Indexed OCR Text
Pages 81-100
الآية : ١٧ ٨١ سُورَةُ الأَنْعَم وأنت تعلم أنه إذا قلنا: إنَّ الأعراف جبل في الجنة عليه خواصُّ المؤمنين - كما هو أحدُ الأقوال - لا يَرِد النقض. وسيأتي إن شاء اللهُ تعالى تحقيقُ ذلك. وما ذُكر من الجواب مبنيٌّ على ما لا يخفى بُعده. والداعي إلى التأويل اتِّحادُ الشرطِ والجزاءِ الممتنعُ عندهم. وقال بعض الكاملين: إنَّ ما في النظم الجليل نظيرُ قوله ◌َّ: ((لن يجزيَ ولدٌ والده إلّا أن يجدَه مملوكاً فيشتريه فيعتقه))(١) يعني بالشراء المذكور، وإنَّ اختلاف العنوان يكفي في صحة الترتيب والتعقيب، ولك أن تقول: إنَّ الرحمة سبب للصرف سابق عليه على ما تلوِّح إليه صيغةُ الماضي والمستقبل، والترتيبُ باعتبار الإخبار. وتعقّبه الشهاب(٢) بأنه تكلُّف؛ لأن السبب والمسبَّب لابد من تغايرهما معنّى، والحديثُ المذكور منهم مَن أخذ بظاهره، ومنهم من أوَّله بأن المراد: لا يَجزيه أصلاً، وهو دقيق؛ لأنه تعليقٌ بالمحال. وأما كونُ الجواب ماضياً لفظاً ومعنّى، ففيه خلاف، حتى منعه بعضهم في غير (٣) ((كان)) لعراقتها في المُضي. اهـ. فليفهم. والإِشارة إما إلى الصرف الذي في ضمن ((يصرف))، وإما إلى الرحمة، وذكّر لتأويل المصدر بـ ((أنْ)) والفعل. ومنهم من اعتبر الرُّحْم، بضمٍّ فسكون أو بضمتين، وهو - على ما في القاموس(٤) - بمعنى الرحمة. ومعنى البعد(٥)؛ للإيذان بعلوٍّ درجة ما أُشير إليه. والفوزُ: الظفر بالبغية. و((أل)) لقَصره على المسند إليه. ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ﴾ أي: ببَليّة، كمرض وحاجة ﴿فَلَ كَاشِفَ﴾ أي: لا مزيل ولا مفرِّج ﴿لَهُ﴾ عنك ﴿إِلَّا مُوٌ﴾ والمراد: لا قادر على كشفه سواه سبحانه وتعالى، من الأصنام وغيرِها . ﴿وَإِن يَسَْسْكَ بِخَيْرٍ﴾ من صحة وغنّى ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ ومن جملته ذلك، فيَقدر جلَّ شأنه عليه، فيمسك به ويحفظه عليك من غير أن يقدرَ على دفعه (١) أخرجه مسلم (١٥١٠) من حديث أبي هريرة ﴿ه. وهو عند أحمد (٧١٤٣). (٢) في حاشيته ٤/ ٣٥. (٣) قوله: غير، ليس في حاشية الشهاب. (٤) مادة (رحم). (٥) أي: في ((ذلك)). سُؤْدَةُ الأَنْتَعَام ٨٢ الآية : ١٧ ورفعه أحد، كقوله تعالى: ﴿فَلَاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ،﴾ [يونس: ١٠٧] ويظهر من هذا ارتباطُ الجزاء بالشرط . وقيل: إنَّ الجواب محذوف، تقديره: فلا رادَ له غيرُه تعالى، والمذكور تأكيد للجوابين؛ لأنَّ قدرته تعالى على كلِّ شيء من الخير والشر تؤكّد أنه سبحانه وتعالى كاشفُ الضرِّ وحافظ النِّعم ومُديمها. وزَعْمُ أنه لا تعلُّق له بالجواب الأوَّل بل هو علَّة الجواب الثاني، ظاهرُ البطلان؛ إذ القدرة على كل شيءٍ تؤكّد كشف الضرِّ بلا شبهة، وإنكارُ ذلك مكابرة. وأصل المسِّ - كما قال أبو حيان(١) - تلاقي الجسمين، والمراد به هنا الإِصابة. وجعل غيرُ واحد الباءَ في ((بِضُرِّ)) وفي ((بخَيْرِ)) للتعدية وإن كان الفعل متعدِّياً، كأنه قيل: وإن يمسسك اللهُ الضرَّ. وفسروا الضُّرَّ - بالضَّمِّ - بسوء الحال في الجسم وغيرِه، وبالفتح بضد النفع. وعدل عن الشرِّ المقابل للخير إلى الضّرّ - على ما في ((البحر))(٢) - لأن الشرَّ أعمّ، فأتى بلفظ الأَخصِّ مع الخير الذي هو عامٌّ؛ رعايةً لجهة الرحمة . وقال ابن عطية: إنَّ مقابلة الخير بالضر مع أن مقابِلَه الشرُّ وهو أخص منه، من خفي الفصاحة؛ للعدول عن قانون الصنعة(٣) وطرح رداء التكلَّف، وهو أن يقرن بأخصَّ من ضدِّه ونحوه؛ لكونه أوفقَ بالمعنى وألصقَ بالمقام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى (١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨-١١٩] فجيء بالجوع مع العُري وبالظماً مع الضحو، وكان الظاهر خلافَه. ومنه قولُ امرئ القيس: ولم أتبطّن كاعباً ذاتَ خلخالٍ كأنِّي لم أركب جواداً للذّة لخيلي كُرِّي كرّةً بعد إِجفال(٤) ولم أسبأ الزِّقَّ الرويَّ ولم أقل (١) في البحر ٤/ ٨٧. (٢) ٤ / ٨٨. (٣) في (م): الضعة. (٤) المحرر الوجيز ٢/ ٢٧٤ بنحوه، والبيتان في الديوان ص٣٥: وتحرف ((أسبأ)) في الأصل و(م) إلى: أسأل. ومعنى: ولم أسبأ الزقَّ: ولم أَشْتَرِ الزقَّ. الآية : ١٧ ٨٣ سُورَةُ الأَنْتَعَل وإيضاحه أنَّه في الآية قُرن الجوعُ الذي هو خلوُّ الباطن بالعُرْي الذي هو خلوُّ الظاهر، والظمأُ الذي فيه حرارةُ الباطن بالضُّحى الذي فيه حرارة الظاهر. وكذلك قَرَنَ امرؤ القيس علوَّه على الجواد بعلوّه على الكاعب؛ لأنهما لذَّتان في الاستعلاء، وبذلَ المال في شراء الراح ببذل الأنفس في الكفاح؛ لأن في الأول سرورَ الطرب، وفي الثاني سرورَ الظفر. وكذا هنا أوثر الضرُّ لمناسبته ما قبله من الترهيب، فإنَّ انتقام العظيم عظيم. ثم لَمَّ ذكر الإِحسان أتى بما يعمُّ أنواعَه. والآية من قبيل اللفِّ والنشر، فإنَّ مسَّ الضُّرِّ ناظرٌ إلى قوله تعالى: ﴿إِنّ أَخَافُ﴾ إلخ، ومسَّ الخير ناظر إلى قوله سبحانه: ﴿مَّنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ إلخ. وهي - على ما قيل - داخلة في حيِّز ((قل))، والخطاب عامٌّ لكل من يقف عليه، أو لسيِّد المخاطَبين ◌َلتر. و((لا)) نافية للجنس، و((كاشف)) اسمها، و((له)) خبرها، والضمير المنفصل بدل من موضع ((لا كاشف)) أو من الضمير في الظرف، ولا يجوز - على ما قال أبو البقاء(١) - أن يكون مرفوعاً بـ ((كاشف))، ولا بدلاً من الضمير فيه؛ لأنك في الحالين تُعمل اسم ((لا))، ومتى أعملتَه في ظاهرٍ نَوَّنته. وفي هذه الآية الكريمة ردٌّ على من رجا كشفَ الضرِّ من غيره سبحانه وتعالى وأمَّل أحداً سواه. وفي ((فتوح الغيب)) للقطب الربّاني سيِّدي عبد القادر الجيلانيِّ قَدَّس الله تعالى سرَّه، من كلام طويل: إنَّ من أراد السلامة في الدنيا والآخرة، فعليه بالصبر والرِّضا وتركِ الشكوى إلى خلقه، وإنزالٍ حوائجه بربِّه عزَّ وجلَّ، ولزوم طاعته، وانتظار الفَرَج منه سبحانه وتعالى، والانقطاع إليه، فحرمانُه عطاء، وعقوبته نَعماء، وبلاؤه دواء، ووعده حال، وقوله فعلَ، وكلُّ أفعاله حسنة وحكمة ومصلحة، غير أنه عزَّ وجلَّ طوى علمَ المصالح عن عباده وتفرَّد به، فليس إلَّا الاشتغالُ بالعبودية، من أَداء الأوامر واجتنابِ النواهي، والتسليم في القدر، وترك الاشتغال بالربوبيّة، والسكون عن لِم وكيف ومتى. وتستند هذه الجملةُ إلى حديث ابن عباس ﴿يا قال: بينما أنا رديفُ (١) في الإملاء ٥٢١/٢-٥٢٢. سُورَةُ الأَنْتَعَل ٨٤ الآية : ١٨ رسول الله ◌َّله إذ قال: ((يا غلام، احفظ الله تعالى يحفظك، احفظ الله تعالى تجده أَمامك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، جفَّ القلم بما هو كائن، ولو جهد العبادُ أن ينفعوك بشيءٍ لم يقضِه الله سبحانه وتعالى لك، لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضرُّوك بشيءٍ لم يقضه الله تعالى عليك، لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعملَ الله تعالى بالصِّدق في اليقين، فاعمل، فإن لم تستطع، فإنَّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلَم أنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً))(١). فينبغي لكلِّ مؤمن أن يجعل هذا الحديثَ مرآةً قلبه، وشعارَه ودِثاره وحديثه، فيعملَ به من جهة حركاته وسكناته، حتى يسلمَ في الدنيا والآخرة ويجدَ العزَّة برحمة الله عزَّ وجلَّ. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قيل: هو استعارة تمثيلية، وتصويرٌ لقهره سبحانه وتعالى وعلوِّه عزَّ شأنه بالغلبة والقدرة. وجوِّز أن تكون الاستعارة في الظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس. وقيل: هو كنايةٌ عن القهر والعلوِّ بالغلبة والقدرة. وقيل: إنَّ ((فوق)) زائدة، وصحَّح زيادتَها - وإن كانت اسماً - كونُها بمعنى ((على)). وهو كما ترى. والداعي إلى التزام ذلك كلِّه أنَّ ظاهر الآية يقتضي القولَ بالجهة، والله تعالى منزَّه عنها؛ لأنها محدَثة بإحداث العالَم وإخراجِه من العدم إلى الوجود. ويلزم أيضاً من كونه سبحانه وتعالى في جهةٍ مفاسدُ لا تخفى . وأنت تعلم أن مذهب السلف إِثبات الفوقية لله تعالى كما نصَّ عليه الإمام الطَّحاوي وغيره(٢). واستدلَّوا لذلك بنحو ألفٍ دليل. وقد روى الإمام أحمد(٣) في (١) أخرجه أحمد (٢٨٠٣) بنحوه، وهو عند الترمذي (٢٥١٦) مختصراً. وقد تقدمت قطعة منه عند تفسير الآية (٣٥) من سورة المائدة. (٢) لم نجد في العقيدة الطحاوية ما ذكره المصنف، بل فيه ٢٦٠/١: وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات. اهـ. وما ذكره المصنف هو كلام الشارح ابن أبي العز. (٣) بسندٍ ضعيف جدًّا، انظر المسند (١٧٧٠). وهو عند أبي داود (٤٧٢٣) و(٤٧٢٤) و(٤٧٢٥)، والترمذي (٣٣٢٠)، وابن ماجه (١٩٣). الآية : ١٨ ٨٥ سُؤَدَّةُ الأَنْقَط حديث الأوعال عن العباس وظُبه أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((والعرشُ فوقَ ذلك، واللهُ تعالی فوق ذلك كلِّه)). وروى أبو داود(١) عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدِّه قولَه وَهلهو للرجل الذي استشفع بالله تعالى عليه: ((ويحك أتدري ما اللهُ؟ إنَّ الله تعالى فوق عرشه، وعرشُه فوق سماواته - وقال بأصابعه مثلَ القبَّة - وإنه لَيئظُ به أطيطَ الرحل الجديد بالراكب»(٢). وأخرج الأُمويُّ(٣) في ((مغازيه)) من حديث صحيح أن النبيَّ وَّ قال لسعدٍ يومَ حكم في بني قريظة: ((لقد حكمتَ فيهم بحكم المَلِك من فوق سبع سماوات)»(٤). (١) في سننه (٤٧٢٦). (٢) قال العلامة الخطابي في معالم السنن ٣٢٨/٤: هذا الكلام إذا جرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وصفاته منفية، فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلالِه سبحانه، وإنما قصدَ به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه؛ إذ كان أعرابيًّا جلفاً لا علم له بمعاني ما دقَّ من الكلام، وبما لطف منه عن درك الأفهام. وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله: أتدري ما الله؟ معناه: أتدري ما عظمة الله وجلاله؟ وقوله: إنه ليئط به، معناه: إنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه، ولعجزه عن احتماله، فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه ليعلم أن الموصوف بعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعاً إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله أن يكون مشبهاً بشيء أو مكيفاً بصورة خلق أو مدركاً بحدٍّ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وذكر البخاري هذا الحديث في التاريخ [الكبير ٢٢٤/٢] من رواية جبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، ولم يدخله في الجامع الصحيح. اهـ. (٣) هو يحيى بن سعيد بن أبان، أبو أيوب القرشي الأموي الكوفي، محدث ثقة، حمل المغازي عن محمد بن إسحاق، توفي سنة (١٩٤هـ). السير ١٣٩/٩. (٤) وأخرجه أيضاً بهذا اللفظ النسائي في السنن الكبرى (٥٩٠٦) و(٨١٦٦)، من حديث سعد بن أبي وقاص، وهو عند البخاري (٣٠٤٣) و(٣٨٠٤) و(٤١٢١) و(٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨) عن أبي سعيد الخدري ◌ُبه دون قوله: ((من فوق سبع سماوات)). سُؤَدَّةُ الأَنْدَعَل ٨٦ الآية : ١٨ وروى ابن ماجه(١) [عن جابر](٢) يرفعه قال: ((بينا أهلُ الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا إليه رؤوسهم، فإذا الجبار جلَّ جلاله قد أَشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهلَ الجنة، سلام عليكم. ثم قرأ له قولَه تعالى: ﴿سَلَمْ قَوْلاً مِّن زَّبِّ زَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيءٍ من النعيم ما داموا ينظرون إليه)). وصحَّ أن عبد الله بنَ رواحة أَنشد بين يدي رسولِ الله ◌ِ﴾ أبیاته التي عرَّض بها عن القراءة لامرأته حين اتَّهمته بجاريته، وهي: وأنَّ النار مثوى الكافرينا شهدتُ بأنَّ وعد الله حقٌّ وفوق العرش ربُّ العالمينا وأنَّ العرش فوق الماء طافٍ ملائكة الإله مسؤَّمينا وتحمله ملائكةٌ شداد فَأَقرَّه عليه الصلاة والسلام على ما قاله وضحك منه(٣). وكذا أنشد حسان بن ثابت ◌َُّه قولَه: رسولُ الذي فوق السماوات مِن علُ شهدت بإذن الله أنَّ محمداً له عمل من ربِّه متقبَّل وأنَّ أبا يحيى ويحيى كلاهما رسولٌ أتى من عند ذي العرش مرسَل وأنَّ الذي عادى اليهودُ ابنَ مريمٍ يقوم بذات الله فيهم ويعدل وأنَّ أخا الأحقاف إذ قام فيهمُ فقال النبيُّ وَلِ: وأنا أَشهد(٤). في قوله تعالى حكايةً عن إبليس: ﴿ثُمَّ لَتَنَّهُم وروی عكرمة عن ابن عباس (١) في سنته (١٨٤). قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٦٨/١: إسناده ضعيف. (٢) زيادة من شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ٣٧٦/٢، وكلام المصنف بطوله مأخوذ منه. (٣) أورد القصة ابن عبد البر في الاستيعاب (١٧٨/٦ بهامش الإصابة) وقال: رويناها من وجوه صحاح. وتعقبه الذهبي في (العلو)) ص١٠٦ بأنها رويت من وجوه مرسلة. (٤) أورده الذهبي في السير ٥١٨/٢-٥١٩ وقال: هو مرسل. والأبيات في ديوان حسان ـ ص٣٧٥. الآية : ١٨ ٨٧ سُورَةُ الأَنْدَعَل مِنْ بَيْنِ أَبْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] أنه قال: لم يستطع أن يقول: ومن فوقِهم؛ لأنه قد علم أنَّ الله تعالى سبحانه مِن فوقهم(١). والآيات والأخبار التي فيها التصريحُ بما يدلُّ على الفوقية، كقوله تعالى: ﴿تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجائية: ٢]، ﴿إِليهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ اَلَّيِبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿بَلِ رَّفَعَهُ اَللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقولهِ رَّ ـ فيما أخرجه مسلم (٢) -: ((وأنت الظاهرُ فليس فوقَك شيء)) كثيرةٌ جدًّا. وكذا كلامُ السلف في ذلك، فمنه ما روى شيخ الإِسلام أبو إسماعيل الأنصاريُ(٣) في كتابه ((الفاروق)) بسنده إلى أبي مطيع البلخيّ(٤) أنه سأل أبا حنيفة ◌َّه عَمَّن قال: لا أعرف ربِّي سبحانه في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وعرشُه فوق سبع سماوات، فقال: قلتُ: فإن قال: إنه على العرش، ولكن لا أدري: العرشُ في السماء أم في الأرض؟ فقال له: هو كافر؛ لأنه أنكر آيةً في السماء، ومن أنكر آية في السماء فقد كفر. وزاد غيره: لأنَّ الله تعالى في أعلى عِلِّيين، وهو يُدْعَى من أَعلى لا من أسفل. اهـ. وأُيِّد القول بالفوقية أيضاً بأنَّ الله تعالى لَمَّا خلق الخلقَ، لم يخلقهم في ذاته المقدَّسة، تعالى عن ذلك، فإنه الأحد الصَّمد، الذي لم يلد ولم يولد، فتعيَّن أنه خلقهم خارجاً عن ذاته، ولو لم يتَّصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائمٌ بنفسه غيرُ (١) أخرجه بهذا اللفظ اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٦٦١)، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٠١/١٠ بلفظ: لم يقل من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل من فوقهم. (٢) في صحيحه (٢٧١٣) من حديث أبي هريرة حوله. وهو عند أحمد (٨٩٦٠). (٣) هو عبد الله بن محمد، أبو إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي، الحافظ الكبير، المتوفى سنة (٤٨١هـ). قال الذهبي: وكان طوداً راسياً في السنة لا يتزلزل ولا يلين، لولا ما كدر كتابه ((الفاروق في الصفات)) بذكر أحاديث باطلة يجب بيانها وهتكها، والله يغفر له بحسن قصده. السیر ٥٠٣/١٨ فما بعد. (٤) هو الحكم بن عبد الله، أبو مطيع البلخي القاضي، راوي الفقه الأكبر عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قال أبو داود: كان جهميًّا تركوا حديثه. مات سنة (١٩٩هـ). الفوائد البهية ص١١٨ . سُوَرَّةُ الأَنْعَ ٨٨ الآية : ١٨ مخالِطِ للعالم، لكان منَّصفاً بضدٍّ ذلك؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضدِّه، وضدُّ الفوقية السُّفول، وهو مذموم على الإطلاق. والقول بأنَّا لا نسلِّم أنه قابل للفوقية حتى يلزمَ من نفيها ثبوتُ ضدها، مدفوعٌ بأنه سبحانه لو لم يكن قابلاً للعلوِّ والفوقيَّة، لم يكن له حقيقةٌ قائمة بنفسها، فمتى سُلِّم بأنه جلَّ شأنه ذاتٌ قائمٌ بنفسه غير مخالط للعالَم وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيًّا فقط، بل وجوده خارجَ الأذهان قطعاً، وقد علم كلُّ العقلاء بالضرورة أنَّ ما كان وجودُه كذلك، فهو إمّا داخل العالم وإما خارجٌ عنه، وإنكار ذلك إنكارُ ما هو أَجلى البديهيات، فلا يُستدلُّ بدليل على ذلك إلَّا كان العلم بالمباينة أظهرَ منه وأوضح، وإذا كانت صفة الفوقية صفةً كمال لا نقصَ فيها، ولا يوجبُ القول بها مخالفةً كتابٍ ولا سُنَّة ولا إِجماع، كان نفيها عينَ الباطل، لاسيَّما والطباع مفطورة على قصد جهة العلوِّ عند التضرُّع إلى الله تعالى. وذكر محمد بن طاهر المقدسيُّ(١) أن الشيخ أبا جعفر الهمذانيَّ(٢) حضر مجلس إمام الحرمين وهو يتكلّم في نفي صفة العلوِّ ويقول: كان الله تعالى ولا عرش، وهو الآن على ما كان. فقال الشيخ أبو جعفر: أَخِرنا يا أستاذ عن هذه الضرورةِ التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قظُ: يا الله، إلَّا وجد في قلبه ضرورةً بطلب العلوِّ، لا يلتفت يمنةً ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال: فلطم الإمامُ على رأسه ونزل، وأظنه قال: وبكى، وقال: حَيَّرني الهمذانيُّ. وبعضهم تكلَّف الجواب عن هذا بأن هذا التوجُّه إلى فوق إنما هو لكون السماءِ قِبلةَ الدعاء كما أن الكعبة قِبلةُ الصلاة، ثم هو أيضاً منقوضٌ بوضع الجبهة على الأرض مع أنه سبحانه ليس في جهة الأرض. ولا يخفى أنَّ هذا باطل، أما أوَّلاً؛ فلأن السماء قِبلةً للدعاء لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا أَنزل اللهُ تعالى به من سلطان، والذي صحَّ أن قبلة الدعاء هي قبلةٌ (١) هو أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي الأثري الظاهري الصوفي، الإمام الحافظ ذو التصانيف. مات سنة (٥٠٧هـ). السير ١٩/ ٣٦١. (٢) هو محمد بن أبي علي الحسن الهمذاني، الإمام الحافظ الرحّال الزاهد. مات سنة (٥٣١هـ). السير ١٠١/٢٠. الآية : ١٨ ٨٩ سُورَةُ الأَنْعُ الصلاة، فقد صرَّحوا بأنه يُستحبُّ للداعي أن يستقبل القبلة، وقد استقبل النبيُّ وَّل الكعبة في دعائه في مواطنَ كثيرة، فمَن قال: إنَّ للدعاء قبلةً غيرَ قبلة الصلاة، فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعةً المسلمين. وأما ثانياً؛ فلأن القِبلة ما يستقبله الداعي بوجهه، كما تُستقبل الكعبةُ في الصلاة، وما حاذاه الإِنسان برأسه أو يديه مثلاً لا يسمَّى قبلةً أصلاً، فلو كانت السماء قبلةَ الدعاء، لَكان المشروع أن يوجِّه الداعي وجهه إليها، ولم يثبت ذلك في شرع أصلاً . وأما النقض بوضع الجبهة، فما أَفسدَه من نقض! فإنَّ واضع الجبهة إنما قصدُه الخضوعُ لمن فوقه بالذلِّ، لا أن يميلَ إليه إذ هو تحته، بل هذا لا يخطر في قلبٍ ساجد. نعم سُمع عن بِشر المَريسيِّ(١) أنه يقول: سبحان ربِّي الأسفل. تعالى اللهُ سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوًّا كبيراً . وتأوَّل بعضهم كلَّ نصّ فيه نسبة الفوقية إليه تعالى بأنَّ ((فوق)) فيه بمعنى خير وأفضل، كما يقال: الأمير فوقَ الوزير، والدينار فوقَ الدرهم. وأنت تعلم أنَّ هذا مما تنفر منه العقولُ السليمة، وتشمئزُّ منه القلوب الصحيحة، فإنَّ قول القائل ابتداءً: اللهُ تعالى خيرٌ من عباده، أو خير من عرشه، من جنس قوله: الثلجُ بارد، والنار حارّة، والشمس أضوأ من السِّراج، والسماءُ أعلى من سقف الدار، ونحوٍ ذلك. وليس في ذلك أيضاً تمجيدٌ ولا تعظيم لله تعالى، بل هو من أَرذل الكلام، فكيف يليق حملُ الكلام المجيدِ عليه؟! وهو الذي لو اجتمع الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيراً. على أنَّ في ذلك تنقيصاً لله تعالى شأنُه، ففي المَثَل السائر: لم ترَ أنْ السيف يَنقص قدره إذا قيل إنَّ السيف خيرٌ من العصا نعم إذا كان المقام يقتضي ذلك بأن كان احتجاجاً على مبطل، كما في قول يوسفَ الصدِّيق عليه السلام: ﴿َأَرْبَابٌ مُتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، (١) هو: بشر بن غياث ابن أبي كريمة عبد الرحمن المَرِيسي، فقيه معتزلي، عارف بالفلسفة. توفي (٢١٨هـ). وفيات الأعيان ٩١/١، والنجوم الزاهرة ٢٢٨/٢. سُورَةُ الأَتْدَعَل ٩٠ الآية : ١٨ وقوله تعالى: ﴿وَلَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، ﴿وَاَللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَ﴾ [طه: ٧٣] فهو أمرٌ لا اعتراض عليه، ولا توجَّه سهام الطعن إليه. والفوقيَّة بمعنى الفوقيَّة في الفضل مما يُئبتها السلفُ الله تعالى أيضاً، وهي متحقِّقة في ضمن الفوقيَّة المطلقة، وكذا يثبتون فوقيَّةً القهر والغلبة كما يُثبتون فوقيَّةً الذات، ويؤمنون بجميع ذلك على الوجه اللائقِ بجلال ذاته وكمالٍ صفاته سبحانه وتعالى، منَزِّهين له سبحانه عمَّا يلزم ذلك مما يستحيل عليه جلَّ شأنه، ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ولا يعدلون عن الألفاظ الشرعيّة نفياً ولا إثباتاً؛ لئلا يُثبتوا معنّى فاسداً أو ينفُوا معنّى صحيحاً، فهم يُثبتون الفوقيَّةَ كما أَثبتها الله تعالى لنفسه. وأما لفظُ الجهة، فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنَّه لا موجودَ إلَّ الخالقُ والمخلوق، فإذا أُريد بالجهة أمرٌ موجود غير الله تعالى، كان مخلوقاً، والله تعالى لا يَحصره شيءٌ ولا يحيط به شيء من المخلوقات، تعالى عن ذلك، وإن أُريد بالجهة أمر عدميٌّ، وهو ما فوق العالَم، فليس هناك إلَّ الله تعالى وحده، فإذا قيل: إنه تعالى في جهة بهذا الاعتبار، فهو صحيحٌ عندهم، ومعنى ذلك أنه فوقَ العالم حيث انتهت المخلوقات. ونفاة لفظِ الجهة الذين يريدون بذلك نفيَ العلوِّ يذكرون من أدلتهم أنَّ الجهاتِ كلَّها مخلوقة، وأنه سبحانه كان قبلَ الجهات، وأنه من قال: إنه تعالى في جهة، يلزمه القولُ بقِدَم شيءٍ من العالم، وأنه جلَّ شأنه كان مستغنياً عن الجهة ثم صار فيها. وهذه الألفاظ ونحوُها تنزَّل على أنه عزَّ اسمه ليس في شيءٍ من المخلوقات، سواءٌ سُمِّ جهة أم لم يسمَّ. وهو كلام حقّ، ولكن الجهة ليست أمراً وجوديًّا، بل هي أمر اعتباري، ولا محذورَ في ذلك. وبالجملة يجب تنزيهُ الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، وتفويضُ علمٍ ما جاء من المتشابهات إليه عزَّ شأنه، والإيمانُ بها على الوجه الذي جاءت عليه، والتأويلُ القريب إلى الذهن الشائعُ نظيرُه في كلام العرب مما لا بأسَ به عندي، على أنَّ بعض الآيات مما أجمع على تأويلها السلفُ والخَلَف، والله تعالى أعلم بمراده. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو الحكمة البالغة، وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه، والإتيانُ بالأفعال على ما ينبغي. أو المبالغ في الإحكام، وهو إتقانُ التدبير الآية : ١٩ ٩١ سُورَةُ الأَنْفَعَم ﴾ أي: العالم بما دقَّ من أحوال العباد وخفي من وإحسانُ التقدير ﴿اَلْخِيرُ ١٨ أمورهم. واللام هنا وفيما تقدَّم للقصر. ﴿قُلْ أَُّ شَىْءٍ أَكَبْرُ شَهَدَّةٌ﴾ روى الكلبيُّ أنَّ كفار مكة قالوا لرسول الله ◌ِّه: يا محمد، أما وجد الله تعالى رسولاً غیرَك؟! ما نرى أحداً یصدِّقك فیما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذِكر، فأَرنا مَن يشهد أنك رسولُ الله. فنزلت. وأخرج ابن جَرير(١) وغيرُه عن ابن عباس﴾ قال: جاء النخَّام بن زيد وقَرْدَم بن كعب وبَحرِيُّ بن عمرٍو، فقالوا: يا محمد، ما تعلم مع الله إلهاً غيرَه؟ فقال رسول الله وَّه: ((لا إله إلا الله تعالى، بذلك بُعثت وإلى ذلك أدعو)) فأنزل الله تعالى هذه الآية. والأوَّل أَوفق بأول الآية، والثاني بآخرها . فـ «أيُ)) مبتدأ، و((أکبر» خبرُه، و«شهادة) تمییز. والشيء في اللغة ما يصحُّ أن يُعلم ويخبر عنه. فقد ذكر سيبويه في الباب المترجم بـ : باب مجاري أواخر الكَلِم (٢): وإنما يخرج التأنيثُ من التذكير، ألا ترى أنَّ الشيءَ يقع على كلِّ ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذَكَر هو أم أنثى، والشيء مذكَّر. انتهى. وهل يُطلَق على الله تعالى أم لا؟ فيه خلاف؟ فمذهب الجمهور أنَّه يطلق عليه سبحانه فيقال: شيءٌ لا كالأشياء. واستدلُّوا على ذلك بالسؤال والجوابِ الواقعَين في هذه الآية، وبقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَذٌ﴾ [القصص: ٨٨] حيث إنَّه استثنى من كل شيءٍ الوجهَ، وهو بمعنى الذاتِ عندهم، وبأنه أعمُّ الألفاظ، فيشمل الواجب والممكن. ونقل الإِمام(٣) أنَّ جَهْماً أنكر صحةَ الإِطلاق محتجًّا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ اُْسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] فقال: لا يطلق عليه سبحانه إلَّا ما يدلُّ على صفة من صفات الكمال، والشيء ليس كذلك. (١) في تفسيره ٩/ ١٨٥ . (٢) الكتاب ٢٢/١. (٣) أي: الرازي في مفاتيح الغيب ١٧٦/١٢ . سُورَةُ الأَنْتَّعَل ٩٢ الآية : ١٩ وفي ((المواقف)) وشرحِه(١): الشيء عند الأشاعرة يطلق على الموجود فقط، فكلُّ شيء عندهم موجود، وكلُّ موجود شيء. ثم سيق فيهما مذاهبُ الناس فيه، ثم قيل: والنزاع لفظيٍّ متعلّق بلفظ الشيءٍ، وأنه على ماذا يطلق. والحقُّ ما ساعد عليه اللغةُ والنقل؛ إذ لا مجال للعقل في إِثبات اللغات. والظاهر معنا، فأهل اللغة في كلِّ عصر يطلقون لفظً الشيء على الموجود، حتى لو قيل عندهم: الموجود شيء، تلقَّوه بالقبول، ولو قيل: ليس بشيء، تلقَّوه بالإِنكار. ونحوُ قوله سبحانه: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] ينفي إطلاقَه بطريق الحقيقة على المعدوم؛ لأن الحقيقة لا يصحُّ نفيها(٢). انتهى. وفي ((شرح المقاصد))(٣): إنَّ البحث في أن المعدوم شيءٌ حقيقةً أم لا لغويٌّ يُرجع فيه إلى النقل والاستعمال، وقد وقع فيه اختلافاتٌ نظراً إلى الاستعمالات. فعندنا هو اسمٌ للموجود؛ لِمَا نجده شائعَ الاستعمال في هذا المعنى، ولا نزاع في استعماله في المعدوم مجازاً. ثم قال: وما نُقل عن أبي العباس(٤) أنه اسم للقديم، وعن الجهمية أنه اسمٌ للحادث، وعن هشام(٥) أنه اسم للجسم، فبعيد جدًّا، من جهة أنه لا يقبله أهلُ اللغة. انتهى. وفي ذلك كلِّه بحث؛ فإنَّ دعوى الأشاعرةِ التساويَ بين الشيءٍ والموجودِ لغةً، أو الترادفَ كما يفهم مما تقدَّم من الكُلِّيَّتين، ليس لها دليل يعوَّل عليه. وقولُه: إن أهل اللغة في كلِّ عصر ... إلخ، إنما يدلُّ على أن كل موجود شيءٌ، وأما أنَّ كلَّ ما يُطلق عليه لفظ الشيءٍ حقيقة لغوية موجود، فلا دلالةَ فيه عليه، إذ لا يلزم من أن (١) ٢١١/٢-٢١٣. (٢) في الأصل و(م): فيها، والمثبت من شرح المواقف. (٣) ٣٦٤/١-٣٦٦. (٤) هو عبد الله بن محمد بن شِرْشِير الأنباري، أبو العباس الكبير، الملقب بالناشئ. من كبار المتكلمين وأعيان الشعراء ورؤوس المنطق. سكن مصر ومات بها سنة (٢٩٣هـ). السير ٤٠/١٤-٤١. (٥) هو أبو محمد هشام بن الحكم الشيباني الكوفي المشبّه، له نظر وجدل وتواليف كثيرة، كان من أصحاب جعفر الصادق، ومات بعد نكبة البرامكة متستراً. السير ٥٤٣/١٠، ولسان الميزان ٨/ ٣٣٤. الآية : ١٩ ٩٣ سُورَةُ الأَنْعَل يطلقَ على الموجود لفظُ شيءٍ دون لا شيءٍ أن يختصَّ الشيءُ لغةً بالموجود؛ لجواز أن يطلق الشيءُ على المعدوم والموجودِ حقيقةً لغويةً، مع اختصاص الموجود بإطلاق الشيءٍ دون اللاشيء. وإنكارُ أهل اللغة على من يقول: الموجود ليس بشيءٍ؛ لكونه سلباً للأعمِّ عن الأخصّ، وهو لا يصحّ، لا لكونهما مترادفين أو متساويين. وقد أُطلق على المعدوم الخارجيّ كتاباً وسنّة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَّ أَن يَهْدِيَنِ رَبٍِّ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ، كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. وأخرج الطبرانيُّ عن أم سلمةً: أنها سمعت رسول الله ێ۔ ۔ وقد سأله رجل فقال: إني لأحدِّث نفسي بالشيء لو تكلَّمت به لأحبطتُ أجري - يقول: ((لا يلقى ذلك الكلامَ إلَّا مؤمن))(١). ونحوُه عن معاذ بن جبل(٢). والأصل في الإطلاق الحقيقة، فلا يُعدَل عنها إلَّا إذا وجد صارف، وشيوعُ الاستعمال لا يصلحُ أن يكونَ صارفاً بعد صحة النقلِ عن سيبويه. ولعل سبب ذلك الشُّيوع أن تعلُّق الغرض في المحاورات بأحوال الموجوداتِ أكثر، لا لاختصاص الشيءٍ بالموجود لغة. وقولُه تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] إنما يلزم منه نفيُ إطلاقه بطريق الحقيقة على المعدوم، وهو يضرُّنا لو كان المدَّعَى تخصيصَ إطلاق الشيءِ لغة بالمعدوم، وليس كذلك، فإنَّ التحقيق عندنا أنَّ الشيء بمعنى المشيءِ العلمُ به والإِخبارُ عنه، وهو مفهوم كلِّيٍّ يصدق على الموجود والمعدوم الواجب والممكنٍ، وتخصيصُ إطلاقه ببعض أفراده عند قيام قرينةٍ لا ينافي شمولَه لَجميع أفراده حقيقةً لغوية عند انتفاء قرينة مخصِّصة، وإلا لكان شموله للمعدوم والموجود معاً في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] جمعاً (١) المعجم الصغير (٣٥٦)، والأوسط (٣٤٣٠) وقال: لم يروه عن أبان بن تغلب إلا سيف بن عميرة، ولا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٣٤/١: في إسناده سيف بن عميرة، قال الأزدي: يتكلمون فيه. اهـ. وللحديث شواهد، منها حديث أبي هريرة وعبد الله بن مسعود ريثًا في صحيح مسلم (١٣٢) و(١٣٣). (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٦٧) وهو من رواية ذر بن عبد الله عن معاذ، ولم يدركه، كما في مجمع الزوائد ١/ ٣٤ . سُؤْدَة الأَتْعَل ٩٤ الآية : ١٩ بين الحقيقة والمجاز، وهي مسألة خلافية. ولا خلافَ في الاستدلال على عموم تعلَّقِ علمه تعالى بالأشياء مطلقاً بهذه الآية، فهو دليلٌ على أنَّ شموله للمعدوم والموجود معاً حقيقةٌ لغوية. وذكر بعض الأَجِلَّة بعد زعمه اختصاصَ الشيء بالموجود أنه في الأصل مصدرٌ استعمل بمعنى شاء، أو مشيء، فإن كان بمعنى شاء، صحَّ إطلاقه عليه تعالى، وإلَّا فلا . وأنت تعلم أنَّه على ما ذكرنا من التحقيق لا مانعَ من إطلاق الشيءٍ عليه تعالى من غير حاجةٍ إلى هذا التفصيل؛ لأنه بمعنى المشيءِ العلمُ به والإِخبار عنه، فيكون إطلاقُ الشيء بهذا المعنى عليه عزَّ وجلَّ كإطلاق المعلوم مثلاً . ومعنى ((أكبر شهادة)) أعظمُ وأصدق. ﴿قُلِ اللّهُ﴾ أمرٌ له وَلِّ أن يتولَّى الجواب بنفسه - بنفسي هو - عليه الصلاة والسلام؛ لما مرَّ قريباً. والاسم الجليل مبتدأ محذوفُ الخبر، أي: الله أكبر شهادةً. وجوِّز العكس. ومذهب سيبويه أنه إذا كانت النكرة اسم استفهام أو أفعلَ تفضيل تقع مبتدأً يُخبّر عنه بمعرفة. وقوله سبحانه: ﴿شَهِيدٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو سبحانه شهيد ﴿بَیْنِی وَيَنَكُمْ﴾ فهو ابتداءُ كلام. وجوِّز أن يكون خبرَ ((الله))، والمجموع على ما ذهب إليه الزمخشريُ(١) هو الجواب؛ لدلالته على أن الله عزَّ وجلَّ إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم، فأكبر شيءٍ شهادة شهيد له. ونقل في ((الكشف)) أنه إنْ جُعل تمامُ الجواب عند قوله سبحانه: ((الله)) فهو للتسلُّق من إثبات التوحيد إلى إثبات النبوَّة بأن هذا الشاهدَ الذي لا أصدقَ منه شهد لي بإيحاء هذا القرآن، وإنْ جُعل الكلام بمجموعه الجوابَ، فهو من الأسلوب الحكيم؛ لأنَّ الوهم لا يذهب إلى أن هذا الشاهدَ يحتمل أن يكون غيرَه تعالى، بل الكلام في أنه يشهد لنبوَّته أو لا. فليفهم. (١) في الكشاف ٩/٢-١٠ . الآية : ١٩ ٩٥ سُورَةُ الأَتْعَم ﴿وَأُوْحِىَ إِلَ﴾ من قِبَلِه تعالى ﴿هَذَا الْقُرْءَانُ﴾ العظيم الشأن، الشاهدُ بصحّة رسالتي ﴿لِأُنْذِرَكُمْ يِهِ﴾ بما فيه من الوعيد. واكتفى - كما قيل - بذكر الإنذار عن ذكر البِشارة؛ لأنه المناسب للمقام. وقيل: إنَّ الكلام مع الكفار، وليس فيهم من يبشّر. وفي (الدُّ المصون))(١) أنَّ الكلام على حدٍّ: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. ﴿وَمَنْ بَغْ﴾ عطف على ضمير المخاطَبين، أي: لأُنذركم به يا أهل مكةً وسائرَ مَن بلغه القرآنُ ووصل إليه، من الأسود والأحمر أو من الثقلين. أو: لأُنذركم به أيُّها الموجودون ومَن سيوجد إلى يوم القيامة. قال ابن جُبير(٢): مَن بلغه القرآنُ فكأنما رأى محمَّداً وَلَهـ وأخرج أبو نعيم وغيرُه عن ابن عباس ظًّا قال: قال رسول الله بَّهِ: (مَن بلغه القرآنُ فكأنما شافهتُه))(٣). واستُدل بالآية على أن أحكام القرآن تعمُّ الموجودين يومَ نزوله ومَن سيوجد بعدُ إلى أن يرثَ الله تعالى الأرضَ ومن عليها. واختلف في ذلك هل هو بطريق العبارة في الكلِّ، أو بالإِجماع في غير الموجودين وفي غير المكلّفين؟ فذهب الحنابلةُ إلى الأوَّل، والحنفيةُ إلى الثاني. وتحقيقه في الأصول. وعلى أنَّ من لم يبلغه القرآن غيرُ مؤاخذ بترك الأحكام الشرعية، ويؤيِّده ما أخرجه أبو الشيخ عن أُبيِّ بن كعب قال: أُتي رسولُ اللهِ وَل# بأُسارى، فقال لهم: ((هل دُعيتم إلى الإسلام)؟ قالوا: لا. فخلَّى سبيلهم، ثم قرأ: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَ﴾ الآية(٤). وهو مبنيٌّ على القول بالمفهوم كما ذهب إليه الشافعية. واعتُرض بأنه لا دلالةً للآية على ذلك بوجه من الوجوه؛ لأن مفهومها انتفاءُ الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه، وذلك ليس عينَ انتفاء المؤاخذة، وهو ظاهر، ولا (١) ٤ / ٥٦٨. (٢) في (م): ابن جرير، وهو خطأ. انظر تفسير الرازي ١٧٨/١٢، والبحر المحيط ٩١/٤، واللباب ٦٦/٨ . (٣) الدر المنثور ٧/٣، وأخرجه أيضاً الخطيب في تاريخ بغداد ٢/ ٥١ وقال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد. (٤) الدر المنثور ٣/ ٧. سُؤَدَّةُ الأَنْتَهُم ٩٦ الآية : ٢٠ مستلزماً له، خصوصاً عند القائلين بالحسن والقبح العقليّين، إلّا أن يلاحظ قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وفيه أنَّ عدم استلزام انتفاء الإِنذار بالقرآن لانتفاء المؤاخذة ممنوع، والحسنُ والقبح العقليان قد طوي بساط ردِّهما. وجوِّز أن يكون ((مَن)) عطفاً على الفاعل المستتر في ((أنذركم)) للفصل بالمفعول، أي: لأنذركم أنا بالقرآن وينذرَكم به مَن بلغه القرآن أيضاً. وروى الطبرسيُّ(١) ما يقتضيه عن العيَّاشي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ظنًّا. ولا يخفى أنه خلاف المنساقِ إلى الذهن. ﴿أَيِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَثَ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَينَ﴾ جملةٌ مستأنفة أو مندرجة في القول، والاستفهامُ للتقرير، أو للإِنكار. وقيل: لهما. وفيه جمعٌ بين المعاني المجازية. و((أخرى)) صفة لـ ((آلهة)) وصفةُ جمع ما لا يعقل - كما قال أبو حيان(٢) - كصفة الواحدةِ المؤنثة، نحو ﴿مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، ﴿وَلِلَّهِ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ولما كانت الآلهة حجارةً وخشباً مثلاً، أُجريت هذا المُجرى؛ تحقيراً لها . ﴿قُلُ﴾ لهم ﴿لَّ أَشْهَدُ﴾ بذلك وإنْ شهدتم به؛ فإنَّه باطلٌ صِرْف. ﴿قُلْ﴾ تكريرٌ للأمر؛ للتأكيد ﴿إِنََّا هُوَ إِلَهٌ وَعِدٌ﴾ أي: بل إنما أَشهد أنه تعالى لا إله إلَّا هو. و (ما)) كافَّة. وجوَّز أبو البقاء(٣) - وزعم أنه الأليقُ بما قبله - كونَها موصولة. ويُبعده كونُها موصولة(٤). وعليه يكون ((واحد)) خبراً، وهو خلاف الظاهر ﴿وَإِنَِّ ®) من الأصنام، أو من إِشراككم. برِتٌ ◌ِمَا تُشْرِكُونَ ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ﴾ جوابٌ عما سبق في الرواية الأولى من قولهم: سألنا (١) في تفسيره ٧/ ٢٥ . (٢) في البحر ٤/ ٩٢. (٣) في الإملاء ٥٢٥/٢. (٤) أي: موصولة بما قبلها في الرسم. الآية : ٢٠ ٩٧ سُورَةُ الأَنْتَعَم اليهود والنصارى ... إلخ، أُخِّر عن تعيين الشهيد مسارعةً إلى الجواب عن تحكّمهم بقولهم: أَرِنا من يشهد لك. فالمراد من الموصول ما يعمُّ الصنفين اليهودَ والنصارى، ومن الكتاب جنسُه الصادقُ على التوراة والإنجيل. وإِيرادُهم بعنوان إيتاء الكتاب؛ للإيذان بمدار ما أُسند إليهم بقوله تعالى: ﴿يَعْفُونَهُ﴾ أي: يعرفون رسولَ الله وَ له بحِلْيته ونعوته المذكورة فيهما. وفيه التفات. وقيل: الضمير لـ ((الكتاب)). واختاره أبو البقاء(١). والأوَّل هو الذي تؤيّده الأخبار كما ستعرفه. ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبنَآءمُمْ﴾ بِخُلاهم بحیث لا يشكُّون في ذلك أصلاً . روى أبو حمزة وغيرُه: أنه لَمَّا قدم النبيُّ ◌َّهِ المدينة، قال عمر رَّه لعبد الله بن سلام: إنَّ الله تعالى أنزل على نبيِّه عليه الصلاة والسلام أنَّ أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فكيف هذه المعرفة؟ فقال ابنُ سلام: نعرف نبيَّ اللهَ وَّل بالنعت الذي نعته اللهُ تعالى به، إذا رأيناه فيكم عرفناه كما يعرف أحدنا ابنَه إذا رآه بين الغِلمان، وايمُ الله الذي يحلف به ابن سلام لَأَنا بمحمد أشدُّ معرفةً مني بابني؛ لأني لا أدري ما أَحْدَثَت أمُّه. فقال عمرُ ◌َهُ: قد وفِّقت وصدقت(٢). وزعم بعضهم أنَّ المراد بالمعرفة هنا ما هو بالنظر والاستدلال؛ لأنَّ ما يتعلق بتفاصيل حِليته وّهه إمَّا أن يكون باقياً وقتَ نزول الآية، أو لا، بل محرَّفاً مغيَّراً، والأوَّل باطل؛ ولا يتأتَّى لهم إخفاءُ ذلك؛ لأن إخفاءَ ما شاع في الآفاق محال، وكذا الثاني؛ لأنهم لم يكونوا حينئذٍ عارفين حليتَه الشريفةَ عليه الصلاة والسلام كما يعرفون حليةً أبنائهم. وفيه أن الإِخفاء مصرَّح به في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ، قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] وإخفاؤها ليس بإخفاء النصوص، بل بتأويلها، وبقولهم: إنه رجل آخَرُ سيخرج. وهو معنى قوله سبحانه: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. (١) في الإملاء ٥٢٥/٢ . (٢) أورده الثعلبي في تفسيره ١٣/٢ و١٤٠/٤ وعزاه للكلبي عن الربيع عن ابن عباس. وكذا عزاه ابن حجر في العجاب ص٣٩٩ للكلبي. سُورَةُ الأَنْشَ ٩٨ الآية : ٢١ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوَأْ أَنفُسَهُمْ﴾ من أهل الكتابَين والمشركين ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بما يجب الإِيمان به. وقد تقدَّم الكلامُ في هذا التركيب آنفاً (١). ﴿وَمَنْ أَلْلَمُ مِمَنِ أَقْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بادِّعائه أنَّ له جلَّ شأنه شريكاً، وبقوله: الملائكةُ بنات الله، و: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وعُدَّ من ذلك وصف النبيِّ عليه الصلاة والسلام الموعودِ في الكتابين بخلاف أوصافه. والاستفهام للاستعظام الادِّعائي. والمشهور أن المراد إِنكار أن يكون أحد أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساوياً له، والتركيب وإن لم يدلَّ على إِنكار المساواة وضعاً - كما قال العلّامة الثاني في شرح ((المقاصد))(٢) وحواشي ((الكشاف)) - يدلُّ عليه استعمالاً، فإذا قلت: لا أفضلَ في البلد من زيد، فمعناه أنه أفضل من الكلِّ بحسَب العرف، والسرُّ في ذلك أنَّ النسبة بين الشيئين إنما تُتصوَّر غالباً- لاسيَّما في باب المغالبة - بالتفاوت زيادةً ونقصاناً، فإذا لم يكن أحدهما أزيدَ، يتحقَّق النقصانُ لا محالة. وادَّعى بعض المتأخِّرين أنه سنح له في توجيه ذلك نكتةٌ حسنة، ودقيقة مستحسَنة، وهي أنَّ المتساويين بل المتقاربين في نفس الأمر لا يسلم كلُّ واحد منهما أن يَفضلَ عليه صاحبه، فإنَّ كلَّ أحد لا يقدر على أن يقدِّر كلّ شيءٍ حقَّ قَدْرِهِ، وكلَّ إنسان لا يقوَى على أن يَعرِف كلَّ أمرٍ على ما هو عليه، فإنَّ الأفهام في مقابلة الأوهام متفاوتة، والعقول في مدافعة الشكوكِ متباينة، فإذا حكم بعض الناس مثلاً بالمساواة بين المتساويين في نفس الأمر، فقد يحكم البعضُ الآخَر برُجحان ذلك على حسب منتهَى أفهامِهم ومبلغٍ عقولهم ومدرك إِدراكهم، فكلُّ ما(٣) يوجد مَن يساويه في نفس الأمر، يوجد من يَفضُل عليه بحسب اعتقاد الناس، بل كلّ ما يوجد من يقاربه فيه، يوجد من يفوقه في ظنون العامَّة، وينعكس بعكس النقيضٍ إلى قولنا: كلُّ ما لا يوجد مَن يفضل عليه، لا يوجد مَن يساويه، بل من يقاربه أيضاً. وهو المطلوب. (١) ص٦٦. (٢) ينظر شرح المقاصد ٢٩٣/٥، وحاشية الشهاب ٣٨/٤. (٣) في الأصل: فكلما. الآية : ٢١ ٩٩ سُؤَةُ الأَنْعَل وبالجملة إنَّ إثبات المساوي يستلزم إثباتَ الراجح الفاضل، فنفيُّ الفاضل يستلزم نفيَ المساوي؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفيَ الملزوم، كما أنَّ إثبات الملزوم يستلزم إثباتَ اللازم. وفيه تأمل. وادَّعى بعض المحقّقين أنَّ دلالة التركيب على نفي المساواة وضعية، لأنَّ غير الأفضل إمَّا مساوٍ أو أنقص، فاستُعمل في أحد فردَيه. قال ابن الصائغ في مسألة الكحل: إنَّ: ما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيد. وإنْ كان نصًّا في نفي الزيادة وهي تصدق بالزيادة والنقصان، إلّا أنَّ المراد الأخيرُ، وهو من قصر الشيءٍ على بعض أفراده، كالدابّة. انتهى. وأنت تعلم أنَّ هذا مشعِر باعتبار العرف أيضاً. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِكَايَتِهٍ﴾ كأَن كذَّب بالقرآن الذي من جملته الآيةُ الناطقة بأن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، أو بسائر المعجزات التي أُيِّد بها رسولُ اللهِ وَّهِ، بأن سمَّاها سحراً. وعُدَّ من ذلك تحريفُ الكتاب، وتغييرُ نعوته وَه التي ذكرها الله تعالى فيه. وإنما ذكر ((أو)) وهم جمعوا بين الأمرين؛ إيذاناً بأن كلَّ منهما وحده بالغّ غايةً الإِفراط في الظلم على النفس. وقيل: نبَّه بكلمة ((أو)) على أنهم جمعوا بين أمرين متناقضين، يعني: أنهم أَثبتوا المنفيَّ ونفَوا الثابت. والمراد بالمتناقضين أمران من شأنهما ألَّا يُجمع بينهما عرفاً. أو يقال: إن من نفَى الثابت بالبرهان، يكون بنفي ما لم يثبت به أَولى، وكذلك في الطرف الآخَر، فالجمع بينهما جمعٌ بين المتناقضين من هذا الوجه. وادَّعى بعضهم أنَّ وجه التناقض المشعِرِ به هذا العطفُ أنَّ الافتراء على الله تعالى دعوى وجوب القبولِ بلا حجّة ما يُنسب إليه تعالى، وتكذيب الآيات دعوى أنه يجب ألَّا يُقبلَ ما ينسب إليه تعالى ولو أُقيم عليه بيِّنة، ويجب أن يُنكَرَ التنبيه ويرتكبَ المكابرة بناءً على أنَّ الرسول يجب أن يكون ملكاً. ولا يخفى أنَّ في دعوى التناقض خفاءً، وهذه التوجيهاتُ لا ترفعه. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأن، والمراد أنَّ الشأن الخطير هذا، وهو ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ أي: سُورَةُ الأَنْتَّل ١٠٠ الآية : ٢٢ من حيث إنَّهم ظالمون، لا يفوز بمطلوب ولا ينجو من مكروه ﴿الظَّالِمُونَ ٢١ فكيف يُفلح الأظلم من حيث إنه أظلم؟! ﴿وَبَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَميعًا﴾ منصوب على الظرفية بمضمر يقدَّر مؤخّراً، وضمير (نحشرهم)) للكلِّ، أو للعابدين للآلهة الباطلةِ مع معبوداتهم، و((جمیعاً)) حال منه، أي: ويوم نحشر كلَّ الخلق أو الكفار وآلهتهم جميعاً، ثم نقول لهم ما نقول: كان كيت وكيت. وتُرك هذا الفعل من الكلام ليبقَى على الإِبهام الذي هو أَدخلُ في التخويف والتهويل. وقدِّر ماضياً ليدلَّ على التحقيق ويَحسنَ عطفُ ((ثم لم تکن ... » إلخ عليه. وجوِّز نصبه على المفعولية بمضمَر مقدَّر، أي: واذكر لهم للتخويف والتحذير يومَ نحشرهم، واختاره أبو البقاء(١). وقيل: التقدير: ليثَّقوا أو لِيَحذروا يومَ نحشرهم، إلخ. مَّ نَقُولُ﴾ للتوبيخ والتقريع على رؤوس الأشهاد ﴿لِلِّينَ أَشْرَّكُوا﴾ بالله تعالى ما لم ينزّل به سلطاناً: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء الله عزَّ اسمه، فالإضافة لأدنى ملابسة. و((أين)) للسؤال عن غير الحاضر، وظاهر قوله تعالى: ﴾ [الصافات: ٢٢] وغيرِه من الآيات ٢٢ ﴿َحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ يقتضي حضورَهم معهم في المحشر، فإمّا أن يقال: إن هذا السؤالَ حين يحالُ بينهم بعد ما شاهدوهم ليشاهدوا خيبتَهم، كما قيل: كما أَبرقت قوماً عِطاشاً غمامةٌ فلمَّا رأوها أَقشعت وتجلَّتٍ (٢) وإمَّا أن يقال: إنه حالَ مشاهدتهم لهم، لكنهم لَمَّا لم ينفعوهم نُزِّلوا منزلةً الغُيَّب، كما تقول لمن جعل أحداً ظهيراً يُعينه في الشدائد إذا لم يُعِنه وقد وقع في ورطة بحضرته: أين زيد؟ فتجعله لعدم نفعه وإنْ كان حاضراً كالغائب. أو الكلامُ على تقدير مضاف، أي: أين نفعُهم وجدواهم؟ (١) في الإملاء ٥٢٦/٢. (٢) قائله كُثَيِّر عزة، وهو في ديوانه ص٨٣.