Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ١٥٦
٣٨١
سُورَةُ الْنِسَاءِ
أو نصب على الاستثناء من ضمير ((لا يؤمنون))، أي: إلا قليلاً منهم كعبد الله بن
سلام وأضرابه. وردّه السَّمينُ بأنَّ الضميرَ عائدٌ على المطبوع على قلوبهم، ومَن
طُبع على قلبه بالكفر لا يقع منه إيمان(١).
وأُجيب بأنَّ المرادَ بما مرَّ الإسنادُ إلى الكلِّ ما هو للبعض باعتبار الأكثر.
وقال عصام المِلَّة: كما يجب استثناءُ القليل من عدم الإيمان المتفرِّعِ على
الطَّبع على قلوبهم، يجبُ استثناءُ قليلٍ من القلوب من قلوبهم، فكأنَّ المراد: بل
طَبَعَ اللهُ تعالى على أكثرها. فليفهم.
﴿وَيَكُفْرِهِمْ﴾ عَظْفٌ على ((بكفرهم)) الذي قبله، ولا يُتوهّم أنه من عَطْفِ الشيء
على نفسه، ولا فائدة فيه؛ لأنَّ المرادَ بالكفر المعطوفِ الكفرُ بعيسى عليه السلام،
والمراد بالكفر المعطوف عليه، إما الكفرُ المطلق، أو الكفرُ بمحمد ◌َّ لاقترانه
بقوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وقد حكى الله تعالى عنهم هذه المقالةَ في مواجهتهم
له عليه الصلاة والسلام في مواضع، ففي العَظْفِ إيذانٌ بصلاحية كلٍّ من الكُفْرين
للسببية، وقد يُعتبر في جانب المعطوف المجموع، ومغايرتُه للمفرد المعطوف عليه
ظاهرٌ.
أو عطف على ((فبما نَقْضِهم))، ويجوز اعتبار عَطْفِ مجموع هذا وما عُطِفَ عليه
على مجموع ما قبله، ولا يُتوهّم المحذورُ وإن قلنا باتحاد الكُفْر أيضاً؛ لمغايرة
المجموع للمجموع وإن لم يُغاير بعضُ أجزائه بعضاً، وقد يقال بمغايرة الكفر في
المواضع الثلاثة بحمله في الأخيرين على ما أشرنا إليه، وفي الأول على الكفر
بموسى عليه السلام لاقترانه بنقض الميثاق، وتقدَّم حديثُ العَدْوِ في السبت(٢).
لا يُقادَرُ قَدْرَهُ، حیث نسبوها ۔ وحاشاها ۔
﴿وَقَّوْلِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَا عَظِيمًا
إلى ما هي عنه في نفسها بألفِ ألفِ منزلٍ، وتمادَوا على ذلك غير مكترثين بقيام
المعجزة بالبراءة.
(١) الدر المصون ١٤٤/٤.
(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَّدَوْاْ مِنْكُمْ فِ الشَّيْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ فِرَدَةً خَسِينَ﴾
[البقرة: ٦٥].

سُورَةُ النِّسَاءِ
٣٨٢
الآية : ١٥٧
والبهتان: الكذب الذي يُتَحَيَّرُ من شِدَّته وعِظَمِهِ، ونَصْبُهُ على أنه مفعولٌ به
لـ ((قولهم))، وجُوِّزَ أن يكون صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قولاً بهتاناً، وقيل: هو
مصدرٌ في موضع الحال، أي: مباهتين.
﴿وَقَّوْلِهِمْ﴾ على سبيل التبجُّح ﴿إِنَّا قَئَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ذكروه
بعنوان الرسالةِ تهكُّماً واستهزاءً، كما في قوله تعالى حكايةً عن الكفار: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِى
نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ إلخ [الحجر: ٦] ويحتمل أن يكون ذلك منهم بناءً على قوله عليه
الصلاة والسلام وإن لم يعتقدوه.
وقيل: إنهم وَصفوهُ بغير ذلك من صفاتِ الذَّمِّ فَغُيِّر في الحكاية، فيكون من
الحكاية لا من المحكِيّ.
وقيل: هو استئنافٌ منه [تعالى](١) مَدْحاً له عليه الصلاة والسلام ورَفْعاً لمحلِّه،
وإظهاراً لغاية جراءتهم في تصدِّيهم لقتله، ونهايةٍ وقاحتهم في تبجّحهم.
﴿وَمَا قَبَلُوهُ وَمَا صَلَبُوُ﴾ حالٌ أو اعتراضٌ ﴿وَلَكِنْ شُيِّهَ لَهُمْ﴾ روي عن ابن
عباس ◌ًِّا أنَّ رَهْطَاً من اليهود سَبُّوه عليه السلام وأُمَّه، فدعا عليهم، فمُسخوا قِرَدةً
وخنازير، فبلغ ذلك يهوذا رأسَ اليهود فخاف، فجمع اليهودَ فاتفقوا على قتلهِ،
فساروا إليه ليقتلوه، فأَدخله جبريلُ عليه السلام بيتاً ورَفَعَهُ منه إلى السماء، ولم
يشعروا بذلك، فدخل عليه طيطانوس ليقتله فلم يجده، وأبطأ عليهم، وألقى الله
تعالى عليه شَبَهَ عيسى عليه السلام، فلما خَرَجَ قتلوهُ وصلبوه.
وقال وهبُ بن مُنبِّه في خبرٍ طويلٍ رواه عنه ابن المنذر(٢): أُتي عيسى عليه
السلام ومعه سبعةٌ وعشرونَ من الحواريين في بيت، فأحاطوا بهم، فلما دخلوا
عليهم صيَّرهم الله تعالى كلَّهم على صورة عيسى عليه السلام، فقالوا لهم:
سحرتُمونا! لَيَبرُزَنَّ لنا عيسى (عليه السلام) أو لنقتلنَّكم جميعاً. فقال عيسى
لأصحابه: مَنْ يشتري نفسَهُ منكم اليومَ بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج إليهم
فقال: أنا عيسى، فقتلوه وصلبوه، ورَفَعَ الله تعالى عيسى عليه السلام.
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٥١/٢، وعنه نقل المصنف.
(٢) كما في الدر المنثور ٢٣٩/٢، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٧/ ٦٥٠ - ٦٥١.

الآية : ١٥٧
٣٨٣
سُورَةُ النساءِ
وبه قال قتادةُ والسُّدِّيُّ ومجاهدٌ وابن إسحاق، وإن اختلفوا في عدد الحواريين.
ولم يَذكرْ أحدٌ غيرُ وَهْبٍ أنَّ شَبَهَهُ عليه السلام أُلقي على جميعهم، بل قالوا: أُلقي
شَبههُ على واحدٍ، ورُفع عيسى عليه السلام من بينهم.
ورجَّح الطبريُّ(١) قولَ وَهْب، وقال: إنه الأشبه.
وقال أبو عليٍّ الجبَّائيُّ: إنَّ رؤساء اليهود أخذوا إنساناً فقتلوه وصلبوه على
موضع عالٍ، ولم يُمكِّنوا أحداً من الدنوِّ منه، فتغيَّرت حليته، وقالوا: إنَّا قتلنا
عيسى، ليُوهموا بذلك على عوامُّهم؛ لأنهم كانوا أحاطوا بالبيت الذي به عيسى
عليه السلام، فلما دخلوه ولم يجدوه فخافوا أن يكون ذلك سبباً لإيمان اليهود،
ففعلوا ما فعلوا .
وقيل: كان رجلٌ من الحواريِّين ينافقُ عيسى عليه السلام، فلما أرادوا قتله
قال: أنا أَدُّكم عليه، وأخذَ على ذلك ثلاثين درهماً، فدخل بيتَ عيسى عليه
السلام، فَرُفعَ عليه السلام وأُلقي شبههُ على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم
يظنون أنه عيسى عليه السلام. وقيل غير ذلك.
و((شُبِّه)) مُسنَدٌ إلى الجارِّ والمجرور، والمراد: وَقَعَ لهم تشبيهٌ بين عيسى عليه
السلام ومَنْ صُلب، أو: في الأمر على قول الجبَّائي، أو هو مُسنَدٌ إلى ضمير
المقتول الذي دَلَّ عليه («إنا قتلنا)»، أي: شُبِّه لهم مَنْ قتلوه بعيسى عليه السلام.
أو الضمير للأمر، و(«شُبِّه)» من الشُّبهة، أي: التبس عليهمُ الأمرُ بناءً على ذلك
القول(٢)، وليس المسنّدُ إليه ضميرُ المسيح عليه الصلاة والسلام؛ لأنه مُشبٌَّ به لا مُشبّه.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ أي: في شأن عيسى عليه السلام؛ فإنه لمَّا وقعتْ تلك
الواقعة اختلف الناس، فقال بعضُهم: إنه كان كاذباً فقتلناه حقًّا، وتردَّدَ آخرون فقال
بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبُنا؟ وإن كان صاحِبَنا فأين عيسى؟ وقال
بعضُهم: الوجهُ وجهُ عيسى، والبدنُ بدنُ صاحبنا .
(١) في تفسيره ٧/ ٦٥٨ .
(٢) قال الشهاب في الحاشية ١٩٨/٣: ومَن فسَّره بهذا بناه على أنه لم يقع قتلٌ ولا صلبٌ
أصلاً، وإنما وقع إرجاف وأكاذيب، ومثله ذكر البيضاوي وأبو السعود في تفسيره ٢٥١/٢ .

سُورَةُ النِّسَكَاةِ
٣٨٤
الآية : ١٥٧
وقال مَنْ سَمِعَ منه: إنَّ الله تعالى يرفعني إلى السماء: إنه رُفع إلى السماء.
وقالت النصارى الذين يدَّعون ربوبيَّته عليه السلام: صُلب الناسوت وصَعِد
اللاهوت، ولهذا لا يَعدُّون القتلَ نقيصةً، حيث لم يُضيفوه إلى اللاهوت.
ويَرُدُّ هؤلاء أنَّ ذلك يمتنع عند اليعقوبية القائلين: إنَّ المسيحَ قد صارَ بالاتِّحاد
طبيعةً واحدةً؛ إذ الطبيعةُ الواحدةُ لم يبقَ فيها ناسوتٌ متميِّزٌ عن لاهوت، والشيءُ
الواحد لا يقال: ماتَ ولم يَمُتْ، وأُهين ولم يُهَنْ.
وأما الروم القائلون بأنَّ المسيح بعد الاتِّحاد باقٍ على طبيعتين، فيقال لهم:
فهل فارقَ اللاهوتُ ناسوتَهُ عند القتل؟ فإن قالوا: فارقه، فقد أَبطلوا دينهم، فلم
يستحقَّ المسيحُ الربوبيةَ عندهم إلا بالاتِّحاد.
وإن قالوا: لم يفارقه، فقد التزموا ما وَرَدَ على اليعقوبية، وهو قَتْلُ اللاهوت
مع الناسوت.
وإن فسَّروا الاتِّحادَ بالتدرُّع، وهو أنَّ الإلهَ جعله مسكناً وبيتاً، ثم فارَقه عند
ورودِ ما وَرَدَ على الناسوت، أَبطلوا إلهيّته في تلك الحالة، وقلنا لهم: أليس قد
أُهين؟ وهذا القَدْرُ يكفي في إثبات النقيصة، إذ لم يأنف اللاهوتُ لمسكنه أن تناله
هذه النقائص، فإن كان قادراً على نفيها فقد أساء مجاورتَه ورضيّ بنقيصته، وذلك
عائدٌ بالنقص عليه في نفسه، وإن لم يكن قادراً، فذلك أَبعدُ له عن عزِّ الربوبية.
وهؤلاء ينكرون إلقاءَ الشَّبَه، ويقولون: لا يجوز ذلك لأنه إضلالٌ، وَرَدُّهُ أَظهرُ
من أن يخفى، ويكفي في إثباته أنه لو لم يكن ثابتاً، لَزِمَ تكذيبُ المسيح، وإبطالُ
نبوَّته، بل وسائر النبوات، على أنَّ قولهم في الفصل: إنَّ المصلوب قال: إلهي
إلهي، لمَ تركتني وخذلتني(١)؟ وهو ينافي الرضا بمُرِّ القضاء، ويناقض التسليم
لأحكام الحكيم، وأنه شكى العطشَ وطلب الماء(٢)، والإنجيلُ مُصرِّحٌ بأنَّ المسيحَ
كان يطوي أربعينَ يوماً وليلةً، إلى غير ذلك مما لهم فيه إن صحَّ، مما ينادي على
أنَّ المصلوب هو الشَّبَهُ كما لا يخفى.
(١) ينظر إنجيل متى ص١١٦، وإنجيل مرقس ص١٧٦.
(٢) إنجيل يوحنا ص ٣٥٥.

الآية : ١٥٧
٣٨٥
سُورَةُ السَّةِ
فالمراد من الموصول ما يعمُّ اليهود والنصارى جميعاً.
﴿لَفِى شَكٍ مِّنْهُ﴾ أي: لفي تَردُّد، وأصل الشَّكِّ أن يُستعملَ في تساوي الطّرفين،
وقد يُستعملُ في لازم معناه وهو التردُّدُ مطلقاً وإن لم يترجَّح أحدُ طرفيه، وهو
المراد هنا، ولذا أَّده بنفي العِلْم الشامل لذلك أيضاً بقوله سبحانه:
﴿مَا لَهُمْ بِهِ، مِنْ عِلٍّ إِلَّا إِنْبَعَ الَّنْ﴾ والاستثناءُ منقطعٌ، أي: لكنَّهم يتَّبعون
الَّنَّ.
وجُوِّزَ أن يُفسّر الشَّكُّ بالجهل، والعلمُ بالاعتقاد الذي تسكنُ إليه النفسُ، جزماً
كان أو غيره، فالاستثناءُ حينئذٍ مَّصلٌ، وإليه ذهب ابن عطية (١)، إلا أنه خلافُ
المشهور.
وما قيل: إنَّ اتِّباع الظَّنِّ ليس من العلم قَطْعاً فلا يُتصوَّر اتِّصالُهُ، فمدفوعٌ بأنَّ
مَنْ قال به جَعَلَهُ بمعنى الظَّنِّ المتَّبع.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنًا (
﴾ الضمير لعيسى عليه السلام كما هو الظاهر، أي: ما قتلوه
١٥٧
قَتْلاً يقيناً، أو متيقٌّنين، ولا يَردُ أنَّ نفيَ القَتْل المتيقَّنِ يقتضي ثبوتَ القَتْل المشكوك؛
لأنه لنفي القيد، ولا مانعَ من أنه قَتْلُ في ظَنِّهم، فإنه يقتضي أنه ليس في نفس الأمر
كذلك، فلا حاجةً إلى التزام جَعْل ((يقيناً)) مفعولاً مطلقاً لفعلٍ محذوف، والتقدير:
تيقّنوا ذلك يقيناً .
وقيل: هو راجعٌ إلى العلم، وإليه ذهب الفراء وابن قتيبة(٢)، أي: وما قتلوا
العِلْمَ يقيناً، من قولهم: قتلتُ العلمَ والرأيّ، وقتلتُ كذا علماً، إذا تَبالغَ عِلْمُكَ
فيه، وهو مجازٌ كما في ((الأساس))(٣) والمعنى: ما علموه يقيناً.
وقيل: الضميرُ للّنِّ، أي: ما قطعوا الَّنَّ يقيناً، ونُقل ذلك عن ابن عباس
والسُّدِّي.
(١) في المحرر الوجيز ١٣٤/٢.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٩٤/٢، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ١١٥، ونقله المصنف
عنهما بواسطة الشهاب في الحاشية ١٩٩/٣ .
(٣) أساس البلاغة للزمخشري مادة (قتل).

سُورَةُ المَشْكَاةِ
٣٨٦
الآية : ١٥٨
وحكى ابن الأنباريِّ أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، وأنَّ ((يقيناً)) متعلِّقٌ بقوله
تعالى: ﴿بَلِ زَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي: بل رفعهُ سبحانه إليه يقيناً. وردَّه في ((البحر))(١)
بأنه قد نصَّ الخليلُ على أنه لا يَعملُ ما بعدَ ((بل)) فيما قبلها .
والكلام رَدِّ وإنكارٌ لقتله، وإثباتٌ لِرَفْعه عليه الصلاة والسلام، وفيه تقدیرُ
مُضافٍ عند أبي حيان، أي: إلى سمائه، قال: وهو حيٍّ في السماء الثانية على
ما صحَّ عن النبيِّ وَِّ في حديث المعراج(٢)، وهو هنالك مقيمٌ حتى ينزلَ إلى
الأرض، يقتلُ الدجالَ ويملؤها عَدْلاً كما مُلئتْ جَوْراً، ثمَّ يحيا فيها أربعين سنةً،
أو تمامَها مِن سنِّ رَفْعِه - وكان إذ ذاك ابنَ ثلاثٍ وثلاثين سنة - ويموتُ كما تموت
البشر (٣)، ويدفن في حُجْرة النبيِّ وَّرَ، أو في بيت المقدس.
وقال قتادة: رَفَعَ اللهُ تعالى عيسى عليه السلام إليه فكساه الرِّيش وأَلبسهُ النور،
وقَطَعَ عنه لذَّةَ المَظْعَم والمَشْرب، فطار مع الملائكة، فهو معهم حولَ العَرْش،
فصار إنسيًّا مَلَكِيًّا سماويًّا أرضيًّا. وهذا الرفع على المختار كان قبل صَلْب الشَّبَه،
وفي ((إنجيل لوقا)) ما يؤيِّده(٤)، وأما رؤيةُ بعض الحواريين له عليه السلام بعد
الصَّلْب، فهو من باب تطوُّر الروح، فإنَّ للقُدسيين قوةَ التطوُّر في هذا العالم، وإن
رُفعتْ أَرواحهمْ إلى المحلِّ الأَسنى، وقد وقع التطوُّر لكثيرٍ من أولياء هذه الأمة،
وحكاياتُهم في ذلك يضيقُ عنها نطاق الحصر.
﴿وَكانَ اللهُ عَزِیًا﴾ لا يُغالبُ نيما يريده ﴿حَكِيمًا
في جميع أفعاله، فيدخلُ
١٥٨
فيه تدبيراتُه سبحانه في أمر عيسى عليه السلام وإلقاءُ الشَّبَه على مَنْ أَلقاه دخولاً
أوليًّا .
(١) البحر المحيط ٣٩١/٣، وعنه نقل المصنف قول ابن الأنباري، وينظر إيضاح الوقف
والابتداء ٦٠٩/٢.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٢) من حديث أنس بن مالك نضـ
◌ُ.
(٣) ينظر حديث أبي هريرة ظه عند أحمد (٧٢٦٩) و(٩٢٧٠)، والبخاري (٢٢٢٢)، ومسلم
(١٥٥). وحديث عبد الله بن عمرو ريبًا عند مسلم (٢٩٤٠)، وحديث عائشة مؤثنا عند أحمد
(٢٤٤٦٧).
(٤) لم نقف عليه في إنجيل لوقا، وهو في إنجيل برنابا ص٢٨٨ طبعة دار القلم.

الآية : ١٥٩
٣٨٧
سُورَةُ النَّسَاءِ
﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ اٌلْكِتَبِ﴾ أي: اليهود خاصة كما أخرج ابن جرير(١) عن ابن
عباس ◌ًَّا، أو هم والنصارى، كما ذهب إليه كثيرٌ من المفسّرين.
و((إنْ)) نافيةٌ بمعنى ((ما))، وفي الجارِّ والمجرور وجهان:
أحدهما: أنه صفةٌ لمبتدأ محذوف، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
جملةٌ قَسَمية، والقَسَمُ مع جوابه خبرُ المبتدأ، ولا يَرِدُ عليه أنَّ القَسَم إنشاءٌ؛ لأنَّ
المقصودَ بالخبر جوابُهُ، وهو خبرٌ مؤكّدٌ بالقَسَم، ولا ينافيه كونُ جواب القَسَمِ
لا محلَّ له؛ لأنَّ ذلك من حيثُ كونُهُ جواباً، فلا يمتنعُ كونُهُ له محلٌّ باعتبارٍ آخرَ لوَ
سَلمَ أنَّ الخبر ليس هو المجموع، والتقدير: وما أحدٌ من أهل الكتاب إلا والله
لیؤمننّ به.
والثاني أنه مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ وقعَ خبراً لذلك المبتدأ، وجملةُ القَسَم صفةٌ له
لا خبر، والتقدير: وإنْ أحدٌ إلا ليؤمننَّ به كائنٌ من أهل الكتاب، ومعناه: كلُّ رجلٍ
يؤمنُ به قبلَ موته من أهل الكتاب، وهو كلامٌ مفيدٌ. فالاعتراضُ على هذا الوجه
بأنه لا ينتظمُ من ((أحد)» والجارِّ والمجرورِ إسنادٌ لأنه لا يفيد = لا يفيدُ؛ لحصول
الفائدة بلا ريب.
نعم المعنى على الوجه الأول: كلُّ رجلٍ من أهل الكتاب يؤمنُ به قبلَ موته،
والظاهرُ أنه المقصود، وأنه أَتُّ فائدةً، والاستثناءُ مُفرَّعٌ من أعمِّ الأوصاف، وأهلُ
الكوفة يقدِّرونَ موصولاً بعد ((إلا)»، وأهلُ البصرة يمنعون حَذْفَ الموصول وإبقاءَ
صِلَتِهِ، والضميرُ الثاني راجعٌ للمبتدأ المحذوف أعني: أحد، والأولُ لعيسى عليه
السلام، فمفادُ الآية: إنَّ كلَّ يهوديِّ ونصرانيٍّ يؤمنُ بعيسى عليه السلام قبل أن
تَزْهقَ روحُهُ بأنه عبدُ الله تعالى ورسوله، ولا ينفعه إيمانه حينئذٍ؛ لأنَّ ذلك الوقتَ -
لكونه مُلحقاً بالبرزخ؛ لمَا أنه ينكشفُ عنده لكلِّ الحقُّ - ينقطعُ فيه التكليف، ويؤيد
ذلك أنه قرأ أُبيِّ: ((لَيُؤْمِنُنَّ به قبلَ مَوْتِهِمْ)) بضمِّ النون، وعَوْدُ ضمير الجمع لأحدٍ
ظاهرٌ(٢)، لكونه في معنى الجمع، وعَوْدُهُ لعيسى عليه السلام غيرُ ظاهر.
(١) في تفسيره ٧ / ٦٦٧ .
(٢) البحر المحيط ٣٩٣/٣، والدر المصون ٤/ ١٥٠.

سُورَةُ النِّسَكَاةِ
٣٨٨
الآية : ١٥٩
وأخرج ابن المنذر(١) وغيره عن ابن عباس ظًّا أنه فَسَّر الآيةَ كذلك، فقيل له:
أرأيتَ إن خرَّ من فوقٍ بيت؟ قال: يتكلَّمُ به في الهواء، فقيل: أَرأيتَ إن ضُرب
◌ُنقه؟ قال: يَتَلَجْلَجُ بها لسانه.
وأخرج ابن المنذر أيضاً (٢) عن شَهْرٍ بن حُوْشَبٍ قال: قال لي الحجّاج:
يا شهرُ، آيةٌ من كتاب الله تعالى ما قرأتُها إلا اعترضَ في نفسي منها شيءٌ، قال الله
تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ، قَبْلَ مَوْنِهٍ﴾، وإنِّي أُوتَى بالأَسارى
فأَضربُ أعناقهم، ولا أَسمعُهمْ يقولون شيئاً؟ فقلت: رُفعتْ إليك على غير وجهها،
إنَّ النصرانيَّ إذا خرجتْ روحُهُ - أي: إذا قَرُبَ خروجُها، كما تدلُّ عليه روايةٌ أخرى
عنه - ضَرَّبَتْهُ الملائكةُ من قُبُله ومن دُبره، وقالوا: أيْ خبيث، إنَّ المسيحَ الذي
زعمتَ أنه الله تعالى، وأنه ابنُ الله سبحانه، وأنه ثالثُ ثلاثةٍ، عبدُ الله وروحُهُ
وكَلمتُهُ، فيؤمنُ به حين لا ينفعه إيمانه، وإنَّ اليهوديَّ إذا خرجتْ نفسُهُ ضَرَبَتْهُ
الملائكةُ من قُبُله ودُبره، وقالوا: أيْ خبيث، إنَّ المسيحَ الذي زعمتَ أنك قتلَتهُ،
عبدُ الله وروحُهُ، فيؤمنُ به حين لا ينفعه الإيمان، فإذا كان عند نزول عيسى آمنتْ به
أحياؤهم كما آمنت به موتاهم، فقال: من أين أخذتها؟ فقلت: من محمد بن علي.
قال: لقد أخذتَها من مَعْدِنِها. قال شَهْر: وايمُ الله تعالى، ما حدَّثنيه إلا أُّ سلمة،
ولكنِّي أَحبيتُ أن أغيظه.
والإخبارُ بحالهم هذه وعيدٌ لهم، وتحريضٌ إلى المسارعة إلى الإيمان به قبل
أن يُضطرُّوا إليه مع انتفاء جدواه.
وقيل: الضميران لعيسى عليه السلام، وروي ذلك عن ابن عباس ها أيضاً
وأبي مالك والحسن وقتادة وابن زيد واختاره الطبري(٣)، والمعنى أنه لا يبقى أحدٌ
من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى عليه السلام، إلا ليؤمننَّ به قبل أن
يموت، وتكونُ الأديان كلُّها ديناً واحداً.
(١) كما في الدر المنثور ٢٤١/٢، وأخرجه - أيضاً - الطبري ٦٦٨/٧.
(٢) كما في الدر المنثور ٢٤١/٢.
(٣) في الأصل و(م): الطبراني، والصواب ما أثبتناه. ينظر تفسير الطبري ٧/ ٦٧٢، ومجمع
البيان ٢٨٦/٦.

الآية : ١٦٠
٣٨٩
سُؤَةُ النَّسَاءِ
وأخرج أحمد عن أبي هريرة حظّه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((ينزلُ عيسى ابنُ
مريم، فيقتلُ الخنزيرَ ويمحو الصَّليبَ وتُجْمَعُ له الصلاة، ويُعطي المالَ حتى
لا يُقبلَ، ويَضَعُ الخَراجِ، ويَنزلُ الرَّوحاء، فَيَحُجُّ منها أو يعتمر، أو يَجمعهما)) قال:
وتلا أبو هريرة رضيُله: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنِهِ﴾(١).
وقيل: الضمير الأول لله تعالى. ولا يخفى بُعْدُهُ، وأَبعدُ من ذلك أنه
المحمد وٍَّ، وروي هذا عن عكرمة، ويُضعِّفُهُ أنه لم يَجْرِ له عليه الصلاة والسلام
ذِكْرٌ هنا، ولا ضرورةَ تُوجبُ رَدَّ الكناية إليه، لا أنه - كما زعم الطبريُّ(٢) - لو كان
صحيحاً لما جاز إجراءُ أحكام الكفّار على أهل الكتاب بعد موتهم؛ لأنَّ ذلك
الإيمانَ إنما هو في حال زوال التكليف، فلا يُعتدُّ به.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَّمَةِ يَكُونُ﴾ أي: عيسى عليه السلام ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: أهل الكتاب
﴿شَهِيدًا
، فيشهدُ على اليهود بتكذيبهم إياه، وعلى النصارى بقولهم فيه: إنه
ابن الله تعالى. والظرف مُتعلِّقٌ بـ ((شهيداً))، وتقديمُهُ يدلُّ على جواز تقديم خبر
(كان)) مطلقاً، أو إذا كان ظرفاً أو مجروراً، لأنَّ المعمولَ إنما يتقدَّمُ حيثُ يَصِحُ
تقديمُ عامِلِهِ، وجَوَّزَ أبو البقاء كونَ العامل فيه (يكون))(٣).
﴿فَيُظْلِ يِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي تابوا من عبادة العِجْل، والتعبيرُ عنهم بهذا العنوان
إيذانٌ بكمال عِظَم ظُلْمهم بتذكير وقوعه بعد تلك التوبة الهائلة، إثر بيان عِظَمِهِ
بالتنوين التفخيميٍّ، أي: بسبب ظُلْمٍ عظيمٍ خارجٍ عن حدود الأشياء والنظائر صادرٍ
عنهم ﴿حَرَّمْنَا عَلَّهِمْ طَيِبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾َ ولمنَ قَبْلَهمَ، لا لشيءٍ غيره كما زعموا، فإنهم
كانوا كلَّما ارتكبوا معصيةً من المعاصي التي اقترفوها، يُحرَّمُ عليهم نوعٌ من
الطيبات التي كانت مُحلَّلةً لهم ولمن تقدَّمهم من أسلافهم، عقوبةً لهم، ومع ذلك
كانوا يفترون على الله تعالى الكذبَ ويقولون: لسنا بأولَ مَنْ حُرِّمتْ عليه،
وإنما كانت مُحرَّمةً على نوح وإبراهيمَ ومَنْ بعدَهما عليهم الصلاة والسلام، حتى
انتهى الأمرُ إلينا. فكذَّبهم الله تعالى في مواقعَ كثيرةٍ وبَكَّتَهمْ بقوله سبحانه: ﴿كُلُّ
(١) مسند أحمد (٧٩٠٣)، وأخرجه بنحوه البخاري (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥).
(٢) في تفسيره ٧/ ٦٧٣ - ٦٧٤ .
(٣) الإملاء ٣٥٩/٢ - ٣٦٠.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٣٩٠
الآية : ١٦١
الطّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىَّ إِسْرَِّيلَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٣]، وقد تقدَّم الكلام فيها.
وذهب بعضُ المفسِّرين إلى(١) أنَّ المحرَّم عليهم ما سيأتي إن شاء الله تعالى في
((الأنعام)) مفصَّلاً(٢).
واستُشكل بأنَّ التحريمَ كان في التوراة ولم يكن حينئذٍ كُفْرٌ بمحمَّدٍ بَِّ وبعيسى
عليه السلام، ولا ما(٣) أشار إليه قولُه تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا
١٦٠)
أي: ناساً كثيراً، أو صدًّا كثيراً(٤)، أو زماناً كثيراً .
وقيل في جوابه: إنَّ المرادَ استمرارُ التحريم، فتدبّرْ ولا تغفلْ.
وهذا معطوفٌ على الظُّلِمْ، وجَعَله - وكذا ما عُطف عليه - في ((الكشاف)) بياناً
له(٥)، وهو - كما قال بعض المحقّقين - لِدَفْع ما يقال: إنَّ العَظْفَ على المعمول
المتقدِّم ينافي الحَصْرَ، ومَنْ جَعَلَ الظُّلْمَ بمعناهَ، وجَعَلَ ((بصدِّهم)) متعلّقاً بمحذوف،
فلا إشکال علیه .
ومن هذا يُعلَمُ تخصيصُ ما ذَكَرَهُ أهلُ المعاني - من أنه منافٍ للحَصْر - بما إذا
لم يكن الثاني بياناً للأول، كما إذا قلتَ: بذنبٍ ضربتُ زيداً، وبسوءٍ أدبه، فإنَّ
المراد فيه: لا بغير ذَنْبٍ. وكذا خصَّصوا ذلك بما إذا لم يكن الحَصْرُ مستفاداً من
غير التقدیم.
وأُعيدت الباء هنا ولم تُعَدْ في قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الْرّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنّهُ﴾ لأنه
فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولاً للمعطوف عليه، وحيثُ فُصِلَ
بمعموله لم تُعَدْ. وجملة ((وقد نهوا)) حاليةٌ.
وفي الآية دلالةٌ على أنَّ الربا كان محرَّماً عليهم كما هو محرَّمٌ علينا، وأنَّ
النهيَ يدلُّ على حُرْمةِ المنهيِّ عنه، وإلا لما توعّد سبحانه على مخالفته.
(١) قوله: إلى، ليس في (م).
(٢) عند تفسير الآية (١٤٦) منها.
(٣) قوله: ما، معطوف على قوله: كُفْرٌ، أي: لم يكن حينئذ كفر بمحمد وعيسى ولا صد .... ،
ينظر حاشية الشهاب ٣/ ٢٠٠.
(٤) قوله: كثيراً، ليس في (م).
(٥) الكشاف ١/ ٥٨١ .

الآية : ١٦٢
٣٩١
سُورَةُ النَّسَكَّةِ
﴿وَأَكْلِهِمْ أَنْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ﴾ بالرشوة وسائر الوجوه المحرَّمة.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ مِنْهُمْ﴾ أي: للمُصرِّين على الكفر، لا لمن تاب وآمن من بينهم
كعبد الله بن سلام وأضرابه ﴿عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾ سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في
الدنيا عقوبةَ التحريم.
وذكر في ((البحر))(١) أنَّ التحريمَ كان عامًّا للظالم وغيره، وأنه من باب ﴿وَأَتَّقُواْ
فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] دون العذاب، ولذا قال
سبحانه: ﴿لِلْكَفِرِينَ﴾ دون ((لهم)). وإلى ذلك ذهب الجبائي أيضاً، فتدبر.
﴿لَّكِنِ الرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ استدراكٌ من قوله سبحانه: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ إلخ،
وبيانٌ لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلاً وآجلاً. و((منهم)) في موضع
الحال، أي: لكنِ الثابتونَ المتقنون منهم في العلم، المستبصرون فيه، غيرُ
التابعين للّنِّ كأولئك الجهلة، والمرادُ بهم عبد الله بن سلام وأُسيدٌ وثعلبةٌ
وأضرابهم، وفي المذكورين نزلت الآيةُ، كما أخرجه البيهقيُّ في ((الدلائل)) عن
(٢)
ابن عباس (٢).
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: منهم، وإليه يُشيرُ كلامُ قتادة، وقد وُصفوا بالإيمان
بعدما وُصفوا بما يوجبه من الرسوخ في العلم بطريق العَظْفِ المبنيِّ على المغايرة
بين المتعاطفين؛ تنزيلاً للاختلاف العنوانيّ منزلةَ الاختلاف الذاتيٌّ كما مرَّ.
وقوله سبحانه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن ﴿وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ من
الكتب على الأنبياء والرسل، حالٌ من ((المؤمنون)) مبيِّنةٌ لكيفية إيمانهم، وقيل:
اعتراضٌ مؤكِّدٌ لما قبله.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الضَّلَوَةَ﴾ قال سيبويه(٣) وسائر البصريين: نُصِبَ على
(١) ٣٩٥/٣.
(٢) كذا نقل المصنف عن السيوطي في الدر المنثور ٢٤٦/٢، ونسبه السيوطي أيضاً لابن
إسحاق، والذي في سيرة ابن هشام ٥٥٧/١ عن ابن إسحاق، ودلائل النبوة للبيهقي
٢/ ٥٣٣-٥٣٤ عن ابن عباس، أن الذي نزل فيهم هو الآيتان (١١٣-١١٤) من آل عمران.
وأسيد وثعلبة هما ابنا سعية.
(٣) في الكتاب ٢/ ٦٣ .

سُورَةُ الشَكَاةِ
٣٩٢
الآية : ١٦٢
المدح، وطعن فيه الكسائيُّ بأنَّ النصب على المدح. إنما يكون بعد تمام الكلام،
وهنا ليس كذلك؛ لأنَّ الخبرَ سيأتي.
وأجيب: بأنه لا دليل على أنه لا يجوز الاعتراض بين المبتدأ وخبره.
وحكى ابن عطية عن قومٍ مَنْعَ نَصْبه على القَطْع من أجل حَرْف العَظْف؛ لأنَّ
القَطْعَ لا يكونُ في العَظْف، وإنما يكون في النعوت(١). ومن ادَّعى أنَّ هذا من باب
القَطْعِ في العَظْفِ تمسَّك بما أنشده سيبويه للقَطْع مع حَرْفِ العَظْف من قوله:
ويأوي إلى نِسْوةٍ عُظَلٍ وشُعْئاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعالي(٢)
وقال الكسائيُّ: هو مجرورٌ بالعطف على ((ما أنزل إليك)) على أنَّ المرادَ بهم
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قيل: وليس المراد بإقامة الصلاة على هذا أداؤها،
بل إظهارُها بين الناس وتشريعُها ليكونَ وصفاً خاصاً.
وقيل: المراد بالمقيمين: الملائكةُ، لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ أَلَّيْلَ وَالنَّارَ لَا
يَفْتُّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠].
وقيل: المسلمون بتقدير مضافٍ، أي: وبِدِينِ المقيمين.
وقال قومٌ: إنه معطوفٌ على ضمير ((منهم))، وقيل: ضمير ((إليك))، وقيل:
ضمير ((قبلك)). والبصريون لا يجيزون هذه الأَوْجُهَ الثلاثةَ لما فيها من العَطْفِ على
الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ، وقد تقدَّم الكلام في ذلك.
وزعم بعضُ المتأخِّرين أنَّ الأَشبهَ نصبُهُ على التوهُم، لكون السابق مقامَ ((لكنَّ))
المثقَّلة، وُضع موضعَها ((لكنْ)) المخفَّفة، ولا يخفى ما فيه.
وبالجملة لا يُلتفتُ إلى مَنْ زَعَمَ أنَّ هذا من لَحْنِ القرآن، وأنَّ الصوابَ:
((والمقيمون)) بالواو كما في مُصحفٍ عبد الله(٣)، وهي قراءةُ مالك بن دينار
(١) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ١٣٥/٢.
(٢) البيت لأمية بن أبي عائذ الهذلي، وهو في الكتاب ٦٦/٢، وشرح المفصل ١٨/٢،
والخزانة ٤٢٦/٢. وهو في ديوان الهذليين ١٨٤/٢ برواية:
له نسوةٌ عاطلاتُ الصُّدو رِ عُوجٌ مراضيعُ مثلُ السَّعالي
(٣) معاني القرآن للفراء ١٠٦/١، وتفسير الطبري ٧/ ٦٨١، والكشاف ٥٨٢/١.

الآية : ١٦٢
٣٩٣
سُورَةُ النَّسَاةِ
والجحدريِّ وعيسى الثقفي (١)؛ إذ لا كلامَ في نَقْلِ النَّظْم تواتراً، فلا يجوزُ اللحن
فيه أصلاً .
وأما ما روي أنه لمَّا فُرِغَ من المصحف أُتي به إلى عثمان ظُله فقال: قد
أَحسنتمْ وأَجملتمْ، أرى شيئاً من لَحْنٍ سَتُقيمُهُ العربُ بألسنتها، ولو كان المملي من
هذيل، والكاتبُ من قريش(٢)، لم يوجد فيه هذا. فقد قال السخاويُّ: إنه ضعيفٌ،
والإسناد فيه اضطرابٌ وانقطاعٌ، فإنَّ عثمانَ رَّهِ جُعِلَ للناس إماماً يقتدونَ به،
فكيف يَرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، وقد كتب عِدَّةً مصاحف، وليس
فيها اختلافٌ أصلاً إلا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم يُقِمْهُ هو ومَنْ باشر
الجمع وَهُمْ هُمْ، كيف يُقِيمُهُ غيرُهم؟
وتأوَّل قومٌ اللحنَ في كلامه - على تقدير صحَّته عنه - بأنَّ المراد الرَّمزُ والإيماءُ
كما في قوله :
مَنْطِقٌ رائعٌ وتَلحنُ أحيا ناً وخيرُ الكلام ما كان لَحْناً(٣)
أي: المراد به الرمزُ بحَذْفٍ بعض الحروف خطًّا، كألف ((الصابرين)) مما يعرفه
القُرَّاء إذا رأوه، وكذا زيادة بعض الحروف، وقد قدَّمنا لك ما ينفعك هنا فتذكر(٤).
ثم الظاهرُ أنَّ ((المقيمين)) على قراءة الرفع معطوفٌ على سابقه، ويُنزَّلُ أيضاً
التغايرُ العنوانيُّ منزلةَ التغاير الذاتي.
والعَظْفُ على ضمير ((يؤمنون))(٥) ليس بشيءٍ، وكذا الحال في قوله تعالى:
(١) القراءات الشاذة ص ٣٠، والمحتسب ٢٠٣/١، والكشاف ١/ ٥٨٢.
(٢) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٢٠١/٣، والصواب: ثقيف، كما في فضائل
القرآن لأبي عبيد ص ١٦٠، والمصاحف لابن أبي داود (١١٠)، والمقنع للداني ص ١١٧،
والدر المنثور ٢٤٦/٢. وأخرج أوله إلى قوله: ستقيمه العرب بألسنتها، ابن أبي داود
(١٠٤-١٠٨)، والداني في المقنع ص ١١٧، وينظر فيه كلامه على هذا الخبر.
(٣) البيت الفزاري، وهو في مجمع الأمثال ٢٥٥/٢، وحاشية الشهاب ٢٠١/٣، والكلام منه.
(٤) ينظر ١٦١/١، وما بعده.
(٥) أي: يؤمنون هم والمقيمون الصلاة. حاشية الشهاب ٢٠١/٣.

سُودَةُ النِّسَاءِ
٣٩٤
الآية : ١٦٢
﴿وَالْمُؤْنُونَ الزَّكَوَةَ وَالْؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾ فإنَّ المرادَ بالكُلِّ مؤمنو أهل
الكتاب، وُصفوا أَوَّلاً بكونهم راسخين في علم الكتاب، لا يعترضهم شَكٌّ
ولا تُزلزلهم شبهةٌ؛ إيذاناً بأنَّ ذلك موجبٌ للإيمان، وأنَّ مَنْ عَداهم إنما بَقُوا
مُصرِّينَ لعدم رسوخهم فيه، بل هم كريشةٍ في بَيداءِ الضلال تُقُلِّبهمْ زَعازِعُ الشُّكوك
والأوهام، ثم بكونهم مؤمنين بجميع ما أُنزل من الكتاب على الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، ثم بكونهم عاملين بما فيها من الأحكام، واكتفى من بينها بذكر إقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة المستتبعَين لسائر العبادات البدنية والمالية.
ولما أنَّ في إقامة الصلاة على وجهها انتصاباً بين يدي الحقِّ جلَّ جلالُهُ،
وانقطاعاً عن السِّوى، وتوجّهاً إلى المولى، كسى المقيمين حُلَّةَ النَّصْبِ ليهون
عليهم النَّصَبُ، وقَطَعَهُمْ عن التبعية، فيا ما أُحيلَى قَطْعاً(١) يُشيرُ إلى الاتصال بأعلى
الرُّتَب.
ثم وَصَفَّهُمْ بكونهم [مؤمنين)](٢) بالمبدأ والمعاد تحقيقاً لحيازتهم الإيمان
بقُظْرَيه، وإحاطتهم به من طرفيه، وتعريضاً بأنَّ مَنْ عَداهم من أهل الكتاب ليسوا
مؤمنين بواحدٍ منهما حقيقةً، لأنهم قد مَزَجوا الشَّهْدَ سُمَّا، وغَدوا عن اتِّاع الحقِّ
الصِّرْف عُمْياً وصُمًا.
﴿أُوْلَيْكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصوفين بما تقدَّم من الصفات الجليلة الشأنِ
ا﴾ خبره،
المُحْكَمةِ البنيان، وهو مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿سَنُؤْتِهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا
والجملةُ خبرُ المبتدأ الذي هو ((الراسخون)) والسين لتوكيد الوعد كما قدَّمنا(٣)،
وتنكيرُ الأجر للتفخيم كما مرَّ غيرَ مرَّة، ولا يخفى ما في هذا من المناسبة التامة
بين طرفي الاستدراك، حيث أُوعِدَ الأولونَ بالعذاب الأليم، وَوُعِدَ الآخرون
بالأجر العظيم.
وجَوَّزَ غيرُ واحد من المفسِّرين كونَ خبر المبتدأ الأول جملةً ((يؤمنون))، وحَمَلَ
المؤمنين على أصحاب النبيِّ وَّ ممن عدا أهل الكتاب، والمناسبةُ عليه غيرُ تامة.
(١) في الأصل و(م): قطع، والمثبت هو الجادة.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٥٤/٢، والكلام منه.
(٣) ينظر ما سلف ص٣٧٢ من هذا الجزء.

الآية : ١٦٣
٣٩٥
سُورَةُ النِّسَكَاةِ
وذهب بعضُهم إلى أنَّ الاستدراكَ إنما هو من قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ
اَلْكِتَبِ﴾ الآية [النساء: ١٥٣] كأنه قيل: لكن هؤلاء لا يسألونك ما يسألك هؤلاء
الجهَّالُ من إنزال كتابٍ من السماء، لأنهم قد علموا صِدْقَ قولك فيما قرؤوا من
الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ووجوبَ اتباعك عليهم،
فلا حاجةَ بهم أن يسألوك معجزةً أخرى، إذ قد علموا من أَمركَ بالعلم الراسخ في
قلوبهم ما يكفيهم عن ذلك، وروي هذا عن قتادة، وتجاوبُ طرفي الاستدراك عليه
آَتُّ منه علی قول الجمهور.
وقرأ حمزة: ((سيؤتيهم)) بالياء(١) مراعاة لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
﴿إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَِّيْنَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ جوابٌ لأهل الكتاب عن
سؤالهم رسولَ اللهِ وَ﴿ كتاباً من السماء، واحتجاجٌ عليهم بأنَّ شَأَنَهُ في الوحي كشأنٍ
سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين لا ريبَ في نُبؤَّتهم.
وقيل: هو تعليلٌ لقوله تعالى: ﴿الَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ﴾.
وأخرج ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس پا قال: قال سُگینٌ وعَديُّ بن زيد:
يا محمد، ما نعلمُ اللهَ تعالى أنزلَ على بَشَرٍ من شيءٍ بعد موسى عليه السلام.
فأنزل الله تعالى هذه الآية(٢).
والكاف في محلِّ النصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ، أي: إيحاءً مِثْلَ
إيحائنا إلى نوح عليه السلام، أو حالٌ من ذلك المصدر المقدَّر مُعرَّفاً كما هو
رأي سيبويه، أي: إنَّا أوحينا الإيحاءَ مُشَبَّهاً بإيحائنا إلخ. و((ما)) في الوجهين مصدريةٌ.
وجوَّز أبو البقاء أن تكونَ موصولةً، فيكون الكافُ مفعولاً به، أي: أوحينا
إليك مِثْلَ الذي أوحينا إلى نوح من التوحيد وغيره(٣). وليس بالمَرضيّ.
و((من بعده)) متعلّقٌ بـ ((أوحينا))، ولم يجوِّزوا أن يكونُ حالاً من ((النبيين)) لأنَّ
ظروفَ الزمان لا تكون أحوالاً للجُثَث.
(١) التيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٣/٢.
(٢) السيرة النبوية ١/ ٥٦٢ عن ابن إسحاق، وأخرجه من طريقه عن ابن عباس الطبري ٧/ ٦٨٦.
(٣) الإملاء ٣٦٤/٢.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٣٩٦
الآية : ١٦٣
وبدأ سبحانه بنوح عليه السلام تهديداً لهم؛ لأنه أولُ نبيٍّ عُوقبَ قومُه.
وقيل: لأنه أَولُ مَنْ شَرَعَ اللهُ تعالى على لسانه الشرائعَ والأحكام. وتُعُقِّب
بالمنع.
وقيل: لمشابهته بنبيِّنَا بَّر في عموم الدعوةِ لجميع أهل الأرض. ولا يخلو عن
نظرٍ؛ لأنَّ عمومَ دعوته عليه السلام اتفاقي لا قصديّ، وعمومُ الفَرْق على القول به -
وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُهُ - ليس قطعيَّ الدلالة على ذلك كما لا يخفى.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَ إِزَهِيمَ﴾ عَظْفٌ على ((أوحينا إلى نوح)) داخلٌ معه في حُكُم
التشبيه، أي: كما أوحينا إلى إبراهيم ﴿وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْخَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم أولادُ
يعقوبَ عليه السلام في المشهور، وقال غيرُ واحد: إنْ الأسباطَ في وَلَدِ إسحاق
كالقبائل في أولاد إسماعيل، وقد بُعثَ منهم عِدَّةُ رُسل، فيجوز أن يكون أراد
سبحانه بالوحي إليهم الوحيَ إلى الأنبياء منهم، كما تقول: أَرسلتُ إلى بني تميم،
وتريدُ: أَرسلتُ إلى وجوههم.
ولم يصحَّ أنَ الأسباط الذين هم أخوة يوسف عليه السلام كانوا أنبياءً، بل
الذي صحَّ عندي - وألَّف فيه الجلالُ السيوطيُّ رسالةٌ(١) - خلافُه.
﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْهَنَّ﴾ ذُكروا مع ظهور انتظامهم في سِلكِ
النبيين؛ تشريفاً لهم وإظهاراً لفضلهم، على ما هو المعروف في ذِكْر الخاصِّ بعد
العامِّ في مثل هذا المقام.
وتكريرُ الفعل لمزيد تقرير الإيحاء، والتنبيهِ على أنهم طائفةٌ خاصَّةٌ مستقلّةٌ بنوع
مخصوصٍ من الوحي. وبدأ بذِكْرِ إبراهيمَ بعد التكرير لمزيد شرفه، ولأنه الأَبِّ
الثالثُ للأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما نصّ عليه الأجهوري وغيره.
وقُدِّمَ عيسى عليه السلامُ على مَنْ بَعْدَهُ تحقيقاً لنبوَّته، وقَطْعاً لِمَا رآه اليهودُ فيه.
وقيل: ليكون الابتداءُ بواحدٍ من أولي العَزْم بعد تَغيُّرٍ صفة المتعاطفات إفراداً
وجَّمْعاً .
(١) سماها: دفع التعسف عن إخوة يوسف. وهي مطبوعة ضمن كتابه الحاوي ١/ ٤٨٠.

الآية : ١٦٤
٣٩٧
سُورَةُ النِّسَاءِ
وكلُّ هذه الأسماء - على ما ذكره أبو البقاء - أعجميةٌ إلا الأسباطَ، وفي ذلك
خلافٌ معروفٌ. وفي ((يونُسَ)) لغاتٌ، أَفصحُها ضَمُّ النون من غيرِ هَمْز، ويجوزُ
فَتْحُها وكَسْرُها مع الهمز وتَرْكِه(١).
· عَظْفٌ على ((أوحينا)) داخلٌ في حُكْمِه؛ لأنَّ إيتاءَ
﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (شَـ
الزَّبور من باب االإيحاء [أي](٢): وكما آتينا داودَ زبوراً، وإيثارُهُ على: أوحينا إلى
داود، لِتَحَقُّقِ المماثلةِ في أمرٍ خاص، وهو إيتاءُ الكتاب، بعد تحقّقها في مطلق
الإيحاء.
والزَّبور بفتح الزاي عند الجمهور، وهو فعولٌ بمعنى مفعول، كالحلوب
والرَّكوب، كما نصَّ عليه أبو البقاء(٣). وقرأ حمزةُ وخلف: ((زُبوراً)) بضمِّ الزاي
حيثُ وقع (٤)، وهو جَمْعُ ((زِبْر)) بكسرٍ فسكون بمعنى مَزْبور، أي: مكتوب، أو
(زَبْر)) بالفتح والسكون كفَلْس وفُلوس، وقيل: إنه مصدرٌ كالقعود والجلوس، وقيل:
إنه جَمْعُ ((زَبُور)» على حَذْفِ الزوائد(٥). وعلى العلَّات جُعل اسماً للكتاب المنزل
على داودَ عليه السلام، وكان إنزالُهُ عليه - عليه السلام - مُنَجَّماً، وبذلك يحصلُ
الإلزام.
وكان فيه - كما قال القرطبيُّ (٦) - مئةٌ وخمسونَ سورةً ليس فيها حُكْمٌ من
الأحكام، وإنما هي حِكَمٌ ومواعظ، والتحميدُ والتمجيدُ والثناءُ على الله تعالى
شأنه .
﴿وَرُسُلًا﴾ نصب بمضمر، أي: أرسلنا رُسُلاً، والقرينةُ عليه قوله سبحانه:
﴿أَوْحَيْنَا﴾ السابقُ؛ لاستلزامه الإرسال، وهو معطوفٌ عليه، داخلٌ معه في حكم
التشبيه .
(١) الإملاء ٢/ ٣٦٤.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٥٥/٢، والكلام منه.
(٣) في الإملاء ٣٦٤/٢.
(٤) التيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٣/٢.
(٥) يعني حذفت الواو منه فصار ((زَبُر)) ينظر الدر المصون ١٥٨/٤ .
(٦) في تفسيره ٧/ ٢٢٣، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي السعود في تفسيره ٢٥٥/٢.

سُورَةُ الإِسَاءِ
٣٩٨
الآية : ١٦٤
وقيل: القرينةُ قولُه تعالى: ﴿قَدْ قَصَصْتَهُمْ عَلَيْكَ﴾ لا أنه منصوبٌ بـ ((قصصنا))
بحذف مضاف، أي: قصصنا أخبارَ رُسُلٍ، ولا أنه منصوبٌ بنزع الخافض، أي:
كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رُسُلٍ، كما قيل؛ لخلوِّه عمَّا في الوجه الأول من تحقيق
المماثلة بين شأنه وَ* وبين شؤون مَنْ يعترفون بنبوَّته من الأنبياء عليهم السلام في
مطلق الإيحاء، ثم في إيتاء الكتاب، ثم في الإرسال، فإنَّ قولَهُ سبحانه: ﴿إِنّاً
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ مُنتظِمٌ لمعنى ((آتيناك)) و((أرسلناك)) حتماً، فكأنه قيل: إنَّا أوحينا إليك
كما أوحينا إلى فلانٍ وفلان، وآتيناكَ مِثْلَ ما آتينا فلاناً، وأرسلناك مِثْلَ ما أرسلنا
الرُّسلَ الذين قصصناهم وغيرَهم، ولا تفاوتَ بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء
والإرسال، فما للكَفَرة يسألونك شيئاً لم يُعْطَهُ أحدٌ من هؤلاء الرسل عليهم الصلاة
والسلام؟
ومعنى قَصِّهِمْ عليه - عليه الصلاة والسلام - حكايةُ أخبارهم له، وتعريفُ شأنهم
وأمورهم.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذه السورة، أو اليوم، قيل: قَصَّهم عليه وَّل بمكة في
سورة الأنعام وغيرها، وقال بعضُهم: قَصَّهم سبحانه عليه - عليه الصلاة والسلام -
بالوحي في غير القرآن، ثم قَصَّهم عليه (١) بَعْدُ في القرآن.
﴿وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَْ﴾ أي: من قبلُ، فلا تُنافي الآيةُ ما وردَ في الخبر
من أنَّ الرُّسُلَ ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشر، والأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً (٢).
وعن كعبٍ أنهم ألفُ ألفٍ وأربع مئة ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفاً (٣)؛ لأنَّ نفيَ قَصَّهُم
من قَبْلُ لا يستلزمُ نفيَ قَصِّهم مطلقاً، فإنَّ نفيَ الخاصِّ لا يستلزمُ نفيَ العام، فيمكن
أن يكونَ قَصَّهم عليه ◌ِّهَ بَعْدُ، فَعَلِمَهُمْ، فأخبر بما أخبر، على أنَّ القَبْليةَ تُفْهَمُ من
(١) في (م): عليهم.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٢٨٨) من حديث أبي أمامة ه، وفيه أن الرسل ثلاثمئة وخمسة عشر.
وأخرجه أحمد (٢١٥٤٦)، وابن حبان (٣٦١) من حديث أبي ذرِّ ◌ُه. والحديثان ضعيفان
جدًّا. وينظر التعليق عليهما في حاشية المسند.
(٣) ذكره عن كعب أبو حيان في البحر المحيط ٣٩٨/٣، ونسبه أبو الليث ٤٠٥/١، والقرطبي
٢٢٦/٧ لمقاتل، وذكرا عن كعب قوله: كان الأنبياء ألفي ألفٍ ومئتي ألف.

الآية : ١٦٤
٣٩٩
سُوَرَةُ النِّسَاءِ
الكلام ولو لم تكن في القابل(١)؛ لأنَّ ((لم)) في المشهور إذا دخلتْ على المضارع
تَقلِبُ معناه للمُضِيّ.
على أنَّ القّصَّ ذِكْرُ الأخبار، ولا يلزم من نفي ذِكَرٍ أخبارهم له رَِّ نفيُ ذِكْرٍ
عددهم مجرَّداً من ذِكْرٍ الأخبار والقصص، فيمكن أن يقال: لم يذكر سبحانه له وَلَيه
أخبارهم أصلاً، لكن ذَكَر جلَّ شأنه له عليه الصلاة والسلام أنهم كذا رجلاً،
فاندفع ما توقَّمه بعضُ المعاصرين(٢) من أنَّ الآية نصٌّ في عدم عِلْمِه - وحاشاه
عليه الصلاة والسلام - عِدَّةَ المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فيأخذ بها ويردُّ
الحديث، وكأنَّ الذي أوقعه في الوهم كلامُ بعض المحققين، والأولى أن
لا يَقتَصرَ على عدد الآية، فأَخطأ في الفهم ومات في ربقة التقليد، نسألُ الله
تعالى العافية .
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ برفع الجلالة ونصب ((موسى))، وعن إبراهيم ويحيى بن
وثَّاب أنهما قرأا على القَلْب(٣).
﴿تَكْلِيمًا ﴾﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ رافعٌ لاحتمال المجاز، على ما ذكره غير واحد،
ونظر فيه الشهاب بأنه مؤكِّدٌ للفعل، فيَرْفَعُ المجازَ عنه، وأما رَفْعُهُ المجازَ عن
الإسناد - بأن يكون المكلِّمُ رُسُلَهُ من الملائكة، كما يقال: قال الخليفة كذا، إذا
قاله وزيرُهُ - فلا، مع أنه أَّدَ الفعل، والمراد به معنى مجازيٌّ، كقول هند بنت
النعمان في زوجها روح بن زنباع وزیر عبد الملك بن مروان:
بكى الخَزُّ مِنْ رَوْحِ وأنكرَ جِلْدَهُ وعَجَّتْ عجيجاً مِنْ جُذامَ المطارِفُ
فأَّدت (عجَّتْ)) مع أنه مجازٌ؛ لأنَّ الثياب لا تَعُجّ(٤).
(١) في الأصل: المقابل.
(٢) جاء في هامش الأصل: هو محمد الأمين السويدي رحمه الله تعالى.
(٣) القراءات الشاذة ص ٣٠، والمحتسب ٢٠٤/١.
(٤) حاشية الشهاب ٢٠٢/٣، والبيت في الكتاب ٢٤٨/٣، والتمثيل والمحاضرة للثعالبي
ص٢٨٤، والحلل للبطليوسي ص٣٠٢، والدر المصون ٤/ ١٦٠. قال السمين: تقول أن
زوجها روحاً قد بكى ثيابُ الخزِّ من لبسه له؛ لأنه ليس من أهله، وكذلك صرخت صراخاً
من جذام - وهي قبيلة روح - ثيابُ المطارف، تعني أنهم ليسوا من أهل تلك الثياب.

سُورَةُ المَسْكَاةِ
٤٠٠
الآية : ١٦٤
وما نُقل عن الفرَّاء(١) من أنَّ العربَ تُسمِّي ما وَصَلَ إلى الإنسان كلاماً بأيِّ
طريقٍ وَصَلَ ما لم يؤكَّد بالمصدر، فإذا أُكِّد لم يكن إلا حقيقةً الكلام، لا يفي
بالمقصود؛ إذ نهايةٌ ما فيه رَفْعُ المجاز عن الفعل في هذه المادة، ولا تَعرُّضَ له
لرفع المجاز عن الإسناد، فللخصم أن يقول: التكليمُ حقيقةٌ إلا أنَّ إسنادَهُ إلى الله
تعالى مجازٌ، ولا تقومُ الآيةُ حُجَّةٌ عليه إلا بنفي ذلك الاحتمال، نعم إنها ظاهرةٌ
فيما ذهب إليه أهل السُّنة.
والجملةُ إما معطوفةٌ على قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ عَظْفَ القصةِ على
القصة، لا على ((آتينا)) وما ◌ُطِفَ عليه، وإما حالٌ بتقدير ((قد)) كما يُنبئُ عنه تغییرُ
الأسلوب بالالتفات، والمعنى: إنَّ التكليمَ بغير واسطةٍ منتهى مراتبِ الوحي
وأعلاها، وقد خُصَّ به من بين الأنبياء الذين اعترفتم بنبوَّتهم موسى عليه السلام،
ولم يَقدح ذلك فيهم أصلاً، فكيف يُتَوهَّمُ أنَّ نزولَ التوراة عليه جُملةً قادحٌ في نبؤَّة
مَنْ أُنزل عليه الكتاب مفصَّلاً مع ظهور حِكْمةِ ذلك(٢).
هذا وقد تقدَّم لك كيفيةُ سماعٍ موسى عليه السلام لكلام الله عزَّ وجلَّ(٣)، وقد
وقع التكليم أيضاً لنبيِّنا محمدٍ بَّهِ في الإسراء مع زيادةِ رِفعةٍ، بل ما من معجزةٍ لنبيٍّ
من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا ولنبيِّنَا وَّهِ مثلُها، مع زيادةٍ شَرَفٍ له شرَّفه الله
تعالى، بل ما من ذَرَّةِ نورٍ شَعَّتْ في العالمين إلا تصدَّقتْ بها شمسُ ذاته وَِّ، ولله
سبحانه دُّ البوصيريِّ حیث یقول:
وكل آيٍ أتى الرُّسْلُ الكِرامُ بها فإنما اتَّصَلَتْ من ◌ُوره بهم(٤)
فصلَّى الله تعالى عليه وسلَّم تسليماً كثيراً .
(١) نقله عنه أبو السعود في تفسيره ٢٥٦/٢.
(٢) أي: مع ظهور أن نزول التوراة كذلك كان لحِكم مقتضيةٍ لذلك، من جملتها أن بني إسرائيل
كانوا من العناد وشدة الشكيمة بحيث لو لم يكن نزولها كذلك لما آمنوا بها. تفسير
أبي السعود ٢٥٦/٢.
(٣) ١٣٢/١ - ١٣٣.
(٤) البيت من قصيدته البردة في مدح النبي صل*، وهو ضمن مجموعة القصائد البُصيرية في مدح
خير البرية ص٣٩.