف وفتح التاء(٣)، وهي قراءةُ ابن
عباسٍ ومجاهدٍ، أي: دارستَ يا محمدُ غيرَك مِمَّن يعلم الأخبارَ الماضية وذاكرته،
وأرادوا بذلك نحوَ ما أَرادوه بقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
قال الإمام(٤): ويقوِّي هذه القراءةَ قولُه تعالى حكايةً عنهم: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْكُ
أَفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونٌَ﴾ [الفرقان: ٤].
وقرأ ابنُ عامٍ ويعقوبُ وسهل: ((درسَتْ)) بفتح السينِ وسكونِ التاءُ(٥). ورُويت
عن عبد الله بنِ الزبير وأبيٍّ وابنٍ مسعود والحسنِ ﴿ه. والمعنى: قَدُمت هذه
الآياتُ وعَفَت، وهو كقولهم: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥].
وَقُرئ: ((دَرُسَتْ)) بضمِّ الراءِ مبالغةً في دَرَسَتْ، لأنَّ فعلَ المضمومِ للطّبائع
والغرائز، أي: اشتدَّ دروسُها .
و(دُرِسَتْ)) على البناءِ للمفعول بمعنى قُرئت، أو عفيت. وقد صحَّ مجيءُ عفا
متعدِّياً كمجيئه لازماً .
(١) كما في تفسير الرازي ١٣٥/١٣، وعنه نقل المصنف قول الأصمعي وأبي الهيثم.
(٢) في المفردات (درس).
(٣) التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦١/٢.
(٤) في التفسير الكبير ١٣٥/١٣.
(٥) التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦١/٢. وقراءة سهل في مجمع البيان ١٥٣/٧.

الآية : ١٠٥
٣٦٣
سُورَةُ الأَنْتَعَل
و((دارَسَتْ)) بتاء التأنيثِ أيضاً. والضمير إمَّا لليهود؛ لاشتهارهم بالدِّراسة، أي:
دارَسَت اليهودُ محمداً بَّهِ، وإمَّا للآيات، وهو في الحقيقةِ لأهلها، أي: دارست
أهلُ الآيات وحَمَلَتُها محمداً عليه الصلاة والسلام، وهم أهلُ الكتاب.
و((دورسَتْ)) على مجهولٍ فاعل.
و((دُرِّستَ)) بالبناء للمفعول والإسنادِ إلى تاء الخطابِ مع التشديد. ونُسبت إلى
ابن زيد .
و((ادَّارِسَتْ)) مشدّداً معلوماً، ونُسبت إلى ابن عباس.
وفي روايةٍ أُخرى عن أُبيِّ ((دَرَسَ)) على إِسناده إلى ضمير النبيِّ وَّرِ، أو الكتابِ
إن کان بمعنی انمحَی ونحوه.
و((درسنَ)) بنون الإِناث مخفَّفاً ومشدّداً.
و((دارساتٌ)) بمعنى قديمات، أو ذاتُ درس أو دروسٍ، كـ ﴿عِيشَةٍ زَِّيَةٍ﴾
[القارعة: ٧] وارتفاعُه على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هي دارسات(١).
﴿وَلِنُبِيِّنَهُ﴾ عطفٌ على ((ليقولوا)) واللامُ فيه للتعليل المفسَّرِ ببيان ما يدلُّ على
المصلحة المترتّبةِ على الفعل عند الكثير من أهل السُّنَّة. ولا ريبَ في أنَّ التبيينَ
مصلحةٌ مرتَّبة على التصريف. والخلافُ في أنَّ أفعال اللهِ تعالى هل تعلَّل بالأَغراض
مشهورٌ، وقد أشرنا إليه فيما تقدَّم (٢).
والضميرُ للآيات باعتبار التأويلِ بالكتاب، أو للقرآن وإنْ لم يُذكَر؛ لكونه
معلوماً، أو لمصدر ((نصرف)) أو نبيِّن، أي: ولَنفعلنَّ التبيينَ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
﴾
٨٠٥
فإنَّهم المنتفعون به، وهو الوجهُ في تخصيصهم بالذِّكر. وهم - على ما رُوي عن ابن
عباس - أولياؤه الذين هداهم إلى سبيل الرَّشاد، ووصفهم بالعلم، للإِيذان بغاية
جهلٍ غيرهم وخلوِّهم عن العلم بالمرَّة.
(١) انظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ٤٠، والمحتسب ٢٢٥/١، والكشاف ٤٢/٢،
والبحر ٤ / ١٩٧.
(٢) ٢١١/٥ فما بعد.

سُؤَةُ الأَنْعَ
٣٦٤
الآية : ١٠٦ - ١٠٧
﴿أَّعْ مَآ أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن زَّيِّكَ﴾ أي: دُم على ما أنتَ عليه من التديُّن بما أُوحي
إليك من الشَّرائع والأحكام التي عُمدتُها التوحيد. و[في](١) التعرُّض لعنوان الربوبية
مع الإِضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من إِظهار اللطفِ به ◌َِّ ما لا يخفَى.
والجارُّ والمجرور يجوز أن يكونَ متعلِّقاً بـ ((أوحي)) وأن يكونَ حالاً من ضمير
المفعولِ المرفوعِ فيه، وأن يكونَ حالاً من مرجعه.
وقولُه سبحانه: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يحتمل أن يكونَ اعتراضاً بين المعطوفِ
والمعطوفِ عليه أُكِّد به إيجابُ الاتباع لاسيَّما في أمر التوحيد. وجوَّز أبو البقاءِ(٢)
وغيرُه أن يكونَ حالاً مؤكّدة من ((ربك)) أي: منفرداً في الأُلوهية.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ أي: لا تعتذَّ بأقاويلهم الباطلةِ التي من جملتها
ما حُكي عنهم آنفاً، ولا تبالِ بها، ولا تلتفت إلى أذاهم. وعلى هذا فلا نسخَ في
الآية. وروي عن ابن عباسٍ ﴿ّ أنها منسوخةٌ بآية السيف، فيكون الإِعراضُ
محمولاً على ما يعمُّ الكفّ عنهم.
﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ﴾ عدمَ إشراكِهم ﴿مَا أَشْرَكُواْ﴾ وهذا دليلٌ لأهل السنَّة على أنَّه
تعالى لا يريد إيمانَ الكافر، لكن لا بمعنى أنَّه تعالى يمنعه عنه مع توجُّهه إلیه، بل
بمعنى أنَّه تعالى لا يريده منه لسوءِ اختيارِه الناشئ من سوء استعدادِه.
والجملة اعتراضٌ مؤكِّد للإِعراض، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ
حَفِيظٌ﴾ أي: رقيباً مهيمناً من قِبَلنا تحفظ عليهم أعمالَهم، وكذا قولُه سبحانه:
﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلِ (٦) من جهتهم تقوم بأمرهم وتدبِّر مصالحهم.
وقيل: المراد: وما جعلناك عليهم حفيظاً تصونُهم عمَّا يضرُّهم، وما أنت
عليهم بوكيلٍ تجلب لهم ما ينفعُهم.
و((عليهم)) في الموضعين متعلّق بما بعده، قدِّم عليه للاهتمام به، أو لرعاية
الفواصل.
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٧١/٣، والكلام منه.
(٢) في الإملاء ٦١٦/٢ .

الآية : ١٠٨
٣٦٥
سُورَةُ الأَنْدَعا
﴿وَلَا تَسُبُّواْ أَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ﴾ أي: لا تَشْتِموهم ولا تَذكُروهم
بالقبيح، والمرادُ من الموصول إمَّا المشركون، على معنى: لا تسبُّوهم من حيث
عبادتُهم لآلهتهم، كأن تقولوا: تبًّا لكم ولِمَا تعبدونه، مثلاً. أو آلهتُهم، فالآ يةُ
صريحة في النهي عن سبِّها، والعائد حينئذٍ مقدَّر، أي: الذين يدعونهم، والتعبيرُ
عنها بـ ((الذين)) مبنيٌّ على زعمهم أنَّها من أهل العلم، أو على تغليب العقلاءِ منها،
كالملائكة والمسيحِ وعُزَير عليهم الصلاة والسلام.
وقيل: إن سبَّ الآلهة سبٌّ لهم، كما يقال: ضَرْبُ الدابَّة صفعٌ لراكبها .
﴿فَيَسُبُواْ اللَّهَ عَدْوًا﴾ تجاوزاً عن الحقِّ إلى الباطل، ونصبُه على أنه حالٌ مؤكِّدة.
وجوَّز أبو البقاء(١) أن يكونَ على أنه مفعولٌ له، وأن يكونَ على المصدريَّة من غير
لفظِ الفعل.
و((يسبوا)) منصوبٌ على جواب النَّهي. وقيل: مجزومٌ على العطف، كقولهم:
لا تَمدُدْها فتشقُقْها.
ومعنى سبِّهم لله عزَّ وجلَّ إفضاءُ كلامِهم إليه، كشتمهم له بَّر ولمن يأمره، وقد
فسِّر ﴿ِغَيْرِ عِلَّمْ﴾ بذلك، أي: فيسبُوا اللهَ تعالى بغير علم أنَّهم يسبُّونه، وإلَّا فالقومُ
كانوا يُقرُّون بالله تعالى وعظمتِه، وأنَّ آلهتهم إنَّما عبدوّها لتكونَ شفعاءَ لهم عنده
سبحانه، فکیف یسُّونه؟
ويحتمل أن يرادَ سبُّهم له عزَّ اسمه صريحاً، ولا إِشكال، بناءً على أنَّ الغضب
والغيظَ يَحملهم على ذلك، أَلَا ترى أنَّ المسلم قد تحمله شدةُ غيظِه على التكلُّم
بالكفر. ومِمَّا شاهدناه أنَّ بعض جهلةِ العوامِّ أكثرَ الرافضةُ سبَّ الشيخين ◌ِيًّا عنده،
فغاظه ذلك جدًّا، فسبَّ عليًّا كرَّم الله تعالى وجهَه، فسئل عن ذلك، فقال: ما أردتُ
إلَّا إغاظتَهم، ولم أرَ شيئاً يَغيظهم مثلَ ذلك. فاستُيب عن هذا الجهلِ العظيم.
وقال الراغب(٢): إنَّ سبَّهم الله تعالى ليس أنهم يسبُّونه جلَّ شأنه صريحاً، ولكن
يخوضون في ذكره تعالی ويتمادَون في ذلك بالمجادلة، ويزدادون في وصفه سبحانه
(١) في الإملاء ٦١٨/٢.
(٢) في المفردات (سبب).

سُورَةُ الأَنْعَل
٣٦٦
الآية : ١٠٨
بما ينزَّه تقدَّس اسمُه عنه، وقد يُجعل الإِصرارُ على الكفر والعنادِ سبًّا، وهو سبٌّ
فعليٌّ، قال الشاعر:
بأن سُبَّ منهم غلامٌ فَسَبّ
وما كان ذنبُ بني مالكٍ
يَقدُّ العِظامَ ويَبري العَصَبْ(١)
بأبيضَ ذي شُطّبٍ قاطعٍ
ونبّه به على ما قال الآخَر :
ونشتم بالأفعال لا بالتكلُّمِ(٢)
وقيل: المرادُ بسبِّ الله تعالى سبُّ الرسول وَّةِ، ونظيرُ ذلك من وجهٍ قولُه
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ الآية [الفتح: ١٠].
وقرأ يعقوبُ: ((عُدُوًّا))(٣) يقال: عدا فلانٌ يعدو عَدْواً وعُدُوًّا وعُدواناً.
أخرج ابنُ أبي حاتمٍ (٤) عن السُّدِّي قال: لما حضر أبا طالبِ الموتُ قالت
قريشٌ: انطلقوا فْندخل على هذا الرجلِ فَلْنأمره أن ينهَى عنَّا ابنَ أخيه، فإنَّا نستحي
أن نقتله بعد موتِهِ فتقول العربُ: كان يمنعه فلمَّا مات قتلوه، فانطلق أبو سفيانَ،
وأبو جهلٍ، والنَّضرُ بن الحارث، وأميةٌ وأبيٌّ ابنا خلف، وعقبة بن أبي مُعَيط،
وعَمرُو بن العاص، والأسودُ بن البَخْتَريِّ إلى أبي طالب، فقالوا: أنت كبيرُنا
وسيِّدنا، وإنَّ محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحبُّ أن تدعوَه فتنهاه عن ذِكر آلهتنا،
ولَنَدَعنَّه وإلهَه. فدعاه، فجاء النبيُّ ◌ََّ، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومُك وبنو
عمِّك، فقال رسولُ اللهِ وَّرِ: ((ماذا تريدون؟)) قالوا: نريد أن تَدَعَنا وآلهتَنا وندعَك
(١) مفردات القرآن، والبيتان لذي الخُرَق الظُّهَوي، كما في المعاني الكبير ١٠٨٧/٢، وذيل
الأمالي والنوادر ص ٥٤، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص١٧٢، واللسان (سبب). وقوله:
سُبَّ. أي: عيِّر بالبخل، فسبَّ عراقيب إبله أنفةً مما عير به. وشُطَبُ السيف: طرائقه التي
في متنه.
(٢) المفردات، والصناعتين ص٥٥ دون نسبة، وهو في عيون الأخبار ١٧٨/٢ منسوباً لإياس بن
قتادة، وفي شرح الحماسة للتبريزي ٢/ ٩٢ لمعبد بن علقمة. وصدر البيت:
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا
(٣) النشر ٢٦١/٢.
(٤) في تفسيره ٤/ ١٣٦٧.

الآية : ١٠٨
٣٦٧
سُورَةُ الأَنْعَم
وإِلهك، فقال أبو طالب: قد أنصفكَ قومُك فاقبل منهم، فقال رسولُ الله وَليّةٍ:
((أرأيتكم إن أعطيتُكم هذا، هل أنتم معطيَّ كلمةً إن تكلَّمتم بها ملكتم العربَ ودانت
لكم بها العجمُ؟)) قال أبو جهل: نعم لَنُعْطِيَنَّكها وأَبيك وعشرَ أمثالها، فما هي؟
قال: ((قولوا: لا إلهَ إلا الله)) فأبَوا واشمأزُّوا، فقال أبو طالبٍ: قل غيرَها يا ابنَ
أخي، فإنَّ قومَك قد فزعوا منها، فقال ◌َّرَ: ((يا عمِّ، ما أنا بالذي أقول غيرَها،
ولو أتَوني بالشَّمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرَها)) فقالوا: لَتكُفَّنَّ عن شتمك
آلهتنا أو لَنشتمتَّك ولَنشتمنَّ مَن يأمرك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأخرج ابن جَريرٍ (١) وابنُ المنذر وابنُ مردويه عن ابن عباسٍ أنَّه قال: قالوا:
يا محمد، لَتنتهِينَّ عن سبِّك آلهتنا أو لَنهجونَّ ربَّك، فنهاهم اللهُ تعالى أن يسبُّوا
أوثانَھم.
وفي روايةٍ عنه أنَّهم قالوا ذلك عند نزولٍ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
مِن دُنِ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] نزلت: ﴿وَلَا تَسُبُوا﴾ إلخ.
واستُشكل ذلك بأنَّ وصف آلهتهم بأنَّها حصبُ جهنمَ وبأنها لا تضرُّ ولا تنفع
سبٌّ لها، فكيف نُهي عنه بما هنا؟ وأُجيب: بأنَّهم إذا قصدوا بالتِّلاوة سبَّهم
وغيظَهم، يستقيم النهيُ عنها ولا بِدعَ في ذلك، كما يُنْهَى عن التِّلاوة في المواضع
المكروهة.
وقال في ((الكشف)): المعنى على هذه الرواية: لا يقع السبُّ منكم بناءً على
ما ورد في الآية فيصير سبباً لسبِّهم.
وقيل: ما في الآية لا يُعَدُّ سبًّا؛ لأنه ذِكر المساوي لمجرَّد التحقيرِ والإِهانة،
وما فيها إنَّما ورد للاستدلالِ على عدم صلوحِها للأُلوهية والمعبوديَّة. وفيه تأمُّل.
وقريبٌ منه ما قيل: إنَّ النَّهي في الحقيقة إنَّما هو عن العدول عن الدَّعوة إلى
السبِّ، كأنه قيل: لا تَخرجوا من دعوة الكفَّار ومحاجَّتهم إلى أن تسبُّوا ما يعبدونه
من دون اللهِ تعالى؛ فإنَّ ذلك ليس من الحِجَاج في شيءٍ، ويجرُّ إلى سبِّ اللهِ عزَّ
وجلَّ.
(١) في تفسيره ٩/ ٤٨٠، وابن أبي حاتم ١٣٦٦/٤.

سُورَةُ الأَنْعَل
٣٦٨
الآية : ١٠٨
واستُدلَّ بالآية على أنَّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحةٍ، وجب تركُها، فإنَّ
ما يؤدّي إلى الشرِّ شرٌّ، وهذا بخلاف الطاعةِ في موضع فيه معصيةٌ لا يُمكن دفعُها،
وكثيراً ما يشتبهان، ولذا لم يَحضر ابنُ سيرين جنازةً اجتمع فيها الرجالُ والنساء،
وخالفه الحسنُ قائلاً: لو تركنا الطاعةً لأجل المعصية لأَسرع ذلك في ديننا؛ للفرق
بينهما .
ونقل الشِّهاب(١) عن المقدسيِّ(٢) في ((الرمز)) أنَّ الصحيحَ عند فقهائنا أنَّه
لا يُترك ما يطلب لمقارنةٍ بدعة، كترك إجابة دعوةٍ لما فيها من الملاهي، وصلاةٍ
جنازةٍ لنائحة، فإن قَدَرَ على المنعِ مَنَعَ، وإلَّا صبر، وهذا إذا لم يُقتدَ به، وإلّا
لا يقعد؛ لأنَّ فيه شَينَ الدِّين. وما رُوي عن أبي حنيفةَ رَُّهُ أنَّه ابتُلي به(٣)، كان
قبلَ صيرورته إماماً يقتدى به.
ونَقَلَ عن أبي منصورٍ(٤) أنَّه قال: كيف نهانا اللهُ تعالى عن سبٍّ مَن يستحقُّ
السبَّ لئلا يُسَبَّ مَن لا يستحقُّه وقد أَمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قتلونا، وقتلُ
المؤمنِ بغير حقِّ منكر، وكذا أَمر النبيَّ وَّ بالتبليغ والتِّلاوةِ عليهم وإنْ كانوا
يكذّبونه؟ وأنَّه أجاب: بأن سبَّ الآلهةِ مباحٌ غيرُ مفروض؛ وقتالهم فرض، وكذا
التبليغُ، وما كان مباحاً يُنهَى عمَّا يتولَّد منه ويحدث، وما كان فرضاً لا يُنهَى عمَّا
يتولَّد منه؛ وعلى هذا يقع الفرقُ لأبي حنيفةَ رَُّه فيمن قطع يدَ قاطعٍ قصاصاً فمات
منه، فإنَّه يضمن الديةَ؛ لأنَّ استيفاءَ حقٌّه مباح، فأُخذ بالمتولِّد منه، وَالإِمامُ إذا قطع
يدَ السارق فمات، لا يضمن؛ لأنَّه فرضٌ عليه، فلم يؤخذ بالمتولِّد منه. اهـ. ومِن
هنا لا تُحمل الطاعةُ فيما تقدَّم على إِطلاقها .
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك التزيينِ القويِّ ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُنَّةٍ﴾ من الأُمم ﴿عَلَهُمْ﴾
من الخير والشرِّ، بإحداث ما يمكِّنهم منه ويحملهم عليه، توفيقاً أو تخذيلاً. وجوِّز
(١) في حاشيته ١١٢/٤.
(٢) هو العلامة علي بن غانم المقدسي الحنفي شيخ الشهاب الخفاجي. خلاصة الأثر ٣٣٢/١.
(٣) يشير إلى قول أبي حنيفة: ابتليت بهذا مرة فصبرت هداية. حاشية ابن عابدين ٣٤٨/٦.
وينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٦) من سورة لقمان.
(٤) كلامه في تأويلات أهل السنة ١٥٩/٢ .

الآية : ١٠٩
٣٦٩
سُورَةُ الأَتْعَل
أن يرادَ بكلِّ أمةٍ أممُ الكفر؛ إذ الكلامُ فيهم، وبعملهم شرُّهم وفسادهم، والمشبَّه به
تزيينُ سبِّ اللهِ تعالی شأنُه لهم.
واستُدلَّ بالآية على أنَّه تعالى هو الذي زيَّن للكافر الكفرَ كما زيَّن للمؤمن
الإِيمان. وأَنكر ذلك المعتزلةُ، وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم، فتأوَّلوا الآيةَ بما
لا یخفَی ضعفه.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ﴾ مالكِ أمرهم ﴿تَّرْجِمُهُمْ﴾ أي: رجوعُهم ومصيرُهم بالبعث بعد
الموت ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ من غيرِ تأخير ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ في الدنيا على الاستمرار
من خيرٍ أو شرِّ، وذلك بالثَّواب على الأوَّل والعقابِ على الثاني، فالجملةُ للوعد
والوعيد .
وفسَّر بعضُهم ((ما)) بالسيِّئات المزيَّنة لهم، وقال: إنَّ هذا وعيدٌ بالجزاء
والعذاب، كقول الرجلِ لمن يتوعَّده: سأُخبرك بما فعلتَ.
﴿وَأَقْسَمُوا﴾ أي: المشركون ﴿بَلَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ أي: جاهدين فيها. فـ ((جهد))
مصدرٌ في موضع الحال. وجوِّز أن يكونَ منصوباً بنزع الخافض، أي: أَقسموا
بجهد أَيمانهم، أي: أَوكدِها.
وهو بفتح الجيم وضمِّها في الأصل بمعنى الطاقةِ والمشقّة. وقيل: بالفتح:
المشقّة، وبالضمِّ: الوُسع. وقيل: ما يجهد الإنسانَ. والمعنى هنا على ما قال
الراغب(١): أنَّهم حلفوا واجتهدوا في الحَلِف أنْ يأتوا به على أَبلغٍ ما في
وُسعهم.
﴿لَيْن ◌َآءَتْهُمْ ءَايٌَّ﴾ مِن مقترحاتهم، أو من جِنس الآيات. ورجّحه بعض
المحقّقين بأنَّه الأنسبُ بحالهم في المكابرة والعِناد، وترامي أمرِهم في العتوِّ
والفساد، حيث كانوا لا يَعدُّون ما يشاهدونه من المعجزات القاهرةِ من جنس
الآيات، فاقترحوا غيرَها ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَاْ﴾، وما كان مرمَى غرضِهم إلَّ التحكّم على
رسول اللهِ رَّ في طلب المعجزة، وعدم الاعتدادِ بما شاهدوا منه عليه الصلاة
والسلام من البيِّنات.
(١) في المفردات (جهد).

سُؤَدَةُ الأَنْسَعَّ
٣٧٠
الآية : ١٠٩
والباء صِلةُ الإِيمان، والمرادُ من الإِيمان بها التصديقُ بالنبيِّ نَّهِ. وَجَعْلُها
للسبيَّة على معنى: لَيؤمنُنَّ بك بسببها، خلافُ الظاهر.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ﴾ أي: كلُّها، فيدخل ما اقترحوه فيها دخولاً أوليًّا ﴿يعِندَ اللّهِ﴾
أي: أمرُها في حكمه وقضائه خاصَّة، يتصرَّف فيها حسب مشيئته المبنيّة على الحِكم
البالغة، لا تتعلَّق بها قدرةُ أحدٍ ولا مشيتُه، استقلالاً ولا اشتراكاً، بوجهٍ من الوجوه،
حتى يُمكِنَني أن أتصدَّى لإِنزالها بالاستدعاء. وهذا كما ترى سدٌّ لباب الاقتراح.
وقيل: إنَّ المعنى: إنَّما الآياتُ عند اللهِ لا عندي، فكيف أُجيبكم إليها أو آتيكم
بها؟ أو المعنى: هو القادرُ عليها لا أنا حتى آتيَكم بها .
واعترض ذلك شيخُ الإِسلام(١) بعد أن اختار ما قدَّمناه بأنَّه لا مناسبةً له
بالمقام، كيف لا وليس مقترحُهم مجيئَها بغير قدرةِ الله تعالى؟ فتدبّر.
روي أنَّ قريشاً اقترحوا بعضَ آيات، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((فإنْ فعلتُ بعضَ
ما تقولون أتصدِّقونني؟)) فقالوا: نعم، وأَقسموا لَئن فعلتَه لَنؤمننَّ جميعاً، فسأل
المسلمون رسولَ الله وَّر أن ينزلَها طمعاً في إيمانهم، فهمَّ عليه الصلاة والسلام
بالدُّعاء، فنزلت.
وأخرج ابن جَريرٍ (٢) عن محمد القرظيِّ قال: كلَّم رسولُ اللهِ وَلِ قريشاً،
فقالوا: يا محمد، تُخبرُنا أنَّ موسى عليه السلام كان معه عصًا يضرب بها الحجر،
وأنَّ عيسى عليه السلام كان يُحيي الموتى، وأنَّ ثمود كانت لهم ناقة، فأتِنا ببعض
تلك الآياتِ حتى نصدِّقَك، فقال رسولُ الله وَّر: ((أيُّ شيءٍ تحبُّون أن آتيكم به؟))
قالوا: تحوَّل لنا الصَّفا ذهباً، قال: ((فإنْ فعلت تصدّقوني؟)) قالوا: نعم، واللهِ لَئن
فعلتَ لَنتبعنَّك أجمعين، فقام رسولُ الله عليه الصلاة والسلام يدعو، فجاءه جبريلُ
عليه السلام فقال: إن شئتَ أصبح الصَّفا ذهباً، فإن لم يصدِّقوا عند ذلك لَنعذبنَّهم،
وإن شئتَ فاترُكُهم حتى يتوبَ تائبُهم، فقال وَّر: ((أَتركهم حتى يتوبَ تائبهم))
فأنزل اللهُ تعالى هذه الآيةَ إلى ((يجهلون)).
(١) في إرشاد العقل السليم ١٧٢/٣ - ١٧٣.
(٢) في تفسيره ٩/ ٤٨٥-٤٨٦.

الآية : ١٠٩
٣٧١
سُورَةُ الأَنْفَعَل
كلامٌ مستأنَف غيرُ داخلٍ تحت
١٠٩
﴿وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ
الأَمر، مَسوقٌ من جهته تعالى لبيان الحكمةِ فيما أَشعر به الجوابُ السابق من عدم
مجيءٍ الآيات، خوطب به المؤمنون - كما قال الفرَّاء(١) وغيرُه - إما خاصَّة بطريق
التلوينٍ لَمَّا كانوا راغبين في نزولها طمعاً في إسلامهم، وإمَّا معه عليه الصلاة
والسلام بطريق التعميم؛ لِمَا روي مما يدلُّ على رغبته عليه الصَّلاة والسلام في
ذلك أيضاً، كالهمِّ بالدعاء. وفيه بيانٌ لأنَّ أَيمانَهم فاجرة، وإِيمانَهم في زوايا العدمِ
وإِنْ أُجيبوا إلى ماسألوه.
وجوَّز بعضُهم دخولَه تحت الأمر، ولا وجهَ له، إلّا أن يقدَّر: قل للكافرين:
إنَّما الآياتُ عند الله، وللمؤمنين: وما يُشعركم ... إلخ، وهو تكلّف لا داعيّ
إليه .
وعن مجاهدٍ: أنَّ الخطاب للمشركين، وهو داخلٌ تحت الأمر، وفيه التفاتٌ،
و((أنها ... )) إلخ عنده إِخبارٌ ابتدائيٌّ، كما يدلُّ عليه ما رواه عنه ابنُ أبي حاتم
وأبو الشَّيخ(٢) ..
و((ما)) استفهاميةٌ إِنِكارية - على ما قاله غيرُ واحد - لا نافيةٌ؛ لِمَا يَلزم عليه من
بقاءِ الفعلِ بلا فاعل. وجَعْلُه ضميرَ اللهِ تعالى تكلُّف، أو غيرُ مستقيمٍ إلَّا على
بُعد.
واستُشكل بأنَّ المشركين لَمَّا اقترحوا آيةً وكان المؤمنون يتمنَّون نزولَها طمعاً في
إِسلامهم، كان في ظنِّهم إِيمانُهم على تقدير النزول، فإذا أُريد الإِنكارُ عليهم،
فالمناسبُ إنكارُ الإِيمان لا عدمه، كأنَّهم قالوا: ربَّنا أَنزِل للمشركين آية؛ فإنَّه لو
نزلت يؤمنون، وحينئذٍ يقال في الإِنكار: ما يُدريكم أنَّها إِذا جاءت يؤمنون.
ويتَّضح هذا بمثال، وذلك أنَّه إذا قال لك القائل: أَكرِم فلاناً فإنَّه يكافئك،
وكنتَ تعلم منه عدمَ المكافأة، فإنَّك إذا أنكرتَ على المشير بإكرامه، قلتَ: وما
(١) في معاني القرآن ١/ ٣٥٠.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٣٦٨/٤، والدر المنثور ٣٩/٣، ولفظه: ((وما يشعركم)) قال: وما
يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت، ثم استقبل يخبر فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون.

سُورَةُ الأَنْتَعَل
٣٧٢
الآية : ١٠٩
يدريك أنِّي إذا أكرمتُه يكافئني؟ فأنكرتَ عليه إِثباتَ المكافأةِ وأنت تعلم نفيَها، فإن
قال لك: لا تُكرمْه فإنَّه لا يكافئك، وأنتَ تعلم منه المكافأةَ وأردتَ الإِنكارَ على
المشير بحرمانه، قلتَ: وما يُدريك أنَّه لا يكافئني؟ فأنكرتَ عليه عدمَ المكافأةِ
وأنت تعلم ثبوتها .
والآيةُ كما لا يخفَى من قَبِيلِ المثالِ الأوَّل، فكان الظاهر - حيث ظنُّوا إيمانَهم
ورغبوا فيه وعَلِمَ اللهُ تعالى عدمَ وقوعِه منهم ولو نزل عليهم الملائكةُ وكلَّمهم
الموتى - أن يقال: وما يُشعركم أنَّها إذا جاءت يؤمنون.
وأجابَ عنه بعضُهم بأنَّ هذا الاستفهامَ في معنى النَّفي، وهو إِخبارٌ عنهم بعدم
العلمِ لا إنكارٌ عليهم، والمعنى: إنَّ الآياتِ عند اللهِ تعالى يُنزلها بحسب المصلحة،
وقد علم سبحانه أنَّهم لا يؤمنون ولا تنجعُ فيهم الآيات، وأنتم لا تدرون ما في
الواقع وفي علم الله تعالى، وهو أنَّهم لا يؤمنون، فلذلك تتوقّعون إيمانَهم.
والحاصلُ أنَّ الاستفهام للإنكار، وله معنيان: لِمَ ولا، فإنْ كان بمعنى: لم،
يقال: ما يُشعركم أنَّها إذا جاءت يؤمنون، بدون لا، على معنى: لِمَ قلتم: إنَّها إذا
جاءت يؤمنون وتوقّعتم ذلك؟ وإن كان بمعنى: لا، يقال: ما يُشعركم أنَّها إذا
جاءت لا يؤمنون، بإثبات لا، على معنى: لا تعلمون أنَّهم لا يؤمنون، فلذا توقَّعتم
إيمانَهم ورغبتم في نزول آيةٍ لهم. وهذا الثاني هو المرادُ، ويرجع إلى إقامة عذرٍ
المؤمنین في طلبهم ذلك ورغبتهم فيه.
وأجاب آخرون بأنَّ ((لا)) زائدةٌ كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾
[الأعراف: ١٢] ﴿وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
[الأنبياء: ٩٥] فإنَّه
٩٥
أُريد: تسجد، و: يرجعون، بدون ((لا)).
وعن الخليل(١) أنَّ (أنَّ) بمعنى: لعلَّ، كما في قولهم: إِنتِ السوق أنَّك تشتري
لحماً، وقولِ امرئ القيس:
عُوْجوا(٢) على الظَّلل المحيلِ لأننا نبكي الديارَ كما بكى ابنُ خذامٍ
(١) كما في الكتاب ١٢٣/٣.
(٢) في الديوان ص١١٤ : عوجا .

الآية : ١٠٩
٣٧٣
سُؤَةُ الأَنْقَم
وقولِ الآخَر :
هَلَ انتمْ عائجون بنا لأنَّا نرى العَرَصاتِ أو أَثَرَ الخيامِ(١)
ويؤيِّده أنَّ(يشعركم)) و((يدريكم)) بمعنى، وكثيراً ما تأتي ((لعلَّ) بعد فعل
الدِّراية، نحو: ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزٌَّ﴾ [عبس: ٣] وأنَّ في مصحف أَبَيِّ ◌َلُه: ((وما
أَدراك لعلَّها)»(٢) والكلامُ على هذا قد تمَّ قبلَ («أنها)).
والمفعولُ الثاني لـ ((يشعركم)) محذوف، والجملةُ استئنافٌ لتعليل الإِنكار،
وتقديرُه: أيُّ شيءٍ يعلمكم حالَهم وما سيكون عند مجيءٍ ذلك، لعلَّها إذا جاءت
لا يؤمنون، فما لكم تتمنَّون مجيئَها، فإنَّ تمنِّه إنَّما يَليق إذا كان إيمانُهم بها متحقِّقَ
الوقوعِ عند مجيئها لا مرجوّ العدم.
ومِن الناس مَن زعم أنَّ ((أنها)) إلخ جوابُ قسمٍ محذوف، بناءً على أنَّ ((أنَّ) في
جواب القسمِ يجوز فتحُها. ولا يخفَى بُعده.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمٍو وأبو بكر عن عاصم ويعقوبُ: ((إنها))(٣) بالكسر على
الاستئناف حَسبَما سبق، مع زيادة تحقيقٍ لعدم إِيمانهم.
قال في ((الكشف)): وهو على جواب سؤالٍ مقدَّر، على ما ذكره الشيخُ ابن
الحاجب، كأنَّه قيل: لم وبِّخوا؟ فقيل: لأنَّها إذا جاءت لا يؤمنون. ولك أن تَبنيَه
على قوله تعالى: ((وما يشعركم)) أي: بما يكون منهم؛ فإنه إبرازٌ في معرض
المحتمل، كأنه قد سأل عنه سؤالَ شاكٌّ ثم علَّل بـ ((إنها إذا جاءت)) جزماً بالطّرف
المخالف، وبياناً لكون الاستفهامِ غيرَ جارٍ على الحقيقة. وفيه إنكارٌ لتصديق
المؤمنين على وجهٍ يتضمَّن إِنكارَ صدقِ المشركين في المقسَم عليه. وهذا نوعٌ من
السِّحر البيانيِّ لطيفُ المسلك. انتهى.
(١) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٢/ ٢٩٠، وروايته: ألستم عائجين بنا لعنّا. على أن ((لعنا))
لغة في ((لعلنا))، وذكره برواية المصنف صاحب اللسان (أنن)، وعزاه لجرير.
(٢) معاني القرآن للفراء ٣٥٠/١، والكشاف ٤٤/٢.
(٣) التيسير ص١٠٦، والنشر ٢٦١/٢.

سُورَةُ الأَنْتَعَم
٣٧٤
الآية : ١١٠
وقرأ ابن عامرٍ وحمزةُ: ((لا تؤمنون)) بالفوقانية(١). والخطابُ حينئذٍ في الآية
للمشركين بلا خلاف.
وقُرئ: ((وما يُشعركم أنَّها إذا جاءتهم لا يؤمنون)»(٢) فمرجعُ الإِنكار إِقدامُ
المشركين على الحَلِف المذكورِ مع جهلهم بحال قلوبهم عند مجيء ذلك، وبکونھا
حينئذٍ كما هي الآن.
وقرئ: (وما يُشعِرْكم)» بسكون خالصٍ واختلاس(٣).
وضميرُ ((بها)) على سائر القراءاتِ راجعٌ للآية، لا للآيات؛ لأنَّ عدمَ إيمانهم
عند مجيءٍ ما اقترحوه أبلغُ في الذمِّ، كما أنَّ استعمال ((إذا)) مع الماضي دون ((إنْ))
مع المستقبلِ لزيادة التشنيعِ عليهم.
وزعم بعضُهم أنَّ عودَه للآيات أَوْلى؛ لقربه، مع ما فيه من زيادة المبالغةِ في
بُعدهم عن الإِيمان، وبلوغِهم في العناد غايةَ الإِمكان.
﴿وَنُقَلِبُ أَقِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ﴾ عطفٌ على ((لا يؤمنون)) داخلٌ معه في حكم ((وما
يشعركم)) مقيَّد بما قيِّد به، أي: وما يُشعركم أنَّا نقلِّب أفئدتهم عن إِدراك الحقِّ فلا
يُدركونه، وأبصارهم عن اجتلائه فلا يُبصرونه. وهذا - على ما قال الإِمام(٤) - تقريرٌ
لما في الآية الأُولى من أنَّهم لا يؤمنون.
وذكر شيخُ الإِسلام(٥) أنَّ هذا التقليبَ ليس مع توجُّه الأفئدةِ والأَبصار إلى
الحقِّ واستعدادِها له، بل لكمال نبؤِّها عنه وإعراضِها بالكلِّية، ولذلك أُخِّر ذِكرُه عن
ذِكر عدمٍ إيمانهم، إشعاراً بأَصالتهم في الكفر، وحسماً لتوهُم أنَّ عدم إِيمانهم ناشئٌ
من تقليبه تعالى مشاعرَهم بطريق الإِجبار.
(١) التيسير ص ١٠٦، والنشر ٢٦١/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ٤٠ بإسقاط ((أنها)»، وهي في معاني القرآن للفراء ٣٥٠/١ بإسقاطها
وزيادة ((أنهم)) بعد ((جاءتهم)).
(٣) انظر النشر ٢٦١/٢.
(٤) في التفسير الكبير ١٤٦/١٣.
(٥) في إرشاد العقل السليم ١٧٣/٣ .

الآية : ١١٠
٣٧٥
سُورَةُ الأَنْسَم
وتحقيقُه ـ على ما ذكره شيخُ مشايخنا الكورانيُّ - أنَّه سبحانه حيث علم في
الأَزل سوءَ استعدادِهم المخبوء في ماهياتهم، أَفاضَ عليهم ما يقتضيه، وفعل بهم
ما سألوه بلسان الاستعداد، بعد أن رغَّبهم ورهَّبهم، وأَقام الحجَّة، وأوضح
المحجَّة، والله تعالى الحجَّةُ البالغة، وما ظلمهم الله سبحانه ولكن كانوا هم
الظالمين.
﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي: بما جاء من الآيات بالله تعالى. وقيل: بالقرآن.
وقيل: بمحمَّد نَّهِ وإن لم يَجرِ لذلك ذِكر. وقيل: بالتقليب. وهو كما ترى. ﴿أَوَّلَ
مَّةٍ﴾ أي: عند ورودِ الآياتِ السابقة.
والكافُ في موضع النعتِ لمصدر منصوبٍ بـ ((لا يؤمنون)) و ((ما)) مصدريَّة، أي:
لا يؤمنون، بل يكفرون كفراً كائناً ككفرهم أوَّلَ مرَّة. وتوسيط تقليبِ الأَفئدة
والأبصارِ لأنَّه من متِّمات عدمٍ إيمانهم.
وقال أبو البقاءٍ(١): إنَّ الكاف نعتٌ لمصدر محذوف، أي: تقليباً ككفرهم،
أي: عقوبةً مساويةً لمعصيتهم أوَّلَ مرة. ولا يخفَى ما فيه.
والآية ظاهرةٌ في أنَّ الإِيمان والكفرَ بقضاءِ اللهِ تعالى وقَدَرِهِ.
وأجاب الكعبيُّ عنها بأنَّ المراد مِن: ((ونقلب)) إلخ أنَّا لا نفعل بهم ما نفعلُه
بالمؤمنين من الفوائد والألطاف، من حيث أَخرجوا أنفسَهم عن هذا الحدِّ بسبب
كفرهم.
والقاضي(٢) بأنَّ المراد: ونقلِّب أفئدتَهم وأبصارَهم في الآيات التي ظهرت،
فلا نجدهم يؤمنون بها آخِراً كما لم يؤمنوا بها أوَّلاً .
والجبَّائي بأنَّ المراد: ونقلِّب أفئدتهم وأبصارَهم في جهنّمَ على لهب النارِ
وجمرِها؛ لنعذّبَهم كما لم يؤمنوا به أوَّلَ مرةٍ في الدنيا .
والكلُّ كسرابٍ بقِيعةٍ يحسبه الظمآنُ ماءً، وهكذا غالبُ كلامِ المعتزلة.
(١) في الإملاء ٢/ ٦٢١.
(٢) أي: وأجاب القاضي، وهو عبد الجبار كما في التفسير الكبير ١٣/ ١٤٧.

سُورَةُ الأَنْعَل
٣٧٦
التفسير الإشاري (٨٧ - ١١٠)
﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ أي: ندعهم ﴿فِي ◌ُغْيَنِهِمْ﴾ أي: تجاوزهم الحدَّ في العصيان
﴿يَعْمَهُونَ ﴾ أي: يتردَّدون متحيِّرين، وهذا عطفٌ على ((لا يؤمنون)» مقيَّد بما قيِّد
به أيضاً، مبيِّن لما هو المرادُ بتقليب الأفئدةِ والأبصار، مُعْرِب عن حقيقته بأنَّه ليس
على ظاهره.
والجارُّ متعلِّق بما عنده. وجملةُ ((يعمهون)) في موضع الحالِ من الضمير
المنصوب في ((نذرهم)).
وقُرئ: ((يُقَلِّب)) و((يَذَرُهم)) على الغَيبة (١)، والضميرُ لله عزَّ وجلَّ. وقرأ
الأعمش: ((وتُقَلَّب)) على البناء للمفعول(٢)، وإسنادُه إلى ((أفئدتهم)).
هذا ومن باب الإِشارةِ في الآيات: ﴿وَأَجَْيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال
الجنيدُ قدِّس سره: أي: أَخلصناهم وآويناهم لحضرتنا، ودَلَلْناهم للاكتفاءِ بنا عمَّا
سوانا .
﴿ذَلِكَ هُدَى اللَِّ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم أهلُ السابقةِ الذين سألوه
سبحانه الهدايةَ بلسان الاستعدادِ الأزليّ ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ﴾ بالميل إلى السِّوى، وهو
شِرك الكاملين، كما أشار إليه سيِّدي عمر بنُ الفارض قدِّس سره بقوله:
ولو خطرت لي في سواك إرادةٌ على خاطري سهواً حكمتُ برَّتي(٣)
﴿لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ لِعِظَم ما أتَوا به؛ إنَّ الشِّرك لَظلمٌ عظيم.
﴿فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ﴾ المحجوبون ﴿فَقَدْ وَكَّنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ وهم
العارفون بالله عزَّ وجلَّ الذين هم خزائنُ حقائقِ الإِيمان. وفي الخبر: ((لا يزال
طائفةٌ من أُمَّتي قائمين بأمر الله تعالى، لا يضرُّهم مَن خذلهم حتى يأتيَ أمرُ اللهِ
سبحانه وهم على ذلك»(٤).
(١) البحر المحيط ٢٠٤/٤، والأُولى في القراءات الشاذة ص ٤٠.
(٢) القراءات الشاذة ص ٤٠.
(٣) دیوانه ص٥٢ .
(٤) سلف عند التفسير الإشاري للآية (٥٦) من سورة المائدة.

التفسير الإشاري (٨٧- ١١٠)
٣٧٧
سُورَةُ الأَنْقَطُ
﴿أُوْلَّكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَيَهُدَهُمْ﴾ وهو آدابُ الشريعةِ والطريقةِ والحقيقةِ
﴿اقْتَدِةْ﴾ أمرٌ له ◌َِّ أن يَتَّصفَ بجميع ما تفرَّق فيهم من ذلك الهدى. وكان
ذلك - على ما قيل - في منازل الوسائطِ، ولَمَّا كخَّل عيونَ أسرارِه بكُحل الربوبيَّة،
جعله مستقلا بذاته مستقيماً بحاله، وأخرجه من حدِّ الإِرادة إلى حدِّ المعرفةِ
والاستقامة؛ ولذا أمره عليه الصلاة والسلام بإسقاط الوسائط، كما يُشير إليه قولُه
سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّعُ مَا يُوحَى إِلَّ مِن ◌َبِ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] مع قولِه ◌َّ: ((لو كان
موسى حيًّا ما وسعه إلَّ اتِباعي))(١).
وقال بعضُ العارفين: ليس في هذا توسيطُ الوسائط؛ لأنَّه أُمر بالاقتداء بهداهم
لا بهم، ونظيره: ﴿أَنِ اتَِّعْ مِلَّةَ إِثْزَهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] حيث لم يَقُل سبحانه: أن اتَّبع
إبراهيم.
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ أي: ما عرفوه حقَّ معرفتِهِ ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ
مِّنْ شَىْءُ﴾ أي: لم يُظهِر من عِلْمِه وكلامِه سبحانه على أحدٍ شيئاً؛ وذلك لزعمهم
البُعدَ من عباده جلَّ شأنُه، وعدمَ إمكانِ ظهورٍ بعضٍ صفاته على مَظهَرٍ بشريٍّ، ولو
عرفوا لَما أَنكروا، ولَاعتقدوا أنه لا مَظهرَ لكمال علمهِ وحكمتهِ إلَّا الإِنسانُ
الكامل، بل لو ارتفع الحَوَلُ عن العين، لَمَا رأَوا الواحدَ اثنين.
﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ﴾ لِما فيه من أسرار القُرب والوِصال، والتشويقِ إلى
الحُسن والجمال، بل منه تجلَّى الحقُّ لخلقه لو يعلمون ﴿مُصَدِّقُ اَلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من
التَّوراة والإِنجيل؛ لجمعه الظاهرَ والباطن على أتمٍّ وجهٍ ﴿وَلِنُنْذِرَ أَّ الْقُرَى﴾، وهي
القلب ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من القُوى.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كمن ادَّعى الكمالَ والوصولَ إلى
التوحيد، والخلاصَ عن كثرة صفاتِ النفس، وزعم أنَّه بالله عزَّ وجلَّ، وأنَّه من
أهل الإِرشاد، وهو ليس كذلك ﴿أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ كمن سمَّى
مفتَرَياتِ وهمِه وخَياله ومخترعاتٍ عقلِه وفكره وحياً وفيضاً من الرُّوح القدسيِّ، فتنبّأَ
لذلك ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُلُ مِثْلَ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ كمن تَفَرْعَنَ وادَّعى الأُلوهية.
(١) أخرجه أحمد (١٥١٥٦)، وقد سلف ٢/ ١٤٢.

سُورَةُ الأَنْسَعَم
٣٧٨
التفسير الإشاري (٨٧- ١١٠)
﴿وَلَوْ تَرَّ إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ وهم هؤلاء الأصنافُ الثلاثة ﴿فِى غَمَرَتِ الْوَّتِ﴾
الطبيعيِّ ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ بقبض أرواحِهم، كالمتقاضي المُلِّ، يقولون:
﴿أَخْرِجُوَاْ أَنفُسَكُمٌ﴾ تغليظاً وتعنيفاً عليهم ﴿ اَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ عَذَابَ أَلْهُونِ﴾ والصَّغارِ؛
لوجود صفاتٍ نفوسِكم وهيئاتها المظلمة، وتكاثفِ حُجُب أنانيتِكم وتَفَرْعُنِكم.
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُزَدَى﴾ أي: منفرِدين مجرَّدين عن كلِّ شيءٍ بالاستغراق في عين
جمعِ الذات ﴿كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَلَ مَرَّقْ﴾ عند أَخذِ الميثاق.
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْخَبِّ﴾ أي: حبَّةِ القلب بنور الرُّوحِ عن العلوم والمعارفِ
﴿وَالنََّّ﴾ أي: نوى النفسِ بنور القلبِ عن الأَخلاق والمكارم. أو فالقُ حبَّةٍ
المحبَّة الأزليَةِ في قلوب المحبِّين والصِّدِّيقين، ونوى شجرِ أَنوار الأزلِ في فؤاد
العارفين، فتُثمر بالأعمال الزَّكية، والمقاماتِ الشريفة، والحالاتِ الرفيعة.
﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ﴾ أي: العالِمَ به من الجاهل ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِِّ مِنَ الْحَيَّ﴾ أي:
الجاهلَ به من العالِم. أو: يُخرج حيَّ القلبِ عن ميِّت النفس تارةً باستيلاء نورٍ
الرُّوح عليها، ومخرجُ ميِّتِ النفس عن حيِّ القلب أخرى، بإقباله عليها واستيلاءِ
الهوی وصفاتِ النفس علیه.
﴿فَلِقُ اْإِصْبَاحِ﴾ أي: مُظْهِرُ أنوارِ صفاته على صفحات آفاقِ مخلوقاته، أو شاقُّ
ظلمةِ الإِصباح بنور الأَصباح؛ وذلك لأنَّ بحرَ العدم كان مملوءاً من الظلمة، فشقَّه
بأن أجرَى فيه جدولاً من نوره حتى بلغ السَّیل الزُّبی.
وقال الإِمام(١): فالقُ ظلمةِ العدم بصباح التكوينِ والإِيجاد، وفالقُ ظلمةٍ
الجماديَّة بصباح الحياةِ والعقلِ والرَّشاد، وفالقُ ظلمةِ الجهالةِ بصباح الإِدراك،
وفالقُ ظلمةِ العالَم الجسمانيِّ بتخليص النفسِ القدسيَّة إلى نُسحة عالمِ الأَفلاك،
وفالقُ ظلمةِ الاشتغالِ بعالَم الممكنات بصباح نورِ الاستغراقِ في معرفة مدبِّر
المحدَثاتِ والمبدعات.
وقال بعضُ العارفين: المعنى: فالقُ ظلمةٍ صفات النفسِ عن القلب بإِصباح نور
شمسٍ الروحِ وإشراقه عليها .
(١) في التفسير الكبير ٩٨/١٣.

التفسير الإشاري (٨٧-١١٠)
٣٧٩
سُورَةُ الأَنْفَعَل
﴿وجاعلُ الليلِ﴾ أي: ليلِ الحَيرة في الذَّات البحثِ ﴿سَكًا﴾ تسكن إليه أرواحُ
العاشقين، كما قال قائلُهم (١):
زدني بفرط الحبِّ فيكَ تحيُّرا وارحم حشّا بلظَى هواكَ تسعَّرا
أو: جاعلُ ظلمةِ النفس سكنَ القلبِ يسكن إليها أحياناً للارتفاق والاسترواح،
أو سكناً تسكن فيه القُوى البدنيةُ وتستقرُّ عن الاضطراب كما قيل.
﴿وَالشَّمْسَ﴾ أي: شمسَ تجلِّي الصفات ﴿وَالْقَمَرَ﴾ أي: قمرَ تجلِّي الأَفعال
﴿حُسْبَانً﴾، أي: علَى حساب الأحوالِ حيث يُعتبَر بهما، أو شمسَ الروحِ وقمرَ
القلبِ محسوبَين في عِدَاد الموجوداتِ الباقيةِ الشريفةِ معتدًّا بهما. أو عِلمَي حساب
الأوقات والأحوال.
﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أي: المرشدين، أو نجومَ الحواسِّ ﴿لِهْتَدُواْ بِهَا
فِى ظُلُمَتِ الْبَرِّ﴾ وهو علمُ الآداب ﴿وَالْبَحْرِ﴾ وهو علمُ الحقائق. أو المعنى: لتهتدوا
بها في ظلمات بَرِّ الأجسادِ إلى مصالح المعاشِ، وبحرِ العلوم باكتسابها بها .
﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمْ﴾ أي: أَظهرَكم ﴿مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ وهي النفسُ الكلِّية
﴿فَُسْتَّقَرٌ﴾ في أرض البدنِ حالَ الظهور ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ في عين جمعِ الذات.
﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ﴾ أي: من سماء الرُّوح ماءَ العلم ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ.
نَبَاتَ كُلِّ شَىءٍ﴾ أي: كلِّ صنفٍ من الأخلاق والفضائل ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ أي: النباتِ
﴿خُضْرًا﴾ زينةً للنفس وبهجةً لها ﴿تُخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي: الخضرِ ﴿حَّا مَُّاكِبًا﴾ أي:
أعمالاً مترتِّبة شريفة، ونِيَّاتٍ صادقةً يتقوَّى القلب بها ﴿وَمِنَ النَّغْلِ﴾ أي: نخلِ
العقل ﴿مِن ◌َلِهَا﴾ أي: من ظهور تعلُّقها ﴿قِنْوَادٌ﴾ معارفُ وحقائق ﴿دَاِيَةٌ﴾ قريبةٌ
التناول؛ لظهورها بنور الرُّوح كأنَّها بديهية ﴿وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ وهي أعنابُ
الأحوالِ والأذواق، ومنها تُعتصَر سُلافةُ المحبّة:
ترى الدهرَ عبداً طائعاً ولك الحكمُ (٢)
وفي سَكرةٍ منها ولو عُمْرَ ساعةٍ
﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ أي: زيتونَ التفكّر ﴿وَالرُّمَانَ﴾ أي: رمَّانَ الهِمَم الشريفة، والعزائمِ
(١) هو ابن الفارض، والبيت في ديوانه ص١٦٩.
(٢) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٤٣ .

سُورَةُ الأَنْتَعَل
٣٨٠
التفسير الإشاري (٨٧-١١٠)
النفيسة ﴿مُشْتَبِهًا﴾ كما في أفراد نوع واحد ﴿وَغَيّرَ مُتَشٍَِ﴾ كنوعَين وفردَين منهما
مثلاً ﴿أَنْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ أي: راعوه بالمراقبة عند السُّلوك وبَدءِ الحال
﴿وَيَنْعِدَّةِ﴾ وهو كمالُه عند الوصولِ بالحضور.
﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَآءَ الِنَّ﴾ أي: جنَّ الوهم والخيال حيث أطاعوهم وانقادوا لهم
﴿وَلَقَهُمَّ وَخَرَفُوا﴾ وافترَوا ﴿لَهُ بَنِينَ﴾ من العَقول ﴿وَبَنَتٍ﴾ من النُّفوس، يعتقدون
أنَّها لتجرُّدها مؤثّرةٌ مثله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ منهم أنَّها أسماؤه وصفاتُه، لا تؤثِّر إلَّا به جلَّ
شأنه ﴿سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من تقيُّدُه بما قيَّدوه به جلَّ شأنه.
﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ قال الشيخ الأكبرُ قدِّس سرُّه في الباب الحادي
والعشرين وأربع مئةٍ (١): يعني: من كلِّ عينٍ من أَعْيُن الوجوهِ وأعينِ القلوب، فإنَّ
القلوب ما تَرى إلَّا بالبصر، وأعينَ الوجوه لا تَرى إلَّا بالبصر، فالبصرُ حيث كان به
يقع الإِدراك، فيسمَّى البصرُ في العقل عينَ البصيرة، ويسمَّى في الظاهر بصرَ العين،
والعينُ في الظاهر محلٌّ للبصر، والبصيرةُ في الباطن محلٌّ للعين الذي هو بصرٌ في
عين الوجه، فاختلف الاسمُ عليه وما اختلف هو في نفسه، فكما لا تُدركه العيونُ
بأَبصارها لا تُدركه البصائرُ بأعيُنُها .
وورد في الخبر عن رسول اللهِ وَله: ((إنَّ اللهَ تعالى احتجبَ عن العقول كما
احتجب عن الأبصار، وإنَّ الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم)»(٢) فاشتركنا في
الطّلب مع الملأ الأعلى، واختلفنا في الكيفية، فمنَّا مَن يطلبه بفِكره، والملأُ
الأعلى له العقلُ وما له الفكر، ومنَّا مَن يطلبه به، وليس في الملأ الأعلى مَن يطلبه
به؛ لأنَّ الكاملَ منَّا هو على الصُّورة الإلهيةِ التي خلقه اللهُ تعالى عليها؛ فلهذا يصحُ
ممَّن هذه صفتُه أن يطلبَ اللهَ تعالى به، ومَن طلبه به وصل إليه، فإنَّه لم يصل إليه
غيرُه، وإنَّ الكاملَ منَّا له نافلةٌ تزيد على فرائضه، إذا تقرَّب العبدُ بها إلى ربِّه أحبَّه،
فإذا أحبَّه كان سمعَه وبصرَه، فإذا كان الحقُّ بصرَ مثلٍ هذا العبد، رآه وأَدركه
ببصره؛ لأنَّ بصره الحقُّ، فما أَدركه إلَّا به لا بنفسه، وما ثَمَّ مَلَكٌ يتقرَّب إلى الله
تعالى بنافلة، بل هم في الفرائض، وفرائضُهم قد استغرقت أنفاسَهم، فلا نفلَ
(١) من الفتوحات المكية ٣٠/٤.
(٢) لم نقف عليه.