Indexed OCR Text
Pages 161-180
الآية : ٤١ ١٦١ سُورَةُ الأَنْعَمُ الشفاعة، وقد غَفَلَ عن هذا من اتَّبعه = كلامٌ(١) خالٍ عن التحقيق، والمعتزلة على ما في ((مجمع البحار)) لا ينفُون الشفاعة في فصل القضاءِ، وإنما يُنكرون الشفاعةً لأهل الكبائر والكفارِ في النَّجاة من النار. هذا واختلف المفسِّرون في جواب الشرط الأوَّل، فقيل: محذوف تقديره: فمَن تدعون. وقيل - وعليه أبو البقاء(٢) -: تقديره: دعوتم الله تعالى. وقيل: إنه مذكور وهو ((أرأيتكم)). وقيل - ونُسب للرَّضي -: هو الجملة المتضمِّنة للاستفهام بعده. وهو كالمتعيِّن على بعض الأقوال، وردّه الدمامينيُّ بأن الجملة كذلك لا تقع جواباً للشَّرط بدون فاء. وبحث في ذلك الشِّهاب في حواشيه على شرح ((الكافية)) للرَّضي. وقال أبو حيان(٣) - وتبعه غيرُ واحد ـ: الذي أذهب إليه أن يكونَ الجواب محذوفاً لدلالة ((أرأيتكم)) عليه، تقديره: إن أتاكم عذابُ الله تعالى فأخبروني عنه أتدعون غيرَ الله تعالى لكشفه؟ كما تقول: أَخبِرني عن زيد إنْ جاءك ما تصنع به؟ فإنَّ التقدير: إن جاءك فأَخبِرني، فحذف الجواب لدلالة أخبرني عليه، ونظيرُ ذلك: أنت ظالم إنْ فعلتَ. انتهى. فافهم ولا تغفُل. وقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾﴾ عطفٌ على ((تدعون))، والنِّسيان مجاز عن الترك كما رُوي عن ابن عباس ﴿ّ، أي: تتركون ما تُشركون به تعالى من الأصنام تركاً كليًّا . وقيل: يحتمل أن يكونَ على حقيقته؛ فإنهم لشدَّة الهول ينسَون ذلك حقيقة، ولا يَخطر لهم ببال، ولا يلزم حينئذٍ أن يُنسى الله تعالى؛ لأن المعتاد في الشَّدائد أن يُلهجَ بذكره تعالى ويُنسى ما سواه سبحانه. وقدَّم الكشف مع تأخّره عن النسيان كتأخره عن الدعاء؛ لإظهار كمالِ العناية بشأنه والإِيذانِ بترتُّبه على الدعاء خاصّة . (١) خبر لقوله: فقول بعضهم. (٢) في الإملاء ٥٤٣/٢. (٣) في البحر ٤ /١٢٨ . سُورَةُ الأَنْدَل ١٦٢ الآية : ٤٢ - ٤٣ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَرٍ مِّنِ قَبْلِكَ﴾ كلام مستأنف سيقَ لبيان أنَّ من المشركين مَن لا يدعو الله تعالى عند إتيان العذاب؛ لتماديه في الغَيِّ والضلال، ولا يتأثَّر بالزواجر التكوينية، كما لا يتأثَّر بالزَّواجر التنزيلية. وقيل: مسوقٌ لتسليتِهِ وَّل. وتصديرُ الجملة بالقَسم لإِظهار مزيدِ الاهتمام بمضمونها، والمفعول محذوف؛ لأنَّ مقتضى المقام بيانُ حالِ المرسَل إليهم لا حالِ المرسَلين، وتنوين ((أمم)) للتكثير، و((مِن)) ابتدائية، أو بمعنى: في، أو زائدة، بناءً على جواز زيادتها في الإِثبات، وضعِّف. أي: تاللِ لقد أرسلنا رسلاً إلى أمم كثيرة كائنةٍ من زمان، أو في زمان قبلَ زمانك ﴿فَلَخَذْتَهُمْ﴾ أي: فكذَّبوا فعاقبناهم ﴿بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرَآءِ﴾ أي: البؤس والضُّر. وأخرج أبو الشَّيخ عن ابن جُبير أنه قال: خوفُ السلطان، وغلاء السعر(١). وقيل: البأساء: القحطُ والجوع، والضرَّاء: المرض ونقصان الأنفُس والأموالِ. وهما صيغتا تأنيثٍ لا مذكَّر لهما على أفعل كـ : أحمر حمراء، كما هو القياس، فإنه لم يُقَل: أضرُّ وأبأس، صفةً، بل للتفضيل. ﴾ أي: لكي يتذلَّلوا فيدْعُوا ويتوبوا من كفرهم. ٤٢ ﴿لَعَلَّهُمْ بَضَّعُونَ ( ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ أي: فلم يتضرَّعوا حينئذ مع وجود المقتضي وانتفاءِ المانع الذي يُعذَرون به. و((لولا)) عند الهرويِّ(٢) تكون نافيةً حقيقةً، وجَعَلَ من ذلك قولَه تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨]، والجمهورُ حملوه على التوبيخ والتنديم، وهو يفيد التركَ وعدمَ الوقوع؛ ولذا ظهر الاستدراكُ والعطف في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وليست ((لولا)) هنا (١) الدر المنثور ٣/ ١١. (٢) في الأزهية ص١٦٩. وهو أبو الحسن علي بن محمد الهروي، كان عالماً بالنحو إماماً في الأدب، وكان مقيماً بالديار المصرية. بغية الوعاة ٢٠٥/٢ . الآية : ٤٤ ١٦٣ سُورَةُ الْأَنْتَعَل تحضيضية كما تُوُهِّم، لأنها تختصُّ بالمضارع، واختار بعضُهم ما ذهب إليه الهرويُّ. ولما كان التضرُّع ناشئاً من لين القلب، كان نفيُه نفيَه، فكأنه قيل: فما لانت قلوبُهم ولکن قست. وقيل: كان الظاهرُ أن يقال: لكن يجب عليهم التضرُّع، إلَّا أنه عدل إلى ما ذكر؛ لأنَّ قساوة القلبِ التي هي المانع يُشعر بأنَّ عليهم ما ذكر. ومعنى ((قست)) إلخ: استمرَّت على ما هي عليه من القساوة، أو ازدادت قساوةً. ®﴾ من الكفر والمعاصي، فلم ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يُخطِروا بيالهم أنَّ ما اعتراهم من البأساء والضرّاء ما اعتراهم إلَّا لأجله. والتزيين له معانٍ، أحدها: إيجاد الشيءٍ حسناً مزيَّناً في نفس الأمر، كقوله تعالى: ﴿رَبَّّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الصافات: ٦] والثاني: جعلُه مزيناً من غير إيجاد، كتزيين الماشطة العروسَ. والثالث: جعله محبوباً للنفس مشتهى للطبع وإن لم يكن في نفْسه كذلك، وهذا إما بمعنى خلق الميلِ في النفس والطبع، وإمَّا بمعنى تزويقه وترويجِه بالقول وما يُشبهه، كالوسوسة والإِغواء، وعلى هذا يبنَى أمرُ إِسناده، فإنه جاء في النظم الكريم تارةً مسنداً إلى الشيطان، كما في هذه الآية، وتارةً إليه سبحانه، كما في قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ زَيًَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وتارةً إلى البشر، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآ ؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. فإن كان بالمعنى الأوَّل، فإسنادُه إلى الله تعالى حقيقة، وكذلك إذا كان بالمعنى الثالث بناءً على المراد منه أوَّلاً، وإن كان بالمعنى الثاني أو الثالث بناءً على المراد منه ثانياً، فإسنادُه إلى الشيطان أو البشرِ حقيقة، ولا يمكن إسنادُ ما يكون بالإِغواء والوسوسة إليه سبحانه كذلك. وجاء أيضاً غيرَ مذكور الفاعل، كقوله سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ١٢] وحينئذ يقدَّر في كلِّ مكان ما يليق به، وقد مرَّ لك ما يتعلَّق بهذا البحث فتذكَّر. ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: تركوا ما دعاهم الرسل عليهم الصلاة والسلام إليه وردُّوه عليهم ولم يتَّعظوا به، كما روي عن ابن جُرِيَج. سُورَةُ الأَنْقَم ١٦٤ الآية : ٤٤ وقيل: المرادُ أنهم انهمكوا في معاصيهم ولم يتَّعظوا بما نالهم من البأساء والضرَّاء، فلمَّا لم يتعظوا ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ من النِّعم الكثيرة كالرَّخاء وسَعَة الرزق، مكراً بهم واستدراجاً لهم. فقد روى أحمدُ(١) والطبرانيُّ(٢) والبيهقيُّ في ((شعب الإِيمان))(٣) من حديث عقبةَ بنِ عامر مرفوعاً: ((إذا رأيت الله تعالى يعطي العبدَ في الدنيا وهو مقيمٌ على معاصيه، فإنما هو استدراج)) ثم تلا رسولُ اللهِ وَلّ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ الآيَةَ وما بعدها. ورُوي عن الحسن أنه لَمَّا سمع الآية قال: مُكر بالقوم وربّ الكعبة، أُعطوا حاجتهم ثم أُخذوا . وقيل: المراد: فتحنا عليهم ذلك إلزاماً للحجَّة وإزاحةً للعلَّة. والظاهر أنَّ (فتحنا)) جوابُ ((لَّمَّا)) لأن فيها - سواءٌ قيل بحرفيَّتها أو اسميتها - معنى الشَّرط. واستُشكل ذلك بأنه لا يظهر وجهُ سببية النسيانِ لفتح أبواب الخير. وأُجيب بأن النِّسيان سبب الاستدراج المتوقّف على فتح أبواب الخير، وسببيةُ شيءٍ لآخر تستلزم سببيتَه لما يتوقّف عليه. أو يقال: إنَّ الجواب ما ذُكر باعتبار مآله ومحصّله، وهو: ألزمناهم الحجَّةَ، ونحوه، وتسبُّبه عنه ظاهر. وقيل: إنه مسبَّب عنه باعتبار غايته، وهو أخذُهم بغتةً. وقرأ أبو جعفر وابن عامر: ((فتَّحنا)) بالتشديد؛ للتكثير(٤). ﴿حَّ إِذَا فَرِحُواْ﴾ فرحَ بَطَرَ ﴿بِمَآ أُونُوا﴾ من النِّعم، ولم يقوموا بحقِّ المنعم جلَّ شأنه ﴿أَخَذْنَهُمْ﴾ عاقبناهم وأنزلنا بهم العذاب ﴿بَغْتَةً﴾ أي: فجأة؛ ليكونَ أشدَّ عليهم وأفظع هولاً. وهي نصب على الحاليَّة من الفاعل، أو المفعول، أي: مباغتين، أو مبغوتين، أو على المصدريَّة، أي: بغتناهم بغتةً. ﴾ أي: آيسون من النَّجاة والرحمة، كما رُوي عن ابن ﴿فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ ٤٤ (١) في مسنده (١٧٣١١). (٢) في الأوسط (٩٢٧٢)، والكبير ٣٣٠/١٧-٣٣١ (٩١٣) و(٩١٤). (٣) برقم (٤٥٤٠). (٤) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٨/٢. وقراءة أبي جعفر هذه من رواية ابن وردان. الآية : ٤٥ ١٦٥ سُورَةُ الأَنْعُ عباس ﴿ًّا. وقال البلخيّ: أذِلّة خاضعون. وعن السُّدِّي: الإِبلاس تغيُّر الوجه. ومنه سمِّي إبليس؛ لأن الله تعالى نكَّس وجهه وغيَّره. وعن مجاهد: هو بمعنى الاكتئاب. وفي الحواشي الشِّهابية: للإبلاس ثلاثةُ معانٍ في اللغة: الحزن، والحسرة، واليأس. وهي معانٍ متقاربة(١). وقال الراغب(٢): هو الحزن المعترِض من شدَّة اليأس، ولما كان المبلِس كثيراً ما يلزم السكوتَ وينسى ما يعنيه، قيل: أَبلس فلان، إذا سكت وإذا انقطعت حجّته. و((إذا)) هي الفجائية، وهي ظرف مكان كما نصَّ عليه أبو البقاء(٣). وعن جماعة أنَّها ظرفُ زمان. ومذهب الكوفيين أنها حرف، وعلى القولين الأوَّلين الناصبُ لها خبرُ المبتدأ، أي: أَبلسوا في مكان إقامتهم أو في زمانها . ﴿فَقُطِعَ دَائِرُ الْقَوْمِ اُلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: آخرُهم، كما قال غيرُ واحد، وهو من: دَبَره، إذا تَبِعه، فكأنه في دُبُره، أي: خلفَه، ومنه: ((إنَّ مِن الناس مَن لا يأتي الصلاةَ إلَّا دُبُراً)»(٤) أي: في آخر الوقت. وقال الأصمعيُّ: الدَّابر الأصل، ومنه: قطع الله دابرَه، أي: أصلَه. وأيًّا ما كان، فالمرادُ أنهم استؤصلوا بالعذاب ولم يبقَ منهم أحد، ووضع الظاهر موضعَ الضمير للإِشعار بعلَّة الحكم. ﴿وَاَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ على ما جرى عليهم من النَّكال والإِهلاك؛ فإنَّ إهلاك الكفارِ والعصاة من حيث إنه تخليصٌ لأهل الأرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالِهم الخبيئة نعمةٌ جليلة يحقُّ أن يحمدَ عليها، فهذا منه تعالى تعلیمٌ (١) في حاشية الشهاب ٦٢/٤: متغايرة. (٢) في مفرداته (بلس) والكلام من حاشية الشهاب ٤/ ٦٢ . (٣) في الإملاء ٥٤٥/٢ . (٤) قطعة من حديث عقبة بن عامر به، أخرجه العسكري في تصحيفات المحدثين ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥. وله شاهد من حديث أبي هريرة ظله عند أحمد (٧٩٢٦). وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٥/١٣-٢٩٦ عن ابن مسعود به موقوفاً عليه، وهو جزء من خطبته الطويلة. وأخرجه أيضاً ٣١٣/١٣ بنحوه عن أبي الدرداء ◌َظُبه موقوفاً. سُورَةُ الأَنْعَم ١٦٦ الآية : ٤٦ للعباد أن يحمدوه على مثل ذلك. واختار الطبرسيُّ(١) أنه حمدٌ منه عزَّ اسمه لنفسه على ذلك الفعل . ◌ِقُلْ﴾ يا محمدُ، على سبيل التبكيتِ والإِلزام أيضاً ﴿أَرَّيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَّكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ﴾ أي: أصمَّكم وأعماكم، فأخذُهما مجازٌ عما ذكر؛ لأنه لازم له، والاستدلالُ بالآية على بقاء العَرَض زمانين محلٌّ نظر. ﴿وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ بأن غطّى عليها بما لا يبقى لكم معه عقلٌ وفهم أصلاً. وقيل: يجوز أن يكونَ الختم عطفاً تفسيريًّا للأخذ؛ فإنَّ البصر والسمع طريقان للقلب، منهما يَرد ما يرده من المدرَكات، فأخذُهما سدٌّ لبابه بالكلِّية، وهو السرُّ في تقديم أخذهِما على الختم عليها. واعتُرض بأنَّ من المدركات ما لا يتوقّف على السمع والبصر؛ ولهذا قال غيرُ واحد بوجوب الإِيمان بالله تعالى على مَن وُلد أعمى أصمَّ وبلغ سنَّ التكليف. وقيل في التقديم: إنه من باب تقديم ما يتعلَّق بالظاهر على ما يتعلَّق بالباطن. ووجهُ تقديم السمع وإفرادِه قد تقدَّمت الإِشارةُ إليه(٢). ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَلَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: بذلك، على أنَّ الضمير مستعار لاسم الإِشارة المفرَد؛ لأنه الذي كثر في الاستعمال التعبيرُ به عن أشياءَ عِدَّة، وأمّا الضمير المفرَد فقد قيل فيه ذلك. ونقل عن الزَّجاج أنَّ الضمير راجعٌ إلى المأخوذ والمختوم عليه في ضمن ما مرَّ، أي: المسلوب منكم (٣)، أو راجع إلى السمع، وما بعدَه داخلٌ معه في القصد. ولا يخفى بُعده. وجوِّز أن يكونَ راجعاً إلى أحد هذه المذكورات. و(مَن)) مبتدأ، و ((إله)) خبرُه، و((غيرُ)) صفةٌ للخبر، و((يأتيكم)) صفة أخرى. والجملة - كما قال غيرُ واحد - متعلَّق الرؤية ومناطُ الاستخبار، أي: أَخبروني إنْ سلب اللهُ تعالى مشاعركم مَن إلهٌ غيره سبحانه يأتيكم به؟ وترك كاف الخطاب هنا قيل: لأنَّ التخويف فيه أخفُّ مما تقدَّم ومما يأتي. وقيل: اكتفاءً بالسابق (١) في مجمع البيان ٧/ ٦٤ - ٦٥ . (٢) ٣٩٩/١ - ٤٠٠. (٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٤/ ٦٣. الآية : ٤٧ ١٦٧ سُورَةُ الأَنْعَم واللاحق؛ لتوسُّط هذا الخطاب بينهما. وقيل: لَمَّا كان هذا العذابُ مِمَّا لا يبقى القوم معه أهلاً للخطاب، حُذفت كافه، إيماءً لذلك ورعايةً لمناسبة خفيّة . ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ﴾ أي: نكرِّرها على أنحاء مختلفة، ومنه تصريفُ الرياح. والمراد من الآيات - على ما رُوي عن الكلبي - الآياتُ القرآنية، وهل هي على الإِطلاق، أو ما ذُكر من أوَّل السورة إلى هنا، أو ما ذكر قبلَ هذا؟ أقوال، أقربها عندي الأقربُ، وفيها الدالُّ على وجود الصانع وتوحيدِه، وما فيه الترغيبُ والترهيب، والتنبيهُ والتذكير. وهذا تعجيبٌ لرسول الله وَل ـ وقيل: لمن يصلحُ للخطاب - من عدم تأثّرهم بما مرَّ من الآيات الباهرات. ﴾ أي: يُعرضون عن ذلك، وعن ابن عباسٍ ضَّ أَنشد ٤٦ ﴿ِثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ لهذا المعنى قولَ أبي سفيان بن الحارث(١): عجبتُ لحكم اللهِ فينا وقد بدا له صَدْفُنا عن كلِّ حقٌّ منزَّلٍ(٢) وذكر بعضُهم أنه يقال: صدف عن الشيء صدوفاً، إذا مال عنه. وأصله من الصَّدَف: الجانب والناحية، ومثله الصَّدَفة، وتطلق على كلِّ بناءٍ مرتفع. وجاء في الخبر: أنه وَِّ مرَّ بصَدَف مائلٍ فأسرع(٣). والجملة عطفٌ على ((نصرِّف)) داخلٌ معه في حكمه، وهو العمدة في التعجيب. و((ثم)) للاستبعاد، أي: إنهم بعد ذلك التصريفِ الموجب للإقبال والإِيمان يُدْبِرون ويكفرون. ﴿قُلْ أَرَءَيْتَّكُمْ﴾ تبكيتٌ آخَرُ لهم بإِلجائهم إلى الاعتراف باختصاص العذابِ بهم ﴿إِنْ أَنَكُمْ عَذَابُ الَّهِ﴾ أي: العاجل الخاصُّ بكم كما أتى أضرابَكم من الأُمم قبلكم . (١) ابن عبد المطلب بن هاشم، ابنُ عم رسول الله وَّله وأخوه من الرضاعة، أسلم يوم الفتح. الإصابة ١٦٩/١١. (٢) قال السيوطي في الدر المنثور ١٢/٣: وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: يصدفون، قال: يعرضون عن الحق ... ثم ذكره. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠٦/٩، والبيهقي في الشعب (١٣٦١) عن يحيى بن أبي كثير بلاغاً. سُورَةُ الأَنْدَعُ ١٦٨ الآية : ٤٧ ﴿بَغْنَةً﴾ أي: فجأةً من غير ظهورٍ أَمارةٍ وشعور. ولتضمُّنها بهذا الاعتبار ما في الخفية من عدم الشُّعور صحَّ مقابلتها بقوله سبحانه: ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ وبدأ بها لأنها أردعُ من الجهرة، وإنَّما لم يقل: خفيةً؛ لأن الإِخفاء لا يناسب شأنَه تعالى. وزعم بعضهم أنَّ البغتة استعارةٌ للخفية بقرينة مقابلتها بالجهرة، وأنَّها مكنيَّة من غير تخييلية(١). ولا يخفى أنه - على ما فيه - تعسُّف لا حاجة إليه؛ فإن المقابلة بين الشيءٍ والقريب من مقابله كثيرةٌ في الفصيح، ومنه قوله بَّهِ: (بشِّروا ولا تنفِّروا))(٢). وعن الحسن: أنَّ البغتة أن يأتيهم ليلاً، والجهرة أنْ يأتيَهم نهاراً . وقرئ: ((بَغَتَةً أو جَهَرة)) بفتح الغين والهاء(٣)، على أنَّهما مصدران كالغَلَبة، أي: إتياناً بغتةً أو إتياناً جهرة. وفي ((المحتسب))(٤) لابن جِنِّي: إن مذهب أصحابنا في كلِّ حرفِ حلقٍ ساكن بعد فتح [أنه] لا يحرَّك إلَّا على أنَّه لغةٌ فيه، كالنَّهْرِ والنَّهَر، والشَّعْرِ والشَّعَر، [فهذه لغاتٌ عندهم، كالنشْز والنشَزآ والحلْب والحلَب والطرْد والطرَد، ومذهبُ الكوفيين أنه يجوز تحريكُ الثاني لكونه حرفاً حلقيًّا، قياساً مطَّرداً، كالبَحْر والبَحَر، وما أرى الحقَّ إلَّا معهم، وكذا سمعت من عامَّة عقيل، وسمعت الشجريَّ يقول: أنا مَحَموم، بفتح الحاء. وليس في كلام العرب مفعول بفتح الفاء، وقالوا: اللحَم، يريدون اللحم، وسمعته يقول: تَغَذو بمعنى تَغْذو، وليس في كلامهم تَفَعل(٥) بفتح الفاء، وقالوا: سار نَحَوه، بفتح الحاء، ولو كانت الحركة أصلية ما صحَّت اللام أصلاً. اهـ. وهي - كما قال الشِّهاب(٦) - فائدةٌ ينبغي حفظها . وقرئ: ((بغتةً وجهرةً)) بالواو الواصلة(٧). (١) أي: من غير ذكر قرينة المشبه به المحذوف. (٢) أخرجه البخاري (٦٩) من حديث أنس ربه، وبنحوه عند مسلم (١٧٣٤). وأخرجه مسلم (١٧٣٢) من حديث أبي موسى څته. (٣) الكشاف ١٩/٢ . (٤) ٨٤/١ -٨٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٥) في (م): مفعل. (٦) في حاشيته ٦٤/٤، وعنه نقل المصنف كلام ابن جني. (٧) حاشية الشهاب ٤ / ٦٤ . الآية : ٤٨ ١٦٩ سُورَةُ الأَنْعَم ﴾ أي: إلَّا أنتم. ووضع الظاهر موضعَ ٤٧ ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّ اٌلْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ضميرهم تسجيلاً عليهم بالظلم، وإِيذاناً بأن مناط إِهلاكهم ظلمُهم ووَضْعُهم الكفرَ موضعَ الإِيمانِ والإِعراضَ موضعَ الإِقبال. وهذا - كما قال الجماعة - متعلَّق الاستخبار. والاستفهامُ للتقرير، أي: قل تقريراً لهم باختصاص الهلاك بهم: أخبروني إِن أتاكم عذابه جلَّ شأنه حسبما تستحقُّونه، هل يُهلَك بذلك العذاب إلَّا أنتم؟ أي: هل يهلك غيرُكم مِمَّن لا يستحقُّ؟ وقيل: المراد بالقوم الظالمين الجنسُ، وهم داخلون فيه دخولاً أوليًّا . واعتُرض بأنه يأباه تخصيصُ الإِتیان بهم. وقيل: الاستفهامُ بمعنى النفي؛ لأن الاستثناء مفرَّغْ، والأصلُ فيه النفي، ومتعلَّق الاستخبار حينئذٍ محذوف، كأنه قيل: أَخِروني إنْ أتاكم عذابه عزَّ وجلَّ بغتةً أو جهرة، ماذا يكون الحال؟ ثم قيل بياناً لذلك: ما يُهلَك إلَّا القوم الظالمون، أي: ما يهلك بذلك العذابِ الخاصِّ بكم إلَّا أنتم. وقيَّد الطبرسيُّ(١) وغيره الهلاك بهلاك التعذيبِ والسخط؛ توجيهاً للحصر، إذ قد يُهلَك غيرُ الظالم، لكن ذلك رحمةٌ منه تعالى به ليجزيَه الجزاءَ الأوفى على ابتلائه. ولعله اشتغالٌ بما لا يعني. وقرئ: ((يَهلك)) بفتح الياء(٢). ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى الأُمم ﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ مَن أطاع منهم بالثواب ﴿وَمُنذِرِينٌ﴾ مَن عصى منهم بالعذاب. واقتصر بعضُهم على الجنة والنار؛ لأنهما أعظمُ ما يبشَر به وينذر به. والمتعاطفان منصوبان على أنَّهما حالان مقدَّرتان مفيدتان للتعليل. وصيغة المضارع للإيذان بأنَّ ذلك أمر مستمِرٌّ جرت عليه العادة الإلهية، والآية مرتبطةٌ بقوله سبحانه: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ عَلَيْهِ ءَايَّةٌ مِّن رَّيِّهِ﴾ [الآية: ٣٧] أي: ما نرسل المرسلين إلَّا لأجل أن يبشِّروا قومهم بالثَّواب على الطاعة، ويُنذروهم بالعذاب على المعصية، ولم نرسلهم ليُقتَرحَ عليهم ويُسخَرَ بهم. (١) في مجمع البيان ٧/ ٦٧ . (٢) البحر المحيط ١٣٢/٤، والكشاف ١٩/٢. سُورَةُ الأَنْعَ ١٧٠ الآية : ٤٩ ﴿فَمَنْ ءَامَنَ﴾ بما يجب الإيمانُ به ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ما يجب إِصلاحه والإِتيانُ به على وَفق الشريعة. والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلَها. و ((مَن)) موصولة؛ ولشَبَهِ الموصولِ بالشرط دخلت الفاءُ في قوله سبحانه: ﴿فَلَا لفوات الثواب خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب الذي أَنذر الرسل به ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ الذي بشِّروا به. وقد تقدَّم الكلام في هذه الآيةِ غيرَ مرة. وجَمْع الضمائر الثلاثةِ الراجعة إلى ((مَن)) باعتبار معناها، كما أنَّ إفراد الضميرَين السابقين باعتبار لفظها . ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا﴾ أي: التي بلَّغتها الرسل عليهم الصلاة والسلام عند التبشير والإِنذار، وقيل: المراد بها نبيُّنا وَِّ ومعجزاتُه. والأوَّل هو الظاهر. والموصولُ مبتدأ، وقولُه تعالى: ﴿يَمَتُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ خبره، والجملةُ عطف على ((من آمن)) إلخ. والمراد بالعذاب العذابُ الذي أُنذروه عاجلاً أو آجلاً، أو حقيقةُ العذاب وجنسُه المنتظم لذلك انتظاماً أوليًّا. وفي جعله ماسًا إيذانٌ بتنزيله منزلةَ الحيّ الفاعل لما يريد، ففيه استعارةٌ مكنيّة على ما قيل. وجوَّز الطّيبيُّ أن يكونَ في المسِّ استعارةٌ تبعية من غير استعارةٍ في العذاب. والظاهر أنَّ ما ذكر مبنيٌّ على أن المسَّ من خواصِ الأَحياء، وفي ((البحر))(١) أنه يُشعر بالاختيار، ومنع ذلك بعضهم. وادَّعى عصام المِلَّة أنه أُشير بالمسِّ إلى أنَّ العذاب لا يأخذهم بحيث يعدمهم حتى يتخلَّصوا بالهلاك. وله وجه. ﴿بِمَا كَانُوْ يَفْسُقُونَ ﴾﴾ أي: بسبب فِسقهم وخروجِهم المستمرِّ عن حظيرة الإِيمان والطاعة، وقد يقال الفاسق لمن خرج عن التزام بعضٍ الأحكام، لكنه غيرُ مناسب هنا. نعم أَخرج ابن جَرير(٢) عن ابن زيد: أنَّ كل فسقٍ في القرآن معناه الكذب. ولعله في حيِّز المنع. (١) ٤/ ١٣٢. (٢) في تفسيره ٩/ ٢٥٥. الآية : ٥٠ ١٧١ سُورَةُ الَّتْعَالِ ﴿قُل﴾ أيُّها الرسولُ البشير النذير للكَفَرة الذين يقترحون عليك ما يقترحون: ﴿لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَرَآَيْنُ اللَّهِ﴾ أي: مقدوراته، جمع خَزِينة، أو خزانة، أو خزنة، وهي في الأصل ما يُحفظ فيه الأشياءُ النفيسة، تُجُوِّز فيها عمَّا ذكر، وعلى ذلك الجبائيُّ وغيره. ولم يقل: لا أَقدر على ما يقدر عليه اللهُ، قيل: لأنه أبلغُ؛ لدلالته على أنه لقوَّة قدرته كأنَّ مقدوراتِهِ مخزونةٌ حاضرة عنده. وقيل: الخزائن مجازٌ عن المرزوقات، من إطلاق المحلِّ على الحالّ، أو اللازمٍ على الملزوم. وقيل: الكلام على حذفِ مضاف، أي: خزائن رزقِ الله تعالى أو مقدوراته، والمعنى: لا أدَّعي أنَّ هاتيكَ الخزائنَ مفوَّضة إليَّ أتصرَّف فيها كيفما أشاء، استقلالاً أو استدعاء، حتى تقترحوا عليَّ تنزُّلَ(١) الآيات، أو إِنِزالَ العذاب، أو قلبَ الجبال ذهباً، أو غير ذلك مما لا يَليق بشأني. ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ عطف على محلِّ ((عندي خزائن الله)) فهو مقولُ ((أقول)) أيضاً، ونظر فيه الحلبيُّ(٢) من حيث إنه يؤدِّي إلى أن يصيرَ التقدير: ولا أقول لكم لا أعلم الغيبَ، وليس بصحيح. وأُجيب بأنَّ التقدير: ولا أقول لكم: أعلم الغيبَ، بإضمار القول بين ((لا)) و((أعلم)) لا بين الواو و((لا)). وقيل: ((لا)) في ((لا أعلم)) مزيدة مؤكّدة للنفي. وقال أبو حيان(٣): الظاهرُ أنه عطفٌ على ((لا أقول)) لا معمولٌ له، فهو أُمر أن يخبرَ عن نفسه بهذه الجمل، فهي معمولةٌ للأمر الذي هو ((قل)». وتعقِّب بأنه لا فائدة في الإِخبار بـ: إني لا أعلم الغيب، وإنما الفائدةُ في الإخبار بـ : إني لا أقول ذلك؛ ليكون نفياً لادِّعاء الأمرين اللذين هما من خواصِ الإلهية، ليكون المعنى: إنِّي لا أدَّعي الإِلهية ﴿وَلَّ أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكٌ﴾ ولا أدَّعي المَلَكية، ويكون تكرير ((لا أقول)» إشارةً إلى هذا المعنى. (١) في تفسير أبي السعود ١٣٦/٤ (والكلام منه): تنزيل. (٢) في الدر المصون ٦٣٨/٤ . (٣) في البحر ١٣٤/٤. سُورَةُ الأَنْعُ ١٧٢ الآية : ٥٠ وقال بعض المحقّقين: إن مفهومَي ((عندي خزائن الله)) و((إني ملك)) لَمَّا كان حالهما معلوماً عند الناس، لم يكن حاجةٌ إلى نفيهما، وإنَّما الحاجة إلى نفي ادِّعائهما تبرِّياً عن دعوى الباطل، ومفهومُ ((إني لا أعلم الغيب)) لَمَّا لم يكن معلوماً، احتيجَ هنا إلى نفيه، فدعوى أنه لا فائدةً في الإِخبار بذلك منظورٌ فيها . والذي اختاره مولانا شيخُ الإِسلام(١) القولُ الأوَّل، وأنَّ المعنى: ولا أدَّعي أيضاً أني أعلم الغيب من أفعاله عزَّ وجلَّ حتى تسألوني عن وقت الساعةِ، أو وقتٍ إِنزال العذاب، أو نحوهما. وخصَّ ابن عباس ظنّ الغيبَ بعاقبة ما يصيرون إليه، أي: لا أدَّعي ذلك ولا أدعي أيضاً الملكية حتى تكلِّفوني من الأَفاعيل الخارقةِ للعادات ما لا يُطيقه البشر من الرُّقي في السماء ونحوِهِ، أو تعدُّوا عدمَ اتصافي بصفاتهم قادحاً في أمري، كما يُنبئ عنه قولُهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الَّعَامَ وَيَمْشِ فِي الْأَنَافِ﴾ [الفرقان: ٧٠]. وليس في الآية - على هذا - دليلٌ على تفضيل الملائكةِ على الأَنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما هو محلُّ النزاع كما زعم الجبَّائي، لأنها إنما وردت ردًّا على الكفار في قولهم: ((ما لهذا الرسول)» إلخ وتكليفِهم له عليه الصلاة والسلام بنحو الرُّقي في السماء، ونحن لا ندَّعي تميزَ الأنبياءِ على الملائكة عليهم الصلاة والسلام في عدم الأكل مثلاً، والقدرة على الأَفاعيل الخارقة، كالرُّقي ونحوه، ولا مساواتَهم لهم في ذلك، بل كونُ الملائكة متميِّزين عليهم عليهم الصلاة والسلام في ذلك مِمّا أجمع عليه الموافقُ والمخالف، ولا يوجب ذلك اتفاقاً على أنَّ الملائكة أفضلُ منهم بالمعنى المتنازع فيه، وإلَّا لكان كثير من الحيوانات أفضلَ من الإنسان، ولا يدَّعي ذلك إلَّا جماد. وهذا الجواب أظهرُ مما نقل عن القاضي زكريا (٢) من أنَّ هذا القولَ منه وَلِّ من (١) في إرشاد العقل السليم ١٣٦/٣. (٢) هو زين الدين أبو يحيى زكريا بن محمد الأنصاري السُّنيكي المصري الأزهري الشافعي. له: شرح الروض، وشرح ألفية العراقي، وغير ذلك. توفي سنة (٩٢٦ هـ). الكواكب السائرة ص١٩٦ . الآية : ٥٠ ١٧٣ سُورَةُ الأَنْعَُّ باب التواضع وإظهار العبودية، نظير قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تفضِّلوني على ابن مثَّى)»(١) في رأي، بل هو ليس بشيءٍ كما لا يخفى. وقيل: إنَّ الأفضلية مبنيةٌ على زعم المخاطبين. وهو من ضيق العَطن. وقيل: حيث كان معنى الآية: لا أدَّعي الألوهية ولا المَلَكية، لا يكون فيها ترقٌّ من الأَدنى إلى الأعلى؛ بل هي حينئذٍ ظاهرةٌ في التدلِّي، وبذلك تُهدم قاعدة استدلال الزمخشريٌّ(٢) في قوله تعالى: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُّ الْمُقَرَُّونَ﴾ [النساء: ١٧٢] على تفضيل المَلَك على البشر، إذ لا يتصوَّر الترقِّي من الألوهية إلى ما هو أعلى منها، إذ لا أعلى ليترقَّى إليه. وتعقّب بأنه لا هدمَ لها مع إعادة ((لا أقول)» الذي جعله أمراً مستقلًّا كالإِضراب، إذ المعنى: لا أدَّعي الألوهية، بل ولا المَلَكيةَ، ولذا كرر («لا أقول)). وقال بعضُهم في التفرقة بين المقامين: إنَّ مقام نفي الاستئكافِ ينبغي فيه أن يكونَ المتأخِّرُ أعلى؛ لئلا يلغوَ ذِكره، ومقامُ نفي الادِّعاء بالعكس، فإن مَن لا يتجاسر على دعوى المَلَكية أَوْلى ألَّا يتجاسرَ على دعوى الألوهية الأشدِّ استبعاداً، نعم في كون المرادٍ من الأوَّل نفيَ دعوى الألوهية والتبرِّيّ منها نظر، وإلَّا لقيل: لا أقول لكم: إني إله، كما قيل: ((ولا أقول لكم إني ملك)) وأيضاً في الكناية عن الألوهية بـ ((عندي خزائن الله)) ما لا يخفى من البشاعة، وإضافةُ الخزائن إليه تعالى منافية لها. ودَفْعُ المنافاة بأنَّ دعوى الأُلوهية ليس دعوى أن يكونَ هو الله تعالى بل أن يكونَ شريكاً له عزَّ اسمه في الألوهية، فيه نظر؛ لأنَّ إضافة الخزائن إليه تعالى اختصاصيَّة، فتُنافي الشّركة، اللهم إلَّا أن يكونَ [المعنى](٣): خزائنُ مثلُ خزائن [ الله] أو تنسب إليه، وهو كما ترى. ومن هنا قال شيخُ الإِسلام(٤): إنَّ جعل ذلك تبرِّياً عن دعوى الألوهيةِ مما لا وجه له قطعاً. (١) أخرجه البخاري (٣٣٩٥)، ومسلم (٢٣٧٧) من حديث ابن عباس . لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)). (٢) في تفسيره ١/ ٥٨٥ فما بعد. (٣) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٦٦/٤ . (٤) في إرشاد العقل السليم ١٣٦/٣. ـًا بلفظ: ((ما ينبغي سُورَةُ الأَنْعَل ١٧٤ الآية : ٥٠ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ أي: ما أفعل إلَّ اتِّباعَ ما يوحَى إليَّ من غير أن يكونَ لي مدخلٌ ما في الوحي أو في الموحَى، بطريق الاستدعاء، أو بوجهٍ آخَر من الوجوه أصلاً. وحاصله: إنِّي عبد يمتثل أمرَ مولاه، ويتَّبع ما أوحاه، ولا أدَّعي شيئاً من تلك الأشياء حتى تقترحوا عليَّ ما هو من آثارها وأحكامها، وتجعلوا عدمَ إِجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحَّة ما أدَّعيه من الرسالة. ولا يخفى أنَّ هذا أبلغُ من: إني نبيٌّ، أو رسول، ولذا عدل إليه. ولا دلالة فيه لنُفاة القياس، ولا لمانعي جوازٍ اجتهاده عليه الصلاة والسلام كما لا يخفى. وذهب البعض إلى أنَّ المقصود من هذا الردّ على الكفرة، كأنه قيل: إنَّ هذه دعوى وليست مما يُستبعد، إنَّما المستبعد ادِّعاء البشر الألوهيةَ أو الملكيةَ، ولست أڈَّعیهما . وقد علمتَ آنفاً ما في دعوى أنَّ المقصود مما تقدَّم نفيُّ ادِّعاء الألوهيةِ والملكية. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: الضالُّ والمهتدي على الإطلاق، كما قال غيرُ واحد. والاستفهام إنكاريّ، والمراد إنكار استواءٍ مَن لا يعلم ما ذكر من الحقائق ومَن يعلمها، مع الإِشعار بكمال ظهورِها والتنفيرِ عن الضَّلال والترغيبِ في الاهتداء، وتكريرُ الأمر لتثبيت التبكيتِ وتأكيد الإلزام. ﴿أَفَلَا تَنَفَّكَّرُونَ ﴾ عطف على مقدَّر يقتضيه المقام، أي: ألا تسمعون هذا الكلام الحقَّ فلا تتفكرون فيه؟ أو: أتسمعونه فلا تتفكرون؟ والاستفهامُ للتقرير والتوبيخ، والكلام داخلٌ تحت الأمر، ومناط التوبيخِ عدمُ الأمرين على الأوَّل، وعدم التفكّر مع تحقّق ما يوجبه على الثاني. وذكر بعضهم أنَّ في ((الأعمى)) و((البصير)) ثلاثةَ احتمالات: إمَّا أن يكونا مثالاً للضالٌّ والمهتدي، أو مثالاً للجاهل والعالم، أو مثالاً لمدَّعي المستحيل، الآية : ٥١ ١٧٥ سُورَةُ الأَتْعَم كالألوهيَّة والمَلَكية، ومدَّعي المستقيم(١)، كالنبوّة، وأن المعنى: لا يستوي هذان الصنفان، أفلا تتفكّرون في ذلك فتهتدوا؟ أو: فتميِّزوا بين ادِّعاء الحقِّ والباطل، أو: فتعلموا أنَّ اتباع الوحي مِمَّا لا محيصَ عنه. والجملة تذييلٌ لما مضى، إما من أوَّل السورة إلى هنا. أو لقوله سبحانه: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾ إلخ، أو لقوله عزَّ شأنه: ﴿لَّ أَقُولَ﴾. ورجّح في ((الكشف)) الأول ثم الثاني. ولا يخفى بُعد هذا الترجيح. واعتُرض القول بإحالة المَلَكية بأنها من الممكنات؛ لأنَّ الجواهر متماثلة، والمعاني القائمة ببعضها يجوز أن تقومَ بكلِّها . وأُجيب - بعد تسليم ما فيه - أنَّ البشر حالَ كونه بشراً محال أن يكونَ ملكاً؛ التمايزهما بالعوارض المتنافية بلا خلاف. وإِقدام آدمَ عليه الصلاة والسلام بعد سماع ﴿مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُنَا مِنَ الْخَلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] على الأكل ليس طمعاً في المَلَكية حال البشرية، على أنه يجوزُ أن يقال: إنه لم يطمع في المَلَكية أصلاً، وإنَّما طمع في الخلود فأكل. ﴿وَأَنْذِرْ﴾ أي: عِظْ وخوِّف يا محمد ﴿بِهِ﴾ أي: بما يوحَى، أو بالقرآن، كما روي عن ابن عباس ﴿يا والزجَّاجِ(٢). وقيل: أي: بالله تعالى، ورُوي ذلك عن الضَّخَّاك. وهذا أمرٌ منه سبحانه وتعالى لنبيِّه نَّه بعد ما حكى سبحانه وتعالى له أنَّ من الكفرة مَن لا يتَّعظ ولا يتأثَّر، قد التحق بالأموات، وانتظم في سِلك الجمادات، فما ينجع فيه دواءُ الإِنذار، ولا يفيده العظةُ والتَّذكار، أنْ ينذرَ من يُتوقَّع في الجملة منهم الانتفاعُ، ويُرجَى منهم القبول والسماع، وهم المشارُ إليهم بقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فالمرادُ من الموصول المجوِّزون للحشر على الوجه الآتي، سواء كانوا جازمين بأصله، كأهل الكتاب وبعضٍ المشركين (١) أي: الممكن، قابل المستحيل بالمستقيم كما قابله سيبويه بالمحال، وهو استعمال العرب؛ لأن أصل المحال من أحاله عن وجهه وصرفه، وهو في المحسوسات عين الاعوجاج. حاشية الشهاب ٤ / ٦٦ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٥١/٢، وأسباب النزول للواحدي ٢٧٤/٢ . سُورَةُ الأَنْعَل ١٧٦ الآية : ٥١ المعترفين بالبعث، المتردِّدين في شفاعة آبائهم الأنبياء، كالأوَّلين، أو في شفاعة الأصنام، كالآخرين، أو المتردِّدين فيهما معاً، كبعض الكفرة الذين يُعلم من حالهم أنَّهم إذا سمعوا بحديثه يخافون أن يكون حقًّا، وأما المنكرون للحشر رأساً، والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام، فهم خارجون مِمَّن أُمر بإنذارهم. كذا قال شيخ الإِسلام(١). ورُوي عن ابن عباس والحسنِ ظُه أنَّ المراد بالموصول المؤمنون، وارتضاه غيرُ واحد، إلا أنهم قيِّدوا بالمفرِّطين؛ لأنه المناسب للإِنذار ورجاءِ التقوى. وتعقَّبه الشيخ(١) بأنه مما لا يساعده السباقُ ولا السياق، بل فيه ما يقضي بعدم صحَّته، وبيَّته بما سيذكر قريباً إن شاء الله تعالى. وقيل: المراد المؤمنون والكافرون. وعلَّله الإِمام الرازيُّ بأنه لا عاقلَ إلَّا وهو يخاف الحشر، سواءٌ قطع بحصوله أو كان شاّا فيه؛ لأنه بالاتفاق غيرُ معلوم البطلان بالضرورة، فكان هذا الخوفُ قائماً في حقِّ الكل، وبأنَّه عليه الصلاة والسلام كان مبعوثاً إلى الكلِّ، فكان مأموراً بالتبليغ إليه. ولا يخفى ما فيه. والمفعول الثاني للإنذار إما العذاب الأخرويُّ المدلول عليه بما في حيِّز الصلة، وإما مطلقُ العذاب الذي ورد به الوعيد. والتعرضُ لعنوان الربوبية لتحقيق (٢) المخافة إما باعتبار أنَّ التربية المفهومة منها مقتضيةٌ خلافَ ما خافوا لأجله الحشر، وإما باعتبار أنها منبئةٌ عن المالكية المطلقة والتصرُّف الكليِّ كما قیل. والمراد من الحشر إليه سبحانه الحشرُ إلى المكان الذي جعله عزَّ وجلَّ محلًّا لاجتماعهم وللقضاء عليهم، فلا تصلح الآية دليلاً للمجسِّمة. وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَإِنِّ وَلَا شَفِيْعٌ﴾ في حيِّز النصب على الحاليّة من ضمير ((يحشروا)) والعامل فيه فعلُه. ونقل الإِمام(٣) عن الزجَّاج أنه حالٌ من (١) في تفسيره ١٣٧/٣. (٢) في (م): بتحقيق، والمثبت من الأصل، وهو الصواب، وينظر تفسير أبي السعود ١٣٨/٣. (٣) في مفاتح الغيب ٢٣٣/١٢. الآية : ٥٢ ١٧٧ سُورَةُ الأَنْعَم ضمير ((يخافون)). والأول أَوْلى. و((من دونه)) متعلِّق بمحذوف وقع حالاً من اسم (ليس)) لأنه في الأصل صفةٌ له، فلما قدِّم عليه انتصب على الحاليّة. والحال الأولى لإِخراج الحشر الذي لم يقيَّد بها عن حيِّز الخوف، وتحقيقٍ أنَّ ما نيط به الخوفُ تلك الحالةُ لا الحشر كيفما كان؛ ضرورةً أنَّ المعترفين به الجازمين بنُصرة غيره تعالى بمنزلة المنكرين له في عدم الخوفِ الذي يدور عليه أمرٌ الإِنذار. والحال الثانية لتحقيق مدار خوفهم، وهو فقدان ما علَّقوا به رجاءهم، وذلك إنَّما هو غيره سبحانه، كما في قوله جلَّ شأنه: ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ: أَوْلِيَاءٌ﴾ [الأحقاف: ٣٢] وليست لإخراج الوليِّ الذي لم يقيَّد بها عن حيِّز الانتفاء؛ لاستلزامه ثبوتَ ولايته تعالى لهم، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧] وذلك فاسد. والمعنى: أَنذر به الذين يخافون حشرهم غير منصورین من جهة أنصارهم بزعمهم. قاله شیخُ الإِسلام(١). ثم قال: ومن هذا اتَّضح أنْ لا سبيل إلى كون المرادِ بالخائفين المفرِّطين من المؤمنين؛ إذ ليس لهم وليٍّ ولا شفيع سواه عزَّ وجلَّ ليخافوا الحشرَ بدون نصرته، وإنما الذي يخافونه الحشرُ بدون نصرته سبحانه. انتهى. وهو تحقيقٌ لم أره لغيره، ويصغر لديه ما في ((التفسير الكبير))(٢)، ولعل ما رُوي عن ابن عباس والحسنِ ◌ّ لم يثبت عنهما. فتدبَّر. ﴿لََّلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾﴾ أي: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي، كما رُوي عن ابن عباس ◌ِّ. وهو على هذا تعليلٌ للأمر بالإِنذار، وجوِّز أن يكونَ حالاً من ضمير الأمر، أي: أَنذرهم راجياً تقواهم، أو من الموصول، أي: أَنذرهم مرجوًّا منهم التقوى. ﴿وَلَا تَظْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْءِ وَالْعَئِ﴾ لما أُمر النبيُّ ◌َّهِ بِإِنذار المذكورين لعلهم ينتظمون في سِلك المتقين، نُهي عليه الصلاة والسلام عن كون ذلك بحيث يؤدِّي إلى طردهم. (١) في تفسيره ١٣٨/٣. (٢) للرازي ١٢/ ٢٣٢-٢٣٣. سُورَةُ الأَنْدَل ١٧٨ الآية : ٥٢ ويُفهَم من بعض الروايات أنَّ الآيتين نزلتا معاً، ولا يُفهَم ذلك من البعض الآخَر، فقد أخرج أحمد والطبرانيُّ وغيرهما عن ابن مسعود رَّه قال: مرَّ الملأ من قريش على النبيِّ وَّه وعنده صُهَيب وعمارٌ وبلال وخبَّاب ونحوُهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أَرَضِيْتَ بهؤلاءِ من قومك؟ أهؤلاء منَّ الله تعالى عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أنْ نتَّبعَك، فأنزل الله تعالى فيهم القرآن: ﴿وَأَنذِرْ بِ الَّذِينَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالَِّلِينَ﴾(١). وأخرج ابن جَرير وأبو الشيخ والبيهقيُّ في ((الدلائل)) وغيرُهم عن خبَّاب قال: جاء الأقرع بن حابس التميميُّ وعُيَينة بن حصن الفَزاريّ، فوجدا النبيَّ وَلـ قاعداً مع بلال وصُهيب وعمارٍ وخباب في أناس ضعفاءَ من المؤمنين، فلمَّا رأوهم حوله حَقَروهم، فأتَوه فخَلَوا به، فقالوا: نحبُّ أن تجعلَ لنا منك مجلساً تَعرف لنا العربُ به(٢) فضلَنا، فإنَّ وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا قعوداً مع هؤلاء الأَعْبُد، فإذا نحن جئناك فأَقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئتَ، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة ودعا عليًّا كرَّم الله تعالى وجهَه ليكتب، ونحن قعودٌ في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَلَا تَظْرُرِ الَّذِينَ﴾ إلخ، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [الآية: ٥٤] فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقومَ قام وتركنا، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلخ [الكهف: ٢٨] فكان رسولُ اللهِ وَّه يقعد معنا بعدُ، فإذا بلغ الساعةَ التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم (٣) . وأخرج ابن المنذر(٤) وغيرُه عن عكرمة قال: مشى عتبةُ وشيبة ابنا ربيعة، وقُرَظةُ بن عبد عَمرو بنِ نوفل، والحارثُ بن عامر بنِ نوفل، ومُطعِم بن عَديٍّ، (١) مسند أحمد (٣٩٨٥)، والمعجم الكبير (١٠٥٢٠) وهذا لفظ الدر المنثور ١٢/٣. (٢) في الأصل و(م): له، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٣) تفسير الطبري ٢٥٩/٩-٢٦٠، ودلائل النبوة ٣٥٢/١-٣٥٣، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٢٠٧/١٢-٢٠٨، وابن ماجه (٤١٢٧)، والطبراني في الكبير (٢٦٩٣). (٤) كما في الدر المنثور ١٣/٣، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٦٢/٩ -٢٦٣. الآية : ٥٢ ١٧٩ سُورَةُ الأَنْسَعَم في أشراف الكفّار من عبد مناف إلى أبي طالب، فقالوا: لو أنَّ ابن أخيك طرد عنَّا هؤلاء الأَعبُد والحلفاء، كان أعظمَ له في صدورنا، وأطوعَ له عندنا، وأدنى لاتِّباعنا إياه وتصديقِه، فذكر ذلك أبو طالب للنبيِّ وَّ، فقال عمر بن الخطاب رضُله: لو فعلتَ يا رسول الله حتى ننظرَ ما يريدون بقولهم، وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾، وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وصُبَيحاً مولى أُسَيد، والحلفاء: ابن مسعود، والمِقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعَمرو بن عبد عمرو، ومَرثد بن أبي مرثد، وأشباههم، ونزل في أئمّة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ الآية، فلمَّا نزلت، أقبل عمرُ رَّه فاعتذر من مقالته، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جََ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا﴾ الآية. والغداة أصله: غَدَوة، قُلبت الواو ألفاً لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها. وأصل العشيّ: عَشَوي، قُلبت الواو ياءً وأُدغمت الياءُ في الياء وفاءً بالقاعدة، والظاهر أنه مفرد كالعشيّة، وجمعه: عَشايا وعَشِيَّات. وقيل: هو جمع عشيّة، وفيه بُعد. ومعنى الأول لغةً البُكرة، أو ما بين صلاة الفجرِ وطلوع الشمس، ومعنى الثاني آخِرُ النهار، والمراد بهما هاهنا الدوامُ، كما يقال: فعله مساءً وصباحاً، إذا داوم عليه . والمراد بالدعاء حقيقتُه، أو الصلاة، أو الذِّكر، أو قراءةُ القرآن، أقوال. وأخرج ابن جَرير وابنُ أبي حاتم عن مجاهد: أنهما عبارةٌ عن صلاتَي الصبح والعصر(١)؛ لأن الزمان كثيراً ما يُذكر ويراد به ما يقع فيه، كما يقال: صلَّى الصبح، والمرادُ صلاته، وقد يُعكس فيراد بالصلاة زمانُها، نحو: قَرُبت الصلاة، أي: وقتُها، وقد يراد بها مكانُها، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] إنَّ المراد بالصلاة المساجدُ، وخصًّا بالذِّكر لشرفهما. والأقوالُ في الدعاء جاريةٌ على هذا القولِ خَلَا الثاني. (١) تفسير الطبري ٢٦٤/٩، وتفسير ابن أبي حاتم ١٢٩٨/٤-١٢٩٩. سُورَةُ الأَنْعَوَم ١٨٠ الآية : ٥٢ وقرأ ابنُ عامر هنا وفي ((الكهف)): ((الغُذْوة)) بالواو(١)، وهي قراءة الحسنِ ومالك بنِ دينار وأبي رجاء العطارديِّ وغيرِهم(٢). وزعم أبو عبيد أنَّ من قرأ بالواو فقد أخطأ؛ لأن ((غُدوة)) عَلَم جنس لا تدخله الألفُ واللام، ومنشأ خطئه أنه اتَّبع رسمَ الخط؛ لأن الغَداة تکتب بالواو، كالصلاة والزكاة. وقد أخطأ في هذه التخطئة؛ لأنَّ ((غُدوة)) وإن كان المعروفُ فيها ما ذكره، لكن قد سُمع مجيئُها اسمَ جنس أيضاً منكَّراً مصروفاً، فتدخلها ((أل)) حينئذ، وقد نَقل ذلك سيبويه(٣) عن الخليل، وتصديرُه(٤) بالزعم لا يدلُّ على ضعفه، كما يُشير إليه كلام الإِمام النوويِّ في شرح مسلم(٥)، وذكره جمٌّ غفير من أهل اللغة . وذكر المبرِّد أيضاً عن العرب تنكيرَ ((غدوة)) وصرفَها وإدخال اللام عليها إذا لم يُرَّد بها غدوة يومٍ بعينه، والمثبِتُ مقدَّم على النافي، ومَن حفظ حجّة على مَن لم يحفظ، وكفى بوروده في القراءة المتواترة حجةً، فلا حاجة - كما قيل - إلى التزام أنَّها عَلَم لكنها نُكِّرت فدخلتها (أل)) لأن تنكير العَلَم وإِدخال ((أل)) عليه أقلُّ قليل في كلامهم، بل إن تنكير عَلَم الجنس لم يعهد، ولا إلى التزام أنَّها معرفة ودخلتها اللام لمشاكلة العَشي، كما دخلت على يزيد لمشاكلة الوليد في قوله(٦): شديداً بأعباء الخلافةِ كاملة رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً لأن هذا النوعَ من المشاكلة، وهو المشاكلةُ الحقيقية، قليل أيضاً، والكثيرُ في المشاكلة المجاز. ولا دلالةً في الآية على أنه وَّهِ وقع منه الطرد ليخدشَ وجهَ العصمة، والذي تحكيه الآثارُ أنه عليه الصلاة والسلام همَّ أن يجعلَ لأولئك الداعين المتقين وقتاً (١) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٨/٢. (٢) البحر المحيط ١٣٦/٤. (٣) في الكتاب ٢٩٤/٣. (٤) أي: سيبويه، حيث قال: وزعم الخليل. (٥) ١/ ٤٥. (٦) قائله ابن ميادة، وهو في ديوانه ص١٩٢ .