Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌ُوج المعانى
في
تَفِي الْرآر العَظِيم والسُّنْ المَثَانُ
تأليف
شِهَابُ الَّيْنُ أَبُ الثَّنّاء
◌ٌَمُودِ بْن عَبِّدَ اللَّهُ الْأَلُوُسيْ الْبُعْدَادِيِّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَة هَذَا الجزء
مرضُولاك ترجو
سَاهُمْ في تحقيقه
حَاوِلُ النَّارويُ
فَكَرَ سُ الشَمَرَيُ
راجعة
يَاهِرْجَبُوشٌ
المَجَدّد الّامُ
مؤسسة الرسالة

-3
一

◌ُفَعُ الْمَعَانِى
ويد وها
في
تفِي القرآن العظيم السَّنْ المثَاين
(٨)

جَمِيعُ الحُقُوق محفوظَة للنّاسِرْ
الطّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
للطّبَاعَة وَالسَّشْر وَالتّوزيع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ الأَنْعُ
مكِّيّة كما أخرج أبو عبيد والبيهقيُّ وغيرهما عن ابن عباس .
(١)
وروى ابن مردويه والطبرانيُّ(٢) عنه أنها نزلت بمكةً ليلاً جملةً واحدة.
وروى خبرَ الجملة أبو الشَّيخ عن أُبيِّ بن كعب مرفوعاً إلى رسول الله وَله.
وأخرج النحّاس في ((ناسخه))(٣) عن الحَبر أنها مكية إلَّ ثلاثَ آيات منها فإنَّها
نزلت بالمدينة: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ﴾ [١٥١-١٥٣] إلى تمام الآياتِ الثلاث.
وأخرج ابن راهويه في ((مسنده)) وغيرُه عن شهر بن حَوْشَب أنها مِّية إلا آيتين:
﴿قُلّ تَعَالَوَاْ أَنْلُ﴾ والتي بعدها .
وأخرج أبو الشيخ أيضاً عن الكلبيِّ وسفيانَ قالا: نزلت سورة الأنعام كلُّها
بمكة، إلَّا آيتين نزلتا بالمدينة في رجل من اليهود، وهو الذي قال: ﴿مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى
بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ... ﴾ [٩١] الآية.
وأخرج ابن المنذر عن أبي جُحَيفة: نزلت سورة الأنعام كلُّها بمكة إلَّا: ﴿وَلَوْ
أَثَ نَزََّنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَكَةَ﴾ [١١١] فإنها مدنيّة(٤).
وقال غيرُ واحد: كلُّها مكية إلا ستَّ آيات: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَتَّ قَدْرِهٍ﴾ إلى تمام
ثلاثٍ آيات، ﴿قُلْ تَعَالَواْ أَثْلُ﴾ إلى آخر الثلاث.
وعِدَّة آياتها عند الكوفيين مئة وخمس وستُّون، وعند البصريين والشَّاميين ستٌّ
وستون، وعند الحجازیین سبعٌ وستون.
(١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٢٩، ودلائل النبوة للبيهقي ١٤٤/٧.
(٢) في الكبير (١٢٩٣٠).
(٣) ٣١٦/٢.
(٤) ذكر هذه الأخبار السيوطي في الدر ٣/ ٣، وعنه نقل المصنف.

٦
سُورَةُ الأَنْعَل
وقد كثرت الأخبار بفضلها، فقد أخرج الحاكم وصحَّحه والبيهقيُّ في ((الشُّعب))
والإسماعيليُّ في ((معجمه)) عن جابر قال: لَمَّا نزلت سورة الأنعام، سبَّح
رسول الله رَّ﴿ ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((لقد شيَّع هذه السورةً من الملائكة
ما سدَّ الأفق))(١). وخبرُ تشييع الملائكة لها رواه جمعٌ من المحدِّثين، إلّا أنَّ منهم
من روى أن المشيِّعين سبعون ألفاً، ومنهم من روى أنهم كانوا أقلَّ، ومنهم من
روی أنهم كانوا أكثر.
وأخرج الديلميُّ عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَّر: ((من صلَّى الفجر
بجماعة وقعد في مصلاه، وقرأ ثلاثَ آيات من أوَّل سورة الأنعام، وگَّل الله تعالى
به سبعين ملكاً يسبِّحون الله تعالى ويستغفرون له إلى يوم القيامة)) (٢).
وأخرج أبو الشيخ عن حبيبٍ أبي(٣) محمد العابد قال: من قرأ ثلاث آيات من
أوَّل الأنعام إلى قوله تعالى: ﴿تَكْسِبُونَ﴾ بعث اللهُ تعالى له سبعين ألفَ ملَك يدعون
له إلى يوم القيامة، وله مثلُ أعمالهم، فإذا كان يومُ القيامة، أَدخله الجنة، وسقاه
من السَّلسبيل، وغسله من الكوثر، وقال: أنا ربُّك حقًّا وأنت عبدي(٤).
إلى غير ذلك من الأخبار، وغالبها في هذا المطلب ضعيفٌ، وبعضها موضوع،
كما لا يخفى على مَن نقَّر عنها. ولعل الأخبارَ بنزول هذه السورة جملةً أيضاً
كذلك.
وحكى الإمام(٥) اتفاقَ الناس على القول بنزولها جملةً، ثم استشكل ذلك بأنه
كيف يمكن أن يقالَ حينئذ في كلِّ واحدةٍ من آياتها: إنَّ سببٍ نزولها الأمرُ الفلاني،
مع أنَّهم يقولونه. والقول بأنَّ مراد القائل بذلك عدمُ تخلَّل نزولِ شيءٍ من آيات
(١) المستدرك ٣١٤/٢-٣١٥. والشعب ٤٧٠/٢، وهو من طريق جعفر بن عون، عن
إسماعيل بن عبد الرحمن (وهو السدي) عن محمد بن المنكدر، عن جابر به. وتعقب
الذهبي تصحيح الحاكم بقوله: لا والله، لم يدرك جعفر السديَّ، وأظن هذا موضوعاً.
(٢) الدر المنثور ٣/٣.
(٣) في (م): بن. وهو أبو محمد حبيب بن محمد العجمي، زاهد أهل البصرة وعابدهم، روى عن
الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما. السير ٦/ ١٤٣ -١٤٤، وتاريخ دمشق ٤٥/١٢.
(٤) الدر المنثور ٣/٣.
(٥) في التفسير الكبير ١٣/ ٧٥.

٧
سُؤَدَةُ الأَنْعَم
سورة أخرى بين أوقات نزول آياتها، مِمَّا لا تساعده الظواهر، بل في الأخبار ما هو
صريحٌ فيما يأباه. والقول بأنَّها نزلت مرتين دفعةً وتدريجاً خلافُ الظاهر، ولا دليلَ
عليه .
ويؤيِّد ما أشرنا إليه من ضعف الأخبار بالنزول جملةً ما قاله ابنُ الصلاح في
فتاويه: الحديثُ الوارد في أنها نزلت جملةً رويناه من طريق أُبيِّ بن كعب، ولم نرَ
له سنداً صحيحاً، وقد روي ما يخالفه(١). انتهى.
ومن هذا يُعلم ما في دعوى الإِمامِ اتفاقَ الناس على القول بنزولها جملةً.
فتدبّر.
ووجه مناسبتها لآخِر ((المائدة)) - على ما قال بعض الفضلاء - أنها افتُتحت
بالحمد، وتلك اختُتمت بفصل القضاء، وهما متلازمان، كما قال سبحانه: ﴿وَقُضِىَ
بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
وقال الجلال السيوطيُّ(٢) في وجه المناسبة: إنه تعالى لَمَّا ذكر في آخر
((المائدة)): ﴿لِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِهِنَّ﴾ على سبيل الإِجمال، افتتح جلَّ شأنه
هذه السورةَ بشرح ذلك وتفصيلِه، فبدأ سبحانه بذكر خلق السماوات والأرض،
وضمَّ تعالى إليه أنه جعل الظلماتِ والنورَ، وهو بعضُ ما تضمَّنه ((ما فيهن))، ثم ذكر
عزَّ اسمه أنه خلق النوع الإنسانيَّ وقضى له أجلاً وجعل له أجلاً آخر للبعث، وأنه
جلَّ جلاله مُنشئ القرون قرناً بعد قرن، ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَن ◌َّا فِىِ السَّمَوَتِ﴾
[الآية: ١٢] إلخ، فأَثبت له ملكَ جميع المظروفاتِ لظرف المكان، ثم قال عزَّ مِن
قائل: ﴿وَلَّهُ مَا سَكَنَ فِىِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الآية: ١٣] فأثبت أنه جلَّ وعلا ملكَ جميع
المظروفات لظرف الزمان، ثم ذكر سبحانه خلقَ سائر الحيوان من الدوابِّ والطير،
ثم خلقَ النوم واليقظة والموت، ثم أكثر عزَّ وجل في أثناء السورة من الإِنشاء
والخلق؛ لما فيهنَّ من النيِّرَين والنجوم، وفَلْق الإِصباح، وفلق الحبِّ والنَّوَى،
وإنزال الماء، وإخراج النبات والثمار بأنواعها، وإنشاء جنات معروشاتٍ وغيرٍ
معروشات، إلى غير ذلك مما فيه تفصيلُ ما فيهنّ.
(١) فتاوى ابن الصلاح ص ٩٨.
(٢) في تناسق الدرر ص ٥٠، وما قبله منه.

٨
سُورَةُ الأَنْعَّعَل
وذكر عليه الرحمةُ وجهاً آخَر في المناسبة أيضاً، وهو أنه سبحانه لَمَّا ذكر في
سورة المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ إلخ [الآية: ٨٧]،
وذكر جلَّ شأنه بعده: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ﴾ إلخ [الآية: ١٠٣]، فأخبر عن الكفار
أنهم حرَّموا أشياءَ مما رزقهم الله تعالى افتراء على الله عزَّ شأنه، وكان القصد بذلك
تحذيرَ المؤمنين أن يحرِّموا شيئاً من ذلك، فيشابهوا الكفار في صنعهم، وكان ذَكَرَ
ذلك على سبيل الإِيجاز = ساق(١) جلَّ جلاله هذه السورةَ لبيان حال الكفار في
صنعهم، فأتى به على الوجه الأَبين والنمطِ الأَكمل، ثم جادلهم فيه، وأقام الدلائلَ
على بطلانه، وعارضهم وناقضهم، إلى غير ذلك مِمَّا اشتملت عليه القصة، فكانت
هذه السورةُ شرحاً لما تضمَّنته تلك السورةُ من ذلك على سبيل الإجمال، وتفصيلاً
وبسطاً، وإتماماً وإطناباً، وافتُتحت بذكر الخلق والملك؛ لأنَّ الخالق المالكَ هو
الذي له التصرُّف في ملكه ومخلوقاته، إباحةً ومنعاً، وتحريماً وتحليلاً، فيجب ألَّ
يُعترضَ عليه سبحانه بالتصرُّف في ملكه.
ولهذه السورة أيضاً اعتلاقٌ من وجهٍ بـ ((الفاتحة))؛ لشَرْحِها إجمالَ قولِه تعالی:
﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، وبـ ((البقرة))؛ لشرحها إِجمالَ قوله سبحانه: ﴿الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ﴾ [الآية: ٢١] وقولهِ عزَّ اسمه: ﴿الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الآية
٢٩]، وبـ ((آل عمران)) من جهة تفصيلها لقوله جلَّ وعلا ﴿ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ﴾ [الآية
١٤] وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ﴾ إلخ [الآية: ١٨٥]، وبـ ((النِّساء)) من جهة
ما فيها من بدء الخلق، والتقبيح لما حرَّموه على أزواجهم، وقتلِ البنات،
وبـ ((المائدة)) من حيث اشتمالُها علىَ الأَطعمة بأنواعها .
وقد يقال: إنه لمَّا كان قطبُ هذه السورةِ دائراً على إثبات الصانع ودلائلٍ
التوحيد - حتى قال أبو إسحاق الإسفراييني: إنَّ في سورة الأنعام كلَّ قواعد
التوحيد - ناسبت تلك السورةً من حيث إن فيها إبطالَ ألوهيّة عيسى عليه الصلاة
والسلام، وتوبيخَ الكفرة على اعتقادهم الفاسد وافترائهم الباطلِ هذا.
ثم إنه لَمَّا كانت نعمه سبحانه وتعالى مما تفوت الحصرَ ولا يحيط بها نطاقُ
العدِّ، إلَّا أنها ترجع إجمالاً إلى إيجاد وإبقاء في النشأة الأولى، وإيجاد وإبقاء في
(١) جواب قوله: لما ذكر ....

الآية : ١
٩
سُؤَدَّةُ الأَنْعَ
النَّشأة الآخرة، وأُشير في ((الفاتحة)) التي هي أمُّ الكتاب إلى الجميع، وفي ((الأنعام))
إلى الإيجاد الأوَّل، وفي ((الكهف)) إلى الإبقاء الأول، وفي ((سبأ)) إلى الإيجاد
الثاني، وفي ((فاطر)) إلى الإبقاء الثاني = ابتدئت هذه الخمسُ بالتحميد.
ومن اللطائف أنه سبحانه وتعالى جعل في كلِّ رُبع من كتابه الكريم المجيد
سورةً مفتَتَحة بالتحميد، فقال عزَّ من قائل :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ جملةٌ خبرية أو إنشائية.
وعيَّن بعضُهم الأوَّلَ؛ لما في حملها على الإنشاء من إخراج الكلام على معناه
الوضعيٍّ من غير ضرورة، بل لما يلزم على كونها إنشائيةً من انتفاء الاتصاف
بالجميل قبل حمدِ الحامد؛ ضرورةَ أنَّ الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود.
وآخرون الثانيَ؛ لأنه لو كانت جملة الحمد إِخباراً، يلزم ألَّ يقالَ لقائلٍ
((الحمد لله)): حامد؛ إذ لا يصاغ للمخبِر عن غيره لغةً مِن متعلَّق إخباره اسمٌ قطعاً،
فلا يقال لقائل: زيد له القيام: قائم، واللازمُ باطل، فيبطل الملزوم ولا يَلزم هذا
على تقدير كونها إنشائيةً؛ فإن الإنشاء يشتقُّ منه اسمُ فاعل صفةً للمتكلم به، فيقال
لمن قال: بعت: بائع.
واعتُرض بأنه لا يلزم من كل إنشاءٍ ذلك(١)، وإلَّا لقيل لقائل: إِضرِب(٢):
ضارب، والله تعالى شأنُه القائلِ: ﴿وَالْوَالِدَتُ يُضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]: مرضع،
بل إنما يكون ذلك إذا كان إنشاءً لحال من أحوال المتكلّم، كما في صيغ العقود،
ولا فرقَ حينئذ بينه وبين الخبر فيما ذكر.
والذي عليه المحقِّقون جوازُ الاعتبارين في هذه الجملة. وأجابوا عما يلزم كلَّا
من المحذور. نعم رجِّح هنا اعتبارُ الخبرية؛ لما أنَّ السورة نزلت لبيان التوحيد
(١) في (م): في ذلك.
(٢) في (م): ضرب. وانظر حاشية الشهاب ٣/٤.

سُورَةُ الْأَنْدَعَل
١٠
الآية : ١
وردعِ الكَفَرة، والإِعلامُ بمضمونها على وجه الخبريّة يناسب المَقام، وجعلُها لإنشاء
الثناء لا يناسبه.
وقيل: إنَّ اعتبار خبريتها هنا ليصحَّ عطف ما بعد (ثم)) الآتي عليها. ومَن اعتبر
الإنشائيةَ ولم يجوِّز عطف الإِنشاء على الإِخبار، جَعَلَ العطف على صلة
الموصول، أو على الجملة الإنشائية بجعل المعطوف لإنشاء الاستبعاد والتعجُّب.
ولا يخفى ما في ذلك من التكلّف والخروج عن الظاهر.
وفي تعليق الحمد أولاً باسم الذات ووصفِه تعالى ثانياً بما وُصف به سبحانه
تنبيهٌ على تحقَّق الاستحقاقين: تحقّق استحقاقه عزَّ وجلَّ الحمدَ باعتبار ذاته جلَّ
شأنه، وتحقُّق استحقاقه سبحانه وتعالى [له](١) باعتبار الإِنعام المؤذن به ما في حيِّز
الموصول الواقع صفةً.
ومعنى استحقاقه سبحانه وتعالى الذاتيّ عند بعضٍ: استحقاقُه جلَّ وعلا الحمدَ
بجميع أوصافه وأفعاله، وهو معنى قولهم: إنه تعالى يستحقُّ العبادة لذاته. وأَنكر
هذا صحة توجُّه التعظيم والعبادةِ إلى الذات من حيث هي.
وقد صرَّح الإِمام في ((شرح الإشارة)(٢) عند ذكر مقامات العارفين أنَّ الناس في
العبادة ثلاث طبقات: فالأولى في الكمال والشرف: الذين يعبدونه سبحانه وتعالى
لذاته لا لشيءٍ آخرَ. والثانية، وهي التي تلي الأولى في الكمال: الذين يعبدونه
لصفة من صفاته، وهي كونه تعالى مستحقًّا للعبادة. والثالثة، وهي آخر درجات
المحقّقين: الذين يعبدونه لتكملَ نفوسهم في الانتساب إليه.
ولا يُشكِل تصور تعظيم الذات من حيث هي؛ لأنه - كما قال الشِّهاب(٣) - لو
وقع ذلك ابتداءً قبل التعقُّل بوجوه الكمال، كان مشكلاً، أما بعد معرفة المحمود
جلَّ جلاله بسِمات الجمال وتصوُّره بأقصى صفات الكمال، فلا بِدعَ أن يتوجَّهَ إلى
(١) ما بين حاصرتين زيادة للإيضاح مستفادة من تفسير أبي السعود ١٠٤/٣.
(٢) ويعني به شرح الفخر الرازي لكتاب (الإرشادات والتنبيهات في المنطق والحكمة)) لابن
سینا .
(٣) في حاشيته ٣/٤.

الآية : ١
١١
سُورَةُ الأَنْعَل
تمجيده تعالى وتحميده عزَّ شأنه مرَّة أخرى بقطع النظر عما سوى الذَّات، بعد
الصُّعود بدرجات المشاهدات؛ ولذا قال أهل الظاهر:
لكنها لذَّةً(٢) ذكرناها
صفاته لم تَزِده(١) معرفةً
فما بالك بالعارفين الغارقين في بحار العِرفان، وهم القوم كلُّ القوم. والذي
حقَّقه السيالكوتيُّ وجرينا عليه في ((الفاتحة))(٣) أنَّ الاستحقاق الذاتيَّ ما لا يلاحَظ
معه خصوصيةٌ صفةٍ حتى الجميع، لا ما يكون الذات البحت مستحقًّا له، فإنَّ
استحقاق الحمد ليس إلَّا على الجميل. وسمِّي ذاتيًّا لملاحظة الذات فيه من غير
اعتبارٍ خصوصية صفة، أو لدلالة اسم الذَّات عليه، أو لأنه لَمَّا لم يكن مسنداً إلى
صفة من الصفات المخصوصة، كان مسنداً إلى الذات.
وذكر بعض محقِّقي المتأخرين كلاماً في هذا المقام ردًّ به فيما عنده على كثير
من العلماء الأَعلام. وحاصله: أنَّ اللام الجارَّة في (الله)) المطلَق الاختصاص دون
الاختصاص القصريِّ على التعيين، بدليل أنهم قالوا في مثل ((له الحمد)): إنَّ
التقديم للاختصاص القصريِّ، فلو أنَّ اللام الجارَّة تفيده أيضاً، لَما بقي فرق بين
((الحمد لله)) و((له الحمد)» غير كون الثاني أوكدَ من الأوَّل في إفادة القصر،
والمصرَّح به التفرقةُ بإفادة أحدهما القصرَ دون الآخر، وأَن الاختصاصاتِ على
أَنحاء، وتعيينُ بعضها موكول إلى العلّة التي يترتب عليها الحكم وتَجعل محموداً
عليه غالباً، وغيرِها من القرائن. فإذا رأيت الحكمَ على أوصافه تعالى المختصةِ به
سبحانه وتعالى، وجب كونُ الحمد مقصوراً عليه تعالى، فيحمل الحكم المعلَّل
على القصر ليطابق المعلولُ علَّته. ومع ذلك إذا كانت الأوصاف المختصّة به عزَّ
وجلَّ مما يدلُّ على كونه عزَّ شأنه منعِماً على عباده، وجب كون الحمد حقًّا لله
تعالى واجباً على عباده سبحانه، فيُحمل الحكم المعلَّل على الاستيجاب للتطابق
(١) في (م): تزد. وهو خطأ. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب، والبيت في ديوان المتنبي
٤ / ٤١٠ برواية :
أسامياً لم تزده مـعـرفة وإنمالذة ذكرناهـا
(٢) أي: تلذذاً، فهو مفعول لأجله.
(٣) ٢٦٧/١.

الآية : ١
١٢
سُورَةُ الأَنْعَم
أيضاً. وإذا لم يعلَّل الحكم بشيء، أو قُطع النظر عن العلة التي رتِّب عليها الحكم،
فإنما يثبت في الحكم أدنى مراتبِ الاختصاص الذي هو كونُه تعالى حقيقاً بالحمد
مجرَّداً عن القصر والاستيجاب.
ويعضد ما أُشير إليه اختلافُ عبارات العلامة البيضاويِّ في بيان مدلولات جمل
الحمد، وأنَّ المراد في الاستيجاب الذي جعله بعض النَّحاة من معاني اللام ما هو
بمنزلة مطلَق الاختصاص الذي قرّره، لا المعنى الذي رمز إليه. فعلى هذا يكون
مفهومُ جملة ((الحمد لله)) فيما نحن فيه أنَّه تعالى حقيقٌ بالحمد، ولا دلالة فيها من
حيث هي هي - مع قطع النظر عن المحمود عليه الذي هو علَّةُ الحكم - على قصر
الحقيقيّة بالحمد عليه سبحانه وتعالى، ولا على بلوغها حدَّ الاستيجاب. نعم في
ترتّب الحكم على ما في حيِّز الصفة تنبيهٌ على كون الحمد حقًّا لله تعالى واجباً على
عباده، مختصًّا به عزَّ شأنه، مقصوراً عليه سبحانه، حيث إنَّ ترتّب الحكم - كما
قالوا - على الوصف يُشعر بمنطوقه بعلّية الوصف للحكم، وبمفهومه بانتفاء الحكم
عَمَّن ينتفي عنه الوصف.
ثم قال: وبالجملة إنَّ جملة ((الحمد لله)) مدَّعَى ومدلول، وقولَه سبحانه وتعالى:
﴿الَّذِى خَلَقَ﴾ إلخ دليلٌ وعِلّة، وليس هناك إلَّا حمدٌ واحد معلَّل بما في حيِّز
الوصف، لا حمدٌ معلَّل بالذات المستجمع لجميع الصفات، أو بالذات البحت
أوَّلاً - على ما قيل - وبالوصف ثانياً حتى يكونَ بمثابة حمدَين باعتبار العلّتين؛ لأنَّ
لفظ الجلالة عَلَم شخصيٍّ، ولا دلالةً له على الأوصاف بإحدى الدَّلالات الثلاث،
فكيف يكون محموداً عليه وعلّةً لاستحقاق الحمد؟ ولذلك لا يكاد يقع الحكمُ
باستحقاق الحمد إلا معلَّلاً بالأمور الواضحة الدالّة على صفاته سبحانه وتعالى
الجليلة، وأفعاله الجميلة، ولا يكتفَى باسم الذات، اللهمَّ إلا في تسبيحات
المؤمنين وتحميداتهم، لا في محاجَّة المنكرين التي نحن بصدد بيانها. وأيضاً
اقتضاءُ الذات البحتِ من حيث هو الذاتُ ماذا يفيد في الاحتجاج على القوم الذين
عامَّتهم لا يُبصرون ولا يسمعون؟ إنْ هم إلَّا كالأنعام، بل هم أضلُّ.
وأمَّا ما يقال: إنما قيل: ((الحمد لله)) بذكر اسم الذاتِ المستجمِع لجميع
الصفات، ولم يقل: للعالم، أو: للقادر، إلى غير ذلك من الأسماء الدالّة على

الآية : ١
١٣
سُورَةُ الأَنْعَل
الجلالة أو الإكرام؛ لئلا يُتوهّم اختصاصُ الحمد بوصف دون وصف = فكلام مبنيٌّ
على ما ظهر لك فسادُه من كون الذات محموداً عليه.
وقد يقال: إنَّ ذِكر اسم الذات ليس إلا لأنَّ المشركين المحجوجين الجھَّال
لا يعرفونه تعالى ولا يذكرونه فيما بينهم ولا عند المحاجَّة إلَّا باسمه سبحانه
العَلَم (١)، لا بالصفات، كما يدلُّ على ذلك أنه تُحكَى أَجوبتهم بذكر ذلك الاسم
الشريفِ في عامّة السؤالات، إلَّا ما قلَّ، حيث كان جوابُهم فيه بغير اسمِ الذات،
كقوله تعالى: ﴿لَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] على أنَّ البعض جعل هذا
لازمَ مقولهم وما يدل عليه إجمالاً أُقيم مُقامَه، فكأنهم قالوا: الله، كما حُكي عنهم
في مواضعَ، وحينئذ فكأنه قيل: الإِلهُ الذي يعرفونه ويذكرونه بهذا الاسم هو
المستحقُّ للحمد؛ لكونه خالق السماوات والأرض، ولکونه كذا وكذا .
وإذا عرفت أنَّ الذات لا يلائم أن يكونَ محموداً عليه، وإنما الحقيق لأن يكونَ
محموداً عليه هو الصفات، وأنَّ ما يترتب عليه الحمدُ في كلِّ موضع بعضُ الصفات
بحسب اقتضاء المقام لا جميعُ الصفات، عرفتَ أنَّ مَن ادَّعى أنَّ ترتيب الحمد على
بعض الصفات دون بعضٍ يوهم اختصاصَ استحقاق الحمدِ بوصفٍ دون وصف،
يَلزم عليه أن يقعَ في الورطة التي فرَّ منها كما لا يخفى.
فالحقُّ أنَّ المحمود عليه هو الوصف الذي رتِّب عليه استحقاقُ الحمد، وأنَّ
تخصيص بعض الأوصاف لأن يترتب عليه استحقاقُ الحمد في بعض المواقع إنَّما
هو باقتضاء ذلك المقام إياه.
فإن قلت: فما الرأيُ في الحمد باعتبار الذات البحت، أو باعتبار استجماعه
جميعَ الصفات - على ما قيل - هل له وجهٌ أم لا؟
قلت: أما كون الذات الصِّرف محموداً عليه، وكذا كونُ الذات محموداً عليه
باستجماعه جميعَ الصفات في أمثال هذه المواضع التي نحن فيها، فلا وجه له.
وأما ما ذكروه في شرح خُطّب بعض الكتب من أنَّ الحمد باعتبار الذات
المستجمِع لجميع الصفات، فلعلَّ منشأه هو أنَّ الحمد لما اقتضَى وصفاً جميلاً
(١) في (م): العليم.

سُورَةُ الْأَنْعَم
١٤
الآية : ١
صالحاً لأن يترتَّبَ عليه الحكم باستحقاق الحمد ويكونَ محموداً عليه، فحيث لم
يُذكَر معه وصفٌ كذلك ولم يدلَّ عليه قرينة، بل اكتُفي بذكر الذات المتَّصفِ بجميع
الصفات الجميلة، ثبت اعتبارُ الوصف الجميل هناك اقتضاء، ثم من أجل أنَّ تعيين
البعض بالاعتبار دون البعض الآخر لا يخلو عن لزوم الترجيحِ بلا مرجح، يَلزم
اعتبار الصفات الجميلة برمّتها، فيكون الحمد باعتبار جميعهاَ، وحيث ذُكر معه
وصف جميل صالح لأن يكونَ محموداً عليه، ودلَّ عليه بعينه قرينةٌ، استُغني عن
ذلك الاعتبار؛ لأنَّ المصير إليه كان عن ضرورة، ولا ضرورةً حينئذ كما لا يخفى.
ومن لم يهتدٍ إلى الفرق بين ما وقع في القرآن المجيد لمقاصدَ، وما وقع في
خطب الكتب لمجرَّد التيمُّن، ولا إلى الفرق بين ما ذُكر فيه المحمودُ عليه صريحاً
أو دلَّت عليه بعينه قرينة، وبين ما لم يكن كذلك، رَكِبَ متنَ عمياءَ، وخبط خبطً
عشواء، فخلط مقتضياتٍ بعض المقامات ببعض، ولم يدرِ أنَّ كلام الله تعالى على
أيِّ شرف، وكلام غيره في أيِّ واد.
وقصارى الكلام أنَّ ترتّب الحكم الذي تضمَّنته جملة ((الحمد لله)) هنا على
الوصف المختصِّ به سبحانه من خلق السماوات والأرض وما عُطف عليه يفيد
الاختصاص القصريَّ على الوجه الذي تقدَّم، ويشير إلى ذلك كلامُ العلّامة
البيضاويٍّ في تفسيره الآيةً(١) لمن أَمعن النظر، إلا أنَّ ما ذكره عليه الرحمةُ في أوَّل
(سبأ))(٢) من الفرق بين ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ وبين ﴿وَلَهُ
اٌلْحَمْدُ فِى الْآَخِرَؤُ﴾ مما محصَّله أن جملة ((له الحمد)» جيء بها بتقديم الصلة ليفيدَ
القصر؛ لكون الإِنعام بنعم الآخِرة مختصًّا به تعالى، بخلاف جملة ((الحمد لله الذي
له)» إلخ، فإنها لم يجئ بها بتقديم الصلة حتى لا يفيد القصر؛ لعدم كون الإِنعام
-مختصًّا به تعالى مطلقاً بحيث لا مدخلَ فيه للغير، إذ يكون بتوسُّط الغير فيستحق
ذلك الغيرُ (٣) الحمدَ بنوع استحقاق بسبب وساطته = آبٍ (٤) عنه؛ إذ حاصل ما ذكره
(١) ١٧٨/٢.
(٢) ٤ / ١٦٩.
(٣) في (م): لغير.
(٤) خبر لقوله: إلا أن ما ذكره ....

الآية : ١
١٥
سُؤَّةُ الأَنْقَهَا
في تلك السورةِ هو أنه لا قصرَ في جملة ((الحمد لله الذي له)) إلخ، بخلاف جملة ((له
الحمد)»، وحاصل ما أشار إليه في هذه وكذا في ((الفاتحة)) هو أنَّ جملة ((الحمد لله))
إذا رِّب على الأوصاف المختصَّة كالخلق والجعل المذكورين مفيدٌ للقصر أيضاً،
غاية ما في البال أنَّ طريق إفادة القصر في البابَين متغاير، ففي أحدهما(١) تقديم
الصلة، وفي الآخَر (٢) مفهومُ العلّة. فتدبّر ذاك، والله تعالى يتولَّى هداك.
وجمع سبحانه السماواتِ وأَفرد الأرض، مع أنها على ما تقتضيه النصوصُ
المتعددة متعددةٌ أيضاً، والمؤاخاةُ بين الألفاظ من محسِّنات الكلام، فإذا جمع أحد
المتقابلَين أو نحوهما، ينبغي أن يُجمعَ الآخَر عندهم؛ ولذا عيب على أبي نُوَاس
قولُه:
وما لَكَ فاعلَمَنْ فينا مقالاً إذا استكملتَ آجالاً ورزقا(٣)
حيث جَمَعَ وأفرد: إذ جمع لنكتة سوَّغت العدولَ عن ذلك الأصل، وهي
الإشارةُ إلى تفاوتهما في الشرف، فجَمَعَ الأشرف اعتناءً بسائر أفراده، وأَفرد غيرَ
الأشرف.
وأَشرفيّة السماء لأنها محلُّ الملائكة المقدَّسين على تفاوت مراتبهم، وقِبلةُ
الدعاء، ومعراج الأرواح الطاهرة، ولعِظَمها وإحاطتها بالأرض على القول بكريَّتها
الذاهبِ إليه بعضٌ منا، وعِظَم آيات الله فيها، ولأنها لم يُعصَ اللهُ تعالى فيها
أصلاً، وفيها الجنة التي هي مقَرُّ الأحباب، ولغير ذلك. والأرض وإن كانت دارَ
تكليف ومحلَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فليس ذلك إلَّا للتبليغ وكسبٍ
ما يجعلهم متأهِّلين للإقامة في حضيرة القدس؛ لأنها ليست بدار قرار. وخلقُ أبدان
الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام منها ودفنُهم، فيها مع كون أرواحهم التي هي منشأ
الشَّرف ليست منها ولا تدفن فيها، لا يدلُّ على أكثرَ من شرفها، وأمّا أنه يدلُّ على
أشرفيتها، فلا يكاد يَسلَم لأحد. وكذا كونُ الله تعالى وصف بقاعاً منها بالبركة
لا يدلُّ على أكثرَ مما ذكرنا؛ ولهذا الشرف أيضاً قدِّمت على الأرض في الذِّكر.
(١) في (م): إحداهن.
(٢) في (م): الأخرى.
(٣) ديوانه ٢/ ١٧١ بتحقيق ايفالد فاغنر، وفيه: فيها مقام، بدل: فينا مقالاً.

الآية : ١
١٦
سُؤَدَّةُ الأَنْقَها
وقيل: إنَّ جمع السماواتِ وإفرادَ الأرض لأن السماء جاريةٌ مجرى الفاعل،
والأرض جارية مَجرى القابل، فلو كانت السماء واحدة، لَتشابه الأثر، وهو يُخلُّ
بمصالح هذا العالم، وأما الأرض فهي قابلة، والقابل الواحد كافٍ في القَبول.
وحاصله أنَّ اختلاف الآثار دلَّ على تعدُّد السماء دلالةٌ عقلية، والأرض وإن
كانت متعدِّدة، لكن لا دليلَ عليه من جهة العقل؛ فلذلك جمعها دون الأرض.
واعتُرض بأنه على ما فيه ربَّما يقتضي العكس.
وقال بعضهم: إنه لا تعدُّد حقيقيًّا في الأرض؛ ولهذا لم تُجمَع. وأما التعدُّد
الوارد في بعض الأخبار، نحوُ قوله وَّهِ: ((مَن غصب قِيدَ شبرٍ من أرض، طوِّقه
إلى سبع أَرَضين)»(١) فمحمول على التعدُّد باعتبار الأقاليم السبعة. وكذا يُحمل
ما أخرجه أبو الشيخ(٢) والترمذيُّ(٣) عن أبي هريرةَ﴿ه أنه نَّ قال: ((هل تدرون
ما هذه؟ هذه أرض، هل تدرون ما تحتَها؟)) قالوا: الله تعالى ورسولُه أعلم،
قال: ((أرض أُخرى، وبينهما مسيرةُ خمسٍ مئة عام)) حتى عدَّ سبع أَرَضين بين كلِّ
أَرضَين خمسُ مئة عام. والتحتيّة لا تأبى ذلك؛ فإنَّ الأرض كالسماء كرويّة. وقد
يقال للشيء إذا كان بعدَ آخَر: هو تحته. والمراد من قوله بَّ: ((بينهما خمسُ مئة
عام)) أنَّ القوس من إحدى السماوات المسامتَ لأوَّل إقليم وأولِ الآخَر خمسُ
مئة عام. ولا شكَّ أن ذلك قد يزيد على هذا المقدار، وكثيراً ما يُقصد من العدد
التكثير لا الكُّ المعيَّن. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَّمَوَتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
[الطلاق: ١٢] محمولٌ على المماثلة في السبعة(٤) الموجودة في الأقاليم، لا على
التعدُّد الحقيقي.
ولا يخفى أنَّ هذا من التكلُّف الذي لم يدعُ إليه سوى اتِّهام قدرة الله تعالى
وعجزِه سبحانه عن أن يخلقَ سبع أرضين طِبِقَ ما نطق به ظاهرُ النصِّ الواردِ عن
(١) أخرجه البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد مظ لته. وهو عند أحمد
(١٦٤٩).
(٢) في العظمة ص١٠٦.
(٣) في سننه (٣٢٩٨). وهو عند أحمد (٨٨٢٨). وإسناده ضعيف.
(٤) في الأصل: السبعية.

الآية : ١
١٧
سُورَةُ الأَنْدَعَل
حضرة أَفصح مَن نطق بالضاد، وأزال بزُلال كلامه الكريم أُوامَ(١) كلِّ صاد. وحَمْلُ
المماثلة في الآية أيضاً على المماثلة التي زعمها صاحبُ القيل خلافُ الظاهر ..
ولعل النَّوبة تُفضي إن شاء الله تعالى إلى تتمة الكلام في هذا المَقام.
وذكر بعض المحقّقين في وجه تقديم السماوات على الأَرض تقدُّمَ خلقهما على
خلق الأرض. ولا يخفى أنه قولٌ لبعضهم.
وعن الشيخ الأكبر قدّس سرّه: أن خلق المحدد سابقٌ على خلق الأرض،
وخلقَ باقي الأَفلاك بعد خلق الأرض. وقد تقدَّم بعضُ الكلام في هذا المقام.
وتخصيص خَلْقِهما بالذِّكر؛ لاشتمالهما على جملة الآثار العُلويّة والسفليةِ،
وعامَّةِ الآلاء الجليّة والخفية، التي أجلُّها نعمةُ الوجود، الكافيةُ في إيجاب حمده
تعالى على كلِّ موجود، فكيف بما يتفرَّع عليها من صنوف النعم الآفاقية والأَنفُسية،
المنوطِ بها مصالحُ العباد في المعاش والمعاد.
والمراد بالخلق الإنشاءُ والإيجاد. أي: أوجد السماواتِ والأرض وأنشأهما
على ما هما عليه مما فيه آيات للمتفكّرین .
﴿وَجَعَلَ الظُّلْنَتِ وَالنُّورِّ﴾ عطفٌ على ((خَلَق السماوات)) داخل معه في حكم
الإِشعار بعلَّة الحمد وإن كان مترتِّباً عليه؛ لأنَّ جَعْلَهما مسبوقٌ بخلق مَنشئهما
ومحلِّهما كما قيل.
والجعل - كما قال شيخ الإسلام (٢) - الإنشاءُ والإبداع، كالخلق، خَلَا أنَّ ذلك
مختصٌّ بالإِنشاء التكوينيّ، وفيه معنى التقديرِ والتسوية، وهذا عامٌّ له كما في الآية،
وللتشريعي أيضاً كما في قوله سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَجِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] وأيًّا
ما كان، ففيه إنباءٌ عن ملابسة مفعوله بشيء آخَرَ، بأن يكون فيه، أو له، أو منه، أو
نحو ذلك، ملابسةً مصحِّحة لأن يتوسّط بينهما شيءٌ من الظروف، لغواً كان أو
مستقرًّا، لكن لا على أن يكونَ عمدةً في الكلام، بل قيداً فيه.
(١) الأوام: حرُّ العطش. مختار الصحاح (أوم).
(٢) في تفسيره ١٠٤/٣ .

سُورَةُ الأَنْعَل
١٨
الآية : ١
وقيل: الفرق بين الجعل والخلق أنَّ الخلق فيه معنى التقدير، والجعلَ فيه معنى
التضمين، أي: كونه محصَّلاً من آخَر كأنه في ضمنه؛ ولذلك عبّر عن إحداث النور
والظلمة بالجعل تنبيهاً على أنَّهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثَّنَوية.
واعتُرض بأنَّ الثنوية يزعمون أنَّ النور والظلمة جسمان قديمان سميعان
بصيران، أَوَّلهما خالق الخير، والثاني خالق الشرِّ، فهما حينئذٍ ليسا بالمعنى
الحقيقيِّ المتعارَف، فمدَّعاهم الفاسدُ يبطل بمجرَّد هذا. وأيضاً أنَّ الردّ يحصل
بكونهما محدثين بقطع النظر عما اعتُبر في مفهوم الجعل، ولو أتى بالخلق بدلَه
حصل المقصودُ منه. وأيضاً أنَّ الجعل المتعدِّي لواحد - كما فيما نحن فيه - لا يقتضي
كونَه غيرَ قائم بنفسه، أَلَا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُلُودِ الْأَنَْمِ بُونَ﴾.
[النحل: ٨٠] ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَنًا﴾ [الفرقان: ٥٣] إلى غير ذلك.
وأُجيب بما لا يخلو عن نظر.
وجَمَعَ الظلمات وأَفرد النور ليَحسُنَ التقابل مع قوله سبحانه: ((خلق السماوات
والأرض)) أو لما قدَّمناه في البقرة(١).
وقيل: لأنَّ المراد بالظلمة الضلالُ، وهو متعدِّد، وبالنور الهدى، وهو واحد.
ويدل على التعدُّد والوحدةِ قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَِّعُوا
الشُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
واختار غيرُ واحد حملَ الظُّلمة والنور هنا على الأمرَين المحسوسين وإنْ جاء
في الكتاب الكريم بمعنى الهدى والضَّلال وكان له هنا وجهٌ أيضاً؛ لأن الأصل
حملُ اللفظ على حقيقته، وقد أمكن مع وجود ما يلائمه ويقتضيه اقتضاءً ظاهراً،
حيث قُرنا بالسماوات والأرض.
وعن قتادة: أنَّ المراد بهما الجنةُ والنار. ولا يخفى بُعدُه.
وللعلماء في النور والظلمة كلامٌ طويل وبحث عريض حتى إنهم ألَّفوا في ذلك
الرسائلَ، ولم يتركوا بعدُ مقالاً لقائل.
(١) ١/ ٤٧٠-٤٧١ .

الآية : ١
١٩
سُورَةُ الأَنْتََّم
وذكر الإمام(١) أنَّ النور كيفية هي كمالٌ بذاتها للشفَّاف من حيث هو شفَّاف،
أو الكيفيةُ التي لا يتوقَّف الإِبصارُ بها على الإِبصار بشيء آخر، وأنَّ من الناس مَن
زعم أنه أجسامٌ صغار تنفصل عن المضيء وتتصل بالمستضيء، وهو باطل:
أما أوَّلاً: فلأنَّ كونها أنواراً، إمّا أن يكون هو عينَ كونها أجساماً، وإما أن
يكونَ مغايراً لها، والأوَّل باطل؛ لأن المفهوم من النورية مغايرٌ للمفهوم من
الجِسمية، ولذلك يُعقل جسمٌ مظلم، ولا يعقل نور مظلِمٍ. وأمَّا إن قيل: إنها
أجسام حاملةٌ لتلك الكيفية تنفصل عن المضيء وتتَّصل بالمستضيء، فهو أيضاً
باطل؛ لأن تلك الأجسامَ الموصوفة بتلك الكيفيات إما أن تكونَ محسوسةً أو
لا، فإنْ كان الأولُ، لم يكن الضوء محسوساً، وإن كان الثاني، كانت ساترةً
لما تحتها، ويجب أنها كلَّما ازدادت اجتماعاً، ازدادت سَتراً، لكن الأمر
بالعكس .
وأما ثانياً: فلأن الشُّعاع لو كان جسماً، لكانت حركته بالطبع إلى جهة واحدة،
لكن النور مِمَّا يقع على كلِّ جسم في كل جهة.
وأما ثالثاً: فلأن النور إذا دخل من كوَّة ثم سددناها دُفعة، فتلك الأجزاءُ
النورانية إمّا أن تبقى أو لا، فإنْ بقيت، فإمّا أن تبقى في البيت وإما أن تخرج، فإن
قيل: إنها خرجت عن الكوّة قبل السدّ، فهو محال، وإن قيل: إنها عُدمت، فهو
أيضاً باطل، فكيف يمكن أن يحكمَ أن جسماً لَمّا تخلّل بين جسمين عُدم أحدُهما؟
فإذن هي باقية في البيت، ولا شكَّ في زوال نوريَّتها عنها. وهذا هو الذي نقول من
أنَّ مقابلة المستضيء سببٌ لحدوث تلك الكيفية. وإذا ثبت ذلك في بعض الأجسام
ثبت في الكلّ.
وأما رابعاً: فلأن الشمس إذا طلعت من الأُفق، يستبين وجهُ الأرض كلُّه دُفعة،
ومن البعيد أن تنتقلَ تلك الأجزاءُ من الفَلَك الرابع إلى وجه الأرض في تلك
اللحظةِ اللطيفة، سيَّما والخرقُ على الفلك محال عندهم.
(١) قد اعتاد المصنف أن يطلق لفظة الإمام على الفخر الرازي، لكنه هنا أطلقه وأراد به ابن
سينا، وكلامه في كتابه الشفاء (الطبيعيات - النفس) ص ٩٢.

سُورَةُ الأَنْسَعَلُ
٢٠
الآية : ١
واحتجَّ المخالف بأنَّ الشعاع متحرِّك، وكلُّ متحرك جسم، فالشُّعاع جسم. بيان
الصُّغرى بثلاثة أوجه: الأوَّل: أنَّ الشعاع منحدر من ذيه (١)، والمنحدر متحرِّك
بالبديهة. والثاني: أنه يتحرَّك وينتقل بحركة المضيء. والثالث: أنه قد ينعكس عمّا
يلقاه إلى غيره، والانعكاسُ حركة.
والجواب: أمَّا قولهم: الشُّعاع منحدر، فهو باطل، وإلَّا لرأيناه في وسط
المسافة، بل الشعاعُ يحدث في المقابل القابِل دفعة، ولَمّا كان حدوثه من شيء
عالٍ، توهِّم أنه ينزل.
وأما حديث الانتقال، فيَرِد عليه أن الظلَّ ينتقل مع أنه ليس بجسم، فالحقُّ أنه
كيفية حادثة في المقابل، وعند زوال المحاذاةِ عنه إلى قابلٍ آخَرَ، يبطل النورُ عنه
ويحدث في ذلك الآخَر. وكذلك القولُ في الانعكاس، فإنَّ المتوسط شرط لأنّ
يحدث الشعاعُ من المضيء في ذلك الجسم.
ثم القائلون بأنه كيفيّة اختلفوا، فمنهم من زعم أنَّه عبارة عن ظهور اللونِ فقط،
وزعموا أن الظهور المطلَقَ هو الضوء، والخفاءَ المطلق هو الّلمة، والمتوسِّط بين
الأمرين هو الظل، وتختلف مراتبه بحسَب مراتب القُرب والبعد عن الطرفين.
وأَطالوا الكلامَ في تقرير ذلك بما لا يُجدي نفعاً .
ولا يأبى أن يكون الضوءُ كيفيةً وجودية زائدةً على ذات اللون، كما يدلُّ عليه
أمور:
الأول: أنَّ ظهور اللون إشارةٌ إلى تجدُّد أمر، فهو إمّا أن يكونَ اللونَ، أو صفةً
غير نسبية، أو صفةً نسبية. والأوَّل باطل؛ لأنه لا يخلو إما أن يُجعل النور عبارةٌ
عن تجدد اللون، أو عن اللون المتجدد، والأوَّل يقتضي ألَّا يكون الشيء مستنيراً
إلَّا آنَ تجدُّدِه. والثاني يوجب أن يكون الضوءُ نفسَ اللون، فلا يبقى لقولهم:
الضوءُ ظهور اللون، معنّى. وإن جعلوا الضوءَ كيفيةً ثبوتية زائدة على ذات اللون
وسمَّوه بالظهور، عاد النزاع لفظيًّا، وإن زعموا أنَّ ذلك الظهورَ تجدُّدُ حالةٍ نسبية،
فذاك باطل؛ لأن الضوء أمرٌ غير نسبيٍّ، فلا يمكن أن يفسّر بالحالة النسبية.
(١) أي: من معدنه وأصله.