Indexed OCR Text

Pages 61-80

الآية : ٦
٦١
سُوَّةُ القَائِدَة
ضَمِّ الملازمة القائلة: لو جاز الأقلُّ لَفَعَلَهُ مرَّةً تعليماً للجواز، وقد يُمنَعُ بأنَّ الجوازَ
إذا كان مستفاداً من غير الفعل لم يحتجْ إليه فيه، وهنا كذلك نظراً إلى الآية، فإنَّ
الباءَ فيها للتبعيض، وهو يفيدُ جوازَ الأقلِّ، فيرجعُ البحثُ إلى دلالة الآية، فيقال
حينئذ: إنَّ الباءَ للإلصاق، وهو المعنى المجمَعُ عليه لها، بخلاف التبعيض، فإنَّ
الكثيرَ من محقِّقي أئمة العربية ينفونَ كونه معنّى مستقلاً للباء؛ بخلاف ما إذا كان في
ضمن الإلصاق كما فيما نحن فيه، فإنَّ إلصاقَ الآلةِ بالرأس الذي هو المطلوبُ
لا يستوعبُ الرأس، فإذا أُلصق فلم يستوعب، خَرَجَ عن العُهْدة بذلك البعض،
وحينئذ يتعيَّن(١) الربع؛ لأنَّ اليد إنما تستوعبُ قَدْرَهُ غالباً، فَلَزِمْ.
وفي بعض الروايات: أنَّ المفروضَ مقدارُ ثلاث أصابع، وصحَّحها بعضُ
المشايخ نظراً إلى أنَّ الواجبَ إلصاقُ اليد، والأصابعُ أصلُها، ولذا يلزمُ كمالُ دية
اليد بقَطْعها، والثلاثُ أكثَرُها، وللأكثر حُكْمُ الكُلِّ. ولا يخفى ما فيه وإن قيل: إنه
ظاهر الرواية.
وذهب الإمام مالك رظُه والإمام أحمد في أظهر الروايات عنه إلى أنه يجبُ
استيعابُ الرأس بالمسح، والإماميةُ إلى ما ذهب إليه الشافعيُّ لُه.
ولو أصابَ المطرُ قَدْرَ الفَرْضِ سَقَطَ عَنَدنا، ولا يُشترطُ إصابته باليد؛ لأنَّ الآلةَ
لم تُقصَد إلا للإيصال إلى المحلِّ، فحيثُ وَصَلَ استغني عن استعمالها .
ولو مَسَحَ بِبَلٍّ في يده لم يأخذه من عضوٍ آخرَ جاز، وإن أخذهُ لا يجوز. ولو
مسح بأصبعٍ واحدةٍ مدَّها قَدْرِ الفرض - وكذا بأصبعين على ما قيل - لا يجوزُ،
خلافاً لزفر،ً وعلَّلوه بأنَّ البلَّة صارتْ مستعملةً، وهو - على إشكاله بأنَّ الماءَ
لا يصيرُ مستعملاً قبل الانفصال - يستلزمُ عَدَمَ جواز مدِّ الثلاث، على القول بأنه
لا يُجزئ أقلُّ من الربع، والمشهورُ في ذلك الجواز.
واختار شمس الأئمة(٢) أنَّ المنعَ في مدِّ الأصبع والاثنتين غيرُ مُعلَّلٍ باستعمال
(١) في الأصل: فيتعين. وفي (م): فتعين. والمثبت من فتح القدير ١١/١ والكلام منه.
(٢) هو السرخسي، وكلامه في المبسوط ٦٤/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن الهمام في فتح
القدير ١/ ١٢.

سُورَةُ العَائِدَة
٦٢
الآية : ٦
البلَّة، بدليل أنه لو مَسَحَ بأصبعين في التيمم لا يجوز، مع عدم شيء يصيرُ
مستعملاً، خصوصاً إذا تيمَّم على الحجر الصَّلْد، بل الوجهُ عنده أنَّا مأمورونَ
بالمسح باليد، والأصبعان منها لا تسمَّيان يداً، بخلاف الثلاث؛ لأنها أكثرُ ما هو
الأصلُ فيها .
وهو حَسَنٌ - كما قال ابن الهمام(١) - لكنه يقتضي تعيُّنَ الإصابة باليد، وهو
منتفٍ بمسألة المطر، وقد يُدفَعُ بأنَّ المرادَ تعيُّنها أو ما يقومُ مقامها من الآلات عند
قَصْدِ الإسقاط بالفعل اختياراً، غيرَ أنَّ لازِمَهُ كونُ تلك الآية التي هي غيرُ اليد مثلاً
قَدْرُ ثلاث أصابع من اليد، حتى لو كان عوداً مثلاً لا يبلغ ذلك القَدْر قلنا بعَدَم
جواز مَدِّه.
وقد يقال: عدمُ الجواز بالأصبع بناءً على أنَّ البلَّة تتلاشى وتفرغُ قبل بلوغ قَدْر
الفرض، بخلاف الأصبعين؛ فإنَّ الماءَ يتحمَّل بين الأصبعين المضمومتين فَضْلَ
زيادةٍ تَحْتَمِلُ الامتداد إلى قَدْرِ الفرض، وهذا مُشاهَدٌ أو مظنون، فَوَجَبَ إثباتُ
الحُكْم باعتباره. فعلى اعتبار صحَّة الاكتفاء بقَدْرِ ثلاثِ أصابعَ يجوزُ مَدُّ الأصبعين؛
لأنَّ ما بينهما من الماء يمتدُّ قَدْرَ إصبع ثالثة، وعلى اعتبار توقَّفِ الإجزاء على الربع
لا يجوز؛ لأنَّ ما بينهما لا يغلب على الظنِّ إيعابُهُ الربع، إلا أنَّ هذا يُعكِّرُ عليه
عَدَمُ جواز التيمُّم بإصبعين.
ولو (٢) أدخل رأسه إناءً ماءٍ ناوياً للمسح جاز والماءُ طَهورٌ عند أبي يوسف؛
لأنه لا يُعطَى له حُكْمُ الاستعمال إلا بعد الانفصال، والذي لاقى الرأسَ من أجزائه
لصق به، فطهّره، وغيره لم يلاقه فلا يستعمل.
واتفقت الأئمةُ على أنَّ المسحَ على العمامة غيرُ مجزئٍ، إلا أحمدَ فإنه أجازَ
ذلك بشرط أن يكونَ من العمامة شيءٌ تحت الحَنَكِ رواية واحدة، وهل يُشترطُ أن
يكون قد لَبِسَها على طهارة؟ فيه روايتان.
واختلفت الرواية عنه أيضاً في مَسْح المرأة على قِناعها المستدير تحتَ حَلْقِها،
(١) في فتح القدير ١/ ١٢.
(٢) في (م): فلو، والمثبت من الأصل وفتح القدير ١٢/١، والكلام منه.

الآية : ٦
٦٣
سُورَّةُ القَائِدَة
فروي عنه جوازُ المسح كعمامة الرجل ذات الحنك، وروي عنه المنع، ونُقل عن
الأوزاعيِّ والثوريِّ جوازُ المسح على العمامة، ولم أرَحكايةَ الاشتراط ولا عَدمَهُ
عنهما، وقد ذكرنا دليلَ الجوازِ في كتاب ((الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية)).
﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنَّ﴾ وهما العظمان الناتئان من الجانبين عند مَفْصِل
الساق والقدم، ومنه الكاعِبُ: وهي الجاريةُ التي تبدو ثديها للنهود.
وروى هشام(١) عن محمد: أنَّ الكَعْبَ هو المَفْصِلُ الذي في وَسَطِ القَّدَم عند
مُعتَركِ الشِّراك؛ لأنَّ الكَعْبَ اسمٌ للمفصل، ومنه كعوب الرمح، والذي في وسط
القدم مَفْصِلٌ دون ما على الساق، وهذا صحيحٌ في المُحْرم إذا لم يجد نعلين فإنه
يَقْطَعُ خُفَّيهِ أَسْفَلَ من الكعبين، ولعلَّ ذلك مُرادُ محمد، فأما في الطهارة فلا شكَّ
أنه ما ذَكرنا(٢).
وفي الأرجل ثلاثُ قراءات: واحدةٌ شاذةٌ واثنتان متواترتان؛ أما الشاذة
فالرفع، وهي قراءة الحسن(٣)، وأما المتواترتان: فالنصب، وهي قراءة نافع وابن
عامر وحفص والكسائي ويعقوب، والجرِّ وهي قراءةُ ابن كثير وحمزة وأبي عمرو
وعاصم في رواية أبي بكر عنه (٤).
ومن هنا اختلف الناس في غَسْل الرجلين ومَسْجِهما. قال الإمام الرازي(6):
فنقل القفَّال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبيٍّ وأبي جعفر
محمد بن عليٍّ الباقرِ ﴿ه: أنَّ الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الإمامية.
وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فَرْضُهما الغَسْلُ.
(١) هو هشام بن عبد الله الرازي تفقه على أبي يوسف ومحمد، له: النوادر، وصلاة الأثر،
توفي سنة (٢٠١هـ). الفوائد البهية ص ٣٦٧، وهدية العارفين ٥٠٨/٦.
(٢) قال ابن عابدين في الحاشية ٩٨/١ بعد ذكر هذه المسألة: قالوا: هو سهو من هشام لأن
محمداً إنما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه أسفل من الكعبين
وأشار محمد بيده إلى موضع القطع فنقله هشام إلى الطهارة.
(٣) القراءات الشاذة ص٣١، والمحتسب ٢٠٨/١.
(٤) التيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٤/٢. وقرأ بالجر أيضاً أبو جعفر وخلف.
(٥) في تفسيره ١١/ ١٦١.

سُورَةُ القَائِدَة
٦٤
الآية : ٦
وقال داود: يجبُ الجمعُ بينهما، وهو قول الناصر للحقِّ من الزيدية (١).
وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلّفُ مخيَّرٌ بين المسح
(٢)
والغَسْلِ (٢).
وحُجَّةُ القائلينَ بالمسح قراءةُ الجرِّ فإنها تقتضي كونَ الأرجل معطوفةً على
الرؤوس، فكما وَجَبَ المسحُ فيها وَجَبَ فيها، والقولُ إنه جُرَّ بالجوار كما في
قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خربٍ، وقوله:
كأنَّ ثبيراً في عرانينِ وَبْلِهِ .
كبيرُ أُناسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلٍ(٣)
باطلٌ من وجوه: أوَّلها: أنَّ الكَسْرَ على الجوار معدودٌ في اللَّحْن الذي قد
يُتُحمَّل لأَجْلِ الضرورة في الشعر، وكلامُ الله تعالى يجبُ تنزيههُ عنه.
وثانيها: أنَّ الكَسْرَ إنما يُصار إليه حيثُ حَصَلَ الأمنُ من الالتباس
كما فيما استَشْهَدوا به، وفي الآية الأَمْنُ من الالتباس غيرُ حاصل.
وثالثها: أنَّ الجرَّ بالجوار إنما يكون بدون حَرْف العَظْف، وأما مع حَرْف
العَظْف فلم تتكلّم به العرب.
وردُّوا قراءةَ النصب إلى قراءة الجرِّ، فقالوا: إنها تقتضي المسْحَ أيضاً؛ لأنَّ العَظْفَ
حينئذٍ على محلِّ الرؤوسِ لِقُرْبه، فيتشارَكانِ في الحكم، وهذا مذهبٌ مشهورٌ للنحاة.
ثم قالوا: ولا يجوز رَفْعُ ذلك بالأخبار؛ لأنها بأَسْرِها من باب الآحاد، ونَسْخُ
القرآن بخبر الواحد لا يجوز.
ثم قال الإمام: واعلم أنه لا يمكن الجوابُ عن هذا إلا من وجهين:
الأول: أنَّ الأخبارَ الكثيرةَ وردتْ بإيجاب الغَسْل، والغَسْلُ مشتملٌ على المسح
ولا ينعكس، فكان الغَسْلُ أقربُ إلى الاحتياط، فوجب المصيرُ إليه، وعلى هذا
الوجه يجبُ القَطْع بأنَّ غَسْلَ الأرجل يقومُ مقام مَسْحِها .
(١) هو الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ
،
له: كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب السير، وغيرها. الفهرست ص٢٤٤.
(٢) ينظر ما سيأتي ص٧٢ -٧٣ من هذا الجزء.
(٣) البيت لامرئ القيس وهو في ديوانه ص٢٥.

الآية : ٦
٦٥
سُورَةُ لقَائِدَة
والثاني: أنَّ فَرْضَ الأرجل محدودٌ إلى الكعبين، والتحديدُ إنما جاء في الغسل
لا في المسح، والقومُ أجابوا عنه من وجهين: الأول: أنَّ الكَعْبَ عبارةٌ عن العَظْم
الذي تحتَ مَفْصِلِ القدم، وعلى هذا التقدير يجبُ المسْحُ على ظَهْر القدمين،
والثاني: أنهم سلَّموا أنَّ الكعبين عبارةٌ عن العظمين الناتئين من جانبي الساق،
إلا أنهم التزموا أنه يجبُ أن يَمسَحَ ظهورَ القدمين إلى هذين الموضعين، وحينئذٍ
لا یبقی هذا السؤال. انتھی.
ولا يخفى أنَّ بحثَ الغَسْل والمسح مما كَثُرَ فيه الخصام، وطالما زَلَّت فيه
أقدام، وما ذكره الإمامُ رحمه الله تعالى يدلُّ على أنه راجلٌ في هذا الميدان،
وضالعٌ(١) لا يطيق العروج إلى شأوي(٢) ضليعٍ تحقيقٍ تبتهجُ به الخواطر والأذهان،
فلنَّبْسُطِ الكلام في تحقيق ذلك رَغْماً لأنوف الشيعة السالكين من السبل كلَّ سبيلٍ
حالك، فنقول وبالله تعالى التوفيق، وبيده أَزِمَّةُ التحقيق:
إنَّ القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين، بل بإطباق أهل الإسلام كلِّهم، ومن
القواعد الأصولية عند الطائفتين أنَّ القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آيةٍ واحدةٍ،
فلهما حُكْمُ آيتين، فلابدَّ لنا أن نسعى ونجتهدَ في تطبيقهما أولاً مهما أمكن؛ لأنَّ
الأصلَ في الدلائل الإعمالُ دون الإهمال كما تقرَّر عند أهل الأصول، ثم نطلبُ
بعد ذلك الترجيحَ بينهما، ثم إذا لم يتيسَّر لنا الترجيحُ بينهما، نتركهما وتتوجَّهُ إلى
الدلائل الأُخَر من السنَّة.
وقد ذكر الأصوليون أنَّ الآياتِ إذا تعارضتْ بحيثُ لا يمكن التوفيق، ثم الترجيح
بينهما، يُرجَعُ إلى السُّنة، فإنها لمَّا لم يُمكن لنا العملُ بها صارتْ معدومةً في حقِّنا من
حيثُ العمل، وإن تعارضتِ السُّنةُ كذلك نرجعُ إلى أقوال الصحابة وأهلِ البيت، أو
نرجعُ إلى القياس عند القائلين بأنَّ قياسَ المجتهد يُعمَلُ به عند التعارُض.
فلمَّا تأمَّلنا في هاتين القراءتين في الآية، وجدنا التطبيقَ بينهما بقواعدنا من
و جھین :
(١) الضالع: المائل، ولعلها: ظالع بالظاء، أخذاً من قولهم: ارْبَعْ على ظَلْعِكَ، أي: أنت
ضعيف فدع ما لا تقدر عليه. معجم متن اللغة (ظلع).
(٢) مثنى شأو، وهو الغاية والمدى. اللسان (شأو).

الآية : ٦
٦٦
سُورَةُ القَائِدَة
الأول: أن يُحمَلَ المسحُ على الغَسْل كما صرَّح به أبو زيدِ الأنصاريُّ وغيرُه من
أهل اللغة، فيقال للرجل إذا توضّأ: تَمسَّحَ، ويقال: مسح الله تعالى ما بك، أي:
أزالَ عنك المرض، ومَسَحَ الأرضَ المطرُ: إذا غسلها، فإذا عُطفت الأرجلُ على
الرؤوس في قراءة الجرِّ، لا يتعيَّنُ كونُها ممسوحةً بالمعنى الذي يدّعيه الشيعة.
واعترض ذلك من وجوه:
أولها: أنَّ فائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفةٌ، وقد فرَّق الله تعالى بين
الأعضاء المغسولة والممسوحة، فكيف يكون معنى الغَسْلِ والمسحِ واحداً؟!
وثانيها: أنَّ الأرجلَ إذا كانت معطوفةً على الرؤوس، وكان الفَرْضُ في
الرؤوس المسحُ الذي ليس بغَسْلِ بلا خلاف، وَجَبَ أن يكون حُكْمُ الأرجل
كذلك، وإلا لَزِمَ الجمعُ بين الحقيقة والمجاز.
وثالثها: أنه لو كان المسحُ بمعنى الغَسْلِ يسقط الاستدلال على الغسل بخبرٍ
أنه ◌َ* غسل رجليه(١)؛ لأنه على هذا يمكن أن يكون مَسَحَها فسُمِّي المسحُ
غسلاً.
ورابعها: أنَّ استشهاد أبي زيدٍ بقولهم: تمسَّحْتُ للصلاة، لا يجدي نفعاً؛
لاحتمال أنهم لمَّا أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظٍ موجَزٍ، ولم يجز أن يقولوا:
تغسَّلتُ للصلاة؛ لأنَّ ذلك يُؤْهِمُ الغُسْلَ، قالوا بَدَلَه: تمسَّحتُ؛ لأنَّ المغسول من
الأعضاء ممسوحٌ أيضاً، فتجوَّزوا بذلك تعويلاً على فَهْم المراد، وذلك لا يقتضي
أن يكونوا جعلوا المسْحَ من أسماء الغسل.
وأجيب عن الأول: بأنَّا لا ننكر اختلافَ فائدة اللفظين لغةً وشرعاً. ولا تفرقةَ الله
تعالى بين المغسول والممسوح من الأعضاء، لكنَّا ندَّعي أنَّ حَمْلَ المسح على
الغسل في بعض المواضع جائزٌ، وليس في اللغة والشرع ما يأباه، على أنه قد وَرَدَ
ذلك في كلامهم.
وعن الثاني: بأنَّا نُقدِّرُ لَفْظَ: ((امسحوا))، قبل ((أرجلكم)) أيضاً، وإذا تعدَّد اللَّفظُ
(١) ينظر حديث عمرو بن عبسة تظ له عند أحمد (١٧٠١٩)، ومسلم (٨٣٢)، وحديث عمر بن
عبد العزيز عند عبد الرزاق (٦١)، والطبري ١٩٠/٨.

الآية : ٦
٦٧
سُورَّةُ القَائِدَة
فلا بأس بأن يتعدَّد المعنى، ولا محذور فيه، فقد نقل شارحُ ((زبدة الأصول))(١) من
الإمامية أنَّ هذا القسم من الجمع بين الحقيقة والمجاز جائزٌ، بحيث يكون ذلك اللفظُ
في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي وفي المعطوف بالمعنى المجازي، وقالوا في آية:
﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾
[النساء: ٤٣] إنَّ الصلاةَ في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقيِّ الشرعي - وهو الأركان
المخصوصة - وفي المعطوف بالمعنى المجازيِّ - وهو المسجد - فإنه محلُّ الصلاة،
وادَّعى ذلك الشارعُ أنَّ هذا نوعٌ من الاستخدام، وبذلك فسَّر الآيةَ جَمْعٌ من مفسِّري
الإمامية وفقهائهم، وعليه فيكون هذا العَطْفُ من عَظْفِ الجُمَلِ في التحقيق، ويكون
المسْحُ المتعلِّقُ بالرؤوس بالمعنى الحقيقي، والمسحُ المتعلُّقُ بالأرجل بالمعنى
المجازي، على أنَّ من أصول الإمامية - كالشافعية - جوازُ الجمع بين الحقيقة والمجاز،
وكذا استعمالُ المشترك في معنبيه، ويحتمل هنا إضمارُ الجارِّ تبعاً للفعل، فتدبر.
ولا يُشْكِلُ أنَّ في الآية حينئذٍ إبهاماً ويَبعد وقوع ذلك في التنزيل؛ لأنَّا نقول: إنَّ
الآيةَ نزلتْ بعد ما فُرض الوضوء، وعَلَّمه عليه الصلاة السلام روحُ القدس إياه في
ابتداء البعثة بسنين، فلا بأس أن يُستعمل فيها هذا القسم من الإبهام، فإنَّ المخاطَبين
كانوا عارفين بكيفية الوضوء، ولم تتوقّف معرفتُهم بها على الاستنباط من الآية، ولم
تنزل الآيةُ لتعليمهم، بل سَوْقُها لإبدال التيمم من الوضوء والغُسْلِ في الظاهر، وذُكِرَ
الوضوءُ فوق التيمم للتمهيد، والغالبُ فيما يُذكَرُ لذلك عدمُ البيان المشبع.
وعن الثالث: بأَنَّ حَمْلَ المسح على الغسل لداعٍ، لا يستلزمُ حَمْلَ الغسل على
المسح بغير داع، فكيف يسقطُ الاستدلال؟! سبحان الله تعالى، هذا هو العَجَبُ
العُجاب!
وعن الرابع: بأنَّا لا نُسلِّم أنَّ العدولَ عن ((تغسَّلتُ)) لإيهامه الغَسْلَ، فإنَّ
(تمسَّحتُ)) يُوهمُ ذلك أيضاً بناءً على ما قاله من أنَّ المغسولَ من الأعضاء ممسوحُ
أيضاً، سلَّمنا ذلك لكنَّا لم نقتصرْ في الاستشهاد على ذلك، ويكفي: مَسَحَ الأرضَ
المطرُ، في الفرض.
(١) كتاب زبدة الأصول لبهاء الدين العاملي، وله شروح منها: غاية المأمول في شرح زيد
الأصول لتلميذه جواد بن سعد الله بن جواد الكاظمي. ينظر إيضاح المكنون ٢/ ١٤٠ .

سُورَةُ القَائِدَة
٦٨
الآية : ٦
والوجه الثاني: أن يبقى المسحُ على الظاهر، وتُجعل ((الأرجلُ)) على تلك
القراءة معطوفةً على المغسولات كما في قراءة النصب، والجرُّ للمجاورة.
واعتُرض أيضاً من وجوه:
الأول والثاني والثالث: ما ذكره الإمام من عدِّ الجرِّ بالجوار لحناً، وأنه
إنما يُصار إليه عند أَمْنِ الالتباس، ولا أَمْنَ فيما نحن فيه، وكونه إنما يكون بدون
حَرْف العَظْف.
والرابع: أنَّ في العَظْفِ على المغسولات - سواءٌ كان المعطوفُ منصوبَ اللَّفْظ أو
مجرورَه - الفَصْلَ بين المعطوف والمعطوف عليه بجملةٍ أجنبيةٍ ليست اعتراضيةً، وهو
غيرُ جائزٍ عند النحاة، على أنَّ الكلامَ حينئذٍ من قبيل: ضربتُ زيداً وأكرمتُ خالداً
وبكراً، بجعل بَكْرٍ عطفاً على زيد، أو إرادةٍ أنه مضروبٌ لا مُكرَّم، وهو مستهجَنٌ جدًّا
تنفرُ عنه الطّباعِ، ولا تقبله الأسماع، فكيف يُجنَحُ إليه أو يُحمل كلامُ الله تعالى عليه؟!
وأجيب عن الأول: بأنَّ إمام النحاة الأخفشَ(١) وأبا البقاء(٢) وسائرَ مَهَرةٍ
العربية وأئمتِها جوَّزوا جرَّ الجوار، وقالوا بوقوعه في الفصيح كما ستسمعه إن
شاء الله تعالى، ولم ينكره إلا الزجَّاج (٣)، وإنكاره مع ثبوته في كلامهم يدلُّ على
قصور تتُّعه، ومن هنا قالوا: المثبِتُ مُقدَّم على النافي.
وعن الثاني: بأنَّا لا نُسلِّم أنه إنما يُصار إليه عند أَمْن الالتباس، ولا نَقْلَ في ذلك
عن النحاة في الكتب المعتمدة، نعم قال بعضهم: شَرْطُ حُسْنه عدمُ الالتباس مع
تضمُّن نكتةٍ، وهو هنا كذلك؛ لأنَّ الغايةَ دلَّتْ على أنَّ هذا المجرورَ ليس بممسوحٍ؛ إذ
المسحُ لم يوجَد مغيَّ في كلامهم، ولذا لم يُغَيَّ في آية التيمم، وإنَّما يُغَيَّى الغَسْلُ،
ولذا غُيِّيَ في الآية حين احتيج إليه، فلا يَرِدُ أنه لم يُغَيَّ غَسْلُ الوجه لظهور الأمر فيه،
ولا قول المرتضى: إنه لا مانع من تغَيِّيه، والنكتةُ فيه الإشارةُ إلى تخفيف الغسل حتى
کأنه مَسْحٌ.
وعن الثالث: بأنهم صرَّحوا بوقوعه في النَّعت كما سبق من الأمثلة، وقوله
(١) في معاني القرآن ٢/ ٤٦٦.
(٢) في الإملاء ٣٩١/٢.
(٣) في معاني القرآن له ١٥٣/٢.

الآية : ٦
٦٩
سُوَّةُ القَائِدَةِ
تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] بجرِّ ((محيطٍ)) مع أنه نعتٌ للعذاب، وفي
التو کید کقوله:
يا صاح بلِّغ ذوي الزوجات كلِّهم أن ليسَ وضْلٌ إذا انحلَّتْ عُرى الذَّنَب(١)
بجرِّ (كلِّهم)) على ما حكاه الفرَّاء. وفي العطف كقوله تعالى: ﴿وَحُورُ عِينٌ (®
كَمْثَلِ اَلُؤُلُوِ الْمَكْتُنِ﴾ [الواقعة: ٢٢-٢٣] على قراءة حمزة والكسائيِّ، وفي رواية
المفضل عن عاصم، فإنه مجرورٌ بجِوار ﴿بَأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] ومعطوفٌ
على ﴿وِلْدَانٌّ ◌ُعَلَُّونَ﴾ [الواقعة: ١٧]، وقول النابغة:
لم يبقَ إلا أسيرٌ غيرُ مُنفَلتٍ ومُوثَقٍ في حبال القِدِّ مجنوبٍ(٢)
بجرِّ (مُؤْتَقٍ)) مع أنَّ العَظْفَ على ((أسير)).
وقد عقد النحاة لذلك باباً على حِدَةٍ لكثرته ولما فيه من المشاكلة، وقد گَثُرَ في
الفصيح حتى تعلَّوا عن اعتباره في الإعراب إلى التثنية والتأنيث، وغير ذلك(٣)،
وكلام ابن الحاجب في هذا المقام لا يُعبأ به.
وعن الرابع: بأنَّ لزومَ الفَصْل بالجملة إنما يُخِلُّ إذا لم تكن جملةُ ((وامسحوا
برؤوسكم)) متعلِّقةً بجملة المغسولاتِ، فإن كان معناها: وامسحوا الأيدي بعد
الغسل برؤوسكم، فلا إخلال، كما هو مذهب كثيرٍ من أهل السُّنة من جواز المسح
ببقية ماء الغسل، واليد المبلولةُ من المغسولات، ومع ذلك لم يذهب أحدٌ من أئمة
العربية إلى امتناع الفَصْل بين الجملتين المتعاطفتين، أو معطوفٍ ومعطوفٍ عليه، بل
صرَّح الأئمةُ بالجواز، بل نقل أبو البقاء إجماعَ النحويين على ذلك(٤)، نعم توسُّطُ
(١) معاني القرآن للفراء ٧٥/٢، وإصلاح المنطق ص٣٦٦، وشرح شذور الذهب ص٤٢٨،
والخزانة ٩٠/٥. وجاء في (م): ألا بلغ ذوي الزوجات. قال ابن هشام: فكلهم توكيد
لذوي لا للزوجات، وإلا لقال: كلهن. وفي الخزانة: هذا البيت لأبي الغريب، وهو أعرابي
له شعر قليل، أدرك الدولة الهاشمية.
(٢) ديوان النابغة الذبياني ص١٦، والإملاء ٣٩٢/٢، ورواية الديوان:
لم يبقَ غيرُ طريٍ غيرٍ منفلتٍ ومُؤْثَقٍ في حبال القدِّ مسلوبٍ
(٣) في الأصل: إلى غير ذلك.
(٤) الإملاء ٣٩٠/٢.

الآية : ٦
٧٠
سُورَةُ اللَائِدَة
الأجنبيِّ في كلام البُلغَاء يكون لنكتةٍ وهي هنا ما أشرنا إليه، أو الإيماءِ إلى
الترتيب، وكونُ الآية من قبيل ما ذكر من المثال في حيِّز المنع، وربما تكون كذلك
لو كان النّظمُ: وامسحوا رؤوسَكم وأرجلكم إلى الكعبين. والواقعُ ليس كذلك.
وقد ذكر بعض أهل السُّنة أيضاً وجهاً آخرَ في التطبيق، وهو أنَّ قراءةَ الجرِّ
محمولةٌ على حالة التخفُّف، وقراءةَ النَّصْبِ علی حالٍ دونه.
واعتُرض بأنَّ الماسحَ على الخفِّ ليس ماسحاً على الرِّجل حقيقةً ولا حُكْماً؛
لأنَّ الخُفَّ اعتُبر مانعاً سرايةَ الحدث إلى القدم، فهي طاهرة، وما حَلَّ بالخفِّ أُزيل
بالمسح، فهو على الخفِّ حقيقةً وحكماً، وأيضاً المسحُ على الخفِّ لا يجبُ إلى
الكعبين اتفاقاً .
وأجيب: بأنه يجوزُ أن يكونَ لبيان المحلِّ الذي يُجزئُ عليه المسح؛ لأنه
لا يُجزئ على ساقه. نعم هذا الوجه لا يخلو عن بُعْدٍ، والقلبُ لا يميل إليه، وإن
ادَّعى الجلال السيوطيُّ أنه أحسن ما قيل في الآية.
وللإمامية في تطبيق القراءتين وجهان أيضاً، لكن الفرق بينهما وبين ما سبق من
الوجهين اللذين عند أهل السنة، أنَّ قراءةَ النَّصْبِ التي هي ظاهرةٌ في الغَسْل
أصلٌ (١) عند أهل السنة، وقراءةُ الجرِّ تُعادُ إليها، وعند الإمامية بالعكس.
الوجه الأول: أن تُعَطفَ الأرجلُ في قراءة النصب على محلِّ ((برؤوسكم)»
فيكونُ حكم الرؤوس والأرجل كليهما مسحاً .
الوجه الثاني: أنَّ الواو فيه بمعنى ((مع)) من قبيل: استوى الماءُ والخشبة.
وفي كلا الوجهين بحثٌ لأهل السنة من وجوه:
الأول: أنَّ العَطْفَ على المحلِّ خلافُ الظاهر بإجماع الفريقين، والظاهرُ
العَظْفُ على المغسولات؛ والعدول عن الظاهر إلى خلافه بلا دليلٍ لا يجوز، وإن
استدلُّوا بقراءة الجرِّ، قلنا: إنها لا تصلحُ دليلاً لِمَا علمت.
والثاني: أَنه لو عطف ((وأرجلكم)) على محلِّ ((برؤوسكم)) جاز أن نفهم منه
(١) قوله: أصل، ليس في (م).

الآية : ٦
٧١
سُورَةُ القَائِدَة
معنى الغسل؛ إذ من القواعد المقرَّرة في العلوم العربية أنه إذا اجتمع فعلان
متغايران في المعنى، ويكونُ لكلٍّ منهما متعلِّقٌ، جاز حَذْفُ أحدهما وعَطْفُ متعلِّق
المحذوف على متعلّق المذكور كأنه متعلّقه، ومن ذلك قولُه:
ياليتَ بَعْلَكِ قد غدا متقلِّداً سيفاً ورُمْحا (١)
فإنَّ المرادَ: وحاملاً رمحاً، ومنه قوله:
وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا (٢)
إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يوماً
فإنَّه أراد: وكَخَلْنَ العيونا، وقوله:
وعينيهِ إنْ مولاهُ كان له وَفْرُ(٣)
تراهُ كأنْ مولاه يَجدعُ أَنفَهُ
أي: يفقأ عينيه. إلى ما لا يُحصى كثرةً.
والثالث: أنَّ جَعْلَ الواو بمعنى ((مع)) بدون قرينةٍ مما لا يكاد يجوز، ولا قرينةً
هاهنا، على أنه يلزمُ - كما قيل - فِعْلُ المسحَين معاً بالزمان، ولا قائلَ به بالاتفاق.
بقي لو قال قائل: لا أقنعُ بهذا المقدار في الاستدلال على غَسْلِ الأرجل بهذه
الآية ما لم ينضمَّ إليها من خارج ما يقوِّي تطبيق أهل السنة، فإنَّ كلامَهم وكلامَ
الإمامية في ذلك عسى أن يكون فَرَسَا رِهان.
قيل له: إنَّ سُنَّةَ خيرِ الورى وَّهِ وآثارَ الأئمة ﴿ُه شاهدةٌ على ما يدَّعيه أهلُ
السنة، وهي من طريقهم أكثرُ من أن تحصى، وأما من طريق القوم، فقد روى
العيَّاشيُّ عن عليٍّ عن أبي حمزة قال: سألتُ أبا هريرة عن القدمين فقال: تُغسلان
غَسْلاً.
وروى محمد بن النعمان عن أبي بصير عن أبي عبد الله عنه قال: إذا نسيتَ
مَسْحَ رأسك حتى غَسَلْتَ رجليك، فامسح رأسَكَ ثم اغْسِلْ رجليك. وهذا الحديث
(١) البيت لعبد الله بن الزِّبَعْرى، وهو في ديوانه ص٣٢.
(٢) البيت بهذا اللفظ في الصناعتين للعسكري ص١٨٨ دون نسبة، وهو في ديوان الراعي
ص٢٦٩ بلفظ :
وَهِزَّةِ نسوةٍ من حيٍّ صدقٍ يزجِّجْنَ الحواجب والعيونا
(٣) البيت لعلقمة الفحل، وهو في ديوانه ص ١١٠.

سُورَةُ القَائِدَة
٧٢
الآية : ٦
رواه أيضاً الكليني (١) وأبو جعفر الطّوْسيُّ بأسانيدَ صحيحةٍ، بحيثُ لا يمكن
تضعيفها ولا الحملُ على التَّقيَّةِ، لأنَّ المخاطَبَ بذلك شيعيٌّ خاصٌّ.
وروى محمد بن الحسن الصفَّار عن زيد بن علي عن أبيه عن جدِّه أميرٍ
المؤمنين كرَّم الله تعالى وجهه أنه قال: جلستُ أتوضَّأ، فأقبل رسول الله وَه،
فلما غسلتُ قدمي قال: ((يا عليّ خَلِّلْ بين الأصابع)).
ونقل الشريف الرضيُّ عن أمير المؤمنين كرَّم الله تعالى وجهه في ((نهج البلاغة))
حكايةَ وضوئه وَّهِ وذكر فيه غَسْلَ الرجلين، وهذا يدلُّ على أنَّ مفهومَ الآية كما قال
أهل السنة، ولم يَدَّعِ أحدٌ منهم النسخَ ليتكلَّف لإثباته كما ظنَّ من لا وقوف له.
وما يزعمُهُ الإماميةُ من نسبة المسْحِ إلى ابن عباس ﴿ها وأنس بن مالك
وغيرهما كَذِبٌ مفترَى عليهم، فإنَّ أحداً منهم ما روي عنه بطريقٍ صحيحٍ أنه جوَّز
المسح، إلا (٢) ابنَ عباسِ ﴿هَا فإنه قال بطريق التعجُّب: لا نجدُ في كتاب الله تعالى
إلا المسحَ ولكنهم أَبَوا إلا الغَسْل! ومرادُهُ أنَّ ظاهرَ الكتاب يوجبُ المسحَ على
قراءة الجرِّ التي كانت قراءته، ولكنَّ الرسول وَلهم وأصحابه لم يفعلوا إلا الغسل،
ففي كلامه هذا إشارةٌ إلى أنَّ قراءة الجرِّ مؤوَّلةٌ متروكةُ الظاهر بعمل الرسول ◌َّه
والصحابة
ونسبةُ جواز المسح إلى أبي العالية وعكرمة والشعبيِّ زورٌ وبهتانٌ أيضاً، وكذلك
نسبةُ الجمع بين الغسل والمسح أو التخيير بينهما إلى الحسن البصري عليه الرحمة.
ومثلُه نسبة التخيير إلى محمد بن جرير الطبريّ صاحب ((التاريخ الكبير))
والتفسير الشهير، وقد نشر رواةُ الشيعة هذه الأكاذيب المختلفة، ورواها بعضُ أهل
السنة(٣) - ممَّن لم يُميِّز الصحيحَ والسقيم من الأخبار - بلا تحقَّق ولا سَنَد، وانَّسع
الخَرْقُ علی الراقع، ولعلَّ محمد بن جرير القائل بالتخییر هو محمد بن جرير بن
(١) في (م): الكلبي، وهو تصحيف.
(٢) في (م): إلا أن.
(٣) ذكره عن الطبري من الشيعة الطبرسي في مجمع البيان ٣٧/٦، ومن أهل السنة الرازي في
تفسيره ٦١/١١ كما سلف ص٦٤ من هذا الجزء.

الآية : ٦
٧٣
سُورَةُ القَائِدَة
رستم الشيعيٍّ صاحب ((الإيضاح للمترشد في الإمامة)) لا أبو جعفر محمد بن
جرير بن غالب الطبري الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنة، والمذكور في
تفسير هذا هو الغَسْلُ فقط، لا المسحُ ولا الجمعُ ولا التخييرُ الذي نسبه الشيعة
إليه(١).
ولا حُجَّةَ لهم في دعوى المسح بما روي عن أمير المؤمنين عليٍّ كرَّم الله وجهه
أنه مَسَحَ وَجْهَه ويديه، ومَسَحَ رأسَه ورجليه، وشَرِبَ فَضْلَ طهورِهِ قائماً، وقال: إنَّ
الناس يزعمون أنَّ الشربَ قائماً لا يجوز، وقد رأيتُ رسولَ الله وَّهِ صَنَعَ مثل
ما صنعتُ، وهذا وضوءُ مَن لم يُحْدِثْ(٢). لأنَّ الكلامَ في وضوء المحدِثِ لا في
مجرَّد التنظيف بمَسْح الأطراف كما يدلُّ عليه ما في الخبر من مَسْحِ المغسول
اتفاقاً .
وأما ما روي عن عبَّاد بن تميم عن عمِّه بروايات ضعيفةٍ أنه وَ له توضًّا وَمَسَحَ
على قدميه(٣). فهو كما قال الحفّاظ: شاذٌ مُنْكَرٌ لا يصلح للاحتجاج(٤)، مع
احتمالِ حَمْلِ القدمين على الخفَّين ولو مجازاً، واحتمالِ اشتباه القدمين المتخفّفَين
بدون المتخفّفین من بعيد.
ومثل ذلك عند مَن اطّلع على أحوال الرواة ما رواه الحسين بن سعيد الأهوازيُّ
عن فضالة، عن حماد بن عثمان، عن غالب بن هذيل قال: سألت أبا جعفر ﴿ه
عن المسح على الرجلين فقال: هو الذي نَزَلَ به جبريل عليه السلام. وما روي عن
أحمد بن محمد قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر ظه عن المسح على
القدمين: كيف هو؟ فوضع بكَفَّيه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين، فقلت له:
(١) ينظر تفسير الطبري ١٨٩/٨ وما بعدها.
(٢) أخرجه أحمد (١١٧٣)، والبخاري (٥٦١٦).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٥/١، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٥٧٥).
وعمُّ عباد هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني في قول الأكثر كما قال ابن حجر في
الإصابة ٣٠٦/١. وأخرجه أحمد (١٦٤٥٤) من حديث عباد بن تميم عن أبيه.
(٤) قال ابن عبد البر في الاستيعاب ترجمة (٢٣٨): وهو حديث ضعيف لا تقوم به حجة.
وتعقبه ابن حجر في إتحاف المهرة ٦٤٤/١ بقوله: وهو طعن مردود. وقال في الإصابة
٣٠٧/١: رجاله ثقات، وأغربَ أبو عمر فقال: إنه ضعيف.

الآية : ٦
٧٤
سُورَةُ القَائِدَة
لو أنَّ رجلاً قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين، أَيُجزئ؟ قال: لا إلا بكَفِّه
كلِّها (١). إلى غير ذلك مما رَوَتْهُ الإماميةُ في هذا الباب، ومَنْ وَقَفَ على أحوال
رواتهم، لم يُعوِّل على خبرٍ من أخبارهم.
وقد ذكرنا نُبذَةً من ذلك في كتابنا ((النفحات القدسية في ردّ الإمامية))، على أنَّ
لنا أن نقول: لو فُرض أنَّ حُكْمَ الله تعالى المسحُ على ما يزعمه الإمامية من الآية،
فالغَسْلُ يكفي عنه، ولو كان هو الغسلُ لا يكفي عنه، فبالغسل يلزمُ الخروجُ عن
العُهْدة بيقينٍ دون المسح، وذلك لأنَّ الغَسْلَ مُحصِّلٌ لمقصودِ المسح من وصول
البلل وزيادة، وهذا مُرادُ مَنْ عَبَّر بأنه مَسْحٌ وزيادة، فلا يَرِدُ ما قيل من أنَّ الغَسْلَ
والمسْحَ متضادَّان لا يجتمعان في محلٌّ واحد كالسواد والبياض.
وأيضاً كان يلزمُ الشيعةَ الغَسْل؛ لأنه الأنسبُ بالوجه المعقول من الوضوء،
وهو التنظيفُ للوقوف بين يدي ربِّ الأرباب سبحانه وتعالى؛ لأنه الأحوطُ أيضاً،
لكون سَندِهِ متَّفقاً عليه للفريقين كما سمعتَ، دون المسح للاختلاف في سنده.
وقال بعض المحققين: قد يلزمهم - بناءً على قواعدهم - أن يُجوِّزوا الغَسْلَ
والمسحَ، ولا يقتصروا على المسح فقط.
وزعم الجلال السيوطي أنه لا إشكالَ في الآية بحَسب القراءتين عند المخيِّرِينِ
إلا أنه يمكن أن يُدَّعى لغيرهم أنَّ ذلك كان مشروعاً أولاً ثم نُسخ بتعيين الغَسْل،
وبقيت القراءتان ثابتتين في الرسم، كما نُسخ التخييرُ بين الصوم والفِذْية بتعيين
الصوم، وبقي رَسْمُ ذلك ثابتاً. ولا يخفى أنه أَوهنُ من بيت العنكبوت، وإنه لأَوْهَنُ
البيوت.
هذا وأما قراءة الرفع فلا تصلحُ في الاستدلال للفريقين؛ إذ لكلٍّ أن يُقدِّر
ما شاء، ومن هنا قال الزمخشريُّ فيها: إنها على معنى: وأرجلُكم مغسولةٌ أو
ممسوحةٌ(٢).
لكن ذكر الطَّبيُّ أنه لا شكَّ أنَّ تغييرَ الجملة من الفعلية إلى الاسمية وحَذْفَ
(١) ذكرهما الطبرسي في مجمع البيان ٣٨/٦، وعنه نقل المصنف.
(٢) الكشاف ٥٩٨/١.

الآية : ٦
٧٥
سُورَّةُ القَائِدَة
خبرها يدلُّ على إرادة ثبوتها وظهورها، وأنَّ مضمونها مُسلَّمُ الحُكْم ثابتٌ لا يَلْتَبِسُ،
وإنما يكون كذلك إذا جُعلت القرينةُ ما عُلم من منطوق القراءتين ومفهومهما،
وشُوهِدَ وتُعورف من فِعْلِ الرسولِوََّ وأصحابه وَه، وسُمع منهم واشْتَهَرَ
فيما بينهم، وقد قال عطاء: والله ما علمتُ أنَّ أحداً من أصحاب رسول الله وَله
مَسَحَ على القدمين. وكلُّ ذلك دافعٌ لتفسيره هذه القراءة بقوله: وأرجلُكم مغسولةٌ أو
ممسوحةٌ، على الترديد، لاسيَّما العدولُ من الإنشائية إلى الإخبارية المشعِرُ بأنَّ
القومَ كأنهم سارعوا فيه وهو يخبر عنه. انتهى. فالأَوْلى أن يُقَدَّرَ ما هو من جنس
الغَسْل على وجهٍ يبقى معه الإنشاء.
وبمجموع ما ذكرنا يُعلمُ ما في كلام الإمام الرازي - قدَّس الله تعالى سِرَّه -
ونَقْلِه مما قدَّمناه، فاعْرِفِ الرجالَ بالحقِّ لاَ الحقَّ بالرجال، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
ثم اعلم أنهم اختلفوا في أنَّ الآيةَ هل تقتضي وجوبَ النية أم لا؟ فقال
الحنفيةُ: إنَّ ظاهره لا يقتضي ذلك، والقولُ بوجوبها يقتضي زيادةً في النص،
والزيادةُ فيه تقتضي النَّسْخَ، ونَسْخُ القرآن بخبر الواحد غيرُ واقع، بل غيرُ جائٍ عند
الأكثرين، وكذا بالقياس على المذهب المنصور للشافعي ضه كما قاله المروزيّ،
فإذنْ لا يصحُّ إثباتُ النية.
وقال بعض الشافعية: إنَّ الآية تقتضي الإيجابَ؛ لأنَّ معنى قوله تعالى:
(إِذَا قُمْتُمْ): إذا أردتم القيام وأنتم مُحدِثون، والغَسْلُ وقع جزاءً لذلك، والجزاءُ
مُسبَّبٌ عن الشرط، فيفيدُ وجوبَ الغَسْلِ لأَجْلِ إرادة الصلاة، وبذلك يثبتُ
المطلوب.
وقال آخرون - وعليه المعوَّل عندهم - وجهُ الاقتضاء أنَّ الوضوءَ مأمورٌ به فيها،
وهو ظاهرٌ، وكلُّ مأمورٍ به يجبُ أن يكون عبادةً وإلا لَمَا أُمِرَ به، وكلُّ عبادةٍ لا تصحُ
بدون االنية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوّاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة: ٥] والإخلاصُ
لا يحصل إلا بالنية، وقد جُعل حالاً للعابدين، والأحوالُ شروطٌ، فتكونُ كلُّ عبادةٍ
مشروطةً بالنية، وقاسُوا أيضاً الوضوء على التيمم في كونهما طهارتين للصلاة، وقد
وجبت النيةُ في المقيس عليه، فكذا في المقيس.

الآية : ٦
٧٦
سُورَةُ القَائِدَة
ولنا القولُ بموجب العلَّة، يعني: سلَّمنا أنَّ كلَّ عبادةٍ بنيَّةٍ، والوضوءُ لا يقعُ
عبادةً بدونها، لكن ليس كلامنا في ذلك، بل في أنه إذا لم ينوِ حتى لم يقعْ عبادة
سبباً للثواب، فهل يقعُ الشرط المعتَبَرُ للصلاة حتى تصحَّ به أوْلا؟ ليس في الآية
ولا في الحديث المشهور الذي يوردونه في هذا المقام(١) دلالةٌ على نفيه ولا إثباته،
فقلنا: نعم؛ لأنَّ الشَّرْطَ مقصودُ التحصيل لغيره لا لذاته، فكيف حَصَلَ حَصَلَ
المقصود(٢)، وصار كستر العورةِ وباقي شروطِ الصلاة التي لا يفتقرُ اعتبارُها إلى أن
ينوي، ومَن ادَّعى أنَّ الشرطَ وضوءٌ هو عبادةٌ فعلیه البيان.
والقياسُ المذكورُ على التيمُّم فاسدٌ، فإنَّ من المتفق عليه أنَّ شَرْطَ القياس
أن لا تكون شرعيةُ حُكْم الأصل متأخِّرةً عن حُكْم الفرع، وإلا لثبت حُكْمُ
الفَرْع بلا دليل، وشرعيةُ التيمُّم متأخِّرةٌ عن الوضوء، فلا يُقاس الوضوءُ على
التيمم في حُكْمِه، نعم إنْ قَصَدَ الاستدلال بآية التيمم بمعنى أنه لمَّا شُرع التيمُم
بشرط النية ظَهَرَ وجوبُها في الوضوء، وكان معنى القياس أنه لا فارق، لم يَرِدْ
ذلك.
وذكر بعضُ المحققين في الفَرْق بين الوضوء والتيمم وجهين :
الأول: أنَّ التيمُّمَ يُنبئ لغةً عن القَصْد، فلا يتحقَّق بدونه، بخلاف الوضوء.
والثاني: أنَّ الترابَ جُعل طهوراً في حالةٍ مخصوصةٍ، والماءُ طَهورٌ بنفسه
كما يُستفاد من قوله تعالى: ﴿مَآءَ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله سبحانه: ﴿لَُّطَهِّرَكُمْ
بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] فحينئذٍ يكون القياس فاسداً أيضاً.
واعتُرض الوجه الأول بأنَّ النيةَ المعتبرةَ ليست نيةَ نفس الفعل، بل أن ينويَ
المقصودَ به الطهارةُ والصلاةُ، ولو صلاة الجنازة وسجدة التلاوة على ما بُيِّنَ في
محلِّه، وإذا كان كذلك فإنما يُنبئ عن قَصْدٍ هو غيرُ المعتبر نيةً، فلا يكونُ النَّصُّ
بذلك موجباً للنية المعتبرة.
(١) وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)) أخرجه البخاري (١)، ومسلم
(١٩٠٧)، وينظر فتح القدير لابن الهمام ٢١/١.
(٢) في (م): فكيف حصل المقصود.

الآية : ٦
٧٧
سُورَةُ العَائِدَة
ومن هنا يُعلَمُ ما في استدلال بعض الشافعية بآية الوضوء على وجوب النية
فيه السابقِ آنفاً، وذلك لأنَّ المفاد بالتركيب المقدَّر إنما هو وجوبُ الغَسْلِ لأجل
إرادة الصلاة مع الحدث لا إيجابُ أنَ يُغسل لأجل الصلاة؛ إذ عَقْدُ الجزاء
الواقع طلباً بالشرط يفيدُ طلبَ مضمون الجزاء إذا تحقَّق مضمونُ الشرط، وأنَّ
وجوبه اعتُبر مسبَّياً عن ذلك، فأين طلبهُ على وجهٍ مخصوص هو فِعْلُهُ على قَصْدِ
كونه لمضمون الشرط؟ فتأمل، فقد خفي هذا على بعض الأَجلَّةِ حتى لم يكافئه
بالجواب.
والوجه الثاني: بأنه إنْ أريد بالحالة المخصوصة حالةُ الصلاة، فهو مبنيٌّ على
أنَّ الإرادةَ مرادةٌ في الجملة المعطوفة عليها جملةُ التيمم(١)، وأنت قد علمتَ الآنَ
أنْ لا دلالةَ فيها على اشتراط النية، وإن أُريد حالةُ عدم القُدْرة على استعمال
الماء، فظاهرٌ أنَّ ذلك لا يقتضي إيجابَ النية ولا نفيها. واستفاد كونَ الماء
طهوراً بنفسه مما ذُكر بأنَّ كونَ المقصود من إنزاله(٢) التطهيرَ به، وتسميتَهُ طهوراً،
لا يفيدُ اعتبارَه مُطهِّراً بنفسه، أي: رافعاً للأمر الشرعيّ بلا نية - وهو المطلوب -
بخلاف إزالتِّهِ الخَبَثَ، لأنَّ ذلك محسوسٌ أنه مقتضى طبعه، ولا تلازمَ بين إزالته
حِسَّا صفةً محسوسةً وبين كونه يرتفعُ عند استعماله اعتبارٌ شرعيٍّ، والمفادُ من
(ليطهركم)) كونُ المقصود من إنزاله التطهيرَ به، وهذا يَصدُقُ مع اشتراط النية
كما قال الشافعيُّ رَّه، وعدمِه كما قلنا، ولا دلالةَ للأَعمِّ على أَخص بخصوصه
كما هو المقرَّر، فتدبر.
واختلفوا أيضاً في أنها هل تقتضي وجوبَ الترتيب أم لا؟ فذهب الحنفيةُ إلى
الثاني؛ لأنَّ المذكورَ فيها الواو، وهي لمُطْلَق الجمعِ على الصحيح المعوَّل عليه
عندهم، والشافعيةُ إلى الأول؛ لأنَّ الفاءَ في ((فاغسلوا))(٣) للتعقيب، فتفيد تعقيب
(١) يعني بجملة التيمم: ((وإن كنتم مرضى)) إلى آخر الآية، وهي معطوفة على: ((إذا قمتم إلى
الصلاة)). فتح القدير ١/ ٩٠، والكلام منه.
(٢) العبارة في فتح القدير: وأما جَعْلُ الماء طهوراً بنفسه مستفاداً من قوله تعالى: ﴿مَ طَهُورًا﴾
وقوله: ﴿لَُّطَهِّرَّكُمْ بِهِ﴾ فلا يخفى ما فيه إذ كون المقصود من إنزاله ....
(٣) في (م): اغسلوا.

سُورَةُ القَائِدَة
٧٨
الآية : ٦
القيام إلى الصلاة بغَسْل الوجه، فيلزمُ الترتيبُ بين الوجه وغيره، فيلزمُ في الكلِّ
لعدم القائل بالفصل.
وأجيبَ: بأنَّا لا نُسلِّم إفادتَها تعقيبَ القيام به، بل جملةَ الأعضاء، وتحقيقُهُ أنَّ
المعقّب طَلَبُ الغَسْل، وله متعلِّقاتٌ وَصَلَ إلى أولها ذِكْراً بنفسه، وإلى الباقي
بواسطة الحرف المشترك، فاشتركت كلُّها فيه من غير إفادةٍ طلبٍ تقديمٍ تعليقِه
ببعضها على بعضٍ في الوجود، فصار مؤدَّى التركيب طلبُ إعقاب غَسْلٍ جملة
الأعضاء، وهذا نظيرُ قولك: ادخل السوق فاشتر لنا خبزاً ولحماً حيث كان المفاد
إعقاب الدخول بشراء ما ذكر كيفما وقع.
وزعم بعضُهم أنَّ إفادةَ النَّظُم للترتيب؛ لأنه لو لم يُرد ذلك لأَوجبَ تقديمَ
الممسوح أو تأخيرَهُ عن المغسول، ولأنهم يُقدِّمون الأهم فالأهم، وفيه نظرٌ لأنَّ
قُصارى ما يدلُّ عليه النَّظْمُ أولويةُ الترتيب، ونحن لا ننكر ذلك.
وقال آخرون: الدليل على الترتيب فِعْلُهُ وَله، فقد توضّأ عليه الصلاة والسلام
مرتِباً، ثم قال: ((هذا وضوءٌ لا يقبلُ الله تعالى الصلاةَ إلا به))(١).
وفيه أنَّ الإشارةَ كانت لوضوءٍ مرتَبٍ موالَى فيه، فلو دلَّ على فَرْضیةِ الترتيب
لَدَلَّ على فَرْضية الموالاة، ولا قائلَ بها عند الفريقين: نعم أقوى دليلٍ لهم قوله ◌ِّ
في حَجَّة الوداع: ((ابدؤوا بما بدأ الله تعالى به))(٢) بناءً على أنَّ الأمرَ للوجوب،
والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأجيب عن ذلك بما أجيب، إلا أنَّ
الاحتياط لا يخفى.
وهذا المقدارُ يكفي في الكلام على هذه الآية، والزيادةُ علی ذلك ببيان سنن
الوضوء ونواقضِه وما يتعلَّقُ به مما لا تُفْهِمُه الآيةُ - كما فعل بعض المفسِّرين -
فضولٌ لا فَضْل، وإظهارُ عِلْمٍ يلوحُ من خلاله الجهل.
(١) أخرجه الدارقطني (٢٦١)، والبيهقي ١/ ٨٠.
(٢) أخرجه بهذه الرواية النسائي في الكبرى (٣٩٦٨) (طبعة دار الكتب العلمية)، وهو عند
مسلم (١٢١٨) من حديث جابر الطويل في الحج بلفظ ((أبدأ)). قال النووي في شرح
مسلم ١٧٧/٨: وقد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبي وَالقيد
قال: ((ابدؤوا)) بصيغة الجمع. وينظر نصب الراية ٥٤/٣.

الآية : ٦
٧٩
سُؤَدَّةُ القَائِدَة
﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا﴾ أي: عند القيام إلى الصلاة ﴿فَأَطَّهَرُواْ﴾ أي: فاغتسلوا على
أَتمِّ وجه، وقرئ: ((فأظْهِروا))(١)، أي: فطهِّروا أبدانكم. والمضمضة والاستنشاق
هنا فرضٌ كغسْل سائر البدن؛ لأنه سبحانه أضافَ التطهيرَ إلى مسمَّى الواو، وهو
جملةُ بدنِ كلِّ مكلَّف، فيدخلُ كلُّ ما يمكنُ الإيصال إليه إلا ما فيه حَرَجُ کداخل
العينين، فيسقطُ للحرج، ولا حَرَجَ في داخل الفم والأنف، فَيَشْمَلُهما نصُّ الكتاب
من غير معارِض كما شَمِلَهما قولهِنَ ◌ّهَ فيما رواه أبو داود: ((تحتَ كُلِّ شعرةٍ جنابة،
فَبُلُّوا الشَّعر وأَنقوا البشرة))(٢). وكونُهما من الفطرة كما جاء في الخبر(٣) لا ينفي
الوجوبَ؛ لأنها الدين، وهو أعمُّ منه.
وتُشعر الآية بأنه لا يجبُ الغُسل على الجنب فوراً ما لم يُرِدْ فِعْلَ مالا يجوزُ
بدونه، ويؤيدُ ذلك ما صحَّ أنه وَّ خرج لصلاة الفجر ناسياً أنه جُنبٌ، حتى إذا
وقف تذكَّر، فانصرفَ راجعاً فاغتسل، وخرج ورأسُهُ الشريف يقطُر ماء(٤).
﴿وَإِن كُم مَّرْضَ﴾ مَرَضاً تخافون به الهلاك، أو ازديادَه باستعمال الماء ﴿أَوْ عَلَى
سَفَرٍ﴾ أي: مستقرِّين عليه.
﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيْبًا
فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ((من)) لابتداء الغاية، وقيل: للتبعيض، وهو
متعلّقٌ بـ ((امسحوا)) وقرأ عبد الله: ((فأُمُّوا صعيداً) (٥) وقد تقدَّم تفسيرُ الآية في سورة
(١) الكشاف ٥٩٨/١، والبحر ٤٣٩/٣.
(٢) سنن أبي داود (٢٤٨)، وأخرجه - أيضاً - الترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧)، وهو من حديث
أبي هريرة ظُه. وفي إسناده الحارث بن وجيه، قال أبو داود عقب الحديث: حديثه منكر،
وهو ضعيف. وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك.
(٣) أخرجه مسلم (٢٦١) من حديث عائشة ﴿ا قالت: قال رسول الله وَله: ((عشر من الفطرة:
قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل
البراجم، ونتف الإبط، وحَلْق العانة، وانتقاص الماء)» قال زكريا: قال مصعب: ونسيت
العاشرة، إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء.
(٤) أخرجه أحمد (٨٤٦٦)، والبخاري (٢٧٥)، ومسلم (٦٠٥) من حديث أبي هريرة له، ولم
يذكروا أنها صلاة الفجر.
(٥) الكشاف ٥٩٨/١ .

سُورَةُ العَائِدَة
٨٠
الآية : ٦
النساء فليراجع(١)، ولعلَّ التكريرَ ليتَّصلَ الكلامُ في بيان أنواع الطهارة، ولئلا يتوهّم
النسخ على ما قيل، بناءً على أنَّ هذه السورةَ من آخر ما نزل.
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بما فَرَضَ عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة، والغُسْلِ من
الجنابة، أو بالأمر بالتيمُّم.
﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجَ﴾ أي: ضِيقٍ في الامتثال، و((الجعل)) يحتملُ أن
يكون بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدَّى لواحدٍ وهو ((مِن حَرَج)) و ((من)) زائدة،
و((عليكم)) حينئذٍ متعلِّقٌ بالجَعْل، وجُوِّزَ أن يتعلَّق(٢) بـ ((حرج)) وإن كان مصدراً
متأخّراً. ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير، فيكون ((عليكم)) هو المفعول الثاني.
﴿وَلَكِن يُرِيدُ﴾ أي: بذلك ﴿يُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: ليُنظّفكم: فالطهارةُ لغويةٌ. أو:
لُيُذْهِبَ عنكم دَنَسَ الذنوب، فإنَّ الوضوءَ يكفِّر الله تعالى به الخطايا، فقد أخرج
مالك ومسلم وابن جرير عن أبي هريرة له أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((إذا توضّأ
العبدُ المسلمُ فغسل وجهه خَرَجَ من وجهه كلُّ خطيئةٍ نَظَرَ إليها بعينيه مع الماء،
أو مع آخر فَظْر الماء، فإذا غَسَلَ يديه، خرج من يديه كلُّ خطيئة بطشتها يداه
مع الماء، أو مع آخر قَظْرِ الماء، فإذا غَسَلَ رجليه خرجت كلُّ خطيئةٍ مَشَتْها
رجلاه مع الماء، أو مع آخر فَظْر الماء، حتى يخرجَ نقيًّا من الذنوب))(٣)
فالطهارةُ معنويةٌ بمعنى تكفير الذنوب، لا بمعنى إزالة النجاسة؛ لأنَّ الحدثَ
ليس نجاسةً بلا خلاف، وإطلاقُ ذلك عليه باعتبار أنه نجاسةٌ حكميةٌ، بمعنى
كونه مانعاً من الصلاة، لا بمعنى كونه يحيثُ يتنجَّس الطعامُ أو الثوب(٤)
الرَّطْبُ بملاقاة المحدِث، أو تفسدُ الصلاةُ بحَمْله، وأما تنجُّس الماء فيما شاع
عن الإمام الأعظم ظه، وروي رجوعه عنه، فلانتقال المانعية والآثام إليه
حُكْماً.
(١) ينظر تفسير الآية (٤٣) من سورة النساء.
(٢) في الأصل: أن يكون متعلقاً.
(٣) موطأ مالك ٣٢/١، وصحيح مسلم (٢٤٤)، وتفسير الطبري ٢١٨/٨، وهو عند أحمد
(٨٠٢٠).
(٤) في (م): الشراب. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٢١/٣ والكلام منها.