Indexed OCR Text

Pages 101-120

التفسير الإشاري (٦ - ١٣)
١٠١
سُورَةُ القَائِدَة
فيراقبُ الإنسانُ أفعاله ظاهراً وباطناً، ويراقبُ ربَّه(١) في باطنه، فإنَّ وجه قلبه
هو المعتبر، ووجهُ الإنسان على الحقيقة ذاته، يقال: وجهُ الشيء، أي: حقيقتهُ
وعينُهُ وذاته، ((فالحياء خيرٌ كُلّه))(٢) و((الحياءُ من الإيمان))(٣) و((لا يأتي إلا بخير))(٤).
وأما البياض الذي بين العِذار والأذن، وهو الحدُّ الفاصلُ بين الوجه والأذن، فهو
الحدُّ بين ما كُلِّف الإنسانُ من العمل في وجهه والعمل في سماعه، فالعملُ في ذلك
إدخالُ الحدِّ في المحدود، فالأَوْلى بالإنسان أن يصرفَ حياءه في سَمْعه كما صرفه في
بصره، فكما أنَّ الحياءَ غضُّ البصر كما قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ
أَبْصَدِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] كذلك يلزمُ الحياءُ من الله تعالى أن لا يسمعَ ما لا يَحِلُّ له من
غِيبة وسوءٍ قولٍ من متكلِّم بما لا ينبغي، فإنَّ ذلك البياضَ هو بين العِذار والأذن، وهو
محلُّ الشُّبهة، وهو أن يقول: أصغيتُ إليه لأَرُدَّ عليه، وهذا معنى العِذار، فإنه من
العذر، أي: الإنسان يعتذرُ إذا قيل له: لم أصغيتَ إلى هذا القول بأذنك؟ فيقول: إني
أردتُ أن أحقِّق سماعَ ما قال حتى أنهاه عنه، فكنَى عنه بالعِذار، فمَنْ رأى وجوبَ
ذلك عليه غَسَلَهُ، ومَن لم يرَ وجوبَ ذلك إن شاء غَسَلَ وإن شاء ترك.
وأما غَسْلُ ما استرسلَ من اللحية وتخليلُها فهي الأمورُ العوارض، فإنَّ اللحيةَ
شيءٌ يَعْرِضُ في الوجه وليستْ من أصله، فكلُّ ما يَعرِضُ لك في وجه ذلك من
المسائل فأنتَ فيها بحُكْم ذلك العارض، فإنْ تعيَّن عليكَ طهارةُ ذلك العارض فهو
قولُ مَن يقول بوجوب غَسْله، وإن لم يتعيَّن عليك طهارتُه فطهّرْتَه استحباباً، أو
تركْتَه لكونه ما تعيَّن عليك، فهو قولُ مَنْ لم يقلْ بوجوب الطهارة فيه، وقد بُيِّن أنَّ
حُكْمَ الباطن يخالفُ الظاهر بأنَّ فيه وجهاً إلى الفريضة، ووجهاً إلى السُّنة
والاستحباب، فالفرضُ من ذلك لابدَّ من إتيانه، وغيرُ الفرض عملهُ أولى من تَرْكه،
وذلك سارٍ في جميع العبادات. انتهى.
وقال بعض العارفين: هذا خطابٌ للمؤمنين بالإيمان العِلْمي إذا قاموا عن نوم
(١) في الفتوحات: آثار ربه.
(٢) أخرجه أحمد (١٩٨١٧)، ومسلم (٣٧) (٦١) من حديث عمران بن حصين
(٣) أخرجه البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦) من حديث ابن عمر
(٤) أخرجه أحمد (١٩٨٣٠)، والبخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧) من حديث عمران بن
حصین

سُوَدَّةُ القَائِدَة
١٠٢
التفسير الإشاري (٦ - ١٣)
الغفلة، وقصدوا صلاةَ الحضور والمناجاةِ الحقيقية والتوجُّهِ إلى الحقِّ، أن يُطهِّروا
وجوهَ قواهم بماء العلم النافع الطاهر المطهّر من علم الشرائع والأخلاق والمعاملاتِ
الذي يتعلَّقُ بإزالة الموانع عن لَوْث صفات النفس. وأَوَّلَ هذا الأيدي في قوله تعالى:
﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ بالقُوى والقُدَر، أي: طهِّروا أيضاً قواكم وقُدَرَكم عن دَنَس تناوُلِ
الشهوات والتصرُّفات في موادِّ الرجس إلى المرافق، أي: قَدْرَ الحقوق والمنافع.
وقال الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّهُ (١): أجمع الناسُ على غَسْل اليدين والذراعين،
واختلفوا في إدخال المرافق في هذا الغَسْل، فمِنْ قائلٍ بوجوب إدخالهما، ومن
قائلٍ بعدم الوجوب، لكن لم ينازع بالاستحباب.
وحُكُم الباطن في ذلك أنَّ غَسْلَ اليدين والذراعين إشارةٌ إلى غَسْلهما بالكَرَم
والجود والسخاء والهبات والاعتصام والتوُّل، فإنَّ هذا وشِبْهَه من نعوت الیدین،
والمعاصم للمناسبة، بقي غَسْلُ المرافق وهي رؤية الأسباب التي يرتفق العبدُ ويأنسُ
بها لنفسه، فمَنْ رأى إدخالَ المرافق في نفسه(٢)، رأى أنَّ الأسباب إنما وَضَعَها الله
تعالى حكمةً منه في خَلْقه، فلا يريد أن تُعطّل حكمةُ الله تعالى، لا على طريق
الاعتماد عليها فإنَّ ذلك يقدحُ في اعتماده على الله تعالى، ومَنْ رأى عدمَ إيجابها
في الغَسْل رأى سكونَ النفس إلى الأسباب، وأنه لا يخلص له مقامُ الاعتماد
على الله تعالى مع وجود رؤية الأسباب، وكلُّ مَن يقول بأنه لا يجبُ غَسْلُها يقول:
يستحب، كذلك رؤية الأسباب مستحبَّةٌ عند الجميع، وإن اختلفتْ أحكامهم فيها،
فإنَّ الله تعالى رَبَطَ الحِكْمَةَ في وجودها .
﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ قال بعضُ العارفين: أي بجهات أرواحكم عن قَتامٍ
◌ُدُورة القلب وغبار تغيُّره بالتوجُّهِ إلى العالم السفلي ومحبَّة الدنيا بنور الهدى، فإنَّ
الروح لا يتكدَّرُ بالتعلَّق، بل يَحتجبُ نورُهُ عن القلب، فيسوَدُّ القلبُ ويُظلمُ، ويكفي
في انتشار نوره صَفْلُ الوجه العالي الذي يتوجَّه إليه، فإنَّ القلبَ ذو وجهين:
أحدهما إلى الروح، والرأسُ هنا إشارةٌ إليه، والثاني إلى النفس وقواها، وأحرى
بالرِّجل أن تكونَ إشارةً إليه.
(١) في الفتوحات المكية ٣٣٩/١.
(٢) في الفتوحات: فمن رأى إدخال المرافق في غسله واجباً.

التفسير الإشاري (٦ - ١٣)
١٠٣
سُوَرَّةُ القَائِدَة
وقال الشيخ الأكبر قَدَّسَ الله سرَّه(١) بعد أن بيَّن اختلافَ العلماء في القَدْر الذي
يجبُ مسحُهُ: وأما حُكْمُ مَسْح الرأس في الباطن فأصله من الرياسة، وهي العلوُّ
والارتفاع، ولمَّا كان أعلى ما في البدن في ظاهر العين وجميعُ البدن تحته سُمِّي
رأساً، فإنَّ الرئيس فوقَ المرؤوس، وله جهةُ فوق، وقد وَصَفَ الله تعالى نفسَهُ
بالفوقية على عباده بصفة القَهْر، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾
[الأنعام: ١٨] فكان الرأسُ أقربَ عضوٍ في الجسد إلى الحقِّ تعالى لمناسبة الفوقية.
ثم له الشرفُ الآخرُ في المعنى الذي به رَأَسَ على البدن كلِّه، وهو أنه محلٌّ
جميع القوى كلِّها، الحسِّيةِ والمعنوية، فلما كانت له هذه الرياسةُ من هذه الجهة
سُمِّي رأساً، ثم إنَّ العقلَ الذي جعله الله تعالى أشرفَ ما في الإنسان جعل محلَّه
اليافوخ، وهو أعلى موضعٍ في الرأس، فجعله سبحانه مما يلي جانبَ الفوقية.
ولمَّا كان محلًا لجميع القوى الظاهرة والباطنة، ولكلِّ قوةٍ [منها] حكمٌ
وسلطانٌ وفخرٌ يورثها ذلك عزةً على غيرها(٢)، وكان محلُّ هذه القوى من الرأس
مختلفة فعمَّتِ(٣) الرأسَ كلَّه، وَجَبَ مَسْحُ كلِّه في هذه العبارة - لهذه الرِّياسةِ الساريةِ
فيه كلِّه من جهة هذه القوى - بالتواضُع والإقناع، فيكونُ لكلِّ قوةٍ مَسْحٌ مخصوصٌ
من مناسبة دعواها، وهذا مَلْحَظُ مَنْ يرى وجوبَ مَسْح جميع الرأس.
ومَنْ رأى تفاوتَ القوى بالرياسة، فإنَّ القوةَ المصوّرة مثلاً لها سلطانٌ على
القوة الخيالية، فهي الرئيسة عليها وإن كانت للقوة الخيالية رياسةٌ، قال: الواجبُ
عليه مَسْحُ بعض الرأس، وهو المتسم(٤) بالأعلى.
ثم اختلفوا في هذا البعض، فكلُّ عارفٍ قال بحسَب ما أعطاه الله تعالى من
الإدراك في مراتب هذه القوى، فيمسحُ بحسب ما يرى. ومعنى المسح هو التذلُّلُ
وإزالةُ الكبرياء والشموخ بالتواضع والعبودية؛ لأنَّ المتوضِّئَ بصددَ مناجاة ربِّه
(١) في الفتوحات المكية ١/ ٣٤٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) في الفتوحات: يورثه ذلك عزة على غيره كقصر الملك على سائر دور السوقة.
(٣) في الفتوحات: وجعل الله محالَّ هذه القوى مختلفة حتى عمت ...
(٤) في (م): المقسم، وفي الفتوحات: التهمم، والمثبت من الأصل.

سُورَةُ القَائِدَة
١٠٤
التفسير الإشاري (٦ - ١٣)
وطلبٍ وُصْلَتِهِ، والعزيزُ الرئيس إذا دخلَ على مَنْ ولَّاه تلك العزَّةَ ينعزلُ عن عِزَّته
ورياسته بعزِّ مَنْ دَخَلَ عليه، فيقفُ بين يديه وقوفَ العبيد في محلِّ الإذلال لا بصفة
الإدلال(١)، فمَنْ غَلَبَ على خاطره رياسةُ بعض القوى على غيرها، وَجَبَ عليه
مَسْحُ ذلك البعض من أجل الوُصْلة التي تُطْلبُ بهذه العبادة، ولهذا لم يُشْرَعْ مَسْحُ
الرأس في التيمم؛ لأنَّ وَضْعَ الترابٍ على الرأس من علامات الفِراق، فترى الفاقدَ
حبيبَهُ بالموت يضعُ الترابَ على رأسِه، وتفصيلُ رياسات القوى معلومٌ عند أهل هذا
الشأن.
وأما التبعيضُ في اليد الممسوح بها، واختلافهم في ذلك، فاعمل فيه كما تعملُ
في الممسوح سواء، فإنّ المزيلَ لهذه الرياسة أسبابٌ مختلفةٌ في القدرة على ذلك،
ومحلُّ ذلك اليد، فَمِنْ مزيل بصفة القهر، ومن مزيلٍ بسياسةٍ وترغيب، إلى آخر
ما قال.
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أُشير بها إلى القوى الطبيعية البدنية المنهمكة في الشهوات
والإفراط باللذات، وغَسْلها بماءٍ عِلْم الأخلاق وعلم الرياضيات حتى ترجعَ إلى
الصفاء الذي يستعدُّ به القلب للحضور والمناجاة.
وفي ((الفتوحات))(٢): اختلفوا في صفة طهارتها بعد الاتفاق على أنها من
أعضاء الوضوء: هل ذلك بالغَسل، أو بالمسح، أو بالتخيير بينهما؟ ومذهبنا
التخيير، والجمع أولى، وما من قولٍ إلا وبه قائل، والمسحُ بظاهر الكتاب،
والغَسْلُ بالسنة، ومحتمل الآية بالعدول عن الظاهر منها .
وأما حُكُمُ ذلك في الباطن فاعلم أنَّ السعيَ إلى الجماعات، وكثرةَ الخُطا إلى
المساجد، والثباتَ يوم الزحف، مما تَظْهُرُ به الأقدامُ، فلتكنْ طهارةُ رجليك
بما ذكرناه وأمثاله، ولا تتمثل(٣) بالنميمة بين الناس، ولا تمشٍ مرحاً، واقْصِدْ في
مَشْيِك، واغضُضْ من صوتك. ومن هذا ما هو فَرْضٌ بمنزلة المرَّة الواحدة في غَسْل
عضو الوضوء، الرِّجلِ وغيره، ومنه ما هو سُنَّةٌ وهو ما زاد على الفرض، وهو
(١) مصدر أَدَلَّ بمعنى اجترأ. معجم متن اللغة (دلل).
(٢) ٣٤٣/١.
(٣) في الفتوحات: ولا تمش.

التفسير الإشاري (٦ - ١٣)
١٠٥
سُورَةُ للَائِدَة
مَشْيُكَ فيما نَدَبك الشرع إليه، وما أوجبه عليك، فالواجبُ عليكَ نَقْلُ الأقدام إلى
مُصَلَاك، والمندوبُ والمستحبُّ والسنةُ وما شِئْتَ فقلْ من ذلك نَقْلُ (١) الأقدام إلى
المساجد من قُرْبٍ وبُعْد، فإنَّ ذلك ليس بواجبٍ وإن كان الواجبُ من ذلك عند
بعض الناس مسجداً لا بعينه، وجماعةً لا بعينها، فعلى هذا يكونُ غَسْلُ رجليك في
الباطن من طريق المعنى.
واعلم أنَّ الغَسْلَ يتضمَّنُ المسحَ، فَمَنْ غَسَلَ فقد أَدْرَجَ المسحَ فیه کاندراج نورِ
الكواكب في نور الشمس، ومَنْ مَسَحَ لم يغسل إلا في مذهب مَنْ یری ويَنْقلُ عن
العرب أنَّ المسح لغةٌ في الغَسْل، فيكونُ من الألفاظ المترادفة، والصحيح في
المعنى في حُكْم الباطن أن يُستَعملَ المسحُ فيما يقتضي الخصوص من الأعمال،
والغسل فيما يقتضي العموم، ولهذا كان مذهبنا التخييرَ بحَسَب الوقت، فإنَّ
الشخصَ قد يسعى لفضيلة خاصَّةٍ في حاجةٍ شخصٍ بعينه، فذلك بمنزلة المسح،
وقد يسعى للمَلِكِ في حاجةٍ تَعمُّ الرعيةَ، فيدخلُ ذلك الشخصُ في هذا العموم،
فذلك بمنزلة الغَسْل الذي اندرج فیه المسح. انتھی.
﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُوْ﴾ الجنابةُ غُرْبةُ العبد عن موطنه الذي يستحقُّه، ولیس
إلا العبودية، وتغريب صفةٍ ربانية عن موطنها، وكلُّ ذلك يُوجب التطهير.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِن كُم ◌َّهَ﴾ إلخ قد تقدَّم نظيره.
وفي ((الفتوحات))(٢): اختُلف في حَدِّ الأيدي المذكورة في هذه الطهارة، فمِنْ
قائلٍ: حَدُّها مثلُ حَدِّها في الوضوء. ومِن قائلٍ: هو الكَفُّ فقط، وبه أقول. ومن قائلٍ:
إنَّ الاستحبابَ إلى المرفقين والفَرْضُ الكَفَّان. ومن قائلٍ: إنَّ الفَرْضَ إلى المناكب.
والاعتبارُ في ذلك أنه لمَّا كان الترابُ في الأرض أَصْلَ نشأة الإنسان وهو
تحقيقُ عبوديَّته وذِلَّته، أُمِرَ بطهارة نفسِهِ من التكبُّر بالتراب، وهو حقيقةُ عبوديَّته،
ويكونُ ذلك بنظره في أصل خَلْقه. ولما كان من جملة ما يدَّعيه الاقتدارُ والعطاء،
مع أنه مجبولٌ على العَجْز والبخل، وهذه الصفاتُ من صفات الأيدي، قيل له عند
(١) في الفتوحات: مثل نَقْلٍ.
(٢) ٣٧٣/١.

سُورَةُ القَائِدَة
١٠٦
التفسير الإشاري - الآيات : ٦ - ١٣
هذه الدعوة ورؤيةٍ نفسه في الاقتدار الظاهر منه والكرم والعطاء: طَهِّر نفسَكَ من
هذه الصفة(١) بنظركَ فيما جُبلتَ عليه من ضَعْفك ومن بخلك، فقد قال تعالى:
﴿خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ
مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] فإذا نظر إلى هذا الأصل زَكَتْ نفسُهُ وتطهَّرتْ من الدعوى.
واختلفوا في عدد الضربات على الصعيد للتيمُّم، فمِنْ قائلٍ: واحدة، ومن
قائلٍ: اثنتان، والقائلون بذلك، منهم مَن قال: ضربةٌ للوجه وضربةٌ لليدين، ومنهم
مَن قال: ضربتان لليد وضربتان للوجه، ومذهبنا أنه مَنْ ضَرَبَ واحدةً أجزأه، ومَنْ
ضَرَبَ اثنتين اجزأه، وحديثُ الضَّرْبة الواحدة أَثبت(٢).
والاعتبارُ في ذلك التوجُّه إلى ما تكون به هذه الطهارة، فمن غَلَّب التوحيدَ في
الأفعال قال بالضَّرْبة الواحدة، ومن غَلَّب حكم(٣) السبب الذي وضعه الله تعالى
ونسب الفعل إلى الله تعالى مع تعريته عنه مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
[الصافات: ٩٦] فأثبتَ ونفى قال بالضربتين، ومَنْ قال: إنَّ ذلك في كلِّ فعل، قال
بالضربتین لکلِّ عضوٍ. انتھی.
وقد أطال الشيخُ قُدِّسَ سِرُّه الكلامَ في أنواع الطهارة وأتى فيه بالعجب العجاب.
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيقٍ ومشقَّةٍ بكثرة
المجاهدات ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ من الصفات الخبيثة.
وعن سهل: الطهارةُ على سبعة أوجه: طهارةُ العلم من الجهل، وطهارةُ الذِّكر
من النسيان، وطهارةُ اليقين من الشك، وطهارةُ العقل من الحُمق، وطهارةُ الّنِّ من
التُّهمة، وطهارةُ الإيمان مما دونه، وطهارةُ القلب من الإرادات.
وقال: إسباغُ طهارة الظاهر تُورثُ طهارةَ الباطن، وإتمامُ الصلاة يُورثُ الفَهْم
عن الله تعالى. والطهارةُ تكون في أشياء: في صَفاءِ المَظْعم، ومباينة الأنام،
(١) في الفتوحات: الصفات.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٧) من حديث عمار ه. وحديث الضربتين أخرجه الدارقطني (٦٨٥)
والحاكم ١٧٩/١ من حديث ابن عمر ﴿يا، وأخرجه الدارقطني (٦٩١)، والحاكم ١٨٠/١
من حديث جابر
(٣) في الفتوحات: حكمة.

التفسير الإشاري - الآيات : ٦ - ١٣
١٠٧
سُورَةُ القَائِدَة
وصِدْقِ اللِّسان، وخشوع السِّرِّ. وكلُّ واحدٍ من هذه الأربع مقابلٌ لِمَا أَمَر الله تعالى
بتطهيره وغَسْله من الأعضاء الظاهرة.
وقال ابن عطاء: البواطنُ مواضعُ نَظَرِ الحقِّ سبحانه، فقد روي عنه وَّهِ: ((إنَّ الله
تعالى لا ينظر إلى صُوَركم ولا إلى أعمالكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم)»(١). فموضِعُ
نَظَر الحقِّ جلَّ وعلا أَحَقُّ بالطهارة، وذلك إنما يكون بإزالة أنواع الخيانات
والمخالفات، وفنون الوساوس والغِشِّ والحقد والرياء والسمعة، وغير ذلك من
المناهي، وليسَ شيءٌ على العارفين أشدَّ من جَمْع الهمِّ وطهارة السِّر، وفي إضافة
التطهير إليه تعالى ما لا يخفى من اللطف.
﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالتكميل، وقال بعضُ العارفين: إتمامُ النعمة لقومٍ
نجاتهم بتقواهم، وعلى آخرين نجاتهم عن تقواهم، فشتَّان بين قومٍ وقوم.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ الكمال بالاستقامة والقيام بحقِّ العدالة عند البقاء
بعد الفناء.
﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالهداية إلى طريق الوصول إليه ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِى
وَنَّقَكُمْ بِهِ﴾ وهو عقودُ عزائمه المذكورة ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: إذ(٢)
قبلتموها من مَعدِن النبوة بصفاء الفِطْرة.
وقال بعضهم: المراد بنعمة الله تعالى: هدايتُهُ سبحانه السابقةُ في الأَزَل لأهل
السعادة، وبالميثاقِ الذي واثَقَ اللهُ تعالى به عبادَهُ أن لا يشتغلوا بغيره عنه سبحانه.
وقال أبو عثمان: النِّعَمُ كثيرةٌ وأَجَلُّها المعرفةُ به سبحانه، والمواثيقُ كثيرةٌ
وأَجَلُّها الإيمان.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ﴾ أي: من قوى
نفوسكم المحجوبة وصفاتها ﴿أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالاستيلاء والقَهْر
(١) كذا ذكر المصنف لفظ هذا الحديث، والصواب: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم،
ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))، وهو عند أحمد (٧٨٢٧)، ومسلم (٢٥٦٤)، وابن ماجه
(٤١٤٣)، وابن حبان (٣٩٤).
(٢) في (م): إذا .

سُورَّةُ القَائِدَة
١٠٨
التفسير الإشاري - الآيات : ٦ - ١٣
لتحصيل مآربها وملاذِّها ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ أي: فمنعها عنكم بما أَراكم من
طريق التطهير والتنزيه.
﴿وَنَّقُواْ اللّهُ﴾ واجعلوه سبحانه وقايةً في قَهْرِها ومَنْعِها ﴿وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ
اُلْمُؤْمِنُونَ﴾ برؤية الأفعال كلِّها منه عزَّ وجلَّ.
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ بَنِي إِسْرَّهِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وهم في
الأنفسِ الحواسُّ الخمسُ الظاهرة، والخمسُ الباطنة، والقوة العاقلة النظريةُ،
والقوة العملية.
وذكر غيرُ واحدٍ من ساداتنا الصوفية أنَّ النقباء أحدُ أنواع الأولياء نفعنا الله
تعالى ببركاتهم، ففي ((الفتوحات)): ومنهم النقباء، وهم اثنا عَشَرَ نقيباً في كلِّ زمان
لا يزيدون ولا ينقصون، على عدد بروج الفلك الاثني عَشَرَ بُرْجاً، كلُّ نقيبٍ عالِمٌ
بخاصِّيَّةِ كلِّ بُرْج، وبما أَوَدَعَ الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات، وما يُعطِي
للنزلاء فيه من الكواكب السيارة والثوابت، فإنَّ للثوابت حركاتٍ وقَطْعاً في البروج
لا يُشْعَرُ به في الحِسِّ؛ لأنه لا يظهر ذلك إلا في آلافٍ من السنين، وأعمار [أهل]
الرصد تقصُرُ عن مشاهدة ذلك، واعلم أنَّ الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء
علومَ الشرائع المُنزلة، ولهم استخراجُ خبايا النفوس وغوائِلها، ومعرفةُ مَكْرِها
وخداعِها، وإبليسُ مكشوفٌ عندهم، يعرفون منه مالا يعرفه من نفسه، وهم من
العلم بحيثُ إذا رأى أحدُهم أَثَرَ وَظْأَة شخصٍ في الأرض عَلِمَ أنها وطأٌ سعيدٍ أو
شقيٍّ، مثل العلماء بالآثار والقيافة، وبالديار المصرية منهم كثيرٌ يخرجون الأثر في
الصخور، وإذا رأوا شخصاً يقولون: هذا الشخصُ هو صاحبُ ذلك الأثر، وليسوا
بأولياء، فما ظنُّك بما يعطيه الله تعالى لهؤلاء النقباء من علوم الآثار(١)؟ انتهى.
وقد عَدَّ الشيخُ قُدِّسَ سِرُّهُ فيها أنواعاً كثيرة، والسلفيونَ يُنكرون أكثرَ تلك
الأسماء، ففي بعض فتاوى ابن تيمية: وأما الأسماءُ الدائرةُ على ألسنة كثيرٍ من
النُّسَّاك والعامة مثلُ الغوث الذي بمكة، والأوتاد الأربعة، والأقطاب السبعة،
والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاث مئة، فهي ليست موجودةً في كتاب الله تعالى،
(١) الفتوحات المكية ٧/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.

التفسير الإشاري - الآيات : ٦ - ١٣
١٠٩
سُورَةُ للقائِدَة
ولا هي مأثورةٌ عن النبيِّ نََّ، لا بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ محتملٍ، إلا لفظ
الأبدال، فقد روي فيهم حديثٌ شاميٍّ منقطعُ الإسناد عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه
مرفوعاً إلى النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((إنَّ فيهم - يعني أهل الشام - الأبدالَ أربعين رجلاً،
كلَّما مات رجلٌ أبدل الله تعالى مكانه رجلاً))(١) ولا توجد أيضاً في كلام
السلف(٢). انتهى، وأنا أقول:
وما أنا إلَّا من غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ وإِنْ تَرْشُدْ غَزِيةُ أَرْشُدِ (٣)
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَكُمْ﴾ بالتوفيق والإعانة ﴿لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ﴾
وتحلَّيتم بالعبادات البدنية ﴿وَءَاتَيْثُمُ الزَّكَوَةَ﴾ وتخلَّيتم عن الصفات الذميمة من
البُخْل والسُّحِّ، فزهدتُم وآثرتم ﴿وَءَامَنتُم بِرُسُلٍ﴾ جميعِهم، من العقل والإلهامات،
والأفكار الصائبة، والخواطِر الصادقة من الروح والقلب وإمدادٍ الملكوت
﴿وَعَزَّتُهُهُمْ﴾ أي وعظتموهم بأن سلَّطتموهم على شياطين الوَهْم، وقوَّيتموهم
ومنعتُموهم من الوساوس وإلقاء الوهميات والخيالات والخواطر النفسانية
﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بأن تبرَّأتم من الحول والقوة والعلم والقدرة،
وأسندتُم كلَّ ذلك إليه عزَّ شأنه، بل ومن الأفعال والصفات جميعها، بل ومن
الذات بالمحو والفناء وإسلامِها إلى باريها جلَّ وعلا.
◌ِلَّأَكَفْرَنَّ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ﴾ التي هي الحُجُب والموانعُ لكم ﴿ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ
جَنَّتٍ﴾ مما عندي ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ وهي أنهارُ علوم التوُّل والرضاء
والتسليم والتوحيد، وتجلِّيات الأفعال والصفات والذات.
﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ العهدِ وبَعْثِ النقباء منكم ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّيِلِ﴾
وهَلَكَ مع الهالكين.
(١) أخرجه أحمد (٨٩٦) من طريق شريح بن عبيد عن علي ظله، وشريح بن عبيد لم يدرك
عليًّا. وقال ابن القيم في المنار المنيف ص١٣٦: أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث
والنقباء والنجباء والأوتاد كلَّها باطلة على رسول الله وَه.
(٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٤٣٣/١١-٤٣٤.
(٣) البيت لدريد بن الصمة، وهو في الأصمعيات ص١٠٧، وجمهرة أشعار العرب ٥٩٠/١،
وجمهرة الأمثال ١٩٥/١.

سُورَةُ لقائِدَة
١١٠
الآية : ١٤
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ﴾ الذي وثَّقوه(١) ﴿لَعَنَّهُمْ﴾ وطردناهم عن الحضرة
﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ﴾ باستيلاءِ صفات النفس عليها، وميلها إلى الأمور
الأرضية ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ.﴾ حيث حُجبوا عن أنوار الملكوت والجبروت
التي هي كلماتُ الله تعالى، واستبدلوا قوى أنفسهم بها، واستعملوا وهميَّاتهم
وخيالا تهم بدلَ حقائقها .
﴿وَنَسُواْ حَظًا﴾ نصيباً وافراً ﴿مِّمَا ذُكِرُوا بِهِ﴾ في العهد اللاحق، وهو ما أُوتوه
في العهد السابق من الكمالات الكامنة في استعداداتهم الموجودة فيها بالقوة.
﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ من نقضِ عهدٍ ومَنْعِ أمانةٍ لاستيلاء شيطان
النفس عليهم وقساوة قلوبهم ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ وهو مَنْ جَرَّهُ استعداده إلى ما فيه
صلاحه ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى عباده باللُّطف والمعاملة
الحسنةِ جَعَلَنا الله تعالى وإياكم من المحسنين.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ﴾ شروعٌ في بيان قبائحِ
النصارى وجناياتهم إثرَ بيان قبائح وجنايات إخوانهم اليهود، و((مِن)) متعلِّقةٌ
بـ (أخذنا))، وتقديمُ الجارِّ للاهتمام، ولأنَّ ذكْرَ إحدى الطائفتين مما يوقعُ في ذهن
السامع أنَّ حالَ الأخرى ماذا؟ كأنه قيل: ومن الطائفة الأخرى أيضاً أخذنا ميثاقهم.
والضميرُ المجرور راجعٌ إلى الموصول، أو عائدٌ على بني إسرائيل الذين عادتْ إليهم
الضمائر السابقة، وهو نظيرُ قولك: أخذتُ من زيدٍ ميثاقَ عمرو، أي: مثل ميثاقه.
وجُوِّز أن يكون الجارُّ متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع خبراً لمبتدأ محذوفٍ أيضاً، وجملةُ
(أخذنا)) صفةٌ، أي: ومن الذين قالوا إنَّا نصارى قومٌ أخذنا منهم ميثاقهم.
وقيل: المبتدأُ المحذوف (مَن)) الموصولة، أو الموصوفة، ولا يخفى أنَّ جوازَ
حَذْف الموصول وإبقاءٍ صِلَته لم يذهب إليه سوى الكوفيين.
وإنما قال سبحانه: (قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىنَّ) ولم يقل جلَّ وعلا: ومن النصارى -
كما هو الظاهر - بدون إطناب؛ للإيماء - كما قال بعضهم - إلى أنهم على دين
(١) في الأصل: واثقوه.

الآية : ١٤
١١١
سُورَةُ القَائِدَة
النصرانية بزَعْمِهم، وليسوا عليها في الحقيقة لعدم عملهم بموجبها، ومخالفتهم
لما في الإنجيل من التبشير بنبيِّنا وَله.
وقيل: للإشارة إلى أنهم لَقَّبوا بذلك أنفسَهم على معنى أنهم أنصارُ الله تعالى،
وأفعالُهم تقتضي نُصْرة الشيطان، فيكونُ العدولُ عن الظاهر لتتصوَّر تلك الحالُ في
ذهن السامع، ويتقرَّر أنهم ادَّعوا نُصْرةَ الله تعالى وهم منها بمعزِل.
ونكتةُ تخصيصٍ هذا الموضع بإسناد النصرانية إلى دعواهم، أنه لمَّا كان
المقصود في هذه الآية ذَقُّهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم في نُصْرة الله تعالى،
ناسَبَ ذلك أن يُصدَّرَ الكلامُ بما يدلُّ على أنهم لم يَنصُروا الله تعالى ولم يَفُوا
بما واثقوا عليه من النُّصرة، وما كان حاصلُ أَمرِهم إلا التفوُّه بالدعوى وقولها دون
فعلها، ولا يخفى أنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ وَجْهَ تسميتهم نصارى كونُهم أنصارَ الله
تعالى، وهو وجهٌ مشهورٌ، ولهذا يقال لهم أيضاً: أنصار.
وفي غير ما موضع: أنَّ عيسى عليه السلام وُلد في سنة أربع وثلاث مئةٍ لغلبة
الإسكندر في بيت لحم من القدس(١)، ثم سارت به أُمُّهُ عليها السلامُ إلى مصر،
ولما بلغ اثنتي عَشْرَةَ سنةً عادت به إلى الشام، فأقامَ ببلدةٍ تُسمَّى الناصرة أو
نَصورِية، وبها سُمِّيتِ النصارى، ونُسبوا إليها.
وقيل: إنهم جَمْعُ نَصْران كندامى ونَدْمان، أو جَمْعُ نَصْرِيٌّ كَمَهْرِيٌّ ومَهارَى،
والنصرانية والنَّصْرانةُ: واحدةُ النصارى، والنصرانيةُ أيضاً: دينُهم، ويقال لهم:
نصارى وأنصار، وتنصَّر: دخل في دينهم.
﴿فَنَسُوا﴾ على إثر أَخْذِ الميثاق ﴿حَظًّا﴾ نصيباً وافراً ﴿مِّمَا ذُكِرُواْ بِذِ﴾ في
تضاعيف الميثاق، من الإيمان بالله تعالى وغيرِ ذلك من الفرائض.
وقيل: هو ما كُتب عليهم في الإنجيل من الإيمان بالنبيِّ وَّته، فنبذوه وراءَ
ظهورهم واتَّبعوا أهواءهم، وتفرَّقوا إلى اثنتين وسبعين فِرْقة.
﴿فَغْهَبَا﴾ أي: ألزمنا وأَلْصَفْنا، وأصله اللُّصوق؛ يقال: غَريتُ بالرجل غَرَى:
(١) في (م): المقدس. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٢٦/٣ والكلام منها.

سُورَةُ القَائِدَةِ
١١٢
الآية : ١٤
إذا لَصِفْت به، قاله الأصمعي، وقال غيره: غَريتُ به غِراءً، بالمد، وأغريتُ زيداً
بكذا حتى غَرِيَ به، ومنه: الغِراءُ الذي يُلصق به الأشياء.
وقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ ظرفٌ لـ ((أغرينا)»، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من
مفعوله، أي: أغرينا ﴿اُلْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءُ﴾ كائنةً بينهم.
قال أبو البقاء: ولا سبيلَ إلى جَعْله ظَرْفاً لهما؛ لأنَّ المصدرَ لا يعمل
فيما قبله(١). وأنت تعلم أنَّ منهم مَنْ أجاز ذلك إذا كان المعمولُ ظَرْفاً .
وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ إما غايةٌ للإغراء، أو للعداوة والبغضاء، أي:
يتعادَوْن ويتباغضون إلى يوم القيامة حَسْبَما تقتضيه أهواؤهم المختلفةُ، وآراؤهم
الزائغة، المؤدِّيةُ إلى التفرُّق إلى الفِرَق الكثيرة، ومنها النَّسطورية، واليعقوبية،
والملکانیة، وقد تقدَّم الكلامُ فيهم(٢)، فضمیر «بینھم) إلى النصارى کما روي عن
الربيع، واختاره الزجاج(٣) والطبري (٤).
وعن الحسن وجماعة من المفسرين أنه عائدٌ على اليهود والنصارى.
﴾ في الدنيا من نَقْض
﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (®
الميثاق ونسيان الحظّ الوافر مما ذُكِّروا به، والكلامُ مُساقٌ للوعيد الشديد
بالجزاء والعقاب، فالإنباءُ مجازٌ عن وقوع ذلك وانكشافه لهم، لا أنَّ ثَمَّتَ
إخباراً حقيقة.
والنكتةُ في التعبير بالإنباء: الإنباءُ بأنهم لا يعلمون حقيقةً ما يعملونه من
الأعمال السيئة واستتباعِها للعذاب، فيكونُ ترتيبُ العذاب عليها في إفادة العلم
بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها .
والالتفاتُ إلى ذكر الاسم الجليل لما مرَّ مراراً. والتعبيرُ عن العمل بالصُّنع
للإیذان برسوخھم فیه. و ((سوف)» لتأكید الوعید.
(١) الإملاء ٢/ ٤٠٢ .
(٢) ٦ / ٤١٧ .
(٣) في معاني القرآن ٢/ ١٦١ .
(٤) في تفسيره ٨/ ٢٦٠.

الآية : ١٥
١١٣
سُورَةُ القَائِدَة
﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾ التفاتُ إلى خطاب الفريقين من اليهود والنصارى، على أنَّ
الكتابَ جنسٌ صادقٌ بالواحد والاثنين وما فوقهما، والتعبيرُ عنهم بعنوان أهلية
الكتاب للتشنيع، فإنَّ أهليةَ الكتاب من موجبات مراعاته والعمل بمقتضاه وبيانِ
ما فيه من الأحكام، وقد فعلوا ما فعلوا وهم يعلمون.
﴿قَّ ◌َكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد ◌ِّهِ، والتعبيرُ عنه بذلك مع الإضافة إلى ضمير
العَظَمة للتشريف، والإيذان بوجوب اتِّباعه عليه الصلاة والسلام.
﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ حالٌ من ((رسولنا)) وإيثارُ الفعلية للدلالة على تجدُّد البيان،
أي: حالَ كونه مبيِّناً لكم على سبيل التدريج حَسْبَما تقتضيه المصلحة.
﴿كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ أي: التوراة والإنجيل، وذلك
كَنَّعْتِ النبيِّ وَّهِ، وآيةِ الرجم، وبشارة عيسى بأحمدَ عليهما الصلاة والسلام.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه قال: إن نبيَّ الله تعالى وَلهو أتاه اليهودُ يسألونه
عن الرجم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أَيُّكم أعلم؟)) فأشاروا إلى ابن صُوريا،
فناشده بالذي أَنزل التوراةَ على موسى عليه السلام، والذي رَفَعَ الطُور، وبالمواثيق
التي أُخذت عليهم، حتى أخذه أَفْكَلُ (١)، فقال: إنه لمَّا كثر فينا [القتل] جَلَدْنا مئةً
وحلقنا الرؤوس، فحَكَم عليهم بالرَّجْم، فأنزل الله تعالى هذه الآية(٢).
وتأخيرُ ((كثيراً) عن الجارِّ والمجرور لما مرَّ غيرَ مَرَّة، والجمعُ بين صيغتي
الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على الكَثْم والإخفاء، و ((مما)) متعلّقٌ
بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((كثيراً))، و((ما)) موصولةٌ اسميةٌ، وما بعدها صِلتُها، والعائدُ
محذوفٌ، و((من الكتاب)) حالٌ من ذلك المحذوف، أي: يُبيِّنُ لكم كثيراً من الذي
تخفونه على الاستمرار حالَ كونه من الكتاب الذي أنتم أهلُه والعاكفون عليه.
﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ أي: ولا يُظهر كثيراً مما تخفونه إذا لم تَدْعُ إليه داعيةٌ دينيةٌ،
صيانةً لكم عن زيادة الافتضاح.
(١) أفكل: رعدة تعلو الإنسان، ولا فعل له. اللسان (فكل).
(٢) تفسير الطبري ٢٦٣/٨، وما بين حاصرتين منه.

سُورَةُ القَائِدَة
١١٤
الآية : ١٥
وقال الحسن: أي: يصفحُ عن كثيرٍ منكم، ولا يؤاخذُه إذا تاب واتَّبعه.
وأخرج ابن حميد عن قتادةَ مثله(١) .
واعتُرض أنه مخالفٌ للظاهر، لأنَّ الظاهرَ أن يكون هذا الكثيرُ كالكثير السابق.
وفيه نظرٌ - كما قال الشهاب - لأنَّ النكرةَ إذا أُعيدت نكرةً فهي متغايرة(٢)، نعم
اختار الأول الجبَّائيُّ وجماعةٌ من المفسِّرين. والجملةُ معطوفةٌ على الجملة الحالية
داخلةٌ في حكمها .
﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ عظيمٌ، وهو نورُ الأنوار والنبيُّ المختارة ◌ِّهِ،
وإلى هذا ذهب قتادة، واختاره الزجَّاج(٣).
وقال أبو عليٍّ الجبَّائِيُّ: عَنَى بالنور القرآن؛ لكَشْفه وإظهاره طُرُقَ الهدى
واليقين. واقتصر على ذلك الزمخشريُّ(٤)، وعليه فالعَظْفُ في قوله تعالى:
لتنزيل المغايرة بالعنوان منزلةً المغايرة بالذات، وأما على
﴿وَكِتَبُ تُبِينٌ
الأول فهو ظاهرٌ. وقال الطَّبيُّ: إنه أَوفقُ لتكرير قوله سبحانه: (قَدْ جَآءَكُمْ) بغير
عاطف، فَعُلِّقَ به أولاً وَصْفُ الرسول والثاني وَصْفُ الكتاب.
وأحسنُ منه ما سلكه الراغبُ حيث قال: بَيَّن في الآية الأولى والثانية النِّعَمَ
الثلاثَ التي خصَّ بها العباد: النبوةً والعقلَ والكتاب، وذكر في الآية الثالثة ثلاثةً
أحكامٍ يرجعُ كلُّ واحدٍ إلى نعمةٍ مما تقدَّم، فـ ((يهدي به)) إلخ يرجع إلى قوله
سبحانه: (قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا). و((يُخرجهم)) إلخ يرجع إلى قوله تعالى: (قَدْ
جَآءَ كُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ). و((يهديهم)) يرجعُ إلى قوله عزَّ شأنه: (وَكِتَبُ تُبِيبٌ)
كقوله: (هُدَّى لِلْنَّقِينَ). انتهى.
وأنت تعلم أنه لا دليلَ لهذا الإرجاع سوى اعتبار الترتيب اللفظي، ولو أُرجعت
الأحكام الثلاثة إلى الأول لم يمتنع، ولا يبعد عندي أن يُرادَ بالنور والكتاب المبين
(١) الدر المنثور ٢٦٩/٢.
(٢) حاشية الشهاب ٢٢٦/٣.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ١٦١.
(٤) في الكشاف ١/ ٦٠١.

الآية : ١٦
١١٥
سُورَةُ القَائِدَة
النبيُّ ◌َّه والعَطْفُ عليه كالعَظْف على ما قاله الجبّائي، ولا شكَّ في صحّة إطلاق
كلِّ عليه عليه الصلاة والسلام، ولعلَّك تتوقف في قبوله من باب العبارة فليكن ذلك
من باب الإشارة.
والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((جاء))، و((من)) لابتداء الغاية مجازاً، أو متعلِّقٌ
بمحذوفٍ وقع حالاً من ((نور))، وتقديمُ ذلك على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون
المجيء من جهته تعالى العاليةِ، والتشويقِ إلى الجائي، ولأنَّ فيه نوعُ طُولٍ يُخِلُّ
تقديمُهُ بتجاوُب النّظم الکریم.
والمبين: من ((بان)) اللازم بمعنى ظَهَرَ، فمعناه: الظاهرُ الإعجاز، ويجوز أن
يكون من المتعدِّي، فمعناه: المُظْهِرُ للناس ما كان خافياً عليهم.
﴿يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ﴾ توحيدُ الضمير لاتِّحاد المرجع بالذات، أو لكونهما في حُكم
الواحد، أو لكون المراد: يهدي بما ذكر، وتقديمُ المجرور(١) للاهتمام نظراً إلى
المقام، وإظهارُ الاسم الجليل لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية، ومحلُّ الجملة
الرفعُ على أنها صفةٌ ثانيةٌ لـ ((كتاب))، أو النَّصْبُ على الحالية منه لتخصيصه بالصفة.
وجوَّز أبو البقاء أن تكون حالاً من ((رسولنا)) بدلاً من ((يبيِّن))، وأن تكون حالاً
من الضمير في ((يبيِّن))، وأن تكون حالاً من الضمير في (مُبين))، وأن تكون صفةً
لـ «نور))(٢).
﴿مَنْ أَنَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: مَنْ عَلِمَ الهُ تعالى أنه يريدُ اتِّباعَ رضا اللهِ تعالى
بالإيمان به، و((مَن)) موصولةٌ أو موصوفةٌ.
سُبُلَ السَّلَمِ﴾ أي: طُرُقَ السلامة من كلِّ مخافة، قاله الزجاج(٣)، فالسلامُ
مصدرٌ بمعنى السلامة.
وعن الحسن والسديِّ: أنه اسمُه تعالى، وَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوَضِعَ المُضْمرِ ردًّا
على اليهود والنصارى الواصفين له سبحانه بالنقائص، تعالى عمَّا يقولون عُلوًّا
(١) في الأصل: الجار.
(٢) الإملاء ٤٠٢/٢-٤٠٣ .
(٣) في معاني القرآن ١٦١/٢.

ودَةُ الْعَائِدَة
١١٦
الآية : ١٧
كبيراً، والمراد حينئذٍ بسُبُله تعالى: شرائعُه سبحانه التي شَرَعَها لعباده عزَّ وجلَّ،
ونَصْبُها قيل: على أنها مفعولٌ ثانٍ لـ ((يهدي)) على إسقاط حرف الجرِّ، نحو:
﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وقيل: إنها بدلٌ من ((رضوان)) بدلَ كلٍّ من كلّ، أو بعضٍ من كلّ، أو
اشتمال.
والرِّضوان بكسر الراء وضمِّها لغتان، وقد قُرئ بهما(١)، و((السُّبْل)) بضمِّ الباء
والتسکین لغة، وقد قرئ به(٢).
﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ الضميرُ المنصوبُ عائدٌ إلى ((مَن)) والجمع باعتبار المعنى، كما أنَّ
إفرادَ الضمير المرفوع في ((اتّبع)) باعتبار اللفظ.
﴿مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من فنون الكُفْرِ والضلال إلى الإيمان ﴿ بِإِذْنِهِ.﴾
أي: بإرادته، أو بتوفيقه.
33) وهو دينُ الإسلام الموصِلُ إلى الله
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
تعالى، كما قال الحسن، وفي ((إرشاد العقل السليم)) (٣): وهذه الهدايةُ عينُ الهداية
إلى سُبُل السلام، وإنما عُطفت عليها تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلةَ التغاير الذاتي،
كما في قوله تعالى: ﴿وَلَغَّا جَّةَ أَمْرُنَا نَّمَا هُودًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَجَيْنَهُم مِّنْ
عَذَابٍ غَلِظٍ﴾ [هود: ٥٨].
وقال الجبّائي: المراد بالصراط المستقيم: طريقُ الجنة.
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمٌ﴾ لا غيرُ المسيح،
كما يقال: الكَرَمُ هو التقوى، وإنَّ الله تعالى هو الدهر، أي: الجالبُ للحوادث
لا غيرُ الجالب، فالقَصْر هنا للمسنَد إليه على المسنَد، بخلاف قولك: زيدٌ هو
المنطلق، فإنَّ معناه: لا غیرُ زید.
(١) الإملاء ٢/ ٤٠٣، واتفق القراء العشرة على القراءة بكسر الراء في هذا الموضع.
(٢) القراءات الشاذة ص٣١، والإملاء ٤٠٣/٢، والكلام منه.
(٣) هو تفسير أبي السعود، والكلام فيه ١٩/٣ .

الآية : ١٧
١١٧
سُوَرَّةُ القَائِدَة
والقائلون لذلك ــ على ما هو المشهور - هم اليعقوبية المُدَّعون بأنَّ الله سبحانه
قد يَحِلُّ في بدن إنسانٍ معيَّنٍ، أو في روحه.
وقيل: لم يصرِّح بهذا القول أحدٌ من النصارى، ولكن لمَّا زعموا أنَّ فيه لا هوتاً
مع تصريحهم بالوحدة، وقولهم: لا إله إلا واحد، لزمهم أنَّ الله سبحانه هو
المسيح، فُسب إليهم لازمُ قولِهم توضيحاً لجهلهم وتفضيحاً لمعتقدهم.
وقال الراغب(١): فإن قيل: إنَّ أحداً لم يقل: الله تعالى هو المسيح، وإن
قالوا: المسيحُ هو الله تعالى، وذلك أنَّ عندهم أنَّ المسيحَ من لاهوتٍ وناسوتٍ،
فيصحُّ أن يُقال: المسيحُ هو اللاهوت وهو ناسوتٌ، كما صحَّ أن يقال: الإنسان هو
حيوانٌ مع تركُبه من العناصر، ولا يصحُّ أن يقال: اللاهوتُ هو المسيح،
كما لا يصحُّ أن يقال: الحيوان هو الإنسان.
قيل: إنهم قالوا: هو المسيحُ على وجهٍ آخر غيرَ ما ذكرت، وهو ما روي عن
محمد بن كعب القُرَظي: أنه لما رُفع عيسى عليه الصلاة والسلام اجتمعَ طائفةٌ من
علماء بني إسرائيل فقالوا: ما تقولون في عيسى (عليه الصلاة والسلام)؟ فقال
أحدهم: أَوَتعلمون أحداً يحيي الموتى إلا الله تعالى؟ فقالوا: لا، فقال: أَوَتعلمون
أحداً يُبرئ الأَكْمهَ والأَبرص إلا الله تعالى؟ قالوا: لا، قالوا: فما الله تعالى إلا مَنْ
هذا وَصْفُهُ. أي: حقيقةُ الإلهية فيه، وهذا كقولك: الكريم زيد، أي: حقيقةُ الكرم
في زيد، وعلى هذا قولهم: إن الله تعالى هو المسيح. انتهى.
وأنت تعلمُ أنه مع دَعْوَى أنَّ القائلين بالاتّحاد يقولون بانحصار المعبود في
المسيح كما هو ظاهرُ النَّظْم، لا يَرِدُ شيءٍ.
﴿قُلْ﴾ يا محمد تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان قولهم الفاسد، وإلقاماً لهم
الحجر. وقد يقال: الخطابُ لكلِّ مَنْ له أهليةٌ ذلك. والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَمَن
يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ عاطفةٌ على مُقَدَّرٍ، أو جوابُ شَرْطٍ محذوف، و((مَن))
استفهاميةٌ للإنكار والتوبيخ، والمِلْكُ: الضَّبْطُ والحِفْظُ التامُّ عن حَزْم، والمراد هنا:
فَمَنْ يمنع، أو يستطيع، كما في قوله:
(١) كما في حاشية الشهاب ٢٢٧/٣.

سُوَدَّةُ القَائِدَة
١١٨
الآية : ١٧
أَصبحتُ لا أحملُ السلاحَ ولا أملكُ رأسَ البعير إنْ نفرا (١)
و (من الله)) متعلِّقٌ به على حَذْفِ مضافٍ، أي: ليس الأمرُ كذلك، أو: إن كان
كما تزعمون، فَمَنْ يمنعُ من قدرته تعالى وإرادته شيئاً ﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ
أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَهُ، وَمَن فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ومِن حقِّ مَن يكون إلهاً أن لا يتعلَّق
به، ولا بشأنٍ من شؤونه بل بشيءٍ من الموجودات قدرةُ غيره، فَضْلاً عن أن يَعجزَ
عن دفع شيءٍ منها عند تعلَّقها بهلاكه، فلما كان عجزهُ بيِّناً لا ريب فيه ظَهَرَ كونُه
بمعزلٍ عمَّا تقولون فيه. والمراد بالإهلاك: الإماتةُ والإعدامُ مطلقاً، لا عن سُخْطٍ
وغضب.
وإظهارُ المسيح على الوجه الذي نسبوا إليه الألوهية حيث ذُكرت معه الصِّفةُ في
مقام الإضمار؛ لزيادة التقريرِ والتنصيصٍ على أنه من تلك الحيثية بعينها داخلٌ تحت
قهره تعالی وملكوته سبحانه.
وقيل: وَصَفَّهُ بذلك للتنبيه على أنه حادثٌ تعلَّقت به القدرةُ بلا شبهة؛ لأنه تَوَلَّد
من أمِّ.
وتخصيصُ الأمِّ بالذكر مع اندراجها في عموم المعطوف، لزيادة تأكيد عَجْزِ
المسيح. ولعلَّ نَظْمَها في سِلْك مَنْ فُرِضَ إهلاكهم مع تحقَّق هلاكها قبلُ؛ لتأكيد
التبكيت، وزيادةٍ تقرير مضمون الكلام بجَعْل حالها أُنموذجاً لحالٍ بقيةٍ مَنْ فُرض
إهلاکه .
وتعميمُ إرادةِ الإهلاكِ مع حصول الغرض بقَصْرها على عيسى عليه الصلاة
والسلام؛ لتهويل الخَطْب وإظهارٍ كمال العَجْز، ببيان أنَّ الكُلَّ تحتَ قَهْره وملكوته
تعالى، لا يقدرُ أحدٌ(٢) على دَفْع ما أُريد به فضلاً عمَّا أُريد بغيره، وللإيذان بأنَّ
المسيحَ أُسوةٌ لسائر المخلوقات في كونه عُرْضً للهلاك، كما أنه أسوةٌ لهم في
العَجْز وعدم استحقاق الألوهية. قاله المولى أبو السعود(٣).
(١) البيت للربيع بن ضبع الفزاري كما في جمهرة الأمثال ٢٣٧/١، وأمالي القالي ١٨٥/٢،
والحلل للبطليوسي ص٣٧، وعزاه الزمخشري في المستقصى ٢/ ١٩٢ لشريح بن هانئ.
(٢) قوله: أحد، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٣/ ٢٠.
(٣) في تفسيره ٢٠/٣.

الآية : ١٧
١١٩
سُورَةُ لعَائِدَة
و (جميعاً)) حالٌ من المتعاطفات، وجُوِّزَ أن يكون حالاً من ((مَنْ)) فقط؛
لعمومها .
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ - أي: ما بين طَرَفَي
العالم الجسماني، فيتناول ما في السماوات من الملائكة(١)، وما في أعماق الأرض
والبحار من المخلوقات - قيل: تنصيصٌ على كون الگُلِّ تحت قَهْره تعالى وملكوته،
إثر الإشارة إلى كون البعض كذلك، أي: له تعالى وحده ملكُ جميع الموجودات،
والتصرُّفُ المطلَقُ فيها إيجاداً وإعداماً، وإحياءً وإماتةً، لا لأحدٍ سواه استقلالاً
ولا اشتراكاً، فهو تحقيقٌ لاختصاص الألوهية به تعالى إثر بيان انتفائها عمَّا سواه.
وقيل: دليلٌ آخرُ على نفي ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لو كان
إلهاً، كان له ملك السماوات والأرض وما بينهما.
وقيل: دليلٌ على نفي كونه عليه الصلاة والسلام ابناً، ببيان أنه مملوٌ؛ لدخوله
تحت العموم، ومن المعلوم أنَّ المملوكية تنافي البنوة.
وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَدَءُ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان بعض أحكام الملك
والألوهية على وجهٍ يُزيحُ ما اعتراهم من الشُّبَه في أَمْرِ المسيح عليه السلام؛ لولادته
من غير أبٍ، وَخَلْقِ الطير، وإبراءِ الأَكْمَهِ والأبرص، وإحياء الموتى.
و ((ما)) نكرةٌ موصوفةٌ محلُّها النَّصْبُ على المصدرية، أي: يخلق أيَّ خَلْقٍ
يشاؤه، فتارةً يخلقُ من غير أصلٍ كَخَلْقِ السماوات والأرض مثلاً، وأخرى من
أَصْلٍ كَخَلْقِ بعضٍ ما بينَهما، وذلك متنوِّعٌ أيضاً، فَطَوْراً يُنشئ من أَصْلٍ ليس من
جنسه؛ كَخَلْق آدم وكثيرٍ من الحيوانات، وتارةً من أَصْلٍ يُجانسه، إما من ذَكَرٍ وَحْدَهُ
كَخَلْقِ حواء، أو من أُنثى وَحْدَها كَخَلْق عيسى عليه الصلاة والسلام، أو
منهما كَخَلْقِ سائر الناس، ويخلقُ بلا توسُّطِ شيءٍ من المخلوقات؛ ككثيرٍ من
المخلوقات، وقد يخلقُ بتوسُّط مخلوقٍ آخر؛ کَخَلْق الطير على يد عيسى عليه
السلام معجزةً له، وإحياء الموتى وإبراءِ الأكمه والأبرص، فينبغي أن يُنسَبَ كلُّ
ذلك إلیه تعالى، لا مَنْ أُجري علی یده. قاله غير واحد.
(١) بعدها في (م): وغيرها، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٣/ ٢٠ والكلام منه.

سُورَةُ القَائِدَة
١٢٠
الآية : ١٨
وقيل: إنَّ الجملةَ جيءَ بها هاهنا مبيِّنةً لما هو المراد من قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ
السَمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ) إلخ بحسب اقتضاء المقام، و((ما)) نصبٌ على المصدرية أيضاً.
وقيل: يجوز أن تكونَ موصولةً ومحلُّها النَّصْبُ على المفعولية، أي: يخلقُ
الذي يشاء أن يخلقه، والجملةُ مسوقةٌ لبيان أنَّ قُدْرَته تعالى أوسعُ من عالم
الوجود.
وعلى كلِّ تقديرٍ فقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ
لمضمون ما قبله، وإظهارُ الاسم الجليل لما مرَّ من التعليل وتقويةِ استقلال الجملة.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْكُوْ اللَّهِ وَأَحِبَُّ﴾ حكايةٌ لما صَدَرَ من الفريقين
من الدعوى الباطلة لأنفسهم وبيانٌ لبطلانها، إثر ذِكْرٍ ما صَدَرَ عن أحدهما من
الدعوى الباطلة لغيره وبيانِ بطلانها، أي: قال كلٌّ من الطائفتين هذا القولَ الباطل.
ومرادهم(١) بالأبناء: المقرَّبون، أي: نحن مقرَّبون عند الله تعالى قُرْبَ الأولاد
من والدهم، وبالأحبَّاء: جَمْعُ: حبيب، بمعنى مُحَبٍّ أو محبوب.
ويجوز أن يكون أرادوا: من الأبناء الخاصة، كما يقال: أبناءُ الدنيا، وأبناءُ
الآخرة، وأن يكون أرادوا: أشياع مَنْ وُصف بالبُنَّة، أي: قالت اليهود نحن أشياعُ
ابنه عُزير، وقالت النصارى: نحن أشياعُ ابنه المسيح عليهما السلام، وأُطلق الأبناءُ
على الأشياء مجازاً، إما تغليباً أو تشبيهاً لهم بالأبناء في قُرْب المنزلة، وهذا
كما يقول أتباع الملك: نحن الملوك، وكما أُطلق على أشياع أبي خُبيب عبد الله بن
الزبير الخبيبون في قوله :
قَدْنيَ من نَصْرِ الخُبيچِينَ قَدِي(٢)
على رواية مَنْ رواه بالجمع، فقد قال ابن السِّكِّيت: يريد أبا خبيب ومَنْ كان
معه(٣)، فحيثُ جاز جَمْعُ خُبيبٍ وأشياعٍ أبيه، فأَولى أن يجوز جَمْعُ ابن الله عزَّ
(١) في الأصل: ومراده.
(٢) الرجز لحميد الأرقط، وهو في الكتاب ٣٧١/٢، وإصلاح المنطق ص٤٤٤، والخزانة
٣٨٢/٥، وبعده: ليس الإمام بالشحيح الملحد.
(٣) إصلاح المنطق ص٤٤٤، وفيه: ومن كان على رأيه، بدل: ومن كان معه.