Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ٦٠ ٢٨١ سُورَّةُ القَائِدَة أي: هل أنبئكم لطلبٍ مثوبةٍ عند الله تعالى في هذا الإنباء، ويحتمل أن يصير سببَ مخافتكم ويُفْضي إلى هدايتكم. وعليه فالمثوبةُ في المتعارَفِ من استعمالها، وهو وإنْ كان له وجهٌ لكنه خلافُ الظاهر. وقرئ: (مَثْوَبةً)) بسكون الثاء وفتح الواو (١)، ومثلُها: مَشُورة ومَشْوَرَة، خلافاً للحريريِّ في إيجابه مَشُورة كمعُونة(٢). وقوله سبحانه: ﴿مَن لَّعَنَّهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ بتقدير مضافٍ قبله مناسبٍ لِمَا أُشيرَ إليه بـ ((ذلك))، أي: دينُ مَن لعنه الله .. إلخ، أو بتقدير مضافٍ قبل اسم الإشارة مناسبٍ لـ ((مَن))، أي: بشرِّ من أهلِ ذلك. والجملةُ على التقديرين استئنافٌ وقع جواباً لسؤالٍ نشأ من الجملة الاستفهامية - كما قال الزجَّاج(٣) - إمَّا على حالها، أو باعتبارِ التقدير فيها، فكأنه قيل: ما الذي هو شرٌّ من ذلك؟ فقيل: هو دينُ مَن لَعَنَه .. إلخ. أو: مَن الذي هو شرٌّ من أهلِ ذلك؟ فقيل: هو مَن لَعَنَه الله .. إلخ. وجوِّز - ولا ينبغي أن يجوز عند التأمُّل - أن يكون بدلاً من ((شر))، ولا بدَّ من تقديرٍ مضافٍ أيضاً على نحو ما سبق آنفاً، والاحتياجُ إليه هاهنا لَيَخْرُجَ من كونه بدلَ غلطٍ، وهو لا يقع في فصيح الكلام، وأما في الوجه الأول فَأَظْهَرُ من أن يخفى، وإذا جُعل ((ذلك)) إشارةً إلى الأشخاص لم يَحْتَج الكلامُ إلى ذلك التقدير كما هو ظاهرٌ. ووضع الاسم الجليل موضعَ الضمير لتربية المهابة، وإدخالِ الروعة، وتهويلِ أمرٍ اللَّعْنِ وما تَبِعَه. والموصولُ عبارةٌ عن أهل الكتاب حيث أبعدهم الله تعالى عن رحمته، وسَخِطّ عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوحِ الآيات وسطوعِ البينات. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَاَلْخَزِيرَ﴾ أي: مَسَخَ بعضَهم قردةً - وهم أصحابُ السبت - وبعضَهم خنازير، وهم كفارُ مائدةٍ عيسى عليه الصلاة والسلام. (١) القراءات الشاذة ص٣٣، والمحتسب ٢١٣/١. (٢) درة الغوّاص ص٢٨ . (٣) في معاني القرآن ١٨٧/٢. ـرَةُ القَائِدَة ٢٨٢ الآية : ٦٠ وعن ابن عباس ﴿ّ: أنَّ المسخَيْنِ كانا في أصحاب السبت، مسِخَتْ شُبَّانُهم قردةً، وشيوخُهم خنازيرَ. وضمير ((منهم)) راجعٌ إلى ((مَن)) باعتبارِ معناه، كما أنَّ الضميرين الأوَّلينِ له باعتبار لفظه، وكذا الضمير في قوله سبحانه: ﴿وَعَبَدَ اٌلَّغُونَ﴾ فإنه عطفٌ على صلةٍ (مَن)) كما قال الزجَّاج(١). وزعم الفرَّاء أنَّ في الكلام موصولاً محذوفاً، أي: ومَن عَبَدَ، وهو معطوفٌ على منصوبٍ ((جعل))، أي: وجَعَلَ منهم مَن عَبَدَ .. إلخ(٢)، ولا يَخْفَى أنه لا يَصِحُ(٣) إلا عند الكوفيين. والمرادُ بالطاغوت عند الجبائيّ: العجلُ الذي عبده اليهود. وعن ابن عباس . والحسن: أنه الشيطان. وقيل: الكَهَنةُ وكلُّ مَن أطاعوه في معصية الله تعالى. والعبادةُ فيما عدا القول الأول مجازٌ عن الإطاعة. قال شيخ الإسلام(٤): وتقديمُ أوصافهم المذكورةِ بصددٍ إثباتِ شرِّيَّةِ دينهم على وَصْفِهم هذا - مع أنه الأصلُ المُسْتَتْبعُ لها في الوجود، وأنَّ دلالته على شرِّيته بالذات لأنَّ عبادة الطاغوت عينُ دينهم البيِّنِ البطلان، ودلالتُها عليها(٥) بطريقٍ الاستدلال بشرِّيةِ الآثار على شرِّيَّةِ ما يوجبها من الاعتقادِ والعملِ - إمَّا للقصد إلى تبكيتهم من أول الأمر بوَصْفِهم بما لا سبيل لهم إلى الجحود لا بشرِّيَّتِهِ وفظاعتِه ولا باتِّصافِهم به، وإما للإيذان باستقلال كلٍّ من المقدَّم والمؤخّر بالدلالة على ما ذكر من الشرِّية، ولو رُوعيَ ترتيبُ الوجود وقيل: مَن عَبَدَ الطاغوتَ وَلَعَنَه الله وغضب عليه .. إلخ، لربما فُهِمَ أنَّ عِلْيَّةَ الشّرِّيَّةِ هو المجموع. انتهى. وأنت تعلم أنَّ كون هذا الوصفِ أصلاً غيرُ ظاهرٍ على ما ذهب إليه الجبائيُّ، وأنَّ كونَ الاتِّصافِ باللعن والغضب مما لا سبيل لهم إلى الجحود به في حيِّز المنع، (١) ذكره عنه الطبرسي في مجمع البيان ١٣٨/٦، ولم نقف عليه في معاني القرآن له. (٢) معاني القرآن للفراء ٣١٤/١. (٣) في (م): يصلح. (٤) في تفسيره ٣/ ٥٥ . (٥) يعني دلالة الأوصاف المذكورة على شرِّية دينهم. الآية : ٦٠ ٢٨٣ سُوَّةُ القَائِدَة كيف وهم يقولون: ﴿فَحْنُ أَبْنَوْاْ اللَّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾ [المائدة: ١٨] إلا أنْ يقال: إنَّ الآثار المترتِّةَ على ذلك الدالّةَ عليه في غاية الظهورِ بحيث يكون إنكارُ مدلولها مكابرةً. وقيل: قدَّم وصفي اللعنِ والغضب لأنهما صريحان في أنَّ القوم منقومون، ومُشيران إلى أنَّ ذلك الأمر عظيم، وعقَّبهما بالجعل المذكور ليكون كالاستدلال على ذلك، وأردفه بعبادة الطاغوت الدالَّةِ على شرِّيِةٍ دينهم أتمّ دلالةٍ لتتمكَّن(١) في الذهن أتمَّ تمكُّنٍ لتقدُّم ما يشير إليها إجمالاً . وهذا أيضاً غيرُ ظاهر على مذهب الجبائيّ، ولعل رعايته غيرُ لازمةٍ لانحطاط درجته في هذا المقام، والظاهرُ من عبارة شيخ الإسلام(٢) أنه بنى كلامه على هذا المذهب، حيث قال بعدما قال: والمراد من الطاغوت العجلُ، وقيل: الكهنةُ وكلُّ مَن أطاعوه في معصية الله تعالى، فيعمُّ الحكمُ دينَ النصارى أيضاً، ويتَّضحُ وجهُ تأخيرِ عبادته عن العقوبات المذكورة؛ إذ لو قدِّمت عليها لتُوهِّم (٣) اشتراكُ الفريقين في تلك العقوبات. انتهى، فتدبّر حقه. وفي الآية - كما قال جمعٌ - عدَّةُ قراءات، اثنتان من السبعة وما عداهما شاذٌّ، فقرأ الجمهورُ غيرَ حمزة: ((عَبَدَ)) على صيغة الماضي المعلوم، و((الطاغوتَ)) بالنصب، وهي القراءةُ التي بُني التفسيرُ عليها. وقرأ حمزة: ((وعَبُدَ الطاغوتِ)) بفتح العين وضمِّ الباء وفتح الدال، وخَفْضِ ((الطاغوتِ))(٤)، على أنَّ ((عَبُدَ» واحدٌ مرادٌ به الجنسُ، وليس بجمعَ لأنه لم يُسمع مثلُه في أبنيته، بل هو صيغةُ مبالغةٍ، ولذا قال الزمخشريُّ(٥): معناه الغلوُّ في العبودية، وأنشد عليه قولَ طرفة: أَبَنِي لُبينَى إنَّ أمَّكُمُ أَمَةٌ وإنَّ أباكمُ عَبْدُ(٦) (١) في (م): ليتمكن. (٢) في تفسيره ٥٦/٣. (٣) في (م): لزم، وسقطت من الأصل، والمثبت من تفسير أبي السعود. (٤) التيسير ص ١٠٠، والنشر ٢٥٥/٢. (٥) في الكشاف ١/ ٦٢٥ . (٦) لم ينسب الزمخشري البيت، وعزاه لطرفة السمين في الدر ٣٢٨/٤، والشهاب في الحاشية ٢٥٩/٣ وعنه نقل المصنف، ونُسب لأوس بن حجر كما في تهذيب اللغة ٢٣٤/٢، واللسان (عبد)، وهو في ديوانه ص ٢١ . سُورَةُ العَائِدَة ٢٨٤ الآية : ٦٠ أراد: عَبْداً. وقد ذَكَر مثلَه ابنُ الأنباريِّ والزجَّاج(١) فقالا: ضمَّت الباءُ للمبالغة، كقولهم للفَطِنِ والحَذِرِ: فَظُنٌ وحَذُرٌ بضمِّ العين. فطَعْنُ أبي عبيدة (٢) والفرَّاءِ في هذه القراءة(٣)، ونسبةُ قارئها إلى الوَهْمِ وهمٌّ. والنصبُ بالعطف على ((القردة والخنازير). وقرئ: ((وعَبُدٍ)) بفتح العين وضمِّ الباء وكَسْرِ الدال وجرِّ ((الطاغوت)) بالإضافة، والعطفُ على ((مَن)) بناءً على أنه مجرورٌ بتقدير المضاف، أو بالبدلية على ما قيل ولم يُرْتَضَ. وقرأ أبيٍّ: ((عبدوا)) بضمير الجمع العائد على ((مَن)) باعتبار معناها، والعطفُ مثلُه في قراءة الجمهور. وقرأ الحسن: ((عِبَادَ)) جمع عَبْدٍ. و: ((عَبْدَ)) بالإفراد، بجرِّ ((الطاغوت)) ونَصْبه، والجرُّ بالإضافة، والنصبُ إمَّا على أنَّ الأصل عَبَدَ بفتح الباء، أو عَبْداً بالتنوين فحذف کقوله: ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلاً (٤) بنصبِ الاسم الجليل. والعَطْفُ ظاهر(٥). وقرأ الأعمشُ والنخعيُّ وأبان: ((عُبِدَ)) على صيغة الماضي المجهول مع رَفْع (الطاغوت)) على أنه نائبُ الفاعل، والعطفُ على صلةِ ((مَن)) وعائدُ الموصول محذوفٌ، أي: ◌ُبِد فيهم أو بينهم. وقرأ بعضٌ كذلك إلا أنه أنَّث، فقرأ: ((عُبِدَت)) بتاء التأنيث الساكنة، والطاغوتُ يذكَّرُ ويؤنَّثُ كما مرَّ؛ وأَمْرُ العطفِ والعائدِ على طرز القراءة قبلُ. (١) في معاني القرآن ١٨٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٥٩/٣. (٢) كذا نقل المصنف عن حاشية الشهاب، والذي في البحر ٥٢٠/٣، والدر المصون ٣٢٩/٤: أبي عبيد. (٣) الذي ذكره الفراء في معاني القرآن ٣١٤/١-٣١٥ هو أن ((عَبُد)) إن يكن لغة مثل حذر وعجل فهو وجه، وإلا فلا يجوز في القراءة. (٤) وصدرُه: فَأَلِفْيَتُه غيرَ مستعتِبٍ، والبيت لأبي الأسود الدؤلي، وهو في الكتاب ١٦٩/١، ومجالس ثعلب ١٢٣/١، وأمالي ابن الشجري ١٦٤/٢، والخزانة ٣٧٤/١١. (٥) يعني عطف (عبادَ)) و((عَبْدَ)) بالنصب على القردة والخنازير. حاشية الشهاب ٢٥٩/٣. الآية : ٦٠ ٢٨٥ سُورَةُ لِلَائِدَة وقرأ ابن مسعود: ((عَبُدَ)) بفتح العين وضمِّ الباء وفتحِ الدال، مع رَفْعِ ((الطاغوت)) على الفاعلية لـ ((عَبُدَ)) وهو كشَرُفَ، كأنَّ العبادة صارتْ سجيةً له، أوَ أنه بمعنى: صار معبوداً، كـ: أَمُرَ أَي: صار أميراً، والعائدُ على الموصول على هذا أيضاً محذوف. وقرأ ابن عباس ظه: ((عُبُدَ)) بضمِّ العين والباءِ وفتحِ الدال، وجرِّ ((الطاغوت)). فعن الأخفش أنه جمعُ عبيد جمع عَبْدٍ، فهو جمعُ الجمع. أو جمعُ عابد کشارِفٍ وشُرُف. أو جمعُ عَبْدِ كِسَقْفٍ وسُقُف. أو جمعُ عبادٍ - ككتابٍ وكُتُب - فهو جمعُ الجمعِ أيضاً مثل ثمارٍ وُمُر. وقرأ الأعمش أيضاً: ((عُبَّدَ)) بضم العين وتشديد الباء المفتوحة وفتح الدال، وجرِّ ((الطاغوت))، جمع عابد. و: ((عُبَدَ)) - كخُطَم وزُفَر - منصوباً مضافاً للطاغوت، مفرداً . وقرأ ابن مسعود أيضاً: ((عُبَّدَ)) بضمِّ العين وفتحِ الباء المشدَّدة وفتح الدال، ونصبٍ ((الطاغوت))، على حدٍّ: ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلاً، بنصب الاسم الجليل. وقرئ: ((وعابدَ الشيطانِ)) بنصب ((عابد))، وجرِّ ((الشيطان)) بدل الطاغوت، وهو تفسيرٌ عند بعضٍ لا قراءةٌ. وقرئ: ((عُبَّادَ كجُهَّال. و: ((عِبَادَ)) كرجال، جمع عابد أو عبد، وفيه إضافةُ العبادِ لغير الله تعالى، وقد منعه بعضُهم. وقرئ: ((عابدُ)) بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ مقدَّرٍ، وجرِّ ((الطاغوت)). وقرئ: ((عابدو)) بالجمع والإضافة. وقرئ: ((عابدَ)) منصوباً. وقرئ: ((عَبَدَ الطاغوتِ)) بفتحاتٍ مضافاً، على أنَّ أصله عَبَدَة ككَفرة، فحذفت تاؤه للإضافة کقوله: وأَخْلَفوكَ عِدَ الأمر الذي وَعَدوا(١) (١) وصدره: إن الخليط أجَدّوا البَيْنَ فانجردوا، ونسبه صاحب اللسان (غلب) للفضل بن سُورَةُ القَائِدَة ٢٨٦ الآية : ٦٠ أي: عِدَتَه، كـ((إقام الصلاة))، أو هو جمع، أو اسمُ جمعٍ لعابدٍ، كخادمٍ وخَّدَمٍ. وقرئ: ((أَعْبُد)) كأكلُب. و: ((عبيدَ)) جمعٌ أو اسمُ جمعٍ. و: ((عابدي)) جمع بالياء. وقرأ ابن مسعود أيضاً: ((ومَن عَبَدوا))(١). ﴿أُوْلَكَ﴾ أي: الموصوفون بتلك القبائح والفضائح، وهو مبتدأ، وقولُه ﴾ خبرُه، وقوله تعالى: ﴿مَكَانً﴾ تمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعل. وإثباتُ سبحانه : الشرارة لمكانهم ليكون أبلغَ في الدلالة على شرارتهم، فقد صرَّحوا أنَّ إثبات الشرارة لمكانِ الشيء كنايةٌ عن إثباتها له، كقولهم: سلامٌ على المجلس العالي، والمجدُ بين بُردَيْهِ، فكأنَّ شَرَّهم أثَّر في مكانهم، أو عَظُمَ حتى صار مجسَّماً. وجوِّز أن يكون الإسناد مجازيًّا، كـ: جرى النهرُ. وقيل: يجوزُ أن يكون المكانُ بمعنى: محلّ الكون والقرار الذي يَؤُول(٢) أمرُهم إلى التمكُّن فيه، أي: شرٌّ مُنْصَرَفاً، والمراد به جهنم وبئس المصير. والجملةُ مستأنفةٌ مسوقةٌ منه تعالى شهادةً عليهم بكمال الشرارة والضلال، وداخلةٌ تحت الأمر تأكيداً للإلزام وتشديداً للتبكيت. وجَعْلُها جواباً للسؤال الناشئ من الجملة الاستفهامية - ليستقيم احتمالُ البدليةِ السابقُ - مما لا يكاد يستقيم. ﴾ أي: أكثرُ ضلالاً عن طريق الحقِّ المعتدل، وهو ٦٠ ﴿وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ دينُ الإسلام والحنيفية، وهو عطفٌ على ((شرٌّ) مقرِّرٌ له، وفيه دلالةٌ على كون دينهم شرًّا محضاً بعيداً عن الحق؛ لأن ما يسلكونه من الطريق دينُهم، فإذا كانوا أضلَّ كان دينُهم ضلالاً مُبِيناً لا غايةً وراءه. والمقصودُ من صيغتي التفضيل الزيادةُ مطلقاً من غير نظرٍ إلى مشاركةٍ غيرٍ في ذلك. وقيل: للتفضيل على زَعْمِهم. وقيل: إنه بالنسبة إلى غيرهم من الكفار. = العباس اللهبي، ونسبه السمين في الدر المصون ٥٧/٦ لزهير، وهو دون نسبة في معاني القرآن للفراء ٢٥٤/٢، والخصائص ١٧١/٣، وحاشية الشهاب ٢٦٠/٣، والكلام منه. (١) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص٣٣ - ٣٤، والمحتسب ٢١٤/١ - ٢١٥، والمحرر الوجيز ٢١٢/٢-٢١٣، والكشاف ٦٢٥/١-٦٢٦، والبحر ٥١٩/٣، والدر المصون ٣٣٠/٤-٣٣٨، وحاشية الشهاب ٢٥٩/٣-٢٦٠. (٢) في (م): يكون، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣/ ٢٦٠، والكلام منه. الآية : ٦١ ٢٨٧ سُورَةُ لقائِدَة وقال بعضهم: لا مانعَ أنْ يقال: إنَّ مكانهم في الآخرة شرٌّ من مكان المؤمنين في الدنيا؛ لما لحقهم فيه من مَكارِهِ الدهر، وسماعِ الأذى، والهَضْمِ من جانب أعدائهم . ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَا﴾ نزلت - كما قال قتادةُ والسديُّ - في ناسٍ من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله وَلهو فيُظْهِرون له الإيمانَ والرضا بما جاء به نفاقاً، فالخطابُ للرسولِ وَّه، والجمعُ للتعظيم، أوْ لَه عليه الصلاة والسلام مع مَن عنده من أصحابه يه، أي: إذا جاؤوكم أظهروا لكم الإسلام. ﴿وَقَدَ دَّخَلُواْ بِأَلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بٍِّ﴾ أي: يخرجون من عندك كما دخلوا، لم ينتفعوا بحضورهم بين يديك، ولم يؤثّر فيهم ما سمعوا منك، والجملتان في موضع الحال من ضمير ((قالوا)) على الأظهر. وجوَّز أبو البقاء أن يكونا حالين من الضمير في ((آمنا)(١) . وباءُ ((بالكفر)) و((به)) للملابسة. والجارُّ والمجرور حالان من فاعلي ((دخلوا)) و((خرجوا)) والواو الداخلةُ على الجملة الاسمية الحالية للحال، ومَن مَنَعَ تعدُّدَ الجملة الحالية من غيرِ عطفٍ يقول: إنها عاطفةٌ، والمعطوفُ على الحال حالٌ أيضاً. ودخول ((قد)) في الجملة الحالية الماضوية - كما قال العلّامة الثاني - لتقرِّب الماضي إلى الحال، فتَكْسِرَ سورةَ استبعادٍ ما بين الماضي والحال في الجملة، وإلا فـ ((قد)) إنما تقرِّب إلى حال التكلُّم، وهذا إشارةٌ إلى ما أوضحه السيد السَّنَد في ((حاشية المتوسِّط))(٢) من أنه قيل: إنَّ الماضي إنما يدل على انقضاءِ زمانٍ قبل زمان التكلُّم، والحالُ الذي يبيِّن هيئة الفاعل أو المفعولِ قيدٌ لعامله، فإنْ كان العامل ماضياً كان الحال أيضاً ماضياً بحسب المعنى، وإن كان حالاً كان حالاً، وإن كان مستقبلاً كان مستقبلاً، فما ذكروه غلطٌ نشأ من اشتراك لفظٍ الحال بين الزمان الحاضر - وهو الذي يقابلُ الماضي - وبين ما يبيِّن الحالةَ المذكورة. (١) الإملاء ٢/ ٤٤٠ . (٢) المتوسط لحسن بن محمد الأستراباذي، ويسمى أيضاً: الوافية، وهو أحد شروح ثلاثة للأستراباذي على كافية ابن الحاجب: بسيط، ومتوسط، وصغير، والسيد السند هو علي بن محمد الجرجاني. كشف الظنون ٢/ ١٣٧٠ . سُورَةُ القَائِدَة ٢٨٨ الآية : ٦١ ثم قال: ويمكن أن يقال: إنَّ الفعل إذا وقع قيداً لشيءٍ يُعتبر كونُه ماضياً أو حالاً أو مستقبلاً بالنظر إلى ذلك المقيَّد، فإذا قيل: جاءني زيدٌ رَكِبَ، يفهم منه أنَّ الركوب كان متقدِّماً على المجيء، فلا بدَّ مِن ((قد)» حتى يقرِّبه إلى زمان المجيء فيقارنه. وذكر نحوَ ذلك العلّامةُ الكافيجي في (شرح القواعد))(١)، ثم قال: وأما الاعتذار بأنَّ تصدير الماضي المثبَتِ بلفظة ((قد)) لمجرَّدِ استحسانٍ لفظيٍّ فإنما هو تسليمٌ لذلك الاعتراض، فليس بمقبولٍ ولا مرضيٍّ. انتهى. ولذلك زيادةٌ تفصيلٍ في محلِّه. وقد ذُكر لها معنىٌ آخرُ في الآية غيرُ التقريب، وهو التوقُّع، فتفيدُ أنَّ رسول الله ◌ِه كان يتوقَّع دخولَ أولئك الفَجَرة وخروجهم من خَضِيلةٍ (٢) حَضْرتِهِ أفرغَ من يدٍ تَفُتُّ اليَرْمَعَ(٣) لم يَعْلَقْ بهم شيءٌ مما سمعوا من تذكيره عليه الصلاة والسلام بآياتِ الله عز وجلَّ؛ لظنه بما يرى من الأمارات اللائحة عليهم نفاقَهم الراسخ، ولذلك قال وفيه من الوعيد مالا يخفى. سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُنَ وفي ((الكشاف)): إنَّ أمارات النفاق كانت لائحةً عليهم، وكان رسول الله وَّل متوقِّعاً لإظهار الله تعالى ما كتموه، فدخل حرفُ التوقُّع لذلك(٤). واعترضه الطَّيبيُّ: بأنَّ ((قد)) موضوعةٌ لتوقُّع مدخولها، وهو هاهنا عينُ النفاق، فكيف يقال: لإظهار اللهِ تعالى ما كتموه؟ وأجاب: بأنه لا شكَّ أنَّ المتوقَّع ينبغي أن لا يكون حاصلاً، وكونُهم منافقين كان معلوماً عنده صلواتُ الله تعالى وسلامُه عليه بدليل قوله: إنَّ أمارات النفاق .. إلخ، فيجب المصيرُ إلى المجازِ، والقولِ بإظهار الله تعالى ما كتموه. (١) شرح قواعد الإعراب لمحمد بن سليمان الرومي البرعميَّ، العلامة أبو عبد الله الكافيجي الحنفي، قال السيوطي: لزِمْتُه أربع عشرة سنة فما جئته من مرة إلا وسمعت منه من التحقيقات والعجائب مالم أسمعه من قبل، من مصنفاته: مختصر في علوم الحديث، ومختصر في علوم التفسير يسمى التيسير، توفي سنة (٨٧٩هـ). بغية الوعاة ١١٨/١. (٢) الخضيلة كسفينة: الروضة. (٣) جمهرة الأمثال ٢/ ١٠٧، ومجمع الأمثال ٨٦/٢، واليرمع: الحجارة الرخوة. وتحرفت في (م) إلى: البر مع. (٤) الكشاف ٦٢٦/١. الآية : ٦٢ ٢٨٩ سُوَّةُ القَائِدَةِ وقال في ((الكشف)» معرِّضاً به: إنَّ الدخولَ في الكفر والخروجَ به إظهارٌ له، فلذلك أدخل عليه حرف التوقّع، لا أنه عينُ النفاق ليحتاج إلى تجوُّزٍ في رجوع التوقُّع إلى إظهاره، وإنَّ ظهور أماراته غيرُ إظهارِ اللهِ تعالى إياه بإخباره سبحانه عنهم، وأنهم متلبِّسون بالكفر متقلِّبون فيه دخولاً وخروجاً. انتهى، فليتأمَّل. وإنما لم يقل سبحانه: وقد خرجوا، على طرز الجملة الأولى إفادةً لتأكيد الكفر حالَ الخروج؛ لأنه خلافُ الظاهر؛ إذ كان الظاهرُ بعد تنوُّرِ أبصارهم برؤية مطلع شمس الرسالة، وتشتُّفِ أسماعهم بلآلي كلماتِ بحرِ البسالة عليه الصلاة والسلام، أنْ يرجعوا عمَّا هم عليه من الغواية، ويَحلَّوا جيادَ قلوبهم العاطلةِ عن حليٍّ الهداية، وأيضاً أنهم إذا سمعوا قولَ النبيِّ وَّ﴿ وأنكروه ازداد كفرهم وتضاعَفَ ضلالهم. ﴿وَتَ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من أولئك اليهود، كما روي عن ابن زيد. والخطابُ السيد المخاطبين وَله، أو لكلِّ مَن يَصْلُحُ للخطاب. والرؤيةُ بصريةٌ، وقيل: قلبيةٌ. وقولُه تعالى: ﴿يُسَرِعُونَ فِىِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ في موضع الحال من ((كثيراً)) الموصوفِ بالجارِّ والمجرور. وقيل: مفعولٌ ثانٍ لـ ((تری)). والمسارعةُ: مبادرة الشيء بسرعة، وإيثارُ ((في)) على ((إلى)) للإشارة إلى تمكّنهم فيما يسارعون إليه تمكُّنَ المظروفِ في ظَرْفه، وإحاطَتَه بأعمالهم، وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك. والمراد بالإثم: الحرام. وقيل: الكذبُ مطلقاً. وقيل: الكذبُ بقولهم ((آمنا))؛ لأنه إمَّا إخبارٌ، أو إنشاءٌ متضمِّنٌ الإخبارَ بحصولِ صفةِ الإيمان لهم، واستُدِلَّ على التخصيص بقوله تعالى الآتي: (عَن قَوْلِهُ الإِثْمَ) وأنت تعلم أنه لا يقتضيه. وقيل: المراد به الكفرُ، وروي ذلك عن السدِّيِّ، ولعل الداعيّ إلى تخصيصه(١) به کونُه الفرد الکامل. والمرادُ من العدوان: الظلم، أو مجاوزةُ الحدِّ في المعاصي. (١) في (م): لتخصيصه. سُوَرَّةُ للقائِدَة ٢٩٠ الآية : ٦٣ وقيل: الإثم ما يختصُّ بهم، والعدوانُ ما يتعدَّى إلى غيرهم. والكلامُ مسوقٌ لوصفهم بسوء الأعمال بعد وصفهم بسوء(١) الاعتقاد. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ﴾ أي: الحرام مطلقاً، وقال الحسن: الرشوة في الحكم. والتنصيصُ على ذلك بالذكر مع اندراجه في المتقدِّم للمبالغة في التقبيح. ﴿لَيْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: لبئس شيئاً يعملونه هذه الأمورُ، فـ ((ما)) نكرةٌ موصوفةٌ وقعت تمييزاً لضمير الفاعل المستتر في ((بئس))، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ كما أشرنا إليه. وجوِّز جَعْلُ ((ما)) موصولةً فاعلَ ((بئس)). والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار. ﴿لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ قال الحسن: الربانيون: علماءُ الإنجيل، والأحبارُ: علماء التوراة. وقال غيره: كلَّهم في اليهود؛ لأنه يتَّصِلُ بذكرهم. و ((لولا)) الداخلةُ على المضارع - كما قرَّره ابن الحاجب وغيرُه ـ للتَّخْضيض، والداخلةُ على الماضي للتوبيخ. والمراد هنا تحضيضُ الذين يقتدي بهم أفناؤهم، ويعلمون قباحةً ما هم فيه وسوءَ مغبّته، على نهي أسافلهم ﴿عَنْ قَوْلِهُ آلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ﴾ مع عِلْمِهم بقُبْحِهما واطّلاعهم على مباشرتهم لهما. وفي ((البحر)) أن هذا التحضيضَ يتضمَّن توبيخَهم على السكوت وتركِ النهي(٢). ٦٣ ﴿لَيْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ( الكلامُ فيه كالكلام السابق في نظيره، خلا أنَّ هذا أبلغُ مما تقدَّم في حقِّ العامة؛ لِمَا تقرَّر في اللغة والاستعمالِ أنَّ الفعل ما صدر عن الحيوان مطلقاً، فإنْ كان عن قَصْدٍ سُمِّي عملاً، ثم إنْ حَصَلَ بمزاولةٍ وتكرَّر حتى رَسَخَ وصار مَلَكَةً له سمِّ صُنْعاً(٣)، وصَنْعةً، وصِناعةً. فلذا كان الصنع أبلغَ لاقتضائه الرسوخ، ولذا يقال للحاذق: صانع، وللثوب الجيد النَّسْجِ: صنيع، كما قاله الراغب(٤). (١) في (م): لسوء، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. (٢) البحر ٥٢٢/٣. (٣) في الأصل: صنيعاً. (٤) نقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٦١/٣، وينظر مفردات الراغب (صنع). الآية : ٦٤ ٢٩١ سُورَةُ القَائِدَة ففي الآية إشارةٌ إلى أنَّ ترك النهي أقبحُ من الارتكاب، ووجّه بأنَّ المرتَكِبَ له في المعصية لذةُ وقضاءُ وَطَرِ بخلافِ المُقِرِّ له، ولذا وَرَدَ أنَّ جُرْمَ الدَّيُّوثِ أعظمُ من الزانیین. واستشكل ذلك بأنه يلزمُ عليه أنَّ تركَ النهي عن الزنى والقتل أشدُّ إثماً منهما، وهو بعيد. وأجيب: بأنه لا يَبْعُدُ أن يكون إثم تركِ النهي ممن يؤثِّر نهيُهُ كفَّ المَنْهيِّ عن فِعْلٍ المَنْهيِّ عنه أشدَّ من إثم المرتكب كيفما كان مُرْتَكَبُه: قتلاً، أو زنّى، أو غيرهما. وقال الشهاب: إنَّ قيد الأشدِّيَّة يختلفُ بالاعتبار، فکونُه أشدَّ باعتبار ارتكابٍ مالا فائدةً له فيه لا ينافي كونَ المباشرة أكثرَ إثماً منه، فتأمَّل. وفي الآية مما يَنْعَى على العلماء توانيهم في النهي عن المنكرات ما لا يخفى، ومن هنا قال الضحاك: ما أَخْوَفَني من هذه الآية! وعن ابن عباس ﴿ها أنه قال: ما في القرآن آيةٌ أشدُّ توبيخاً من هذه الآية. وقرئ: ((لولا ينهاهُم الربَّانيون والأحبارُ عن قَوْلِهِم العدوانَ وأَكْلِهِم السُّحْتَ لبئسَ ما كانوا يعملون))(١). ﴿وَقَالَتِ الْهُودُ﴾ عن ابن عباس ◌َّ وعكرمة والضحَّاك قالوا: إنَّ الله تعالى قد بَسَطَ لليهود الرزقَ فلما عَصَوْا أَمْرَ رسولِ اللهِّوَ كُفَّ عنهم ما كان بُسِطَ لهم، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء رأسُ یھود قینقاع ۔ وفي روایةٍ عن ابن عباس څًا: النباش بن قيس -: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ عز وجل ﴿مَغْلُولَةٌ﴾، وحيث لم يُنْكِر على القائل الآخرون ورضُوا به نُسبت تلك العظيمة إلى الكلِّ، ولذلك نظائرُ تقدَّم كثيرٌ منها. وأرادوا بذلك- لعنهم الله تعالى- أنه سبحانه ممسكٌ ما عنده بخيلٌ به - تعالى عما يقولون علوًّا كبيراً - فإنَّ كلَّا من غلِّ اليد وبَسْطِها مجازٌ عن البخل والجود، أو كنايةٌ عن ذلك، وقد استعْمِلَ حيث لا تَصِحُّ يدٌ كقوله: (١) ذكرها السيوطي في الدر ٢٩٦/٢ عن ابن عباس وعزاها للطبري وأبي الشيخ، وهي في تفسير الطبري ٥٥١/٨ برواية: ((لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون)). سُوَرَّةُ القَائِدَة ٢٩٢ الآية : ٦٤ شَكَرتْ نَدَاهُ تِلاعهُ ووِهَادُهُ(١) جادَ الحِمَى بُسُطَّ اليدينِ بوابلٍ ولقد جعلوا للشمال يداً كما في قوله: نَطوفٌ أمرُها بيدِ الشمال(٢) أضلَّ صِوَارَه وتضيَّفتْهُ وقول لبید: وَغَدَاةِ ريحٍ قد كَشَفْتُ وقِرَّةٍ إذ أصبحتْ بيدِ الشمالِ زِمامُها(٣) ويقال: بَسَطَ اليأسُ كفَّيه في صدر فلان، فيُجعل لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفَّان، قال الشاعر: وبَسْطُ جديدِ اليأسِ كفّيه في صدري (٤) وقد رابني وَهْنُ المنى وانقباضُها وقيل: معناه: أنه سبحانه فقير، كقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَغَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقيل: اليد هنا بمعنى النعمة، أي: إنَّ نعمته مقبوضةٌ عنَّا. وعن الحسن أنَّ المعنى: إنَّ يد الله مكفوفةٌ عن عذابنا، فليس يعذِّبنا إلا بما يبرُّ به قسمّه قَدْرَ ما عَبَدَ آباؤنا العجلَ. وكأنه حمل اليد على القدرة، والغلَّ على عدم التعلُّق. (١) الكشاف ٦٢٧/١، والبحر ٥٢٤/٣، وحاشية الشهاب ٢٦٢/٣ وفيها: جاد: من الجود، يقال: جاد المطرُ فهو جائد. والوِهاد: جمع وهدة، وهي ما اطمأن وانخفض من الأرض، والتلعة ما ارتفع منها، وبُسُط بضمتين جمع باسط، والمراد بها السحاب. والوابل: المطر الكثير. (٢) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص ٧٧. وجاء في شرحه: الصِّوار: قطيع بقر الوحش. يتكلم عن ثور وحشي، يقول: أضل هذا الثورُ بقره. وتضيفته نَطوف، أي: نزلت به سحابة تنطف بالماء. وقوله: بيد الشمال، قال صاحب اللسان (يدي): يد الريح: سلطانها، لمَّا ملكت الريحُ تصريف السحاب جُعل لها سلطان عليه. (٣) ديوان لبيد ص٣١٥، وفيه: وَزَعْتُ، بدل: كشفت، وأشار الشارح إلى رواية: كشفت. وجاء في شرحه: وغداة، أي: وربَّ غداة، وزعت: كففت، أي: كفَّ أذى الريح والبر بتوزيع الطعام على الفقراء. أصبحت، أي: الغداة. زمامها: أمرها. وقد جعل للغداة زماماً وللشمال يداً. (٤) البيت للحكم بن قنبر كما في دلائل الإعجاز للجرجاني ص٤٦٢. الآية : ٦٤ ٢٩٣ سُوَّةُ القَائِدَة وقيل: لا يَبعدُ أن يقصدوا اليدَ الجارحةَ فإنهم مجسِّمةٌ، وقد حُكي عنهم أنهم زعموا أنَّ ربَّهم أبيضُ الرأس واللحية قاعدٌ على كرسي، وأنه فرغ من خَلْقِ السماوات والأرض يومَ الجمعة واستلقى على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، وإحدى يديه على صدره؛ للاستراحة مما عَرَاه من النَّصَب في خلق ذلك، تعالى الله سبحانه عما يقولون علوًّا كبيراً. والأقوالُ كلُّها كما ترى، وكلُّ العجبِ من الحسن ◌َبه من قوله(١) ذلك، وَلَيْتَه لم يَقُلْ غيرَ الحَسَن، ولعل نسبته إليه غيرُ صحيحة، والذي تقتضيه البلاغةُ ويشهدُ له مساقُ الكلام القولُ الأول، ولا يَبعدُ من قومٍ قالوا لموسى عليه السلام: ﴿أَجْعَل لَّاً إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وعبدواً العجل، أنْ يعتقدوا اتِّصاف الله عز وجل بالبخل ويقولوا ما قالوا. وقال أبو القاسم البلخيُّ: يجوز أن يكون اليهود قالوا قولاً واعتقدوا مذهباً يؤدِّي معناه إلى أنَّ الله تعالى يبخلُ في حالٍ ويجودُ في حالٍ آخر، فحكى عنهم على وجه التعُّب منهم والتكذيب لهم. وقال آخر: إنهم قالوا ذلك على وجه الهزء، حيث لم يوسِّع سبحانه على النبيِّ بَّرِ وعلى أصحابه، ولا يخفى أنَّ ما روي في سبب النزول لا يساعد ذلك. وقيل: إنهم قالوا ذلك على سبيل الاستفهام والاستغراب، والمراد: يد الله سبحانه مغلولةٌ عنَّا حيث قتر المعيشة علينا، ولا يخفى بعدُه. ﴿غُلَّتْ أَيَدِهِمْ﴾ دعاءٌ عليهم بالبخل المذموم كما قال الزجَّاج(٢)، ودعاؤه بذلك عبارةٌ عن خَلْقِه الشعَّ في قلوبهم والقَبْضَ في أيديهم، ولا استحالةَ في ذلك على مذهب أهل الحقِّ. ويجوزُ أن يكون دعاءً عليهم بالفقروالمسكنة. وقيل: بغلِّ(٣) الأيدي حقيقةً، (١) في (م): قول. (٢) معاني القرآن للزجاج ١٩٠/٢، وفيه: معنى غلت أيديهم، أي: جعلوا بخلاء، فهم أبخل قوم. (٣) في (م): تغل. سُورَةُ القَائِدَة ٢٩٤ الآية : ٦٤ يُغلَّون في الدنيا أُسارى، وفي الآخرة معذَّبين في أغلال جهنم، ومناسبةُ هذا لِمَا قبله حينئذٍ من حيث اللفظ فقط، فيكونُ تجنيساً . وقيل: هي من حيث اللفظُ وملاحظةُ أصلِ المجاز، كما تقول: سبَّني سبَّ الله دابِرَه، أي: قَطَعه؛ لأنَّ السَّبَّ أصلهُ القطع، وإلى هذا ذهب الزمخشري(١)، واستَظْيَه الطّييُّ، وقال: إنَّ هذه مشاكلةٌ لطيفة بخلاف قوله: قالوا اقتَرِحْ شيئاً نُجِدْ لك طَبْخَه قلتُ اطبخوا لي جُبَّةً وقميصا (٢) واختار أبو عليٍّ الجبائيُّ أنَّ ذلك إخبار عن حالهم يوم القيامة، أي: شُدَّتْ أيديهم إلى أعناقهم في جهنم جزاءً هذه الكلمة العظيمة، وحكاه الطبرسيُّ(٣) عن الحسن، ثم قال: فعَلَى هذا يكونُ الكلامُ بتقديرِ الفاءِ أو الواو، فقد تمَّ كلامُهم واستُؤْنِفَ بعده كلامٌ آخر، ومن عادتهم أنْ يحذفوا فيما يجري هذا المجرى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَنَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]. وأنت تَعْلَمُ أنَّ مثل هذا على الاستئناف البيانيِّ، ولا حاجةَ فيه إلى تجثُّم مؤونة التقدير، على أنَّ كلام الحسن - فيما نرى - ليس نصًّا في كون الجملة إخباريةً؛ إذ قصارى ما قال: غلَّتْ أيديهم في جهنم. وهو مُحْتَمِلٌ لأنْ يكونَ دعاءً عليهم بذلك. ﴿وَلُمِنُواْ﴾ أي: أُبْعِدوا عن رحمة الله تعالى وثوابه ﴿يَا قَالُواْ﴾ أي: بسببٍ قولهم، أو: بالذي قالوه من ذلك القول الشنيع، وهذا دعاءٌ ثانٍ معطوفٌ على الدعاء الأول، والقائلُ بخبرَّتِهِ قائلٌ بخيريته. وقرئ: ((ولُعْنوا)) بسكون العين(٤). ﴿بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ، أي: كلَّا ليس الشأنُ كما زعموا، بل في غاية ما يكون من الجود، وإليه - كما قيل - أشير بتثنية اليد؛ فإنَّ أقصى ما تنتهي إليه هممُ الأسخياء أن يُعْطُوا بكلتا يديهم. (١) في الكشاف ٦٢٨/١ . (٢) البيت لأبي الرَّقَعْمَق كما في ملحقات وفيات الأعيان ٤٥٥/١، ومعاهد التنصيص ٢٥٢/٢، وهو دون نسبة في مفتاح العلوم للسكاكي ص٤٢٤. وأبو الرقعمق هو أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي المتوفى سنة (٣٩٩هـ). وفيات الأعيان ١/ ١٣١. (٣) في مجمع البيان ١٤٦/٦، وعنه نقل المصنف قول الجبائي. (٤) القراءات الشاذة ص٣٤، والكشاف ٦٢٨/١. الآية : ٦٤ ٢٩٥ سُورَةُ القَائِدَة وقيل: اليد هنا أيضاً بمعنى النعمة، وأريد بالتثنية نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة، أو النعمُ الظاهرة والنعمُ الباطنة، أو ما يُعْطَى للاستدراج وما يُعْطَى للإكرام. وقيل: وروي عن الحسن أنها بمعنى القدرة كاليد الأولى، وتثنيتُها باعتبارٍ تعلُّقِها بالثواب وتعلُّقها بالعقاب. وقيل: المراد من التثنية التكثير، كما في ﴿ثُمَّ أَتْجِعِ اٌلْصَرَ كُرٍَّ﴾(١) [الملك: ٤] والمراد من التكثير مجردُ المبالغة في كمال القدرة وسعتها، لا أنها متعدِّدةً، ونظيرُ ذلك قول الشاعر: فَسَرَتْ أَسِرَّةُ طرَّتِيهِ فغوَّرَتْ في الخَصْرِ منه وأَنْجدَتْ في نَجْدِهِ فإنه لم يُرِدْ أنَّ لذلك الرشأ طرَّتينٍ؛ إذ ليس للإنسان إلا طرةٌ واحدةٌ، وإنما أراد المبالغة. وقال سلف الأمة : إن هذا من المتشابه، وتفويضُ تأويله إلى الله تعالى هو الأسلم، وقد صحَّ عن النبيِّ وَلِّ أنه أثبت لله عز وجل يدين، وقال: ((وكلتا يديه يمين)»(٢) ولم يرْوَ عن أحدٍ من أصحابه صلى الله عليه وسلم وعليهم أنه أوَّلَ ذلك بالنعمة أو بالقدرة، بل أبقَوها كما وردت وسكتوا. ولئن كان الكلام من فضةٍ فالسكوتُ من ذهبٍ، لاسيما في مثل هذه المواطن. وفي مصحف عبد الله: ((بل يداه بُسُطان))(٣) يقال: يدٌ بُسُطٌ بالمعروف، ونحوه: مشيةٌ سُجُح، وناقة سُرُح(٤). ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشًَ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ واردةٌ لتأكيد كمال جُودِه سبحانه؛ لِمَا فيها من الدلالة على تعميم الأحوال المستفادِ من ((كيف))، وفيها تنبيهٌ على سرِّ ما ابتُلوا به من الضيق الذي اتّخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعةً إلى الاجتراء على كلمةٍ (١) في الأصل و(م): فارجع البصر كرتين. (٢) أخرجه أحمد (٦٤٩٢)، ومسلم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٣) القراءات الشاذة ص٣٤، ومعاني القرآن للفراء ٣١٥/١، والبحر ٥٢٤/٣، والدر المصون ٣٤٤/٤. (٤) السُّرح: السريعة، والسُّجح: اللينة السهلة. ينظر القاموس (سرح) و(سجح). سُورَةُ القَائِدَة ٢٩٦ الآية : ٦٤ ملأ الفضاءَ قبحُها، والمعنى: أنَّ ذلك ليس لقصورٍ في فَيْضِه، بل لأنَّ إنفاقه تابعٌ لمشيئته المبنيةِ على الحِكَم الدقيقة التي عليها تدورُ أفلاكُ المعاشِ والمعاد، وقد اقتضت الحكمة - إذا كفروا بآيات الله تعالى، وكذَّبوا رسولَه وَ له ـ أنْ يضيِّق عليهم. و(كيف)) ظرفٌ لـ ((يشاء)»، والجملةُ في موضع نصبٍ على الحالية من ضميرٍ (ينفق))، أي: ينفق كائناً على أيِّ حالٍ يشاء، أي: على مشيئته، أي: مُريداً. وقيل: إنَّ جملة ((ينفق)) في موضع الحال من الضمير المجرور في ((يداه)). واعتُرض بأنَّ فيه الفصلَ بالخبر، وبأنه مضافٌ إليه والحالُ لا يجيء منه. ورُدَّ بأنَّ الفصل بين الحال وذِيْها ليس بممتنع، كما في قوله تعالى حكايةً: ﴿وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾ [هود: ٧٢]؛ إذ قيل: إنَّ((شيخاً) حالٌ من اسم الإشارة، والعاملُ فيه التنبيه، وأن الممنوع مجيءُ الحال من المضاف إليه إذا لم يكن جزءاً، أو كجزءٍ، أو عاملاً، وهاهنا المضافُ جزءٌ من المضاف إليه أو كجزءٍ، فليس بممتنع. وجوِّز أن تكون في موضع الحال من اليدين أو من ضميرهما. ورُدَّ بأنه لا ضمير لهما فيها. وأجيب: بأنه لا مانع من تقدير ضمير لهما، أي: ينفق بهما، ومن هنا قيل: بجواز(١) كونها خبراً ثانياً للمبتدأ، نَعَمْ التقديرُ خلافُ الأصلِ والظاهرِ، وهو إنما يقتضي المرجوحية لا الامتناع. وتَرَكَ سبحانه ذِكْر ما ينفقه لقَصْدِ التعميم. ﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ وهم علماؤهم ورؤساؤهم، أو: المقيمون على الكفر منهم مطلقاً ﴿مَّا أُنزِلَ إِلَّكَ﴾ من القرآن المشتمل على هذه الآيات، وتقديمُ المفعول للاعتناء به ﴿مِن رَّكَ﴾ متعلِّقٌ بـ ((أُنزل))، كما أن ((إليك)) كذلك، وتأخيرُه عنه مع أنَّ حقَّ المبتدأ أن يقدَّم على المنتَهَى؛ لاقتضاء المقام - كما قال شيخ الإسلام(٢) - الاهتمامَ ببيان المنْتَهَى؛ لأنَّ مدار الزيادة هو النزولُ إليهِ وَلِّ. وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من التشريف. والموصولُ فاعلٌ لـ ((يزيدنَّ) والإسنادُ مجازيٌّ، و((كثيراً)) مفعولُه الأول، (١) في الأصل: يجوز. (٢) في تفسيره ٥٨/٣. الآية : ٦٤ ٢٩٧ سُورَّةُ القَائِدَة و(منهم)) صفتُه، وقوله تعالى: ﴿ُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ مفعولُه الثاني، أي: ليزيدنَّهم طغياناً على طغيانهم وكفراً على كفرهم القديمين، لأنَّ الزيادة تقتضي وجودَ المزيد عليه قبلها، وهذه الزيادة إما من حيث الشدةُ والغلوُّ، وإما من حيث الكمُّ والكثرةُ؛ إذ كلما نزلت آيةٌ كفروا بها، فيزدادُ طغيانهم وكفرهم بحسب المقدار، وهذا كما أنَّ الطعام الصالحَ للأصحَّاء يزيدُ المرضى مرضاً . ويحتمل أن يراد بـ ((ما أُنزل)» النعم التي منحها الله تعالى نبيَّه عليه الصلاة والسلام، أي: أنهم كفروا وتمادوا على الكفر وقالوا ما قالوا، حيث ضيَّق الله تعالى عليهم وكفَّ عنهم ما بَسَطّ لهم، فمتى رأوا مع ذلك بَسْطَ نعمائه وتواتُر آلائه على نبيِّه ◌َ﴿ الذي هو أعدى أعدائهم، ازدادوا غيظاً وحنقاً على ربِّهم سبحانه، فضمُّوا إلى طغيانهم الأولِ طغياناً، وإلى كفرهم كفراً، وحينئذٍ تلائم الآيةُ ما قبلها أشدَّ ملاءمةٌ(١)، إلا أنَّ ذلك لا يخلو عن بُعْدٍ، ولم أرَ مَن ذَكَره. ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: اليهود، وقال في ((البحر))(٢): الضمير لليهود والنصارى؛ لأنه قد جرى ذكرُهم في قوله سبحانه: (لَا تَتَّخِذُواْ الْيُهُودَ وَالنَّصَرَة)، ولشمول قوله عز وجل: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾ للفريقين، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد. ﴿ِالْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ﴾ فلا تكادُ تتوافقُ قلوبهم ولا تتَّحِدُ كلمتهم، فمن اليهود جَبْريةٌ، ومنهم قَدَريةٌ، ومنهم مُرْجِئٌ، ومنهم مشبِّهة، والعداوةُ والبغضاءُ بين فرقةٍ وفرقةٍ قائمتان على ساق، وكذا من النصارى الملكانية واليعقوبية والنسطورية، وحالُهم حالُهم في ذلك، وحالُ اليهود مع النصارى أظهرُ من أنْ تَخْفَى. ورجّح عَوْدُ الضمير إلى اليهود بأنَّ الكلام فيهم، وفائدةُ هذا الإخبارِ هنا إزاحةُ ما عسى أنْ يُتَوهّم من ذكر طغيانهم وكفرهم من الاجتماع على أمرٍ يؤدِّي إلى الإضرار بالمسلمين . وقال أبو حيان بعد أنْ أَرْجَعَ الضمير للطائفتين: إنَّ المعنى: لا يزال اليهود والنصارى متباغضينَ متعادينَ قلَّما تُوافِقُ إحدى الطائفتين الأخرى، ولا تجتمعان (١) في الأصل: تلائم. (٢) البحر ٥٢٥/٣. سُورَةُ القَائِدَة ٢٩٨ الآية : ٦٤ على قتالك وحربك، وفي ذلك إخبارٌ بالغيب فإنه لم يجتمع لحرب المسلمين جيش يهود ونصارى منذ سُلَّ سيفُ الإسلام. وفرَّق السمين(١) بين العداوة والبغضاءِ بأنَّ العداوة أخصُّ من البغضاء؛ لأنَّ كلَّ عدوٌّ مبغضٌ، وقد يُبْغِضُ مَن ليس بعدوٌّ. ﴿إِلَ يَوْمِ الْقِيَّمَّةِ﴾ متعلِّقٌ بـ ((ألقينا))، وجوِّز أن يتعلَّق بالبغضاء، أي: إنَّ التباغُضَ بينهم مستمرٌّ ما داموا، وليست حقيقةُ الغايةِ مُرادةً، ولم يجوَّز أن يتعلَّق بـ ((العداوة))؛ لئلا يلزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبيٍّ. ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُوْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَْفَأَهَا اللَّهُ﴾ تصريحُ بما أُشيرَ إليه من عدم وصولِ غائلةٍ ما هم فيه إلى المسلمين. والمرادُ: كلَّما أرادوا محاربةَ الرسول وَّهِ ورَّبوا مَبادِيها ردَّهم الله تعالى وقَهَرهم بتفرُّقٍ آرائهم، وحلِّ عزائمهم، وإلقاءِ الرعب في قلوبهم. فإيقادُ النار كنايةٌ عن إرادةِ الحرب، وقد كانت العرب إذا تواعَدَتْ للقتال جعلوا علامتَهم إيقاد نارٍ على جبل أو ربوة، ويسمُّونها نارَ الحرب، وهي إحدى نيرانٍ مشهورةٍ عندهم، وإطفاؤها عبارةٌ عن دَفْعٍ شرِّهم. وحكى في ((البحر)) قولين في الآية؛ فعن قوم: أنَّ الإيقاد حقيقة، وكذا الإطفاء، أي: أنهم كلما أوقدوا ناراً للمحاربة أُلقّي عليهم الرعبُ فتقاعدوا وأطفؤوها، وإضافةُ الإطفاءِ إليه تعالى إضافة المسبَّب إلى السبب الأصلي. وعن الجمهور: أنَّ الكلام مخرجٌ مخرجَ الاستعارة، والمراد من إيقاد النار إظهارُ الكيد بالمؤمنين، الشبيهِ بالنار في الإضرار، ومن إطفائها صرفُ ذلك عن المؤمنين(٢). ولعل القولَ بالكناية ألطفُ منهما. وكونُ المرادِ من الحرب محاربةَ الرسولِ وَ لَ﴿ هو المرويُّ عن الحسن ومجاهد. وقيل: هو أعمُّ من ذلك، أي: كلما أرادوا حربَ أحدٍ غُلبوا، فإنَّ اليهود لمَّا خالفوا حُكْمَ التوراة سلَّط الله تعالى عليهم بختنصَّر، ثم أفسدوا فسلَّط سبحانه عليهم نُظْرُسَ الروميَّ، ثم أفسدوا فسلَّط جل شأنه عليهم المجوس، ثم أفسدوا (١) في الدر المصون ٣٤٦/٤، وليس بقول السمين وإنما نقله عن أبي حيان في البحر ٥٢٥/٣. (٢) البحر ٥٢٦/٣. الآية : ٦٥ ٢٩٩ سُوَّةُ القَائِدَة فسلَّط عليهم عز وجل رسوله عليه الصلاة والسلام، فأباد خضراءهم، واستأصل شأفتهم، وفرَّق جمعَهم وأذلّهم. فَأَجْلَى بني النضير وبني قينقاع، وقَتَلَ بني قريظة، وأَسَرَ أهلَ خيبر؛ وغلب على فدك، ودان له أهلُ وادي القرى، وضرب على أهل الذمة الجزية، وأبقاهم الله تعالى في ذلِّ لا يَعِزُّون بعده أبداً. وإطفاءُ النار - على هذا - عبارةٌ عن الغلبة عليهم قاتلهم الله تعالى. و (للحرب» متعلِّقٌ بـ ((أوقدوا))، واللامُ للتعليل، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((نار))، وهو الأوفقُ بالتسمية. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي: يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله، وإثارة الشرِّ والفتنة فيما بينهم، مما يغايرُ ما عبّر عنه بإيقاد نار الحرب، كتغيير صفة النبيِّ ◌َِّ، وإدخال الشُّبَهِ على ضعفاء المسلمين، والمشي بالنميمة مع الافتراء، ونحو ذلك. و (فساداً) إما مفعولٌ له، وعليه اقتصرَ أبو البقاء(١)، أو في موضع المصدر، أو حالٌ من ضمير ((يسعون))، أي: يسعون للفساد، أو: سَعْيَ فسادٍ، أو: مفسدين. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ بل يبغضهم، ولذلك أطفأ نائرةَ فسادِهم، واللامُ إمَّا للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أوَّليًّا، وإمَّا للعهد ووُضعَ المُظْهَرُ موضعَ ضميرِهم للتعليل وبيانِ كونهم راسخين في الإفساد. والجملةُ ابتدائيةٌ مَسوقةٌ لإزاحة ما عسى أن يتوهّم من تأثير اجتهادهم شيئاً من الضَّرر، وجَعَلَها بعضهم في موضع الحال، وفائدتُها مزيدُ تقبيحِ حالهم وتفظيعٍ شأنهم. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ﴾ أي: اليهود والنصارى، على أنَّ المراد بالكتاب الجنسُ الشامل التوراة والإنجيل، ويمكن أن يراد بهم اليهود فقط، وذِكْرُ الإنجيل ليس نصًّا في اقتضاء العموم، إلا أنَّ الذي عليه عامةُ المفسرين العموم، وذُكروا بذلك العنوان تأكيداً للتشنيع عليهم، والمرادُ بهم مُعاصِرو رسول الله ◌َلاتز، أي: ولو أنهم مع صدور ما صَدَرَ منهم من فنون الجنايات قولاً وفعلاً ﴿ءَامَنُوا﴾ بما نَفَى عنهم الإيمان [به](٢)، فيندرجُ فيه فَرْضُ إيمانهم برسول اللهِنَّهَ، وحُذِفَ المتعلَّق (١) في الإملاء ٢/ ٤٤٢ . (٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٥٩/٣. سُوُدَّةُ للَائِدَة ٣٠٠ الآية : ٦٥ ثقةً بظهوره مما سبق من قوله تعالى: (هَلْ تَنَقِمُونَ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ) إلخ، ومالحق من قوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَّةَ) إلخ. وتخصيصُ المفعول بالإيمان به عليه الصلاة والسلام يأباه - كما قال شيخُ الإسلام - المقامُ؛ لأنَّ ما ذُكر فيما سَبَقَ وما لَحِقَ من كفرهم به عليه الصلاة والسلام إنما ذُكر مشفوعاً بكفرهم بكتابهم أيضاً قصداً إلى الإلزام والتبكيت ببيانٍ أنَّ الكفر بِهِ وَلّهِ مستلزمٌ للكفر بكتابهم، فَحَمْلُ الإيمانِ هاهنا على الإيمان به عليه الصلاة والسلام مخلٌّ بتجاوُبِ النَّظْمِ الكريم (١) . وقدَّر قتادةُ فيما أخرجه عنه ابن حُميدٍ وغيرُه المتعلَّق: بما أنزل الله، وهو ميلٌ إلى التعميم، وكذا عمَّم في قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقَوْاْ﴾ فقال: أي: ما حرَّم الله تعالى(٢)، وقال شيخ الإسلام: ما عدّدْنا من معاصيهم التي من جملتها مخالفةٌ كتابهم ﴿لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التي اقترفوها وسارَعوا فيها، وإن كانت في غاية العظمة، ولم نؤاخذهم بها (٣). وجمعها جمعَ قلَّةٍ إِمَّا باعتبارِ الأنواع، وإما باعتبارِ أنها وإنْ كَثُرَتْ قليلةٌ بالنسبة إلى كرم الله تعالى، وقد أشرنا فيما تقدَّم أنَّ جمع القلة قد يقوم مقامَ جمع الكثرة إذا اقتضاه المقام. وَأَدْخَلْتَهُمْ﴾ مع ذلك ﴿جَنَّتِ اٌلَّعِيمِ (٥) وجَعَلَ أبو حيان تكفيرَ السيئات في مقابلة الإيمان، وإدخالَ جنات النعيم في مقابلة التقوى، وفسَّرها بامتثال الأوامر واجتناب النواهي(٤). فالآيةُ من باب التوزيع، والظاهرُ عَدَمُه. وتكريرُ اللامِ لتأكيد الوعد، وفيه تنبيهٌ على كمال عِظَم ذنوبهم وكثرة معاصيهم، وأنَّ الإسلام يجَبُّ ما قبله وإنْ جَلَّ وجاوَزَ الحدَّ. وفي إضافة الجنات إلى النعيم تنبيهٌ على ما يستحقُّونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتَّقوا. (١) تفسير أبي السعود ٥٩/٣ وفيه: بتجاوب أطراف النظم الكريم. (٢) تفسير الطبري ٥٦٢/٨، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٢/ ٢٩٧. (٣) تفسير أبي السعود ٥٩/٣. (٤) البحر ٥٢٧/٣.