Indexed OCR Text
Pages 481-500
الآية : ١١٢ ٤٨١ سُورَةُ القَائِدَة الباطل، وبأنَّ الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبُّه بهم والاقتداءِ بسنَّتهم في قوله عزَّ مِن قائل: ﴿كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ الآية [الصف: ١٤] وبأنَّ رسول اللهِوَّر مدح الزبيرَ فقال: ((إنَّ لكل نبيِّ حواريًّا، وإنَّ حواريَّ الزبير))(١). والتزامُ القول بأنَّ الحواريين فِرقتان: مؤمنون، وهم خالصةُ عيسى عليه الصلاة والسلام والمأمورُ بالتشبُّه بهم، وكافرون: وهم أصحابُ المائدة، وسؤالُ عيسى عليه الصلاة والسلام نزولَ المائدة، وإنزالُها ليلزمهم الحجَّة = يحتاج إلى نقلٍ ولم یوجد . ومن ذلك أُجيب عن الآية بأجوبة، فقيل: إنَّ معنى ((هل يستطيع)): هل يفعل، كما تقولُ للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقومَ، مبالغةً في التقاضي. ونقل هذا القولُ عن الحسن. والتعبيرُ عن الفعل بالاستطاعة من التعبير عن المسبَّب بالسبب، إذ هي من أسباب الإيجاد، وعلى عكسه التعبيرُ عن إرادة الفعل بالفعل تسميةً للسبب الذي هو الإِرادة باسم المسبَّب الذي هو الفعلُ في مثل قولهِ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ إلخ [المائدة: ٦]. وقيل: إنَّ المعنى: هل يطيع ربُّك، فيستطيع بمعنى يطيع، ويطيع بمعنى يجيب مجازاً. ونقل ذلك عن السُّدِّي. وذكر أبو شامة أن النبيَّ وَ ◌ّ عاد أبا طالب في مرض، فقال له: يا ابنَ أخي، ادعُ ربَّك أن يعافيني. فقال: ((اللهم اشفِ عمِّي)) فقام كأنما نشط من عِقال، فقال: يا ابن أخي، إنَّ ربَّك الذي تعبده يُطيعك، فقال: ((يا عم، وأنت لو أطعته لكان يطيعك))(٢). أي: يجيبك لمقصودك. وحسَّن استعمالَهِ وَ ﴿ لذلك المشاكلةُ. (١) أخرجه البخاري (٢٨٤٦) و(٢٨٤٧)، ومسلم (٢٤١٥) من حديث جابر طائه، وهو عند أحمد (١٤٧١٢). (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٩٧٣)، والحاكم ٥٤٢/١-٥٤٣، والبيهقي في الدلائل ١٨٤/٦ من حديث أنس ظه، وقال البيهقي: تفرد به الهيثم بن جماز عن ثابت البناني، وهو ضعيف. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: الهيثم متروك. سُورَةَ لَائِدَة ٤٨٢ الآية : ١١٢ وقيل: هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمةُ والإِرادة، فكأنهم قالوا: هل إرادة الله تعالى وحكمتُه تعلَّقت بذلك أو لا؟ لأنه لا يقع شيءٌ بدون تعلَّقهما به. واعترض بأن قوله تعالى الآتي: (وَنَُّواْ اللَّهَ إِن كُم ◌ُؤْمِنِينَ) لا يلائمه؛ لأنَّ السؤال عن مثله مما هو من علوم الغيب لا قصورَ فيه. وقيل: إنَّ سؤالهم للاطمئنان والتثبّت، كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ومعنى ((إن كنتم مؤمنين)): إن كنتم كاملين في الإِيمان والإِخلاص. ومعنى (نعلم أن قد صدقتنا)): نعلم علمَ مشاهدةٍ وعِيان بعد ما علمناه علمَ إيمان وإِيقان. ومن هذا يُعلم ما يندفع به الاعتراض. وقرأ الكسائيُّ وعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وعائشةُ وابن عباس ومعاذٌ وجماعة من الصحابة ◌ّه: ((هل تَستطيعُ ربَّك)) بالتاء خطاباً لعيسى عليه الصلاة والسلام ونصبٍ ((ربَّك)) على المفعولية(١). والأَكثرون على أنَّ هناك مضافاً محذوفاً، أي: سؤالَ ربِّك، أي: هل تسأله ذلك من غيرٍ صارف. وعن الفارسيِّ أنَّه لا حاجة إلى تقدير، والمعنى: هل تستطيع أن ينزِّلَ ربُّك بدعائك. وأنت تعلم أنَّ اللفظ لا يؤدِّي ذلك، فلا بدَّ من التقدير. والمائدة في المشهور: الخِوان الذي عليه الطعام، من ماد يميد: إذا تحرَّك، أو من: مادَهُ، بمعنى أعطاه، فهي فاعلة إمَّا بمعنى مفعولة كـ: عيشة راضية، واختاره الأزهريُّ في تهذيب اللغة(٢)، أو بجعلها للتمكُّن مما عليها، كأنها بنفسها معطية، كقولهم للشَّجرة المثمرة: مطعمة. وأجاز بعضهم أن يقالَ فيها : ميدة، واستشهد عليه بقول الراجز: تصنع للجيران والإِخوانِ (٣) ومَيْدة كثيرة الألوانِ واختار المناويُّ(٤) أنَّ المائدة كلُّ ما يُمدُّ ويبسط. والمراد بها السُّفرة، وأصلها (١) التيسير ص ١٠١، والنشر ٢٥٦/٢ عن الكسائي، وذكرها عنهم أبو حيان في البحر ٥٤/٤. (٢) ٢١٩/١٤. (٣) درة الغواص ص٢٣، ولسان العرب (ميد) دون نسبة. (٤) في فيض القدير ٣٩٦/٢. الآية : ١١٣ ٤٨٣ سُورَةُ القَائِدَة طعام يَتَّخذه المسافر، ثم سُمِّي بها الجلدُ المستدير الذي تحمل به غالباً، كما سمِّيت المزادةُ راوية. وجوِّز أن تكون تسميةُ الجلد المذكورِ سفرة لأنَّ له معاليقَ متى حلَّت عنه انفرج فَأَسفر عمَّا فيه. وهذا غيرُ الخوان - بضمِّ الخاء وكسرها وهو أفصح، ويقال له: إِخوان، بهمزة مكسورة - لأنه اسمٌ لشيء مرتفع بهيَّأْ ليؤكلَ عليه الطعام. والأكل عليه بدعة، لكنه جائز إنْ خلا من قصد التكبُّر. وتطلق المائدةُ على نفس الطعام أيضاً، كما نصّ عليه بعض المحقّقين. و((من السماء)» يجوز أن يتعلَّق بالفعل قبله، وأن يتعلَّق بمحذوف وقع صفةً لـ ((مائدة))، أي: مائدةً كائنةً من السماء. ﴿قَالَ﴾ أي: عيسى عليه الصلاة والسلام لهم حين قالوا ذلك: ﴿أَتَّقُواْ اللَّ﴾ من أمثال هذا السؤال واقتراحِ الآيات، كما قال الزجَّاج(١). وعن الفارسيِّ أنه أمرٌ لهم بالتقوى مطلقاً. ولعل ذلك لتصير ذريعةً لحصول المأمول، فقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ، فَخْرَمًا ﴿ وَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] وقال جلَّ شأنُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. ﴿إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ بكمال قدرته تعالى وبصحّة نبوَّتي، أو كاملين في الإيمان والإخلاص، أو: إن صدَقتم في ادِّعاء الإيمان والإسلام. ﴿قَالُواْ فُرِيدُ أَنْ تَّأْكُلَ مِنْهَا﴾ أكلَ تبرُّك. وقيل: أكلَ تمتُّع وحاجة. والإرادة إما بمعناها الظاهر، أو بمعنى المحبة، أي: نحبُّ ذلك. والكلامُ - كما قيل - تمهيد عذر وبيان لِمَا دعاهم إلى السؤال، أي: لسنا نريد من السؤال إزاحةَ شبهتنا في قدرته سبحانه على تنزيلها أو في صحّة نبوَّتك حتى يقدحَ ذلك في الإيمان والتقوى، ولكن نريد .. إلخ. أو: ليس مرادُنا اقتراحَ الآيات، لكن مرادنا ما ذُكر. ﴿وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا﴾ بازدياد اليقين كما قال عطاءٌ ﴿وَنَعْلَمَ﴾ علمَ مشاهدةٍ وعيان (١) في معاني القرآن ٢٢١/٢. سُورَةُ القَائِدَة ٤٨٤ الآية : ١١٤ على ما قدَّمناه ﴿أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: أنَّه قد صدقتنا في ادِّعاء النبوَّة. وقيل: في أنَّ الله تعالى يجيب دعوتَنا. وقيل: فيما ادَّعيت مطلقاً . )﴾ عند من لم يحضرها مِن بني إسرائيل؛ ليزدادَ ﴿وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَّهِدِينَ المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينةً ويقيناً ويؤمنَ بسببها كفارُهم. أو من الشاهدين للعَين دون السامعين للخبر. وقيل: من الشَّاهدين الله تعالى بالوحدانيّة ولك بالنبوَّة. و((عليها)) متعلّق بـ ((الشاهدين)) إن جُعل اللام للتعريف، أو بمحذوف يفسِّره ((من الشاهدين)» إن جعلت موصولةً وجوَّزنا تفسيرَ ما لا يعمل للعامل. وقيل: متعلّق به. وفيه تقديمُ ما في حيِّز الصلة وحرفِ الجرِّ، وكلاهما ممنوع. ونُقل عن بعض النُّحاة جوازُ التقديم في الظرف، وعن بعضِهم جوازُه مطلقاً . وجوِّز أن يكون حالاً مِن اسم ((كان))، أي: عاكفين عليها. وقرئ: ((يُعلَمَ)) بالبناء للمفعول، و: ((تَعلم)) و(تَكون)) بالتاءُ(١). والضميرُ للقلوب. ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَهِمْ﴾ لَمَّا رأى أنَّ لهم غرضاً صحيحاً في ذلك، وأخرج الترمذيُّ في (نوادر الأصول)) وغيرُه عن سلمانَ الفارسيِّ ◌َلُبه: أنه عليه الصلاة والسلام لَمَّا رأى أنْ قد أبَوا إلَّا أن يدعوَ لهم بها، قام فألقى عنه الصوفَ ولبس الشعرَ الأسود، ثم توضأ واغتسل ودخل مصلّاه فصلّى ما شاء اللهُ تعالى، فلمّا قضى صلاته قام قائماً مستقبل القبلة، وصفَّ قدمیه حتى استویا، فألصق الکعب بالکعب وحاذی الأَصابعَ بالأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغضَّ بصره وطأطأ رأسه خشوعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعُه تسيل على خدَّيه وتَقطر من أطراف لحيته حتى ابتلَّت الأرضُ حيالَ وجهه، فلمَّا رأى ذلك، دعا اللهَ تعالى فقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾(٢). ناداه سبحانه وتعالى مرَّتين - على ما قيل - مرَّةً بوصف الألوهية الجامعةِ لجميع الكمالات، وأُخرى بوصف الرُّبوبية المنبئة عن التربية؛ إظهاراً لغاية التضرُّع ومبالغةً في الاستدعاء. (١) القراءات الشاذة ص٣٦. (٢) لم نقف عليه في المطبوع من نوادر الأصول، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٤٤ . الآية : ١١٤ ٤٨٥ سُورَةُ القَائِدَة وإنما لم يُجعل نداءً واحداً بأن يعرب ((ربَّنا)) بدلاً، أو صفة؛ لأنهم قالوا: إنَّ لفظ ((اللهم)) لا يتبع، وفيه خلافٌ لبعض النحاة. وحُذف حرفُ النداء في الأوَّل وعوِّض عنه الميم، وكذا في الثاني، إلّا أنَّ التعويض من خواصُ الاسم الجليل، أي: يا اللهُ يا ربَّنا ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةٌ﴾ أي: خِواناً عليه طعام أو سُفرة كذلك. وتقديمُ الظرف على المفعول الصريح لما مرَّ مِراراً من الاهتمام بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤشّر. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مِّنَ السَّمَاءِ﴾ متعلِّق إما بـ ((أَنْزِلْ))، أو بمحذوف وقع صفةً لـ ((مائدة))، أي: كائنةً من السماء، والمراد بها إما المحلُّ المعهود، وهو المتبادر من اللفظ، وإما جهة العلوِّ. ويؤيِّد الأولَ ما أخرجه ابنُ حميد وابنُ أبي حاتم(١) عن عمار بن ياسر: أنَّ المائدة التي نزلت كان عليها من ثمر الجنة. وكذا روي عن وهب بن منبِّه. ويؤيِّد الثاني ما روي عن سلمانَ الفارسيِّ من خبر طويل: أنَّ المائدة لَمَّا نزلت قال شمعون رأسُ الحواريِّين لعيسى عليه الصلاة والسلام: يا روحَ الله وكلمته، أَمِن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنَّة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أما آن لكم أنْ تعتبروا بما ترَون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أَخوفني عليكم أن تعاقبوا بسبب هذه الآية. فقال شمعون: لا وإلهِ إسرائيل ما أردتُ بها سوءاً يا ابنَ الصدِّيقة. فقال عيسى عليه الصلاة والسلام: ليس شيءٌ مما ترون عليها من طعام الجنة ولا من طعام الدُّنيا، إنما هو شيءٌ ابتدعه اللهُ تعالى في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة فقال له: كن، فكان في أسرعَ من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله، واحمدوا علیه ربّكم، یمدَّكم منه ویزدكم، فإنه بدیٌ قادر شاكر(٢). وقوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ صفةُ ((مائدة))، و((لنا)) خبرُ ((كان))، و((عيداً)) حالٌ من الضمير في الظرف، أو في ((تكون)) على رأي مَن يجوِّز إعمالَها في الحال. (١) في تفسيره ١٢٤٥/٤. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٢٤٦/٤-١٢٤٧، وسيرد ص ٤٨٩-٤٩٢ من هذا الجزء تتمته والكلام عليه. سُورَةُ القَائِدَة ٤٨٦ الآية : ١١٤ وجوِّز أن يكونَ ((عيداً)) الخبر، و((لنا)) حينئذ إمَّا حالٌ من الضمير في ((تكون))، أو حالٌ من ((عيداً)) لأنه صفة له قدِّمت عليه. والعيد: العائد، مشتقٌّ من العَود، ويطلق على الزمان المعهود؛ لعَوْدِهِ في كلِّ عام بالفرح والسُّرور. وعليه فلا بدَّ من تقدير مضاف، والمعنى: يكون نزولُها لنا عيداً. ويطلق على نفس السرور العائد، وحينئذٍ لا يحتاج إلى التقدير. وفي الكلام لطافةٌ لا تخفی. وذكر غيرُ واحد أنَّ العيد يقال لكلِّ ما عاد عليك في وقت، ومنه قولُ الأَعشى: إذا اعتاد قلبي من أميمةَ عيدُها (١) فواکېدي من لاعج الحبّ والھوی وهو واويٌّ كما ينبئُ عنه الاشتقاق، ولكنهم قالوا في جمعه: أعياد - وكان القياس: أعواد؛ لأن الجموع تَردُّ الأشياء إلى أصولها - كراهةَ الاشتباه كما قال ابنُ هشام بجَمْع ◌ُود. ونظّر ذلك الحريريُّ(٢) بقولهم: هو أَليطُ بقلبي منك، أي: أَلصق حبًّا به، فإنَّ أصله الواو، لكن قالوا ذلك ليفرَّق بينه وبين قولهم: هو أَلوط من فلان. ولا يخفى أنَّ هذا مخالف لما ذكره محقِّقو أهل اللغة. وعن الكسائيّ: يقال: لاط الشيءُ بقلبي يلوط ويليط، وهو أَلوط وأَليط. ثم إنهم إنَّما لم يعكسوا الأمرَ في جمع عود وعيد فيقولوا في جمع الأوَّل: أعيادٌ، وفي جمع الثاني: أعواد، مع حصول التفرقةِ أيضاً؛ اعتباراً - على ما قيل - للأخفّ في الأكثر استعمالاً، مع رعاية ظاهر المفرَد. وقرأ عبد الله: (تكن)) بالجزم(٣) على جواب الأمر. ﴿لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾ أي: لأهل زماننا ومَن يجيء بعدنا. روي أنَّه نزلت يوم الأَحد؛ فلذلك اتَّخذه النصارى عيداً. وعن ابن عباس ﴿يَا أنَّ المعنى: يأكل منها أوَّلُ الناس وآخرُهم. (١) الدر المصون ٥٠٤/٤، واللباب ٧/ ٦١٠. (٢) في درة الغواص ص ٥٢ . (٣) القراءات الشاذة ص٣٦. الآية : ١١٥ ٤٨٧ سُورَةُ القَائِدَة والجارُّ والمجرور عند بعضٍ بدلٌ من الجارِّ والمجرور، أعني ((لنا)). وقال أبو البقاء: إذا جُعل ((لنا)) خبراً أو حالاً فهو صفةٌ لـ ((عيداً))، وإن جُعل صفةً له، كان هو بدلاً من الضمير المجرورِ بإعادة الجارّ(١). وظاهره أنَّ المُبْدَلَ منه الضميرُ، لكن أُعيد الجارُّ لأنَّ البدل في قوَّة تكرار العامل، وهو تحُّمٌ؛ لأن الظاهر - كما أُشير إليه - إبدالُ المجموع من المجموع، ثم إنَّ ضمير الغائب يُبدل منه، وأما ضمير الحاضر فأجازه بعضُهَم مطلقاً، ومنعه(٢) آخرون كذلك، وفضَّل قوم فقالوا: إنْ أفاد توكيداً وإحاطة وشمولاً جاز، وإلَّ امتنع. واستظهر بعضُهم على قول الحَبر أن يكونَ ((لنا) خبراً، أي: قوتاً أو نافعةً لنا. وقرأ زيدٌ وابن محيصن والجحدريُّ: ((لأُولانا وأُخرانا))(٣) بتأنيث الأوَّل والآخِر باعتبار الأمَّة والطائفة. وكونُ المراد بالأُولى والأُخرى الدار الأولى، أي: الدنيا، والدار الأخرى، أي: الآخرة، ممَّا لا یکاد یصُ. ﴿وَءَايَةً﴾ عطف على ((عيداً))، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنٌ﴾ متعلِّق بمحذوف وقع صفةً له، أي: آيةً كائنةً منك دالَّةً على كمال قدرتك وصحَّةٍ نبؤَّتي. ﴿وَأَرْزُقْنَا﴾ أي: الشكرَ عليها، على ما حكي عن الجبّائي، أو المائدةَ على ما نُقل عن غير واحد، والمراد بها حينئذٍ - كما قيل - ما على الخِوان من الطعام، أو الأعمُّ من ذلك وهذه، ولعله الأَوْلى. تذييلٌ جارٍ مَجرى التعليل، أي: خيرُ مَن يرزق؛ لأنه ١١٤ ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ خالق الرِّزق ومعطيه بلا ملاحظة عوض. ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ مراتٍ عديدة، كما ينبئُ عن ذلك صيغةُ التفعيل. وورود الإجابة منه تعالى كذلك مع كون الدعاءِ منه عليه الصلاة والسلام بصيغة الإِفعال؛ لإظهار كمال اللَّطف والإحسان، مع ما فيه من مراعاة ما وقع في عبارة السائلين. وفي تصدير الجملةِ بكلمة التحقيق وجعلٍ خبرها اسماً تحقيقٌ للوعد، (١) الإملاء ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥. (٢) في (م): وأجازه، وهو خطأ. وانظر حاشية الشهاب ٣٠١/٣. (٣) القراءات الشاذة ص٣٦. سُؤَدَّةُ القَائِدَة ٤٨٨ الآية : ١١٥ وإيذانٌ بأنه سبحانه وتعالى مُنْجزٌ له لا محالةَ، وإشعارٌ بالاستمرار. وهذه القراءةُ لأهل المدينة والشام وعاصم، وقرأ الباقون كما قال الطبرسيُّ(١): (مُنْزِلها)) بالتخفيف(٢). وجعل الإِنزالَ والتنزيل بمعنّى واحد. ﴿فَمَنْ يَكْفُرَّ بَبْدُ﴾ أي: بعدَ تنزيلها حالَ كونه كائناً ﴿مِنْكُمْ فَإِنَّ أُعَذِّبُهُ﴾ بسبب كفرِه ذلك ﴿عَذَابًا﴾ هو اسمُ مصدر بمعنى التعذيب، كالمتاع بمعنى التمتيع. وقيل: مصدرٌ محذوف الزوائد، وانتصابُه على المصدريّة في التقديرين. وقيل: منصوب على التوسُّع والتشبيهِ بالمفعول به مبالغةً، كما ينصب الظرفُ ومعمولُ الصفةِ المشبهة كذلك. وجوَّز أبو البقاء(٣) أن يكون نصبُه على الحذف والإِيصال، والمراد: بعذاب، وهو حينئذ اسم ما يعذَّب به. ولا يخفَى أنَّ حذف الجارِّ لا يطَّرد في غير ((أنَّ) و((أن) عند عدم اللَّبس. والتنوين للتعظيم، أي: عذاباً عظيماً. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَّ أُعَذِّبُ﴾ في موضع النصبِ على أنه صفةٌ له. والهاء في موضع المفعول المطلق، كما في: ظننته زيداً قائماً. ويقوم مَقامَ العائد إلى الموصوف كما قيل. ووجّه بأنه حينئذٍ يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، فيكون في معنى النكرة الواقعة بعد النفي من حيث العمومُ، فيشمل العذابَ المتقدِّم، ويحصل الربط بالعموم. وأُورد عليه أنَّ الربط بالعموم إنَّما ذكره النحاةُ في الجملة الواقعة خبراً، فلا يقاس عليه الصفةُ. وجوِّز أن يكونَ من قبيل: ضربته ضربَ زيد، أي: عذاباً لا أعذب تعذيباً مثلَه. وعلى هذا التقدير يكون الضمير راجعاً على العذاب المقدَّم، فالربط به. وقيل: الضمير راجعٌ إلى ((مِن)) بتقدير مضافَين، أي: لا أعذِّب مثلَ عذابه. ، أي: عالَمي زمانهم، أو العالمين مطلقاً . ١١٥ ﴿أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ (١) في مجمع البيان ٧/ ٢٣٨ . (٢) التيسير ص١٠١، والنشر ٢٥٦/٢. (٣) في الإملاء ٤٩٦/٢. الآية : ١١٥ ٤٨٩ سُورَةً لقَائِدَةِ وهذا العذابُ إما في الدنيا، وقد عذِّب مَن كَفَرَ منهم بمسخهم قردةً وخنازير، وروي ذلك عن قتادة. وإمَّا في الآخرة، وإليه يشير ما أخرجه أبو الشَّيخ وغيرُه عن ابن عَمرو(١) ﴿َّ قال: إنَّ أشدَّ الناس عذاباً يوم القيامة مَن كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآلُ فرعون. ويدلُّ هذا على أنَّ المائدة نزلت وكَفَرَ البعضُ بعدُ. وأخرج ابن جَرير (٢) وغيرُه عن الحسن ومجاهدٍ: أنَّ القوم لَمَّا قيل لهم: ((فمن يكفر)» إلخ، قالوا: لا حاجة لنا بها. فلم تنزل. والجمهور على الأوَّل، وعليه المعوَّل. فقد أخرج ابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر موقوفاً ومرفوعاً - والوقف أصحُ - قال: أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، وأُمروا ألَّ يخونوا ولا يدّخروا لغد، فخانوا وادَّخروا، فمُسخوا قردةً وخنازير(٣). وكان الخبز من أرز على ما روي عن عكرمة. وروي(٤) أنَّ عيسى عليه الصلاة والسلام لَمَّا سأله قومُه ذلك فدعا، أنزل الله تعالى عليهم سُفرةً حمراءَ بين غَمامتين، غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضَّةً من السماء تَهوي إليهم، وعيسى عليه الصلاة والسلام يبكي خوفاً من الشرط الذي اتّخذ عليهم فيها، فما زال يدعو حتى استقرَّت السفرة بين يديه، والحواريُّون حوله يجدون رائحةً طيبة لم يجدوا رائحةً مثلَها قٌ، وخرَّ عيسى عليه الصلاة والسلام والحواريون سجَّداً شكراً لله تعالى، وأَقبل اليهود ينظرون إليهم، فرأوا ما يَغمُّهم ثم انصرفوا، فأقبل عيسى عليه الصلاة والسلام ومَن معه ينظرونها، فإذا هي مغطّاة بمنديل، فقال عليه الصلاة والسلام: مَن أجرؤنا على (١) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من تفسير الطبري ١٣٢/٩، والدر المنثور ٣٤٩/٢. (٢) في تفسيره ٩/ ١٣٠. (٣) تفسير الطبري ١٢٨/٩، وتفسير ابن أبي حاتم ١٢٤٥/٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٤٨/٢، وأخرجه مرفوعاً وموقوفاً أيضاً الترمذي (٣٠٦١) وقال: ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً. (٤) أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١١٣٥)، وأبو الشيخ في العظمة (١٠١٣)، وابن أبي حاتم مقطعاً ١٢٤٤/٤-١٢٥١، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول كما في تفسير القرطبي ٢٩٢/٨ من حديث سلمان ﴿ه موقوفاً. سُورَةُ اللَائِدَة ٤٩٠ الآية : ١١٥ كشفه وأوثقُنا بنفسه وأحسننا بلاءً عند ربِّه، حتى نراها ونحمدَ ربَّنا سبحانه وتعالى ونأكلَ من رزقه الذي رَزَقَنا؟ فقالوا: يا رُوح الله وكلمته، أنت أولى بذلك. فقام واستأنف وضوءاً جديداً، ثم دخل مصلَّاه فصلى ركعات، ثم بكى طويلاً ودعا الله تعالى أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعلَ له ولقومه فيها بركة ورزقاً، ثم انصرف وجلس حول السُّفرة وتناول المنديل وقال: بسم الله خيرِ الرازقين. وكشف عنها، فإذا عليها سمكة ضخمة مشويَّة ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها، قد نُضد حولها بقولٌ من كلِّ صنف غير الكُرَّاث، وعند رأسها خلٍّ، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسةُ أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخَر تَمرات، وعلى الآخر خمس رمَّانات. وفي رواية (١): على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جُبن، وعلى الخامس قَديد، فسأله شمعون عنها وأجابه بما تقدَّمت روايته. ثم قالوا له عليه الصلاة والسلام: إنما نحبُّ أن تريَنا آيةً في هذه الآية، فقال عليه السلام: سبحان الله تعالى، أما اكتفيتم؟ ثم قال: يا سمكة، عودي بإذن الله حيةً كما كنت. فأحياها اللهُ تعالى بقدرته، فاضطربت وعادت حيَّة طريَّةً تَلمَّظ كما يتلمَّظ(٢) الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسير، ففزع القومُ منها وانحاشوا، فقال عليه الصلاة والسلام لهم: ما لكم تسألون الآيةَ فإذا أَراكموها ربُّكم كرهتموها؟ ما أَخوفني عليكم بما تصنعون، يا سمكة، عودي بإذن الله تعالى كما كنت مشويةً. ثم دعاهم إلى الأكل، فقالوا: يا روحَ الله، أنت الذي تبدأ بذلك. فقال: معاذَ الله تعالى، يبدأ من طلبها. فلمَّا رأوا امتناعَ نبيِّهم عليه الصلاة والسلام خافوا أن يكونَ نزولها سخطةً، وفي أكلها مُثْلةً(٣)، فتحامَوها، فدعا عليه الصلاة والسلام لها الفقراءَ والزَّمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيِّكم، واحمَدوا الله تعالى الذي أنزلها لكم، ليكون مَهنؤها لكم، وعقوبتُها على (١) ذكرها عن سلمان الثعلبيُّ في عرائس المجالس ص ٤٠١. (٢) لمظ وتلمظ: إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه وأخرج لسانه فمسح به شفتيه. الصحاح (لمظ). (٣) أي: عقوبة. الصحاح (مثل). الآية : ١١٥ ٤٩١ سُورَةُ القَائِدَة غيركم، وافتتحِوا أَكْلَكم (١) باسم الله، واختتموا بحمد الله. ففعلوا، فأكل منها ألفٌ وثلاثُ مئة إنسانٍ بين رجلٍ وامرأة، وصدروا منها وكلُّ واحد منهم شبعانُ يتجشَى، ونظر عيسى عليه السلام والحواريون ما عليها، فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينتقص منه شيءٌ، ثم إنها رُفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كلُّ فقير أكل منها، وبَرئ كلُّ زَمِن منهم أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صِحاحاً حتى خرجوا من الدنيا، وندم الحواريُّون وأصحابهم الذين أبَوا أن يأكلوا منها ندامةً سالت منها أَشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم. وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كلِّ مكان يسعون، فزاحم بعضهم بعضاً، الأغنياء والفقراء، والنساء، والصِّغار والكبار، والأصحّاء والمرضى، يركب بعضهم بعضاً، فلما رأى عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك جعلها نُوَباً بينهم، فكانت تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، فلبثوا في ذلك أربعين يوماً تنزل عليهم غبًّا عند ارتفاع الضحى، فلا تزال موضوعةً يؤكل منها، حتى إذا قالوا، ارتفعت عنهم بإذن الله تعالى إلى جوِّ السماء وهم ينظرون إلى ظلِّها في الأرض حتى توارى عنهم، فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: أن اجعل رزقي لليتامى والمساكينٍ والزمنَى دون الأغنياء من الناس. فلمَّا فعل الله تعالى ذلك، ارتاب بها الأَغنياء، وغَمِصوا(٢) ذلك حتى شُوا فيها في أنفسهم وشكّكوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيحَ والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وسواسه في قلوب المرتابين، فلمَّا علم عيسى عليه السلام ذلك منهم، قال: هلكتم وإلهِ المسيح، سألتم نبيّكم أن يطلب المائدة لكم إلى ربِّكم، فلما فعل وأَنزلها عليكم رحمة ورزقاً وأراكم فيها الآياتِ والعِبَرَ، كذَّبتم بها وشككتم فيها، فَأَبشِروا بالعذاب، فإنَّه نازل بكم إلّا أن يرحمكم الله تعالى. وأَوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: إني آخِذُ المكذِّبين بشرطي، وإني معذِّبٌ منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذاباً لا أعذِّبه أحداً من العالَمين. فلما أمسى المرتابون وأخذوا مضاجعَهم في أحسن صورةٍ مع نسائهم (١) في (م): كلكم. (٢) غمص النعمة: لم يشكرها. الصحاح (غمص). سُورَةُ لعَائِدَة ٤٩٢ الآية : ١١٦ آمنين وكان آخر الليل، مسخهم الله تعالى خنازيرَ، وأصبحوا يتبعون الأقذارَ في الكُناسات(١). وأخرج أبو الشَّيخ(٢) عن ابن عباس ◌َّ: أنَّ عيسى عليه الصلاة والسلام قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا ثلاثين يوماً ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؛ فإنَّ أجر العامل على من عَمل له. ففعلوا ثم قالوا: يا معلِّمَ الخير، قلت لنا: إنَّ أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصومَ ثلاثين يوماً، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلَّ أطعمنا، فـ (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآبِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) إلى قوله تعالى: (أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ) فأَقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعةُ أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخِرُ الناس كما أكل أوَّلهم. وجاء عنه: أنَّ المائدة كانت تنزل عليهم حيث نزلوا. وعن وهب بن منبِّه: أنَّ المائدة كان يقعد عليها أربعةُ آلاف، فإذا أكلوا شيئاً أبدل الله تعالى مكانَه مثلَه، فلبثوا بذلك ما شاء الله عزَّ وجلَّ. ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على ((إذا قال الحواريون)) منصوبٌ بما نصبه من الفعل المضمَر، أو بمضمر مستقلٌّ معطوفٍ على ذلك. وصيغة الماضي لِما مضى، والمراد: يقول له عليه الصلاة والسلام: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ يومَ القيامة توبيخاً للكفرة وتبكيتاً لهم بإقراره عليه الصلاة والسلام على رؤوس الأشهاد بالعبوديّة وأمرِهم بعبادته عزَّ وجلَّ. وقيل: قالَهُ سبحانه له عليه الصلاة والسلام في الدنيا، وكان ذلك بعد الغروب، فصلَّى عليه الصلاة والسلام المغرب ثلاث ركعاتٍ شكراً لله تعالى حین خاطبه بذلك، وكأنَّ الأُولى لنفي الأُلوهيةِ عن نفسه، والثانية لنفيها عن أمِّه، والثالثة الإِثباتها لله عزَّ وجلَّ. فهو عليه الصلاة والسلام أوَّلُ من صلَّى المغرب. (١) قال القرطبي: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده. وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا أثر غريب جدًّا، قطعه ابن أبي حاتم .. وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتمّ وأكمل. (٢) كما في الدر المنثور ٣٤٨/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ١٢١/٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٢٤٤. الآية : ١١٦ ٤٩٣ سُورَةُ لقَائِدَة ولا يخفى أن ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الآيات يأبى ذلك، ولا يصحُ أيضاً خبرٌ فيه. ثم إنه ليس مدارُ أصل الكلام عند بعض المحقّقين(١) أن القول متيقَّنٌ والاستفهامَ لتعيين القائل، كما هو المتبادر من إيلاء الهمزةِ المبتدأَ على الاستعمال المشهور، وعليه قولُه تعالى: ﴿وَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا﴾ [الأنبياء: ٦٢] ونحوُه، بل على أن المتيقّن هو الاتِّخاذ، والاستفهام لتعيين أنه بأمره عليه الصلاة والسلام، أو أمرٍ من تلقاء أنفسهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاءِ أَمّ هُمْ ضَلُواْ السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧]. وقال بعض: لَمَّا كان القول قد وقع من رؤسائهم في الضلال، كان مقرَّراً كالاتِّخاذ، فالاستفهامُ لتعيين من صدر منه؛ فلذا قدّم المسنَد إليه. وقيل: التقديم لتقوية النسبة؛ لأنها بعيدةٌ عن القبول بحيث لا تتوجَّه نفسُ السامع إلى أنَّ المقصود ظاهرُها حتى يجيبَ على طِبْقه، فاحتاجت إلى التقوية حتى يتوجّه إليها المستفهم عنها. وفيه كمالُ توبيخ الكَفَرة بنسبة هذا القول إليه. وفي قوله تعالى: (التَّخِذُونِ وَأُنِىَ) دون: اتخذوني ومريمَ، توبيخٌ على توبيخ، كأنه قيل: أأنت قلت ما قلتَ مع كونك مولوداً وأمك والدة، والإلهُ لا يلد ولا يولَد. وأنت تعلم أنَّ في ندائه عليه الصلاة والسلام على الكيفية المذكورة إِشارةٌ إلى إيطال ذلك الانِّخاذ. ولامُ ((للناس)) للتبليغ، والاتخاذ إما متعدٍّ لاثنين، فالياء مفعوله الأوّل، و ((إلهين)) مفعوله الثاني، وإما متعدٍّ لواحد، ((فإلهين)) حال من المفعول، و((من دون الله)) حال من فاعل الاتِّخاذ، أي: متجاوزِينَ اللهَ تعالى، أو صفةٌ لـ ((إلهين))، أي: كائنين من دون الله تعالى، أي: غيره منضمًا إليه سبحانه، فالله تعالى إله، وهما بزعم الكّفرة إلهان، فالمراد اتخاذُهما بطريق اشتراكهما معه عزَّ وجلَّ. وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَِّ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَنَوَّلاَءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللّهِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] وأيِّد ذلك بأنَّ التوبيخ والتبكيت إنما يتأَتَّى بذلك. (١) هو أبو السعود في تفسيره ٣/ ١٠٠. سُوَرَُّ اللَائِدَة ٤٩٤ الآية : ١١٦ وقال الراغب: إنَّ ظاهر ذلك القولِ استقلالُهما عليهما الصلاة والسلام بالألوهية، وعدمُ اتخاذ اللهِ سبحانه وتعالى معهما إلهاً، ولا بدَّ من تأويل ذلك، لأن القوم ثلَّثوا والعياذُ بالله تعالى، فإمّا أن يقال: إنَّ من أشرك مع الله سبحانه غيرَه فقد نفاه معنّى؛ لأنه جلَّ شأنه وحده لا شريكَ له، ويكون إقرارُه بالله تعالی کَلَا إقرار، وحينئذٍ يكون ((من دون الله)) مجازاً عن: مع الله تعالى، أو يقال: إنَّ المراد: بـ ((من دون الله)) التوسُّطُ بينهما وبينه عزَّ شأنه، فيكون الدُّون إشارةً لقصور مرتبتهما عن مرتبته جلَّ جلالُه؛ لأنهم قالوا: هو - عزَّ اسمه - كالشَّمس وهما كشعاعها . وزعم بعضهم أنَّ المراد اتخاذُهما بطريق الاستقلال، ووجهه أنَّ النصارى يعتقدون أنَّ المعجزات التي ظهرت على يدي عيسى وأمِّه عليهما الصلاة والسلام لم يخلقْها الله تعالى، بل هما خلقاها، فصحَّ أنهم اتخذوهما في حقِّ بعض الأشياء إلهين مستقلَّين، ولم يتخذوه إلهاً في حقِّ ذلك البعض. ولا يخفى أنَّ الأوَّل كالمتعيّن، وإليه أشار العلامة، ونصَّ على اختياره شيخُ الإسلام(١). واستُشكلت الآية بأنه لا يُعلم أنَّ أحداً من النصارى اتخذ مريمَ عليها السلام إلهاً، وأجيب عنه بأجوبة : الأول: أنهم لَمَّا جعلوا عيسى عليه الصلاة والسلام إلهاً، لَزمهم أن يجعلوا والدته أيضاً كذلك؛ لأنَّ الولد من جنس من يلده، فذكر ((إلهين)) على طريق الإلزام لهم. والثاني: أنهم لَمَّا عَّموها تعظيمَ الإله، أُطلق عليها اسمُ الإله، كما أطلق اسمُ الربِّ على الأَحبار والرهبان في قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذُوَاْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] لِمَا أنهم عظّموهم تعظيمَ الرَّبِّ. والتثنية حينئذٍ على حدٍّ: القلم أحد اللسانَين. والثالث: أنه يحتمل أن يكونَ فيهم من قال بذلك. ويعضد هذا القولَ ما حكاه أبو جعفرٍ الإماميُّ عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قومٌ يقال لهم: المَرْيَميَّة، يعتقدون في مريم أنَّها إله. وهذا كما كان في اليهود قومٌ يعتقدون أنَّ (١) في إرشاد العقل السليم ٣/ ١٠٠ . الآية : ١١٦ ٤٩٥ سُورَةُ القَائِدَة عُزَيراً ابن الله عزَّ اسمه. وهو أَولى الأَوْجُهِ عندي. وما قرَّره الزاعم من أنَّ النصارى يعتقدون .. إلخ غيرُ مسلَّم في نصارى زماننا، ولم ينقله أحدٌ ممن يوثق به عنهم أصلاً. وإظهار الاسم الجليل؛ لكونه في حيِّز القول المسنَد إلى عيسى عليه الصلاة والسلام. ﴿قَالَ﴾ استئناف مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من صدر الكلام، وهو ظاهر. وفي بعض الآثار: أنه عليه الصلاة والسلام حين يقول له الربُّ عزَّ وجلَّ ما يقول، ترتعد مفاصله وينفجر من أصل كلِّ شعرة من جسده عينٌ من دم خيفةً من ربِّه جلَّت عظمته. وفي بعضها: أنه عليه الصلاة والسلام يرتعد خوفاً ولا يُفتح له باب الجواب خمسَ مئة عام، ثم يلهمه الله تعالى الجوابَ بعد، فيقول: ﴿سُبْحَنَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك من أن أقولَ ذلك، أو يقالَ في حقِّك، كما قدَّره ابن عطية (١). وقدَّره بعضهم: من أن يكونَ لك شريك، فضلاً من أن يُتَّخذ إلهان دونَك. وآخرون: من أن تبعث رسولاً يدَّعي أُلوهيةَ غيرك، ويدعو إليها ويكفر بنعمتك. والأوَّل أوفقُ بسياق النَّظم الكريم. و (سبحان)) على سائر التقادير ــ على أحد الأقوال فيه وقد تقدَّمت - عَلَمٌ للتسبيح، وانتصابُه على المصدرية، ولا يكاد يُذكر ناصبه. وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاقُ من السَّبح، وهو الإبعاد في الأرض والذهاب، ومن جهة النقلِ إلى صيغة التفعيل، والعدولِ عن المصدر إلى الاسم الموضوعِ له خاصّة المشيرِ إلى الحقيقة الحاضرة الذُّهن، وإقامته مُقامَ المصدر مع الفعل = ما لا يخفى. وقوله سبحانه: ﴿مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَّ﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ للتنزيه ومبيِّن للمنَزَّه عنه. و ((ما)) الثانيةُ سواءٌ كانت موصولةً أو نكرة موصوفة مفعولُ ((أقول))، والمراد بها على التقديرين القولُ المذكور، أو ما يعمُّه وغيرَه، ويدخل فيه القولُ المذكور (١) في المحرر الوجيز ٢٦٢/٢. سُورَقُ لْقَائِدَة ٤٩٦ الآية : ١١٦ دخولاً أوليًّا، ونصبُ القول للمفرَدات نحو الجملةِ والكلام والشِّعر مما لا شكَّ في صحته، كنصبه الجملَ الصريحة، فلا حاجة إلى تفسير ((أقول)) بـ: أذكر، كما يتوَّهم. واسمُ ((ليس)) ضميرٌ عائد إلى ((ما))، و((بحق)) خبره، والجارُّ والمجرور فيما بينهما للتبيين، فيتعلَّق بمحذوف، كما في: سقياً لك. وإيثار ((ليس)) على الفعل المنفيِّ - على ما يحقُّ لي - لظهور دلالته على استمرار انتفاء الحقِّيَّة، وإفادةِ التأكيد بما في خبره من الباء المطَّرد زيادتُها في خبر ((ليس)). ومعنى ((ما يكون لي)) أي: لا ينبغي ولا يليق، وهو أبلغٍ مِن: لم أقله؛ فلذا أُوثر عليه. والمراد: لا ينبغي أن أقولَ قولاً لا يحقُّ لي قولُه أصلاً في وقتٍ من الأوقات. وجوَّز أبو البقاء(١) أن يكونَ ((لي)) خبرَ ليس، و((بحق)) في موضع الحال من الضمير في الجارِّ، والعاملُ فيه ما فيه من معنى الاستقرار. وأن يكون متعلِّقاً بفعل محذوف على أنه مفعول له، والباء للسببيَّة، أي: ما ليس يثبت لي بسبب حقّ. وأن يكون خبرَ ((ليس))، و((لي)) صفة ((حقِّ)) قدِّم عليه فصار حالاً، وهذا مخرَّج على رأي من أجاز تقديمَ حال المجرورِ علیه. وقيل: إنَّ (لي)) متعلق بـ ((حق)) وهو الخبر. وهو أيضاً مبنيٌّ على قول بعض التُّحاة المجوِّز تقديمَ صلة المجرور على الجارّ. والجمهورُ على عدم الجواز، ولا فرق عندهم في المنع بين أن يكون الجارُّ زائداً أو غيرَه. وقوله عزَّ وجلّ: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ استدلالٌ على براءته من صدور القول المذكور عنه؛ فإن صدوره عنه مستلزمٌ لعلمه به تعالى قطعاً، والعلم به منتفٍ، فينتفي الصدور ضرورةً أنَّ انتفاء اللازم مستلزمٌ لانتفاء الملزوم. واستُشكلت هذه الجملةُ بأن المعنى على المضيِّ هنا، و((إن)) تقلب الماضيّ مستقبلاً. وأجاب عن ذلك المبرِّد بأنَّ ((كان)) قويةُ الدلالة على المضي، حتى قيل: إنها موضوعةٌ له فقط دون الحدث، وجعلوه وجهاً لكونها ناقصة، فلا تَقدِر ((إن)) على تحويلها إلى الاستقبال. (١) في الإملاء ٤٩٨/٢. الآية : ١١٦ ٤٩٧ سُورَةٌ لقائِدَة وأجاب ابن السرَّاج (١) بأنَّ التقدير: إنْ أَقلْ كنت قلته .. إلخ، وكذا يقال فيما كان من أمثال ذلك، وقد نَقَل ذلك عنه(٢) ابنُ يعيش، وضعَّفه ابن هشام في ((تذكرته))، والجمهور على أنَّ المعنى: إن صحَّ قولي ودعواي ذلك، فقد تبيَّن عِلْمُك به. ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى﴾ استئناف جارٍ مَجرى التعليل لما قبله، فقوله جلَّ شأنه: ﴿وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكْ﴾ بيانٌ للواقع وإظهارٌ لقصوره عليه السلام. وللنفس في كلامهم إطلاقات، فتُطلق على ذات الشيء وحقيقتِهِ، وعلى الرُّوح، وعلى القلب، وعلى الدَّم، وعلى الإرادة. قيل: وعلى العين التي تصيب، وعلى الغيب، وعلى العقوبة. ويُفهم من كلام البعض أنها حقيقةٌ في الإطلاق الأوَّل مجازٌ فيما عداه. وفسَّر غيرُ واحد النفس هنا بالقلب، والمراد: تَعلم معلومي الذي أُخفيه في قلبي فكيف بما أُعلنه؟ ولا أعلم معلومَك الذي تخفيه. وسلك في ذلك مسلكَ المشاکلة، كما في قوله: قالوا اقترح شيئاً نُجِد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبّةً وقميصا(٣) إلَّا أنَّ ما في الآية كلا اللفظين وقع في كلامٍ شخص واحد، وما في البيت لیس کذلك. وفي ((الدُّرّ المصون))(٤): أنَّ هذا التفسيرَ مرويٌّ عن ابن عباس ﴿ًا. وحكاه عنه أيضاً في ((مَجمع البيان))(٥). وفسَّرها بعضهم بالذات، وادَّعى أنَّ نسبتها بهذا المعنى إلى الله تعالى لا تحتاج إلى القول بالمشاكلة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] ﴿وَأَصْطَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [طه: ٤١] ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨] (١) في الأصول في النحو ١٩٠/٢ - ١٩١. (٢) في (م): عثمان. (٣) سلف ص ٢٩٤ من هذا الجزء. (٤) ٤ / ٥١٤. (٥) ٢٤٧/٧. سُوَّةُ القَائِدَة ٤٩٨ الآية : ١١٦ وقولُهُ وَطيِ: ((أَقسم ربِّي على نفسه ألَّ يشرب عبدٌ خمراً ولم يتب إلى الله تعالى منه إلَّا سقاه من طينة الخَبال))(١) وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((ليس أحد أحبَّ إليه المدحُ من الله عزَّ وجلَّ، ولأجل ذلك مدح نفسه))(٢)، وقولُهُ وَّهِ: ((سبحانَ الله عددَ خلقه ورضا نفسِه))(٣) إلى غير ذلك من الأخبار. وقال المحقّق الشريف في ((شرح المفتاح)) وغيره: إنَّ لفظ النفس لا يُطلق عليه تعالى وإن أُريد به الذات إلَّا مشاكلة. وليس بشيء؛ لِمَا علمتَ من الآيات والأحاديث، وادِّعاءُ أن ما فيها مشاكلةٌ تقديرية، كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿سِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ﴾ [البقرة: ١٣٨] لا يخفى أنه من سَقَط المتاع، فالصحيح المعوَّل عليه جوازُ إطلاقها بمعنى الذَّات على الله تعالى من غير مشاكلة. نعم قيل: إنَّ لفظ النفس في هذه الآية وإن كان بمعنى الذات، لا بدَّ معه من اعتبار المشاكلة؛ لأن: لا أَعلم ما في ذاتك، ليس بكلام مرضيٍّ، فيحتاج إلى حمله على المشاكلة بأن يكون المراد: لا أَعلم معلوماتِك، فعبَّر عنه بـ ((لا أعلم ما في نفسك)) لوقوع التعبير عن: تعلم معلومي بـ: ((تعلم ما في نفسي)). وعلى ذلك حمل العلّامةُ الثاني كلامَ صاحب ((الكشّاف))(٤)، ولا يخفى ما فيه. والتحقيق أنَّ الآية من المشاكلة، إلَّا أنها ليست في إطلاق النفس، بل في لفظ (في)) فإنَّ مفادها بالنظر إلى ما في نفس عيسى عليه السلام الارتسامُ والانتقاش، ولا يمكن ذلك نظراً إلى الله تعالى. وإلى هذا يشير كلامُ بعض المحقّقين، ومنه يعلم ما في كتب الأُصول من الخَبط في هذا المقام. (١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج مسلم (٢٠٠٢) من حديث جابر ظه - مطولاً - عن النبي ◌َّ* قال: ((كل مسكر حرام، إن على الله عز وجل عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)) قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: ((عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار)) وهو عند أحمد (١٤٨٨٠). (٢) أخرجه البخاري (٤٦٣٤) ومسلم (٢٧٦٠) من حديث عبد الله بن مسعود حظات. وهو عند أحمد (٣٦١٦). (٣) قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم (٢٧٢٦) عن جويرية ﴿نا. وهو عند أحمد (٢٧٤٢١). (٤) ١/ ٦٥٥، وفيه: ((في نفسي)): في قلبي، والمعنى: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة، وهو من فصيح الكلام. الآية : ١١٧ ٤٩٩ سُورَةُ القَائِدَة وقال الراغب: يجوز أن يكونَ القصد إلى نفي النفس عنه تعالى، فكأنه قال: تعلم ما في نفسي ولا نفسَ لك فأعلمَ ما فيها، كقول الشاعر: ولا تَرَى الضبَّ بها يَنْجَحِرْ (١) وهو على بُعْدِه مما لا يُحتاج إليه. ومثلُه ما ذكره بعضُ الفضلاء من أن النفس الثانية هي نفسُ عيسى عليه السلام أيضاً، وإنَّما أضافها إلى ضمير الله تعالى باعتبار كونِها مخلوقةً له سبحانه، كأنه قال: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما فيها. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَُّمُ الْغُيُوبِ ﴾﴾ تقريرٌ لمضمون الجملتين منطوقاً ومفهوماً؛ لِما فيه من الحصر، ومدلولُه الإثبات، فيقرِّر ((تعلم ما في نفسي))؛ لأن ما انطوت عليه النفوسُ من جملة الغيوب، ويلزمه النفي، فيقرِّر ((لا أعلم ما في نفسك)) لأنه غيب أيضاً، ومدلول النفي أنَّه لا يعلم الغيبَ غيرُه تعالى شأنُه. وقوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمْتَنِ بِهِ﴾ استئنافٌ - كما قال شيخ الإِسلام(٢) - مَسوق لبيان ما صدر عنه عليه السلام قد أدرج فيه عدم صدور القول المذكورِ عنه على أبلغ وجهٍ وآكدِه، حيث حكم بانتفاء صدور جميع الأقوال المغايرة للمأمور به، فدخل فيه انتفاءُ صدور القول المذكورِ دخولاً أوليًّا. والمراد عند البعض: ما أمرتُهم إلَّا بما أمرتني به، إلا أنه قيل: ((ما قلت لهم)) نزولاً على قضيّة حسن الأدب، لئلا يجعلَ ربَّه سبحانه ونفسَه معاً آمِرَين، ومراعاةً لما ورد في الاستفهام، ودلَّ على ذلك بإقحام ((أَنْ)) المفسِّرة في قوله تعالى: ﴿أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍِ وَرَبَّكُمْ﴾ ولا يَرِد عليه أنَّ الأمر لا يتعدَّى بنفسه إلى المأمور به إلا قليلاً، كقوله: أَمَرْتُكَ الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ به (٣) فكذا ما أوِّل به؛ لأنه - كما قال ابن هشام - لا يلزم من تأويل شيءٍ بشيء أن يتعدَّى تعديته كما صرَّحوا به؛ لأنَّ التعدية تنظر إلى اللفظ. (١) تقدم ٥/ ٥٥ . (٢) في تفسيره ١٠١/٣ . (٣) وعجزه: فقد تركتك ذا مال وذا نَشَبٍ، وقد عزاه سيبويه في كتابه ١/ ٣٧ لعمرو بن معد یکرب الزبيدي. وذكر البغدادي في الخزانة ١/ ٣٤٢ خلافاً في نسبة البيت، فانظره ثمة. سُورَةُ للَائِدَة ٥٠٠ الآية : ١١٧ نعم، قيل: في جعل ((أن)) مفسِّرةً لفعل(١) الأمر المذكورِ صلتُه نحو: أَمرتك بهذا أنْ قُم، نظرٌ، أما في طريق القياس؛ فلأنَّ أحدهما مغنٍ عن الآخر، وأمَّا في الاستعمال؛ فلأنه لم يوجد. ونُظر فيما ذكر في طريق القياس؛ لأن الأوَّل لا يغني عن الثاني، والثاني لا يغني عن الأوَّل، وللتفسير بعد الإِبهام شأنٌ ظاهر. وادَّعى ابن المنير (٢) أنَّ تأويل هذا القولِ بالأمر كلفةٌ لا طائلَ وراءها. وفيه نظر. وجوِّز إبقاءُ القول على معناه، و((أن اعبدوا)) إمَّا خبر لمضمَر، أي: هو أن اعبدوا، أو منصوب بـ : أعني، مقدَّراً. وقيل: عطفُ بيان للضمير في ((به)). واعتُرض بأنه صرَّح في ((المغني))(٣) بأنَّ عطف البيان في الجوامد بمنزلة النعت في المشتقَّات، فكما أنَّ الضمير لا ينعت، لا يُعطف عليه عطفَ بیان. وأُجيب بأن ذلك من المختلف فيه، وكثيرٌ من النُّحاة جوَّزوه. وما في ((المغني)) قد أشار شرَّاحه إلى ردِّه. وقيل: بدل من الضمير بدلَ كلٍّ من كلٌّ. وردَّه الزمخشريُّ في ((الكشاف))(٤) بأنَّ المبدَل منه في حكم التَّنحية والطرحِ، فيلزم خلوُّ الصلة من العائد بطرحه. وأُجيب بأنَّ المذهب المنصورَ أنَّ المبدل منه ليس في حكم الطرح مطلقاً، بل قد يُعتبر طرحُه في بعض الأَحكام، كما إذا وقع مبتدأً، فإنَّ الخبر للبدل، نحو: زيد عینُه حسنة، ولا يقال: حسن. وقد يقال أيضاً: إنه لیس کلُّ مبدل منه كذلك، بل ذلك مخصوصٌ فيما إذا كان البدل بدلَ غلط. وأجاب بعضهم بأنه وإن لزم خلوُّ الصلة من العائد بالطرح، لكنْ لا ضير فيه؛ لأنَّ الاسم الظاهر يقوم مقامه، كما في قوله: (١) في (م): بفعل، وهو خطأ . (٢) في الانتصاف ١/ ٦٥٧ . (٣) ص٤٩. (٤) ١/ ٦٥٦ .