Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ٨٩ ٢٠١ سُورَةُ السَحَلّة والآية ظاهرةٌ في مذهب الجماعة، وحَمْلُ الهداية والإضلالِ على الحكم بهما(١) خلافُ الظاهر، ويُبعده قوله تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (®﴾ فإنَّ المتبادر منه الخَلْقُ، أي: مَن يَخلق فيه الضلالَ كائناً مَن كان، ويَدخل هنا مَن تقدَّم دخولاً أوليًّا. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ مِن السبل فضلاً عن أنْ تَهديَه إليه. والخطاب في ((تجد)) لغيرِ معيَّنٍ، أو لكلِّ أحدٍ من المخاطَبين للإشعار بعدم الوجدانِ للكلِّ على سبيل التفصيل، ونفيُ وجدان السبيل أبلغُ مِن نفْي الهادي. وحَمْلُ إضلاله تعالى على حُكمه وقضائه مُخلٌّ بُحسْنِ المقابلة بين الشرطِ والجزاء. وجَعْلُ السبيل بمعنى الحُجَّة، وأنَّ المعنى: مَن يجعله الله تعالى في حكمه ضالًّا فلن تجدَ له في ضلالته حُجَّةً - كما قال جعفر بن حرب(٢) - ليس بشيءٍ كما لا يخفَی. والجملة إمَّا اعتراضٌ تذييليٌّ مُقرِّرٌ للإنكار السابق مؤكِّدٌ لاستحالة الهداية، أو حالٌ من فاعل ((تريدون))، أو (تهدوا))، والرابط الواو. ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ بيانٌ لغلوهم وتمادیھم في الكفر وتصدِّیھم لإضلال غيرهم إِثْرَ بيان كفرهم وضلالتهم في أنفسهم، و «لو)» مصدريةٌ لا جوابَ لها، أي: تمنَّوا أنْ تكفروا . وقوله تعالى: ﴿كَمَا كَفَرُواْ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، و((ما)) مصدرية، أي: كفراً مثلَ كفرهم، أو حالٌ من ضمير ذلك المصدر كما هو رأي سيبويه. ولا دلالة في نسبة الكفر إليهم على أنَّه مخلوقٌ لهم استقلالاً لا دَخْل لله تعالى فيه، لتكونَ هذه الآيةُ دليلاً على صرفٍ ما تقدَّم عن ظاهره كما زعمه ابن حرب؛ لأنَّ أفعال العباد لها نسبةٌ إلى الله تعالى باعتبار الخَلْقِ، ونسبةٌ إلى العباد باعتبار الكّسْبِ بالمعنى الذي حقَّقناه فيما تقدَّم(٣). (١) في (م): بها. (٢) أبو الفضل الهَمّذاني المعتزلي العابد، له: متشابه القرآن، والاستقصاء، والأصول وغيرها، توفي سنة (٢٣٦هـ). سير أعلام النبلاء ٥٤٩/١٠ . (٣) ٣٤٨/٤. سُورَةُ السَحَاةِ ٢٠٢ الآية : ٨٩ وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونُونَ سَواء﴾ عطفٌ على ((لو تكفرون» داخلٌ معه في حكم التمنِّي، أي: ودُّوا لو تكفرون فتكونون مستوين في الكفر والضلال. وجُوِّز أنْ تكون كلمة ((لو)) على بابها، وجوابها محذوفٌ كمفعول ((ودَّ»، أي: ودُوا كفرَكم، لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً لسُرُّوا بذلك. ﴿فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَّةَ﴾ الفاء فصيحةٌ، وجُمع ((أولياء)) مراعاةً لجمع المخاطَبين، فإنَّ المراد نهيُ كلٍّ مِن المخاطَبين عن اتِّخاذ كلٍّ مِن المنافقين وليًّا، أي: إذا كان حالهم ما ذكر من الودادة فلا تُوالُوهم ﴿حَّى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِّ﴾ أي: حتى يُؤمنوا وتُحقِّقوا إيمانهم بهجرةٍ هي الله تعالى ورسوله وَّ، لا لغرضٍ من أغراض الدنيا. وأصلُ السبيل: الطريق، واستعمل كثيراً في الطريق الموصلة إليه تعالى، وهي امتثالُ الأوامر واجتنابُ النواهي. والآية ظاهرةٌ في وجوب الهجرة، وقد نصَّ في (التيسير)) على أنَّها كانت فرضاً في صدر الإسلام. وللهجرة ثلاثُ استعمالات: أحدها: الخروجُ من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهو الاستعمال المشهور. وثانيها : تركُ المَنْهِيَّات. وثالثها: الخروج إلى القتال، وعليه حَمَل الهجرةَ مَن قال إنَّ الآية نزلَت فيمَن رجَّعَ يوم أحدٍ على ما حكاه خبرُ الشيخين(١)، وجزم به في ((الخازن))(٢). ﴿فَإِن تَوَلَّوَا﴾ أي: أَغْرَضوا عن الهجرة في سبيل الله تعالى كما قال ابن عباس ﴿ ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ إذا قَدرتُم عليهم ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ من الحِلِّ والحرَم، فإنَّ حُكمهم حكمُ سائر المشركين أَسْراً وقَتْلاً، وقيل: المرادُ القتلُ لا غير، إلا أنَّ الأمر بالأخذ لِتقدُّمه على القتل عادةً. أي: جانِبوهم مجانبةً كليَّةً، ولا تقبلوا ﴿وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًا وَلَا نَصِيرًا (١) سلف ص١٩٨ من حديث زيد بن ثابت (٢) ينظر تفسير الخازن ١/ ٥٧٠. الآية : ٩٠ ٢٠٣ سُورَةُ الشَّةِ منهم ولايةً ولا نُصرةً أبداً، كما يُشعر بذلك المضارعُ الدالُّ على الاستمرار، أو التكرارُ(١) المفيدُ للتأكيد. ﴿ إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْعِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِِّتَقُ﴾ استثناءٌ من الضمير في قوله سبحانه: ﴿فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ﴾ أي: إلا الذين يَصلون وينتهون إلى قومٍ عاهدوكم ولم يحاربوكم، وهم بنو مُذْلج، أخرج ابن أبي شيبة وغيرُه(٢) عن الحسن أنَّ سراقةَ بنَ مالك المُدْلِجِيَّ حدَّثهم قال: لمَّا ظهر رسولُ الله ◌َِّ على أهل بدرٍ واحدٍ وأسلم مَن حولهم، قال سراقةُ: بلغني أنَّه عليه الصلاة والسلام يريدُ أنْ يبعثَ خالد بن الوليد إلى قومي مِن بني مُذْلج، فأتيتُه فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: مه، فقال: ((دعوه، ما تريد؟)) قلت: بلغني أنك تُريد أنْ تبعثَ إلى قومي، وأنا أُريد أنْ تُوادِعَهم، فإنْ أسلمَ قومُك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإنْ لم يُسلموا لم تَخْشُن صدورُ(٣) قومك عليهم، فأخذَ رسولُ اللهِ وَلفه بيد خالد فقال: ((اذهب معه فافعل ما يُريد))، فصالَحَهم خالدٌ على أنْ لا يُعينوا على رسول الله وَّهِ، وإنْ أسلمت قريشٌ أسلموا معهم، ومَن وصل إليهم مِن الناس كانوا على مِثْل عهدهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَدُّواْ﴾ حتى بلغ ﴿إِلَّ الَّذِينَ يَعِلُونَ﴾ فكان مَن وصَلَ إليهم كانوا معهم على عهدهم. ٤٦٥ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿: أنَّ الآية نزلت في هلال بن عُوَيْمر الأسلَمِيِّ وسُراقةَ بنِ مالك المُدْلِجِيِّ، وفي بني جَذِيمَة بن عامر (٤). ولا يجوز أنْ يكونَ استثناءً من الضمير في ((لا تتخذوا)) وإنْ كان أقرب، لأنَّ اتّخاذَ الوليّ منهم حرامٌ مطلقاً. (١) في (م): التكرير. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٣١/١٤-٣٣٢، ومسند الحارث (٦٧٨ - زوائد)، وتفسير ابن أبي حاتم ١٠٢٦/٣، والكلام من الدر المنثور ٢/ ١٩١ . (٣) في الأصل والدر المنثور وتفسير ابن أبي حاتم: لم تخشن لقلوب، وفي (م): لم تخش لقلوب، وفي مسند الحارث: لم تخش بصدور، والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة. (٤) تفسير الطبري ٢٩٣/٧، وتفسير ابن أبي حاتم ١٠٢٧/٣، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٩١/٢، وهو عند الطبري عن عكرمة، ولم يذكر ابن عباس. سُورَةُ النَّسَاءِ ٢٠٤ الآية : ٩٠ ﴿أَوْ جَاءُوَكُمْ﴾ عطفٌ على الصلة، أي: أو الذين جاؤوكم كافِّين عن قتالكم(١) وقتالٍ قومهم، فقد استُثْنِيَ من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان: مَن تَّرَك المحارِبين ولَحِقَ بالمعاهدين؛ ومَن أَتَّى المؤمنين وكفّ عن قتال الفريقين. أو عطفٌ على صفة ((قوم))، كأنَّه قيل: إلا الذين يصلون إلى قومٍ معاهدين، أو إلى قوم كافِّين عن القتال لكم وعليكم. والأول أرجحُ روايةً ودرايةً، إذ عليه يكون لِمَنْع القتال سببان: الاتصالُ بالمعاهدين، والكفُّ عن قتالكم (٢)، وعلى الثاني يكونُ السببان: الاتصالَ بالمعاهدين والاتصالَ بالكافين، لكنَّ قوله تعالى الآتي: ﴿فَإِنِ اعْتَّزَّلُوكُمْ﴾ إلخ يُقرِّرُ أنَّ أحدَ السببين هو الكفُّ عن القتال؛ لأنَّ الجزاءَ مُسبَّبٌ عن الشرط فيكونُ مُقتضياً للعطف على الصلة، إذ لو عطّفَ على الصفة كان أحدُ السَبَبّين الاتصالَ بالكافِّين لا الكفَّ عن القتال. فإن قيل: لو عطفَ على الصفةِ تحقّقت المناسبةُ أيضاً؛ لأنَّ سبب منع التعرُّض حينئذٍ الاتصال بالمعاهدین والاتصال بالکافِین، والاتصال بهؤلاء وهؤلاء سببٌ للدخول في حكمهم، وقوله سبحانه: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ يُبِينُ حكم الكافِين لسبق حُكمٍ المتّصلین بهم. أُجيب: بأنَّ ذلك جائزٌ، إلا أنَّ الأول أظهرُ وأَجَرى على أسلوب كلام العرب؛ لأنَّهم إذا استَئنوا بَيِّنُوا حكمَ المستثنَى تقريراً وتوكيداً. وقال الإمام: جَعْلُ الكفِّ عن القتال سبباً لترك التعرُّض أَولَى مِن جعلِ الاتصال بمَن يَكفُّ عن القتال سبباً لترك التعرُّض؛ لأنَّه سببٌ بعيدٌ(٣). على أنَّ المتصلين بالمعاهدين ليسوا معاهدين لكنْ لهم حُكمهم، بخلاف المتَّصلين بالكافِّين، فإنَّهم إنْ كقُّوا فهم هم، وإلا فلا أثرَ له. (١) في الأصل و(م): أي والذين جاؤوكم كافين من قتالكم، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢١٤/٢، والكلام منه. (٢) في الأصل و(م): الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين، والمثبت من حاشية الشهاب ١٦٥/٣ والكلام منه. (٣) تفسير الرازي ٢٢٣/١٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٦٦/٣. الآية : ٩٠ ٢٠٥ سُورَةُ السََّّاءِ وقرأ أُبيِّ: ((جاؤوكم)) بغير ((أو))(١) على أنَّه استئنافٌ وقعَ جواباً لسؤال، كأنه قيل: كيف كان الميثاق بينكم وبينهم؟ فقيل: ((جاؤوکم)) إلخ. وقيل: يُقدَّر السؤالُ: كيف وصلوا إلى المعاهدين؟ ومِن أين علم ذلك؟ وليس بشيءٍ. أو على أنَّه صفةٌ بعدَ صفةٍ لـ ((قوم))، أو بيانٌ لـ ((يَصلون))، أو بدلٌ منه، وضعَّفَ أبو حيان(٢) البيانَ بأنه لا يكونُ في الأفعال، والبدلَ بأنه ليس إياه ولا بعضه ولا مشتملاً عليه. وأُجيبَ بأنَّ الانتهاء إلى المعاهدين والاتِّصالَ بهم حاصلُه الكفُّ عن القتال، فصحَّ جعلُ مجيئهم إلى المسلمين بهذه الصفة وعلى هذه العزيمة بياناً لاتصالهم بالمعاهدين، أو بدلاً منه كلًّا أو بعضاً أو اشتمالاً، وكون ذلك لا يجري في الأفعال لا يقول به(٣) أهل المعاني. وقيل: هو معطوف على حذف العاطف. وقوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حالٌ بإضمار ((قد))، ويُؤيِّدُه قراءة الحسن: (حَصِرةً صدورُهم))(٤)، وكذا قراءة ((حَصِرَاتٍ))(٥) و((حاصراتٍ))(٦)، واحتمالُ الوصفية السببية لـ ((قوم) الاستواء النصب والجرِّ بعيدٌ(٧). وقيل: هو صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ هو حالٌ مِن فاعل ((جاؤوا))، أي: جاؤوكم (١) الكشاف ٥٥٢/١، وهي في القراءات الشاذة ص٢٨ عن جناح بن حبيش. (٢) في البحر ٣١٧/٣. (٣) في الأصل: لا يقوله. (٤) وهي قراءة يعقوب من العشرة، كما في النشر ٢٥١/٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٧-٢٨ للحسن ويعقوب. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٧٩/١، والقراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣١٧/٣. (٦) القراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣١٧/٣. (٧) يعني أن قراءة ((حصراتٍ)) و((حاصراتٍ)) تحتمل أن تكون نصباً على الحال أو جرًّا على الصفة لـ ((قوم))؛ لأن جمع المؤنث السالم يستوي جره ونصبه، واستُبعد لأن الوصف الرافع لظاهرٍ يوحّد أو يجمع جمع تكسير، وجمعُه جمعَ تصحيح قليل. ينظر الدر المصون ٦٨/٤، وحاشية الشهاب ١٦٦/٣ . سُورَةُ الَشَاءِ ٢٠٦ الآية : ٩٠ قوماً حَصِرَتْ صدورُهم، ولا حاجةً حينئذٍ إلى تقدير ((قد)). وما قيل: إنَّ المقصود بالحالية هو الوصفُ؛ لأنَّها حالٌ موظّئة، فلا بدَّ مِن ((قد)) سيَّما عند حذف الموصوف، فما ذكر التزامٌ لزيادة الإضمار من غير ضرورةٍ = غيرُ مسلَّم. وقيل: بيانٌ لـ ((جاؤوكم))، وذلك - كما قال الطيبي - لأنَّ مجيئهم غيرَ مقاتلين و (حَصِرَتْ صدورُهم أنْ يقاتلوكم)» بمعنى واحد (١). وقال العلّامةُ الثاني: من جهة أنَّ المراد بالمجيءِ الاتصالُ وتركُ المعانَدةِ والمقاتَلَةِ لا حقيقةُ المجيء، أو من جهة أنَّه بيانٌ لكيفية المجيء. وقيل: بدلُ اشتمالٍ من ((جاؤوكم)؛ لأنَّ المجيءَ مشتمِلٌ على الحَصَر وغيرِه. وقيل: إنَّها جملةٌ دُعائية، ورُدَّ بأنَّه لا معنى للدعاء على الكفار بأنْ لا يقاتلوا قومهم، بل بأنْ يقعَ بينهم اختلافٌ وقتلٌ. والحَصَر بفتحتين: الضِّيقُ والانقباض. ﴿أَنْ يُقَدِلُوكُمْ أَوْ يُقَدِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ أي: عن أنْ يقاتلوكم، أو: لأَنْ، أو: كراهةَ أنْ. ﴿َلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ بأنْ قَوَّى قلوبهم، وبَسَطَ صدورَهم، وأَزال الرُّعب عنهم ﴿فَلَقَّتَلُوكُمْ﴾ عَقِيب ذلك ولم يَكفُّوا عنكم. واللام جوابيةٌ لعطفه على الجواب، ولا حاجةً لتقدير ((لو)، وسمَّاها مكِّيٍّ وأبو البقاء لامَ المُجازاة والازدواج(٢)، وهي تسميةٌ غريبةٌ. وفي الإعادة إشارةٌ إلى أنَّه جوابٌ مُستقلٍّ، والمقصودُ من ذلك الامتنانُ على المؤمنين. وقُرئ: ((فلقتلوكم)) بالتخفيف، والتشديد(٣). ﴿فَإِن آعتزلُوگُمْ﴾ ولم يتعرَّضوا(٤) لكم ﴿فلم يُقِلُوگُ﴾ مع ما علمتُم مِن تَمُّنهم (١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٢) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ١٦٦/٣، والذي في البحر ٣١٨/٣، والدر المصون ٦٨/٤ نقلاً عن مكي وابن عطية: لام المحاذاة والازدواج. وفي المحرر الوجيز ٩٠/٢: واللام في قوله: (لسلطهم)) جواب ((لو)) وفي قوله: ((فلقاتلوكم)) لام المحاذاة والازدواج لأنها بمثابة الأولى، لو لم تكن الأولى كنت تقول: لو شاء الله لقاتلوكم. (٣) الكشاف ٥٥٢/١، وقراءة التخفيف في القراءات الشاذة ص٢٨. (٤) في (م): يعترضوا. الآية : ٩١ ٢٠٧ سُورَةُ السَّة من ذلك بمشيئة الله تعالى ﴿وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السَّلَمْ﴾ أي: الصلحَ، فانقادوا واستسلموا، وكأنَّ إلقاءَ السَّلَم استعارةٌ؛ لأنَّ مَن سلَّم شيئاً ألقاه وطرحه عند المسلَّم له. وقُرئ بسكون اللام مع فتح السين وكسرها(١). ، فما أَذِنَ لكم في أخذهم وقتلهم، وفي نفي ﴿فَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَچِيلًا جَعْل السبيل مبالغةٌ في عدم التعرُّضِ لهم؛ لأنَّ مَن لا يمرُّ بشيءٍ كيف يتعرَّضُ له؟ وهذه الآياتُ منسوخةُ الحكم بآية ((براءة)»: ﴿فَإِذَا آَسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْمُرُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقد رُوي ذلك عن ابن عباس رضيًّا وغيره. ﴿سَتَجِدُونَ ءَاخِرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ فَوْمَهُمْ﴾ هم أناسٌ كانوا يأتون النبيَّ وَّهُ فيُسْلِمون رياءً، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أنْ يأمنوا نبيَّ الله ټ ویامنوا قومهم، فأبى الله تعالی ذلك عليهم. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: الآيةُ في حقِّ المنافقين. ﴿كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى اُلْفِئْنَةِ﴾ أي: دُعُوا إلى الشرك، كما رُوي عن السدِّي. وقيل: إلی قتال المسلمين ﴿ُزکِسُوا فيها﴾ أي: قُلبوا فيها أقبحَ قَلْبٍ وأَشْنعَه، يُروى عن ابن عباس أنَّه كان الرجل يقولُ له قومُه: بماذا آمنت؟ فيقول: آمنتُ بهذا القردِ والعقرب والخنفساءِ. ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُ﴾ بالكفّ عن التعرُّض لكم بوجهٍ ما ﴿وَيُلْقُواْ إِلَيْكُ السَّلَمَ﴾ أي: ولم يُلقوا إليكم الصلح والمهادنة ﴿وَيَكُفُواْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: ولم يَكْفُّوا أنفسهم عن قتالكم ﴿فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: وجدتُموهم وأَصَبْتُموهم، أو حیثُ تمگَّتُم منهم. وعن بعض المحفِّقين: أنَّ هذه الآية مقابِلةٌ للآيةِ الأولى، وبينهما تقابلٌ إمَّا بالإيجاب والسَّلب، وإمَّا بالعدم والملكة، لأنَّ إحداهما عدميّةٌ، والأُخرَى وجودیةٌ، وليس بينهما تقابلُ التضادِّ ولا تقابلُ التضايُفِ؛ لأنَّهما على ما قرَّروا لا يوجدان إلا بين أمرين وجوديَّين، فقوله سبحانه: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُن﴾ مقابلٌ لقوله تعالى: (١) القراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣١٨/٣. سُورَةُ الرسالة ٢٠٨ الآية : ٩١ ﴿فَإِنِ أَعْتَزَلُوكُمْ﴾. وقولُه جلَّ وعلا: ﴿وَيُلْقُوا﴾ مقابلٌ لقوله عزَّ شأنه: ﴿وَأَلْقَوْ﴾، وقوله جلَّ جلاله: ﴿وَيَكُفُّواْ﴾ مقابلٌ لقوله عزَّ مِن قائلٍ: ﴿فَلَمْ يُقَِلُوكُمْ﴾. والواو لا تقتضي الترتيب. فالمقدَّم مرَّبٌ من ثلاثة أجزاءٍ في الآيتين، وهي في الآية الأولى: الاعتزالُ، وعدمُ القتال، وإلقاءُ السَّلَّم. فبهذه الأجزاءِ الثلاثة تَمَّ الشرط، وجزاؤُه عدم التعرُّض لهم بالأخذ والقتل كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿َا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. وفي الآية الثانية: عدم الاعتزال، وعدمُ إلقاء السَّلَم، وعدم الكفّ عن القتال، فيهذه الأجزاء الثلاثة تمَّ الشرط وجزاؤُه الأخذُ والقتلُ المصرَّحُ به بقوله سبحانه ﴿فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُوهُمْ﴾، ومِن هذا يُعلم أنَّ(ويكفُّوا)) بمعنى: لم يكفُّوا، عُطِف على المنفيّ لا على النفي، بقرينة سقوط النون الذي هو علامة الجزم. وعطفُه على النفي والجزم بـ ((إن)) الشرطية لا يصحُّ لأنه يَستلزم التناقضَ؛ لأنَّ معنى (فإنْ لم يَعتزلوكم)»: إنْ لم يَكفُّوا، وإذا عطف ((ويكفُّوا)) على النفي يَلزَمُ اجتماع عدمِ الكفّ والكفِّ، وكلامُ الله تعالى منزَّةٌ عنه. وكذا لا يَصُّ كونُ قوله سبحانه: ((ويكفوا)) جملةً حالية، أو استئنافيةً بيانيةً أو نحويةً، لاستلزام كلِّ منهما التناقضَ، مع أنَّه يَقتضي ثبوت النون في (يكفوا)) على ما هو المعهود في مثله. وأبو حيان(١) جعلَ الجزاءَ في الأول مرتَّباً على شيئَين، وفي الثانيةِ على ثلاثةٍ، والسرُّ في ذلك الإشارةُ إلى مزيدٍ خَباثةٍ هؤلاء الآخرين. وكلامُ العلَّامة البيضاوي - بَيَّض الله تعالى غرَّة أحواله - في هذا المقام لا يَخلو عن تعقيد، وربَّما لا يوجد له مَحملٌ صحيح إلا بعد عنايةٍ وتكلَّف، فتأمَّل جداً(٢). ﴿وَأُوْلَكُمْ﴾ الموصوفونَ بما ذُكر من الصفات الشنيعة ﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا قُبِينًا ﴾﴾ أي: حَّةً واضحةً فيما أَمَرْناكم به في حقّهم؛ لظهور عداوتهم ووضوحٍ كفرهم وخَبائتهم، أو تسلُّطاً لاخفاءَ فيه حيثُ أَذِنَّا لكم في أخذهم وقتلهم. (١) في البحر ٣١٩/٣. (٢) ينظر تفسير البيضاوي ١٠٨/٢. الآية : ٩٢ ٢٠٩ وَرَةُ السَّةِ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ شروعٌ في بيان حال المؤمنین بعد بيان حال الكافرين والمنافقين. وقيل: لمَّا رغَّبَ سبحانه في قتال الكفار ذكر إثرَه ما يتعلَّق بالمحاربة في الجملة، أي: ما صحَّ له وليس من شأنه ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ بغير حقٌّ ﴿مُؤْمِنًا﴾ فإنَّ الإيمان زاجرٌ عن ذلك ﴿إِلَّا خَطَأْ﴾ فإنَّه ممَّا لا يكادُ يُحترزُ عنه بالكلية، وقلَّما يَخلو المقاتلُ عنه. وانتصابه إمَّا على أنَّه حالٌ، أي: ما كان له أنْ يَقتلَ مؤمناً في حالٍ من الأحوال إلا في حال الخطأ، أو على أنَّه مفعول له (١)، أي: ما كان له أنْ يقتله لعلَّةٍ من العلل إلا للخطأ، أو على أنَّه صفةٌ للمصدر، أي: إلا قتلاً خطأً. فالاستثناءُ في جميع ذلك مُفرَّغ، وهو استثناءٌ متَّصلٌ على ما يُفهمُه كلامُ بعض المحقّقين، ولا يلزمُ جوازُ القتل خطأً شرعاً، حيث كان المعنى: إنَّ من شأن المؤمن أنْ لا يقتل إلا خطأً. وقال بعضُهم: الاستثناء في الآية مُنقطعٌ، أي: لكنْ إنْ قَتَلَه خطأً فجزاؤه ما یذکر. وقيل: ((إلا)) بمعنى ((ولا))، والتقدير: وما كان لمؤمنٍ أنْ يقتل مؤمناً عمداً. ولا خطأً . وقيل: الاستثناء مِن ((مؤمنٍ))، أي: إلا خاطئاً، والمختارُ مع الفصل الكثير في مثل ذلك النصبُ. والخطأُ: ما لا يُقارنه القصدُ إلى الفعل أو الشخص، أو لا يُقصدُ به زهوقُ الروح غالباً، أو لا يُقصدُ به محظورٌ، كَرَمْي مسلمٍ في صفّ الكفار مع الجهل بإسلامه. وقُرئ: ((خطاءً» بالمؤِّ(٢)، و((خَطاً» بوزن عمِّى بتخفيف الهمزة(٣). أخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر عن السُّدي: أنَّ عياش بنَ أبي ربيعةَ المخزوميّ، وكان أخا أبي جهلٍ والحارثِ بنِ هشام لأُمِّهما، أسلمَ وهاجرَ إلى النبيِّ وَِّ، وكان أحبَّ ولد أمِّه إليها، فشقَّ ذلك عليها فحلفتْ أنْ لا يُظلَّها سقفُ بيتٍ حتى تراه، (١) في (م): به، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢/ ٢١٠، والكلام منه. (٢) القراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣٢١/٣. (٣) المحتسب ١٩٤/١، والبحر ٣٢١/٣. سُورَة المشكلة ٢١٠ الآية : ٩٢ فأقبل أبو جهل والحارث حتى قَدما المدينةَ فأخبرا عيَّاشاً بما لَقيتْ أمُّه، وسألاه أنْ يرجع معهما فتنظرَ إليه ولا يمنعاه أنْ يرجعَ، وأعطياه مَوثقاً أنْ يُخلِّيا سبيله بعد أنْ تراه أمُّه، فانطلقَ معهما حتى إذا خرجا من المدينة عَمَدًا إليه فشدَّاه وثاقاً وجلداه نحواً من مئةٍ جلدةٍ، وأعانهما على ذلك رجلٌ من بني كِنانة، فحلَفَ عيَّاشٌ ليقتلَنَّ الكنانيَّ إنْ قَدِر عليه، فقدما به مكة فلم يَزل محبوساً حتى فتح رسول الله وَلفي مكة، فخرجَ عياش فلَقِيَ الكنانيَّ وقد أسلم، وعیَّاش لا يَعلمُ بإسلامه، فضربه حتى قتله، فأُخبر بعد ذلك، فأتَى رسولُ اللهِ وَلّ فأَخبرَه الخبر فنزلت. وروي مثل ذلك عن مجاهد وعكرمة(١). وأخرج ابنُ جرير عن ابن زيد أنَّها نزلَتْ في رجلٍ قتله أبو الدرداء، كان في سريَّةٍ فعدَلَ أبو الدرداء إلى شعب يريدُ حاجةً له، فوجد رجلاً من القوم في غَنمٍ له، فحمل عليه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله، فبَدَرَ فضرَبَه، ثم جاء بغنمه إلى القوم، ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى النبيَّ وَ ﴿ فذكر ذلك له، فقال رسول الله وَلّى: ((ألا شقَقْتَ عن قلبه وقد أَخبرك بلسانه فلم تُصدِّقْه؟)) فقال: كيف بي يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (فکیف بلا إله إلا الله؟!۔ ۔ وتگرَّر ذلك - قال أبو الدرداء: فتمنَّيتُ أنَّ ذلك اليومَ مُبتدَأُ إسلامي، ثم نزل القرآن(٢). ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحِيُ رَقَّبَةٍ﴾ أي: فعليه، أو: فواجبُه تحريرُ رقبةٍ، والتحرير: الإعتاق، وأصلُ معناه: جعلُه حرًّا، أي: كريماً؛ لأنَّه يقال لكلِّ مُكرَّم: حرٌّ، ومنه: حرُّ الوجه للخدِّ، وأحرار الطير، وكذا تحريرُ الكتاب من هذا أيضاً. والمرادُ بالرقبة: النسمة، تعبيراً عن الكلِّ بالجزء، قال الراغب: إنَّها في المتعارف للمماليك كما يُعبَّر بالرأس والظهر عن المركوب، فيقال: فلان يربط كذا رأساً، وكذا ظهراً (٣). ﴿مُؤْمِنَةِ﴾ محكومٍ بإيمانها وإنْ كانت صغيرةً، وإلى ذلك ذهب عطاء. وعن ابن عباس والشعبيٍّ وإبراهيم والحسن: لا يُجزىُّ في كفارة القتل الطفلُ (١) تفسير الطبري ٣٠٦/٧-٣٠٨. (٢) تفسير الطبري ٣٠٩/٧. (٣) مفردات الراغب (رقب). الآية : ٩٢ ٢١١ سُورَةُ الشَكَاةِ ولا الكافرُ، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال: في حرف أَبيِّ: ((فتحريرُ رقبةٍ مؤمنة، لا يُجزئُّ فيها صبيٍّ))(١). وفي الآية ردٌّ على مَن زعم جوازَ عِثْقِ كتابيٍّ صغيرٍ، أو مجوسيٍّ كبير أو صغير، واستدل بها على عدم إجزاء نصفٍ رقبةٍ ونصف أخرى. ﴿وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ﴾ أي: مؤذَّاةٌ إلى ورثة القتيل يقتسمونها بينهم على حَسَبٍ الميراث، فقد أخرج أصحاب السُّنن الأربعة عن الضَّحَّاك بن سفيان الكِلابي قال: كتبَ إليَّ رسولُ اللهِوَّه يأمرُني أنْ أُورِّثَ امرأةَ أَشْيَمَ الضُّبَابِيِّ مِن عَقْل زوجها(٢). ويُقضَى منها الدَّين وتُنفَّذُّ الوصية، ولا فرقَ بينها وبين سائر الترِكّة. وعن شَرِيكٍ: لايُقضَى مِن الديَةِ دينٌ ولا تُنفَّذُ وصيةٌ. وعن ربيعة (٣): الغرَّةُ لأمّ الجنين وحدَها، وذلك خلافُ قول الجماعة (٤). وتجبُ الرقبة في مال القاتل، والدِّيَةُ تَتَحمَّلُها عنه العاقلة، فإنْ لم تكن فهي في بیت المال، فإن لم یکن ففي ماله. ﴿إِلَّ أَنْ يَضَذَّقُواْ﴾ أي: يتصدَّقَ أهلُه عليه، وسمَّى العفو عنها صدقةً حثًّا عليه، وقد أخرج الشيخان عن النبيِّ ◌َّهِ: (كلُّ معروفٍ صدقة)»(٥)، وهو متعلّقٌ بـ : عليه، المقدَّرِ قبلُ، أو بـ (مُسلَّمة))، أي: فعليه الديةُ - أو يُسلِّمُها - في جميع (١) مصنف عبد الرزاق (١٦٨٣١). (٢) سنن أبي داود (٢٩٢٧)، وسنن الترمذي (١٤١٥) وسنن النسائي الكبرى (٦٣٢٩)، وسنن ابن ماجه (٢٦٤٢)، وهو عند أحمد (١٥٧٤٥). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) ابن أبي عبد الرحمن القرشي التيمي مولاهم، المشهور بربيعة الرأي، مفتي المدينة، وعليه تفقَّه مالك، توفي سنة (١٣٦هـ). السير ٨٩/٦. ونقل المصنف قوله وقول شريك قبله عن الكشاف ١/ ٥٥٣. (٤) الكشاف ٥٥٣/١، وقد قال بقول ربيعة الليث أيضاً، كما ذكر ذلك عنهما ابن عبد البر في الاستذكار ٨٩/٢٥. والغرة هي العبد أو الأمة، وهي دية الجنين، قال ابن عبد البر في الاستذكار ٧٧/٢٥: لم تختلف الروايات عن النبي و 8 أنه قضى في الجنين سقط ميتاً بضرب بطن أمه، وهي حية حين رمته، بغرةٍ: عبدٍ أو أمةٍ. (٥) صحيح البخاري (٦٠٢١) من حديث جابر ظه، وصحيح مسلم (١٠٠٥) من حديث حذيفة سُورَةُ الشَكَاةِ ٢١٢ الآية : ٩٢ الأحيان إلا حين أنْ يَتصدَّقَ أهلُه بها، فحينئذٍ تَسقطٌ ولا يلزم تسليمها. وليس فيه - كما قيل - دلالةٌ على سقوطِ التحرير حتى يَلزمَ تقديرُ ((عليه)» آخَرَ قبلَ قوله: ((وديةٌ مُسلَّمَةٌ))، فالمنسبكُ في محلِّ نصبٍ على الاستثناء. وقال الزمخشريُّ: إنَّ المنسبكَ في محلِّ النصب على الحال من القاتل أو الأهل، أو الظرف(١). وتعقّبه أبو حيان بأنَّ كلا التخريجَين خطأٌ؛ لأنَّ ((أنْ)) والفعل لا يجوز وقوعهما حالاً ولا منصوباً على الظرفية كما نصَّ عليه النحاة (٢). وذُكر أنَّ بعضَهم اسْتَشْهَدَ على وقوع ((أنْ)) وصِلَتِها موقعَ ظرفِ الزمان بقوله: لِأَوَّلِ سهمٍ أَنْ يُلاقيَ مَجْمَعًا (٣) فقُلتُ لها لا تَنكحيهِ فإنَّه أي: لأوَّل سهمٍ زمانَ مُلاقاتِه، وابن مالك كما قال السفاقسي يُقدِّر في الآية والبيت حرفَ الجر، أي: بأنْ يَصَدَّقوا، وبأنْ يُلاقي. وقرأ أبيْ: ((إلا أنْ يَتَصدَّقوا))(٤). ﴿فَإِن كَانَ﴾ أي: المقتول خطأً ﴿مِن قَّوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ﴾ أي: كفارٍ يُناصبونكم الحربَ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ولم يَعلم به القاتلُ لكونه بين أَظْهُرِ قومه، بأنْ أتاهم بعد أنْ أسلمَ لمُهمِّ (٥)، أو بأنْ أَسلم فيما بينهم ولم يُفارقهم. (١) هذه عبارة البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٣/ ١٦٧، وقد تبع فيها الزمخشري في قوله بالحالية أو الظرفية، وعبارة الزمخشري في الكشاف ٥٥٣/١: ومحلّها (يعني المصدر من أن والفعل) النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم: اجلس ما دام زيد جالساً، ويجوز أن يكون حالاً من (أهله)) بمعنى: متصدقين. (٢) البحر ٣٢٣/٣-٣٢٤. (٣) البيت لتأبط شرًّا، وهو في ديوانه ص ١١٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٤٩١/٢. وفيهما: وقالوا لها ... لأول نصل .... ، وكان قد خطب امرأة فقيل لها: ما تصنعين برجل يُقتل عنك قريباً؛ لأن له في كل حيٍّ جناية. وقوله: لأول نصل، أي: يقتل بأول نصل، أي: في أول حرب يلقاها. (٤) القراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣٢٤/٣. (٥) في الأصل: لمتهم، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود، والكلام منه، وفيه: لمهم من المهمات. الآية : ٩٢ ٢١٣ سُؤَدَّةُ السَّةِ والآية نزلت - كما قال ابنُ جبير - في مرداس بن عمرو لمَّا قتله خطأً أسامةُ بن زید. ﴿فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: فعَلَى قاتله الكفارَةُ دون الدِّيَةِ؛ إذ لا وراثةً بينه وبين أهله. ﴿وَإِن كَانَ﴾ أي: المقتول المؤمنُ كما رُوي عن جابر بن زيد ﴿مِن قَّوْمٍ﴾ كفارٍ ﴿َبَيْتَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَنُ﴾ أي: عهدٌ مؤقَّتٌ أو مُؤَّبِدٌ ﴿فَدِيَةٌ﴾ أي: فعلى قاتله دِيَةٌ ﴿ُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ مِن أهل الإسلام إنْ وُجدوا، ولا تُدفع إلى ذوي قرابته مِن الكفار وإنْ كانوا معاهَدين؛ إذ لا يَرَثُ الكافرُ المسلمَ. ولعلَّ تقديم هذا الحكم - كما قيل - مع تأخير نظيره فيما سلَفَ؛ للإشعار بالمسارعةِ إلى تسليم الديّةِ تحاشياً عن توقُّمِ نقضٍ الميثاق. ﴿وَتَحْرِثُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٌ﴾ كما هو حكمُ سائر المسلمين. ولعلَّ إفرادَه بالذكر - كما قيل أيضاً - مع اندراجه في حكم ما سبَقَ في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا﴾ إلخ لبيانِ أنَّ كونَه فيما بين المعاهدين لا يَمنعُ وجوبَ الدّةِ كما منعه كونُه بین المحارِبین. وقيل: المرادُ بالمقتول هنا أحدُ أولئك القوم المعاهدين، فيلزمُ قاتله تحریرُ الرقبة، وأداءُ الدِّيَة إلى أهله المشركين؛ للعهد الذي بيننا وبينهم، ورُوي ذلك عن ابن عباس والشعبيٍّ وأبي مالك. واستُدلَّ بها على أنَّ دِيَةً المسلم والذميِّ سواءٌ؛ لأنه تعالى ذكر في كلِّ الكفارةَ والديةَ، فيجب أنْ تكون ديتُهما سواءً كما أنَّ الكفارة عنهما سواءٌ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: بلغَنا أنَّ ديةَ المعاهَد كانت كديّةِ المسلم ثم نقصت بعدُ في آخر الزمان فجُعلَتْ مثلَ نصف ديةِ المسلم (١). وأخرج أبو داود عن عمرو بنٍ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: أنَّ ديةَ أهل الكتاب كانت على عهد النبيِّ وَِّ النصفَ من ديّةِ المسلمين(٢). وبذلك أخذ مالك. (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٠٣٥/٣. (٢) سنن أبي داود (٤٥٨٣) بنحوه، وأخرجه بنحوه أيضاً ابن ماجه (٢٦٤٤). سُورَةُ النَّسَاءِ ٢١٤ الآية : ٩٢ عظُبه ديةُ اليهوديِّ والنصرانيّ نصفُ ديَّةِ المسلم، وديَةُ المجوسيِّ وعن الشافعى ثلثا عشرِها . وزَعم بعضُهم وجوبَ الدية أيضاً فيما إذا كان المقتول من قومٍ عدوٍّ لنا وهو مُؤمِنٌ؛ لعموم الآية الأولى، وأنَّ السكوت عن الديةِ في آيته لا ينفيها، وإنما سكتَ عنها؛ لأنَّه لا يجبُ فيه ديةٌ تُسلَّمُ إلى أهله؛ لأنَّهم كفارٌ، بل تكون لبيت المال، فأرادَ أنْ يُبيِّنَ بالسكوت أنَّ أهله لا يَستحقُّون شيئاً. وقال آخرون: إنَّ الديةَ تجب في المؤمن إذا كان من قومٍ معاهَدين، وتُدفع إلى أهله الكفار وهم أحقُّ بديته لعهدهم. ولعلَّ هؤلاء لا يَعُدُّونَ ذلك إرثاً، إذ لا يَرِثُ الكافرُ ۔ ولو معاهَداً - المسلمَ كما بُرهنَ عليه. ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ رقبةً يُحرِّرُها، بأنْ لم يَملكُها، ولا ما يُتوصَّل به إليها من الثمن ﴿فَصِيَامُ﴾ أي: فعليه صيام ﴿شَهْرَيْنِ مُتَنَابِعَيْنٍ﴾ قال مجاهد: لا يُفطِرُ فيهما ولا يَقطعُ صيامَهما، فإنْ فعل مِن غيرِ مرضٍ ولا عُذرٍ استقبل صيامَهما جميعاً، فإنْ عَرَضَ له مرضٌ أو عذرٌ صام ما بقي منهما، فإنْ مات ولم يَصُم أُطعم عنه ستون مِسكيناً، لكلِّ مسكينٍ مدٌّ، رواه ابن أبي حاتم. وأَخرجَ عنه أيضاً أنَّه قال: فمَن لم يَجد ديةً أو عَتَاقةً فعليه الصوم(١). وبه أَخذَ مَن قال: إنَّ الصوم لفاقدِ الديّةِ والرقبة يَجزيه عنهما . والاقتصارُ على تقدير الرقبة مفعولاً هو المرويُّ عن الجمهور، وأخرج ابن جرير عن الضَّحاك أنَّه قال: الصيامُ لِمَن لم يَجد رقبةً، وأمَّا الدية فواجبةٌ لا يُبطلها شيءٌ. ثم قال: وهو الصواب؛ لأنَّ الديةَ في الخطأ على العاقلة، والكفَّارة على القاتل، فلا يُجزئُّ صومُ صائمٍ عمَّا لزم غيرَه في ماله(٢). واستدلَّ بالآية مَن قال: إنَّه لا إطعام في هذه الكفارة. ومَن قال: ينتقل إليه عند العجز عن الصوم، قاسَهُ على الظُّهار، وهو أحدُ قولَين للشافعيِّ رحمه الله تعالی. (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٠٣٥/٣-١٠٣٦. (٢) تفسير الطبري ٧/ ٣٣٤-٣٣٥. الآية : ٩٣ ٢١٥ سُورَةُ الشَّةِ وبذكر الكفَّارة في الخطأ دونَ العمد مَن قال أنْ لا كفارةَ في العمد، والشافعيُّ يقول: هو أَولَى بها من الخطأ . ﴿تَوْبَةٌ﴾ نُصبَ على أنَّه مفعولٌ له، أي: شَرَع لكم ذلك توبةً، أي: قبولاً لها، مِن تَاب الله تعالى عليه: إذا قَبِلَ توبتَه، وفيه إشارةٌ إلى التقصير بترك الاحتياط. وقيل: التوبةُ هنا بمعنى التخفيف، أي: شَرَع لكم هذا تخفيفاً عليكم. وقيل: إنَّه منصوبٌ على الحالية مِن الضمير المجرور في ((عليه)) بحذف المضاف، أي: فعلیہ صیامُ شھرین حال کونه ذا توبةٍ. وقيل: على المصدريَّة، أي: تاب عليكم توبةً. وقوله سبحانه: ﴿مِّنَ اللَّهُ﴾ مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ وَقَع صفةً للنكرة، أي: توبةً كائنةً من الله تعالى. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بجميع الأشياء التي من جُملتها حالُ هذا القاتل ﴿حَكِيمًا (®﴾ في كلِّ ما شَرَع وقضَى من الأحكام التي مِن جملتها ما شَرَع وقضی في شأنه. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ بأنْ يَقصدَ قتله بما يفرِّق الأجزاء، أو بما لا يُطيقه البتة، عالماً بإيمانه، وهو نصبٌ على الحال من فاعل ((يقتل))، ورُوي عن الكِسائي أنَّه سكّن التاء(١)، وكأنَّه فَرَّ من توالي الحركات. ﴿فَجَزَآؤُهُ﴾ الذي يَستحقُّه بجنايته ﴿جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ أي: ماكئاً إلى الأبد، أو مُكثاً طويلاً إلى حيث شاء الله تعالى، وهو حالٌ مقدَّرةٌ مِن فاعلٍ فعلٍ مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ، كأنَّه قيل: فجزاؤه أنْ يدخلَ جهنَّمَ خالداً. وقال أبو البقاء: هو حالٌ مِن الضمير المرفوع أو المنصوب في ((يُجزاها)) المقدَّر. وقيل: هو من المنصوب لا غير، ويُقدَّر: جازاه، وأُيِّد بأنَّه أنسب بعطف ما بعدَه عليه لموافقته له صيغةً. ومُنع جعلُه حالاً من الضمير المجرور في ((فجزاؤه)) (١) القراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣٢٧/٣. سُورَةُ المَشَكَاةِ ٢١٦ الآية : ٩٣ لوجهَين: أحدهما: أنَّه حالٌ من المضاف إليه، وثانيهما: أنَّه فصلٌ بين الحال وذِيها بخبرِ المبتدأ(١). وقوله سبحانه: ﴿وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ تَدلُّ عليه الشَّرطيةُ دلالةٌ واضحةً، كأنَّه قيل بطريقِ الاستئناف تقريراً لمضمونها: حكّمَ الله تعالى بأنَّ جزاءه ذلك، وغضبَ عليه، أي: انتقم منه، على ما عليه الأشاعرة. ﴿وَلَعَنَّهُ﴾ أي: أبعدَه عن رحمته بجَعْلٍ جزائه ما ذُكر. وقيل: هو وما بعده معطوفٌ على الخبر بتقدير ((أنْ)) وحَمْلِ الماضي على معنَى المستقبل، أي: فجزاؤه جهنّمُ وأنْ يغضب الله تعالى عليه، إلخ. ﴾﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُه، والآيةُ كما أخرج ابن ﴿وَأَعَذَّ لَهُ, عَذَابًا عَظِيمًا أبي حاتم عن ابن جبير نزلَتْ في مِقْيَس بن ضبابة الكِناني(٢) أنَّه أسلَم هو وأخوه هشامٌ وكانا بالمدينة، فوجَدَ مِقْيس أخاه هشاماً ذات يوم قتيلاً في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبيِّ فأخبره بذلك، فأرسل رسول الله وَالله رجلاً من قريش من بني فِهْر ومعه مِقْيَس إلى بني النجار، ومنازلُهم يومئذ بقباء، أَنِ ادفعوا إلى مقيس قاتلَ أخيه إنْ علمتُم ذلك، وإلا فادفعوا إليه الديّةَ، فلمَّا جاءهم الرسول قالوا: السمعُ والطاعةُ لله تعالى وللرسولِ وَّه، واللهِ تعالى ما نَعلَمُ له قائلاً ولكنْ نُؤدِّي الديَّةَ. فدفعوا إلى مقيس مئةً من الإبل دِيَةً أخيه، فلمَّا انصرف مقيس والفهري راجعَين من قباء إلى المدينة، وبينهما ساعة، عَمَدَ مقيس إلى الفِهريِّ رسول رسولِ اللهِوٌَّ فقتله وارتدَّ عن الإسلام، وفي رواية أنَّه ضربَ به الأرض وفضّخَ رأسه بين حجرَين وركبَ جملاً من الدية وساقَ معه البقية ولَحِقَ بمكة، وهو يقول في شعر له: سَراءَ بني النجارِ أرباب فارِعٍ قَتلتُ به فِهراً وحمَّلتُ عَقْلَهُ وكُنتُ إلى الأوثانِ أولَ راجعٍ وأدرَكتُ ثأري واضطجعتُ مُوسَّداً (١) الإملاء ٣٠٦/٢. (٢) في حاشية (م): وهو الذي قتل متعلقاً بأستار الكعبة يوم الفتح. اهـ منه. وضبابة قال ابن دريد: بالضاد المعجمة، وقال الحافظ في الإصابة ٢٤٥/١٠: هو بضم المهملة وموحَّدتين عند أكثر أهل اللغة. ووقع في المحرر الوجيز ٩٥/٢، والقاموس وشرحه: حبابة بالحاء. الآية : ٩٣ ٢١٧ سُورَةُ المشكلة فنزلت هذه الآية (١) مشتملةً على إبراقٍ وإرعادٍ، وتهديدٍ شديدٍ وإبعادٍ، وقد تأيَّدتْ بغير ما خبرٍ وَرَدَ عن سيد البشرِله. فقد أخرج أحمدُ والنَّسائيُّ عن معاوية: سمعتُ رسول الله ێ يقول: «كلُّ ذنب عسى الله تعالى أنْ يَغفرَه إلا الرجلُ يموتُ كافراً أو الرجل يَقْتُلُ مؤمناً متعمِّداً))(٢). وأخرج ابنُ المنذر عن أبي الدرداء مثله(٣). وأخرج ابنُ عديٍّ والبيهقيُّ عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((مَن أعان على دم امرىءٍ مسلمٍ بشَظْرِ كلمة، كُتب بين عينَيْه يوم القيامة: آيِسٌ من رحمة الله تعالي))(٤). وأخرجا عن البراء بن عازب أنَّ النبيَّ وَّه قال: «لَزَوالُ الدنيا وما فيها أهونُ عند الله تعالى من قَتلِ مؤمنٍ، ولو أنَّ أهلَ سماواته وأهلَ أرضه اشتركوا في دم مؤمنٍ لأدخلهم الله تعالى النار))(٥). وفي رواية الأصبهاني عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: «لو أنَّ الثقلَين (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٠٣٧/٣-١٠٣٨، وأخرجه الطبري ٧/ ٣٤١ وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ٢/ ٧٦٠ عن ابن جريج، وأخرجه ابن بشكوال أيضاً من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وسمَّى الفهري: زهير بن عياض، وهو من المهاجرين الأُوّل. وفارع: حصن بالمدینة. معجم البلدان ٢٢٨/٤ . (٢) مسند أحمد (١٦٩٠٧)، وسنن النسائي (المجتبى) ٨١/٧. (٣) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢/ ١٩٧، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٢٧٠)، وابن حبان (٥٩٨٠). (٤) شعب الإيمان (٥٣٤٦)، وهو في الكامل لابن عدي ٢٧١٤/٧-٢٧١٥ من حديث أبي هريرة ، وحديث أبي هريرة أخرجه أيضاً ابن ماجه (٢٦٢٠)، وإسناده ضعيف كما في مصباح الزجاجة ٢/ ٨٣. (٥) الكامل ١٠٠٤/٣، والشعب (٥٣٤٤)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٢٦١٩)، وليس عندهم قوله: ((ولو أن أهل سماواته ... )). قال المنذري في الترغيب والترهيب ٢٥٦/٣: رواه ابن ماجه بإسناد حسن، ورواه البيهقي والأصبهاني وزاد فيه: ((ولو أن أهل سماواته ... )). وله شاهد دون هذه الزيادة من حديث بريدة ﴿ عند النسائي ٨٣/٧، وآخر من حديث عبد الله بن عمرو ﴿يا أخرجه الترمذي (١٣٩٥)، والنسائي ٧/ ٨٢ مرفوعاً وموقوفاً، وقال الترمذي عن الموقوف: وهذا أصح من المرفوع. سُورَةُ السَّلة ٢١٨ الآية : ٩٣ اجتمعوا على قَتلِ مؤمنٍ لأكبَّهم الله تعالى على مناخرِهم في النار، وإنَّ الله تعالى حرَّم الجنةَ على القاتل والآمر))(١). واستَدلَّ بذلك ونحوِهِ من القوارع المعتزلةُ على خلود مَن قَتَلَ مؤمناً متعمِّداً في النار. وأجابَ بعضُ المحفِّقين: بأنَّ ذلك خارجٌ مَخرجَ التغليظ في الزَّجْر، لا سيَّما الآية لاقتضاءِ النظم له فيها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَّرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] في آية الحجِّ، وقوله وَّه للمقداد بن الأسود كما في الصحيحَين حين سأله عن قتلٍ مَن أَسلَم من الكفار بعد أنْ قطع يدَه في الحرب: ((لا تَقْتُلْه فإنْ قَتلْتَه فإنَّه بمنزلتك قبل أنْ تقتلَه، وإنَّك بمنزلته قبلَ أنْ يقولَ الكلمةَ التي قال))(٢). وعلى ذلك يُحمل ما أخرجه عبدُ بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله وَّ: (ازلتُ ربي في قاتل المؤمن أنْ يَجعلَ له توبةً فأَبَى عَلَيَّ)» (٣)، وما أخرجَه عن سعيد بن مينا(٤) أنَّه قال: كنتُ جالساً بجَنْب أبي هريرة ◌َُبه إذ أتاه رجلٌ فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو، لا يدخل الجنةَ حتى يَلِجَ الجملُ في سَمِّ الخياطُ. وشاعَ القولُ بنفي التوبة عن ابن عباس، وأخرجَه غيرُ واحدٍ عنه(٥)، وهو محمولٌ على ما ذكرنا، ويُؤيِّد ذلك ما أخرجَه ابنُ حميد والنَّحاسُ عن سعد(٦) بن (١) عزاء للأصبهاني السيوطي في الدر المنثور ١٩٩/٢. وله دون قوله: ((وإن الله حرم الجنة على القاتل والآمر)) شواهد لكن بأسانيد ضعيفة عند الترمذي (١٣٩٨) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، والطبراني في الأوسط (١٤٤٣) من حديث أبي هريرة، وفي الصغير (٥٦٥) من حديث أبي بكرة، وينظر مجمع الزوائد ٧/ ٢٩٧. (٢) صحيح البخاري (٤٠١٩)، وصحيح مسلم (٩٥). (٣) الدر المنثور ٢/ ١٩٧، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٩/ ٣٥٧. (٤) في الأصل و(م): عينا، والصواب ما أثبتناه، وهو موافق لما في الدر المنثور ٢/ ١٩٧ وعنه نقل المصنف. وفي التهذيب ٢/ ٤٧: سعيد بن مينا المكي، ويقال: المدني، أبو الوليد، روى عن عبد الله بن الزبير وجابر وأبي هريرة وغيرهم، قال ابن معين وأبو حاتم: ثقة. (٥) أخرجه عنه أحمد (١٩٤١)، والبخاري (٤٧٦٤)، ومسلم (٣٠٢٣): (١٩). (٦) في الأصل و(م): سعيد، والمثبت هو الصواب. الآية : ٩٣ ٢١٩ سُورَةُ المشكاة عبيدة: أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقول: لِمَن قتل مؤمناً توبةٌ. فجاءَه رجلٌ فسأله: أَلِمَنْ قَتَل مؤمناً توبةٌ؟ قال: لا، إلا النار. فلمَّا قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنتَ هكذا تُفتينا، كنتَ تُفتينا أنَّ لِمَن قَتَل مؤمناً توبةً مقبولةً فما شأنُ هذا اليوم؟ قال: إنِّي أظنُّه رجلاً مُغضباً يُريدُ أنْ يقتل مؤمناً، فبعثوا في أَثرِه فوجدوه كذلك(١). وكان هذا أيضاً شأنُ غيره من الأكابر، فقد قال سفيان: كان أهلُ العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبةً له، فإذا ابتُليَ رجلٌ قالوا له: تُب. وأجابَ آخرون: بأنَّ المرادَ من الخلود في الآية المكثُ الطويل لا الدوام، لتظاهُرِ النصوص الناطقةِ بأنَّ عصاةَ المؤمنين لا يدومُ عذابُهم، وأخرج ابنُ المنذر عن عون بن عبد الله أنَّه قال: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إنْ هو جازاه(٢). ورُوي مثله بسندٍ ضعيفٍ عن أبي هريرة ◌ُه مرفوعاً إلى النبيِّ ◌ََّ (٣). قيل: وهذا كما يقول الإنسان لِمَن يَزجرُه عن أمرٍ: إنْ فعلتَه فجزاؤك القتل والضرب، ثم إنْ لم يُجازِه لم يكن ذلك منه كذباً . والأصلُ في هذا على ما قال الواحدي: أنَّ الله عز وجل يَجوزُ أنْ يُخلفَ الوعيدَ وإنْ امتنعَ أنْ يُخلف الوعدَ، وبهذا ورَدَت السنة(٤). ففي حديث أنس ﴿ه، أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((مَن وعدَه الله تعالى على عمله ثواباً فهو مُنجزُه له، ومَن أَوعدَه على عمله عقاباً فهو بالخيار))(٥). ومِن أَدعية الأئمةِ الصادقينَ ﴿ه: يا مَن إذا وَعدَ وفا، وإذا تَوَّدَ عفا. وقد افتخرت العربُ بخُلْفِ الوعيد، ولم تَعُدَّه نقصاً كما يدلُّ عليه قوله: (١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٢٣/٢-٢٢٤، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ١٩٨/٢، وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٢. (٢) الدر المنثور ١٩٧/٢. (٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٦٠٦)، وابن أبي حاتم ١٠٣٨/٣. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/٧: فيه محمد بن جامع العطار، وهو ضعيف. (٤) الوسيط ١/ ١٠٠ . (٥) أخرجه أبو يعلى (٣٣١٦)، والبزار (٣٢٣٥ - كشف). قال الهيثمي ٢١١/١٠: فيه سهيل بن أبي حازم، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. سُورَةُ السَّاء ٢٢٠ الآية : ٩٣ وإِنِّي إذا أَوعدْتُه أو وَعَدْتُه لَمُخْلِفُ إِيعادي ومُنْجِزُ مَوْعِدي(١) واعتُرضَ بأنَّ الوعيدَ قِسمٌ من أقسام الخبر، وإذا جاز الخُلف فيه - وهو كذبٌ - لإظهار الكرم، فَلِمَ لا يجوز في القصصِ والأخبار لغرضٍ من الأغراض، وفتحُ ذلك البابِ يُفضي إلى الطعنِ في الشرائع كلِّها. والقائلون بالعفو عن بعض المتوَّدين، مِنهم مَن زَعَم أنَّ آياتِ الوعيد إنشاءٌ، ومنهم مَن قال: إنَّها أخبار إلا أنَّ هناك شرطاً محذوفاً للترهيب، فلا خُلف بالعفو فيها . وقال شيخ الإسلام: والتحقيقُ أنَّه لا ضرورةً إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل؛ لأنَّه إخبارٌ منه تعالى بأنَّ جزاءه ذلك لا بأنَّه يَجزيه، كيف لا وقد قال عزَّ وجل: ﴿وَجَزَّوُاْ سَنْتَمْ سِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ولو كان هذا إخباراً بأنَّه سبحانه يَجزي كلَّ سيئةٍ بمثلها لَعارضَهُ قوله جلَّ شأنه: ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥](٢). وهذا مأخوذٌ مِن كلام أبي صالح وبكرِ بن عبد الله. واعترضَه أبو علي الجبائيّ بأنَّ ما لا يُفعل لا يُسمَّى جزاءً، ألا تَرَى أنَّ الأجيرَ إذا استحقَّ الأُجرةَ فالدراهم التي عند مُستأجِرٍوٍ لا تُسمَّى جزاءً ما لم تُعطّ له وتَصِلْ إليه؟ وتعقّبه الطبرسيُّ بأنَّ هذا لا يصحُّ؛ لأنَّ الجزاءَ عبارةٌ عن المستحَقُّ سواءٌ فُعِلَ أم لم يُفْعَل، ولهذا يقال: جزاءُ المحسن الإحسانُ، وجزاءُ المسيء الإساءةُ، وإنْ لم يَتعيَّن المحسنُ والمسيء حتى يقال: فُعلَ ذلك معهما أو لم يُفعل، ويقال لِمَن قَتَل غيره: جزاءُ هذا أنْ يُقتلُ، وهو كلامٌ صادقٌ وإنْ لم يُفعل القتل، وإنَّما لا يقال للدراهم: إنها جزاء الأجير؛ لأنَّ الأجير إنما يستحقُّ الأُجرةَ في الذمة لا في الدراهم المعينة، فللمستأجر أنْ يُعطيَه منها ومن غيرها(٣). واعتُرض بأنَّا سلَّمنا أنَّه لا يلزمُ في الجزاء أنْ يُفعلَ إلا أنَّ كثيراً من الآيات كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقْ (١) البيت لعامر بن الطفيل، وهو في ديوانه ص٥٨. (٢) تفسير أبي السعود ٢١٧/٢-٢١٨. (٣) مجمع البيان٥/ ١٩٥ - ١٩٦.