Indexed OCR Text

Pages 141-160

الآية : ٧٥
١٤١
سُورَةُ السَّةِ
واستُبعد بأنَّ تخليصهم سبيلُ الله تعالى لا سبيلُهم.
وفيه أنَّه وإنْ كان سبيلُ الله عزَّ اسمُه له نوعُ اختصاصٍ بهم، فلا مانع من
إضافته إليهم.
واحتمالُ أنْ يُراد بالمقاتَلَةِ في سبيلهم المقاتلةُ في فتح طريق مكة إلى المدينة،
ودفعٍ سدِّ المشركين إياه ليتَهيَّأ خروج المستضعفين = مستضعفٌ جداً.
وإما عطفٌ على ((سبيل» بحذفٍ مضافٍ، وإليه ذهب المبرِّد، أي: وفي خلاصٍ
المستضعفين .
ويجوز نصبه بتقدير: أعني، أو: أخصُّ، فإنَّ سبيلَ الله تعالی یَعمُّ أبوابَ
الخير، وتخليصُ المستضعفين مِن أيدي المشركين مِن أَعظمها وأخصِّها.
ومعنى المستضعَفين: الذين طَلَب المشركون ضعفَهم وذلَّهم، أو الضعفاءُ منهم
والسين للمبالغة.
﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ﴾ بيانٌ للمستضعفين، وهم المسلمون الذين بقُوا بمكة
لمنع المشركين لهم من الخروج، أو ضَعْفِهم عن الهجرة.
وعن ابن عباس ﴿: كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين. وقد ذُكر أنَّ منهم
سلمةَ بن هشام، والوليدَ بن الوليد، وأبا جندل بن سهيل.
وإنَّما ذُكر الولدان تكميلاً للاستعطاف والتنبيه على تناهي ظلم المشركين،
والإيذان بإجابة الدعاء الآتي، واقتراب زمان الخلاص، وفي ذلك مبالغةٌ في الحثّ
على القتال، ومِن هنا يُعلم أنَّ الآية لا تصلحُ دليلاً على صحَّة إسلام الصبيِّ، بناءً
على أنَّه لولا ذلك لَمَا وجب تخليصُهم، على أنَّ في انحصار وجوبِ التخليصِ في
المسلم نظراً؛ لأنَّ صبيَّ المسلم يُتوقَّع إسلامُه، فلا يَبْعُد وجوبُ تخليصِه لینال
مرتبة (١) السعداء.
وقيل: المرادُ بالولدان العبيدُ والإماء.
(١) في الأصل: رتبة.

سُورَةُ السَّاةِ
١٤٢
الآية : ٧٥
وهو على الأول جمعُ وليدٍ ووليدة، بمعنى: صبيٍّ وصبيةٍ، وقيل: إنه جَمْعُ ولدٍ
كـ : وَرَلٍ ووِزْلان(١)، وعلى الثاني كذلك أيضاً إلا أنَّ الوليد والوليدة بمعنى
العبد والجارية.
وفي ((الصحاح)): الوليد: الصبيُّ والعبد، والجمع وِلدان [ووٍلْدَةٌ]، والوليدة:
الصبيةُ والأمة، والجمع وَلائد(٢). فالتعبيرُ بالولدان على طريق التغليب ليشمل
الذكور والإناث.
﴿الَّذِينَ﴾ في محلٌّ جرٍّ على أنَّه صفةٌ للمستضعفين، أو لِمَا في حيِّز البيان،
وجُوِّز أنْ يكونَ نصباً بإضمار فعلٍ، أي: أعني أو أَخصّ.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِ أَهْلُهَا﴾ بالشرك الذي هو ظلمٌ عظيمٌ،
وبأذيَّة المؤمنين ومنعِهم عن الهجرة، والوصفُ صفةُ ((قريةٍ) وتذكيرُه لتذكيرِ ما أُسند
إليه، فإنَّ اسم الفاعل والمفعولِ إذا أُجري على غير مَن هو له فتذكيرُه وتأنيثُه على
حَسَبِ الاسم الظاهر الذي عمل فيه.
ولم يُنسب الظلم إليها مجازاً كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةْ
بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨] وقوله سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ
مُظْمَبِنَّةٌ﴾ إلى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] لأنَّ المرادَ بها
مكةُ كما قال ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم، فَوُقْرَتْ عن نسبة الظلم إليها
تشريفاً لها شرَّفها الله تعالى.
﴿وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا﴾ يلي أمرَنا حتى يُخلِّصَنا مِن أيدي الَّلَمة، وكِلَا
الجارَّين مُتعلِّقٌ بـ ((اجعل)) لاختلاف مَعْنَيَيْهِما، وتقديمُهما على المفعول الصريحِ
لإظهار الاعتناء بهما، وإبرازِ الرغبة في المؤخَّر بتقديم أحواله.
وتقديمُ اللام على ((مِن)) للمسارعة إلى إبراز كونِ المسؤول نافعاً لهم مرغوباً فيه
لديهم. وجُوِّز أنْ يكون ((مِن لدنك)) متعلِّقاً بمحذوفٍ وقَعَ حالاً من ((وليًّا)).
(١) الورل: دابة على خِلْقة الصب، إلا أنه أعظم منه، أو هو العظيم من أشكال الوزغ. معجم
متن اللغة (ورل).
(٢) الصحاح (ولد)، وما بين حاصرتين منه.

سُورَةُ النِّسَاءِ
١٤٣
التفسير الإشاري (٥٨-٧٥)
﴾ أي: حجَّةً ثابتةً.
٧٥
وكذا الكلام في قوله تعالى: ﴿وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا
قاله عكرمة ومجاهد. وقال ابن عباس ﴿ها: المرادُ: ولِّ علينا والياً مِن المؤمنين
يُوالينا ويقومُ بمصالحنا، ويَحفظُ علينا دينَنا وشرعَنا، ويَنصرُنا على أعدائنا.
ولقد استجاب الله تعالى شأنه دعاءهم، حيث يَسَّر لبعضهم الخروجَ إلى
المدينة، وجعَلَ لِمَن بقيَ منهم خيرَ وليٍّ وأعزَّ ناصرٍ، ففتح مكة على يدي نبيه ێ(،
فتولَّاهم أيَّ تولّ، ونصرَهم أيَّ نُصرة، ثم استعمل عليهم عَّاب بنَ أسيد، وكان
ابن ثماني عشرة سنة، فحماهم ونصرَهم حتى صاروا أعزَّ أهلها .
وقيل: المرادُ: اجعل لنا مِن لدنك ولايةً ونُصرةً، أي: كنْ أنت وليّنا وناصرَنا.
وتكريرُ الفعل ومُتعلِّقيه للمبالغة في التضرع والابتهال.
هذا ومِن باب الإشارة في الآيات: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
أمرٌ للعارفين أن يُظهروا ما كوشفوا به من الأسرار الإلهية لأمثالهم، ويكتموا ذلك
عن الجاهلين، أو أنْ يُؤْدُّوا حقَّ كلِّ ذي حقِّ إليه، فيُعطوا الاستعدادَ حقَّه والقوى
حقَّها، وآخِرُ الأمانات أداءً أمانةُ الوجودِ، فليؤدِّه العبدُ إلى سيده سبحانه، ولْيَفْنَ فيه
عزَّ وجل.
﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ﴾ بالإرشاد، ولا يكونُ إلا بعد الفناءِ والرجوعِ إلى
البقاء، فاحكموا بالعدل، وهو الإفاضة حَسْبَ الاستعداد.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ الَّهَ﴾ بتطهير كعبةٍ تَجَلِّيهِ - وهو القلبُ - عن أصنام
السّوى ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ بالمجاهَدةِ وإتعاب البدن بأداء رسومِ العبادة التي شَرَعها
لكم ﴿وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكٌ﴾ وهم المشايخُ المرشدون، بامتثال أمرهم فيما يَرونه صلاحاً
لكم وتهذيباً لأخلاقكم.
وربّما يقال: إنَّه سبحانه جَعَلَ الطاعة على ثلاث مراتبَ، وهي في الأصل تَرجُ
إلى واحدةٍ، فمَنْ كان أهلاً لبساط القربة وفَهْمِ خطابٍ الحقِّ بلا واسطةٍ - كالقائل:
أَخذتُم عِلْمَكم ميتاً عن ميتٍ، ونحن أخذناه من الحيِّ الذي لا يموت - فليطلع الله

سُورَةُ الشَّكَّةِ
١٤٤
التفسير الإشاري (٥٨-٧٥)
تعالى بمراده وليتمثّل ما فهمه منه، ومَن لم يبلغ هذه الدرجة فليرجع إلى بيان الواسطة
العظمَى وهو الرسول وَ ل﴿، إنْ فهمَ بيانَه أو استطاعَ الأخذَ منه كبعض أهل الله تعالى،
وليُطِعْهُ فيما أمر ونَهَى، ومَن لم يبلغ إلى(١) هذه الدرجة فليَرْجِعْ إلى بيان أكابرٍ علماء
الأمة، وليتقيَّد بمذهبٍ من المذاهب، وليقفْ عنده في الأوامر والنواهي.
﴿فَإِن تَعْثُمْ فِ شَىْءٍ﴾ أنتم والمشايخ، وذلك في مبادي السلوك حيث النفسُ
قويةٌ ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ تعالى ﴿وَالرَّسُولُ﴾، فارجعوا إلى الكتاب والسنَّة، فإنَّ
فيهما ما يزيل النزاع عبارةً أو إشارةً، أو إذا وقعَ عليكم حكمٌ من أحكام الغيب
المتشابهة، وظهرَ في أسراركم معارضاتُ الامتحان، فارجعوا إلى خطاب الله تعالى
ورسوله وَل﴾، فإنَّ فيه بحارَ علوم الحقائق، فكلُّ خاطرٍ لا يوافق خطابَ الله تعالى
ورسوله گچ فهو مردودٌ.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ مِن عِلْم التوحيد ﴿وَمَّ
أُنْزِلَ مِن قَبْلِكٌ﴾ مِن علم المَبدأ والمعاد ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّهُوتِ﴾ وهو
النفسُ الأمَّارةُ الحاكمةُ بما تُؤدِّي إليه أفكارُها الغيرُ المستندةِ إلى الكتاب والسنَّة
﴿وَقَدْ أُمِرُوّا أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ ويخالفوه، إنَّ النفس الأمارةٌ بالسوء إلا مَن رحم ربي
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ وهو الطاغوتُ ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ وهو الانحرافُ عن
الحقِّ.
﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم ◌ُصِيبَةٌ﴾ وهي مصيبةُ التحيُّرِ وفَقْدِ الطريق المُؤْصِلِ ﴿يِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ مِن تقديم أفكارهم الفاسدةِ وعدم رجوعهم إليك، ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّ إِحْسَنًا﴾ بأنفسنا لتَمَرُّنها على التفكُّرِ حتى يكونَ لها ملكةُ
استنباطِ الأسرارِ والدقائق من عباراتك وإشاراتك ﴿وَتَوْفِيفًا﴾ أي: جمعاً بين العقل
والنقل، أو بين الخصمَين بما يقرِّب مِن عقولهم، ولم نُرِد مخالفتك.
﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اَللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ مِن رَيْن الشكوك، فيجازيهم على
ذلك يوم القيامة ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تقبل عُذرهم ﴿وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ
قَوْلاً بَلِيمًا﴾ مؤثِّراً لِيَرْتَدعوا، أو كلِّمهم على مقادير عقولهم ومتحمَّل طاقتهم.
(١) قوله: إلى، ليس في الأصل.

سُورَةُ الشَّةِ
١٤٥
التفسير الإشاري (٥٨-٧٥)
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ باشتغالهم بحظوظها ﴿حَاءُوَكَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهُ﴾
طلبوا منه سْرَ صفاتٍ نفوسهم التي هي مصادرُ تلك الأفعال ﴿وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ
الرَّسُولُ﴾ بإمداده إياهم بأنوار صفاته ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا زَّحِيمًا﴾ مُطهِّراً لنفوسهم
مُفيضاً عليها الكمالَ اللَّائق بها .
وقال ابن عطاء في هذه الآية: أي: لو جَعَلوك الوسيلة لديَّ لوصلوا إليَّ.
﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ
®﴾ قال بعضُهم: أَظْهَرَ الله في هذه الآية على حبيبه
حَرَّجًا مِمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
خِلْعةً مِن خلع الربوبية، فجعل الرضا بحكمه ساءً أم سرَّ سبباً لإيمان المؤمنين،
كما جعل الرضا بقضائه سبباً لإيقان الموقنين، فأسقطّ عنهم اسمَ الواسطة؛ لأنَّه ◌ِهـ
مُتَّصفٌ بأوصاف الحقِّ متخلِّقٌ بأخلاقه، ألا تَرَی کیف قال حسان:
فَذُو العرشِ محمودٌ وهذا محمدٌ (١)
وشَقَّ له من اسمِهِ لِيُجِلَّهُ
وقال آخرون: سدَّ سبحانه الطريقَ إلى نفسه على الكافَّة إلا بعد الإيمان
بحبيبه وَّ*، فمَن لم يَمْشِ تحت قبابه فليس مِن الله تعالى في شيءٍ، ثم جعلَ جلَّ
شأنُه من شرط الإيمان زوالَ المعارضة بالكلِّية، فلا بدَّ للمؤمن من تلقِّي المهالك
بقلبٍ راضٍ ووجهٍ ضاحكٍ.
﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ أَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ بسيفِ المجاهدةِ لتَحْيَى حياةً طيبةً
﴿أَوِ آَخْرُجُوا مِن دِيَِّكُمْ﴾ وهي الملاذ التي ركنتم إليها وخيَّمتُم فيها وعكفتُم عليها .
أو: لو فرضنا عليهم أن اقمعوا الهوى، أو اخرجوا من مقاماتكم التي حُجبتُم
بها عن التوحيد الصرف كالصبر والتوُّل مثلاً ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ وهم أهلُ
التوفيق والهمم العالية.
وأُيِّدَ الاحتمال الثاني بما حُكي عن بعض العارفين أنَّه سأل إبراهيم بن أدهم
عن حاله، فقال إبراهيم: أدورُ في الصَّحارَى وأطوف في البراري حيث لا ماءً
ولا شجرَ ولا روضَ ولا مطرَ، فهل يصحُّ حالي في التوُّل؟ فقال له: إذا أفنيتَ
عُمَرَك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد؟.
(١) ديوان حسان ص١٣٤.

سورة النساءِ
١٤٦
التفسير الإشاري (٥٨-٧٥)
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرٌ لَّهُمْ﴾ لِمَا فيه من الحياة الطيبة ﴿وَأَشَدَّ
تَثْبِيتًا﴾ بالاستقامة بالدين ﴿وَإِذَا لََّتَيَْهُمْ مِن لَّهُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا
وهو كشفُ
٦٧
الجمال ﴿وَلَهَدَيْنَهُمْ مِرَطًا مُسْتَقِيمًا (®﴾ وهو التوحيد.
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بما لا يَدخل في حيطةٍ
الفكر ﴿مِّنَ النَّبِنَ﴾ أربابِ التشريع الذين ارتفعوا قَدْراً، فلا يُدرَكُ شَأْوُهم
﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الذين قادهم نورُهم إلى الانخلاع عن أنواع الريوب والشكوك،
فصدَّقوا بما جاء به الرسول وَّرِ من غير دليلٍ ولا توقف ﴿وَالشُّهَدَآءِ﴾ أهلِ الحضور
﴿وَالصَِّينَ﴾ أهلِ الاستقامة في الدين.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ من أنفسكم فإنَّها أعدى أعدائكم ﴿فَأَنِفِرُوا
تُبَّاتٍ﴾ اسلكوا في سبيل الله تعالى جماعاتٍ، كلٌّ فرقةٍ على طريقة شيخ كاملٍ ﴿أَوِ
أَنِفِرُوا جَمِيعًا﴾ في طريق التوحيد والإسلام، واتَّبعوا أفعال رسول الله وَّه وتخلَّقوا
بأخلاقه.
﴿وَإِنَّ مِنْكُرْ لَمَنْ لََّبٌَِّّّ﴾ أي: لَيُشَبِّطِنَّ المجاهدين المُرْتَاضِينِ ﴿فَإِنْ أَصَبَتْكُ
مُصِيبَةٌ﴾ شدَّةٌ في السير ﴿قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اَللَّهُ عَلَ﴾ حيث لم أَفعل كما فعلوا ﴿وَلَيْنْ
أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اَللَّهِ﴾ مواهبُ غَيبيةٌ، وعلومٌ لَدُنيةٌ، ومراتبُ سَنِيَّةٌ، وقبولٌ عند
الخَوَاصِ والعَوَامِ ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، مَوَدَّةٌ﴾ أي: حسداً لكم
﴿يَلَيْتَنِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ دونهم ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وأَنالَ ذلك وحدي.
﴿وَمَن يُقَتِلْ﴾ نفسه ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ بسيفِ الصدقِ ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ عليها
بالظّفَر لتسلم على يده ﴿فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الوصول إلينا .
﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُقَدُِّونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وخلاصٍ ﴿وَالْمُسْتَضَْفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ العقول
﴿وَلِّسَآءِ﴾ الأرواح ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ القوى الروحانية ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ
اْقَرْيَةِ﴾ وهي قريةُ البدن ﴿الَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ وهي النفسُ الأمارةُ ﴿وَأَجْعَل لَنَا مِن ◌َّدُنكَ
وَلِيًّا﴾ يَلي أمورَنا ويُرشدُنا ﴿وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِبًا﴾ ينصرُنا على مَن ظلمنا وهو
الفيض الأقدس، نسأل الله تعالى ذلك بمَنِّه وكرمهِ.

الآية : ٧٦ - ٧٧
١٤٧
سُورَةُ السَّةِ
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ سِيق لتشجيع المؤمنين وتَرغيبهم
في الجهاد، أي: المؤمنون إنَّما يُقاتِلون في دين الله تعالى المُؤْصِلِ لهم إليه عزَّ
وجل، وفي إعلاء كلمته، فهو وليُّهم وناصرُهم لا محالةً.
﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اَلَّاغُوتِ﴾ فيما يبلغ بهم إلى الشيطان وهو الكفرُ،
فلا ناصرَ لهم سواه.
﴿فَقَائِلُواْ﴾ يا أولياءَ الله تعالى إذا كان الأمر كذلك ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَنِ﴾ جميعَ
الكفار، فإنَّكم تغلبونهم ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا (®﴾ في حدِّ ذاته، فکیف
بالقياس إلى قدرة الله تعالى الذي تقاتلون في سبيله، وهو سبحانه وليُّكم.
ولم يتعرَّض لبيان قوة جنابه تعالى إيذاناً بظهورها .
وفائدة ((كان)) التأكيدُ ببيان أنَّ كيده مُذ كان ضعيفٌ. وقيل: هي بمعنى صار،
أي: صار ضعيفاً بالإسلام. وقيل: إنَّها زائدةٌ، وليس بشيءٍ.
﴿أَلَزْ تَّ إِلَى الَّذِينَ قِبِلَ لَمْ كُفُواْ أَيْدِيَّكُمْ﴾ نزلت كما قال الكلبي: في عبد الرحمن بن
عوف الزُّهريّ والمقداد بن الأسود الكِنديّ وقدامة بن مظعون الجُمحيّ وسعد بن
أبي وقاص، كانوا يَلْقَون من المشركين أذِّى شديداً وهم بمكةً قبل الهجرة، فيَشكُون
إلى رسول اللهِ وَ﴿ ويقولون: ائذن لنا يا رسولَ الله في قتال هؤلاء فإنَّهم قد آذونا.
والنبيُّ ◌َّهِ يقول: ((كفُّوا أيديَكُم وأَمسِكُوا عن القتال فإنَّي لم أُوْمَرْ بذلك)»(١)، وفي
رواية ((إنِّي أمرتُ بالعفو))(٢).
﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ واشتغلوا بما أُمرتم به، ولعلَّ أمرَهم بإقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة تنبيهاً على أنَّ الجهاد مع النفس مقدَّمٌ، وما لم يَتمكنِ المسلم
في الانقياد لأمر الله تعالى بالجود بالمال، لا يكاد يَتأنَّى منه الجودُ بالنفس،
والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجودِ.
(١) أسباب النزول للواحدي ص١٥٩.
(٢) أخرج هذه الرواية النسائي في المجتبى ٢/٦ عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف
وأصحاباً له أتوا النبي و ﴿ فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنًّا صرنا
أذلة. فقال: (إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا)) فلما حوَّلنا الله إلى المدينة أمرنا بالقتال فكفُّوا،
فأنزل الله عز وجل: ﴿أَلَ تَّ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ كُفُّواْ أَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَّةَ﴾.

سُؤَدَّةُ السَحَاةِ
١٤٨
الآية : ٧٧
وبناء القول للمفعول مع أنَّ القائل هو النبيُّ وَّرِ؛ لأنَّ المقصودَ والمعتبر في
التعجيب المشار إليه في صدر الكلام إنَّما هو كمالُ رغبتهم في القتال، وكونهم
بحيث احتاجوا إلى النهي عنه، وإنَّما ذكر في حيّز الصلة الأمر بكفّ الأيدي لتحقيقه
وتصويره بطريق الكناية، فلا يَتعلَّقُ ببيان خصوصية الآمر غرضٌ.
وقيل: للإيذان بكون ذلك بأمر الله تعالى.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ وأُمِرُوا به بعد أَنْ هاجروا مع رسول الله وَّه إلى
المدينة ﴿إِذَا فِيِّقٌّ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ أي: الكفار أنْ يقتلوهم، وذلك لِمَا ركز في
طباع البشر مِن خوف الهلاك ﴿كَخَشْيَةِ اَللَّهِ﴾ أي: كما يخشون الله تعالى أنْ يُنزلَ
عليهم باسه.
والفاء عاطفةٌ، وما بعدها عطف على ((قيل لهم كفُّوا أيديكم)) باعتبار معناه
الكنائيٌّ، إذ حينئذٍ يتحقَّقُ التباينُ بين مَدلولَي المعطوفَين، وعليه يدور أمرُ التعجيب،
كأنه قيل: ألم تَرَ إلى الذين كانوا حِرَاصاً على القتال، فلمَّا كُتب عليهم كرهَهُ
- بمقتضى البشرية - جماعةٌ منهم.
وتوجيهُ التعجيب إلى الكلِّ مع أنَّ تلك الكراهةَ إنَّما كانت مِن البعض؛ للإيذان
بأنَّه ما كان ينبغي أنْ يصدُرَ من أحدهم ما يُنافي حالته الأولى.
و ((إذا)) للمفاجأة، وهي ظرفُ مكانٍ. وقيل: زمانٍ، وليس بشيءٍ. وفيها تأكيدٌ
لأمر التعجيب، و((فريقٌ)) مبتدأ، و((منهم)) صفتُه، و((يخشَون)) خبرُه. وجُوِّز أنْ يكونَ
صفةً أيضاً أو حالاً والخبرُ (إذا))(١).
و((كخشية الله)) في موقع المصدر، أي: خشيةً كخشية الله. وجُوِّز أنْ يكونَ
حالاً من فاعل ((يَخشَون)) ويقدَّرُ مضاف، أي: حال كونهم مثلَ أهلٍ خشية الله
تعالى، أي: مُشبَّهين بأهل خشيته سبحانه.
وقيل - وفيه بعدٌ -: إنَّه حالٌ من ضمير مَصدْرٍ محذوفٍ، أي: يخشونها الناسَ
كخشية الله(٢).
(١) والتقدير: فبالحَضْرةِ فريق كائن منهم خاشون أو خاشين. الدر المصون ٤/ ٤٠.
(٢) أي: يخشون الخشيةَ الناسَ مُشْبِهِةً خشية الله. الدر المصون ٤١/٤.

الآية : ٧٧
١٤٩
سُورَةُ النِّسَِّ
﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾ عطفٌ عليه إنْ جَعَلْتَه حالاً، أي: أنهم أشدُّ خشيةً مِن أهل
خشيةِ الله، بمعنى: أنَّ خشيتهم أشدُّ من خشيتهم.
ولا يُعطف عليه على تقدير المصدرية - على ما قيل - بناءً على أنَّ ((خشيةً))
منصوبٌ على التمييز، وعلى أنَّ التمييز مُتعلق الفاعلية، وأنَّ المجرور بـ ((مِن))
التفضيلية يكونُ مقابلاً للموصوف بأفعل التفضيل، فيصيرُ المعنى: أنَّ خشيتَهم أشدُّ
خشيةً(١) من خشيةٍ غيرهم، ويؤول إلى أنَّ خشيةً خشيتهم أشدُّ، وهو غيرُ مستقيم
اللهم إلا على طريقة: جَدَّ جَدُّه، على ما ذهب إليه أبو علي وابن جنِّي،
ويكونُ كقولك: زيدٌ جَدَّ (٢) جدًّا، بنصب ((جدًّا)) على التمييز، لكنه بعيدٌ. بل يُعطف
على الاسم الجليل، فهو مجرورٌ بالفتحة لمَنْعِ صَرْفِه، والمعنى: يخشونَ الناس
خشيةً كخشيةِ الله، أو خشيةً كخشيةٍ أشدَّ خشيةً منه تعالى، ولكنْ على سبيل
الفرض، إذ لا أشدَّ خشيةً عند المؤمنينَ من الله تعالى، ويَؤُول هذا إلى تفضيل
خشيتهم على سائر الخشيات إذا فصّلت واحدةً واحدةً.
وذكر ابن الحاجب أنَّه يجوز أنْ يكون هذا العطفُ من عطف الجمل، أي:
يخشونَ الناس كخشيةِ الله (٣) أو يخشونَ [الناس] أشدَّ خشيةً، على أنَّ الأول مصدرٌ
والثاني حالٌ.
وقيل عليه: إنَّ حذفَ المضاف أهونُ مِن حذفِ الجملة وأَوفَى بمقتضى المقابلة
وحُسْنِ المطابقة.
وجُوِّزَ أنْ يكون ((خشيةً)) منصوباً على المصدرية و((أشدَّ» صفةً له قُدِّمتْ عليه
فانتصب على الحالية، وذكَرَ بعضهم أنَّ التمييز بعد اسم التفضيل قد يكونُ نفسَ
ما انتصب عنه نحو ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًا﴾ [يوسف: ٦٤] فإنّ الحافظَ هو الله تعالى كما لو
قلت: الله خيرُ حافظٍ بالجرِّ، وحينئذٍ لا مانعَ مِن أنْ تكونَ الخشية نفسَ الموصوف،
ولا يلزمُ أنْ يكونَ للخشيةِ خشيةً بمنزلة أنْ يقال: أشدّ خشيةٍ، بالجرِّ.
(١) قوله: خشية، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٥٦/٣، والكلام منه.
(٢) في حاشية الشهاب: أجد.
(٣) في الأصل و(م): الناس، والمثبت من حاشية الشهاب، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

سُورَةُ المَشَاةِ
١٥٠
الآية : ٧٧
والقول بأنَّ جوازَ هذا فيما إذا كان التمييزُ نفسَ الموصوفِ بحَسَب المفهومِ
واللفظِ محلٌّ نظرٍ، محلٌّ نظرٍ؛ إذ اتحادُ اللفظ مع حذفِ الأول ليس فيه كبيرُ
محذورٍ، وهذا إيرادٌ قويٌّ على ما قيل، وقد نقل ابنُ المنيِّر عن ((الكتاب))
ما يعضده(١)، فتأمَّل.
و((أو)) قيل: للتنويع، وقيل: للإبهام على السامع، وقيل: للتخيير، وقيل:
بمعنى الواو، وقيل: بمعنى بل.
﴿وَقَالُواْ﴾ عطف على جواب ((لمَّا))، أي: فلمَّا كُتب عليهم القتال فأجَأَ بعضهم
خشية الناس وقالوا(٢) بألسنتهم أو بقلوبهم، وحكاهُ الله تعالى عنهم على سبيل تمنِّي
التخفيف لا الاعتراض على حكمه تعالى والإنكارِ لإيجابه، ولذا لم يُوبَّخوا عليه
﴿رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ﴾ في هذا الوقت ﴿لَوْلَا أَخَّرْثَنَا إِلَّ أَجَلٍ قَرِبْتُ﴾ وهو الأَجَلُ
المقدَّر، ووُصِف بالقريب للاستعطاف، أي: إنَّه قليلٌ لا يُمْنَع من مِثْلِه. والجملةُ
كالبيانِ لِمَا قبلها، ولذا لم تُعْطَف عليه.
وقيل: إنما لم تُعطّف عليه للإيذان بأنَّهما مقولان مستقلَّان لهم، فتارةً قالوا
الجملةَ الأُولى، وتارةً الجملةَ الثانية، ولو عُطِفِتْ لتبادَرَ أنَّهم قالوا مجموعَ الكلامَين
بعطف الثانية على الأُولى.
﴿قُلْ﴾ أي: تزهيداً لهم فيما يُؤْمِّلونه بالقعود عن القتال والتأخيرِ إلى الأجل
المقدَّر مِن المتاع الفاني، وترغيباً فيما يَنالونه بالقتال من النعيم الباقي: ﴿مَنَعُ الذُّنَا﴾
أي: جميعُ ما يُستمتَع به ويُنتَفَع في الدنيا ﴿قَلِيلٌ﴾ في نفسه سريعُ الزوال، وهو أقلُّ
قليلٍ بالنسبة إلى ما في الآخرة.
﴿وَلْآَخِرَةُ﴾ أي: ثوابُها المنوطُ بالأعمال التي مِن جملتها القتال ﴿غَيْرٌ﴾ لكم
مِن ذلك المتاعِ القليل؛ لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات. وفي اختلاف
(١) الانتصاف على هامش الكشاف ١/ ٥٤٤.
(٢) قوله: خشية الناس وقالوا، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٠٤/٢،
والكلام فيه بنحوه.

الآية : ٧٨
١٥١
سُورَةُ النَّسَاءِ
الأسلوب ما لا يخفى، وإنما قال سبحانه ﴿لَّمَنِ أَنَّقَى﴾ حثًّا لهم وترغيباً على اتّقاء
العصيانِ والإخلالِ(١) بمواجب(٢) التكليف.
وقيل: المرادُ أنَّ نفس الآخرة خيرٌ ولكنْ للمتقين؛ لأنَّ للكافر والعاصي هنالك
نيراناً وأهوالاً، ولذا قيل: ((الدنيا سجنُ المؤمن وجنةُ الكافر))(٣)، ولا يخفى أنَّ
الأولَ أُنسبُ بالسیاق.
عطفٌ على مقدَّرٍ، أي: تُجزَون فيها ولا تُبخسون هذا
﴿وَلَا نُظْلَمُونَ فَبِيلًا (فَّ
المقدار اليسير فضلاً عمَّا زادَ من ثواب أعمالكم، فلا تَرغبوا عن القتال الذي هو
مِن غرورها، وقرأ ابن كثير وكثيرٌ: ((ولا يظلمون)) بالياء(٤) إعادةً للضمير إلى ظاهرٍ
«مَن)).
﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ﴾ يحتمل أنْ يكونَ ابتداءَ كلامِ مسوقٍ مِن قِبَلِهِ تعالى
بطريق تلوينِ الخطاب، وصَرَفه عن سيد المخاطَبِينِ وَله إلى مَن ذُكرَ أوَّلاً اعتناءً
بإلزامهم إثرَ بيانٍ حقارةٍ الدنيا وفخامةِ الآخرة بواسطته وَّهِ، فلا محلَّ للجملة من
الإعراب.
ويحتمل أنْ يكونَ داخلاً في حيِّز القول المأمورِ به، فمحلُّ الجملة النصبُ.
وجعَلَ غيرُ واحدٍ ما تقدَّم جواباً للجملة الأولى من قولهم، وهذا جواباً للثانية
منه، فكأنَّه لَمَّا قالوا: ((لِمَ كتبتَ علينا القتال)) أُجيبوا ببيان الحكمةِ بأنَّه كُتبَ عليكم
ليكثُرَ تمتُّعُكم ويعظُم نفعكم؛ لأنَّه يُوجبُ تمتُّع الآخرة، ولمَّا قالوا:
(لولا أخرتنا)) إلخ أُجيبوا بأنَّه ((أينما تكونوا)) في السفر أو في الحضر ((يُدرككم
الموت))؛ لأنَّ الأَجَلَ مقدَّرٌ، فلا يَمنع عنه عدمُ الخروج إلى القتال.
(١) في الأصل و(م): على الاتقاء والإخلال، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢/ ٢٠٤، والكلام
منه .
(٢) في (م): بموجب، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
(٣) أخرجه أحمد (٨٢٢٩)، ومسلم (٢٩٩٥٦) من حديث أبي هريرة ﴿.
(٤) التيسير ص٢٩٦، والنشر ٢٥٠:٢، وقرأ بها من العشرة بالإضافة إلى ابن كثير حمزة
والكسائي وخلف وأبو جعفر، وروح عن يعقوب.

سُورَةُ السَّةِ
١٥٢
الآية : ٧٨
وفي التعبير بالإدراك إشعارٌ بأنَّ القومَ لشدة تباعُدِهم عن أسباب الموت وقُرْبٍ
وقتٍ حلوله إليهم بمرِّ الأنفاس والآنات، كأنَّهم في الهرب منه وهو مُجدٍّ في طلبهم
لا يفتُر نَفَساً واحداً في التوجُّه إليهم.
وقرأ طلحة بن سليمان: ((يدركُكُم)) بالرفع(١)، واختلف في تخريجه، فقيل: إنَّه
على حذف الفاء، كما في قوله على ما أنشده سيبويه:
مَنْ يفعلِ الحسناتِ الهُ يشكُّرُها والشرُّ بالشرِّ عند الله مثلانٍ(٢)
وظاهرُ كلامِ «الكشاف)) الاكتفاءُ بتقدير الفاء(٣)، وقدَّر بعضُهم مبتدأً معها، أي:
فأنتم يُدرُكُم.
وقيل: هو مؤخّرٌ من تقدیم، وجواب الشرط محذوفٌ، أي: يُدرُكُم الموت
أينما تكونوا يدرككم، واعتُرض بأنَّ هذا إنما يَحسُنُ فيما إذا كان ما قبله طالباً له
كما في قوله:
يا أقرعُ بنُ حابسٍ يا أقرعُ
إنك إِنْ يُصرغ أخوكَ تُصرِعُ(٤)
أو فيما إذا لم تكن الأداة اسمَ شرطٍ.
وأُجيب بأنَّ الشرط الأول وإنْ نُقل عن سيبويه إلا أنَّه نُقل عنه أيضاً الإطلاق،
والشرطُ الثاني لم يُعوِّل عليه المحقِّقون.
وقيل: إنَّ الرفعَ على توهُّم كون الشرطِ ماضياً، فإنَّه حينئذٍ لا يجب ظهورُ الجزم
في الجواب؛ لأنَّ الأداة لمَّا لم يَظهر أثرُها في القريب لم يَجب ظهورُه في البعيد.
(١) القراءات الشاذة ص٢٧، والمحتسب ١٩٣/١. وطلحة بن سليمان ذكره ابن الجزري في
غاية النهاية ص٣٤١ وقال: أخذ القراءة عرضاً عن فياض بن غزوان عن طلحة بن مصرف،
وله شواذٌّ تروی عنه.
(٢) الكتاب ٦٥/٣، والخزانة ٤٩/٩. ونسبه سيبويه لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقال
البغدادي: ورواه جماعة لکعب بن مالك الأنصاري
(٣) الكشاف ١/ ٥٤٤ .
(٤) نسبه سيبويه في الكتاب ٦٧/٣ لجرير بن عبد الله البجلي، وذكر صاحب الخزانة ٨/ ٢٠ أنه
من رجز لعمرو بن خُارِم البجلي، وهو دون نسبة في الكامل ١٧٤/١، والمقتضب ٧٢/٢،
ومشكل إعراب القرآن لمكي ١٥٥/١، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٢٥.

الآية : ٧٨
١٥٣
سُورَةُ الشَّةِ
وما قيل عليه مِنْ أنَّ كون الشرط ماضياً والجزاءِ مضارعاً إنَّما يَحسُن في كلمة
(إنْ)) لِقَلْبِها الماضي إلى معنى الاستقبال، فلا يَحسُن: أينما كنتم يدرككم الموت،
إلا على حكاية الماضي وقَصْدِ الاستحضار = فيه نظرٌ، نعم يَرِدُ عليه أنَّ فيه تعسُّفاً؛
إذ التوهُّم - كما قال ابن المنير - أنْ يكونَ ما يُتَوَهَّمُ هو الأصل، أو ممَّا كثر في
الاستعمال حتى صار كالأصل، وما تُوُهِّم هنا ليس كذلك(١).
وقيل: إنَّ((يدركُكم)) كلامٌ مبتدأ، و((أينما تكونوا)) مُتَّصلٌ بـ ((لا تظلمون)).
واعتُرضَ كما قال الشهاب: بأنَّه ليس بمستقيم معنًى وصناعةً.
أمَّا الأول: فلأنَّه لا يناسبُ اتِّصاله بما قبله؛ لأن ((لا تظلمون فتيلاً)) المرادُ
منه: في الآخرة، فلا يُناسبُه التعميم.
وأمَّا الثاني: فلأنَّه يَلزم عليه عملُ ما قبل اسم الشرط فيه، وهو غيرُ صحيح
لصدارته .
وأُجيب عن الأول بأنَّه لا مانعَ مِن تَعميم ((ولا تظلمون)) للدنيا والآخرة، أو
يكونُ المعنى: لا يُنْقَصون شيئاً مِن مُدَّةِ الأجل المعلوم، لا مِنَ الأجور، وبه يَنتظمُ
الكلام.
وعن الثاني بأنَّ المراد مِن الاتصال بما قبله - كما قال الحلبيُّ والسفاقسي -
اتصالُه به معنّى لا عملاً، على أنَّ («أينما تكونوا)) شرطٌ جوابه محذوفٌ، تقديره:
(لا تُظلمون))، وما قبله دليلُ الجواب(٢).
وأنت تعلم أنَّ هذا التخريج - وإنِ التُزمَ الذبُّ عنه بما ترى - خلافُ الظاهر
المنساقِ إلى الذهن.
(١) كلام ابن المنير نقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ١٥٧/٣، وهو بمعناه في
الانتصاف ٥٤٥/١، وقوله: أن يكون ما يتوهم هو الأصل ... إلخ تعقب فيه ابنُ المنير
الزمخشريَّ الذي جعل الرفع على التوهم هنا قياساً على العطف على خبر ليس - المنصوب -
بالجر علی توهم الباء فيه.
(٢) حاشية الشهاب ٣/ ١٥٧-١٥٨ دون ذكر السمين والسفاقسي، وقول السمين في الدر
المصون ٤ /٤٥ .
:

سُورَةُ الشَكَاةِ
١٥٤
الآية : ٧٨
وأَولى التخريجات أنَّه على حذف الفاءِ، وهو الذي اختاره المبرِّد، والقولُ بأنَّ
الحذفَ ضرورةٌ في حيِّز المنع .
﴿وَلَوْ گُهُم فى بُرُچ﴾ أي: قصورٍ؛ قاله مجاهد وقتادة وابن ◌ُريج.
وعن السُّدي والربيع ﴿ه: أنَّها قصورٌ في السماء الدنيا.
وقيل: المراد بها بروجُ السماء المعلومة.
وعن أبي علي الجبائي: أنَّها البيوت التي فوق القصور(١).
وعن ابن عباس رضيًا: أنها الحصونُ والقلاع.
وهي جمعُ برجٍ، وأصلُه من التبرُّج، وهو الإظهار، ومنه: تَبرَّجتِ المرأةُ، إذا
أظهرت حسنها .
﴿َُيَّدَةٍ﴾ أي: مَطليَّة بالشِّيْد وهو الجصُّ، قاله عكرمة. أو مطوّلة بارتفاع، قاله
الزَّجَّاج (٢)، فهو مِن شيّد البناء: إذا رفَعَه.
وقرأ مجاهد: ((مَشِيْدةٍ)) بفتح الميم وتخفيف الياء(٣)، كما في قوله تعالى:
﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] وقرأ نعيم(٤) بن ميسرة: ((مشيِّدةٍ)) بكسر الياء على
التجوُّز كـ ﴿عِشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] وقصيدةٍ شاعرةٍ.
والجملةُ معطوفةٌ على أخرى مِثْلِها، أي: لو لم تكونوا في بروج ولو
كنتم، إلخ، وقد اطّردَ الحذفُ في مثل ذلك لوضوح الدلالة.
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِّ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكْ﴾
نزلَتْ على ما رُوي عن الحسن وابن زيد في اليهود، وذلك أنَّهم كانوا قد بُسط
(١) في مجمع البيان ١٦٦/٥ (والكلام منه): الحصون.
(٢) في معاني القرآن ٧٩/٢، ونقله المصنف مع ما سبق من أقوال عن مجمع البيان ١٦٦/٥.
(٣) الكشاف ١/ ٥٤٥ .
(٤) في الأصل و(م): أبو نعيم، والمثبت من القراءات الشاذة ص٢٧، والكشاف ٥٤٥/١،
والبحر ٣٠٠/٣، والدر المصون ٤٥/٤. ونعيم بن ميسرة هو أبو عمرو الكوفي النحوي،
روى الحروف عن أبي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود، ويُروَى عنه حروفٌ شواذٌ
من اختياره، توفي سنة (١٧٤هـ). طبقات القراء لابن الجزري ٢/ ٣٤٢.

الآية : ٧٨
١٥٥
سُورَةُ الشّاة
عليهم الرزق، فلمَّا قدِم النبيُّ ◌َّهِ المدينة فدعاهم إلى الإيمان فكفروا، أُمسِكَ عنهم
بعضُ الإمساك، فقالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مُذ قَدم علينا هذا
الرجل. فالمعنى: إنْ تُصبهم نعمةٌ أو رخاء(١) نسبوها إلى الله تعالى، وَإِنْ تُصبهم
بليَّةٌ مِن جَذْبٍ وغلاءٍ أضافوها إليك مُتشائمين، كما حكى عن أسلافهم بقوله
تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وإلى هذا ذهب
الزجَّاج والفراء والبلخيُّ والجبائيّ(٢).
وقيل: نزلَتْ في المنافقين ابنٍ أُبيِّ وأصحابِهِ الذين تَخلَّفوا عن القتال يوم أحدٍ،
وقالوا للذين قتلوا: ﴿لَوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ٩١] فالمعنى: إنْ
تُصبهم غنيمةٌ قالوا: هي مِن عند الله تعالى. وإنْ تصبْهم هزيمةٌ قالوا: هي مِن سوء
تدبيرك. وهو المرويُّ عن ابن عباس وقتادة.
وقيل: نزلَت فيمَن تقدَّم. وليس بالصحيح.
وصحّح غيرُ واحدٍ أنَّها نزلَتْ في اليهود والمنافقين جميعاً، لمَّا تشاءموا مِن
رسول الله وَل﴿ حين قدم المدينة وقُحطوا.
وعلى هذا فالمتبادِرُ مِن الحسنة والسيئة هنا: النعمةُ والبليَّةُ، وقد شاع
استعمالها في ذلك كما شاع استعمالها في الطاعة والمعصية، وإلى هذا ذهب كثيرٌ
من المحقّقين، وأيِّد بإسناد الإصابة إليهما، بل جعله صاحب ((الكشف)) دليلاً بيِّناً
عليه، وبأنه أنسبُ بالمقام لذكر الموت والسلامة قبلُ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الِّ﴾ أمرٌ له وَِّ بأَنْ يَرُدَّ زعمَهم الباطلَ،
واعتقادَهم الفاسدَ، ويُرشدهم إلى الحقِّ ببيان إسناد الكلِّ إليه تعالى على الإجمال،
أي: كلُّ واحدةٍ من النعمة والبلية مِن جهة الله تعالى خَلْقاً وإيجاداً، مِن غير أنْ يكونَ
لي مدخلٌ في وقوعِ شيءٍ منها بوجهٍ من الوجوه كما تزعمون، بل وقوعُ الأُولى منه
تعالى بالذات تفضُّلاً، ووقوعُ الثانية بواسطة ذُنوبٍ مَن ابتلي بها عقوبةً، كما سيأتي
(١) في الأصل: ورخاء.
(٢) ذكره عنهم الطبرسي في مجمع البيان ١٦٦/٥، وقول الزجاج في معاني القرآن ٧٩/٢،
وقول الفراء في معاني القرآن ٢٧٨/١ .

سُورَةُ السََّاةِ
١٥٦
الآية : ٧٨
بيانه. وهذا الجواب المجملُ في معنى ما قيل ردًّا على أسلاف اليهود من قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي: إنَّما سببُ خيرِهم وشرِّهم
عند الله تعالى لا عند غيره حتى يَستندَ ذلك إليه ويَظَّيروا به. قاله شيخ الإسلام(١).
ومنه يُعلم اندفاعُ ما قيل: إنَّ القومَ لم يَعتقدوا أنَّ النبيَّ ◌َّ فاعل السيئة
كما اعتقدوا أنَّ الله تعالى فاعل الحسنة، بل تشاءموا به وحاشاه عليه الصلاة
والسلام، فكيف يكونُ هذا ردًّا عليهم؟
ولا حاجةً إلى ما أجاب به العلّامة الثاني مِن أنَّ الجواب ليس مجرَّدَ قوله
تعالى: ﴿قُلْ كُلّ ◌ِنْ عِندِ اللهِ﴾، بل هو إلى قوله سبحانه ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةِ﴾ إلخ.
وقوله تعالى: ﴿فَالِ هَؤُلَاءَ الْقَوْمِ﴾ أي: اليهود والمنافقين والمحتقرين ﴿لَّا يَكَادُونَ
يَفْقَّهُونَ﴾ أي: يفهمون ﴿حَدِيثًا (٨﴾﴾ أي: كلاماً يُوعَظون به وهو القرآن، أو كلاماً
ما، أو كلَّ شيءٍ حدَث وقَرُب عهده = كلامٌ مِن قِبَلِهِ تعالى مُعترِضٌ بين المبيَّن
وبيانه، مسوقٌ لتعبيرهم بالجهل وتقبيحٍ حالهم والتعجيب مِن كمال غباوتهم، والفاءُ
لترتيب ما بعدَها على ما قبلَها، والجملةُ المنفية حاليّة، والعامل فيها ما في الظرف
من الاستقرار، أو الظرفُ نفسُه، والمعنى: حيث كان الأمر كذلك فأيُّ شيءٍ حصَلَ
لهؤلاء حالَ كونهم بمعزلٍ مِن أنْ يَفقهوا نصوصَ القرآن الناطقة بأنَّ الكلَّ فائضٌ من
عند الله تعالى، أو: بمعزل مِن أنْ يفهموا حديثاً مطلقاً، حتى عُدُّوا كالبهائم التي
لا أفهامَ لها، أو: بمعزلٍ من أنْ يَعقلوا صروفَ الدهر وتَغيُّرَه، حتى يعلموا أنَّ(٢)
لها فاعلاً حقيقيًّا بيده جميعُ الأُمور، ولا مدخلَ لأحدٍ معه؟
ويجوزُ أنْ تكونَ الجملةُ استئنافاً مبنيًّا على سؤالٍ نشأ مِن الاستفهام (٣)، وهو
ظاهرٌ.
وعلى التقديرَين فالكلامُ مخرجٌ مخرج المبالغة في عدم فهمهم، فلا يُنافي
اعتقادَهم أنَّ الحسنةَ مِن عند الله تعالى.
(١) تفسير أبي السعود ٢٠٥/٢ .
(٢) في (م): أنه.
(٣) كأنه قيل: ما بالهم، وماذا يصنعون حتى يُتعجب منه أو يُسأَلَ عن سببه؟ تفسير أبي السعود
٢٠٥/٢.

الآية : ٧٩
١٥٧
سُورَةُ السَّةِ
ويُفهَم من كلام بعضهم أنَّ المراد من الحديث هو ما تفوَّهوا به آنفاً، حيث إنه
يلزمُ منه تعدُّدُ الخالقِ المستلزمُ للشرك المؤذِّي إلى فساد العالَم، وأنَّ ما في حيِّز
الأمر ردٌّ لهذا اللازم، وقُدِّم لكونه أهمّ، ثم استأنف بما هو حقيقةُ الجواب، أعني
قوله سبحانه: ﴿َّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَقْرٍ فِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكٌ﴾. وعلى
ما ذكرنا - ولعلَّه الأَولى - يكونُ هذا بياناً للجواب المجمَلِ المأمور به.
والخطابُ فيه كما قال الجبائي - وروي عن قتادة - عامٌّ لكلِّ مَن يَقفُ عليه
لا للنبيّ ێ، كقوله:
إذا أنتَ أكرَمْتَ الکریمَ ملکتَهُ
وإنْ أنتَ أكرمْتَ اللئيمَ تَمرَّدا(١)
ويَدخل فيه المذكورون دخولاً أوَّلِيًّا .
وفي إجراء الجوابِ أولاً على لسان النبيِّ نَّهِ، وسوقٍ البيان من جهته تعالى
ثانياً بطريق تلوين الخطاب والالتفاتِ، إيذانٌ بمزيد الاعتناء به، والاهتمامٍ بردِّ
اعتقادهم الباطلِ وزَعْمِهم الفاسد، والإشعارِ بأنَّ مضمونه مبنيٌّ على حكمةٍ دقيقةٍ
حَرِيَّةٍ بأنْ يتولَّى بيانَها علَّامُ الغيوب عزَّ وجل.
والعدولُ عن خطاب الجميع كما في قوله تعالى: ﴿وَمَّ أَصَبَكُمْ مِّن تُصِيبَةٍ
فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] للمبالغة في التحقيق بقطْعِ احتمال سبيَّة بعضهم
لعقوبة الآخرين.
و((ما)) كما قال أبو البقاء(٢) شرطيةٌ، و((أصاب)) بمعنى: يُصيب.
والمرادُ بالحسنةِ والسيئةِ هنا ما أُريد بهما مِن قبلُ، أي: ما أصابك أيُّها
الإنسانُ مِن نعمةٍ مِن النعم فهي من الله تعالى بالذات تَفضُّلاً وإحساناً مِن غير
استيجابٍ لها مِن قِبَلِكَ، كيف لا وكلُّ ما يفعله العبد من الطاعات التي يُرجَى كونُها
ذريعةً إلى إصابة نعمةٍ ما فهي بحيث لا تكادُ تكافئُ نعمة الوجود، أو نعمةً الإقدار
على أدائها مثلاً، فضلاً عن أنْ تستوجب نعمةً أخرى؟ ولذلك قال وّ فيما أخرجه
(١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢/ ١٠.
(٢) في الإملاء ٢٩١/٢.

سُورَةُ السَّةِ
١٥٨
الآية : ٧٩
الشيخان من حديث أبي هريرة: ((لن يُدخلَ أحداً عملُه الجنة))، قيل: ولا أنت
يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أنْ يَتغمَّدني الله تعالى بفضلٍ رحمته»(١).
وما أصابك مِن بليَّةٍ ما مِن البلايا فهي بسبب اقترافِ نَفْسِكَ المعاصيّ
والهفواتِ المقتضيةَ لها، وإنْ كانت من حيث الإيجادُ منتسبةً إليه تعالى نازلةً من
عنده عقوبةً، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ
وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
وأخرج الترمذيُّ عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَله: ((لا يصيبُ عبداً نكبةٌ
فما فوقها أو دونها إلا بذنبٍ، وما يعفو الله تعالى عنه أكثر))(٢).
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه قال في الآية: ما كانَ مِن نكبةٍ
فبذنبك، وأنا قدَّرتُ ذلك عليك. وعن أبي صالح مثله(٣) .
وقال الزجَّاج: الخطابُ لرسول الله وَله والمقصودُ منه الأمة(٤).
وقيل: له عليه الصلاة والسلام، لكن لا لبيان حاله بل لبيان حال الكَفَرة بطريق
التصوير، ولعلَّ العدولَ عن خطابهم لإظهار كمالِ السخط والغضب عليهم،
والإشعارِ بأنَّهم لفَرْطِ جَهْلهم وبَلَادتهم بمعزلٍ مِن استحقاق الخطاب، لا سيَّما بمثل
هذه الحكمة الأنيقة.
ثم اعلم أنَّه لا حُجَّةً لنا ولا للمعتزلة في مسألة الخيرِ والشرِّ بهاتين الآيتين؛
لأنَّ إحداهما بظاهرها لنا، والأخرى لهم، فلا بدَّ مِن التأويل، وهو مُشتركُ
الإلزام؛ ولأنَّ المرادَ بالحسنة والسيئة النعمةُ والبليةُ لا الطاعةُ والمعصيةُ، والخلافُ
في الثاني، ولا تعارُضَ بينهما أيضاً لظهور اختلاف جهتَي النفي والإثبات، وقد
أطنبَ الإمامُ الرازيُّ في هذا المقام كلَّ الإطناب بتعديدِ الأقوال والتراجيح، واختارَ
تفسيرَ الحسنةِ والسيئةِ بما يعُّ النعمَ والطاعاتِ والمعاصي والبليَّاتِ(٥).
(١) صحيح البخاري (٥٦٧٣)، وصحيح مسلم (٢٨١٦)، وهو عند أحمد (٧٥٨٧).
(٢) سنن الترمذي (٣٢٥٢). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ١٠١٠-١٠١١.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٧٩/٢.
(٥) تفسير الرازي ١٨٨/١٠.

الآية : ٧٩
١٥٩
سُورَةُ النَّسَاءِ
وقال بعضُهم: يُمكن أنْ يقال: لمَّا جاء قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ بعد
قوله سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ﴾ ناسبَ أنْ تُحمَلَ الحسنةُ الأولى على
النعمة، والسيئةُ على البليَّة، ولمَّا أردفَ قوله عزَّ وجل: ﴿قَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةِ﴾
بما سيأتي ناسبَ أنْ يُحمَلا على ما يتعلَّقُ بالتكليف مِن المعصية والطاعة، كما رُوي
ذلك عن أبي العالية، ولهذا غيَّرَ الأسلوب فعبَّرَ بالماضي بعد أنْ عَبَّر بالمضارع، ثم
نقلَ عن الراغب أنه فرَّقَ بين قولك: هذا من عند الله تعالى، وقولك: هذا من الله
تعالى، بأنَّ: مِن عند الله، أعمُّ من حيث إنه يقال فيما كان برضاه سبحانه
وبسخطه، وفيما يحصل وقد أَمرَ به ونَهَى عنه، ولا يقال: من الله، إلا فيمَ كان
برضاه وبأمره، وبهذا النظر قال عمر رَله: إنْ أَصبتُ فمن الله وإن أخطأت فمن
الشيطان. فتدبر.
ونَقل أبو حيان عن طائفةٍ من العلماء أنَّ (ما أصابك)) إلخ على تقدير (١) القول،
أي: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، يقولون: ما أصابك من
حسنة ... إلخ(٢). والداعي لهم على هذا التَّمُّل توهُّمُ التعارضِ، وقد دعا آخرين
إلى جَعْلِ الجملة بدلاً مِن ((حديثاً، على معنى أنَّهم لا يفقهون هذا الحديث، أعني
(ما أصابك)) إلخ، فيقولونه غيرَ متحاشين عمَّا يلزمُه من تعدُّد الخالق. وآخرين إلى
تقدير استفهامٍ إنكاريٍّ، أي: ((فَمَن نفسُك))(٣) وزعموا أنه قرئ به.
وقد علمتَ أنْ لا تعارضَ أصلاً من غير احتياج إلى ارتكابٍ ما لا يكاد يُسوِّغه
الذوقُ السلیم.
وكذا لا حجَّةَ للمعتزلة في قوله سبحانه: ﴿حَدِينًا﴾ على كون القرآن مُحْدَثاً، لِمَا
علمتَ مِن أَنَّه ليس نصًّا في القرآن، وعلى فرض تسليم أنَّه نصٌّ لا يدلُّ على حدوث
الكلام النفسي، والنزاعُ فيه.
(١) في (م): تقرير.
(٢) البحر ٣٠١/٣.
(٣) أي: فمَن نفسُك حتى ينسب إليها فِعْلٌ. ونسب أبو حيان في البحر ٣٠٢/٣ هذه القراءة
لعائشة رؤيا. وذكر في الاستفهام وجهاً آخر، وهو تقدير ألف استفهام محذوفة من الكلام
كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمَنُّهَا عَلَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]، والتقدير: أَفَمِن نفسك.

سُورَةُ الشّاةِ
١٦٠
الآية : ٧٩
ثم وجهُ ارتباطِ هذه الآياتِ بما قبلها - على ما قيل - أنه سبحانه بعد أنْ حكّى
عن المسلمين ما حكى وردًّ عليهم بما ردَّ، نقل عن الكفار ما ردَّه عليهم أيضاً،
وبين المحكَّيْنِ مناسبةٌ مِن حيث اشتمالُهما(١) على إسنادٍ ما يُكره إلى بعض الأمور،
وکون الكراهة له بسبب ذلك، وهو كما ترى.
وفي ((الكشف)) أنَّ جملة ((وإن تصبهم)) إلخ معطوفةٌ على جملة قوله تعالى:
﴿فَإِنْ أَصَبَتْكُ مُصِيبَةٌ﴾، ﴿وَلَيِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ﴾ دلالةً على تحقيق التبطئة والتثبيط،
أمَّا دلالة الأوليين فلا خفاءَ بهما، وأمَّا الثانية، فلأنَّهم إذا اعتقدوا في الداعي إلى
الجهاد ﴿ ذلك الاعتقاد الفاسد، قطعوا أنَّ في اتِّباعه - لاسيَّما فيما يجرُّ إلى
ما عدُّوه سيئةً - الخبالَ والفساد، ولهذا قلب الله عليهم في قوله سبحانه: ﴿فَين
نَفْسِةْ﴾ ليصيرَ ذلك كانَّا لهم عن التثبيط إلى التنشيط، وأردفه ذِكرَ ما هم فيه مِن
التعكيس في شأن مَن هو رحمةٌ مرسلةٌ للناس كافةً، وأَّدَ أمر اتِّباعه بأنْ جَعَلَ
طاعته وَ﴿ طاعة الله تعالى مع ما أَمدَّه به مِن التهديد البالغِ المضمَّن في قوله
سبحانه: ﴿وَمَنْ تَوَلَّ﴾ .
ثم قال: ولا يخفى أنَّ ما وقع بين المعطوفَين ليس بأجنبي، وأنَّ ﴿فَلْيُقَتِلْ﴾
شديدُ التعلُّق بسابقه، ولمَّا لزم من هذا النسقِ تقسيمُ المرسَل إليهم إلى كافرٍ مُبطىءٍ
ومؤمنٍ قويٍّ وضعيف، استأنف تقسيمَهم مرةً أخرى في قوله سبحانه الآتي:
﴿وَيَقُولُونَ﴾ - أي: الناسُ المرسَلُ إليهم - إلى مبيِّتٍ هو الأول، ومُذيعٍ هو الثالث،
ومَن يُرجَعُ إليه هو الثاني، فهذا وجهُ النَّظْمِ والارتباطِ بين الآيات السابقة
واللاحقة، انتهى. ولا يخلو عن حُسنٍ، وليس بمتعيِّن كما لا يخفى.
هذا ووقف أبو عمرو والكِسائيُّ بخلافٍ عنه على ((ما)) من قوله تعالى:
((فما لهؤلاء))، وجماعةٌ على لام الجر(٢)، وتعقّب ذلك السمينُ بأنه ينبغي أنَّ
لا يجوز كلا الوقفين؛ إذ الأول وقفٌ على المبتدأ دون خبره، والثاني على الجارِّ
دون مجروره(٣).
(١) في (م): اشتمالها، ولم توجد في الأصل، والصواب ما أثبتناه.
(٢) التيسير ص ٦١، والنشر ١٤٦/٢ - ١٤٧.
(٣) الدر المصون ٤٦/٤-٤٧.