Indexed OCR Text

Pages 61-80

الآية : ٤٥
٦١
سُورَةُ النساءِ
وقال الزَّجَّاج: المعنى: يَأخذون الرُّشَا ويُحرِّفونَ التوراة(١). فالضلالةُ هو هذا
التحريف، أي: اشتَرَوها بمالِ الرشا.
وذهَبَ أبو البقاء إلى أنَّ جملة ((يشترون)) حالٌ مقدَّرةٌ من ضمير ((أوتوا))، أو
حالٌ من ((الذين))(٢). وتُعقِّبَ الوجهُ الأَول: بأنَّه لا ريب في أنَّ اعتبارَ تَقديرٍ
اشترائهم المذكور في الإيتاء مما لا يَليقُ بالمقام. والثاني: بأنَّه خالٍ عن إفادةٍ أنَّ
مادةَ التشنيع والتعجيبِ هو الاشتراءُ المذكورُ وما عُطف عليه من قوله تعالى:
﴿وَيُرِدُونَ أَنْ تَضِلُواْ السَّبِيلَ
٤٤
فالأَوجَهُ الاستئنافُ، والمعطوفُ شريكٌ للمعطوف عليه فيما سَبَقَ له، والمعنى:
إنَّهم لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يُريدون بما فعلوا مِن تكذيب النبيِّ ◌َّه وكَتْم نعوته
الناطقةِ بها التوراةُ أنْ تكونوا أنتم أيضاً ضالِّينَ الطريقَ المستقيمَ الموصلَ إلى الحقِّ.
والتعبيرُ بصيغة المضارع في الموضعَين للإيذان بالاستمرار التجدُّدي، فإنَّ تَجدُّد
حُكمِ اشترائهم المذکورِ، وتَكرِّرَ العمل بموجبه في قوةٍ تَجدُّد نفسه وتکژُّره، وفي
ذلك أيضاً مِن التشنيع مالا يخفى.
وقرئ: ((أنْ يَضلوا)) بالياء بفتح الضاد وكسرها(٣).
﴿وَاللهُ أَعْلَمُ﴾ منکم أيها المؤمنون ﴿پاَعْدَآپگم﴾ الذین مِن جملتهم هؤلاء، وقد
أَخبرَكُم بعداوتهم لكم وما يُريدون فاحذروهم، فالجملةُ مُعترِضةٌ للتأكيد وبيانٍ
التحذير، وإلا فَأَعْلَميةُ الله تعالى معلومةٌ.
وقيل: المعنى: أنه تعالى أعلمُ بحالهم ومآلِ أمرِهم فلا تلتفتوا إليهم ولا تكونوا
في فكرٍ منهم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ يلي أَمرَكم وينفعكم بما شاء.
(١) معاني القرآن للزجاج ٥٧/٢، وفيه: أي يؤثرون التكذيب بأمر النبي عليه ليأخذوا على ذلك
الرشا، ويثبت لهم رياسة.
(٢) الإملاء ٢٦٢/٢ -٢٦٣.
(٣) القراءتان في الكشاف ٥٣٠/١، والبحر ٢٦١/٣، والقراءة بفتح الضاد في القراءات الشاذة
ص٢٦.

سُورَةُ الشَكَاة
٦٢
الآية : ٤٦
٤٥
﴾ يَدفعُ عنكم مكرَهم وشرَّهم، فاكتفُوا بولايتِهِ ونُصرته
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا
ولا تُبالوا بهم، ولا تكونوا في ضيقٍ مما يمكرون، وفي ذلك وَعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ
لأعدائهم، والجملةُ مُعترِضةٌ أيضاً.
والباء مزيدةٌ في فاعِلِ ((كفى)) تأكيداً للنسبة بما يُفيد الاتصالَ وهو الباء
الإلصاقية، وقال الزجَّاج: إنما دخلَتْ هذه الباءُ لأنَّ الكلامَ على معنى: اكتفوا
بالله (١)
و(دولياً)) و((نصيراً)) منصوبان على التمييز، وقيل: على الحال. وتكريرُ الفعل في
الجملتين مع إظهار الاسم الجليلِ لتأكيدِ كفايته عزَّ وجلَّ مع الإشعار بالعلِّية.
﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ قيل: هو بيانٌ لـ ((الذين أُوتوا)) المتناوِلِ بحَسَبِ المفهومِ لأهلِ
الكتابَين، وقد وُسِّط بينهما ما وُسِّط لمزيد الاعتناء ببيانِ محلِّ التشنيعِ والتعجيبِ،
والمسارعةِ إلى تنفير المؤمنينَ عنهم، والاهتمامٍ بحثِّهم على الثقة بالله تعالى
والاكتفاءِ بولايته ونُصرَتِهِ.
واعتَرضَهُ أبو حيان بأنَّ الفارسيَّ قد مَنّع الاعتراض بجملتين فما ظنُّك
بالثلاث(٢)؟!
وأجابَ الحلبيُّ بأنَّ الخلافَ إذا لم يَكْن عطفٌ، والجملُ هنا مُتعاطفةٌ وبه يَصير
الشيئانِ شيئاً واحداً(٣).
وقيل: إنَّه بيانٌ لـ ((أعدائكم)). وفيه أنَّه لا وجْهَ لتخصيصٍ علمه سبحانه بطائفةٍ
من أعدائهم لاسيَّما في معرض الاعتراض.
وقيل: إنَّه صلةٌ لـ ((نصير))، أي: يَنصركم من الذين هادوا. وفيه تَحجيرٌ لواسعٍ
نُصرةِ الله تعالى، مع أنَّه لا داعيّ لوضع الموصول مَوضع ضمير الأعداء،
وكونُ ما في حيِّز الصلة وصفاً ملائماً للنصر غيرُ ظاهرٍ .
(١) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٥٧ .
(٢) البحر المحيط ٢٦٢/٣.
(٣) الدر المصون ٣/ ٦٩٤.

الآية : ٤٦
٦٣
سُورَةُ السَّةِ
وقيل: إنه خبر مبتدأ محذوفٍ، وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾
صفةٌ له، أي: من الذين هادوا قومٌ يُحرِّفون، ويَتعيَّنُ هذا في قراءة عبد الله: ((ومن
الذين)»(١)، وقد تقرَّر أنَّ المبتدأ إذا وُصِف بحملةٍ أو ظرفٍ، وكان بعضَ اسمِ
مجرورٍ بـ (من)) أو ((في)) مقدَّم عليه يَظَردُ حذفُه، ومنه قوله:
وما الدهرُ إلا تارتانِ فَمِنْهما أَموتُ وأخرى أَبتغي العيشَ أَكدحُ(٢)
والفرَّاءُ يَجعل المبتدأ المحذوفَ اسماً موصولاً، و((يحرِّفون)) صلته، أي: من
الذين هادوا مَن يحرِّفون(٣)، والبصريون يمنعون حذفَ الموصولِ مع بقاء صلته،
إلا أنَّه يُؤيِّده ما في مصحف حفصةٌ ﴿ّ: (مَن يحرِّفون))(٤).
واعتُرض هذا أيضاً بأنه يَقتضي بظاهره كونَ الفريق السابق بمعزلٍ من التحريف
الذي هو المصداقُ لاشترائهم في الحقيقة.
و ((الكلم)) اسمُ جنسٍ واحدُه كلمة، كلَبِنَة ولَیِن، ونَبِقَة ونَبِقِ. وقيل: جَمْعٌ،
وليس بشيءٍ على المختار، ولعلَّ مَن أطلقه عليه أرادَ المعنَى اللغويَّ، أعني ما يدلُّ
على ما فوق الاثنين مُطلقاً، وتذكيرُ ضميرِهِ باعتبار إفرادِه لفظاً، وجمعيتُه باعتبار
تَعدُّده معنَى. وقرئ بكسر الكاف وسكونِ اللام جمع ((كِلْمة)) تخفيف «کَلِمَة)»، بنَقْلِ
كسرةٍ اللام إلى الكاف، وقرئ: ((يُحرِّفون الكلام)»(٥) .
والمراد به هاهنا إمَّا ما في التوراة، وإمَّا ما هو أعمُّ، منه ومما سيُحكى عنهم
مِن الكلماتِ الواقعة منهم في أثناء محاورَتهم مع الرسولِ وَّهِ. والأوَّلُ هو المأثورُ
عن السلف كابن عباس ومجاهد وغيرهما .
وتحريفُ ذلك إمَّا إزالتُه عن مَواضعه التي وَضَعه الله تعالى فيها مِن التوراة،
كتحريفهم (ربعة)) في نَعتِ النبيِ وَّهُ وَوَضْعِهم مكانَه ◌ُطُوال، وكتحريفهم الرجمَ
(١) لم نقف على هذه القراءة عند غير المصنف.
(٢) البيت لتميم بن أبي بن مقبل، وهو في ديوانه ص٢٤، والكتاب ٣٤٦/٢، ومعاني القرآن
للزجاج ٥٨/٢، والمحتسب ٢١٢/١، البحر المحيط ٢٦٢/٣.
(٣) معاني القرآن للفراء ٢٧١/١.
(٤) حاشية الشهاب ١٤٢/٣.
(٥) القراءتان في القراءات الشاذة ص٢٦، والبحر ٢٦٣/٣.

سُورَةُ الرَّسَكَاةِ
٦٤
الآية : ٤٦
وَوَضْع الحدِّ مَوضِعَه. وإمَّا صَرْفُه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صحَّة
له، بالتأويلات الفاسدة والتمثّلات الزائغة، كما تَفعلُه المبتدعة في الآيات القرآنية
المخالفة لمذهبهم.
ويُؤيِّد الأول ما رواه البخاري عن ابن عباسٍ قال: كيف تسألونَ أهل الكتاب
عن شيءٍ وكتابُكم الذي أُنزل على رسوله أَحدَثُ، تَقرؤونه محضاً لم يَشب، وقد
حدَّثكم أنَّ أهل الكتاب بَدَّلوا كتاب الله تعالى وغيّرُوه، وكتبوا بأيديهم الكتاب
وقالوا: هو مِن عند الله ليَشتَروا به ثمناً قليلاً(١).
واستُشكل بأنَّه كيف يُمكن ذلك في الكتاب الذي بلغَتْ آحادُ حروفه وكلماته
مبلغَ التواتر وانتشرت نُسَخُه شرقاً وغرباً؟ !.
وأُجيبَ بأنَّ ذلك كان قبل اشتهار الكتاب في الآفاق وبُلوغِهِ مبلغَ التواتر، وفيه
بعدٌ، وإنْ أيِّد بوقوع الاختلاف في نُسَخ التوراة التي عند طوائفِ اليهود.
وقيل: إنَّ اليهودَ فعلوا ذلك في نُسَخِ مِن التوراة ليُضلُّوا بها، ولمَّا لم تَرُجْ
عدلوا إلى التأويل.
والمراد مِن ((مواضعه)) على تقديرِ إرادةِ الأعمّ: ما يَليق به مطلقاً، سواءٌ كان
ذلك بتعيينه تعالى صريحاً كمواضعٍ ما في التوراة، أو بتعيينِ العقل والدِّين كمواضع
غيرِه.
وأصلُ التحريفِ: إمالةُ الشيءِ إلى حرفٍ، أي: طرفٍ، فإذا كان ((يحرِّفون))
بمعنى: يُزيلون، كان كنايةً، لأنَّهم إذا بَدَّلوا الكلم ووَضَعوا مكانه غيرَه لزم أنَّهم
أمالوه عن مواضعه(٢) وحرَّفوه.
والفرقُ بينَ ماهنا وما يأتي في سورة المائدة مِن قوله سبحانه: ﴿مِنْ بَعْدٍ
مَوَاضِعِةٍ﴾ [الآية: ٤١] أنَّ الثاني أدلُّ على ثبوتٍ مقارِ ((الكلم)) واشتهارها مما هنا،
وذلك لأنَّ الظرفَ يَدلُّ على أنَّه بعد ما ثبت الموضِعُ وتقرَّر حرَّفوه عنه، واختار ذلك
هنالك لأنَّ فيه ما يقتضي الإتيان بالأدلِّ الأبلغِ.
(١) صحيح البخاري (٧٣٦٣).
(٢) في الأصل: موضعه.

الآية : ٤٦
٦٥
سُورَةُ المشكلة
﴿وَيَقُولُونَ﴾ عطفٌ على ((يُحرِّفون))، وأكثرُ العلماء على أنَّ المرادَ به القولُ
اللسانيُّ بمحضرِ النبيِّ وَّه، واختار البعض حَمْلَه على ما يَعُمُّ ذلك وما يُتُرجِم عنه
عنادُهم ومكابرتُهم ليَندرجَ فيه ما نطقت به ألسنةُ حالهم عند تحريفِ التوراة،
ولا يُقيَّدُ حينئذٍ بزمانٍ أو مكان، ولا يُخصَّصُ بمادةٍ دون مادةٍ، ويَحتاجُ إلى
ارتكابٍ عمومِ المجاز لئلّا يَلزمَ الجمعُ بين الحقيقةِ والمجاز، والمعنى عليه: أنَّهم
مع ذلك التحريفِ يَقولون ويُفهمون في كلِّ أمرٍ مخالفٍ لأهوائهم الفاسدةِ سواء
كان بمحضر النبيَِّ أو [لا](١)، بلسان الحال أو المقال، عناداً وتحقيقاً
للمخالفة: ﴿سَمِعْنَا﴾ أي: فهمنا ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أي: لم نَأْتَّمِر، وبذلك فَسَّره
الراغب(٢).
﴿وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ عطفٌ على ((سمعنا)) داخلٌ معه تحت القولِ، لكنْ باعتبار
أنَّه لسانيٍّ وفي أثناء مخطابيِهِ وَ ◌ّ، وهو كلامٌ ذو وجَهين محتملٌّ للشرِّ والخير،
ويُسمَّى في البديع بالتوجيه كما قاله غيرُ واحدٍ، ومَثَّلوا له بقوله:
خَاطَ لي عَمْرُوقِبا لَيتَ عَيْنَيه ◌ِوا(٣)
واحتماله للشرِّ بأنْ يُحملَ على معنى: اسمع مدعوَّا عليك بلا سَمِعْتَ، أو:
اسمَعْ غيرَ مُجابٍ إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع نابِيَ السمع عما تَسمعُه لكراهيته
عليك، أو: اسمع كلاماً غيرَ مُسمَعِ إياك لأنَّ أذنيك تَنبو عنه. فـ ((غير)) إمَّا حالٌ
لا غير، وإمَّا مفعول به، وصَحَّت الحالية على الاحتمال الأولِ باعتبار أنَّ الدعاء
هو المقصودُ لهم، وأنَّهم لما قدَّروا ـ لعنهم الله تعالى - إجابتَه صار كأنَّه واقعٌ
مقرَّرٌ.
واحتماله للخير بأنْ يُحمل على معنى: اسمع منَّا غيرَ مسمَعِ مكروهاً، مِن
قولهم: أَسمَعَهُ فلان، إذا سبَّه، وكان أصله: أَسمَعَهُ ما يكره، فحذَّف مفعوله نَسياً
مَنسيًّا، وتعورف في ذلك. وقد كانوا ـ لعنهم الله تعالى - يُخاطِبون بذلك
رسولَ اللهِ وَّه استهزاءَ مُظهرِين له وَل﴿ المعنى الأخير وهم يُضمرون سواه.
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٨٣/٢، والكلام منه.
(٢) في مفردات ألفاظ القرآن (سمع).
(٣) البيت لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٧٥/١.

سُورَةُ الشّاةِ
٦٦
الآية : ٤٦
﴿وَرَعِنَا﴾ عطفٌ على ما قبله، أي: ويقولون أيضاً في أثناء خطابهم له وَّ
هذا، وهو ذو وَجهَين كسابقه، فاحتمالهُ للخير على معنى: أَمْهِلْنا وانْظُرْ إلينا، أو:
انْتَظِرْنا نكلِّمْكَ. واحتماله للشرِّ بحمله على السبِّ، ففي ((التيسير)): إنَّ ((راعنا)) بعينه
مما يَتسابُون به، وهو للوصف بالرعونة.
وقيل: إنه يُشبه كلمةً سبِّ عندهم عبرانيةً أو سريانيةً، وهي: راعينا.
وقيل: بل كانوا يُشبعون كسر العين ويَعنونَ لعنهم الله تعالى أنَّه - وحاشاه داَله -
بمنزلة خَدمهم ورعاةٍ غَنمهم.
وقد كانوا يَقولون ذلك مُظْهِرين الاحترامَ والتوقيرَ، مُضمرينَ ما يَستحقُّون به
جهنَّمَ وبئس المصير، وهذا نوعٌ من النفاق، ولا يُنافيه تَصريحُهم بالعصيانِ، لِمَا
قيل: إنَّ جميعَ الكفار يُخاطبون النبي ◌َ﴿ بالكفر ولا يُخاطبونه بالسبِّ والذمِّ
والدعاءِ عليه عليه الصلاة والسلام.
واعتُرضَ بأنه حينئذٍ لا وَجْهَ لإيرَاد السماع والعصيان مع التحريفِ وإلقاء الكلامِ
المحتَمِل احتيالاً .
وأجيب بأنه يُمكن أنْ يقال: المقصودُ على هذا عدُّ صفاتهم الذميمةِ لا مجرَّد
التحريفِ والاحتيالِ، فكأنه قيل: يُحرِّفون كتابهم ويُجاهرون بإنكار نبوةٍ محمد وَّه
قالاً وحالاً، وعصيانهم بعد سماع ما بلغهم وتحقَّقِه لديهم، ويَحتالون في سبِّهِ وَلَه .
وقيل: إنَّ قولهم: ((سمعنا وعصينا)) لم يكن بمحضره عليه الصلاة والسلام، بل
كان فيما بينهم، فلا يُنافي نفاقهم في الجملتين بين يديه اصله.
وقيل: القولُ نظراً إلى الجملة الأولى حاليٍّ، وإلى الجملتين الأخيرتَين لسانيٍّ.
وقيل: إنَّ الأولى أيضاً ذاتٌ وَجهَين كالأخيرتَين، إذ يَحتمل أنْ يكونَ مرادهم:
أَطَعْنا أمرَك وعصينا أمرَ قومنا، ويحتمل أنْ يكونَ مرادهم ما تقدَّم.
ومِن الناس مَن جَوَّز أنْ يُراد بتحريف الكلم: إمالتُها عن مواضعها، سواءً كانت
مواضعَ وَضَعها الله تعالى فيها، أو جعلها المقامُ والعرفُ مواضعَ لذلك، فيكونُ
المعنى: هم قومٌ عادتُهم التحريف، ويكون قوله سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إلخ تعداداً

الآية : ٤٦
٦٧
سُورَةُ النَّسَكَاةِ
لبعض تحريفاتهم، والمراد أنَّهم يقولون لك: ((سمعنا)) وعند قومهم ((عصينا))
ويقولون كذا وكذا، فيُظهرون لك شيئاً ويُبطنون خِلافه.
﴿لَيَّا بِأَلْسِتَئِهِمْ﴾ الليُّ يكون بمعنى الانحراف والالتفات والانعطاف عن جهةٍ إلى
أخرى، ويكون بمعنى ضمِّ إحدى نحوِ طاقات الحبل على الأخرى، والمرادُ به
هنا: إمَّا صرفُ الكلام من جانب الخير إلى جانب الشر، وإمَّا ضمُّ أحدِ الأمرَين
إلى الآخر، وأصله: لَزَيٌّ، فقُلبت الواو ياءً وأدغمت.
ونَصْبه على أنه مفعول له لـ ((يقولون)) باعتبارِ تعلُّقه بالقولَين الأخيرين، وقيل:
بالأقوال جميعها. أو على أنه حالٌ، أي: لاوِينَ. ومثلُه في ذلك قولُه تعالى:
﴿وَطَعْنَا فِىِ الذِينِّ﴾ أي: قدحاً فيه بالاستهزاءِ والسُّخريةِ. وكلٌّ مِن الظرفَين متعلّق
بما عنده.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ عندما سمعوا شيئاً مِن أوامر الله تعالى ونَواهيه ﴿قَالُواْ﴾ بلسان
المقالِ كما هو الظاهر - أو به وبلسان الحال كما قيل -: ﴿سَمِعْنَا﴾ سماعَ قَبولٍ،
مكان قولهم: ((سمعنا)) المرادِ به سماعُ الرَدِّ ﴿وَأَعْنَا﴾ مكان قولهم: ((عصينا))،
﴿وَأَسْمَعْ﴾ بدل قولهم: ((اسمع غير مسمع)) ﴿وَأَنْظُرْنَا﴾ بدل قولهم: ((راعنا))،
﴿لَكَانَ﴾ قولُهم هذا ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ وأَنفعَ من قولهم ذلك، ﴿وَأَقْوَمَ﴾ أي: أعدلَ في
نفسه، وصيغةُ التفضيل إمَّا على بابها، واعتبارُ أصل الفعل في المفضَّل عليه بناءً
على اعتقادهم أو بطريق التهكّم، وإمَّا بمعنى اسم الفاعل، فلا حاجة إلى تقدير
«من)).
وفي تَقديم حالِ القول بالنسبة إليهم على حاله في نفسه إيماءٌ إلى أنَّ هِمَمَ
اليهودِ لعنهم الله تعالى طَمَّاحَةٌ إلى ما ينفعُهم.
والمنسبك مِن ((أنَّ) وما بعدها فاعلُ ((ثبت)) المقدَّرِ لدلالة ((أنَّ) عليه، أي:
لوثَبَتَ قولُهم: سمعنا إلخ، وهو مَذهبُ المبرِّد. وقيل: مبتدأٌ لا خبرَ له، وقيل:
خبرُه مقدَّر.
﴿وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ يَكُفْرِهِ﴾ أي: ولكنْ لم يقولوا الأنفعَ والأَقْومَ، واستمرُّوا على
ذلك فخذلهم الله تعالی وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم.

سُوَةُ النَّةِ
٦٨
الآية : ٤٧
اختارَ العلّامة الثاني كونَه استثناءً مِن ضمير
٤٦
﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بعدُ ﴿إِلَّا قَلِيلًا
المفعولِ في ((لعنهم))، أي: ولكنْ لعنهم الله تعالى إلَّا فريقاً قليلاً منهم فإنَّه سبحانه
لم يَلْعنهم، فلهذا آمَنَ مَن آمَنَ منهم كعبد الله بن سلام وأضرابِهِ.
وقيل: هو مستثنّى من فاعلِ ((يؤمنون))، ويَتَّجه عليه أنَّ الوجه حينئذٍ الرفعُ على
البدل؛ لأنه مِن كلامٍ غيرِ موجبٍ، مع أنَّ القرَّاء قد اتَّفقوا على النصب، ويَبعدُ منهم
الاتّفاقُ على غيرِ المختار، مع أنَّه يَقتضي وقوعَ إيمانٍ مَن لَعنه الله تعالى وخَذَله
إلا أنْ يُحمل «لعنهم الله بكفرهم)) علی لعنٍ أکثرهم، وهو كما ترى.
وقيل: إنَّه صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: إلا إيماناً قليلاً؛ لأنَّهم وَحَّدوا وكفروا
بمحمدٍ رَّ﴿ وشريعتِّهِ، والإيمانُ بمعنى التصديق لا الإيمان الشرعي، وجُوِّز على
هذا الوجه أنْ يُرادَ بالقِلَّة العدمُ كما في قوله:
قليلُ التَّشَكِّي للمُهِمِّ يُصيبُهُ كَثيرُ الهوى شَتَّى النَّوى والمَسَالكِ(١)
والمرادُ أنَّهم لا يؤمنون إلا إيماناً معدوماً إما على حدٍّ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا
أَلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْنَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، أي: إنْ كان المعدومُ إيماناً فهم يُحدِثون
شيئاً مِن الإيمان، فهو مِن التعليق بالمحال، أو أنَّ ما أحدثوه منه لمَّا لم يشتمل
على ما لا بدَّ منه كان معدوماً انعدامَ الكلِّ بجزئِهِ، والوجهُ هو الأول.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ نزلتْ - كما قال السدِّيُّ - في زيدِ بنِ التابوت،
ومالكِ بن الصيف. وأخرج البيهقيُّ في ((الدلائل)) وغيرُه عن ابن عباس ◌ًَّا قال:
كلَّمَ رسولُ اللهِ وَّ﴿ رؤساءَ مِن أحبار يهودَ، منهم عبدُ الله بن صوريا وكعب بن أسد،
فقال لهم: ((يا معشرَ يهود، اتَّقوا الله وأَسْلِموا، فوالله إنَّكم لتعلمون إنَّ الذي جئتكم
به لحقٌّ))، فقالوا: ما نعرفُ ذلك يا محمد. فأنزل الله تعالى فيهم الآية(٢).
ولا يخفى أنَّ العبرةَ لعموم اللفظ، وهو شاملٌ لمن حُكيتْ أحوالُهم وأقوالُهم
ولغيرهم. وجَعْلُ الخطابِ للأَوَّلين خاصةً بطريق الالتفات، وأنَّ وصفَهم بإيتاء
الكتاب تارةً وبإيتاء نصيبٍ منه أُخرى لتوفيةِ كلِّ مِن المقامَينِ حَظّه، بعيدٌ جدًّا .
(١) البيت لتأبط شرًّا، وهو في ديوانه ص١٥١ .
(٢) دلائل النبوة ٢/ ٥٣٤، وهو في تفسير الطبري ١١٨/٧. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩٦٨/٣ عن
عكرمة، وذكره ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق.

الآية : ٤٧
٦٩
سُورَةُ القَسَنَّةِ
ولمَّا كان تفصيلُ هاتيك الأحوالِ والأقوالِ مِن مَظانٌّ إقلاع مَن توجَّه الخطاب
إليهم عمَّا هم عليه مِن الضلالة عقَّبَ ذلك بالأمر بالمبادَرةِ إلى سلوكِ مَحجّة الهدى
مشفوعاً بالتحذير والتخويفِ والوعيدِ الشديدِ على المخالفة، فقال سبحانه:
﴿مَامِنُواْ﴾ إيماناً شرعياً ﴿ِمَا نَّلْنَا﴾ أي: بالذي أنزلناه مِن عندنا على رسولنا
محمد ◌َ مِن القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾ مِن التوراة الغيرِ المبدَّلةِ، وقد تَقدَّم كيفيَّةُ
تَصديقِ القرآن لذلك. وعبَّر عن التوراة بما ذكر؛ للإيذان بكمالٍ وقوفهم على حقيقة
الحالِ المؤدِّي إلى العلم بكون القرآنِ مُصدِّقاً لها .
﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ مُتعلِّقٌ بالأمر، مفيدٌ للمسارعَةِ إلى الامتثال لِمَا فيه
مِن الوعيدِ الوارد على أبلغ وجهٍ وآكده، حيثُ لم يُعلِّق وقوع المتوعَّد به بالمخالفة،
ولم يُصرِّح بوقوعه عندها؛ تَنبيهاً على أنَّ ذلك أمرٌ محقَّقٌ غنيٌّ عن الإخبار به، وأنَّه
على شرفِ الوقوعِ مُتوجّةٌ نحو المخاطّين(١) .
وفي تنكير «وُجوهٍ» تهويلٌ للخطب مع لُطفٍ وحُسنِ استدعاءٍ.
وأصلُ الطمس: استئصالُ أَثرِ الشيء، والمرادُ: آمِنوا مِن قبلِ أنْ نَمحوَ ما خطَّه
الباري بقلم قُدرته في صحائفِ الوجوه مِن نون الحاجب وصاد العين وألف الأنف
ومیم الفم، فنجعلها کخفّ البعير أو کحافر الدابّة، وروي هذا عن ابن عباس
وقال الفراءُ(٢) والبلخيُّ وحسين المغربيُّ: إنَّ المعنَى: آمنوا مِن قبل أنْ نجعل
الوجوه منابتَ الشعرِ كوجوه القردة.
﴿فَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ أي: فنجعلَها على هيئةٍ أدبارِها وأقفائها مطموسةً مثلَها،
فإنَّ ما خَلْفَ الوجهِ لا تصويرَ فيه، وهو مَنبتُ الشعر أيضاً، والعطفُ بالفاء إمَّا على
إرادة: نريد الطمسَ(٣). أو على جعل العطفِ مِن عطف المفضَّل على المجمّل.
(١) في الأصل: المخاطب، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢/ ١٨٥، والكلام منه.
(٢) في معاني القرآن ١/ ٢٧٢.
(٣) يعني إذا أريد بالطمس أن تسوَّى الوجوه وتجعل کأدبارها لا تصوير فيها، فحينئذٍ يكون
الطمس والرد على الأعقاب واحداً، فلا يناسب العطف بالفاء إلا أن يؤوَّل ((نطمس)
بـ : نريد الطمس.

سُورَةُ النَّشَاةِ
٧٠
الآية : ٤٧
وعن عطية العوفي: أنَّ المرادَ: نُنكِّسها بعد الطمسِ بجعل العيون التي فيها
وما معها في القفا، فالعطف بالفاء ظاهرٌ.
وقيل: المراد بالوجوه: الوجهاءُ، على أنَّ الطمسَ بمعنى مُطلق التغيير، أي:
من قبل أنْ نُغيِّر أحوالَ وُجهائهم فنسلب وَجَاهَتَهم وإقبالَهم، ونكسوهم صَغاراً
وإدباراً، أو نَردَّهم من حيث جاؤوا منه، وهي أَذرعات الشام، فالمرادُ بذلك
إجلاءُ بني النضير، وإلى هذا المرادِ ذهب ابنُ زيد، وضُعِّف بأنَّه لا يساعدُه مقامُ
تشديدٍ (١) الوعيد، وتَعميمِ التهديدِ للجميع.
وقد اختلف في أنَّ الوعيدَ هل كان بوقوعِهِ في الدنيا، أو في الآخرة؟ فقال
جماعةٌ: كان بوقوعه في الدنيا، وأُيِّدَ بما أخرجه ابنُ جرير عن عيسى بنِ المغيرة قال:
تَذَاكَرْنا عند إبراهيمَ إسلامَ کعبٍ فقال: أسلمَ كعبٌ في زمان عمرَ رَبه، أقبلَ وهو
يريدُ بيتَ المقدس، فمرَّ على المدينةِ فخرجَ إليه عمرُ فقال: يا كعبُ أسلم. قال:
ألستُم تقرِؤون في كتابكم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ
يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]؟ وأنا قد حَمَلتُ التوراة. فتركه، ثم خرجَ حتى انتهى إلى
حمصَ، فسمعَ رجلاً من أهلها يقرأ هذه الآية فقال: ربِّ آمنتُ، ربِّ أسلمتُ. مخافةً
أنْ يُصيبَه وعيدُها، ثم رجعَ فأتى أهلَه باليمن ثم جاء بهم مُسلمين(٢).
وروي أنَّ عبد الله بن سلام لمَّا قَدِم من الشام وقد سمعَ هذه الآية، أتى
رسولَ اللهِ وَ﴿ قبل أنْ يأتيَ أهلَه، فأسلم وقال: يا رسولَ الله ما كنتُ أَرَى أنْ أصلَ
إليك حتى يَتَحوَّلَ وجهي إلى قفاي(٣).
ثم اختلفوا فقال المبرِّدُ: إنه مُنتَظَرٌ بعدُ، ولا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليهودِ ومَسخٍ قبل
قيام الساعة، وأُيِّدَ بتنكير ((وجوهٍ)) والتعبيرِ بضمير الغيبة فيما يأتي.
واعتَرضه شيخُ الإسلام: بأنَّ انصراف العذابِ الموعود عن أوائلهم، وهم
الذين باشروا أسبابَ نزوله وموجباتٍ حلولِهِ، حيثُ شاهدوا شواهدَ النبوة في
(١) في الأصل: تجديد، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٨٦/٢، والكلام منه.
(٢) تفسير الطبري ٧/ ١١٩ .
(٣) تفسير أبي الليث ٣٥٩/١، وتفسير البغوي ٤٣٩/١.

الآية : ٤٧
٧١
سُورَةُ السَّة
رسول الله وَ﴿ فكذَّبوها وفي التوراة فحرَّفوها، وأصرُّوا على الكفر والضلالةٍ،
وتعلَّقَ بهم خطابُ المشافَهةِ بالوعيد، ثم نزوله على مَن وُجد بعد ما فات مِن السنين
مِن أعقابهم الضالِين بإضلالهم، العاملين بما مَهَدوا مِن قوانينَ الغوايةِ = بعيدٌ مِن
حكمةِ العزيزِ الحكيم(١).
والجوابُ بأنَّ عادةَ الله سبحانه قد جَرَت مع اليهود بأنْ يَنتقمَ مِن أخلافهم
بما صَنعت أسلافهُم وإنْ لم يُعلم وجهُ الحكمة فيه، على تقدير تسليمه لا يُزيل البعدَ
في هذه الصورةِ.
وقال الطبرسيُّ: إنَّ هذا الوعيدَ كان مُتوجّهاً إليهم لو لم يُؤمن أحدٌ منهم، وقد
آمن جماعةٌ من أحبارهم فلم يقع، ورُفِعَ عن الباقين(٢).
واعترضَ(٣) أيضاً بأنَّ إسلامَ البعض إنْ لم يكن سبباً لتأكُّدِ نزول العذاب على
الباقين لتشديدِهم النكيرَ والعنادَ بعد ازديادِ الحقِّ وضوحاً وقيامِ الحجّة عليهم بشهادةٍ
أمائلهم العدول، فلا أقلَّ مِن أنْ لا يكونَ سبباً لرفعه عنهم.
وقيل في الجواب: إنَّه إذا جازَ أنْ يُنزلَ سبحانه البلاءَ على قوم بسبب عصيانٍ
بعضٍ منهم كما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿وَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ أَلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ
غَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] فلأنْ يجوزَ أنْ يرفعَ ذلك عن الكلِّ بسبب طاعةِ البعض مِن
بابٍ أَوْلى؛ لأنه سبحانه الرحمنُ الرحيمُ الذي سبقَتْ رحمتُهُ غضبه.
وقد ورد في الأخبار ما يدلُّ على وقوع ذلك، ودعوى الفرق مما لا تكاد
تسلم.
وقيل: كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطقُ به قوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا
لَعَنَّاَ أَضْحَبَ السَّبْتِ﴾ فإنْ لم يَقع الأمرُ الأول فلا نزاعَ في وقوع الأمر الثاني، فإنَّ
اليهودَ ملعونون بكلِّ لسانٍ وفي كلِّ زمانٍ، فاللعنُ بمعناه الظاهرِ، والمرادُ من التشبيه
بلعنِ أصحاب السبت الإغراقُ في وصفِهِ.
(١) تفسير أبي السعود ١٨٦/٢.
(٢) مجمع البيان ٥/ ١٢٠.
(٣) المعترض هو أبو السعود في تفسيره ١٨٦/٢.

سُورَةُ الشَّكَاة
٧٢
الآية : ٤٧
واعترض بأنَّ اللعنَ الواقع عليهم ما تداولته الألسنةُ، وهو بمعزلٍ مِن صلاحية
أنْ يكونَ حكماً لهذا الوعيدِ أو مَزجرةً عن مخالفةٍ للعنيد، فاللعنُ هنا الخزيُ
بالمسخ وجَعْلهم قردةٌ وخنازيرَ كما أخرجه ابن المنذر(١) عن الضحاك، وابنُ جرير
عن الحسن(٢)، ويؤيدُه ظاهرُ التشبيه، وليس في عطفه على الطمس والردِّ على
الأدبار شائبةُ دلالةٍ على عدم(٣) إرادةٍ ذلك، ضرورةً أنَّه تعبيرٌ مغايرٌ لما عُطفَ عليه،
والاستدلال على مغايرةِ اللعن للمسخ بقوله تعالى: ﴿قُلّ هَلْ أُنَِّئُكُم بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَةٌ
عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَازِيَرَ﴾ [المائدة: ٦٠] لا يفيدُ أكثرَ
مِن مغايرتِهِ للمسخِ في تلك الآيةِ.
وذهب البلخيُّ والجبائيُّ إلى أنَّ الوعيد إنَّما كان بوقوع ما ذكر في الآخرةِ عند
الحشرِ، وسيقعُ فيها أحدُ الأمرَين أو كلاهما على سبيل التوزيع.
وأجيب عمَّا رُوي عن الحبرَين: الظاهرُ في أنَّ ذلك في الدنيا، بأنه مبنيٌّ على
الاحتياط وغلبةِ الخوف اللائق بشأنهما، وقد ورد أنَّ النبيَّ وَّه كان يُكثر الدخولَ
والخروجَ في الحجرات ولا يَكاد يَقرُّ له قرارٌ إذا اشتدَّ الهواءُ، ويقول: ((أخشى أنْ
تقومَ الساعة)»(٤) مع علمه وَ لّز بأنَّ قبل قيامها القائمَ، وعيسى عليه السلام، والدجالَ
عليه اللعنة، والدابةَ، وطلوعَ الشمس مِن مغربها، إلى غير ذلك مما قصَّهَ بَّ علينا.
وجَوَّز بعضُهم على تقدير كونِ الوعيد بالوقوع في الآخرة أنْ يُرادَ بالطمسٍ والردِّ
على الأدبار الختمُ على العينِ والفم والطبعُ عليهما، فقد قال الله تعالى: ﴿لَطَمَسْنَا
عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] و﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَِّهِمْ﴾ [يس: ٦٥] وجوَّز نحوَ هذا بعضُ
مَن ادَّعى أنَّ ذلك في الدنيا فقال: إنَّ المعنى: آمِنوا مِن قبل أنْ نطمسَ وجوهاً بأنْ
نُعميَ الأبصارَ عن الاعتبار، ونُصمَّ الأسماعَ عن الإصغاء إلى الحقِّ بالطّبْعِ، ونَردّها
عن الهداية إلى الضلالة، وروي ذلك عن الضخَّاك، وأخرجه أبو الجارود عن
أبي جعفر
(١) كما في الدر المنثور ١٦٩/٢ .
(٢) تفسير الطبري ٧/ ١٢٠، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ١٦٤.
(٣) قوله: عدم، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٨٦/٢، والكلام منه.
(٤) لم تقف عليه .

الآية : ٤٨
٧٣
سُورَةُ السَحَّةِ
والحقُّ أنَّ الآية ليست بنصٍّ في كونِ ذلك في الدنيا أو في الآخرة، بل المتبادرُ
منها بحسب المقام كونُه في الدنيا؛ لأنَّه أَدْخَلُ في الزَّجر، وعليه مبنىَ ما رُوي عن
الحبرين، لكنْ لمَّا كان في وقوع ذلك خفاءٌ - واحتمالُ أنَّه وقعَ ولم يَبلُغنا على ما في
((التيسير)) مما لا يُلتَفَتُ إليه - رجَّح(١) احتمالُ كونه في الآخرة. وأيًّا ما كان فلعل
السرَّ في تخصيصهم بهذه العقوبةِ من بين العقوبات - كما قال شيخ الإسلام - مراعاةٌ
المشاكلةِ بينها وبينَ ما أَوجَبَها مِن جنايتهم التي هي التحريفُ والتغيير(٢). والفاعلُ
والراضي سواءٌ.
والضمير المنصوبُ في ((نلعنهم)) لأصحابٍ الوجوه، أو لـ ((الذين)) على طريق
الالتفاتِ؛ لأنه بعدَ تمام النداء يقتضي الظاهرُ الخطابَ، وأما قبله فالظاهرُ الغيبة،
ويجوزُ الخطابُ لكنَّ غيرَ فصيح كقوله:
وجدانُنا كُلَّ شيءٍ بَعدَكُمْ عَدَمُ(٣)
يا مَنْ يَعِزُّ علينا أنْ نُفارقَهُمْ
أو للوجوه إنْ أُريدُ به الوجهاء.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بإيقاع شيءٍ ما من الأشياء، فالمرادُ بالأمر معناه المعروف،
ويحتملُ أنْ يُرادَ به واحدُ الأمور، ولعلَّه الأظهر، أي: كان وعيدُه أو ما حَكّم به
نافذاً واقعاً في الحال، أو كائناً في المستقبل لا محالة،
وقضاه ﴿مَفْعُولًا
ويدخل في ذلك ما أُوعدتُم به دخولاً أولياً، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ
لما سَبَق، ووُضع الاسمُ الجليلُ مَوضعَ الضميرِ بطريق الالتفات لِمَا مَرَّ غيرَ مرَّة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ.﴾ كلامٌ مستأنَفٌ مقرِّرٌ لما قبله من الوعيد،
ومُؤكِّدٌ وجوبَ امتثالِ الأمر بالإيمان، حيث إنه لا مَغفرةَ بدونه، كما زَعم اليهودُ
وأشارَ إليه قولُه تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَرْنَ
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩] وفيه أيضاً إزالةُ خوفهم مِن سوء الكبائرِ السابقةِ
إذا آمنوا .
(١) في الأصل و(م): ورجح، والصواب ما أثبتناه، وينظر تفسير أبي السعود ١٨٦/٢.
(٢) تفسير أبي السعود ١٨٦/٢.
(٣) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٤/ ٨٧.

سُورَةُ السَكَّةِ
٧٤
الآية : ٤٨
والشركُ يكونُ بمعنى اعتقادٍ أنَّ لله تعالى شأنه شريكاً إمَّا في الألوهية أو في
الربوبية، وبمعنى الكفر مطلقاً، وهو المرادُ هنا كما أشار إليه ابنُ عباسٍ، فيدخلُ
فيه كفرُ اليهود دخولاً أولياً، فإنَّ الشرعَ قد نصَّ على إشراك أهلِ الكتاب قاطبةً،
وقضَى بخلودِ أصنافِ الكفرة كيف كانوا .
ونزول الآية في حقِّ اليهود على ما روي عن مقاتل لا يقتضي الاختصاصَ
بكفرهم، بل يكفي الاندراجُ فيما يقتضيه عمومُ اللفظ، والمشهورُ أنَّها نزِلَت مُطلَقَةً،
فقد أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية قامَ النبيُّ وَّر على المنبر فتلاها على الناس،
فقام إليه رجلٌ فقال: والشرك بالله؟ فسكَتَ، ثم قام إليه فقال: يا رسول الله والشرك
بالله تعالى؟ فسكتَ، مرَّتَين أو ثلاثاً، فنزلَتْ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بد،﴾. إلخ(١).
والمعنى: إنَّ الله تعالى لا يَغْفرُ الكفرَ لمن اتَّصفَ به بلا توبةٍ وإيمانٍ؛ لأنه
سبحانه بتَّ الحُكم على خلودِ عذابِهِ، وحُكمه لا يتغَّيرُ؛ ولأنَّ الحكمةَ التشريعيةَ
مُقتضيةٌ لسدٍّ بابٍ الكفر، ولذا لم يُبعث نبيٍّ إلا لسدِّه، وجوازُ مغفرتِهِ بلا إيمانٍ
مما يؤدِّي إلى فتحه.
وقيل: لأنَّ ذنبه لا ينمحي عنه أثرُه فلا يَستعدُّ للعفو، بخلافٍ غيرِه. ولا يخفى
أنَّ هذا مبنيٌ على أنَّ فعلَ الله تعالى تابعٌ لاستعداد المحلِّ، وإليه ذهب أكثر الصوفية
وجميعُ الفلاسفة.
فـ((أن يشرك)) في موضع النصبِ على المفعولية.
وقيل: المفعولُ محذوفٌ، والمعنى: لا يغفرُ مِن أجلِ أنْ يُشرَكَ به شيئاً مِن
الذنوبِ، فيفيدُ عدمَ غفرانِ الشركِ من باب أولى. والذي عليه المحقِّقون هو الأول.
﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ عطفٌ على خبرٍ ((إنَّ)) لا مستأنفٌ، و((ذلك)) إشارةٌ إلى
الشرك، وفيه إيذانٌ ببعدٍ درجتِهِ في القبح، أي: يغفرُ ما دونه مِن المعاصي وإنْ
(١) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ١٦٩/٢، وعنه نقل المصنف، وأخرجه الطبري
١٢٢/٧ من حديث ابن عمر
٠

الآية : ٤٨
٧٥
سُورَةُ النَشَاةِ
عَظُمت وكانتْ كرملٍ عالج(١) ولم يَتُبْ عنها، تَفضُّلاً مِن لَدُنْهُ وإحساناً. ﴿لِمَنْ
بَنَةُ﴾ أنْ يَغْفرَ له ممن اتَّصف بما ذُكر فقط، فالجارُّ متعلِّقٌ بـ ((يغفرُ)) المثبَتِ.
والآيةُ ظاهرٌ في التفرقة بين الشرك وما دونه، بأنَّ الله تعالى لا يغفر الأول البتةً
ويغفرُ الثاني لمن يشاء، والجماعةُ يقولون بذلك عندَ عدم التوبةِ، فحملوا الآيةَ عليه
بقرينةِ الآيات والأحاديثِ الدالةِ على قبول التوبةِ فيهما جميعاً، ومغفرتهما عندها
بلا خلافٍ من أحدٍ.
وذهب المعتزلة إلى أنه لا فرقَ بينَ الشركِ وما دونه من الكبائر في أنَّهما يُغفران
بالتوبة ولا يُغفران بدونها، فحملوا الآية - كما قيل - على معنى: إنَّ الله لا يغفر
الإشراك لمن يشاء أن لا يُغفر له وهو غيرُ التائبِ، ويَغفرُ ما دونه لمنْ يشاء أنْ يُغفرَ له
وهو التائب، وجعلوا ((لمن يَشاء)» مُتعلِّقاً بالفعلَين، وقَيَّدوا المَنْفيَّ بما قُيِّدَ به المثبَتُ،
على قاعدة التنازع(٢)، لكن ((مَن يشاء)) في الأول المصرُّون بالاتفاق، وفي الثاني
التائبون؛ قضاءً لحقِّ التقابل، وليس هذا مِن استعمال اللفظِ الواحدِ في معنَیینٍ
مُتضادّين؛ لأنَّ المذكورَ إنما تَعلَّق بالثاني وقُدِّر في الأول مثلُه، والمعنى واحدٌ، لكن
يُقدَّر مفعولُ المشيئةِ في الأول عدمَ الغفران، وفي الثاني الغفران بقرينة سَبْقِ الذكر.
ولا يخفى أنَّ كونَ هذا مِن التنازع مع اختلاف متعلَّق المشيئة مما لا يكادُ يتفوَّه
به فاضلٌ، ولا يرتضيه كاملٌ، على أنَّه لا جهةَ لتخصيصٍ كلٍّ من القيدَين
بما خُصِّص؛ لأنَّ الشرك أيضاً يُغفر للتائب، وما دونه لا يُغْفر للمصرِّ عندهم من
غير فرقٍ بينهما، وسَوق الآية يُنادي بالتفرقة، وتَقييدُ مغفرةِ ((ما دون ذلك)) بالتوبةِ
مما لا دليلَ عليه، إذ ليس عمومُ آياتِ الوعيدِ بالمحافظة أَولی من آياتِ الوعد. وقد
ذكر الآمديُّ في ((أبكار الأفكار))(٣) أنها راجحةٌ على آياتِ الوعيد بالاعتبار من
ثمانية أوجهٍ سرَدَها هناك.
(١) رمال بين فَيْد - وهي نصف طريق الحاج من الكوفة إلى مكة - والقُريات. معجم البلدان
٧٠/٤ و٢٨٢.
(٢) ينظر الكشاف ١/ ٥٣٢.
(٣) أبكار الأفكار في الكلام لأبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد التغلبي الحنبلي ثم الشافعي،
المعروف بسیف الدين الآمدي، ٣٧٧/٤-٣٧٨.
۔

سُورَةُ السَّةِ
٧٦
الآية : ٤٨
وزَعْمُ أنَّها لو لم تُقيَّد، وقيل بجواز المغفرة لمن لم يَتُب، لَزِمَ إغراءُ الله تعالى
للعبد بالمعصية لسهولتها عليه حينئذٍ، والإغراءُ بذلك قبيحٌ يستحيلُ على الله
سبحانه = ليس بشيءٍ :
أمَّا أوَّلاً: فلأنه مبنيٌّ على القول بالحسن والقبح العقليين، وقد أُبطل في
محلّه.
وأما ثانياً: فلأنه (١) لو سلِّم يَلزم منه تَقبيحُ العفو شاهداً، وهو خلافُ إجماعِ
العقلاء.
وأمَّا ثالثاً: فلأنَّه منقوضٌ بالتوبة؛ فإنَّهم قالوا بوجوب قبولها، ولا يَخفىَ أنَّ
ذلك مما يُسهّلُ على العاصي الإقدامَ على المعصية أيضاً ثقةً منه بالتوبة حَسْبَ وثوقه
بالمغفرة، بل أبلغُ من حيثُ إنَّ التوبةَ مقدورةٌ له بخلاف المغفرة، فكان يجب أنْ
لا تُقبلَ توبتُه لما فيه من الإغراء، وهو خلاف الإجماع، فلئن قالوا: هو غيرُ واثقٍ
بالإمهال إلى التوبة، قلنا: هو غيرُ واثقٍ بالمغفرة لإبهام الموصول.
والقولُ بأنَّه لو لم تُشترط التوبةُ لَزِمَ المحاباةُ من الله تعالى بالغفران(٢) للبعض
دون البعض، والمحاباةُ غيرُ جائزةٍ عليه تعالى = ساقطٌ من القول؛ لأنَّ الله تعالى
مُتَفضِّلٌ بالغفران، وللمتفضِّلِ أنْ يتفضَّلَ على قومٍ دون قومٍ، وإنسانٍ دون إنسانٍ،
وهو عادلٌ في تعذيب مَن يُعذِّبُه، وليس يَمنعُ العَقلُ والشّرُ من الفضل والعدل
کما لا يخفى.
ومن المعتزلة مَن قال: إنَّ المغفرةَ قد جاءت بمعنَى تأخير العقوبة دون إسقاطها
كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُّ
وَإِنَّ رَبِّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، فإنه لا يصحُّ هنا حملُها على
إسقاط العقوبةِ؛ لأنَّ الآيةَ في الكفار، والعقوبةُ غيرُ ساقطةٍ عنهم إجماعاً، وقوله
تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَدِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعََّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ﴾
[الكهف: ٥٨] فإنه صريحٌ في أنَّ المغفرةَ بمعنَى تأخيرِ العقوبة، فلتُحمل فيما نحن فيه
(١) في (م): فلأن.
(٢) في (م): في الغفران.

الآية : ٤٨
٧٧
سُورَةُ الَشَاةِ
على ذلك، بقرينةٍ أنَّ الله تعالى خاطَب الكفار وحذَّرهم تعجيلَ العقوبة على (١) ترك
الإيمان، ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلخ، فيكون المعنى:
إنَّ الله تعالى لا يؤخِّرُ عقوبةَ الشركِ بل يُعجِّلُها ويؤخِّرُ عقوبةَ ما دونه لمن يشاء، .
فلا تَنهض الآية دليلاً على ما هو محلُّ النزاع، على أنَّه لو سلِّم أنَّ المغفرةَ فيها
بمعنى إسقاط العقوبة، لا يحصلُ الغرضُ أيضاً؛ لأنه إمَّا أنْ يُراد إسقاطُ كلِّ واحدٍ
واحدٍ من أنواع العقوبة، أو يُراد إسقاط جملة العقوبات، أو يُراد إسقاط بعض
أنواعها. لا سبيل إلى الأول لعدم دلالة اللفظ عليه، بقي الاحتمالانِ الآخَرانِ،
وعلى الأول منهما لا يلزمُ من كونه لا يُعاقِب بكلِّ أنواع العقوبات أنْ لا يُعاقبَ
ببعضها، وعلى الثاني لا يلزم من إسقاط بعضٍ الأنواع إسقاط البعض الآخر.
وأُجيب بأنَّ حمْلَ المغفرة على إسقاط العقوبةِ أَولى مِن حملها على التأخير
لثلاثة أوجهٍ:
الأول: أنَّه المعنَى المتبادرُ من إطلاق اللفظ.
الثاني: أنَّه لو حُمل لفظ المغفرة في الآيةِ على التأخير لَزم منه التخصيص في
أنَّ الله لا يغفر أنْ يُشْرَكَ به؛ لأنَّ عقوبةَ الشركِ مؤخّرةٌ في حقِّ كثيرٍ من المشركين،
بل ربَّما كانوا في أَرْغَدٍ عيشٍ وَأَظْيَبِهِ بالنسبة إلى عيشِ بعضِ المؤمنينَ، وأنْ لا يُفرَّقَ
في مثل هذه الصورةِ بين الشركِ وما دونه(٢)، بخلافٍ حَمْلها على الإسقاط.
الثالث: أنَّ الأمةَ من السلف قبلَ ظهور المخالفين لم يَزالوا مجمعين على حَمْل
لفظِ المغفرةِ في الآية على سقوط العقوبة، وما وقَعَ عليه الإجماعُ هو الصواب،
وضدُّه لا يكون صواباً .
وقولهم: لا يحصل الغرض أيضاً لو حملت على ذلك؛ لأنه إمّا أنْ يُرادَ إلخ.
قلنا: بل المرادُ إسقاط كل واحد واحد، وبيانُه أنَّ قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَن يُثْرَكَ بِهِ.﴾ سلبٌ للغفران، فإذا كان المفهومُ من الغفران إسقاطَ العقوبة،
فسَلْبُ الغفران سلبُ السلبِ، فيكونُ إثباتاً، ومعناه إقامة العقوبة، وعند ذلك فإمَّا
(١) في (م): عن.
(٢) في الأصل: ودونه.

سُورَةُ السَكَاةِ
٧٨
الآية : ٤٨
أنْ يكونَ المفهومُ إقامةَ كلِّ أنواع العقوبات، أو بعضِها، لا سبيل إلى الأول
لاستحالة الجمع بين العقوبات المتضادة، ولأنَّ ذلك غيرُ مشترط في حقِّ الكفار
إجماعاً، فلم يَبقَ إلا الثاني، ويلزمُ من ذلك أنْ يكون الغفرانُ فيما دونَ الشرك
بإسقاط كلِّ عقوبةٍ، وإلا لما تحقَّق الفرقُ بين الشرك وما دونه.
ومنهم مَن وقع في حيصَ بيصَ في هذه الآية، حتى زعم أنَّ ((ويغفر)) عطفٌ
على المنفي، والنفي مُنسحبٌ عليهما، والآيةُ للتسوية بين الشرك وما دونه
لا للتفرقة، ولا يَخفَى أنَّه مِن تحريف كلام الله تعالى ووَضْعِه في غير مواضعه.
ومِن الجماعة مَن قال في الردِّ على المعتزلة: إنَّ التقييد بالمشيئة يُنافي وجوبَ
التعذيب قبل التوبة ووجوبَ الصَّفْحِ بعدها .
وتعقَّبه صاحب ((الكشف)) بأنه لم يصدرْ عن ثَبَتٍ (١)؛ لأنَّ الوجوبَ بالحكمة
يؤكّد المشيئة عندهم، وأيضاً قد أشارَ الزمخشريُّ في هذا المقام إلى أنَّ المشيئةَ
بمعنى الاستحقاق، وهي تقتضي الوجوبَ وتؤكِّدُه فلا يَردُ ما ذُكر رأساً.
ثم إنَّ هذه الآية كما يُردُّ بها على المعتزلة يُرَدُّ بها على الخوارجِ الذينَ زعموا
أنَّ كلَّ ذنبٍ شرٌ، وأنَّ صاحبه (٢) خالدٌ في النار.
وذكر الجلال السيوطيُّ أنَّ فيها ردًّا أيضاً على المرجئة القائلين: إنَّ أصحابَ
الكبائر من المسلمين لا يُعذَّبون(٣).
وأخرج ابنُ الضريس وابنُ عديٍّ بسندٍ صحيحٍ عن ابن عمر قال: كنّا نمسك عن
الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبيِّنا وَله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ.﴾
الآية. وقال: ((إِنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي وشَفَاعَتِي لأَهْلِ الكبائرِ من أمَّتي)) فأمسكنا عن
كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا ورجونا(٤).
(١) الثَّبت بالتحريك: الحجة والبيّنة. اللسان (ثبت).
(٢) في الأصل: وصاحبه ..
(٣) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص٩٢.
(٤) فضائل القرآن لابن الضريس ص٢٨، والكامل لابن عدي ٨٢٥/٢، وأخرجه أيضاً أبو يعلى
(٥٨١٣)، والبزار (٣٢٥٤- كشف). قال الهيثمي ٥/٧: رجاله رجال الصحيح غير حرب بن
سريج، وهو ثقة. وقال ٢١٠/١٠: إسناد جيد.
=

الآية : ٤٨
٧٩
سُورَةُ النِّسَاءِ
و بهذه الآية جدًّا حتى قال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه
وقد استبشر الصحابة
فيما أخرجه عنه الترمذيُّ وحسَّنه: أَحَبُّ آيةٍ إليَّ في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
◌ِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءٌ﴾(١).
﴿وَمَنْ يُثْرِكَ بِاللَّهِ﴾ استئنافٌ مشعرٌ بتعليل عدم غُفران الشرك، وإظهارُ الاسم
الجليل في موضع الإضمار لإدخال الروعةٍ، وزيادةٍ تقبيح الإشراكِ، وتفظيعٍ حال
مَن يَّصف به، أي: ومَن يُشرك بالله تعالى الجامع لجميع صفات الكمال من
أي: ارتكبَ
٤٨
الجمال والجلال أيَّ شِركٍ كان ﴿فَقَدِ افْتَرٌَ إِثْمًا عَظِيمًا (
ما يُستحقرُ دونه الآثام، فلا تَتَعلَّقُ به المغفرةُ قطعاً.
وأصل الافتراء من الفري، وهو القطعُ، ولكون قطعِ الشيءٍ مَفْسَدةً له غالباً
غَلَبَ على الإفساد، واستُعمل في القرآن بمعنى الكذبِ والشركِ والظلم. كما قاله
الراغب(٢). فهو ارتكابُ ما لا يصلح أنْ يكونَ قولاً أو فعلاً، فيقع على اختلاق
الكذب وارتكابِ الإثم وهو المرادُ هنا.
وهل هو مُشترٌ بين اختلاق الكذب وافتعالِ مالا يَصلح، أم حقيقةٌ في الأول،
مجازٌ مرسلٌ أو استعارةٌ في الثاني؟ قولان، أظهرُهما عند البعضِ الثاني، ولا يَلزم
الجمعُ بين الحقيقة والمجاز؛ لأنَّ الشرك أعمُّ من القولي والفعلي؛ لأنَّ المراد معنّی
عامٌّ، وهو ارتكابُ مالا يَصلح.
وفي (((مجمع البيان)) التفرقة بين فَرَيْتُ وأَفْرَيْتُ في أصل المعنى، بأنَّه يقال:
فَرِيتُ الأديمَ: إذا قطعتَه على وجه الإصلاح، وأَفريتُه: إذا قطعتَه على وجه
الإفساد(٣).
= وقوله: ((إني ادَّخرتُ دعوتي ... )) له شاهدٌ من حديث أبي هريرة ﴿به عند أحمد (٩٥٠٤)،
ومسلم (١٩٩) ولفظه ((إن لكلِّ نبيِّ دعوة مستجابة، فتعجّل كلُّ نبيِّ دعوته، وإني اختبأت
دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة ... )).
(١) سنن الترمذي (٣٠٣٧).
(٢) في مفرداته (فري).
(٣) مجمع البيان ١٢١/٥ - ١٢٢.

سُؤَّ المشكلة
٨٠
الآية : ٤٩
﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ قال الكلبيُّ: نَزَلَتْ في رجالٍ من اليهود أَتوا
رسولَ الله ◌َ و بأطفالهم، فقالوا: يا محمد، هل على أولادنا هؤلاء من ذنبٍ؟
فقال: ((لا))، فقالوا: والذي يُحلف به ما نحن(١) إلا كهيئتهم، ما مِن ذنبٍ نعملُه
بالنهار إلا كُفِّر عنَّا بالليل، وما مِن ذنبٍ نعملُه بالليل إلا كُفِّر عنا بالنهار. فهذا
الذي زگّوا به أنفسهم(٢).
وأخرج ابن جرير عن الحسن: أنها نزلت في اليهود والنصارى حیث قالوا:
نحنُ أبناءُ الله وأحبَّاؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا مَن كان هوداً أو نصارى(٣).
والمعنى: انظر إليهم فتعجّبْ من ادِّعائهم أنَّهم أزكياءُ عند الله تعالى مع ما هم
عليه من الكفر والإثم العظيم، أو مِن ادِّعائهم أنَّ الله تعالى يُكفِّر ذنوبهم الليلية
والنهاريةَ، مع استحالة أنْ يُغْفَرَ لكافرٍ شيءٌ من كُفْرِه أو معاصيه. وفي معناهم: مَن
زَّى نفسَه وأثنى عليها لغير غرضٍ صحيحٍ كالتحدّث بالنعمة ونحوهِ.
﴿بَلِ اَللَّهُ يُزَكِى مَن يَشَآءُ﴾ إبطالٌ لتزكيةِ أنفسهم، وإثباتٌ لتزكية الله تعالى، وكونُ
ذلك للإضراب عن ذمِّهم بتلك التزكية إلى ذمِّهم بالبُخل والحسد بعيدٌ لفظاً ومعنّى.
والجملةُ عطفٌ على مُقدَّرٍ يَنساقُ إليه الكلام، كأنه قيل: هم لا يزكُّونها في الحقيقة
بل الله يُزِّي مَن يشاء تزكيتَه(٤) ممن يَستأهلُ مِن عباده المؤمنين؛ إذ هو العليم
الخبير.
وأصلُ التزكية: التطهيرُ والتنزيه من القبيح؛ قولاً كما هو ظاهر، أو فعلاً كقوله
تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا﴾ [الشمس: ٩] و﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِم ◌َا﴾
[التوبة: ١٠٣].
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾﴾ عطف على جملةٍ حُذِفَتْ تعويلاً على دلالة الحال
عليها، وإيذاناً بأنها غَنيَّةٌ عن الذكر، أي: يُعاقبون بتلك الفعلة الشنيعةِ ولا يُظلمون
(١) بعدها في (م): فيه.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص١٤٨ .
(٣) تفسير الطبري ٧/ ١٢٤، وأخرجه عبد الرزاق ١٦٤/١.
(٤) قوله: تزكيته، ليس في الأصل.