Indexed OCR Text

Pages 201-220

الآية : ٥٨
٢٠١
سُورَةُ الأَنْعَل
وفي ((إرشاد العقلِ السليم)) (١): أنَّ أصل القضاءِ الفصلُ بتمام الأمر، وأصل
الحكمِ المنع، فكأنه يمنع الباطلَ عن معارضة الحقِّ، أو الخصمَ عن التعدِّي إلى
صاحبه. وجملة ((وهو خير ... )) إلخ تذييل مقرِّر لمضمون ما قبله مشيرٌ إلى أن قصَّ
الحق هاهنا بطريق خاصِّ هو الفصلُ بين الحقِّ والباطل، فافهم.
واحتجَّ بعض أهل السُّنَّة بقوله سبحانه: ((إن الحكم ... )) إلخ؛ لإفادته الحصرَ،
على أنه لا يَقدر العبد على شيءٍ من الأشياء إلَّا إذا قضى الله تعالى به، فيمتنع منه
فعلُ الكفر إلَّا إذا قضى اللهُ تعالى به وحكم، وكذلك في جميع الأفعال.
وقالت المعتزلة: إنَّ قوله سبحانه: ((يقضي الحق)) معناه: إن كلَّ ما يقضي به
فهو الحقُّ، وهذا يقتضي ألَّا يريدَ الكفرَ من الكافر والمعصيةَ من العاصي؛ لأن
ذلك ليس بحقِّ. ولا یخفَی ما فيه.
﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى﴾ أي: في قدرتي وإِمكاني ﴿مَا تَسْتَعِْلُونَ بِهِ.﴾ من العذاب
﴿لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: بأنْ ينزلَ عليكم إثرَ استعجالكم. وفي بناء الفعلِ
للمفعول من الإِيذان بتعيُّن الفاعل الذي هو الله جلَّت عظمته، وتهويلِ الأمر،
ومراعاةٍ حسن الأدب، ما لا يخفَى.
وقال الزمخشريُّ(٢) ومَن تبعه: المعنى: لو كان ذلك في مُكنتي لأَهلكتكم
عاجلاً؛ غضباً لربِّي عزَّ وجلَّ، وامتعاضاً من تكذيبكم به، ولتخلَّصت منكم سريعاً.
ولا يساعده المقام. ومثلُه حملُ ما يستعجلون به على الآيات المقترحة، وقضاءِ
الأمر على قيام الساعة.
@)﴾ أي: بحالهم وبأنهم مستحقُّون للإِمهال بطريق
﴿وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالنََّلِمِينَ
الاستدراجِ لتشديد العذاب، ولذلك لم يفوِّض الأمر إليَّ ولم يقضٍ بتعجيل
العذاب. والجملة مقرِّرة لما أفادته الجملةُ الامتناعية من انتفاء كونِ أمر العذابِ
مفوَّضاً إليه عليه الصلاة والسلام المستتبع لانتفاء قضاءِ الأمر، وتعليلٌ له.
(١) ٣ / ١٤٢.
(٢) في الكشاف ٢٤/٣.

سُؤَدَةُ الْأَنْعَُّ
٢٠٢
الآية : ٥٩
وقيل: هي في معنى الاستدراك، كأنه قيل: لو قَدَرتُ أَهلكتكم، ولكن اللهَ
تعالى أعلمُ بمن يُهلك من غيره، وله حكمةٌ في عدم التمكينٍ منه.
وأيًّا ما كان، فلا حاجةً إلى حذف مضاف، وزعم بعضُهم ذلك، والتقدير:
وقتَ عقوبةِ الظالمين. وهو كما ترى، والله تعالى أعلم.
﴿وَعِندَهُ، مَفَاتِحُ الْغَيْبٍ﴾ أي: مفاتيحه، كما قُرئ به (١)، فهو جمع مِفتَح، بكسر
الميم، وهو كمفتاح آلة الفتح. وقيل: إنه جمعُ مفتاح، كما قيل في جمع مِحراب:
محارب .
والكلامُ على الاستعارة، حيث شبَّه الغيب بالأشياءِ المستوثَق منها بالإِقفال،
وأثبت له المفاتيح تخييلاً، وهي باقيةٌ على معناها الحقيقيّ. وجَعْلُها بمعنى العلم
قرينةَ المكنية بناءً على أنه لا يلزم أن تكون حقيقةً، بعيد، وأبعدُ منه تكلّف التمثيل.
وقيل: الأَقرب أن يعتبرَ هناك استعارة مصرَّحة تحقيقية بأن يُستعارَ العلم
للمفاتح وتُجعلَ القرينة الإِضافةً إلى الغيب.
وأخرج ابن جَرير وابنُ أبي حاتم (٢) عن السُّدِّي: أن المراد من المفاتح
الخزائن، فهي حينئذٍ جمعُ مَفتَح بفتح الميم، وهو المخزن. وجوَّز الواحديُّ أن
يكونَ مصدراً بمعنى الفتح، وليس بالمتبادر. وفي الكلام استعارةٌ مكنية تخييلية(٣).
وتقديمُ الخبر لإِفادة الحصر. والمراد بالغيب المغيَّبات على سبيل الاستغراق،
والمقصود على كلِّ تقدير أنه سبحانه هو العالمُ بالمغيبات جميعها كما هي ابتداء.
﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ في موضع الحالِ من ((مفاتح))، والعامل فيها - كما قال
أبو البقاء(٤) - ما تعلَّق به الظرف، أو نفسُه إن رفعت به. ويجوز أن يكونَ تأكيداً
لمضمون ما قبله. والكلامُ إما مسوقٌ لبيان اختصاص المقدورات الغيبيَّة به سبحانه
(١) الكشاف ٢٤/٢، والبحر المحيط ٤ / ١٤٤.
(٢) تفسير الطبري ٩/ ٢٨٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٠٤.
(٣) حيث شبَّه الغيب بأمور تحفظ وتصان، وأثبت لها المخازن تخييلاً، والمقصود أن علمها
مخصوص به؛ لأنه يلزم مِن عِلْمِ المخازن علمُ ما حفظ فيها. حاشية الشهاب ٤/ ٧٢.
(٤) في الإملاء ٢/ ٥٥٤ .

الآية : ٥٩
٢٠٣
سُورَةُ الأَنْعَل
من حيث العلمُ، إثرَ بيانِ اختصاص كلِّها به تعالى من حيث القدرة، والمعنى: إنَّ
ما تستعجلون به من العذاب ليس مقدوراً لي حتى أُلزمَكم بتعجيله، ولا معلوماً لديَّ
حتى أُخبرَكم بوقت نزوله، بل هو مما يختصُّ به جلَّ شأنه قدرةً وعلماً، فينزله
حسبما تقتضيه مشيئته المبنيّة على الحكم. وإما لإِثبات العلم العامِّ له سبحانه، وهو
علمُه بكل شيءٍ، بعد إثبات العلم الخاصِّ، وهو علمُه بالظالمين.
وذكر الإِمام(١) أنَّ معنى الآيةِ على تقدير أن يرادَ بالمفاتح الخزائن: إنَّه سبحانه
القادرُ على جميع الممكنات، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآِتُهُ﴾
[الحجر: ٢١].
وأخرج ابن جَرير وابنُ المنذر عن ابن عباس ظًّا أنه قال: مفاتح الغيب
خمسٌ، وتلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. وروَى نحوَه عن ابن
مسعود(٢). وأخرج أحمدُ والبخاريُّ وغيرهما عن ابن عمرَ ظُها مرفوعاً نحوَ
ذلك(٣). ولعل الحملَ على الاستغراق أَوْلى، وما في الأخبار يُحمل على بيان
البعض المهمِّ لا على دعوى الحصر؛ إذ لا شبهةً في أنَّ ما عدا الخمسِ من
المغيَّبات لا يعلمه أيضاً إلَّ الله تعالى.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ﴾ عطفٌ على جملة ((وعنده مفاتح)) إلخ، أو على
الجملة قبلَه، وهو ظاهرٌ على تقدير حاليتها، وأمَّا على تقدير كونها تأكيداً، فقد
منعه البعضُ؛ لأن المعطوفَ لا يصلُحُ للتأكيد ولو كان عِلمه سبحانه بالمغيَّبات
عند المحقّقين على وجه التفصيلِ والاختصاص، لأنَّ علم الغيب والشهادةِ
متغايران، فلا يؤكّد أحدُهما الآخَر. نعم قيل: مَن لم يجعلها مؤكِّدة جوَّز العطف
عليها، فيكون الجملتان مستأنفتين لتفصيل عِلمِه سبحانه وشمولِه لا غير. وجوِّز
أن يكون المجموعُ مؤكّداً لاشتماله على مضمون ما قبلَه؛ لأنه ليس توكيداً
اصطلاحيًّا .
(١) في تفسيره ٩/١٣.
(٢) تفسير الطبري ٩/ ٢٨٢.
(٣) مسند أحمد (٤٧٦٦)، وصحيح البخاري (١٠٣٩).

سُورَةُ الْأَنْعَم
٢٠٤
الآية : ٥٩
والمراد من هذه الجملة - كما قال غيرُ واحد - بيانُ تعلُّق علمِه تعالى
بالمشاهدات إثرَ بيان تعلُّقِه بالمغيبات، تكملةً له وتنبيهاً على أنَّ الكل بالنسبة إلى
علمه المحيطِ سواء.
والمراد من ((البَرِّ» الصحراءُ، ومن ((البحر)) خلافُه. وفي ((القاموس)) (١): أنه
الماءُ الكثير، أو الملحُ فقط، وجمعه: أَبحُر وبحور وبحار، وتصغيره: أُبَيْجِر،
لا بُحَیر.
وعن مجاهد: أنَّ المراد بالبَرِّ القفار، وبالبحر كلُّ قرية فيها ماء. وهو خلافُ
الظاهر.
وأيًّا ما كان، فالمعنى: يعلم ما فيهما من الموجودات مفصّلة على اختلاف
أَجناسها وأنواعها وتكثُرِ أفرادِها.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: وما تسقط ورقةٌ من أيِّ شجرةٍ كانت
إلَّا عالماً بها، فـ (من)) زائدةٌ في الفاعل، والجملة بعد ((إلا)) في موضع الحالِ منه،
وجاءت الحالُ من النكرة لاعتمادها على النفي، والتفريغُ في الحال شائعٌ سائغ.
وجوِّز أن تكونَ في موضع النعتِ للنكرة.
والكلام مسوقٌ - كما قيل - لبيان تعلُّق علمِه بأحوال المشاهدات المتغيِّرة بعد
بيان تعلُّقه بذواتها؛ فإنَّ تخصيص حالِ السقوط بالذِّكر ليس إلّا بطريق الاكتفاءِ
بذكرها عن ذِكر سائرِ الأحوال، كما أنَّ ذكر أحوال الورقة وما عُطف عليها خاصَّةً
دون أحوال سائر ما في البَرِّ والبحر من الموجودات التي لا يحيط بها نطاقُ
الحصر، باعتبار أنها أُنموذج لأحوال سائرها.
قيل: ولعل الاكتفاءَ بحال السقوطِ دون الاكتفاءِ بغيرها من الأحوال؛ لشدَّة
ملاءمتها لما سيأتي إن شاء الله تعالى في آية التوفي(٢)، ولأنَّ التغيير فيها أظهر،
فهو أوفقُ بما سيقت له الآية.
وقيل: لأنَّ العلم بالسقوط لكونه من الأحوال الساقطةِ التي يُغفل عنها يستلزم
(١) مادة (بحر).
(٢) هي الآية التالية.

الآية : ٥٩
٢٠٥
سُورَةُ الأَنْتَم
العلمَ بغيره من الأحوال المعتنَى بها، فكأنه قيل: وما تتغيَّر ورقةٌ من حال إلى حال
إلَّا يعلمها .
﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ عطف على ((ورقة)).
وقوله سبحانه: ﴿فِي كُلُمَتِ الْأَرْضِ﴾ متعلّق بمحذوف وقع صفةً لـ ((حبة)) مفيدةً
لكمال ظهورٍ علمه تعالى. والمرادُ من ظلمات الأرض بطونُها، وکنی بالظلمة عن
البطن لأنه لا يُدرك فيه كما لا يدرك في الظُلمة.
وعن ابن عباس ◌ّ: المرادُ بظلمات الأرض ما تحت الصخرةِ في أسفل
الأَرَضين السبعِ، أو تحت حجرٍ أو شيءٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ عطفٌ على ((ورقة)) أيضاً داخلٌ معها في
حكمها. والمراد بالرطب واليابس رطبٌ ويابس من شأنهما السقوطُ، كالثمار مثلاً؛
لاقتضاء العطفِ ذلك.
وقوله سبحانه: ﴿إِلَّا فِ كِتَبِ تُِّينٍ ﴾﴾ كالتكرير لقوله سبحانه: ((إلا يعلمها))
لأنَّ معناهما واحد في المآل، سواءٌ أُريد بالكتاب المبين عِلمُه تعالى، أو اللوحُ
المحفوظ الذي هو محلُّ معلوماتِه سبحانه. وإلى هذا ذهب الزمخشريُّ(١)، وأراد
كما قال السَّعد: أنه تكريرٌ من جهة المعنى، وأمَّا من جهة اللفظ فهو صفةٌ
للمذكورات، كما أن ((إلا يعلمها)) صفة لـ ((ورقة)). وأُورد عليه بأنَّ صفة شيءٍ كيف
تكون تكريراً لصفة شيءٍ آخَر معنَى؟ وأُجيب بأنه غيرُ وارد، لأنَّ الورقة داخلةٌ في
الرطب واليابس، فلا تغايرَ بحسب المعنى، فيصحُّ ما ذكر.
وقيل: إنه بدلٌ من الاستثناء الأوَّل بدلَ الكلِّ إن فسِّر الكتاب بالعلم، وبدلَ
الاشتمال إنْ فسِّر باللوح. وفيه تأمُّل.
وقُرئ: ((ولا حبَّةٌ)) ((ولا رطبٌ ولا يابسٌ))(٢) بالرفع على العطف على محلِّ
((ورقة)) وخصَّ بعضهم هذه القراءةَ بالأخيرين(٣). وجوِّز أن يكونَ الرفع على
(١) في الكشاف ٢/ ٢٥ .
(٢) القراءات الشاذة ص٣٧.
(٣) انظر إعراب القرآن للنحاس ٧١/٢، والبحر ١٤٦/٤، وإرشاد العقل السليم ١٤٣/٣.

سُورَةُ الأَنْسَل
٢٠٦
الآية : ٥٩
الابتداء، والخبرُ ((إلا في كتاب)) قيل: وهو الأنسب بالمقام؛ لشمول الرطب
واليابسٍ حينئذٍ لما ليس من شأنه السقوطُ.
وقد جعلهما غيرُ واحدٍ شاملين لجميع الأشياء؛ لأنَّ الأجسام كلَّها لا تخلو من
أن تكونَ رطبةً أو يابسة، ويدخل في ذلك الحارُّ والبارد. والمراد من كلٍّ معناه
اللغويُّ لا مصطلحُ الأطباء، كما لا يخفى.
وعن ابن عباسٍ ◌ّ: أنَّ المراد بالرَّطب ما يُنبت، واليابس ما لا يُنبت. وفي
رواية أخرى عنه: أنَّ الأوَّل الماءُ والثاني الثرى. وروى أبو الشيخ(١) عنه ما يفيد
العمومَ، ولعله الأَوْلى بالقبول. وقيل: الرطب الحيُّ، واليابس الميت.
وروى الإِمامية عن أبي عبد الله رضيه(٢) أنه قال: الورقة السَّقط، والحبّة الولد،
وظلماتُ الأرض الأرحام، والرَّطب ما يحيا، واليابس ما يغيض. وأنا أُجِلُّ
أبا عبد الله نظريته عن التفوُّه بهذا التفسير؛ إذ هو خلافُ الظاهر جدًّا. ومثلُه في عدم
التبادرِ ما أخرجه أبو الشيخ عن محمد بن جُحادة(٣) أنه قال: إنَّ لله تعالى شجرةً
تحت العرش، ليس مخلوقٌ إلَّا له فيها ورقة، فإذا سقطت ورقته، خرجت روحه من
جسده، وذلك قولُه سبحانه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾.
ثم إنَّ تفسير الكتاب باللَّوح هو الذي مشى عليه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم
الزجَّاج، فقد قال(٤): إنَّ الله تعالى أثبت المعلوماتِ في كتابٍ من قبل أن يخلقَ
الخلق، كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا فِي كِتَبٍ مِن قَبْلِ أَن تَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. وفي
رواية لمسلم(٥): ((إنَّ الله تعالى كتب مقاديرَ الخلق قبل أن يخلقَ السماء والأرض
بخمسين ألف سنة)). وفائدةُ ذلك أمور، أحدها: اعتبارُ الملائكة عليهم السلام
(١) كما في الدر المنثور ١٥/٣.
(٢) هو جعفر بن محمد الصادق، وكلامه في مجمع البيان ٧/ ٨٤.
(٣) كما في الدر المنثور ٣/ ١٥، ومحمد بن جحادة الكوفي، أحد الأئمة الثقات، حدث عن
أنس بن مالك ظه، وكان من الفضلاء والصلحاء، توفي بطريق مكة سنة (١٣١ هـ). السير
٦ /٧٤.
(٤) في معاني القرآن ٢٥٧/٢.
(٥) في صحيحه (٢٦٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص

الآية : ٥٩
٢٠٧
سُورَةُ الأَنْعَام
موافَقاتِ المحدَثاتِ للمعلومات الإِلهيَّة. وثانيها - وعليه اقتصرَ الحسن -: تنبيهُ
المكلَّفين على عدم إِهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب، حيث ذكر أنَّ
الورقة والحبّة في الكتاب. وثالثها: عدم تغييرِ الموجودات عن الترتيب السابق في
الكتاب؛ ولذا جاء: ((جفَّ القلم بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة))(١)، وهذا الكتاب
يسمَّى اللوح المحفوظ؛ لحفظه عن التحريف ووصولِ الشياطين إليه، أو من المحو
والإِثبات، بناءً على أنهما إنَّما يكونان في صحف الملائكة دونَه.
والبلخيُّ اختار أن معنى قوله تعالى: ((في كتاب مبين)) أنه محفوظٌ غير منسيٍّ
ولا مغفولٍ عنه، كما يقول القائلُ لغيره: ما تصنعه مسطورٌ مكتوب عندي، فإنه إنَّما
يريد أنه حافظٌ له يريد مكافأتَه عليه. وأَنشد لذلك:
إنَّ لسلمى عندنا ديوانا (٢)
وذكر الإِمام (٣) هاهنا ما سمَّاه دقيقة، وهو أنَّ القضايا العقليَّة المحضةَ يصعب
تحصيلُ العلم بها على سبيل التَّمام والكمال، إلَّا للعقلاء الكاملين الذين تعوَّدوا
الإِعراض عن قضايا الحسِّ والخيال، وأَلِفوا استحضار المعقولاتِ المجرّدة، وهم
كالكبريت الأحمر، و((عنده مفاتح الغيب)» من تلك القضايا. وحيث أُريد إيصالها
إلى كلِّ عقل؛ لأنَّ القرآن إنما نزل لينتفعَ به جميع الخلق، ذُكِر مثال من الأمور
المحسوسةِ الداخلة تحت تلك القضيةِ العقلية الكلية؛ ليصير ذلك المعقولُ بمعاونة
هذا المثالِ المحسوس مفهوماً لكلِّ واحد، فذكر ((ويعلم ما في البر والبحر)) ليكشفَ
به عن حقيقة عظمةِ ذلك المعقول.
وقدِّم ذكر البَرّ؛ لأن الإِنسان قد شاهد أحوالَه وكثرةَ ما فيه. وأما البحر فإحاطةٌ
العقل بأحواله أقلُّ، إلَّا أن الحسَّ يدلُّ على أنَّ عجائب البحار في الجملة أكثرُ،
وطولها وعرضها أعظم، وما فيها من الحيوانات وأجناسِ المخلوقات أَعجب، فإذا
استحضر الخيالُ معلوماتِ البِرِّ والبحر، وعرف أنَّ مجموعها حقيرٌ في جنب ما دخل
(١) سلف ص٨٤ من هذا الجزء.
(٢) الرجز لرؤية بن العجاج، وهو في ديوانه ص١٨٧، وبعده:
أخزى فلاناً وابنه فلانا
(٣) في مفاتح الغيب ٩/١٣-١٠ .

سُؤَةُ الَتْعَم
٢٠٨
الآية : ٦٠
في دائرةٍ عموم ((وعنده مفاتح الغيب)) يصير ذلك مقوِّياً ومكمِّلاً للعظمة الحاصلةِ
تحت ذلك.
ثم كشف سبحانه عن عظمة البَرِّ والبحر بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ
إلَّا يَعْلَمُهَا﴾ وذلك لأنَّ العقل يستحضر جميعَ ما في الأرض من المدن والقرى
والمفاوزِ والمهالك، ثم يستحضر كم فيها من النَّجم والشجر، ثم يستحضر أنه
لا يتغيَّر حالُ ورقة إلَّ والحقُّ يعلمها، ثم ذكر مثالاً أشدَّ هيبةً(١)، وهو ((ولا
حبة ... )) إلخ، وذلك لأنَّ الحبة تكون في غاية الصغرِ، و((ظلمات الأرض)) يخفى
فيها أكبرُ الأجسام وأعظمُها، فإذا سمع العاقل أنَّ تلك الحبةَ الصغيرة الملقاة في
ظلمات الأرض على اتِّساعها وعظمتِها لا تخرج من علمه سبحانه، انتبه غايةً
الانتباه، وفاز من مجموع ذلك بالحظّ الأَوفر من المعنى المشارِ إليه في صدر
الآية.
ثم إنَّه تعالى لما قوَّى ذلك المعقولَ المحض المجرَّد بذكر هذه الجزئياتِ
المحسوسة، عاد إلى ذِكر تلك القضيةِ بعبارة أخرى، وهي قوله عزَّ اسمه: ﴿وَلَا
رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ إِلَّا فِ كِتَنٍ﴾ فإنه عين ما تقدم، وهذا مبنيٌّ على أحد الوجوهِ في
الآية، فلا تغفُل.
وفيها دليلٌ على أنَّ الله تعالى عالمٌ بالجزئيات. ونُسبت المخالفة فيه للفلاسفة،
والحقُّ أنهم لا ينكرون ذلك، وإنَّما ينكرون علمَه سبحانه بها بوجه جزئيٌّ. وهو
بحث طويلُ الذَّيل، وكذا بحثُ علمِه تعالى من حيث هو. وقد أُلُّفت فيه الرسائل،
وصار معتركَ أفهام الأواخرِ والأوائل، وسبحانَ مَن لا يقدر قَدْرَه غيرُه.
﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَتَوَقََّكُمْ يَلَيْلِ﴾ أي: يُنيمكم فيه، كما نُقل عن الزجَّاجِ(٢)
والجبَّائي، ففيه استعارةٌ تبعية، حيث استُعير التوفِّي من الموت للنوم لما بينهما من
المشاركة في زوال إِحساس الحواسِّ الظاهرةِ والتمييز، قيل: والباطنة أيضاً.
وأصله: قبضُ الشيءٍ بتمامه، ويقال: توقَّيت الشيءَ واستوفيته، بمعنى.
(١) في مفاتح الغيب: هيئة.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٥٧.

الآية : ٦٠
٢٠٩
سُورَةُ الأَنْعَمُ
﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنََّارِ﴾ أي: ما كسبتم وعملتم فيه من الإِثم، كما أَخرج
ذلك ابنُ جرير وابنُ المنذر عن ابن عباس طيّ وقتادة(١)، وهو الذي يقتضيه سياقُ
الآية، فإنَّه للتهديد والتوبيخ؛ ولهذا أُوثر ((يتوفاكم)) على يُنِيمكم ونحوِه، و((جرحتم))
على كسبتم، إدخالاً للمخاطبين الكفرة في جنس جوارحِ الطّير والسباع.
وبعضُهم يجعل الخطاب عامًّا. والمرادُ من الليل والنهار الجنسُ المتحقِّق في
كلِّ فرد من أفرادهما؛ إذ بالتوِّي والبعث الموجودين فيهما يتحقّق (٢) قضاءُ الأجل
المسمَّى المترتّب عليهما، والباءُ في الموضعين بمعنى ((في)) كما أشرنا إليه.
والمرادُ بعلمه سبحانه ذلك - كما قيل - علمُه قبل الجرح، كما يلوِّح به تقدیمُ
ذِكره على البعث، أي: يعلم ما تَجرحون. وصيغةُ الماضي للدلالة على التحقُّق،
وتخصيصُ التوفِّي بالليل والجَرحِ بالنهار للجري على السَّنن المعتاد، وإلَّ فقد
یعکس.
◌ُمَّ يَبْعَثُّكُمْ فِيهِ﴾ أي: يوقظكم في النهار، وهل هو حقيقةٌ في هذا المعنى أو
مجاز؟ فيه قولان. والمتبادرُ منه في عرف الشرع إِحياءُ الموتى في الآخرة، وجعلوه
ترشيحاً للتوفِّي، وهو ظاهر جدًّا على المتبادر في عُرف الشرع؛ لاختصاصه بالمشبَّه
به. ويقال على غيره: إنَّه لا يُشترط في الترشيح اختصاصُه بالمشبَّه به، بل أن يكونَ
أخصّ به بوجه، كما قرَّروه في قوله :
له لَبِدّ أظفارُه لم تُقلَّمِ (٣)
والبعث في الموتى أَقوى؛ لأنَّ عدم الإِحساس فيه كذلك، فإزالته أشدُّ.
وقد صرَّحوا أيضاً أنَّ الترشيح يجوز أن يكونَ باقياً على حقيقته تابعاً للاستعارة
لا يقصد به إلَّا تقويتُها. ويجوز أن يكونَ مستعاراً من ملائم المستعارِ منه
لملائم المستعارِ له.
(١) تفسير الطبري ٢٨٥/٩- ٢٨٦، وخبر قتادة أخرجه أيضاً عبد الرزاق ١/ ٢٠٨.
(٢) في (م): متحقق، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٤٤/٣، والكلام منه.
(٣) قائله زهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص٢٣، وصدره:
لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذَّفٍ

سُورَةُ الأَنْعُ
٢١٠
الآية : ٦٠
والجملة عطفٌ على ((يتوفاكم))، وتوسيطُ ((ويعلم ... )) إلخ بينهما؛ لبيان ما في
بعثهم من عظيم الإِحسان إليهم بالتنبيه على أنَّ ما يكسِبونه من الإِثم مع كونه مما
يستأهلون به إِبقاءَهم على التوفِّي بل إهلاكَهم بالمرَّة، يُفيض سبحانه عليهم الحياةَ
ويُمهلهم، كما يُنبئ عنه كلمةُ التراخي، كأنه قيل: هو الذي يتوقّاكم في جنس
الليالي، ثم يبعثكم في جنس الأَنْهُرِ، مع علمه جلَّ شأنه بما ترتكبون فيها .
﴿لِيُقْضَىَ أَجَلٌ مُسَتَّىٌ﴾ معيَّن لكلِّ فرد، وهو أَجَل بقائه في الدنيا .
وتكلَّف الزمخشريُّ(١) في تفسير الآيةِ فجعل ضميرَ ((فيه)) جارياً مَجرى اسم
الإِشارة، عائداً على مضمون كونِهم متوفّين وكاسبين، و((في) بمعنى لامِ العلَّة، كماً
في قولك: فيمَ دعوتني؟ والأَجَلُ المسمَّى هو الكونُ في القبور، أي: ثم يبعثكم من
القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعمارَكم من النوم بالليل وكسبٍ الآثام بالنهار
ومن أَجْله؛ ليقضَى الأَجَلُ الذي سمَّاه سبحانه وضربه لبعث الموتَى وجزائهم على
أعمالهم.
وما ذكرناه هو الذي ذهب إليه الزجَّاج والجبَّائي وغالب المفسِّرين، وهو عري
عن التكلُّف الذي لا حاجةً إليه.
وزعم بعضهم أنَّ الداعيَّ إليه هو أنَّ قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّارِ﴾ دالٌ
على حال اليقظة وكسبهم فيها، وكلمة ((ثم)) تقتضي تأخيرَ البعث عنها؛ فلهذا عَدَلَ
الرمخشريُّ إلى ما عَدَلَ إليه.
وقال بعض المحقّقين: إنَّ قوله سبحانه: ((ويعلم ... )) إلخ إشارةٌ إلى ما كُسِب
في النهار السابق على ذلك الليل، والواو للحال، ولا دلالةَ فيه على الإِيقاظ من
هذا التوفِّي، وأنَّ الإِيقاظ متأخِّر عن التوفِّي، وأنَّ قولنا: يفعل ذلك التوِّي لتُقضَى
مدةُ الحياة المقدَّرة، كلام منتظم غايةَ الانتظام.
ولا يخفى أنَّ فيه تكلُّفاً أيضاً، مع أنَّ واو الحال لا تدخل على المضارع إلَّا
شذوذاً أو ضرورةً، في المشهور.
(١) في تفسيره ٢/ ٢٥.

الآية : ٦١
٢١١
سُورَةُ الأَنْتُم
ووجَّه سِنانٌ التراخيَ المفاد بـ (ثم)) بأنَّ حقيقة الإِماتة في الليل تتحقّق في أوَّله،
والإِيقاظ متراخٍ عنه وإنْ لم يتراخَ عن جملته.
واعتُرض بأنه حينئذ لا وجهَ لتوسيط ((ويعلم ... )) إلخ بينهما. وفيه نظرٌ يعلم
مما ذكرنا .
﴿ِثُمَّ إِلَيْهِ﴾ سبحانه لا إلى غيره أصلاً ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: رجوعُكم ومصيركم
بالمجازاة بأعمالكم التي كنتم داومتم على
بالموت ﴿ثُمَّ يُنَيِّئَّكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
عملها في الدنيا .
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ،﴾ فلا يُعجزه أحدٌ منهم ولا يحول بينَه سبحانه وبين
ما يريده فيهم. و((فوق)) نصب على الظرفية، حالٌ أو خبرٌ بعد خبر، وقد تقدَّم
الكلام مبسوطاً فيما للعلماء في هذه الآية(١).
﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ من الملائكة، وهم الكرامُ الكاتبون المذكورون في قوله
كِرَامًا كَئِينَ﴾ [الانفطار: ١٠-١١] أو المعقِّبات
تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
١٠
المذكورةُ في قوله سبحانه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَعُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
[الرعد: ١١]. وقيل: المراد ما يشمل الصِّنفين، ويقدَّر المحفوظُ الأعمالَ والأنفسَ
والأعمَّ. وعن قتادة: يحفظون العملَ والرزق والأجل.
والذي ذهب إليه أكثرُ المفسِّرين المعنى الأوَّلُ في الحفظة، وهم عند بعضٍ
يكتبون الطاعاتِ والمعاصيّ والمباحاتِ بأسرها، كما يُشعر بذلك ﴿مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ
لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف: ٤٩] وجاء في الأثر تفسير الصغيرة
بالتبسُّم والكبيرةِ بالضحك(٢)، و﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبُ عِدٌ﴾ [ق: ١٨].
وقال آخرون: لا يكتبون المباحاتِ؛ إذ لا يترتَّب عليها شيءٍ.
وعن ابن عباس ظّها أنَّ مع كلِّ إنسان مَلَكين: أحدهما عن يمينه، والآخّر عن
يساره، فإذا تكلّم الإِنسان بحسنة كتبها مَن على اليمين، وإذا تكلّم بسيئة، قال مَن
(١) ص٨٤ فما بعد.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ص١٨٨- ١٨٩ موقوفاً على ابن عباس ﴿يا. وأخرج
الطبري ٢٨٤/١٥-٢٨٥ عنه: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ قال: الضحك.

سُؤَةُ الأَنْعَظ
٢١٢
الآية : ٦١
على اليمين لمن على اليسار: لِتنتظرْه لعله يتوب منها، فإنْ لم يتب كتب عليه.
والمشهور أنَّهما على الكتفين. وقيل: على الذَّقَن. وقيل: في الفم يمينه ويساره.
واللازمُ الإِيمان بهما دون تعيين محلّهما والبحث عن كيفية كتابتهما .
وظواهر الآيات تدلُّ على أنَّ اطّلاع هؤلاء الحفظةِ على الأقوال والأفعال،
كقوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ إلخ [ق: ١٨]، وقوله سبحانه: ﴿يَعَلَّمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾
[الانفطار: ١٢] وأما على صفات القلوب، كالإيمان والكفر مثلاً، فليس في الظواهر
ما يدلُّ على اطّلاعهم عليها، والأخبار بعضُها يدلُّ على الاطلاع، كخبر: ((إذا همَّ
العبد بحسنة ولم يعملها، كُتبت له حسنة)) (١) فإنَّ الهمَّ من أعمال القلب، كالإِيمان
والكفر، وبعضُها يدلُّ على عدم الاطّلاع، كخبر: ((إذا كان يومُ القيامة، يجاء
بالأعمال في صُحُف محكمة، فيقول الله تعالى: اقبلوا هذا وردُّوا هذا، فتقول
الملائكة: وعزَّتِك ما كتبنا إلَّا ما عَمل، فيقول سبحانه: إنَّ عمله كان لغيري، وإِّي
لا أقبل اليومَ إلَّا ما كان لوجهي)»(٢) وفي رواية مرسلةٍ لابن المبارك: ((إنَّ الملائكة
يرفعون أعمال العبد من عباد الله تعالی، فیستکثرونه ویزگّونه حتى يبلغوا به حيث
شاء الله تعالى من سلطانه، فيوحي اللهُ تعالى إليهم: إنكم حفظةُ عمل عبدي وأنا
رقيبٌ على ما في نفسه، إنَّ عبدي هذا لم يُخلِص في عمله، فاجعلوه في سِجِّين))
الحديث(٣).
والقائلُ بأنهم لا يكتبون إلَّا الأعمالَ الظاهرة يقول: معنى ((كُتبت)) في حديث
الهمّ بالحسنة: ثَبتت عندنا وتحقَّقت، لا كُتبت في صحف الملائكة.
والقائلُ بأنهم يكتبون الأعمالَ القلبية يقول باستثناء الرِّياء، فيكتبون العملَ
دونه، ويُخفيه اللهُ تعالى عنهم ليُبطلَ سبحانه به عملَ المرائي بعد كتابته، إمَّا في
الآخرة أو في الدنيا، زيادةً في تنکیله وتفظيعٍ حاله.
ولعل هذا كما يُفعل به يوم القيامة من ردِّه إلى النار بعد تقريبه من الجنة. فقد
روى أبو نُعيم والبيهقيُّ وابن عساكر وابنُ النجَّار أنه يؤمر بناسٍ يومَ القيامة إلى
(١) أخرجه البخاري (٦٤٩١) ومسلم (١٣١) من حديث ابن عباس ؤها مرفوعاً مطولاً.
(٢) أخرجه ابن عساكر عن أنس رضيله كما في كنز العمال (٧٥٠٦).
(٣) الزهد لابن المبارك (٤٥٢). وهو من طريق ضمرة بن حبيب عن النبي ومَّر.

الآية : ٦١
٢١٣
سُورَةُ الأَنْعَام
الجنة، حتى إذا دنَوا منها واستنشقوا ريحَها، ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعدَّ الله
تعالى لأَهلها، نُودوا أَن اصرفوهم عنها لا نصيبَ لهم فيها، فيرجعون بحسرةٍ
ما رَجَعَ الأوَّلون والآخِرون بمثلها، فيقولون: ربّنا، لو أدخلتَنا النار قبل أن تُريَنا
ما أريتنا من ثوابك وما أَعددتَ فيها لأوليائك، كان أهونَ علينا. قال: ذلك أردتُ
بكم يا أشقياء، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لَقِيتم الناسَ لقيتموهم
مُخبتين، تراؤون الناس بأعمالكم خلافَ ما تُعطوني من قلوبكم، هِبتم الناس ولم
تهابوني، وأَجللتم الناسَ ولم تُجِلُّوني، وتركتم للناس ولم تتركوا لي، فاليومَ
أُذيقكم العذاب مع ما حُرمتم من الثواب(١). والكلُّ عندي محتمل ولا قطع،
فتدبّر .
واختلفوا في أنَّ الحفظة هل يتجدَّدون كلَّ يوم وليلةٍ أم لا؟ فقيل: إنهم
يتجدَّدون، وملائكةُ الليل غير ملائكة النهارِ دائماً إلى الموت. وقيل: إنَّ ملائكة
الليل يذهبون فتأتي ملائكةُ النهار، ثم إذا جاء الليلُ ذهبوا ونزل ملائكة الليل
الأوَّلون لا غيرُهم، وهكذا. وقيل: إنَّ ملائكة الحسنات يتجدَّدون دون ملائكةٍ
السيئات. وهو الذي يقتضيه حسنُ الظنّ بالله تعالى.
واختلف في مقرِّهم بعد موت المكلّف، فقيل: يرجعون مطلقاً إلى معابدهم في
السَّماء. وقيل: يبقَون حِذاءَ قبرِ المؤمن يستغفرون له حتى يقومَ من قبره(٢) .
وصحّح غير واحدٍ أنَّ كاتب الحسنات لا ينحصرُ في واحد؛ لحديث: ((رأيتُ
كذا وكذا يبتدرونها أيُّهم يكتبها أولُ»(٣).
والحكمة في هؤلاء الحفظةِ أنَّ المكلف إذا علم أنَّ أعماله تُحفظ عليه وتعرض
على رؤوس الأشهاد، كان ذلك أزجرَ له عن تعاطي المعاصي والقبائح، وأنَّ
(١) حلية الأولياء ١٢٤/٤-١٢٥، وشعب الإيمان (٦٨٠٩). والحديث أورده الهيثمي في مجمع
الزوائد ٢٢٠/١٠ وقال: فيه أبو جنادة، وهو ضعيف.
(٢) كما أخرج أبو الشيخ في العظمة (٥٠٥)، والبيهقي في الشعب (٩٩٣١) من حديث
أنس رضُبه .
(٣) أخرجه البخاري (٧٩٩) من حديث رِفاعة بن رافع الزُّرَقي ◌َّ ◌ُله. وأخرجه مسلم (٦٠٠) من
به .
حديث أنس

سُؤَدَّةُ الأَنْسَهُ
٢١٤
الآية : ٦١
العبد إذا وثق بلطف سيِّده، واعتمد على سَتره وعفوه، لم يحتشم منه احتشامَه من
خَدَمِه المطَّلعين عليه.
وقول الإِمام(١): يحتمل أن تكونَ الفائدة في الكتابة أن توزنَ تلك الصحائفُ
يومَ القيامة؛ لأنَّ وزن الأعمال غیرُ ممکن، بخلاف وزن الصحائف فإنه ممکن = ليس
بشيءٍ كما لا يخفى. والقولُ بوزن الصحائف أنفسِها قولٌ لبعضهم.
هذا (ويرسل)) إمَّا مستأنف، أو عطفٌ على ((القاهر)) لأنه بمعنى: الذي يَقهر،
وعطفُه - كما زعم أبو البقاء(٢) - على ((يتوفاكم)) وما بعده من الأَفعال المضارعة
ليس بشيء، كاحتمال جعلهِ حالاً من الضمير في ((القاهر)) أو في الظرف؛ لأنَّ الواو
الحاليةَ - كما أشرنا إليه آنفاً - لا تدخل على المضارع، وتقديرُ المبتدأ لا يُخرجه
عن الشُّذوذ على الصحيح.
((وعليكم)) متعلِّق بـ ((يرسل)) لِمَا فيه من معنى الاستيلاء. وتقديمُه على المفعول
الصريح لما مرَّ غيرَ مرة من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر. وقيل: هو
متعلّق بمحذوف وقع حالاً من ((حفظة)) إذ لو تأخّر لكان صفة، أي: كائنين عليكم.
وقيل: متعلِّق بـ ((حفظة)) وهو جمع حافظ، كـ: كَتَبة وكاتب.
و((حتى)) في قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَّةَ أَعَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ هي التي يُبتدأ بها
الكلام، وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطيةِ غايةً لما قبلها، كأنه
قيل: ويرسل عليكم حفظةً يحفظون ما يحفظون منكم مدةً حياتكم، حتى إذا انتهت
مدةُ أحدكم وجاء أسبابُ الموت ومباديه ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ الآخَرون المفوّض إليهم
ذلك، وانتهى هناك حفظُ الحفظة.
والمرادُ بالرسل - على ما أخرجه ابن جَرير(٣) وأبو الشَّيخ(٤) عن ابن
عباس ﴿ا - أعوانُ مَلَكِ الموت. ونحوه ما أخرجاه(٥) عن قتادةَ قال: إنَّ مَلَك
(١) في مفاتح الغيب ١٣/ ١٥ .
(٢) ذكر في الإملاء ٥٥٦/٢-٥٥٧ أربعة أوجه منها هذا، ولم يرجح شيئاً.
(٣) في تفسيره ٩/ ٢٩٠-٢٩١.
(٤) في العظمة (٤٥٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٧٢/١٣، وابن أبي حاتم ١٣٠٧/٤.
(٥) تفسير الطبري ٢٩١/٩، والعظمة (٤٥٥).

الآية : ٦٢
٢١٥
سُؤَدَّةُ الأَنْتُ
الموت له رسل يباشرون قبضَ الأرواح، ثم يدفعونها إلى مَلَك الموت. وأَخرج
عبد الرزاق(١) وابنُ المنذر عن الكلبيِّ: أنَّ ملك الموت هو الذي يلي ذلك، ثم
يدفع الروحَ إن كانت مؤمنةً إلى ملائكة الرحمة، وإن كانت كافرةً إلى ملائكة
العذاب.
والأكثرون على أنَّ المباشر مَلَكُ الموت، وله أعوانٌ من الملائكة، وإِسناد
الفعلِ إلى المباشر والمعاون معاً مجاز، كما يقال: بنو فلانٍ قتلوا قتيلاً، والقاتل
واحدٌ منهم، وقد جاء إسنادُ الفعل إلى ملك الموتِ فقط باعتبار أنَّه المباشر،
وإلى الله تعالى باعتبار أنه سبحانه الآمر الحقيقيّ.
وقد أشرنا فيما تقدَّم أنَّ بعض الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم قال: إنَّ المتوفِّي
تارةً يكون هو الله تعالى بلا واسطة، وتارة المَلَك، وتارة الرُّسل غيره(٢)، وذلك
حسب اختلافِ أحوال المتوفَّى. وعن الزجَّاج(٣) - وهو غريب - أنَّ المراد بالرُّسل هنا
الحفظة، فيكون المعنى: يرسلهم للحفظ في الحياة والتوفِّي عند مجيءٍ الممات.
وقرأ حمزة: ((توقَّاه)) بألفٍ ممالة (٤). وقُرئ في الشواذِّ: ((تتوفّاه))(٥).
﴿وَهُمْ﴾ أي: الرسل ﴿لَا يُفَرِّطُونَ ﴾﴾ بالتَّواني والتأخير.
وقرأ الأعرج: ((يُفْرِطون)) بالتخفيف(٦)، من الإِفراط، وهو مجاوزة الحدِّ،
وتكون بالزيادة والنقصان، أي: لا يجاوزون ما حدَّ لهم بزيادةٍ أو نقصان.
والجملة حالٌ من ((رسلنا))، وقيل: مستأنفةٌ سيقت لبيان اعتنائهم بما أُمروا به.
﴿ثُمَّ رُدُّوَا﴾ عطفٌ على ((توفته))، والضمير - كما قيل - للكلِّ المدلول عليه
بـ ((أحد)»، وهو السرُّ في مجيئه بطريق الالتفات. والإِفرادُ أوَّلاً والجمع آخراً؛ لوقوع
التوِّي على الانفراد، والردِّ على الاجتماع.
(١) في تفسيره ٢٠٩/٢، وابن جرير ٢٩١/٩.
(٢) في (م): وغيره.
(٣) في معاني القرآن ٢٥٨/٢.
(٤) التيسير ص١٠٣، والنشر ٢٥٨/٢.
(٥) الإملاء ٥٥٨/٢، وانظر الدر المصون ٤ / ٦٦٧.
(٦) المحتسب ٢٢٣/١.

سُورَةُ الأَنْعَل
٢١٦
الآية : ٦٢
وذهب بعض المحقّقين أنَّ فيه التفاتاً من الخطاب إلى الغَيبة ومن التكلُّم إليها؛
لأن الردَّ يناسبه الغيبة بلا شبهةٍ وإنْ لم يكن الردُّ حقيقة؛ لأنهم ما خرجوا من قبضة
حكمِه سبحانه طرفةَ عين.
ونقل الإِمام(١) القولَ بعود الضميرِ على الرسل، أي: أنهم يموتون كما
يموت بنو آدم.
والأوَّل هو الذي عليه غالبُ المفسِّرين. والمراد: ((ثم ردوا)) بعد البعثِ
والحشر، أو من البرزخ ﴿إِلَى اللَِّ﴾ أي: إلى حكمه وجزائه، أو إلى موضع العرض
والسؤال ﴿مَوْلَئُمْ﴾ أي: مالِكهم الذي يلي أمورَهم على الإطلاق، ولا ينافي ذلك
قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] لأنَّ المولَى فيه بمعنى الناصر.
﴿اَلْحَقِّ﴾ أي: العدلِ، أو مُظهِر الحق، أو الصادقِ الوعد.
وذكر حجّة الإِسلام قدّس سره (٢): أن الحقَّ مقابلُ الباطل، وكلُّ ما يُخبَر عنه
فإمَّا باطل مطلقاً، وإمَّا حق مطلقاً، وإمّا حق من وجهٍ باطلٌ من وجه. فالممتنع
بذاته هو الباطلُ مطلقاً، والواجبُ بذاته هو الحقُّ مطلقاً، والممكن بذاته الواجبُ
بغيره حقٌّ من وجه باطلٌ من وجه، فمن حيث ذاتُه لا وجودَ له، فهو باطل، ومن
جهة غيره مستفيدٌ للوجود، فهو حقٌّ من الوجه الذي يلي مفيدَ الوجود. فمعنى الحقِّ
المطلق هو: الموجودُ الحقيقيُّ بذاته الذي منه يؤخذ كلُّ حقيقة، وليس ذلك إلَّ اللهُ
تعالى. وهذا هو مرادُ القائل: إنَّ الحق هو الثابتُ الباقي الذي لا فَنَاء له.
وفي ((التفسير الكبير))(٣): إنَّ لفظ المولى والوليِّ مشتقّان من القُرب، وهو
سبحانه القريبُ، ويُطلق المولى أيضاً على المعتِقِ، وذلك كالمشعِر بأنه جلَّ شأنه
أَعتقهم من العذاب، وهو المراد من قوله سبحانه(٤): ((سبقت رحمتي غضبي))،
وأيضاً أضاف نفسه إلى العبيد وما أَضافهم إلى نفسه، وذلك نهايةُ الرحمة، وأيضاً
(١) في تفسيره ١٣/ ١٧ .
(٢) في المقصد الأسنى ص١٢٦-١٢٧ .
(٣) ١٧/١٣-١٨.
(٤) أي: في الحديث القدسي، أخرجه البخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٧٥١) من حديث
أبي هريرة رضيالله، وقد سلف ١١٤/١.

الآية : ٦٢
٢١٧
سُورَةُ الْأَنْعَل
قال عزَّ اسمه: ((مولاهم الحق)) والمعنى: إنهم كانوا في الدنيا تحت تصرُّفات
الموالي الباطلة، وهي: النفس، والشَّهوة، والغضب، كما قال سبحانه: ﴿أَفَعَيْتَ مَنِ
أَخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنُهُ﴾ [الجائیة: ٢٣] فلما مات الإنسان، تخلَّص من تصرُّفات الموالي
الباطلة، وانتقل إلى تصرُّفات المولى الحقِّ. انتهى. وهو كما ترى.
وادَّعى أن هذه الآيةَ من أدلِّ الدلائل على أنَّ الإنسان ليس عبارة عن مجرَّد
هذه البنية؛ لأنَّ صريحها يدلُّ على حصول الموتِ للعبد، ويدلُّ على أنه بعد
الموت يُرَدُّ إلى الله تعالى، والميِّت مع كونه ميتاً لا يمكن أن يردّ إلى الله تعالى؛
لأن ذلك الردّ ليس بالمكان والجهة؛ لتعاليه سبحانه عنهما، بل يجب أن يكونَ
مفسَّراً بكونه منقاداً لحكم اللهِ تعالى مطيعاً لقضائه، وما لم يكن حيًّا لا يصحُّ هذا
المعنى فيه، فثبت أنَّه حصل هاهنا موتٌ وحياة، أما الموتُ فنصيبُ البدن، فتبقى
الحياة نصيبَ الروح، ولَمَّا قال سبحانه: ((ردوا)) وثبت أنَّ المردود هو الروح، ثبت
أنَّ الإنسان ليس إلَّا هي، وهو المطلوب. وكذا تُشعر بكون الروح موجودةٌ قبل
التعلُّق بالبدن؛ لأن الردَّ من هذا العالَم إلى حضرة الجلال إنَّما يكون لو كانت
موجودةً كذلك، ونظيرُه قوله سبحانه: ﴿أَرْجِعِّ إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] وقوله تعالى:
﴿ِثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥]. ولا يخفى ما في ذلك، فتدبّر.
وقُرئ: ((الحقَّ» بالنصب على المدح(١). وجوِّز أن يكونَ على أنه صفةٌ
للمفعول المطلق، أي: الردَّ الحقَّ، فلا يكون حينئذٍ المراد به الله عزَّ وجل.
والأوَّل أَظهر.
﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يومئذٍ صورةً ومعنّى، لا لغيره بوجه من الوجوه. واستدلَّ بذلك
على أنَّ الطاعة لا توجِب الثوابَ، والمعصيةَ لا توجب العقاب؛ إذ لو ثبت ذلك،
لَثبت للمطيع على الله تعالى حكمٌ، وهو أخذُ الثواب، وهو ينافي ما دلَّت عليه الآيةُ
من الحصر.
﴾ يحاسب جميعَ الخلائق بنفسه في أسرع زمانٍ
٦٣
﴿وَهُوَ أَسْرَعُ اْخَسِينَ
وأقصرِهِ، ويلزم هذا ألَّا يَشغلَه حسابٌ عن حساب، ولا شأنٌ عن شأن.
(١) القراءات الشاذة ص٣٧-٣٨.
٠

سُؤَدَّةُ الْأَنْعَم
٢١٨
الآية : ٦٢
وفي الحديث أنه تعالى يحاسب الكلَّ في مِقدار حَلْب شاة(١). وفي بعض
الأخبار: في مقدار نصفٍ يوم (٢).
وذهب بعضُهم إلى أنَّه تعالى لا يحاسب الخلقَ بنفسه، بل يأمر سبحانه
الملائكةَ عليهم السلام، فيحاسب كلُّ واحدٍ منهم واحداً من العباد.
وذهب آخرون إلى أنه عزَّ وجلَّ إنَّما يحاسب المؤمنين بنفسه، وأمَّا الكفارُ
فتحاسبهم الملائكة؛ لأنه تعالى لو حاسبهم لتكلَّم معهم، وذلك باطل؛ لقوله تعالى
في صفتهم: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ﴾ [البقرة: ١٧٤].
وأجاب الأوَّلون عن هذا بأنَّ المراد أنه تعالى لا يكلِّمهم بما ينفعهم؛ فإنَّ
ظواهر الآيات - ومنها ما تقدَّم في هذه السورة من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَيْنَ شُكّاؤُكُمُ الَّذِينَ كُمْ تَرْعُمُونَ﴾ [الآية: ٢٢] وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ
تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقُّ قَالُواْ بَى وَرَيْنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ﴾ [الآية: ٣٠] - تدلُّ على تكليمه تعالى لهم في ذلك اليوم.
ثم إنَّ كيفية ذلك الحسابِ مما لا تُحيط بتفصيلها عقولُ البشر من طريق الكفر
أصلاً، وليس لنا إلَّا الإيمانُ به مع تفويض الكيفيةِ وتفصيلها إلى عالم الغيب
والشهادة .
وادَّعى الفلاسفة أنَّ كثرةَ الأفعال وتكرُّرها يوجب حدوثَ المَلَكات الراسخة،
وأنه يجب أن يكونَ لكلِّ واحد من تلك الأعمالِ أثرٌ في حصول تلك المَلَكة، بل
يجب أن يكونَ لكلِّ جزء من أجزاء العملِ الواحد أثرٌ بوجهٍ ما في ذلك، وحينئذٍ
يقال: إنَّ الأفعال الصادرة من اليد هي المؤثِّرة في حصول المَلَكة المخصوصة،
وكذلك الأفعالُ الصادرة من الرِّجل، فتكون الأيدي والأرجلُ شاهدةً على الإنسان،
بمعنى أن تلك الآثارَ النفسانية إنَّما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعالِ
الصادرة عن هذه الجوارح، فكان ذلك الصدورُ جارياً مَجرى الشهادة بحصول تلك
الآثارِ في جواهر النّفْس.
(١) أورده الزمخشري في الكشاف ٣٥١/١، وسكت عنه الزيلعي وابن حجر في تخريج أحاديثه.
(٢) لم نقف عليه، وسلف عند تفسير الآية (٤) من سورة المائدة.

الآية : ٦٣
٢١٩
سُورَةُ الأَنْعَام
وأما الحساب، فالمقصودُ منه استعلامُ ما بقي من الدخل والخرج، ولَمَّا كان
لكلِّ ذرَّة من الأعمال أثرٌ حسن أو قبيح حسَبَ حُسن العملِ وقبحه، ولا شكَّ أن
تلك الأعمالَ كانت مختلفة، فلا جَرَمَ كان بعضها معارَضاً بالبعض، وبعد حصولٍ
المعارضة يبقى في النفس قَدْرٌ مخصوص من الخُلُق الحميد، وقَدْرٌ آخَرُ من
الذميم، فإذا مات الجسدُ ظهر مقدار ذلك، وهو إنَّما يحصل في الآنِ الذي
لا ينقسم، وهو الآنُ الذي فيه ينقطع تعلُّق(١) النفس من البدن، فعبَّر عن هذه
الحالةِ بسرعة الحساب.
وزَعَمَ مَن نَقَلَ هذا عنهم أنَّه من تطبيق الحِكمة النبويَّةِ على الحكمة الفلسفية،
وأنا أقول :
راحت مشرِّقةً ورُحْتْ مغرِّباً شئَّان بين مشرِّق ومغربٍ(٢)
﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنْ فُتِ الْبَرِّ وَالْبَحٍْ﴾ أي: قل لهم تقريراً بانحطاط
شركائهم عن رتبة الإلهيّة. والمرادُ من ((ظلمات البرِّ والبحر)) كما رُوي عن ابن
عباس ﴿ً: شدائدُهما وأَهوالهما التي تُبطل الحواسَّ وتدهش العقول.
والعرب - كما قال الزجَّاج(٣) - تقول لليوم الذي تلقَى فيه شدَّة: يومٌ مظلم،
حتى إنهم يقولون: يومٌ ذو كواكب، أي: إنه يومٌ قد اشتدَّت ظلمته حتى صار
كالليل في ظلمته، وأَنشد:
بني أسدٍ هل تعلمون بلاءَنا إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أَشهبُ (٤)
ومن الأمثال القديمة: رأى الكواكبَ ظهراً، أي: أظلم عليه يومُه لاشتداد
(١) في (م): وهو الآن الذي فيه فيقطع فيه تعلق، والمثبت من الأصل وتفسير الرازي ٢٠/١٣،
والكلام منه.
(٢) ذكره الباقلاني في إعجاز القرآن ص٣٢٩، واليوسي في زهر الأكم ٢٢٢/١ دون نسبة.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ٢٥٨.
(٤) وكذلك أنشده في اللسان (ظلم)، وأنشده سيبويه في الكتاب ١/ ٤٧ هكذا:
قدّى لبني ذُهل بن شيبانَ ناقتي إذا كان.
ونسبه لمقَّاس العائذي. وأنشد بعده لعمرو بن شأس:
بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعا

سُورَةُ الأَنْتَّعام
٢٢٠
الآية : ٦٣
الأمرِ فيه، حتى كأنه أَبصرَ النجمَ نهاراً. ومن ذلك قولُ طَرَفة(١):
إن تنوِّلْه فقد تَمنعُهُ وتُريه النجم يَجري بالظُهُرْ
وقيل: المراد: ظلمةُ الليل وظلمةُ السحاب وظلمةُ البحر.
وقيل: ظلمة البرِّ بالخسف فيه، وظلمةُ البحر بالغرق فيه.
والظلمات على الأوَّل ـ كما قيل - استعارةٌ، وعلى الأخيرَين حقيقةٌ، ومنهم مَن
جعلها كنايةً عن الخسف والغرق، والكلامُ في الكناية معلوم، ومن جوَّز جمعَ
الحقيقة والمجاز فسَّر الظلماتِ بظلمة الليل، والغيم، والبحر، والتِّيه، والخوف.
وقرأ يعقوبُ وسهل: ((يُنْجِيكم)) بالتخفيف(٢)، من الإِنجاء، والمعنى واحد.
وقوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ في موضع الحالِ من مفعول ((ينجيكم)) كما قال
أبو البقاء (٣)، والضمير لـ ((مَن)) أي: مَن ينجيكم منها حالَ كونِكم داعين له.
وجوِّز أن يكون حالاً من فاعله، أي: مَن ينجيكم منها حالَ كونِه مدعوًّا من
جھتکم .
﴿َتَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ أي: إِعلاناً وإسراراً، كما روي عن ابن عباسٍ ◌َّ والحسنِ.
فنصبُها على المصدريّة. وقيل: بنزع الخافض. والإِعلانُ والإِسرار يحتمل أن يرادَ
بهما ما باللسان، ويحتمل أن يرادَ بهما ما باللسان والقلب. وجوِّز أن يكونا
منصوبَين على الحال من فاعل ((تدعون)) أي: معلنين ومسرِّين.
وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((خِفية)) بكسر الخاء(٤)، وهو لغةٌ فيه، كالأسوة والإسوة.
وقولُه سبحانه: ﴿لَّيْنْ أَنْجَنَ﴾ في محلِّ النصبِ على المفعولية لقولٍ مقدَّرٍ وقع
حالاً من فاعل ((تدعون)) أيضاً، أي: قائلين: لَئن أنجيتنا، والكوفيُّون يحكون بما
يدلُّ على معنى القول، كتدعون، من غيرِ تقدير. والصحيحُ التقدير.
وقيل: إنَّ الجملة القَسَمية تفسيرٌ للدعاء، فلا محلَّ لها .
(١) البيت في ديوانه ص٥٢.
(٢) مجمع البيان ٧/ ٨٨، وقراءة يعقوب في النشر ٢٥٨/٢-٢٥٩.
(٣) في الإملاء ٥٥٨/٢ -٥٥٩.
(٤) التيسير ص١٠٣، والنشر ٢٥٩/٢.