Indexed OCR Text
Pages 101-120
الآية : ٢٢ ١٠١ سُورَةُ الْأَنْعَم والتزم بعضهم القولَ بأنهم غُيَّبٌ؛ لظاهر السؤال، وقولِه تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَلَكُمُ الَّذِينَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَضَلَ عَنكُمْ مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]. وأُجيب بأن يكون ذلك في موطن آخر؛ جمعاً بين الآيات، أو المعنى: وما نرى شفاعةً شفعائكم. وقال شيخ الإسلام(١): إنَّ هذا السؤال المُنْبئَ عن غيبة الشركاء مع عموم الحشر لها للآيات الدالّة على ذلك، إنما يقع بعد ما جرى بينها وبينهم من التبرُّؤ من الجانبين وتقطّع ما بينهم من الأسباب، حسبما يحكيه قولُه سبحانه: ﴿فَرَُّ بَيْنَهُمْ﴾ إلخ [يونس: ٢٨] ونحوُه، إمّا لعدم حضورها حينئذٍ في الحقيقة بإبعادها من ذلك الموقف، وإمَّا بتنزيل عدم حضورِها بعنوان الشّركة والشفاعة منزلةً عدم حضورها في الحقيقة؛ إذ ليس السؤال عنها من حيث [ذواتُها، بل من حيث] هي شركاء، كما يُعرب عنه الوصفُ بالموصول، ولا ريب في أنَّ عدم الوصف يوجب عدمَ الموصوف من حيث هو موصوف، فهي من حيث هي شركاءُ غائبة لا محالة، وإنْ كانت حاضرةً من حيث ذواتها، أصناماً كانت أو لا. وأمَّا ما يقال من أنه يحال بينها وبينهم وقتَ التوبيخ ليَفقِدوهم في الساعة التي علَّقوا بها الرجاءَ، فيروا مكان حزنهم وحسرتهم، فربما يُشعر بعدم شعورهم بحقيقة الحال، وعدمٍ انقطاع حبال رجائهم عنها بعدُ. وقد عرفتَ أنهم شاهدوها قبل ذلك وانصرمت عروةُ أطماعهم بالكلِّية، على أنها معلومةٌ لهم من حين الموتِ والابتلاء بالعذاب في البرزخ. وإنَّما الذي يحصل في الحشر الانكشافُ الجليُّ واليقين القوي المترتِّبُ على المحاضرة والمحاورة. اهـ. وتعقّبه مولانا الشهابُ بأنه تخيُّل لا أصل له؛ لأن التوبيخ مراد في الوجوه كلِّها، ولا يتصوَّر حينئذ التوبيخ إلَّا بعد تحقّق خلافه. مع أنَّ كون هذا واقعاً بعد التبرُّؤ في موقف آخَر ليس في النظم ما يدلُّ عليه، ومثله لا يُجزم به من غير نقل؛ لاحتمال أن يكونَ هذا موقف التبرُّؤ، والإشعارُ المذكور لا يتأتَّى مع أنه توبيخ. (١) في إرشاد العقل السليم ١١٩/٣- ١٢٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه، وانظر حاشية الشهاب ٣٩/٤. سُوْدَةُ الأَنْعَم ١٠٢ الآية : ٢٣ وأما العلاوة التي ذيَّل بها كلامه فواردة عليه أيضاً، مع أنها غير مسلَّمة؛ لأن عذاب البرزخ لا يقتضي ألَّا يشفع(١) لهم بعد ذلك، فكم من معذِّب في قبره يُشفع له. اهـ. وأنت تعلم أن عذابهم البرزخيَّ إن كان بسبب اعتقادهم النفعَ فيهم ورجاءً شفاعتهم وعَلِمَ أولئك المعذَّبون أن عذابهم لذلك، فقوله: لأنَّ عذاب البرزخ لا يقتضي ... إلخ، ليس في محلِّه. وكذا قولُه: فكم من معذَّب في قبره يُشفع له، إن أراد به: فكم من معذَّب لمعصية من المعاصي في قبره يشفع له مَن يشفع، فمسلّم، لكن لا يفيد. وإن أراد: فكم من معذَّب في قبره بسبب عبادة شيءٍ يَشفع له ذلك الشيء، فمنعُه ظاهر كما لا يخفى. فتدبَّر .. وقرأ يعقوب: (يحشرهم))، ((ثم يقول)) بالياء فيهما(٢)، والضميرُ فيهما لله تعالی . وقوله سبحانه للمشركين: ﴿أَيْنَ شُرِّكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٣)﴾ إمَّا بالواسطة أو بغير واسطة، والتكليم المنفيُّ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ﴾ [البقرة: ١٧٤] إلخ تكليمُ تشريفٍ ونفع، لا مطلقاً. فقد كلَّم إبليسَ عليه اللعنة بما كلَّم. والزعمُ يستعمل في الحقّ، كما في قوله وَّهِ: ((زعم جبريل عليه السلام))، وفي حديث ضِمام بن ثعلبةً رَُّه: زعم رسولُك(٣)، وقولِ سيبويه في أشياءَ يرتضيها: زعم الخليل. ويُستعمل في الباطل والكذب كما في هذه الآية. وعن ابن عباس ﴿يا: كلُّ زعم في القرآن فهو بمعنى الكذب. وكثيراً ما يُستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عُهدته على قائله. وهو هنا متعدٍّ لمفعولين، وحُذفا لانفهامهما من المقام، أي: تزعمونهم شركاءً. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ﴾ أصل معنى الفتنة - على ما حقَّقه الراغب(٤) - من الفَتْن، وهو إدخال الذهب النارَ لتُعلمَ جودته من رداءته، ثم استُعمل في معانٍ، كالعذاب، والاختبار، والبليّة، والمصيبة، والكفر، والإِثم، وِالضَّلال، والمعذرة. (١) في (م): أن يشفع، وهو خطأ، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٩/٤. (٢) النشر ٢٥٧/٢. (٣) تقدم الحديثان ١٠٩/٦، وقول سيبويه الآتي في الكتاب ٦٧/٥. (٤) في المفردات (فتن). الآية : ٢٣ ١٠٣ سُؤَةُ الأَنْعَل واختلف في المراد بها هنا، فقيل: الشِّرك. واختار هذا القولَ الزّجَّاج(١)، ورواه عطاء عن ابن عباس ﴾. وكأن التعبير عن الشِّرك بالفتنة أنها ما تفتتن به ويُعجبك، وهم كانوا معجبين بكفرهم مفتخرين به. والكلام حينئذ إمَّا على حذف مضافٍ كما يقتضيه ظاهرُ كلام البعض، وإمّا على جعل عاقبة الشيء عينَه، ادِّعاءً، وهو أَحلى مذاقاً وأبعدُ مغزّى. والحصر إضافيٍّ بالنسبة إلى جنس الأقوال، أو كناية عن التبرُّؤ عن الشرك ٢٣ ادِّعائي. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ وانتفاءِ التديُّن به، أي: ثم لم يكن عاقبة شركهم شيئاً إلَّا تبرؤهم منه. ونصّ الزجَّاج أن مثل ما في الآية أن ترى إنساناً يحبُّ غاوياً، فإذا وقع في مَهلَكة، تبرَّأ منه، فيقال له: ما كان محبَّتك لفلان إلَّا أن تبرأت منه(٢). وليس ذلك من قبيل: عِتابُك السيفُ، ولا من تقدير المضاف وإن صحَّ ذلك فيه. وهو معنّى حسنٌ لطيف لا يعرفه إلَّ من عرف كلامَ العرب. وقيل: المراد بها العذر، واستُعملت فيه لأنها - على ما تقدَّم - التخليصُ من الغشّ، والعذرُ يخلّص من الذنب، فاستعیرت له. وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً وأبي عبد الله وقتادةً ومحمد بنٍ کعب وقيل: الجواب بما هو كذب. ووجه الإِطلاق أنه سببُ الفتنة، فتجوِّز بها عنه إطلاقاً للمسبَّب على السبب. ويحتمل أن يكونَ هناك استعارة؛ لأن الجواب مخلِّص لهم أيضاً كالمعذرة. قيل: والحصر على هذين القولين حقيقيّ. والجملة القَسَمية على ظاهرها . و ((تكن)) بالتاء الفوقانية. و((فتنتُهم)) بالرفع قراءةُ ابن كثير وابنٍ عامر وحفصٍ عن عاصم. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((يكن)) بالياء التحتانية، و((فتنتَهم)) بالنصب، وكذا قرأا: (بَّنَا)) بالنصب(٣)، على النداء أو المدح. (١) ينظر معاني القرآن ٢٣٥/٢-٢٣٦. (٢) معاني القرآن ٢٣٦/٢. (٣) التيسير ص١٠١-١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢. سُورَةُ الأَنْعَم ١٠٤ الآية : ٢٣ وقرئ في الشواذّ: ((ربُّنا)) بالرفع (١) على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، وهو توطئةٌ لنفي إشراكهم. وفائدته رفع توهّم أن يكون نفي الإِشراك بنفي الإلهية عنه تقدَّس وتعالى. وقرأ الباقون بالتاء من فوق ونصبٍ ((فتنتَهم)) أيضاً(٢). وخرَّجوا قراءة الأوَّلين على أن ((فتنتهم)) اسمُ ((تكن))، وتأنيثُ الفعل لإِسناده إلى مؤنَّث، و((أن قالوا)) خبره. وقراءةً حمزةَ والكسائيّ على أنَّ ((أنْ قالوا)) هو الاسم، ولم يؤنَّث الفعل؛ لإسناده إلى مذكَّر، و((فتنتَهم)) هو الخبر. وقراءةً الباقين على نحو هذا، خَلا أنَّ التأنيث فيها بناءً على مذهب الكوفيين، فإنهم يُجيزون في سعة الكلام تأنيثَ اسم كان إذا كان مصدراً مذكَّراً وكان الخبر مؤنثاً مقدَّماً، كقوله: وقد خاب مَن كانت سريرتّه الغدرُ(٣) ويستشهدون على ذلك بهذه القراءة. وذهب البصريُّون إلى أنَّ ذلك ضرورة. وقيل: إنَّ التأنيث على معنى المقالة، وهو من قبيل: جاءته كتابي، أي: رسالتي. ولا يخفى أنَّ هذا قليل في كلامهم. وقال الزمخشريُّ(٤) - ونُقل بعينه عن أبي علي(٥) -: إنَّ ذلك من قبيل: من کانت أُمَّك؟ ونوقش بما لا طائلَ فيه. وزعم بعضهم أنَّ القراءتين الأخيرتين أفصحُ من القراءة الأولى؛ لأنَّ فيها جعلَ الأَعرف خبراً وغيرِ الأعرف اسماً، لأن ((أنْ قالوا)) يُشبه المضمَر، والمضمرُ أَعرف المعارف، وهو خلاف الشائع المعروفِ دونهما . (١) القراءات الشاذة ص٣٦. (٢) التيسير ص١٠١-١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢. (٣) صدره : ألم يك غدراً ما فعلتم بشمعـلٍ وهو الأعشى تغلب كما في الحماسة البصرية ٩٨/١. (٤) في الكشاف ٢/ ١١ . (٥) انظر كلامه في الحجة ٢٨٩/٣ -٢٩٠. الآية : ٢٤ ١٠٥ سُؤَدَّةُ الأَنْعَمُ وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من مشابهة شيءٍ لشيء في حكم مشابهتُه له في جميع الأَحكام. والجملةُ على سائر القراءات عطفٌ على الفعل المقدَّر العاملِ في ((يوم نحشرهم)) إلخ، على ما مرَّت الإِشارة إليه. وجَعَلها غيرُ واحد عطفاً على الجملة قبلها . و(ثم)) إما على ظاهرها بناءً على القول الأول، وإمَّا للتراخي في الرتبة بناءً على القولين الأخيرين؛ لأنَّ معذرتهم أو جوابَهم هذا أعظمُ من التوبيخ السابق. وأنت تعلم أنه لا ضرورةً للعدول عن الظاهر؛ لجواز أن يكونَ هناك تراخٍ في الزمان، بناءً على أنَّ الموقف عظيم، فيمكن أن يقال: إنهم لَمَّا عاينوا هولَ ذلك اليوم، وتجلِّيَ الملكِ الجبَّار جلَّ جلاله عليهم بصفة الجلال - كما يُنبئُ عنه الجملة السابقة - حارُوا ودهشوا، فلم يستطيعوا الجواب إلَّا بعد زمان، ومما ينبئُّ على دهشتهم وحَيرتهم أنهم كذبوا وحلفوا في كلامهم هذا، ولو لم يكونوا حيارَى مدهوشين لَمَا قالوا الذي قالوا؛ لأنَّ الحقائق تنكشف يوم القيامة، فإذا اطّلع أهلها عليها وعلى أنها لا تخفَى عليه سبحانه وأنه لا منفعةً لهم في مثل ذلك، استحال صدورُه عنهم. وللغفلة عن بناء الأَمر على الدَّهشة والحَيرة منع الجبّائي والقاضي ومَن وافقهما جوازَ الكذب على أهل القيامة مستدلِّين بما ذكرنا. وأجابوا عن الآية بأنَّ المعنى: ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا، وذلك لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنَّهم موحّدون متباعدون عن الشرك. واعترضوا على أنفسهم بأنَّهم على هذا التقدير يكونون صادقين فيما أَخبروا، فلمَ قال سبحانه: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ أي: في قولهم: ((ما كنا مشركين)). وأجابوا بأنه ليس المرادُ أنهم كذبوا في الآخرة، بل المراد: انظر كيف كذبوا ﴿عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ في الدنيا. ورُدَّ بأن الآية لا تدلُّ على هذا المعنى بوجه ولا تنطبق عليه؛ لأنها في شأن خُسرهم وأمرِهم في الآخرة، لا في الدنيا، بل تنبو عنه أشدَّ نبوّ؛ لأن أوَّل النظم الكريم وآخرَه في ذلك، فتخلَّل بيان حالهم في الدنيا تفكيك له وتعسُّف جدًّا. سُؤَةُ الأَنْقَم ١٠٦ الآية : ٢٤ ويؤيِّد ما ذهب إليه الجمهور أيضاً قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَعْلِفُونَ لَهُمْ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَبَحْسَبُونَ أَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] بعد قوله سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ١٤] حيث شبَّه كذبَهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. ويشير إلى هذا التشبيهِ أيضاً الأمرُ بالنظر، كما لا يخفَى على مَن نظر . وذكر ابنُ المنير(١) أنَّ في الآية دليلاً بيِّناً على أنَّ الإِخبار بالشيء على خلاف ما هو به كذبٌ، وإنْ لم يعلم المخبِر مخالفةً خبره لمخبره، ألا تراه سبحانه جعل إخبارهم وتبرُّؤَهم كذباً، مع أنه جلَّ شأنه أَخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا ﴾ أي: سُلبوا علمه حينئذ دَهشاً وحيرة، فلم يرفع ذلك إطلاقَ الكذب كَانُواْ يَفْتَّرُونَ ®َ علیهم. وأنت تعلم أنَّ تفسير هذه الجملةِ بما ذكر غيرُ ظاهر. والمرويُّ عن الحسن أنَّ ((ما)) موصولة، والمراد بها الأصنامُ التي كانوا يعبدونها ويقولون فيها: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ الَِّ﴾(٢) [يونس: ١٨] أو نحو ذلك. وإيقاعُ الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقعٌ على أحوالها؛ للمبالغة في أمرها، كأنها نفسُ المفترَى، أي: زالت وذهبت عنهم أوثانُهم التي يفترون فيها ما يفترون، فلم تُغنِ عنهم من الله شيئاً . وقيل: إنَّ ((ما)) مصدرية، أي: ضلَّ افتراؤهم، كقوله سبحانه: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٤] أي: لم ينفعهم ذلك. والجملة، قيل: مستأنَفة. وقيل - واختاره شيخ الإِسلام(٣) -: إنها عطف على ((كذبوا)) داخلٌ معه في حكم التعجيب، إذ الاستفهام السابق المعلِّق لـ ((انظر)) لذلك. وجعلَ المعنى على احتمالَي الموصول والمصدرية: انظر كيف كذبوا باليمين الفاجرةِ المغلَّظة على أنفسهم بإنكار صدورٍ ما صدر عنهم، وكيف ضلَّ عنهم، أي: (١) في الانتصاف ٢/ ١١ . (٢) انظر مجمع البيان ٧/ ٣١. (٣) في إرشاد العقل السليم ٣/ ١٢٠، وما سيرد بين حاصرتين منه. الآية : ٢٥ ١٠٧ سُورَةُ الأَنْعَل زال وذهب افتراؤهم، أو ما كانوا يفترونه من الإِشراك، حتى نفَوا صدورَه عنهم بالكلِّية وتبرؤوا [منه] بالمرَّة. ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إلَيٌّ﴾ كلام مَسوق لحكاية ما صدر في الدنيا عن بعض المشركين من أحكام الكفر، ثم بيانٍ ما سيصدر عنهم يومَ الحشر تقريراً لما قبله وتحقيقاً لمضمونه. وضمير (منهم)) للذين أشركوا، والاستماعُ بمعنى الإِصغاء، وهو لازم يعدَّى باللام و((إلى)) كما صرَّح به أهل اللغة. وقيل: إنه مضمَّن معنى الإِصغاء، ومفعوله مقدَّر وهو القرآن. قال ابن عباس رضيّ في رواية أبي صالح: إنَّ أبا سفيان بن حرب، والوليد بنَ المغيرة، والنَّضر بن الحارث، وعتبةً وشيبة ابنا ربيعةً، وأميةَ وأُبيًّا بن خلف، استمعوا إلى رسول اللهِنَّه وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنَّضر: يا أبا قُتَيلة، ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيتَه ما أدري ما يقول، إلا أني أرى تحرُّك شفتيه يتكلّم بشيء، فما يقول إلَّا أساطيرَ الأوَّلين، مثلَ ما كنتُ أحدِّئكم عن القرون الماضية(١). وكان النضر كثيرَ الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدِّث قريشاً فيستملحون حديثه، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وأَفرد ضميرَ ((مَن)) في ((يستمع))، وجمعه في قوله سبحانه: ﴿وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ﴾ نظراً إلى لفظه ومعناه. وعن الكرخي: إنَّما قيل هنا: ((يستمع))، وفي (يونس)): ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ [الآية: ٤٢] لأن ما هنا في قوم قليلين، فنزِّلوا منزلةً الواحد، وما هناك في جميع الكفار، فناسب الجمع، وإنما لم يُجمع ثَمَّ في قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] لأنَّ المراد النظر المستتبع لمعاينة أدلَّة الصدقِ وأَعلامِ النبوّة، والناظرون له كذلك أقلُّ من المستمعين للقرآن. والجعل بمعنى الإِنشاء. والأَكِنّة جمع كِنان، كغطاء وأغطية، لفظاً ومعنى؛ لأن فعالاً - بفتح الفاء وكسرها - يجمع في القلّة على أَفعِلة، كأحمرة وأَقذِلة، وفي الكثرة على فُعُل، كحُمُر، إلّا أن يكون مضاعفاً أو معتلَّ اللام، فيلزم جمعُه على (١) أسباب النزول ص٢٠٩، وزاد المسير لابن الجوزي ١٨/٢. سُورَةُ الأَنْعَل ١٠٨ الآية : ٢٥ أَفعلة، كأكِنَّة وأَخبية، إلَّا نادراً. وفعل الكَنَّ ثلاثيٌّ ومزيد، يقال: كنَّه وأكثَّه، كما قاله الطبرسي(١) وغيره. وفرَّق بينهما الراغب فقال(٢): أَكْتَنْتُ، يُستعمل لِمَا يُسْتَرُ في النفس، والثلاثيُّ لغيره. والتنوين للتفخيم، والواو العطف، والجملةُ معطوفة على الجملة قبلَها عطفَ الفعليةِ على الاسمية . وقيل: الواو للحال، أي: وقد جعلنا . و((على قلوبهم)) متعلّق بالفعل قبله. وزعم أبو حيّان(٣) أنه إن كان بمعنى ألقَى، فالظرف متعلِّق به، وإن كان بمعنى صيَّر، فمتعلِّق بمحذوف؛ إذ هو في موضع المفعول الثاني. والمعنى على ما ذكرنا: وأَنشأنا على قلوبهم أغطيةً كثيرةً لا يُقادَر قَدْرُها . ﴿َنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: كراهةً أن يفهموا ما يستمعونه من القرآن المدلولِ عليه بذِكر الاستماع، فالكلام على تقدير مضاف، ومنهم مَن قدَّر ((لا)) دونه، أي: ألَّا يفقهوه. وكذلك يفعلون في أمثاله. وجوِّز أن يكونَ مفعولاً به لما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ﴾ أي: منعناهم أن يفقهوه، أو لما دلَّ عليه ((أكنة)) وحدَه من ذلك. ﴿َوَفِيّ ◌َانِهِمْ وَقَرأْ﴾ أي: صمماً وثقلاً في السمع يمنع من استماعه على ما هو حقُّه. والكلام عند غير واحد تمثيل مُعرِب عن كمال جهلهم بشؤون النبيِّ بَێ، وفَرط نُبُوِّ قلوبهم عن فهم القرآن الكريم، ومجِّ أسماعهم - أصمَّها الله تعالى - له. وجوِّز أن يكون هناك استعارةٌ تصريحية أو مكنية، أو مشاكلة وقد مرَّ لك في (البقرة))(٤) ما ينفعك هنا، فتذكَّره. وقرأ طلحة: ((وِقراً)) بالكسر(٥)، وهو - على ما نصَّ عليه الزجَّاج(٦) - حِمل (١) في مجمع البيان ٧/ ٣٢. (٢) في المفردات (كنن). (٣) في البحر ٤/ ٩٧. (٤) ٣٩٢/١ فما بعد. (٥) القراءات الشاذة ص٣٦. (٦) في معاني القرآن ٢٣٧/٢. الآية : ٢٥ ١٠٩ سُؤَةُ الأَنْعَم البغل ونحوِه، ونصبه على القراءتَين بالعطف على ((أكنة)) كما قال أبو البقاء(١). ﴿وَإِن يَرَوَا﴾ أي: يشاهدوا ويُبصروا ﴿كُلَّ ◌َايَةٍ﴾ أي: معجزةٍ دالَّة على صدق الرسولِ وَ﴿ على ما نُقل عن الزجَّاج، وهو الذي يقتضيه كلامُ ابن عباس ◌َّا، كانشقاق القمر، ونبع الماء بين أصابعه الشريفة، وتكثيرِ القليل من الطعام، وما أَشبهَ ذلك ﴿لَّا يُؤْمِنُواْ بِأَ﴾ لفَرط عِنادهم واستحكام التقليد فيهم. والكلامُ من باب عموم النفي، كـ : كلُّ ذلك لم يكن، لا من باب نفي العموم. والمراد ذمُّهم بعدم الانتفاع بحاسَّة البصر بعد أن ذكر سبحانه عدمَ انتفاعهم بعقولهم وأَسماعهم. ونُقل عن بعضهم أنه لا بدَّ من تخصيص الآية بغير المُلجِئة، دفعاً للمخالفة بين هذا وقولهِ تعالى: ﴿إِن ثَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ النَّمَاءِ مَايَةً فَظَلَتْ أَعْتَقُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] واكتفى بعضُهم بحمل الإِيمان على الإِيمان بالاختيار، وفرّق بينه وبين خضوع الأَعناق، فليُفهم. وخصَّ شيخ الإسلام(٢) الآيةَ بما كان من الآيات القرآنية، أي: وإن يروا شيئاً من ذلك بأن يشاهدوه بسماعه، لا يؤمنوا به. ولعل ما قدَّمناه أَحلى لدى الذوقٍ السليم. ﴿حََّ إِذَا جَآءُولَكَ يُجَدِلُونَكَ﴾ أي: يخاصمونك وينازعونك. و((حتى)) هي التي تقع بعدها الجملُ، ويقال لها: حتى الابتدائية. ولا محلَّ للجملة الواقعة بعدها، خلافاً للزجَّاج وابنِ درستويه، زعمًا أنها في محلٌّ جر بـ ((حتى))، ويَردُّه أنَّ حروف الجر لا تُعلَّق عن العمل، وإنما تدخل على المفرَد أو ما في تأويله. والجملة هنا ((إذا جاءوك)) مع جواب الشرط، أعني قولَه سبحانه وتعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرَوَا﴾، وما بينهما حالٌ من فاعل ((جاؤوا))، وإنما وُضع الموصولُ موضعَ الضمير، ذمَّا لهم بما في حيِّز الصلة، وإشعاراً بعلَّة الحكم. و((إذا)) منصوبة المحلِّ على الظرفية بالشَّرط أو الجواب، على الخلاف الشهيرِ في ذلك. (١) في الإملاء ٢/ ٥٢٧. (٢) في تفسيره ١٢١/٣. سُورَةُ الأَنْشَهَا ١١٠ الآية : ٢٦ واعتُرض بأنَّ جَعْلَ ((يجادلونك)) في موضع الحال و((يقول الذين)) جواباً، مُفضٍ إلى جعل الكلام لغواً؛ لأن المجادلة نفسُ هذا القول، إلَّا أن تؤوَّل المجادلة بقصدها. ولا يخفى ما فيه، فإنَّ المجادلة مطلقُ المنازعة، وسمِّيت بذلك لِما فيها من الشدَّة، أو لأن كلَّ واحد من المتجادلَين يريد أن يُلقيَ صاحبه على الجَدَالة، أي: الأرض، والقول المذكور فردٌ منها، فالكلام مفيد أبلغَ فائدة، كقولك: إذا أَهانك زيد شتمك. وذكر بعض النحويِّين أن ((حتى)) إذا وقع بعدها ((إذا)) يحتمل أن تكونَ بمعنى الفاء، وأن تكون بمعنى ((إلى))، والغاية معتبرة في الوجهين، أي: بلغوا من التكذيب والمكابرة إلى أنَّهم إذا جاؤوك مجادلين لك، لا يكتفون بمجرَّد عدم الإيمان، بل يقولون: ﴿إِنْ هَذّ﴾ أي: ما هذا ﴿إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ®﴾ أي: أحاديثهم المسطورة التي لا يعوَّل عليها. وقال قتادة: كَذِبهم وباطلهم. وحاصل ما ذكر أنَّ تكذيبهم بلغ النهايةَ بما ذكر؛ لأنه الفرد الكاملُ منه. ونظير ذلك: مات الناسُ حتى الأنبياءُ. وجوِّز أن تكون ((حتى)) هي الجارَّة، و((إذا جاؤوك)) في موضع الجرِّ، وهو قولُ الأخفش، وتبعه ابنُ مالك في ((التسهيل)). وردّه أبو حيان في شرحه، وعليه فـ ((إذا)) خارجةٌ عن الظرفية كما صرَّحوا به، وعن الشرطية أيضاً، فلا جوابَ لها، فـ ((يقول)) حينئذٍ تفسير لـ ((يجادلونك))، وهو في موضع الحالِ أيضاً. والأساطير عند الأخفش(١) جمعٌ لا مفرد له، كأبابيل ومذاكير. وقال بعضهم: له مفرد. وفي ((القاموس)»(٢): إنه جمع إِسطار وإِسطير، بكسرهما، وأُسطور، وبالهاء في الكلّ. وقيل: جمع أَسطار، بفتح الهمزة، جمع سَطَر، بفتحتين، كسبب وأسباب، فهو جمعُ جمع. وأصل السَّظر بمعنى الخطّ. ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الضميرُ المرفوع للمشركين، والمجرورُ للقرآن، أي: لا يقنعون بما ذكر من تكذيبه وعدِّه حديثَ خُرافة، بل ينهون الناس عن استماعه؛ لئلا یقفوا على حقيقته فيؤمنوا به. (١) في معاني القرآن ٤٨٦/٢ . (٢) مادة (سطر). الآية : ٢٦ ١١١ سُؤَدَّةُ الْأَنْسَم ﴿وَيَنْوَنَ عَنْدٌ﴾ أي: يتباعدون عنه بأنفسهم إِظهاراً لغاية نفورهم عنه، وتأكيداً النهيهم، فإنَّ اجتناب الناهي عن المنهيِّ عنه من متهِّمات النهي. ولعل ذلك - كما قال شيخُ الإِسلام(١) - هو السرُّ في تأخير النأي عن النهي. وهذا هو التفسيرُ الذي أخرجه ابنُ أبي شيبة وابنُ حميد وابن جَرير(٢) وابن المنذر وغيرُهم عن مجاهد رحمهُ الله تعالی علیه. وقيل: الضمير المجرور للرَّسول وَّل، على معنى: ينهون الناس عن الإِيمان به عليه الصلاة والسلام ويتباعدون عنه. وهو التفسيرُ الذي أخرجه أبناء جَرير (٣) والمنذرِ وأبي حاتم(٤) ومردويه من طريق عليٍّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قًّا، وأخرجه أيضاً ابنُ جرير(٥) من طريق العَوفي. ورُوي ذلك عن محمد بن الحنفية(٦)، والسُّدِّي، والضحَّاك. وقيل: الضمير المرفوع لأبي طالب واتباعِه أو أضرابه، والمجرورُ للنبيِّ وَِّ، على معنى: ينهَون عن أذَّته عليه الصلاة والسلام ولا يؤمنون به. أخرج ابن أبي حاتم(٧) عن سعيد بن [أبي] هلال(٨) أنه قال: إن الآية نزلت في عمومة النبيِّ نَّه، وكانوا عشرة، وكانوا أشدَّ الناس معه في العلانية، وأشدَّ الناس عليه عليه الصلاة والسلام في السِّرِّ. وقيل: ضمير الجمع لأبي طالبٍ وحدَه، وجُمع استعظاماً لفعله، حتى كأنه مِمَّا لا یستقلُّ به واحد. (١) في إرشاد العقل السليم ١٢٢/٣. (٢) في تفسيره ٩/ ٢٠٣. (٣) في تفسيره ٩/ ٢٠١. (٤) في تفسيره ٤/ ١٢٧٧ . (٥) في تفسيره ٩/ ٢٠٢. (٦) تفسير الطبري ٩/ ٢٠١، وابن أبي حاتم ٤ / ١٢٧٧. (٧) في تفسيره ١٢٧٧/٤، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٨) هو أبو العلاء سعيد بن أبي هلال الليئي المصري. الإمام الحافظ الفقيه. مات سنة (١٣٥، وقيل: ١٤٩هـ). السير ٣٠٣/٦. سُورَةُ الأَنْعَل ١١٢ الآية : ٢٦ وقيل: إنه نزّل منزلةَ أفعال متعدِّدة، فيكون كقوله: قِفًا، عند المازني(١). ولا يخفى بُعده. وروَى هذا القولَ جماعةٌ عن ابن عباس ◌ِّها أيضاً. وروي عن مقائل أنَّ رسول الله وس كان عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريشٌ إليه يريدون سوءاً بالنبيِّي ◌َّارِ، فقال منشداً: حتى أُوسَّدَ في التراب دفينا واللهِ لن يصلوا إليك بجمعهم وابْشِر وقَرَّ بذاك منك عيونا فاصدع بأمركَ ما عليك غَضاضةٌ ولقد صدقتَ وكنت ثَمَّ أمينا ودعوتَني وزعمتَ أنك ناصحٌ من خير أَديان البريّة دينا وعَرَضتَ دِيناً لا محالةَ إنه لوجدتَني سمحاً بذاك مُبينا (٢) لولا الملامةُ أو حِذاري سُبَّةً فنزلت هذه الآية. وفيها على هذا القولِ والذي قبله التفات. وردَّ الإمام(٣) القولَ الأخير بأنَّ جميع الآيات المتقدمةِ في ذمّ فعل المشركين، فلا يناسبه ذِكرُ النهي عن أذَّته عليه الصلاة والسلام، وهو غيرُ مذموم. ونُظر فيه بأنَّ الذَّ بالمجموع من حيث هو مجموع. وبهذه الآية على هذه الروايةِ استدلَّ بعض من ادَّعى أنَّ أبا طالب لم يؤمن برسول الله وَّ﴾، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُ هذا المطلبٍ في موضعه (٤). والنأي لازم يتعدَّى بـ ((عن) كما في الآية. ونُقل عن الواحديِّ أنه سمع تعديته بنفسه عن المبرِّد، وأنشد: أعاذلَ إنْ يصبح صَدايَ(٥) بقَفرة بعيدٌ نآني زائري وقريبي(٦) (١) أي: قف قف. وانظر فتح القدير للشوكاني ٥/ ٧٧. (٢) أسباب النزول للواحدي ص ٢١٠، والأبيات مذكورة في السير والمغازي لابن إسحاق ص ١٥٥ - ونقلها عنه البيهقي في دلائل النبوة ٢ / ١٨٨ - وخزانة الأدب ٢٩٦/٣. (٣) في التفسير الكبير ١٨٩/١٢ . (٤) عند تفسير الآية (١١٣) من سورة التوبة. (٥) في الأصل و(م): صدى، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٦) البيت للَّمر بن تَوْلَب، وهو في الكامل ٤٧٩/١، والبيان والتبيين ٢٨٤/١ برواية: بعيداً = الآية : ٢٧ ١١٣ سُورَةُ الأَنْتَّهُل وخرَّجه البعض على الحذف والإِيصال. ولا يخفى ما في ((ينهون)) و((ينأون)) من التجنيس البديع. وقُرئ: ((وَيَنَّوْنَ عنه))(١). ﴿وَإِنِ يُهْلِكُونَ﴾ أي: وما يُهلكون بذلك ﴿إِلَّ أَنفُسَهُمْ﴾ بتعريضها لأشدِّ العذاب وأفظعِه، وهو عذابُ الضلال والإِضلال. ، حالٌ من ضمير ((يهلكون)) أي: يَقصرون وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ (®َـ الإِهلاكَ على أنفسهم، والحالُ أنهم غيرُ شاعرين، لا بإِهلاكهم أنفسَهم، ولا باقتصار ذلك عليها من غيرٍ أن يضرُّوا بذلك شيئاً من القرآن أو النبيِّ وَّ، وإنما عَبَّر عنه بالإِهلاك مع أن المنفيَّ عن غيرهم مطلقُ الضرر؛ للإِيذان بأن ما يَحيق بهم هو الهلاكُ لا الضَّرر المطلق، على أنَّ مقصدهم لم يكن مطلقَ الممانعة فيما ذكروا، بل كانوا يبغون الغوائلَ لرسول الله وَّر الذي هو نظام عِقد لآلئِ الآيات القرآنية. وجوِّز أن يكون الإهلاك معتبراً بالنسبة إلى الذين يُضلونهم بالنهي، فقَضْره على أنفسهم حينئذٍ مع شموله للفريقين مبنيٌّ على تنزيل عذابِ الضلال عند عذاب الإضلال منزلةً العدم. ونفيُ الشعور - على ما في ((البحر)) (٢) - أبلغ من نفي العلم، کأنه قيل: وما یدرکون ذلك أصلاً . ﴿وَلَوْ تَرَ إِذْ رُقِفُوْ عَلَى النَّارِ﴾ شروعٌ في حكاية ما سيصدر عنهم يومَ القيامة من القول المناقضٍ لما صدر عنهم في الدنيا من القبائح المحكيَّة مع كونه كاذباً في نفسه. والخطابُ للنبيِّ وَّ، أو لكلّ من له أهليّة ذلك، قصداً إلى بيان سوءٍ حالهم، وبلوغِها من الشناعة إلى حيث لا يختصُّ بها راءٍ دون راء. نآني ... ، وورد برواية المصنف في طبقات الفحول ١٦١/١، وقال الشيخ محمود شاكر في = الحاشية: وأنا أستجيد الرفع في قوله: بعيد، وهو عندي أبلغ أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف من أن يكون خبر ((يصبح صداي)). (١) إعراب القرآن للنحاس ٦١/٢، والبحر المحيط ١٠٠/٤ عن الحسن. (٢) البحر المحيط ٤/ ١٠٠ . سُورَةُ الأَنْعَم ١١٤ الآية : ٢٧ و ((لو)) شرطية على أصلها، وجوابُها محذوف؛ لتذهبَ نفسُ السامع كلَّ مذهب، فيكون أدخلَ في التهويل. ونظيرُ ذلك قولُ امرئ القيس: سواكَ ولكن لم نجد لكَ مَدفعا(١) وجدِّكَ لو شيءٌ أتانا رسولُه وقولُهم: لو ذات سِوار لطمتني. و((ترى)) بصرية، وحذف مفعولها لدلالة ما في حيِّز الظرف عليه. والإِيقافُ إمَّا من الوقوف المعروف، أو من الوقوف بمعنى المعرفة، كما يقال: أَوقفتُه على كذا، إذا فَهَّمَتَه وعرَّفته. واختاره الزجَّاج(٢). أي: ولو ترى حالَهم حين يوقَّفون على النار حتى يعاينوها، أو يُرفَعوا على جسرها وهي تحتهم فينظرونها، أو يدخلونها فيعرفون مقدارَ عذابها، لَرأيتَ ما لا يحيط به نطاقُ التعبير، وصيغة الماضي للدَّلالة على التحقیق. وقيل: إنَّ (لو)) بمعنى ((إنْ)) وجوَّزوا أن تكون ((ترى)) عِلمية، وهو كما ترى. وقُرئ: ((وَقَفوا)) بالبناء للفاعل(٣)، من وَقَفَ عليه اللازم، ومصدرُه غالباً الوقوف. ويُستعمل ((وقف)) متعدِّياً أيضاً، ومصدره الوقف. وسُمع فيه أَوقف، لغة قليلة، وقيل: إنه بطريق القياس. ﴿فَقَالُواْ﴾ لعِظَم أمر ما تحقَّقوه ﴿يَيْنَا نُرَهُ﴾ أي: إلى الدنيا. و((يا)) للتنبيه، أو للنِّداء، والمنادى محذوف، أي: يا قومنا، مثلاً ﴿وَلَا تُكَذِّبَ بِّايَتِ رَيْنَا﴾ أي: القرآنِ كما كنا نكذّب من قبل ونقول: أساطير الأوَّلين. وفسَّر بعضهم الآياتِ بما يشمل ذلك والمعجزاتِ. وقال شيخ الإِسلام(٤): يحتمل أن يرادَ بها الآياتُ الناطقة بأحوال النار وأهوالها الآمرة باتِّقائها، بناءً على أنها التي تخطر حينئذٍ ببالهم ويتحسَّرون على ما فرَّطوا في حقٌّها، ويحتمل أن يرادَ بها جميعُ الآيات المنتظمة لتلك الآيات انتظاماً أوليًّا . (١) ديوانه ص٢٤٢. (٢) في معاني القرآن ٢٣٩/٢. (٣) البحر المحيط ١٠١/٤، وكذلك في النهر الماد من البحر على هامش البحر. (٤) في إرشاد العقل السليم ١٢٣/٣. الآية : ٢٧ ١١٥ سُؤَدَّةُ الأَنْعَم (٣)﴾ بها، حتى لا نرى هذا الموقفَ الهائل كما لم يرَ ذلك ﴿وَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المؤمنون. ونصب الفعلين، على ما قال الزمخشريُّ(١)، وسبقه إليه ــ كما قال الحلبيُّ(٢) - الزجَّاجُ(٣)، بإضمار ((أنْ)) على جواب التمني. والمعنى: إنْ رُددنا لم نگذِّبْ ونکن من المؤمنين. وردَّه أبو حيان(٤) بأنَّ نصب الفعل بعد الواو ليس على الجوابيّة؛ لأنها لا تقع في جواب الشرط، فلا ينعقد مِمَّا قبلها وما بعدها شرطً وجواب، وإنما هي واو تعطفُ ما بعدها على المصدر المتوهَّم قبلها، وهي عاطفة يتعيَّن مع النصب أحدُ محاملها الثلاث، وهي المعيَّة، ويميِّزها عن الفاء صحةُ حلول ((مع)) محلّها، أو الحال(٥)، وشبهة مَن قال: إنها جواب، أنَّها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء، فتوهّم أنها جواب. ويوضح لك أنها ليست به انفراد الفاء دونها بأنها إذا حُذفت انجزم الفعلُ بعدها بما قبلها لما تضمَّنه من معنى الشرط. وأجيب بأن الواو أُجريت هنا مُجرَى الفاء. وجعلها ابن الأنباريِّ مبدلةً منها. ويؤيِّد ذلك قراءةُ ابن مسعود وابن إسحاق: ((فلا نكذب))(٦). واعتُرض أيضاً ما ذكره الزمخشريُّ من معنى الجزائية بأنَّ ردَّهم لا يكون سبباً لعدم تكذيبهم. وأُجيب بأنَّ السببية يكفي فيها كونُها في زعمهم. ورُدَّ بأن مجرَّد الردِّ لا يصلح لذلك، فلابدَّ من العناية بأن يراد الردُّ الكائن بعد ما ألجأهم إلى ذلك، إذ قد انكشفت لهم حقائقُ الأشياء. ولهذه الدغدغة اختار من اختار العطفَ على (١) في الكشاف ٢/ ١٣ . (٢) في الدر المصون ٥٨٩/٤ . (٣) في معاني القرآن ٢٣٩/٢-٢٤٠. (٤) في البحر ١٠١/٤، وفي النهر الماد بهامشه. (٥) كذا وقعت هذه العبارة عند المصنف، وقد سقط من مطبوع البحر في هذا الموضع بعض الكلام، وجاءت العبارة في النهر الماد كما يلي: ويميزها من الفاء تقدير ((مع) موضعها، كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعل منصوب ميزها تقدير شرط قبلها أو حال مكانها. ومثله في الدر المصون ٥٨٩/٤ نقلاً عن أبي حيان. (٦) أخرج قراءة ابن مسعود الطبريُّ ٢٠٨/٩. سُؤَدَّةُ الأَنْعَام ١١٦ الآية : ٢٧ مصدر متوهّم قبلُ، كأنه قيل: ليت لنا ردًّا وانتفاءَ تكذيب وكوناً من المؤمنين. وقرأ نافعٌ وابن كثير والكسائيُّ برفع الفعلين(١)، وخرِّج على أنَّ ذلك ابتداءُ كلام منهم غيرِ معطوف على ما قبله، والواو كالزائدة، كقول المذنب لمن يؤذيه على ما صدر منه: دعني ولا أعودُ، يريد: لا أعود تركتَني أو لم تتركني. ومن ذلك - على ما قاله الإِمام عبدُ القاهر - قولُه: اليومُ يومان مذ غيِّبتَ عن نظري نفسي فداؤك ما ذنبي فأَعتذرُ(٢) وكأن المقتضي لنظمه في هذا السلكِ إفادةُ المبالغة المناسبةِ لمقام المغازلة. واختار بعضهم كونَه ابتداءَ كلام، بمعنى كونِه مقطوعاً عما في حيِّز التمنِّي، معطوفاً عليه عطفَ إخبارٍ على إنشاء. ومن النحاة من جوَّزه مطلقاً، ونقله أبو حيَّان عن سيبويه(٣). وجوِّز أن يكون داخلاً في حكم التمنِّي على أنه عطف على ((نُرَدّ»، أو حالٌ من الضمير فيه. فالمعنى - كما قال الشِّهاب(٤) - على تمنِّي مجموع الأَمرين: الرَّدّ، وعدم التكذيب. أي: التصديق الحاصل بعد الردِّ إلى الدنيا؛ لأن الردّ ليس مقصوداً بالذات هنا. وكونه متمنَّى ظاهر؛ لعدم حصوله حالَ التمني وإنْ كان التمنِّ منصبًا على الإِيمان والتصديق، فتمنِّيه لأن الحاصلَ الآن لا ينفعهم، لأنهم ليسوا في دار تكليف فتمنَّوا إيماناً ينفعهم، وهو إنما يكون بعد الردِّ المحال، والمتوقُّفُ على المحال محال. وقرأ ابنُ عامر برفع الأوَّل ونصبٍ الثاني(٥) على ما علمت آنفاً. والجوابية إمَّا بالنظر إلى المجموع، أو بالنظر إلى الثاني، وعدمُ التكذيب بالآيات مغاير للإِيمان والتصديق، فلا اتِّحاد. وقُرئ شاذًّا بعكس هذه القراءة(٦). (١) وأبو عمرو أيضاً، كما في التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢. (٢) دلائل الإعجاز ص٧٦، ولم يعزه لأحد. (٣) انظر البحر المحيط ٤/ ١٠٢. (٤) في حاشيته ٤/ ٤٤ . (٥) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢. (٦) الإملاء ٥٢٩/٢، والبحر المحيط ٤/ ١٠٢. الآية : ٢٨ ١١٧ سُورَةُ الأَنْسَل ﴿بَلْ بَدَا لَهُ مَا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ﴾ إضراب عمَّا يؤذن به تمنِّيهم من الوعد بتصديق الآيات والإِيمان بها. أي: ليس ذلك عن عزم صحيح ناشىءٍ عن رغبة في الإيمان، وشوقٍ إلى تحصيله والاتصافِ به، بل لأنَّه بدا وظهر لهم في وقوفهم ذلك ما كانوا يُخفونه في الدنيا من ثالثة الأثافي والداهيةِ الدَّهياء؛ فلشدَّة هول ذلك ومزيدٍ ضجرهم منه قالوا ما قالوا. فالمرادُ من الموصول النارُ على ما يقتضيه السَّوق، ومن إِخفائها سَترُ أمرها، وذلك بإِنكار تحقّقها وعدم الإيمان بثبوتها أصلاً، فكأنه قيل: بل بدا لهم ما كانوا يكذّبون به في الدنيا وينكرون تحقُّقه. وإنما لم يصرِّح سبحانه بالتكذيب كما في قوله عزَّ شأنه: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ أَلَّى يُكَذِّبُ ◌ِهَا الْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقولهِ عِزَّ مِن قائل: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَِّى كُتُم بِهَا تُكَذِبُونَ﴾ [الطور: ١٤] مع أن ذلك أنسبُ بما قبلُ من قولهم: ((ولا نكذب بآيات ربنا)) = مراعاةً لما في مقابله من البُرِّ في الچملة، مع ما في ذلك من الرمز الخفيِّ إلى أنَّ تكذيبهم هذا لم يكن في محلِّه رأساً؛ لقوّة الدليل. وقيل: المراد بما كانوا يخفونه قبائحُهم من غير الشِّرك التي كانوا يكتمونها عن الناس، فتظهرُ في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم. وقيل: المراد به الشركُ الذي أنكروه في بعض مواقفٍ القيامة بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقيل: المراد به أمرُ البعث والنشور، والضمير المرفوعُ لرؤساء الكفار، والمجرورُ لأَتباعهم. أي: ظهر للتابعين ما كان الرؤساء المتبوعون يخفونه في الدنيا عنهم من أمر البعثِ والنشور. ونُسب إلى الحسن، واختاره الزجَّاج(١). وقيل: الآية في المنافقين، والضميرُ المرفوع لهم، والمجرورُ للمؤمنين، والمراد بالموصول الكفرُ. أي: بل ظهر للمؤمنين ما كان المنافقون يُخفونه من الكفر ويكتمونه عنهم في الدنيا . وقيل: هي في أهل الكتاب مطلقاً، أو علمائهم، والذي أخفَوه نبوَّة خاتم الرسل وَ﴾، والضميران المرفوعُ والمجرور لهم وللمؤمنين، أو للخواصِّ والعوامّ. (١) في معاني القرآن ٢٤٠/٢ . سُورَةُ الَتْفَعَل ١١٨ الآية : ٢٨ وتُعقّب كلُّ ذلك بأنه بعد الإِغضاء عما فيه من الاعتساف لا سبيلَ إليه هنا؛ لأن سَوق النظم الجليلِ لتهويل أمر النار، وتفظيع حال أهلها، وقد ذُكر وقوفُهم عليها، وأُشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية، والحيرة والدَّهشة، ما لا يُحيط به الوصف، ورتّب عليه(١) تمنِيهم المذكورُ بالفاء القاضيةِ بسببيّة ما قبلها لما بعدها، فإسقاطُ النار بعد ذلك من السببية - وهي في نفسها أَدهَى الدواهي وأزجرُ الزواجر - إلى ما دونها في ذلك، مع عدم جريانِ ذِكره ثمةَ، أمرٌ ينبغي تنزيهُ ساحة التنزيلِ عن أمثاله. ونُقل عن المبرِّد أن الكلام على حذف مضاف، أي: بدا لهم وبالُ ما كانوا يخفون. ولا يخفى ما فيه أيضاً، فتدبّر. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ من موقفهم ذلك إلى الدنيا ﴿لَعَادُواْ لِمَا نُهُوَأْ عَنْهُ﴾ من الكفرِ والتكذيب، أو من الأعمِّ من ذلك، ويدخل فيه ما ذُكر دخولاً أوليًّا. ولا يخفى حسنُه. ووجه اللزوم في هذه الشرطيةِ سبقُ قضاء اللهِ تعالى عليهم بذلك، التابعِ لخبث طينتهم، ونجاسةِ جبلَّتهم، وسوء استعدادهم؛ ولهذا لا ينفعهم مشاهدةُ ما شاهدوه. وقيل: إنَّ المراد أنهم لو رُدُّوا إلى حالهم الأُولى من عدم العلم والمشاهدة، لَعادوا. ولا يخفى أنه لا يناسب مقامَ ذمِّهم بغلوِّهم في الكفر والإِصرار، وكونِ هذا جواباً لما مرَّ من تمنِّهم. وذكر بعضُ الناس في توجيه عدمٍ نفع المشاهدة في الآخرة لأهوالها المترتّبة على المعاصي بعدَ الردِّ إلى الدنيا أَنهَا حينئذٍ كخبر النبيِّ وَ﴿ المؤيَّد بالمعجزات الباهرة، فحيث لم ينتفعوا به وصدَّهم ما صدَّهم، لا ينتفعون بما هو مِثْلُه، ويصدُّهم أيضاً ما يصُّّهم. وأنت تعلم أنَّ هذا - بعد تسليم كونِ المشاهدة بعد الردِّ كخبر الصادق - يرجع في الآخرة إلى ما أشرنا إليه من سبقِ القضاءِ وسوءِ الاستعداد، ومَن خُلِقَ للشقاء - والعياذُ بالله سبحانه وتعالى - للشقاء يكون. (١) في (م): عليهم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٢٤/٣، والكلام منه. الآية : ٢٩ ١١٩ سُؤَدَّةُ الأَنْعَل ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾﴾ أي: لَقومٌ كاذبون فيما تضمَّنه تمنِيهم من الخبر بأن ذلك مرادٌ لهم، ويحتمل أن يكون هذا ابتداءً إِخبار منه تعالى بأنَّ ديدن هؤلاء وهِجِّيراهم(١) الكذبُ. وليس الكذب على الاحتمالين متوجّهاً إلى التمني نفسِه؛ لأنه إِنشاء، والإنشاءُ لا يحتمل الصِّدقَ والكذب. وقال الرَّبعي: لا بأس بتوجُّه الكذب إلى التمنِّي؛ لأنه يحتمل الصدقَ والكذبَ بنفسه. واحتجَّ على ذلك بقوله: وإلَّا فقد عشنا بها زمناً رَغْدا (٢) مُنَى إن تكن حقًّا تكن أحسنَ المُنى لأن الحقَّ بمعنى الصدق، وهو ضدُّ الباطل والكذب. ولا يخفى ما فيه، مع أنه لو سلم فهو مجازٌ أيضاً. وقيل: الخبر الضمنيُّ هنا هو الوعد بالإِيمان وعدم التكذيب. واعتُرض بأنَّ الوعد كالوعيد من قبيل الإنشاء، كما حقِّق في موضعه، فلا يتوجَّه إليه الكذب والصدق، كما لا يتوجّهان إلى الإنشاء. وأُجيب بأن ذلك أحدُ قولين في المسألة، ثانيهما أنَّ الوعد والوعيد من قبيل الخبر لا الإِنشاء، وهذا القيل مبنيٌّ عليه. على أنه يحتمل أنَّ المراد بالكذب المتوجِّهِ إلى الوعد عدمُ الوفاء به، لا عدمُ مطابقته للواقع، كما ذكره الراغب(٣). ﴿وَقَالُواْ﴾ عطف على ((عادوا)) كما عليه الجمهور. واعترضه ابنُ الكمال بأنَّ حقَّ ((وإنهم لكاذبون)) حينئذٍ أَن يؤخَّر عن المعطوف، أو يقدَّم على المعطوف عليه. وأُجيب بأنَّ توسيطه لأنه اعتراضٌ مَسُوق لتقرير ما أفادته الشرطيةُ من كذبهم المخصوص، ولو أُخِّر لأَوْهَمَ أنَّ المراد تكذيبُهم في إِنكارهم البعثَ. وجوِّز أن يكون عطفاً على ((إنهم لكاذبون))، أو على خبر ((إنَّ)، أو على (هوا)، والعائد محذوف. أي: قالوه، وأن يكونَ استئنافاً بذِكر ما قالوا في الدنيا. (١) أي: دأبهم وشأنهم. القاموس (هجر). (٢) البيت لابن ميادة أو لرجل من بني الحارث. انظر ديوان ابن ميادة ص٢٤٥. (٣) المفردات (كذب). سُورَةُ الأَنْتَعَل ١٢٠ الآية : ٣٠ ﴿إِنّ هِىَ﴾ أي: ما هي ﴿إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا﴾ والضمير للحياة المذكورة بعده، كما في قول المتنبي(١): هو الجَدُّ حتى تفضُل العينُ أختَها وحتى يكون اليومُ لليوم سيِّدا وقد نصُّوا على صحَّة عودِ الضمير على متأخِّرٍ لفظاً ورتبةً في مواضع، منها ما إذا كان خبرُ الضمير مفسِّراً له كما هنا . وجَّعَله بعضُهم ضميرَ الشأن، ولا يتأتّى على مذهب الجمهور؛ لأنهم اشترطوا في خبره أن يكون جملة. وخالفهم بذلك الكوفيُّون، فقد حُكي عنهم جوازُ كون خبره مفرداً، إمَّا مطلقاً، أو بشرط كون المفرَدِ عاملاً عملَ الفعل، كاسم الفاعل، نحو: إنه قائمٌ زيدٌ، بناءً على أنه حينئذ يسدُّ مسدّ الجملة. وقيل - وفيه بُعْدٌ -: يحتمل أن يكونَ الضمير المذكورُ عبارةً عما في الذهن، وهو الحياة، والمعنى: إن الحياةُ إلَّا حياتنا التي نحن فيها. وهو المرادُ بقولهم: ((الدنيا))، لا القريبةُ الزوال، أو الدنيئةُ، أو المتقدِّمة على الآخرة، كما يقول المؤمنون؛ إذ كلُّ ذلك خلاف الظاهر، لاسيّما الأخير. ٢٩ أي: إذا فارَقَتنا هذه الحياةُ أصلاً . ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِنَ ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمْ﴾ تمثيلٌ لحبسهم للسؤال والتوبيخ، أو كنايةٌ عنه عند مَن لم يشترط فيها إمكانَ الحقيقة، وجوِّز اعتبارُ التجوُّز في المفرد، إلّا أن الأرجح عندهم اعتبارُه في الجملة. وقيل: الوقوف بمعنى الاطلاع المتعدِّي بـ ((على)) أيضاً، وفي الكلام مضافٌ مقدَّر، أي: وقفوا على قضاء ربِّهم، أو جزائه. ولا حاجةً إلى التضمين وجعله من القلب كما توهِّم. وقيل: هو بمعنى الاطلاع من غير حاجة إلى تقديرٍ مضاف، على معنى: عُرِّفوه(٢) سبحانه وتعالى حقَّ التعريف. ولا يلزم من حقِّ التعريف حقُّ المعرفة ليقال: كيف هذا وقد قيل: ما عرفناك حقَّ معرفتك؟ (١) ديوانه ٩/٢. (٢) بتشديد الراء، من التفعيل. حاشية الشهاب ٤٦/٤.