Indexed OCR Text
Pages 301-320
الآية : ١٢٤ ٣٠١ سُورَةُ النَّسَاءِ لا يُمكِنُه عملُ كلِّ الصالحات، وكم من مُكلَّفٍ لا حَجَّ عليه ولا زكاةَ ولا جهاد، فـ (مِن)) تبعيضيّةٌ. وقيل: هي زائدةٌ، واختاره الطبرسي(١)، وهو ضعيف. وتخصيصُ الصالحات بالفرائض كما روي عن ابن عباس خلافُ الظاهر. وقوله سبحانه: ﴿مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى﴾ في موضع الحال من ضمير ((يَعمل))، و ((مِن)) بيانية، وجُوِّز أنْ تكون حالاً من ((الصالحات)) و((مِن)) ابتدائية، أي: كائنة مِن ذكرٍ .. إلخ. واعتُرض بأنَّه ليس بسديدٍ مِن جهة المعنى، ومع هذا الأظهرُ تقدير كائناً لا كائنةً، لأنَّه حالٌ مِن: شيئاً منها، وكون المعنى: الصالحات الصادرة مِن الذكر والأُنثى، لا يُجدي نفعاً لِمَا في ذلك مِن الركاكة. ولعلَّ تبيين العامل بالذكر والأنثَى لتوبيخ المشركين في إهلاكهم إناثهم، وجعْلِهِنَّ محروماتٍ مِن الميراث. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ أيضاً، وفي اشتراط اقترانِ العملِ بها في استدعاء الثواب الذي تَضمَّنه ما يأتي تَنبيهٌ على أنَّه لا اعتداد به دونه، وفیه دفعُ تَوهُّمِ أنَّ العملَ الصالح ينفع الكافر، حيث قُرن بذكْر العملِ السوءِ المُضّرِّ للمؤمن والكافر، والتذكيرُ لتغليب الذكر على الأنثى كما قيل، وقد مرَّ لك قريباً ما ينفعك فتذكر . ﴿فَأُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى ((مَن)) بعنوان اتِّصافه بالعمل الصالح والإيمان، والجمعُ باعتبار معناها كما أنَّ الإفراد السابقَ باعتبار لفظها، وما فيه مِن معنى البعد لِمَا مرَّ غيرَ مرَّة. ﴿يَدْخُلُونَ الْجُنَّةَ﴾ جزاءَ عملهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر: ((يُدْخَلون)) مبنيًّا للمفعول(٢) مِن الإدخال. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (13)﴾ أي: لا يُنقصون شيئاً حقيراً من ثواب أعمالهم، فإنَّ النقيرَ عَلَمٌ في القِلَّة والحقارة، وأَصلُه: نُقْرةٌ في ظهر النواة منها تَنْبُتُ النخلة، ويُعلَم مِن نَفْي تنقيصٍ ثواب المطيع نفيُ زيادة عقاب العاصي من باب الأَوْلى؛ لأنَّ الأذَى (١) في مجمع البيان ٢٣٩/٥. (٢) التيسير ص٩٧، والنشر ٢٥٣/٢، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب. سُورَةُ المَسَكَاةِ ٣٠٢ الآية : ١٢٥ في زيادة العقاب أشدُّ منه في تَنْقيص الثواب، فإذا لم يرضَ بالأول - وهو أرحمُ الراحمين - فكيف يَرضَى بالثاني؟ وهو السرُّ في تخصيص عدم تَنقيص الثواب بالذكر دونَ ذِكْر عدمٍ زيادة العقاب، مع أنَّ المقام مقامُ ترغيبٍ في العمل الصالح فلا يناسبه إلا هذا. والجملة تذييلٌ لِمَا قبلها، أو عطفٌ عليه. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي أَخلص نفسَه له تعالى لا يَعْرِفُ لها ربًّا سواه. وقيل: أَخلصَ تَوجُّهَهُ له سبحانه. وقيل: بَذَل وجهه له عزَّ وجل في السجود. والاستفهامُ إنكاريٌّ وهو في معنى النفي، والمقصودُ مدحُ مَن فَعَلَ ذلك على أتمِ وجهٍ. و((دِيناً)) نَصْبٌ على التمييز مِن ((أحسن)) منقولٌ مِن المبتدأ، والتقدير: ومَن دينُه أحسنُ مِن دينِ مَن أسلم .. إلخ، فَيَؤُول الكلام إلى تفضيل دينٍ على دين، وفيه تَنبيهٌ على أنَّ صَرْف العبد نفسَه بكلِّيتها لله تعالى أَعلَى المراتبِ التي تَبلُغُها القوة البشريّة. و(ممَّن)) مُتعلِّقٌ بـ ((أحسن))، وكذا الاسمُ الجليل(١)، وجُوِّز فيه أنْ يكونَ حالاً مِن (وجهه)». ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: آتٍ بالحسنات تَاركٌ للسيئات، أو آتٍ بالأعمال الصالحة على الوجه اللَّائق الذي هو حُسْنُها الوصفيُّ المستلزمُ لحسنها الذاتيِّ، وقد صحَّ أَنَّهِوَهِ سُئل عن الإحسان فقال عليه الصلاة والسلام: ((أنْ تَعبُّدَ اللهَ كأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاك))(٢). وقيل: الأظهرُ أنْ يقال: المرادُ: وهو محسنٌ في عقيدته، وهو مرادُ مَن قال: أي: وهو مُوحّدٌ، وعلى هذا فالأولى أنْ يُفسَّر إسلام الوجهِ لله تعالى بالانقياد إليه سبحانه بالأعمال. والجملة في موضع الحال من فاعل ((أسلم)). (١) أي: أن قوله تعالى: (الله)) متعلق بـ (أسلم)). الإملاء ٣٢٦/٢، والدر المصون ٩٨/٤. (٢) قطعة من حديث جبريل الطويل، أخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨) من حديث عمر ـ وأخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة حظه، وسلف ٢٩٥/١. الآية : ١٢٥ ٣٠٣ سُورَةُ الشَحَاةِ ﴿وَأَنَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ﴾ المُوافِقَةَ لدين الإسلام المتَّفْقَ على صحتها، وهذا(١) عطف على ((أسلم))، وقولُه سبحانه: ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلاً عن الأديان الزائغةِ، حالٌ مِن ((إبراهيم))، وجُوِّز أنْ يَكونَ حالاً مِن فاعل ((اتَبع)). ه تَذييلٌ جيءَ به للترغيب في اتِّباع مِلَّتِه عليه ١٢٥ ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِنْزَهِيمَ خَلِيلًا السلام، والإيذانِ بأنَّه نهايةٌ في الحُسْنِ، وإظهارُ اسمه عليه السلام تفخيماً له، وتَنصيصاً على أنَّه الممدوحُ. ولا يَجوز العطف - خلافاً لِمَن زَعَمه - على ((ومَن أَحسنُ)) إلخ، سواءٌ كان استطراداً، أو اعتراضاً وتوكيداً لمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ﴾ وبياناً لأنَّ الصالحات ما هي؟! وأنَّ المؤمن مّن هو؟! لِفَقْدِ المناسبة والجامعِ بينَ المعطوف والمعطوف عليه وأدائِه ما يُؤدِّيه مِن التوكيد والبيان. ولا على صلة (مَن)) لعدم صلاحه(٢) لها. وعدمُ صحَّة عَظْفِه على ((وهو محسن)) أظهرُ مِن أنْ يَخفَی. وجَّعْلُ الجملة حاليةً بتقدير («قد» خلافُ الظاهر، والعطفُ على ((حنيفاً)) لا يصحُّ إلا بتكلُّفٍ. والخليلُ مُشتَقٌّ مِن الخُلَّة بضم الخاء، وهي إمَّا مِن الخِلال بكسر الخاء، فإنَّها مَودَةٌ تَتَخلَّلُ النفسَ وتُخالطُها مخالطةً معنويةً، فالخليلُ مَن بلغتْ مَودَّتُه هذه المرتبة كما قال: ولذا سُمِّيَ الخَليلُ خَليلا قد تَخَلَّلْتَ مَسلكَ الروحِ منِّي وإذا ما سَكَتُّ كنتَ الغَليلا(٣) فإذا ما نَطَفْتُ كنتَ حَديثي وإمَّا مِن الخَلَل - كما قيل - على معنى أنَّ كلَّا مِن الخَليلَين يُصْلِحُ خَلَلَ الآخَر. وإمَّا مِن الخَلّ بالفتح، وهو الطريقُ في الرَّمل؛ لأنَّهما يتوافقان على طريقةٍ. (١) في الأصل: وهو. (٢) في (م): صلوحه. (٣) البيتان لبشار بن برد، وهما في ديوانه ٢/ ٤٧٥. سُورَةُ الشَّةِ ٣٠٤ الآية : ١٢٥ وإمَّا مِن الخَلَّة بفتح الخاء: إمَّا (١) بمعنى الخَصلة والخُلُق؛ لأنَّهما يَتوافقان في الخِصال والأخلاق، وقد جاء: ((المَرْءُ على دِيْنِ خليلهِ فلينظرْ أحدُكُم مَن يُخالل)»(٢). أو بمعنى الفقرِ والحاجة؛ لأنَّ كلَّ منهما مُحتاجٌ إلى وصالِ الآخر غيرُ مُستغنٍ عنه . وإطلاقه على إبراهيم عليه السلام قيل: لأنَّ مَحبَّة الله تعالى قد تَخلَّلت نفسَه وخالطتها مخالطةً تامَّةً، أو لتخلُّقه بأخلاق الله تعالى، ومِن هنا كان يُكرِمُ الضيفَ ويُحسن إليه ولو كان كافراً، فإنَّ مِن صفات الله تعالى الإحسانَ إلى البَرِّ والفاجر، وفي بعض الآثار - ولست على يقينٍ في صحته - أنَّه عليه الصلاة والسلام نَزَل به ضيفٌ مِن غير أهل ملَّته، فقال له: وحِّدِ الله تَعالى حتى أُضيفَكَ وأُحسنَ إليك. فقال: يا إبراهيم مِن أجلٍ لُقمةٍ أَترُك ديني ودينَ أبائي. فانصرَف عنه، فأَوحَى الله تعالى إليه: يا إبراهيم، صَدَقَك، لي سبعون سنةً أرزقُه وهو يُشرك بي، وتريد أنت منه أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمةٍ. فلحقه إبراهيمُ عليه السلام وسأله الرجوع إليه ليَقريه، واعتذر إليه، فقال له المشرك: يا إبراهيم، مابدا لك؟ فقال: إنَّ ربي عتبني فيك، وقال: أنا أرزقه منذ سبعين سنةً على كفره بي وأنت تريدُ أن يترك دينه ودين آبائه لأجل لقمة. فقال المشرك: أَوَقَد وَقَعَ هذا؟! مثلُ هذا ينبغي أن يُعبد. فأسلم ورجع مع إبراهيم عليه السلام إلى منزله، ثم عمَّت بعدُ كرامتُه خَلْقِ الله تعالى من كلِّ واردٍ وَرَدَ عليه، فقيل له في ذلك، فقال: تعلَّمتُ الكرم من ربي؛ رأيته لا يُضيِّع أعداءه فلا أضيِّعُهم أنا. فأوحى الله تعالى إليه: أنت خليلي حقًّا . وأخرج البيهقيُّ في (الشعب)) عن ابن عمرو قال: قال رسول الله وَّه: (يا جبريل، لِمَ اتَّخذَ الله تعالى إبراهيم خليلاً؟)) قال: لإطعامه الطعام يا محمد (٣). (١) قوله: إما، ليس في الأصل. (٢) أخرجه أحمد (٨٤١٧)، والترمذي (٢٣٧٨) وقال: حديث حسن غريب. (٣) شعب الإيمان (٩٦١٦)، وأخرجه أيضاً الواحدي في الوسيط ٢٢٢/٢. وفي إسناده موسى بن إبراهيم المروزي، كذبه يحيى، وقال الدارقطني وغيره: متروك. الميزان ١٩٩/٤ . الآية : ١٢٥ ٣٠٥ سُورَةُ النِّسَكَّةِ وقيل - واختاره البلخيُّ والفَرَّاء(١) -: لإظهاره الفقرَ والحاجة إلى الله تعالى، وانقطاعه إليه وعدم الالتفات إلى مَن سواه، كما يدلُّ على ذلك قوله لجبريل عليه السلام حين قال له يوم أُلقيَ في النار: أَلَكَ حاجة؟: أمَّا إليك فلا (٢). ثم قال: حسبي الله ونعم الوكيل(٣). وقيل في وجه تسميته علیه السلام خليل الله غير ذلك. والمشهور أنَّ الخليلَ دون الحبيب، وأيّد بما أخرجه الترمذيُّ وابنُ مردويه عن ابن عباس ﴿يا قال: جَلَس ناسٌ مِن أصحاب النبيِّ وَّ يَنتظرونَه، فخرَجَ حتى إذا دَنا مِنهم سَمِعَهم يَتذاكرون فسمعَ حديثَهم، وإذا بعضُهم يقول: [عجباً] أنَّ الله تعالى أنَّخذ مِن خَلْقِه خليلاً، فإبراهيمُ خليلُه! وقال آخر: ماذا بأعجبَ مِن أنَّ كلَّم الله تعالى موسى تكليماً؟! وقال آخرُ: فعيسى روح الله تعالى وكلمته! وقال آخر: آدمُ اصطفاه الله تعالى! فخرج عليهم فسلَّم فقال: ((قد سمعتُ كلامَكُم وعَجَبَكُم، إنَّ إبراهيم خليلُ الله تعالى وهو كذلك، وموسى كليمُه، وعيسى روحُه وكلمتُه، وآدمُ اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألّا وإنِّي حبيبُ الله تعالى ولا فخر، وأنا أَولُ شافعِ ومُشفَّع ولا فخر، وأنا أولُ مَن يحرِّكُ حِلَق الجنة، فيفتحها الله تعالى فيُدخِلنيها ومعي فقراءُ المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرمُ الأوَّلينَ والآخِرينَ يوم القيامة ولا فخر)) (٤). وأخرج الترمذيُّ في ((نوادر الأصول)) والبيهقيُّ في ((الشعب)) وضعَّفه وابنُ عساكر والديلميُّ [عن أبي هريرة] قال: قال رسول اللهِ وَّه: ((اتَّخِذَ الله تعالى (١) ذكره عنهما الطبرسي في مجمع البيان ٥/ ٢٤٣، ولم نقف عليه في معاني القرآن للفراء. (٢) أخرجه الطبري ٣٠٩/١٦ عن معتمر بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٧٩ عن ابن إسحاق. (٣) أخرجه البخاري (٤٥٦٤) عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل. (٤) سنن الترمذي (٣٦١٦) وما سلف بين حاصرتين منه، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٢٣٠/٢، وعنه نقل المصنف، وجاء في آخره عند الترمذي: وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر، ليس فيه: يوم القيامة. قال الترمذي: هذا حديث غريب. اهـ. وفي إسناده زمعة بن أبي صالح، قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف. سُورَةُ الشَّةِ ٣٠٦ الآية : ١٢٥ إبراهيم خليلاً، وموسى نجيًّا، واتَّخذَني حبيباً، ثم قال: وعزَّي لأُوثِرَنَّ حبيبي على خليلي ونَجِّي))(١). والظاهر من كلام المحقّقين أنَّ الخلة مَرْتبةٌ مِن مراتب المحبَّة، وأنَّ المحبة أوسعُ دائرةً، وأنَّ من مراتبها ما لا تبلغُه أُمنيةُ الخليل عليه السلام، وهي المرتبةُ الثابتة له وَله، وأنَّه قد حَصَلَ لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام مِن مقام الخلة مالم يحصل لأبيه إبراهيم عليه السلام، وفي الفرع ما في الأصل وزيادة. ويُرشدك إلى ذلك أنَّ التخلُّق بأخلاق الله تعالى الذي هو مِن آثار الخلة عند أهل الاختصاص أظهرُ وأتمُّ في نبيِّنَا وَّهُ منه في إبراهيم عليه السلام، فقد صحَّ أنَّ خُلُقَه القرآن(٢)، وجاء عنه ◌ِِّ أنَّه قال: ((بعثتُ لأتمِّم مكارمَ الأخلاق))(٣) وشهد الله تعالى له بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ومنشأُ إكرام الضيف الرحمةُ، وعرشُها المحيط رسولُ اللهِ وَهِ كما يُؤْذِنُ بذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ولهذا كان الخاتمَ عليه الصلاة والسلام، وقد رَوى الحاكمُ وصحَّحه عن جُنْدَبٍ، أَنَّه سمع النبيَّ وَهـ يقول قبل أن يُتوقَّى: ((إن الله تعالى انَّخذني خليلاً كما اتَّخَذ إبراهيم خليلاً)»(٤)، والتشبيه على حدٍّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] في رأي، و((قبل(٥) أن يُتوقَّى)) لا دلالةَ فيه على أنَّ مقام الخلَّة بعد مقام المحبَّة كما لا يَخفَى. وفي لفظِ الحبِّ والخلَّةِ ما يَكفي العارفَ في ظهور الفرق بينهما، ويُرشده إلى معرفة أنَّ أيّ الدائرتين أوسع. (١) شعب الإيمان (١٤٩٤)، والفردوس بمأثور الخطاب (١٧١٦)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢٣١/٢، وما سلف بین حاصرتين منه. (٢) أخرجه أحمد (٨٩٥٢) من حديث عائشة مؤقتا، وسلف ٣٣٣/٢. (٣) أخرجه أحمد (٨٩٥٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٧٣)، والبزار (٢٧٤٠ - كشف)، والحاكم ٦١٣/٢ وصححه من حديث أبي هريرة ﴿ه، ووقع عند غير البزار: صالح الأخلاق، بدل: مکارم الأخلاق. (٤) المستدرك ٢/ ٥٥٠، وهو في صحيح مسلم (٥٣٢). (٥) في (م): قيل، وهو تصحيف. الآية : ١٢٦ ٣٠٧ سُورَةُ الشَحَّةِ وذهب غيرُ واحد من الفضلاء إلى أنَّ الآية مِن باب الاستعارة التمثيلية لتنزُّهه تعالى عن صاحبٍ وخليل، والمرادُ: اصطفاه وخصَّصه بكرامةٍ تُشبه كرامةً الخليل عند خليله، وأمَّا في الخليل وحده فاستعارةٌ تصريحية على ما نصَّ عليه الشهاب، إلا أنَّه صار بعدُ عَلَماً على إبراهيم عليه الصلاة والسلام(١). وادَّعى بعضُهم أنَّه لا مانعَ مِن وصف إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام بالخليل حقيقةً على معنى الصادق، أو من أَصفَى المودّة وأصحّها أو نحو ذلك. وعَدَمُ إطلاقِ الخليل على غيره عليه الصلاة والسلام مع أنَّ مقام الخلَّةِ بالمعنى المشهور عند العارفين غيرُ مختصٍّ به، بل كلُّ نبيِّ خليلُ الله تعالى؛ إمَّا لأنَّ تُبوت ذلكَ المقام له عليه الصلاة والسلام على وَجْهٍ لم يثبت لغيره كما قيل. وإمَّا لزيادة التشريف والتعظيم كما نقول. واعترض بعضُ النصارى بأنَّه إذا جاز إطلاقُ الخليل على إنسانٍ تشريفاً فَلِمَ لم يَجُز إطلاقُ الابن على آخرَ لذلك. وأُجيب بأنَّ الخلَّة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوّة فإنَّها تقتضيها قطعاً، والله تعالى هو المنزَّه عن مُجانَسةِ المُحْدَثات. ﴿وَلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضَِّ﴾ يحتمل أنْ يكون مثَّصلاً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الضَّلِحَتِ﴾ على أنَّه كالتعليل لوجوب العمل، وما بينهما من قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ اعتراضٌ، أي: إنَّ جميع ما في العلوِّ والسفل من الموجودات له تعالى خَلْقاً ومُلكاً لا يخرج مِن ملكوته شيءٌ منها، فيُجازي كلَّا بموجب أعماله إن خيراً فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌّ. وأنْ يكون متَّصلاً بقوله جل شأنه: ﴿وَأَتَّخَذّ اللَّهُ﴾ إلخ بناءً على أنَّ معناه: اختاره واصطفاه، أي: هو مالكٌ لجميع خَلْقه فيختارُ مَن يُريده منهم كإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فهو لبيانِ أنَّ اصطفاءه عليه الصلاة والسلام بمحضٍ مشيئيهِ تعالى. وقيل: لبيان أنَّ اتِّخاذه تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام خليلاً ليس (١) حاشية الشهاب ٣/ ١٨١. سُورَةُ السَّةِ ٣٠٨ التفسير الإشاري (١٠١- ١٢٦) لاحتياجه سبحانه إلى ذلك لشأنٍ مِن شؤونه كما هو دأب المخلوقين، فإنَّ مدار خلَّتهم افتقارُ بعضِهم إلى بعضٍ في مصالحهم، بل لمجرَّد تكْرِمَته وتشريفه. وفيه أيضاً إشارةٌ إلى أنَّ خلَّته عليه السلام لا تُخرجه عن العبودية لله تعالى. ﴿وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطَا (٨)﴾ إحاطةً علم وقدرةٍ، بناءً على أنَّ حقيقةً الإحاطة في الأجسام، فلا يُوصف الله تعالى بذلك، فلا بدَّ مِن التأويل وارتكابٍ المجاز على ما ذهب إليه الخَلَفُ، والجملةُ تذييلٌ مُقرِّرٌ لمضمون(١) ما قَبْلَه على سائر وجوهه. هذا ومِن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَإِذَا ضَرَيئُ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي: سافرتُم في أرض الاستعداد لمحاربة عدوِّ النفس، أو تحصيلٍ أحوال الكمالات ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ ◌ُبَاعٍُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ أي: تنقصوا مِن الأعمال البدنية ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: حُجبوا عن الحقِّ مِن قوَى الوهم والتخيُّل. وحاصلُه: الترخيصُ لأرباب السلوك عند خوف فتنةِ القوى أنْ ينقصوا من الأعمال البدنية ويَزيدوا في الأعمال القلبية - كالفِكْرِ والذِّكْرِ - ليصَفُوَ القلب ويُشرقَ نورُه على القوى فَتَقِلّ غائلتُها، فَتزْكُو عند ذلك الأعمالُ البدنية، ولا يَجوزُ عند أهل الاختصاص تَرْكُ الفرائضِ لذلك كما زَعمه بعضُ الجهلة. ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ﴾ ولم تَكن غائباً عنهم بسيرك في غيب الغيب وجلالٍ المشاهدة، وعائماً في بحار: لي مع الله تعالى وقتٌ لا يَسعني فيه مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسَل ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ﴾ أي: الأعمالَ البدنيَّة ﴿فَلْنَقُمْ ◌َآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ﴾ وليفعلوا كما تَفعل ﴿وَلْيَّأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ مِن قوى الروحِ، ويَجمَعُوا حواسِّهم ليتأثَّى لهم المشابهةُ، أو ليقفوا على ما في فِعْلكَ مِن الأسرار فلا تُضلَّهم الوساوس. ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ وبلغوا الغايةَ في معرفة ما أَقَمْتَه لهم وأَتَوا به على وجهه ﴿فَلْيَكُونُواْ (١) في (م): لمضمونه، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٣٧/٢. التفسير الإشاري (١٠١-١٢٦) ٣٠٩ سُورَةُ النَّسَاءِ مِن وَرَآَبِكُمْ﴾ ذابِّينَ عنكم اعتراضَ الجاهلين، أو قائمين بحوائجكم الضروريَّة. ﴿وَلَتَأْتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى﴾ منهم ﴿لَمْ يُصَلُواْ﴾ بعدُ ﴿فَلْيُهَلُوا مَعَكَ﴾ وَلْيَفْعَلوا فِعْلَكَ ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ كما أخذ الأوَّلون أسلحتهم، وإنَّما أُمر هؤلاء بأخذ الحذر أيضاً حثًّا لهم على مَزيد الاحتياط؛ لئلا يُقصِّرُوا فيما(١) يُراد منهم اتكالاً على الأخذ بعدُ ممَّن أخذ أولاً مِن رسول الله ێد. وحاصلُ هذا: الإشارةُ إلى أنَّ تعليم الشرائع والآداب للمريدين ينبغي أنْ يكونَ لطائفةٍ طائفةٍ منهم؛ ليتمگّنَ ذلك لدیھم أَتمَّ تمكُّنٍ. وقيل: الطائفةُ الأولى إشارةٌ إلى الخواصِّ، والثانيةُ إلى العوامِّ، ولهذا اكتفى في الأول بالأمر بأخذ الأسلحة، وفي الثاني أمر الحذر أيضاً. ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم قوى النفسِ الأمّارة ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾ وهِي قوى الروح ﴿وَأَمْتِعَتِكُ﴾ وهي المعارفُ الإلهِيَّةِ ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَحِدَةٌ﴾ ويَرمونكم بنبال الآفاتِ والشكوكِ ويُهلكونكم. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى﴾ بأنْ أصابكم شؤبوبٌ ﴿مِّن نَطَرٍ﴾ يعني: مطر سحائبِ التجلِّيات ﴿أَوْ كُنْتُم مَرْضَ﴾ بحُمَّى الوَجْدِ والغرام، وعجزتُم عن أعمال القوى الروحانية ﴿أَنْ تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ وتَتْركوا أعمال تلك القوى، حتى يتجلَّى ذلك السحابُ ويَنقطعَ المطرُ، وتهتزَّ أرضُ قلوبكم بأزهارِ رحمةِ الله تعالى وتُطفَىَ حُمَّى الوَجْدِ بمياه القُرْب. ﴿وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ عند وضْع أسلحتكم، واحفظُوا قلوبكم من الالتفات إلى غير الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ﴾ مِن القوى النفسانية ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: مُذِلاً لهم، وذلك عند حِفْظِ القلب وتنوُّر الروح. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾ أي: أَدَّيتموها ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ في جميع الأحوال ﴿قِيَمَا﴾ في مَقام الروح بالمشاهدة ﴿وَقُعُودًا﴾ في مَحلِّ القلب بالمكاشفة ﴿وَعَلَ جُوبِكُمْ﴾ أي: تَقلُّباتكم في مقام(٢) النفس بالمجاهدة. (١) في (م): فيها. (٢) في (م): مكان. سُورَةُ السَّلة ٣١٠ التفسير الإشاري (١٠١ - ١٢٦) ﴿فَإِذَا أَطْمَأَتَنْتُمْ﴾ ووصلتُم إلى محلِّ البقاء ﴿فَأَقِيمُوْ اُلعَلَوَةَ﴾ فأدُّوها على الوجه الأتمِّ؛ لسلامة القلب حينئذٍ عن الوساوس النفسانية التي هي بمنزلة الحَدَثِ عند أهل الاختصاص ﴿إِنَّ الصَّلَوَّةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا تَّوْقُوتًا﴾ فلا تسقُطُ عنهم ما دام العقل والحياة. ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ اُلْقَوْرِ﴾ الذين يُحاربونكم، وهم النفسُ وقُوَاها ﴿فَإِنَّهُمْ يَأَلَمُونَ﴾ مِنكم لمَنْعكم لهم عن شهواتهم ﴿كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ منهم لمعارضتهم لكم عن السير إلى الله تعالى ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ﴾ أي: تَأْمَلون منه سبحانه ﴿مَا لَا يَرْجُونٌَ﴾ لأنَّكم تَرجُون التنعُّمَ بجنةِ القُرْب والمشاهدةِ ولا يَخطرُ ذلك لهم ببال، أو تَخافون القطيعةَ وهم لا يَخافونها . ﴿وَكَانَ اَللَّهُ عَلِيمًا﴾ فيَعلمُ أحوالَكم وأحوالَهم ﴿حَكِيمًا﴾ فيُفيض على القوابل حَسْب القابلياتِ. ﴿إِنَّ أَنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ﴾ أي: عِلْم تَفاصيلِ الصفاتِ وأحكام تجلِّياتها ﴿بِلَحَقِّ﴾ مُتلبّساً ذلك الكتاب بالصدق، أو قائماً أنت بالحقِّ لا بنفسَك ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ خواصِّهم وعَوَامٌهم ﴿يِمَا أَرَكَ اَللَّهُ﴾ أي: بما علَّمك الله سبحانه من الحكمة ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَآَيِنِينَ﴾ الذين لم يُؤْدُّوا أمانةَ الله تعالى التي أُودعَت عندهم في الأَزل، ممَّا ذكر في استعدادهم مِن إمكان طاعته وامتثالِ أمره ﴿خَصِيمًا﴾ تَدفع عنهم العقاب وتَسلَّطَ الخَلْق عليهم بالذلِّ والهوان، أو تقول الله تعالى: يا ربِّ لِمَ خذلتهم وقَهرتَهم، فإنَّهم ظالمون، ولله تعالى الحَجَّةُ البالغةُ عليهم. ﴿وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهُ﴾ مِن الميل الطبيعيِّ الذي اقتضته الرحمةُ التي أحاطَتْ بك ﴿إِنَّ اَللَّهَ كَانَ غَفُورًا تَحِيمًا﴾ فيَفعلُ ما تطلبه منه وزيادة. ﴿وَلَا تُحَدِلْ﴾ أحداً ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بتَضْييع حُقوقها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّنًا﴾ لنفسه ﴿أَثِمًا﴾ مُرتكباً الإثمَ ميَّلاً مع الشهوات. ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ بكتمان رذائلهم وصفاتِ نفوسهم ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللَّهِ﴾ بإزالتها وقَلْعِها ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ محيطٌ بظواهرهم وبَوَاطِنِهِم ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يُدبِّرون في ظلمةٍ عالَمِ النفس والطبيعةِ ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ مِن الوهميَّات والتخيُّلات التفسير الإشاري (١٠١- ١٢٦) ٣١١ سُورَةُ الشَكَاة الفاسدة ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ فيُجازيهم حَسْبَ أعمالهم. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بظهورٍ صفةٍ مِن صفات نفسه ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بنقصٍ شيءٍ مِن كمالاتها ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ويَطلب منه سَتْرَ ذلك بالتوجُّه إليه، والتَّذلّل بين يديه ﴿يَجِدِ اَللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ فَيَستُر ويُعطي ما يقتضيه الاستعداد. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةٌ﴾ بإظهار بعضِ الرذائل ﴿أَوْ إِثْمَا﴾ بمَحْوِ ما في الاستعداد ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرًِّا﴾ بأنْ يَقول: حَمَلَني الله تعالى على ذلك، أو حَمَلني فلانٌ عليه ﴿فَقَدٍ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ حيث فَعَل ونَسَبَ فِعْلَه إلى الغير، ولو لم تَكن مُستعدةً لذلك طالبةً له بلسان الاستعداد في الأزل لَم يفضْ عليه ولم يَبْرُز إلى ساحة الوجود، ولهذا أَفحَمَ إبليسُ اللعينُ أَتباعَه بما قصَّ الله تعالى لنا مِن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَهْدَ الْمِ﴾ إلى أنْ قال: ﴿فَلَ تَلُومُونِ وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ﴾ أي: تَوفيقُه وإمدادُه لسلوك طريقه، ﴿وَرَحْتُهُ﴾ حيث وَهَب لك الكمالَ المطلق ﴿لََّتِ ظَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ لعودٍ ضررِه عليهم، وحفظَك في قِلَاع استعدادك عن أنْ يَنالَك شيءٌ مِن ذلك. ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ الجامعَ لتفاصيل العلم ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ التي هي أَحكامُ تلك التفاصيل مع العمل ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ مِن عِلم عواقب الخَلْقِ، وعِلْمِ ما كان وما سيكون ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ حيث جعَلَك أهلاً لمقام قابٍ قوسَينٍ أو أَدْنَى، ومَنَّ عليك بما لا يُحيط به سوى نطاقِ الوجود. ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئِهُمْ﴾ وهو ما كان من جنْس الفضول والأمر الذي لا يعني ﴿إِلَّ﴾ نجوى ﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ وأرشد إلى فضيلةِ السخاء الناشئ مِن العقَّة ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ قوليٍّ كتعلَّمِ عِلْمٍ، أو فعليٍّ كإغاثةٍ ملهوفٍ ﴿أَوَ إِصْلَجِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الذي هو مِن باب العَدْلِ ﴿وَمَّنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ويَجمعْ بين تلك الكمالات ﴿أَبْغَآءَ مَرْضَاتِ اَللَّهِ﴾ لا للرياءِ والسمعةِ مِن كلِّ ما تعود به الفضيلةُ رذيلةً، فسوف يُؤتيه الله تعالى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ويُدخلُه جنَّاتِ الصفات. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يُخالفْ ما جاء به النبيُّ ◌َه أو العقلَ المسمَّى سورة النساءِ ٣١٢ التفسير الإشاري (١٠١- ١٢٦) عندهم بالرسول النفسيِّ ﴿وَيَتَّبَعْ غَيّرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: غيرَ ما عليه أصحاب النبيِّي ◌َّه ومَن اقتفَى أَثرَهم مِن الأخيار أو القُوى الروحانية ﴿نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ﴾ الحرمان ﴿وَسَاءَتْ مَصِيًا﴾ لِمَن يَصلاها. ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ إِنَثَا﴾ وهي الأصنام المسمّاة بالنفوس، إذ كلُّ مَن يَعْبُد غيرَ الله تعالى فهو عابدٌ لنفسه مُطيعٌ لهواها، أو المراد بالإناث المُمكِناتُ؛ لأنَّ كلَّ مُمكِنٍ مُحتاجٌ ناقِصٌ مِن جهة إمكانه، مُنْفَعِلٌ مُتأثرٌ عند تَعُّنه، فهو أشبهُ كلِّ شيءٍ بالأُنثَى. ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَا قَرِيدًا﴾ وهو شيطانُ الوهم، حيثُ قبلوا إغواءه وأَطاعوه. ﴿لَّمَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: أَبعده عن رياض قُربه ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ وهم غيرُ المخلصين الذين استُثْنُوا في آيةٍ أخرى ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الطريق الحقِّ ﴿وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ﴾ الأمانيَّ الفاسدةَ مِن كسب اللَّذَّات الفانيةِ ﴿وَلَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ءَذَانَ الْأَنْعَمِ﴾ أي: فليقطّعُنَّ آذان نفوسهم عن سماع ما ينفعُهم ﴿وَلَّمُنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اللهِ﴾ وهي الفطرةُ التي فُطِرَ الناسُ عليها مِن التوحيد. ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ووخَّدوا ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ واستقاموا ﴿سَنُّدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ﴾ جنةَ الأفعال، وجنةَ الصفات، وجنةَ الذات. ﴿لَيْسَ﴾ أي: حصولُ الموعود ﴿بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبْ﴾ بل لا بدَّ مِن السعي فيما يقتضيه، وفي المثل: إنَّ التمنِّي رأسُ مال المفلس. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ أي: حالاً ﴿مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَِّ﴾ وسلَّم نفسه إليه وفَنِيَ فيه ﴿وَهُوَ يُحِينٌ﴾ مشاهِدٌ(١) للجمع في عَين التفصيل، سالكٌ طريقَ الإحسان بالاستقامة في الأعمال ﴿وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إَِهِيمَ﴾ في التوحيد ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن السِّوَى. ﴿وَّخَذَ اللَّهُ إِنْزَهِيمَ خَلِيلًا﴾ حيث تَخلَّلت المعرفة جميعَ أجزائه مِن حيث ما هو مركَّبٌ، فلم يَبْقَ جوهرٌ فردٌ إلا وقد حلَّت فيه معرفةُ ربِّه عزَّ وجلّ، فهو عارفٌ به (١) في الأصل: شاهد. الآية : ١٢٧ ٣١٣ سُورَةُ المَسَحَاءِ بكلِّ جزءٍ منه، ومِن هنا قيل: إنَّ دم الحلَّاج لمَّا وَقَع على الأرض انكتب بكلِّ قطرة منه الله؛ وأنشد: ما قُدَّلي عضوٌ ولا مِفْصلٌ إلا وفيه لكم ذِكْرُ(١) ﴿وَلِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ﴾ لأنَّ كلَّ ما بَرَزَ في الوجود فهو شأنٌ مِن شؤونه سبحانه ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطَا﴾ مِن حيث إنَّه الذي أفاضَ عليه الوجود(٢)، وهو ربُّ الكرم والجود، لا ربَّ غيرُه، ولا يُرجَى إلَّا خيرُه. ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِىِ الْنِسَاءِ﴾ أي: يَطلبون منك تَبْبينَ المُشْكِلِ مِن الأحكام في النساء ممَّا يَجب لهنَّ وعليهنَّ مطلقاً، فإنَّه عليه الصلاة والسلام قد سُئل عن أحكامٍ كثيرة ممَّا يَتَعلَّقِ بهنَّ، فما بُيِّنَ فيما سلف أُحيلَ بيانه على ما ورد في ذلك مِن الكتاب، ومَالم يُبَيَّن بعدُ بُيِّن هنا . وقال غيرُ واحدٍ: إنَّ المراد: يَستفتونك في ميراثهنَّ، والقرينةُ الدالّة على ذلك سببُ النزول؛ فقد أخرجَ ابنُ جريرٍ وابنُ المنذرِ عن ابن جُبير قال: كانَ لا يرثُ إلا الرجلُ الذي قد بلَغَ أنْ يَقوم في المال ويَعملَ فيه، ولا يرتُ الصغيرُ ولا المرأةُ شيئاً، فلمَّا نَزِلَت المواريثُ في سورة النساء شَقَّ ذلك على الناس، وقالوا: أَيرِثُ الصغيرُ الذي لا يقومُ في المال، والمرأةُ التي هي كذلك، فيرثان كما يَرتُ الرجل؟! فَرَجَوا أنْ يَأْتِيَ في ذلك حدثٌ مِن السماء، فانتظروا فلمَّا رأوا أنَّه لا يأتي حدثٌ قالوا: لئن تَمَّ هذا إنَّه لواجبٌّ ما عنه بُدُّ. ثم قالوا: سَلُوا، فسألوا النبيَّ وَلـ فأنزل الله تعالى هذه الآية(٣). وأخرجَ عبدُ بن حُميد(٤) عن مجاهد قال: كان أهلُ الجاهلية لا يُورِّثُون النساءَ (١) الكشكول ٣٠٠/٢. (٢) في (م): الجود. (٣) تفسير الطبري ٥٣٢/٧-٥٣٣، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢٣١/٢، وعنه نقل المصنف. (٤) كما في الدر المنثور ٢٣١/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٧/ ٥٣٤. سُورَةُ النِّسَاءِ ٣١٤ الآية : ١٢٧ ولا الصبيان شيئاً، كانوا يقولون: لا يَغْزُون ولا يَغْنمون خيراً. فنزلت. وأخرج الحاكم وصحَّحه عن ابن عباس مَّا نحوه(١). وإلى الأول مال شيخُ الإسلام(٢). ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ أي: يُبيِّنُ لكم حُكمَه فيهنَّ، والإفتاءُ إظهارُ المُشْكِلِ على السائل، وفي ((البحر)): يقال: أفتاه إفتاءً، وفُتيا وفَتوى، وأَفتيتُ فلاناً رؤياه: عَبَّرتُها له(٣) . ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ﴾ في ((ما)) ثلاثةُ احتمالات: الرفعُ والنصبُ والجُّ. وعلى الأول: إمّا أنْ تكونَ مبتدأً والخبرُ محذوفٌ، أي: وما يُتْلَى عليكم في القرآن يُفتيكم ويُبيِّن لكم، وإيثارُ صيغة المضارع للإيذان بدوام التلاوة واستمرارِها، و((في الكتاب)) مُتعلِّقٌ بـ ((يُتْلَى))، أو بمحذوفٍ وَقَع حالاً مِن المستكنِّ فيه، أي: يُتْلَى كائناً في الكتاب. وإمَّا أنْ تكون مبتدأً و((في الكتاب)) خبرُه، والمرادُ بـ ((الكتاب)) حينئذٍ اللوحُ المحفوظ، إذ لو أُريدَ به معناه المتبادِرُ لم يَكن فيه فائدةٌ إلا أنْ يُتَكلَّف له، والجملةُ معترضةٌ مَسوقَةٌ لبيان عِظَم شأن المتلوِّ، و((ما يُتْلَى)، متناولٌ لمَا تُليَ وما سيتلَى. وإمَّا أن تكون معطوفةً على الضمير المستتر في ((يُفتيكم)) وصحَّ ذلك للفصل، والجمعُ بين الحقيقة والمجاز في المجاز العقليّ سائغٌ شَائعٌ، فلا يَرِدُ أنَّ الله تعالى فاعلٌ حقيقيّ للفعل، والمتلوُّ فاعلٌ مجازيٌّ له، والإسنادُ إليه مِن قبيل الإسناد إلى السبب فلا يَصح العطف، ونظيرُ ذلك: أغناني زيدٌ وعطاؤه. وإمَّا أنْ تكون معطوفةً على الاسم الجليل، والإيرادُ أيضاً غيرُ واردٍ، نَعَم (١) المستدرك ٣٠٨/٢. (٢) تفسير أبي السعود ٢٣٨/٢. (٣) البحر ٣٥٩/٣. الآية : ١٢٧ ٣١٥ سُورَةُ السَّةِ المتبادرُ أنَّ هذا العطفَ من عطف المفرد على المفرد، ويُبعده إفرادُ الضمير كما لا يَخْفَى(١). وعلى الثاني: تكون مفعولاً لفعلٍ محذوفٍ، أي: ويُبيِّنُ لكم ما يُتْلَى، والجملةُ إمَّا معطوفةٌ على جملة ((يفتيكم))، وإمَّا معترضةٌ. وعلى الثالث: إمَّا أنْ تكون في مخلِّ الجرِّ على القسم المنبئ عن تعظيم المُقْسَم به وتَفخيمه، كأنه قيل: قل الله يُفتيكم فيهنَّ، وأُقسم بما يُتْلَى عليكم في الكتاب. وإمَّا أنْ تكونَ معطوفةً على الضمير المجرور، كما نُقل عن محمد بن أبي موسى(٢)، وما عند البصريين ليس بوحي فيجب اتِّباعُه، نعم فيه اختلالٌ معنويٌّ لا يكاد يندفع. وإما أنْ تكون معطوفة على ((النساء)» كما نقله الطبرسيُّ عن بعضهم (٣)، ولا يخفَی ما فيه. وقوله سبحانه: ﴿فِى يَتَى النِّسَآءِ﴾ مُتعلِّقٌ بـ ((يُتْلَى)) في غالب الاحتمالات، أي: ما يُتْلَى عليكم في شأنهنَّ، ومَنعوا ذلك على تقدير كون ((ما)) مبتدأً و((في الكتاب)» خبره لِمَا يَلزم عليه مِن الفصل بالخبر بينَ أجزاء الصلة، وكذا على تَقدير القَسم، إذ لا معنى لتقييده بالمتلوِّ بذلك ظاهراً. وجَوَّزوا(٤) أنْ يكونَ بدلاً مِن ((فيهنَّ))، وأنْ يَكونَ صلةً أخرَى لـ ((يفتيكم))، ومتى (١) أي: أنه لو كان من عطف المفرد على المفرد لوجب تثنية الضمير مع تقدم الخبر بأن يقال: يفتيانكم، ومثله يحتاج إلى سماع من العرب، كنحو: زيدٌ قائمان وعمروٌ، ومثل هذا لا يجوز، فوجب أن يجعل من عطف الجمل، فيعود إلى الوجه الأول في الرفع، وهو كون (ما)) مبتدأ والخبر محذوف تقديره: يفتيكم. ينظر الدر المصون ١٠٠/٤، وحاشية الشهاب ١٨٣/٣. (٢) أي: يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم، وذكره عن محمد بن أبي موسى أبو حيان في البحر ٣٦٠/٣. (٣) مجمع البيان ٢٤٥/٥. (٤) في الأصل: وجوّز. سُورَةُ النِّسَاءِ ٣١٦ الآية : ١٢٧ الزمَ تعلُّق حرفَي جرِّ بشيءٍ واحدٍ بدون إتباع، يُدفع بالتزام كونهما ليسا بمعنَى، والممنوعُ تعلُّقُهما كذلك إذا كانا بمعنَى واحدٍ، و((في)) الثانيةُ (١) هنا سببية كما في قوله وَله: ((إنَّ امرأةً دخلت النارَ في هرَّةٍ))(٢)، فالكلام إذاً مثل: جئتك في يوم الجمعة في أمر زيدٍ، أي: بسببه. وإضافةُ اليتامَى إلى النساء بمعنى ((مِن))؛ لأنَّها إضافةُ الشيءِ إلى جنسه، وجَعَلَها أبو حيان بمعنى اللام ومعناها الاختصاص، وادَّعَى أنَّه الأظهرُ(٣)، وليس بشيءٍ كما قال الحلبيُّ(٤) وغيرُه. وقرئ: ((بيامَى)) بياءَين(٥)، على أنَّه جمعُ أيِّم، والعربُ تُبْدِلُ الهمزةَ ياءً كثيراً . ﴿ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أي: ما فُرض لهنَّ مِن الميراث وغيرِه على ما اختاره شيخ الإسلام(٦). أو ما فُرض لهنَّ مِن الميراث فقط على ما رُوي عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد ظه، واختارَه الطبريُّ(٧). أو ما وَجَب لهنَّ مِن الصداق على ما رُوي عن عائشةَ ﴿ّا، واختاره الجُبَّائي(٨). وقيل: ((ما كُتب لهنَّ)) مِن النكاح، فإنَّ الأولياء كانوا يَمنعونهنَّ مِن التزوُّج، ورُوي ذلك عن الحسن وقتادة والسدي وإبراهيم. ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ عطفٌ على صلة ((اللَّتي))، أو على المنفيِّ وحده، وجُوِّز أنْ يكونَ حالاً مِن فاعل (تُؤتونَهنَّ))، فإن قلنا بجواز اقتران الجملة المضارعية الحالية بالواو فظاهر، وإذا قلنا بعدم الجواز التُزم تقدير مبتدأ، أي: وأنتم ترغبون ﴿أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾، أي: في أنْ تنكحوهن، أو عن أنْ تنكحوهنَّ، فإنَّ أولياءَ اليتامَى (١) في (م): الثاني، وهو خطأ . (٢) أخرجه أحمد (٧٥٤٧)، والبخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٣) من حديث أبي هريرة ٠ (٣) البحر ٣/ ٣٦٢. (٤) في الدر المصون ١٠٤/٤، وينظر حاشية الشهاب ١٨٤/٣ . (٥) القراءات الشاذة ص٢٩، والمحتسب ٢٠٠/١. (٦) تفسير أبي السعود ٢٣٨/٢. (٧) في تفسيره ٧/ ٥٤٠ . (٨) نقله عنه الطبرسي في مجمع البيان ٢٤٦/٥. الآية : ١٢٧ ٣١٧ سُورَةُ النِّسَاءِ كما وَرَد في غير ما خبر، كانوا يرغبون فيهنَّ إنْ كنَّ جميلات ويَأكلون مالَهنَّ، وإلا كانوا يُعضلوهنَّ طمعاً في ميراثهنَّ(١). وحذفُ الجارِّ هنا لا يُعدُّ لَبساً(٢)، بل إجمال، فكلٌّ مِن الحرفَين مرادٌ على سبيل البدل. واستَدلَّ بعضُ أصحابنا بالآية على جواز تَزويج اليتيمة؛ لأنَّه ذَكّر الرغبة في نكاحها فاقتضى جوازَه، والشافعية يقولون: إنَّه إنَّما ذَكَر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذمِّ والنهي (٣)، فلا دلالةَ فيها على ذلك، مع أنَّه لا يَلزم مِن الرغبة في نكاحها فعلُه في حال الصغر، وهذا الخلافُ في غير الأب والجَدِّ، وأمَّا هما فيَجوزُ لهما تَزويجُ الصغير بلا خلاف. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ عطفٌ على ((يَتامَى النساء)) وكانوا لا يُورِّثونهم كما لا يُورِّثون النساء كما تقدَّم آنفاً . ﴿وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَنَى بِالْقِسْطِ﴾ عطفٌ على ما قبله، وإنْ جُعل ((في يتامَى)) بدلاً، فالوجهُ النصبُ في هذا و((المستضعفين)) عطفاً على محلِّ ((فيهن))، ومنعوا العطف على البدل بناءً على أنَّ المراد بالمستضعفين الصغار مطلقاً الذين مَنعوهم عن الميراث ولو ذكوراً، ولو عطف على البدل لكان بدلاً، ولا يصحُّ فيه غيرُ بدل الغلط، وهو لا يقع في فصيح الكلام. وجُوِّز في ((أنْ تقوموا)) الرفعُ على أنَّه مبتدأ، والخبرُ محذوفٌ، أي: خيرٌ، ونحوه. والنصبُ بإضمار فعلٍ، أي: ويأمرُكم أن تَقوموا. وهو خطابٌ للأئمة أنْ يَنظروا لهم ويَستوفوا حقوقَهم، أو للأولياء والأوصياء بالنّصفة في حقوقهم(٤). ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ في حقوق المذكورين ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ حَسْبَما أُمرتُم به، أو: (١) ينظر حديث عائشة مؤثّا عند البخاري (٢٤٩٤)، ومسلم (٣٠١٨). (٢) ذكر أهل العربية أن حرف الجر يجوز حذفُه باطراد مع (أنَّ) و((أنْ)) بشرط أمن اللبس، يعني أن يكون حرف الجر متعيِّناً، نحو: عجبت أن تقوم، أي: من أن تقوم، بخلافٍ: ملتُ إلى أن تقوم، أو: عن أن تقوم. الدر المصون ١٠٦/٤. (٣) قوله: والنهي، ليس في (م). (٤) في (م): حقهم. سُورَةُ النِّسَكَاةِ ٣١٨ الآية : ١٢٨ ما تفعلوا (١) مِن خيرٍ على الإطلاق، ويَندرج فيه ما يَتعلَّق بهؤلاء اندراجاً أوليًّا . ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ پِهِ، عَلِيمًا (2)﴾ فیجازیکم عليه. واقْتصَرَ على ذكر الخير؛ لأنَّه الذي رغَّب فيه، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ الشرَّ ممَّا لا ينبغي أنْ يقعَ منهم أو يَخطرَ بیال. ﴿وَإِنِ أَمْرَةُ خَافَتْ﴾ شروعٌ في بيان أحكامٍ لم تُبَّن قبلُ، وأخرج الترمذيُّ وحسّنه عن ابن عباس قال: خَشِيَتْ سَودة ﴿يَا أَنْ يُطلِّقها رسول اللهِوَ لّ فقالت: يا رسول الله، لا تُطلِّقني واجْعَلْ يومي لعائشة. ففعل، ونزلت هذه الآية(٢). وأخرج الشافعيُّ ◌َُّه عن ابن المسيّب: أنَّ ابنةَ محمد بنِ مَسْلَمةً كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمراً إمَّا كِبَراً أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تُطلِّقني واقْسِم لي مابدا لك. فاصطلحا على صلح، فجَرَت السنَّة بذلك ونزل القرآن(٣). وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنَّها نزلَت في أَبي السنابل(٤). أي: وإنْ خافت امرأةٌ خافت، فهو مِن باب الاشتغال، وزعم الكوفيون أنَّ ((امرأةٌ)) مبتدأ وما بعده الخبر، وليس بالمرضِيِّ. وقدَّر بعضُهم هنا: كانت؛ لاطَّراد حذف ((كان)) بعد ((إنْ))، ولم يَجعله من الاشتغال، وهو مخالف للمشهور بين الجمهور. والخوفُ إمَّا على حقيقته، أو بمعنى التوقُّع، أي: وإنِ امرأةٌ توقَّعت؛ لِمَا ظهر لها مِن المخايل ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾ أي: زوجها، وهو متعلِّقٌ بـ ((خافت)» أو بمحذوفٍ وقَعَ حالاً مِن قوله تعالى: ﴿نُشُوزًا﴾ أي: استعلاءً وارتفاعاً بنفسه عنها إلى غيرها لسببٍ (١) في (م): تفعلوه. (٢) سنن الترمذي (٣٠٤٠). وأخرج البخاري (٢٥٩٣)، ومسلم (١٤٦٣) من حديث عائشة أن سودة لما كبرت جعلت يومها من رسول الله له لعائشة. (٣) الأم ١٧١/٥ . (٤) في الأصل و(م): السائب، والمثبت من تفسير الطبري ٥٥٨/٧، وتفسير مجاهد ١٧٧/١، والدر المنثور ٢٣٣/٢، وهو أبو السنابل بن بَعْكّك القرشي العبدري، اسمه حبَّة بالباء، وقيل: بالنون، وقيل: عمرو، وقيل غير ذلك، وهو من مسلمة الفتح. الإصابة ١٧٩/١١ . الآية : ١٢٨ ٣١٩ سُورَةُ الْتَشَاةِ من الأسباب، ويُظْلَقُ على كلٍّ مِن صفة أحدِ الزوجَين ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أي: انصرافاً بوجهه، أو ببعض منافعه التي کانت لها منه. وفي ((البحر)): النشوز: أنْ يَتجافَى عنها بأنْ يَمنعها نفسَه ونفقته والمودةَ التي بينهما، وأنْ يُؤذيَها بسَبِّ أو ضرْبٍ مثلاً، والإعراض: أنْ يُقلِّل محادثَتها ومؤانَسَتَها الطعنٍ في سنٍّ، أو دمامةٍ، أو شَينٍ في خَلْقٍ أو خُلُقٍ، أو مَلال، أو طموحٍ عينٍ إلى أخرى، أو غيرِ ذلك، وهو أخفُّ من النشوز(١). ﴿فَلَ جُنَاحَ﴾ أي: فلا حَرَج ولا إثمَ ﴿عَلَيْهِمَا﴾ أي: المرأة وبعلها حينئذٍ ﴿أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ أي: في أنْ يُصلحا بينهما، بأنْ تَتَركَ المرأةُ له يَومها كما فعلَت سودة ﴿ُنا مع رسول الله وَله، أو تَضعَ عنه بعضَ ما يجبُ لها مِن نفقة أو كسوة، أو تَهَبَه المهرَ أو شيئاً منه، أو تُعطيَه مالاً لتستعطفَه بذلك وتَستديمَ المقام في حباله. وصدَّر ذلك بنَفْي الجُناح لنفْي ما يتوهّم مِن أنَّ ما يُؤخذ(٢) كالرشوة فلا يَحلّ. وقرأ غيرُ أهلِ الكوفة: ((يَصَّالَحًا)) بفتح الياء وتشديد الصاد وألفٍ بعدها(٣)، وأصلُه: يَتصالحا، فأُبدلت التاء صاداً وأدغمت. وقرأ الجَحْدَريُّ: ((يَصَّلِحا)) بالفتح والتشديد من غير ألف(٤)، وأصلهُ: يصطلحا، فخُفِّف بإبدال الطاء المبدلة مِن تاء الافتعال صاداً وأدغمت الأولى فيها، لا أنَّه أُبدلت التاء ابتداءً صاداً وأدغم كما قال أبو البقاء(٥)، لأنَّ تاء الافتعال يجب قلبها طاءً بعد الأحرف الأربعة(٦). وقرئ: ((يصطلحا))(٧) وهو ظاهرٌ. (١) البحر ٣٦٣/٣. (٢) في الأصل: يأخذه. (٣) هي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. التيسير ص٩٧، والنشر ٢٥٢/٢. (٤) القراءات الشاذة ص٢٩، والمحتسب ٢٠١/١. (٥) الإملاء ٣٣٥/٢. (٦) وهي أحرف الإطباق. (٧) الإملاء ٣٣٥/٢، والدر المصون ١٠٨/٤ . سُورَةُ الإِسْكَاةِ ٣٢٠ الآية : ١٢٨ و((صُلحاً)) على قراءة أهل الكوفة إمّا مفعولٌ به على معنى: يُوقعا الصلحَ، أو بواسطة حرفٍ، أي: بصلحِ، والمرادُ به ما يُصْلَح به، و((بينهما)) ظرفٌ ذُكر تَنبيهاً على أنَّه يَنبغي أنْ لا يَطَّلِعِّ الناسُ على ما بينهما بل يَستُرانه عنهم، أو حال من ((صلحاً))، أي: كائناً بينهما . وإمَّا مصدرٌ محذوفُ الزوائد، أو مِن قبيل: أنبتها الله نباتاً، و((بينهما)) هو المفعول على أنَّه اسمٌ بمعنى التباين والتخالُف، أو على التوسُّع في الظرف، لا على تقدير: ما بينهما كما قيل، ويَجوزُ أنْ يكون ((بينهما)) ظرفاً، والمفعول محذوفٌ، أي: حالهما ونحوه. وعلى قراءة غيرهم يجوز أن يكون واقعاً موقعَ تَصالُحاً واصطلاحاً، وأنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مترتّبٍ على المذكور، أي: فيَضْلُحَ حالُهما صُلْحاً، واحتمال هذا في القراءة الأولى بعيدٌ، وجُوِّز أن يكون منصوباً على إسقاط حرف الجرِّ، أي: يَصَّالحا أو يَصَّلحا بصلحٍ، أي: بشيءٍ تَقَع بسببه المُصالحةُ. ﴿وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفُرقة وسوءِ العِشْرةِ، أو: من الخصومة، فاللام للعهد، وإثباتُ الخيرية للمفضَّل عليه على سبيل الفرض والتقدير، أي: إنْ يَكن فيه خيرٌ فهذا أَخيرُ منه، وإلا فلا خيريَّة فيما ذُكر. ويَجوز أنْ لا يُراد بـ ((خير)) التفضيل، بل يُراد به المصدر أو الصفة، أي: إنَّه خيرٌ من الخُيور، فاللام للجنس. وقيل: إنَّ اللام على التقديرين تَحتمل العهديَّة والجنسية. والجملةُ اعتراضية، وكذا قولهُ تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ ولذلك اغتُفِرَ عدمُ تجانُسِهما؛ إذ الأولى اسميةٌ، والثانية فعليةٌ، ولا مناسبةً معنَى بينهما، وفائدةٌ الأُولى الترغيبُ في المصالحة، والثانيةِ تمهيدُ العذرِ في المماكسة والمشاقّة كما قيل. وحَضَرَ مُتَعدٍّ لواحدٍ، وأَحضَرَ لاثنين، والأول هو ((الأنفسُ)) القائمُ مقام الفاعل، والثاني ((الشح))، والمرادُ: أَحْضَر الله تعالى الأنفسَ الشحَّ، وهو البخل مع الحرص.