Indexed OCR Text
Pages 41-60
التفسير الإشاري (٢٦-٤٢) ٤١ سُورَةُ الشَّةِ ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهُ﴾ بالتوجُّه إليه والفناء فيه ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ، شَيْئًا﴾ مما تَحسبونه شيئاً وليس بشيءٍ؛ إذ لا وجودَ حقيقةً لغيره سبحانه ﴿وَيَالْوَلِدَيْنِ﴾ الروح والنفسِ اللذين تَولَّد بينهما القلب، أحسنوا ﴿إِحْسَنًا﴾ فاستفيضوا مِن الأول وتوجَّهُوا بالتسليم إليه، وزكُّوا الثاني وطهِّروا بُردَيْه ﴿وَبِذِى الْقُرْبَ﴾ وهم مَن يُناسبكم بالاستعداد الأصليّ والمشاكلةِ الروحانية ﴿وَالْيَتَنَى﴾ المستعدِّين المنقطعين عن نورٍ الأب - وهو الروح - بالاحتجاب ﴿وَالْمَسَكِينِ﴾ العاملين الذين لاحظّ لهم مِن المعارف، ولذا سَكّنُوا عن السيرِ وهم الناسكون ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ﴾ القريب من مَقامك في السلوك ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ البعيد مقامه عن مقامك ﴿وَالضَاحِبِ بِالْجَنَبِ﴾ الذي هو في عين مقامك ﴿وَأَبْنِ السَبِيلِ﴾ أي: السالك المتغرِّب عن مأوى النفس، الذي لم يصل إلى مقام بعد ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُّكُمْ﴾ من المنتمين إليكم بالمحبة والإرادة. وقيل: الوالدين إشارةٌ إلى المشايخ، وإحسانُ المريد إليهم: إطاعتُهم والانقيادُ إليهم وامتثالُ أوامرهم، فإنَّهم أطبّاءُ القلوب وهم أعرفُ بالداء والدواء، ولا يُداوون إلا بما يُرضي الله تعالى وإنْ خَفيَ على المريد وجهُهُ، ومن هنا قال الجنيد قُدِّسَ سرُّه: أمرني ربِّي أمراً، وأمرني السَّريُّ أمراً، فقدَّمتُ أمر السَّريِّ على أمرِ ربِّي، وکلُّ ما وجدتُ فهو مِن بركاته. وأُوَّلَ ((الجار ذي القربى)) بالروح الناطقةِ العارفة العاشقةِ الملكوتية، التي خَرجَتْ مِن العَدمِ بتجلِّي القِدَم، وانقَدحَتْ مِن نور الأزلِ، وهي أقربُ كلِّ شيءٍ، وهي جارُ الله تعالَى المصبوغة بنوره، والإحسانُ إليها أَنْ تُطْلِقَها مِن فتنةِ الطبيعة، وتقدِّسَ مسكنها من حظوظ البشريّة، لتطيرَ بجناح المعرفة والشوقِ إلى عالمٍ المشاهدة. (الجار الجنب)) بالصورةِ الحاملةِ للروح، والإحسانُ إليها أنْ تَفْطِمَ جوارحَها مِنْ رَضْعٍ ضَرْعِ الشهوات. ((والصاحب بالجنب)» وهو القلب الذي يَصحبك في سفرِ الغيب، والإحسانُ إليه أَنْ تُفردَه من الحدثان وتُشوَّقَه إلى جمال الرحمن. سُورَةُ الإِسْكَاةِ ٤٢ التفسير الإشاري (٢٦-٤٢) وقيل: هو النفسُ الأمَّارة، وفي الخبر: ((أعدَى عدوِّك نفسُك التي بين جنبيك)»(١)، والإحسانُ إليها أنْ تَحبسَها في سجن العبوديّة، وتحرقَها بنيران المحبة. وأُوِّلَ ((ابن السبيل)) بالوليّ الكامل، فإنَّه لم يَزل ينتقل من نور الأفعال إلى نور الصفات، ومِنْ نور الصفات إلى نور الذات، والإحسانُ إلیہ کَثْمُ سرِّه، وعدمُ الخروج عن دائرةٍ أمره. وقال بعضُ العارفين: وإنْ شئتَ أَوَّلْتَ ((ذا القربى)) بما يَتَّصل بالشخص من المجرَّدَات، و((اليتامى)) بالقوى الروحانية، و((المساكين)) بالقوى النفسانية من الحواسِّ الظاهرة وغيرها، و((الجار ذي القربى)) بالعقلِ، و((الجار الجنب)» بالوهم، و((الصاحب بالجنب)) بالشوق والإرادة، و((ابن السبيل)) بالفكر، والمماليك بالملَكَات المُكْتسَبة التي هي مصادرُ الأفعال الجميلة، وبابُ التأويل واسعٌ جداً. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا﴾ يَسعى بالسلوك في نفسه [لا بالله](٢) ﴿فَخُورًا﴾ بأحواله ومقاماته محتجباً برؤيتها . ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ على أنفسهم وعلى المستحقِّين، فلا يَعملون بعلومهم ولا يُعلِّمونها ﴿وَيَأْمُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ قالاً أو حالاً ﴿وَيَكْتُونَ مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهٍ﴾ فلا يشكرون نعمةَ الله، أو يكتمون ما أُوتوا من المعارف في كَثْم الاستعداد وظُلمة القوة حتى كأنَّها معدومة، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ﴾ للحقِّ، السائرينَ أنوارَ الوحدة بظلُمة الكثرة ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ يُهِينُهم في ذُلِّ وجودِهم وشَين صفاتهم. ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ﴾ أي: يُبرزون كمالاتهم ﴿رِقَاءَ النَّاسِ﴾ مرائين الناس بأنها لهم ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالَّهِ﴾ الإيمانَ الحقيقيَّ، ليعلَموا أنْ لا كمالَ إلا له ﴿وَلَا بِأَلْيَوْمِ الآَخِرِ﴾ أي: الفناء فيه سبحانه، ليَبْرُزوا لله الواحد القهار. ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ النفس وقواها ﴿لَهُ، قَرِيْنَا فَسَآءَ قَرِينًا﴾، لأنه يُضلُّه عن الحقِّ کهؤلاء. (١) أخرجه البيهقي في الزهد ص١٥٦-١٥٧. وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٤/٣: فيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان أحد الوضاعين. (٢) ما بين حاصرتين من تفسير ابن عربي ١٦٤/١، والكلام منه. الآية : ٤٣ ٤٣ سُورَةُ السَّةِ ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ ما كان يَضرُّهم ﴿لَوْ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾ فصدَّقوا بالتوحيد والفناء فيه ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَفَهُمُ اللَّهُ﴾ ولم يَروا كمالاً لأنفسهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ فيُجازيهم بالبقاء بعد الفناء. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ مقدارَ ما يَظهرُ من الهباءِ ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَّةٌ﴾ ولا تكونُ كذلك إلا إذا كانتْ له، فإنْ كانت له يُضاعفها بالتأييد الحقَّانِيّ ﴿وَيُّؤْتِ مِن لَُّنْهُ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الشهود الذاتيُّ أو العلم اللدني. ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ﴾ وهو ما يَحضرُ كلَّ أحدٍ ويَظهرُ له بصورةٍ مُعتَقَدِه فيَكشفُ عن حالهِ ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ﴾ وهم المحمديون ﴿شَهِيدًا﴾. ومِن لوازمٍ الإتيان بالحقيقة المحمدية شهيداً للمحمديين معرفتُهم لله تعالى عندَ التحوُّلِ في جميع الصور، فليسَ شهيدُهم في الحقيقة إلا الحقُّ سبحانه. ﴿يَوْمَيِذٍ يَوَذُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالاحتجاب ﴿وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ﴾ بعدمِ المتابعة ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ اٌلْأَرْضُ﴾ فتنطمس(١) نفوسُهم، أو تصير ساذجةً لا نَقْشَ فيها من العقائد الفاسدة والرذائل الموبقة ﴿وَلَا يَكْتُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أي: لا يقدرون على كتمٍ حديثٍ مِن تلك النقوش، وهيهاتَ، أنَّى يُخفون شيئاً منها وقد صارت الجبال کالعهن المنفوش : سَهمٌ أصاب وَرَامِيه بذي سَلَم مَنْ بالعراقِ لقد أَبعَدتٍ مِرْماكٍ(٢) والله تعالى يتولَّى الحق وهو يهدي السبيل. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ إرشادٌ لإخلاص الصلاة التي هي رأسُ العبادةِ من شوائبِ الكدر، ليجمعوا بين إخلاصٍ عبادةِ الحقِّ ومكارم الأخلاق التي بينهم وبين الخلق، المبيَّنةِ فيما تَقدَّم، وبهذا يَحصل الربط. (١) في (م): لتنطمس. (٢) البيت الشريف الرضي، وهو في ديوانه ٢/ ١٠٧ . سُورَةُ الْشَاةِ ٤٤ الآية : ٤٣ ويجوزُ أنْ يقال: لمَّا نُهوا فيما سَلَفَ عن الإشراك به تعالى، نُهوا هاهنا عما يُؤدِّي إليه مِن حيثُ لا يَحتَسِبون، فقد أخرج أبو داود والترمذيُّ وحسَّنه والنسائيُّ والحاكم وصحَّحه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهَهُ قال: صَنَع لنا عبدُ الرحمن بن عوفٍ ﴿له طعاماً، فدعانا وسَقانا مِن الخمر، فأخذَتِ الخمرُ منَّا، وحضَرَتِ الصلاةُ فقدَّموني، فقرأتُ: قل يا أيها الكافرون أَعبدُ ما تعبدون ونحنُ نعبدُ ما تعبدون. فنزَلَت(١). وفي رواية ابن جرير وابن المنذر عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: أنَّ إمام القوم يومَئذٍ هو عبد الرحمن، وكانت الصلاةُ صلاةً المغرب، وكان ذلك لما كانت الخمرُ مُباحةٌ(٢). والخطاب للصحابة، وتَصديرُ الكلام بحرفي النداء والتنبيهِ اعتناءً بشأنِ الحكم، والمرادُ بالصلاة عند الكثير الهيئةُ المخصوصة، وبقُربها القيامُ إليها والتلُبُّسُ بها، إلا أنه نَهَى عن القرب مبالغةً. وبالسُّكْر الحالةُ المقرَّرة التي تَحصلُ لشاربِ الخمر، ومادَّتُه تَدلُّ على الانسداد، ومنه: سَكَرَتْ أَعينُهم، أي: انسدَّتْ. والمعنى: لا تُصلُّوا في (٣) حالة السكر حتى تَعْلَموا قبل الشروع ما تقولونه قبلها؛ إذْ بذلك يظهر أنّكم ستعلمون ما ستقرؤونه فيها . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنَّ المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم نشاوَى من الشراب حتى تَعلموا ما تقرؤونه في صلاتكم(٤). ولعلَّ مرادَه: حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقرؤونه، وإلا فهو يَستدعي تَقدُّمَ الشروع في الصلاة على غاية النهي، وإذا أُريد ذلك رَجَع إلى ما تقدَّم ولكنْ فيه تطويلٌ بلا طائل، على أنَّ إيثارَ (ما تقولون)) على: ما تقرؤون، حينئذٍ يكون عارياً عن الدَّاعي. (١) سنن أبي داود (٣٦٧١)، وسنن الترمذي (٣٠٢٦)، وسنن النسائي الكبرى كما في التحفة ٧/ ٤٠٢، والمستدرك ١٤٢/٤، وأخرجه أيضاً الطبري ٤٦/٧. قال الترمذي: حديث حسن صحیح غريب. (٢) تفسير الطبري ٧/ ٤٥ - ٤٦ بنحوه، وماذكره المصنف يوافق رواية الحديث عند الحاكم ٤/ ١٤٢. وينظر الدر المنثور ١٦٥/٢ . (٣) قوله: في، ليس في الأصل. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٩٥٩/٣ . الآية : ٤٣ ٤٥ سُورَةُ السَّةِ ورُوي عن ابن المسيب والضحاك وعكرمة والحسن أنَّ المرادَ من الصلاة مواضعُها، فهو مجازٌ مِن ذكر الحال وإرادةِ المحلِّ بقرينة قوله تعالى فيما يأتي: ﴿إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾ فإنَّه يَدُّ عليه بحسَب الظاهر، فالآية مَسوقةٌ عن نهي قربان السكرانِ المسجدَ تعظيماً له، وفي الخبر: ((جَنِّبوا مساجدَكم صبيانكم ومجانينكم)»(١)، ويأباه ظاهرُ قوله تعالى: ﴿حَّ تَعْلَمُوا مَا نَقُولُونَ﴾ . وروي عن الشافعي رُه أنه حَمَل الصلاة على الهيئة المخصوصة وعلى مواضعها مراعاةً للقولين، وفي الكلام حينئذٍ الجمعُ بين الحقيقة والمجاز، ونحن لا نقول به . وروي عن جعفر رُه والضحاك ـ وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس . أنَّ المرادَ مِن السُّكر سكرُ النعاس وغَلَبة النوم، وأَيِّدَ بما أخرجه البخاريُّ عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((إذا نَعَسَ أحدُكم وهو يُصلِّي فلْينصرفْ فلينَم حتى يَعلمَ ما يقول)»(٢)، ورَوَى مِثْلَه عن عائشةَ ﴿﴾(٣)، وفيه بُعدٌ. وأَبعدُ منه حَمْلُه على سُكْر الخمر وسُكْر النوم؛ لِمَا فيه من الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو عموم المجاز مع عدم القرينة الواضحة على ذلك. وأيًّا ما كان فليس مَرجع النهي هو المقيَّد مع بقاء القيد مُرّصاً بحاله، بل إنما هو القيد مع بقاء المقيَّد على حاله؛ لأنَّ القيد مَصبُّ النفي والنهي في كلامهم، ولأنه مكلَّفٌ بالصلاة مأمورٌ بها، والنهي ينافيه، نعم لا مانعَ عن النهي عنها للسكران مع الأمر المطلق، إلا أنَّ مَرجعَه إلى هذا. والحاصلُ كما قال الشهاب: أَنه مُكلَّفٌ بها في كلِّ حالٍ، وزوالُ عقله بفعله لا يَمنعُ تَكليفه، ولذا وقع طلاقُه ونحوُه، ولو لم يكن مأموراً بها لم تَلزمْه الإعادةُ (١) أخرجه ابن ماجه (٧٥٠) من حديث وائلة بن الأسقع څه، وابن عدي ١٤٥٤/٤ من حديث أبي هريرة ، و١٨٦١/٥ من حديث واثلة وأبي الدرداء وأبي أمامة ﴿ه، وعبد الرزاق (١٧٢٦) من حديث معاذ ﴿ه، وجميع هذه الروايات ضعيفة، ينظر تخريج أحاديث الکشاف لابن حجر ص٤٤ . (٢) صحيح البخاري (٢١٣)، وهو عند أحمد (١٢٤٤٦). (٣) صحيح البخاري (٢١٢)، وهو عند أحمد (٢٥٦٦١)، ومسلم (٧٨٦). سُورَةُ المَشْكَاةِ ٤٦ الآية : ٤٣ إذا استغرق السُّكرُ وقْتَها، وقد نصَّ عليه الجصاص في (الأحكام)، وفَصَّله(١). انتھی. وَزَعم بعضهم أنَّ النهي عن الصلاة نفسها، لكن المرادَ بها الصلاةُ جماعةً مع النبي وَ * تعظيماً له عليه الصلاة والسلام وتوقيراً. ولا يَخفَى أنَّه مما لا يَدُّ عليه نقلٌ ولا عقلٌ، ويأباه الظاهرُ وسبب النزول، وقد رُوي أنَّهم كانوا بعدما نزلت الآية لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة، فإذا صلَّوا العشاءَ شربوها، فلا يُصبحون إلا وقد ذهب عنهم السُّكر وعلموا ما يقولون(٢). وقرئ: (سَكارى)) بفتح السين جمع ((سَكْران)» كنَدمان ونَدامى. وقرأ الأعمش: (سُكرى)) بضم السين على أنه صفةٌ كـ ((حُبلى)) وقع صفةً لجماعةٍ، أي: وأنتم جماعةٌ سُكرى، والنَّخَعي: ((سَكرى)) بالفتح (٣)، وهو إمّا صفةٌ مُفردَةٌ صفة جماعة كما في الضمِّ، وإمَّا جَمْعُ تكسير كجَرْحَى، وإنما جمع سكران عليه لما فيه من الآفةِ اللَّحقة للعقل، والصيغة على قراءة الجمهور جَمعُ تكسيرٍ عند سيبويه(٤)، واسمُ جمعٍ عندَ غيره؛ لأنه ليس مِن أبنيةِ الجمع، ورُجّح الأول. ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ فإنَّه في حيِّز النصب، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سُکاری ولا جنباً، قاله غیرُ واحد. وقال الشهاب نقلاً عن النحرير(٥): إنَّ هذا حُكم الإعراب، وأمَّا المعنَى ففرْقٌ بين قولنا: جاء القوم سُكارى، و: جاؤوا وهم سُكارى، إذ معنى الأول: جاؤوا كذلك، والثاني: جاؤوا وهم كذلك، باستئناف الإثبات ــ ذكره عبد القاهر - ويعني (١) حاشية الشهاب ١٣٩/٣، وينظر أحكام القرآن للجصاص ٢٠٢/٢-٢٠٣. (٢) ذكره ابن حجر في العجاب ٨٧٤/٢-٨٧٥ عن مقاتل. وأخرجه الطبري ٣/ ٦٨٣ -٦٨٤ عن السدي. (٣) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص٢٦، والمحتسب ١٨٨/١، والكشاف ٥٢٨/١، والبحر ٢٥٥/٣. (٤) الكتاب ٦٤٥/٣، وينظر البحر ٢٥٥/٣. (٥) في (م): البحر، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٣٩/٣ والنحرير هو السعد التفتازاني. الآية : ٤٣ ٤٧ سُورَةُ الشَكَاةِ بالاستئناف أنهُ مقرَّر في نفسِه مع قطع النظر عن ذي الحال، وهو مع مقارنته له يُشعر بتقرُّره في نفسه، ويجوز تقدُّمه واستمراره، ولذا قال السبكي في ((الأشباه))(١): لو قال: لله تعالى عليَّ أنْ أعتكفَ صائماً. لا بدَّ له من صوم يكون لأجل ذلك النذر مِن غيرِ سببٍ آخر، فلا يُجزئه الاعتكافُ بصومِ رمضانَ، ولو قال: وأنا صائمٌ، أجزأه. ولعلَّ وجه الفرق: أنَّ الحال إذا كانت جُملةً دلَّتْ على المقارنة، وأمَّا اتِّصافُه بمضمونها فقد يكونُ وقد لا يكون، نحو: جاء زيد وقد طَلَعَت الشمس، والحالُ المفردة صفةٌ معنًى، فإذا قال: لله تعالى عليَّ أن أعتكف وأنا صائم. نذر مقارنته للصوم ولم ينذر صوماً، فيصحُّ في رمضان، ولو قال: صائماً، نَذَرَ صومَه فلا يَصحُ فيه؛ وهذه المسألة نقلها الإسنوي في ((التمهيد)) ولم يُبيِّن وجْهَهَا، ولم نَرَ لأئمتنا فيها كلاماً(٢). انتهى كلامه. ولم يُبيِّن رحمه الله تعالى السِّرِّ في مخالفة هذين الحالين على وجهٍ يَتَّضِحُ به ما ذكره في المسألة. وبيَّن العلّامة الطيبيُّ فائدتَها غيرَ أنه لم يَتعرَّض لهذا الفرق، فقال: فائدتُها - والعلم عند الله تعالى - الإشعار بأنَّ قُربان الصلاة مع السكر منافٍ الحال المسلمين ومَن يُناجي الحضرةَ الصَّمدانيّة، دلَّ عليه الخطاب بـ ((أنتم))، ولهذا قرنه بقوله سبحانه: ﴿حَّى تَعْلَمُوا﴾ إلخ، والمُجْنِبُون لا يَعْدَمون إحضارَ القلب، ومِن ثَمَّ رَخَّصَ لهم بالإعذار(٣). فتأمَّل جدًّا. و ((الجنب)) مَن أصابته الجنابةُ، يستوي فيه على اللغة الفصيحة المذكَّر والمؤنَّثُ والواحد والتثنية والجمع، لجريانه مجرَى المصدر وإنْ لم يَكُنْه، كما قاله بعض المحققين. ومِن العرب مَن يُئِنِِّه ويَجمَعُه، فيقول: جُنُبان وأَجْناب وجُنُوب، واشتقاقه كما قال أبو البقاء: من المجانّبة، وهي المباعدة (٤). (١) واسمه: الأشباه والنظائر لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي. كشف الظنون ١٠٠/١. (٢) حاشية الشهاب ١٣٩/٣ - ١٤٠، وينظر التمهيد في تخريج الأصول على الفروع لجمال الدين الإسنوي ص٣٩٨-٣٩٩. (٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٤) الإملاء ٢٦٨/٢. سُورَة المشكلة ٤٨ الآية : ٤٣ ﴿إِلَّا عَابِى﴾ أي: مجتازي ﴿سَبِيلٍ﴾ أي: طريق، والمرادُ: إلَّا مسافرين، وهو استثناءٌ مفرَّغٌ مِن أَعمِّ الأحوال، محلَّه النصبُ على أنه حالٌ من ضميرٍ ((لا تقربوا)) باعتبار تقييده بالحال الثانية دون الأولى، والعامل فيه معنى النهي، أي: لا تقربوا الصلاة جُنباً في حالٍ من الأحوال إلا حالَ كونكم مسافرين، على معنى أنه في حالة السفر يَنْتهي حُكم النهي، لكن لا بطريقٍ شمولِ النفي لجميع صورها، بل بطريق نفي الشمول في الجملة من غيرٍ دلالةٍ على انتفاء خُصوصية البعض المنتفي، ولا على بقاءِ خُصوصية البعض الباقي، ولا تُبوت نقيضه، لا كليًّا ولا جزئيًّا، فإنَّ الاستثناء لا يَدُلُّ على ذلك عبارة، نعم يُشير إلى مخالفة حُكم ما بعدَه لما قبلَه إشارةً إجماليةً يُكتَفَى بها في المقامات الخطابية لا في إثبات الأحكام الشرعية، فإنَّ مَلاك الأمر في ذلك إنَّما هو الدليل، وقد وَرَد عقيبه على طريق البيان. قاله المولى شيخ الإسلام(١). وقيل: هو صفة لجنباً على أنَّ ((إلا)) بمعنى ((غير). واعتُرض بأنَّ مثل هذا إنما يصحُّ عند تعذُّر الاستثناء، ولا تَعذُّر هنا لعموم النكرة بالنفي. وأُجيبَ بأنَّ هذا الشرطَ في التوصيف ذكره ابنُ الحاجب، وقد خَالَفه فيه النحاة، ورَجَّح بعضُهم الوصفية هنا بناءً على أنَّ الكلام على تقدير الاستثناء يُفيد الحصر، ولا حصر؛ لورود المريض إشكالاً عليه بخلافه على تقدير الوصفية، وادَّعى البعضُ إفادةَ الكلام له مطلقاً، وأنَّ المريض يَرِدُ إشكالاً إلا أنْ يُؤْوَّل، كما ستعرفُه. ومَن حَمَل الصلاة على مواضعها فسَّرَ العبورَ بالاجتياز بها، وجَوَّز للجنب عبورَ المسجد، وبه قال الشافعيُّ رحمه الله تعالى، والمشهورُ عندنا مَنعُ الجنبِ المسجدَ مطلقاً، ورُخِّص عليٍّ(٢) كرم الله تعالى وجهه كما في خبر الترمذي عن أبي سعيد بناءً (١) تفسير أبي السعود ١٧٩/٢ - ١٨٠. (٢) سنن الترمذي (٣٧٢٧) ولفظه: قال رسول الله﴾ لعليّ: ((يا علي، لا يحلُّ لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرُك)) قال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صُرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنباً غيري وغيرك. قال أبو عيسى: هذا حديثٍ الآية : ٤٣ ٤٩ سُورَةُ النَّسَاءِ على ما فسَّره ضِرار بن صُرَدٍ حينَ سأله عن معناه عليُّ بن المنذر، وكونُه كرَّم الله تعالى وجهه رُخِّص ثم مُنع، لم يَتْبُتْ عندي، وإنْ نقله البعضُ. ونقل الجضَّاص في ((الأحكام)) أنه لا يجوز الدخول إلا أنْ يكون الماءُ أو الطريق فيه(١). وعن الليث: أنَّ الجنبَ لا يمرُّ فيه إلا أنْ يكونَ بابهُ في المسجد، فقد روي أنَّ رجالاً مِن الأنصار كانت أبوابُهم في المسجد، وكان يُصيبهم الجنابة ولا يَجدون ممرًّا إلا فيه، فرخِّص لهم في ذلك(٢). ﴿حَتَّ تَفْتَسِلُواْ﴾ غايةٌ للنهي عن قُربان الصلاة حالَ الجنابة، ولعلَّ تَقديم الاستثناء عليه - كما قال شيخ الإسلام - للإيذان من أول الأمر بأنَّ حُكم النهي في هذه السورة ليس على الإطلاق كما في صورة السُّكر تشويقاً إلى البيان وَرَوماً لزيادة تَقَرُّره في الأذهان(٣). وقيل: لمَّا لم يَكُن لقوله سبحانه: ﴿حَّ تَغْتَسِلُواْ﴾ مَدخلٌ في المقصود؛ إذ المقصود إنما هو صحَّة الصلاة جُنباً، أخّرَه وقَدَّم الاستثناء عليه، وكان الظاهرُ عدمَ ذكْره لذلك، إلا أنه ذَكَره تنبيهاً على أنَّ الجنابة إنما تَرتفعُ بالاغتسال. وفي الآية الكريمة رمزٌ إلى أنه ينبغي للمصلِّي أنْ يَتحرَّز عما يُلهيه ويشغلُ قلبه، وأنْ يُزِّيَ نفسه عما يُدنِّسُها؛ لأنه إذا وجَبَ تطهيرُ البدن فتطهيرُ القلبِ أَولى، أو لأنه إذا صِينَ مَوضع الصلاة عمَّن به حدث، فلأَنْ يُصانَ القلبُ الذي هو عرشُ الرحمن عن خاطرٍ غير طاهرٍ ظاهرُ الأَولَوِيَّةِ. = حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمع مني محمد بن إسماعيل (يعني البخاري) هذا الحديث فاستغربه. اهـ. وقال النووي كما في تحفة الأحوذي ٢٣٣/١٠: إنما حسنه الترمذي بشواهده. وينظر التلخيص الحبير ١٣٦/٣، وتخريج أحاديث الكشاف ص٤٤. (١) كذا ذكر المصنف عن الجصاص، والذي في أحكام القرآن للجصاص ٢٠٣/٢-٢٠٤ مَنْعُ الدخول مطلقاً، وعبارة المصنف ذكرها البيضاوي عن أبي حنيفة، فتعقبه الشهاب في الحاشية ١٤١/٣ بقوله: لكن المذكور في فقه الحنفية مَنْعُ الدخول في المسجد مطلقاً، وكذا نقله الجصاص في الأحكام. اهـ. (٢) أخرجه الطبري ٧/ ٥٧ من طريق يزيد بن أبي حبيب أن رجالاً ... ، وهو مرسل. (٣) تفسير أبي السعود ٢/ ١٨٠. ووقع في (م): تقرُّبه، بدل: تقرره. سُورَةُ السَحَّةِ ٥٠ الآية : ٤٣ ﴿وَإِن كُنْتُمْ خَرْضَى﴾ تَفصيلٌ لِمَا أُجْمِلَ في الاستثناء، وبيانُ ما هو في حُكم المستثنى من الأعذار، والاقتصار فيما قَبلُ على استثناء السفر مع مُشاركة الباقي له في حُكم الترخيص للإشعار بأنه العذرُ الغالبُ المبنيُّ على الضرورة التي(١) يدور عليها أمر الرُّخصة، ولهذا قيل: المرادُ بغير عابري سبيل: غير معذورين بعذرٍ شَرعيٍّ، إما بطريق الكناية أو بإيماء النصِّ ودلالته، وبهذا يندفع الإيراد السابق على الحصر، وإنما لم يَقل: إلا عابري سبيل أو مرضى فاقدي الماء - حسًّا أو حُكماً . لِمَا أنَّ ما في النظم الكريم أبلغُ وأَوكدُ منه؛ لِمَا فيه من الإجمال والتفصيل ومعرفةٍ تفاضُل العقول والأفهام. والمرادُ بالمرض ما يَمنعُ مِن استعمال الماء مطلقاً، سواء كان بتعذُّر الوصول إليه أو بتعذَّر استعماله. وأخرج ابنُ جُريرٍ (٢) عن ابن مسعود أنه قال: المريضُ الذي قد أُرخصَ له في التيمم: الكسيرُ والجريحُ، فإذا أصابته الجنابة لا يَحُلُّ جِراحته، إلا جراحةً لا يَخْشَى عليها . وأخرج البيهقيُّ في ((المعرفة)) عن ابن عباس يَرفعه: ((إذا كانتْ بالرجل الجراحةُ في سبيل الله تعالى، أو القُروح، أو الجدري، فيجنب، فَيَخافُ إنِ اغتسلَ أنْ يَموتَ فَلْیتیمَّمْ)(٣). والذي تقرَّر في الفروع: أنَّ المريض الذي يَخافُ إذا استعملَ الماءِ أنْ يَشتدَّ مرضُه يتيمَّم، ولا فَرْق بين أنْ يشتدَّ مرضُه بالتحرُّك كالمبطون، أو بالاستعمال کمَن به حَضْبةٌ أو جدريٌّ، ولم يَشترط أصحابنا خوفَ التّلَفِ لظاهر النصّ، وهو بإطلاقه يُبيحُ التيمُّم لكلِّ مريضٍ، إلا أنَّ في بعضٍ الآيات ما أخرجَ مَن لا يَشتدُّ مرضُه، وتفصيل ذلك في كتب الفقه. (١) في الأصل و(م): الذي، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢/ ١٨٠، والكلام منه. (٢) في الأصل و(م): ابن جريج، وهو تصحيف، والمثبت من الدر المنثور ١٦٦/٢، والكلام منه، والخبر في تفسير الطبري ٧/ ٥٩ . (٣) معرفة السنن والآثار ٣٨/٢، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة ١٣٨/١ وقال: هذا خبرٌ لم يرفعه غير عطاء بن السائب. اهـ. وروي موقوفاً كما في العلل لابن أبي حاتم ٢٥/١-٢٦، قال أبو حاتم: وهو الصحيح. الآية : ٤٣ ٥١ سُورَةُ النِّسَاءِ ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ عطف على ((مرضى))، أي: أو كنتم على سفرٍ مّا طال أو قَصُر، ولعلَّ اختيار هذا على(١) مسافرين، لأنه أَوضحُ في المقصود منه، وفي ((الهداية)): ومَنْ لم يجدِ الماء وهو مسافرٌ، أو خارجَ المصر بينه وبين المصر ميلٌ أو أكثر، يَتِيمَّم (٢). والظاهرُ أن حُكم مَن هو خارجَ المصر غير مسافر كما يقتضيه العطف معلومٌ بالقیاس لا بالنصِّ. وإيرادُ المسافر صريحاً مع سَبْقٍ ذكره بطريق الاستثناء لبناء(٣) الحُكم الشرعيِّ عليه وبيانٍ كيفيتة، فإنَّ الاستثناء - كما أشارَ إليه شيخُ الإسلام - بمعزلٍ مِنَ الدلالة على ثُبوته فضلاً عن الدلالة على كيفيَّته(٤). وقيل: ذكْرُ السفر هنا لإلحاق المرض به، والتسوية بينه وبينه بإلحاق الواجد بالفاقدِ بجامع العجزِ عن الاستعمال، وهذه الشرطية ظاهرةٌ على رأي مَن حمل الصلاةَ على مَواضعها، وفَسَّر العبورَ بالاجتياز بها، إذ ليس فيها حينئذٍ ما يُتوقَّمُ منه شائبةُ التكرار، بل هي عنده بيانُ حُكمٍ آخرَ لم يُذكر قبلُ، وأيِّد بأنَّ القرَّاء كلهم استحبُّوا الوقفَ عند قوله سبحانه: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾، ويَبتدِثُون بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنُهُمْ﴾ إلخ، بل التعبيرُ بالقرب يُومئُ إلى حَمْل الصلاة على ذلك؛ لأنَّ حقيقةً القرب والبعدِ في المكان، وكذا التعبير بـ ((عابري سبيلٍ)) هناك وبـ ((على سفر» هنا فيه إيماءٌ إلى الفرقِ بين ما هنا وما هناك، إلا أنَّ الكثيرَ على خِلافه. وإنما قُدِّم المرض على السفرِ للإيذان بأصالتِهِ واستقلاله بأحكام لا تُوجد في غيره. وقيل: لأنه سببُ النزول، فقد أخرج ابنُ جرير(٥) عن إبراهيمَ النَّخعي قال: نالَ أصحابَ النبيِّ وَّهِ جِراحةٌ، فَفَشَت فيهم، ثُم ابتُلوا بالجنابةِ فَشكُوا ذلك إلى النبيِ وَ﴿، فنزلَتْ: ﴿وَإِن كُم ◌َّضَ﴾ الآيةَ كلَّها. (١) في (م): على نحو. (٢) الهداية مع فتح القدير ٨٣/١- ٨٤. (٣) في الأصل: لبيان، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢/ ١٨٠، والكلام منه. (٤) تفسير أبي السعود ٢/ ١٨٠ . (٥) في الأصل و(م): جريج، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في الدر المنثور ١٦٦/٢ والكلام منه، والخبر في تفسير الطبري ٧/ ٧٥ من طريق حماد عن إبراهيم. سُورَةُ النَّسَكَاةِ ٥٢ الآية : ٤٣ وهذا خلافُ ما عليه الجمهور حيثُ رَوَوا أنَّ نُزولَها في غزوةِ المريسيع حين عَرَّس رسولُ اللهِوَّ ليلةً فسقَطَتْ عن عائشةَ رِّنَا قِلادةٌ لأسماءَ، فلمَّا ارتحلُوا ذكرتْ ذلك لرسولِ اللهِ وَ﴿ فبعَثَ رجلين في طلبها، فنزلوا ينتظرونهما، فأصبحوا وليس معهم ماءٌ، فأَغلظَ أبو بكر على عائشة ◌ِّا، وقال: حَبَسْتِ رسول الله وَّهِ والمسلمينَ على غير ماءٍ، فنزلَتْ، فلما صلَّوا بالتيمُّم جاء أُسيد بن الحضير إلى مَضرب عائشة فجعَلَ يقول: ما أَكثر بَركتكُم يا آلَ أبي بكر(١). وفي رواية: يَرحمكِ الله تعالى يا عائشة، ما نزَلَ بكِ أمرٌ تكرهينَهُ إلا جَعَل الله تعالى فيه للمسلمين فرجاً(٢). وهذا يَدِلُّ على أنَّ سبب النزول كانَ فَقْدَ الماء في السفرِ، وهو ظاهرٌ. ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَِّطِ﴾ هو المكانُ المنخفضُ، وجاء: الغَيْط بفتح الغين وسكون الياء، وبه قرأ ابنُ مسعودٍ ﴾(٣)، وهو في رأي مصدرُ يَغُوطُ، وكان القياس: غوطاً، فقُلبت الواو ياء وسُكِّنتْ وانفتَحَ ما قبلها لخفَّتها، ولعلَّ الأولى ما قيل: إنه تَخفيفُ غَيِّط كَهَيْن وهَيِّن. والغيط: الغائط، والمجيء منه كنايةٌ عن الحدث؛ لأنَّ العادة أنَّ مَن يريدُه يَذهبُ إليه ليواري شخصَه عن أَعيُنِ الناس. وفي ذكرِ ((أحد)) فيه دونَ غيره إيماءٌ إلى أنَّ الإنسان يَنفردُ عند قضاء الحاجة كما هو دَأْبُه وأَدَبُه. وقيل: إنما ذُكرَ وأُسند المجيء إليه دون المخاطبين تفادياً عن التصريح بنسبتهم إلى ما يُستحَى منه، أو يُستهجَنُ التصريح به. (١) أخرجه أحمد (٢٥٤٥٥)، والبخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧): (١٠٨) من حديث عائشة ژا، وقول أسيد عندهم بلفظ: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. وليس فيه عندهم ذكر اسم الغزوة، وجاء فيه: حتى إذا كنا ببيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي ... ، قال ابن حجر في الفتح ٤٣٢/١: قال ابن عبد البر في التمهيد: يقال: إنه (يعني نزول آية التيمم) كان في غزاة بني المصطلق، وجزم به في الاستذكار، وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان، وغزاة بني المصطلق هي غزوة المريسيع وفيها وقعت قصة الإفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضاً، فإن كان ما جزموا به ثابتاً حمل على أنه سقط منها في تلك السَّفرة مرتين؛ لاختلاف القصتين كما هو مبين في سياقهما، واستبعد بعض شيوخنا ذلك ... وينظر تتمة كلامه فيه، وينظر كذلك التمهيد ٢٦٧/١٩، والاستذكار ١٤١/٣، وطبقات ابن سعد ٢/ ٦٥، والثقات لابن حبان ٢٦٣/١. (٢) أخرجه بهذه الرواية أحمد (٢٤٢٩٩)، والبخاري (٣٣٦)، ومسلم (٣٦٧): (١٠٩). (٣) القراءات الشاذة ص٢٦، والمحتسب ١٩٠/١، والبحر ٢٥٨/٣. الآية : ٤٣ ٥٣ سُورَةُ الشَّلة والفعل عطفٌ على ((كنتم))، والجارُّ الأَوَّلُ متعلِّق بمحذوفٍ وَقَعَ صفة للنكرة قبله، والثاني متعلِّق بالفعل، أي: وإنْ جاء أحد كائنٌ منكم من الغائط. ﴿أَوْ لَمَسْكُمُ الْنِسَآءَ﴾ يُريد سبحانه: أو جامعتم النساء، إلا أنَّه كَنى بالملامسةِ عن الجماع، لأنَّه مما يُستهجن التصريحُ به، أو يُستحى منه، وإلى ذلك ذهبَ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وابن عباس ظّا والحسن(١)، فيكون إشارةً إلى الحدثِ الأكبرِ، كما أنَّ الأولَ إشارةٌ إلى الحدث الأصغر. وعن ابن مسعود والنّخعيِّ والشعبي: أنَّ المرادَ بالملامسةِ مادونَ الجماع(٢)، أي: ماسَسْتُم بَشَرَتَهنَّ بِبَشرتِكم، وبه استدلَّ الشافعيُّ ◌َلُّه على أنَّ اللمسَ يَنقضُ الوضوءَ، وبه قال الزُّهري والأوزاعي. وقال مالكٌ والليث بن سعد وأحمدُ في إحدى الروايات عنه: إن كان اللمسُ بشهوةٍ نقضَ وإلَّ فلا. وذَهبَ أبو حنيفة رَّهِ إلى أنه لا يَنتقضُ الوضوءُ بالمسِّ ولو بشهوةٍ، قيل: مالم يحدث الانتشارُ. واختلفَ قولُ الشافعيِّ ◌َّهُ فِي لمسِ المحارم كالأُمِّ والبنتِ والأختِ، وفي لمس الأجنبيةِ الصغيرة، وأَصُّ القولَين أَنَّه لا يَنقضُ، كَلمْسٍ نحو السِّنِّ والظفرِ والشعرٍ. ويَنتقضُ عنده وضوءُ الملموسةِ كاللامس في الأظهر؛ لاشتراكهما في مَظِنَّة اللَّذَّة، كالمشتركّينِ في الجماع، وإنَّما لم يَنتقض وضوءُ الملموسِ فرجُه على مذهبه؛ لأنَّه لم يُوجد منه مسِّ لمِظِنَّةٍ لذَّةٍ أصلاً بخلافه هنا. ودليلُ القولِ بعدمِ نَقضٍ وُضوءِ الملموسِ حديثُ عائشةً ﴿يَا أَّها وَضعتْ يَدَها على قدمَيْهِ وَّه وهو سَاجِدٌ(٣). (١) تنظر أقوالهم في مصنف عبد الرزاق (٥٠٦)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٦٦/١، وتفسير الطبري ٦٣/٧ - ٦٨، والأوسط لابن المنذر ١١٦/١ . (٢) تنظر أقوالهم في مصنف عبد الرزاق (٤٩٩) و(٥٠١)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٦٦/١، وتفسير الطبري ٦٨/٧ -٧٣، والأوسط ١١٨/١. (٣) أخرجه أحمد (٢٥٦٥٥)، ومسلم (٤٦٨). سُورَةُ السَّلة ٥٤ الآية : ٤٣ ووجْهُ استدلالِهِ بما في الآية على ما استدل عليه أنَّ الحملَ على الحقيقةِ هو الراجحُ لاسيما في قراءةِ حمزة والكِسائي: ((أو لَمَستُم))(١) إذ لم يَشتهر اللمسُ في الجماعِ كالملامسةِ. ورجَّحَ بعضُهم الحملَ على الجماع في القراءتين ترجيحاً للمجازِ المشهورِ وعملاً بهما؛ إذ لا منافاةً، وهو الأوفقُ بمذهبنا. وقال بعضُ المحقّقينَ: إنَّ المتَّجه أنَّ الملامسةَ حقيقةٌ في تماسِّ البدنَينِ بشيءٍ مِنْ أجزائهما مِن غيرٍ تَقييدٍ باليد، وعلى هذا فالجماعُ من أفرادِ مُسمَّى الحقيقة، فيتناولُه اللَّفظُ حقيقةً، وإنما يَكونُ مجازاً لو اقتصر على إرادته باللَّفِظِ، وادَّعى الجلالُ المحلِّي (٢) أنَّ الملامسةَ حقيقةٌ في الجسِّ باليدِ مجازٌ في الوطءِ، وأنَّ الشافعيَّ رَحمه الله تعالى حملها على المعنَينِ جَمعاً بينَ الحقيقةِ والمجازِ. وظاهرٌ عبارةٍ ((الأم))(٣) أنَّ الشافعيَّ لم يَحملِ الملامسةَ على الوطءِ بل على ما عَداه مِن أنواع التقاءِ البشرتَينِ، وأنه إنما ذَكَر الجسَّ باليدِ تمثيلاً للملامسةِ بنوعٍ من أنواعها، لا تفسيراً لها بذكر كمالِ معناها الحقيقيِّ، كما بَيَّنه الكمالُ ابنُ أَبِّ شریفٍ(٤). فليُفهَمْ. ثم إنَّ نَظْمَ هذَين الأمرَينِ في سلكِ سَبَي سُقوطِ الطهارةِ والمصير إلى التيمُّمِ، مع كونهما سَبَبِّي وجوبهما، ليس باعتبارٍ أنفسهما بل باعتبارِ قيدِهما المستفادِ مِن (١) التيسير ص٩٦، والنشر ٢/ ٢٥٠، وهي قراءة خلف من العشرة. (٢) جلال الدين محمد بن أحمد المحلّي الشافعي، كان آية في الفهم والذكاء، من مصنفاته: شرح جمع الجوامع، وشرح المنهاج، وأجَلُّ كتبه التي لم تكمل: تفسير القرآن، كتب منه من أول الكهف إلى آخر القرآن، وكتب على الفاتحة وآيات يسيرة من البقرة، قال السيوطي: وقد كملته بتكملة على نمطه من أول البقرة إلى آخر الإسراء، توفي سنة (٨٦٤هـ). شذرات الذهب ٩/ ٤٤٧ . (٣) ١/ ١٢. (٤) أبو المعالي محمد بن الأمير ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي الشافعي، من تلاميذ ابن حجر العسقلاني، من مصنفاته: الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع، والمسامرة شرح المسايرة، وقطعة على تفسير البيضاوي، وقطعة على المنهاج، توفي سنة (٩٠٦هـ). شذرات الذهب ٤٣/١٠. الآية : ٤٣ ٥٥ سُورَةُ السَّةِ قوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ﴾، بل هو السببُ في الحقيقة، وإنما ذُكِرا تَمهيداً له وتَنبيهاً على أنَّه سببٌ للرخصةِ بعد انعقادِ سببِ الطهارة بقسْمَيها، كأنَّه قيل: أوْ لم تكونوا مرضى أو مسافرين(١)، بل كُنتُم فاقدينَ للماء بسببٍ منَ الأسبابِ مع تحقّقٍ ما يُوجب استعماله من الحدثِ الأصغرِ أو الأكبرِ، قيل: وتخصيصُ ذِكره بهذه الصورة مع أنه معتبرٌ أيضاً في صورةِ المرضِ والسفرٍ لنُدرةٍ وقوعِه فيها واستغنائهما عن ذِكرِه؛ لأنَّ الجنابةَ معتبرةٌ فيهما قطعاً، فيعلم مِن حُكمها حُكمُ الحدثِ الأصغرِ بدلالةِ النصِّ، لأنَّ تقديرَ النظم: لا تَقرَبُوا الصلاة في حالِ الجنابة إلا حال کونِکم مسافرین، فإنْ کُم کذلك أو ◌ُنُم مرضی .. إلخ. وقيل: إنَّ هذا القيدَ راجعٌ للكلِّ، وقيدُ وجوبٍ التطهُّر المكنيّ عنه بالمجيء منَ الغائطِ والملامسةِ معتبرٌ فيه أيضاً. واعترض بأنَّ النظمَ الكريمَ لا يساعدُه. وفي ((الكشف)) عن بعضهم: أنَّ في الآية تَقديماً وتأخيراً، والتقديرُ: لا تَقربوا الصلاةَ وأنتم سكارى ولا جنباً ولا جائياً أحدٌ منكم من الغائطِ أو لامساً، يعني: ولا مُحدِثِينَ (٢)، ثم قيل: وإنْ كنتُم مرضى أو على سفر فتيمَّموا. وفيه الفصلُ بينَ الشرطِ والجزاءِ والمعطوفِ والمعطوفِ عليه من غيرِ نُكتةٍ. ثم قال بعدَ أنْ نَقَلَ ما اعترضه: ولعلَّ الأوجهَ في تَقريرِ الآيةِ - والله أعلم - أنْ يُجعلَ عدمُ الوجدان عبارةً عن عدم القدرةِ على استعمالِ الماءِ لفقدِ الماء أو لمانع؛ ليصحَّ أنْ يَكونَ قيداً للكلِّ، أو يُحمَل على ظاهرهِ ويُجعل قيداً للأخيرَين؛ لأنَّ عمّوَمَ الإعوازِ في حقِّ المسافرِ غالباً والمنع منَ القدرةِ على استعمالِ الماءِ القائم مقامَه في حقِّ المريضِ مغنٍ عنِ التقييدِ لفظاً، وأنْ يَبقَى قوله سبحانه: ﴿مَرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ على إطلاقِهِ مِن غيرٍ تَقييدٍ بكونهم مُحدِثينَ أو مُجنبينَ؛ لأنَّ المقصودَ بيانُ سببٍ العدولِ عن الطهارة بالماءِ إلى التيمُّم، أمَّا المشترَكُ بين الطهارتَين فلا يُحتاجُ إلى ذكره قَصداً، وأنْ يُجعلَ ذكرُ المحدِثَيَنَ من غير القبيلَينِ بياناً لسببٍ العدولِ، وهو فقدُ القُدرةِ من غير سَفرٍ ولا مرضٍ، لا لأنَّ الحدثَ سببٌ وإنْ أفادَ ذلك ضِمْناً، ولم يقل: أو لم تجدوا، دونَ ذِكْرِ السبَبَيْنِ تنبيهاً على أنَّ عدمَ الوجدان مرخّصٌ بعد (١) في الأصل: ومسافرين، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢/ ١٨٠، والكلام منه. (٢) في الأصل: يعني محدثين. سُورَةُ المَشَكَّةِ ٥٦ الآية : ٤٣ انعقادِ سببِ الطهارةِ، وأُفيدَ ضِمناً أنَّهما مُعتبرَان أيضاً في المريض والمسافر، إذ لا فرقَ بين المرضِ والسفرِ وبينَ سائرِ الأعذارِ في ذلك. انتهى. ولا يَخفى أنَّ الحملَ على الظاهر أَظهرُ، وما ذكَرَه على تقديرِ الحملِ عليه ليس بالبعيد عما قدَّمناه، نعم الآيةُ مِنْ مُعضلاتِ القرآن، ولعلَّها تحتاجُ بعدُ إلى نظرٍ دقيقٍ. والفاءُ في ((فلم)) عاطفةٌ، وأمَّا الفاءُ في قوله سبحانه: ﴿فَتَيَئِّمُواْ صَعِيدًا طَيْبًا﴾ فواقعةٌ في جواب الشرطِ، والظاهرُ أنَّ الضميرَ راجعٌ إلى جميع ما اشتملَ عليه، وفيه تَغليبُ الخطابِ على الغيبةِ، ومثلُه في ذلك ((تجدوا))، فلا حاجةً إلى تقديرٍ: فليتيمَّم، جزاءً لقوله سبحانه: ﴿جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ﴾. والتيعُّمُ لغةً: القصدُ، قال الأعشى: تَيئَّمتُ قَيساً وكم دونَهُ. مِن الأرضٍ من مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ(١) والصعيدُ: وجهُ الأرضِ كما رُوي عن الخليل وثعلب، وقال الزجَّاج(٢): لا أعلم خلافاً بينَ أهل اللغة في أنَّ الصعيدَ وجهُ الأرض، وسُمِّي بذلك لأنَّه نهايةٌ ما يُصعَد إليه من باطنِ الأرضِ، أو لصعودِه وارتفاعِه فوقَ الأرض. والطيِّبُ: الطاهرُ، وعن سُفيان: الحلالُ، وقيل: المُنبِتُ دون السَّبخةِ، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَّبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، والحملُ على الأوَّلِ هو الأنسبُ بمقام الطهارةِ، والمعنى: فتعمَّدوا واقصِدُوا شيئاً مِنْ وجهٍ الأرضِ طاهراً، وهذا دليلٌ واضحٌ لجوازِ التيمُّم بالكحل والآجرِّ والمرداسنج(٣) والياقوت والفيروزج(٤) والمرجان والزمرد ونحو ذلك، وإنْ لم يَكن عليه غبارٌ، وإلى ذلك ذهب الإمام الأعظم عظُه، ومحمدٌ في إحدى الروايَتَينِ عنه، وفي روايةٍ (١) ديوان الأعشى ص٦٩، والصحاح (شزن)، وفيه: الشَّزَن: الغِلَظ من الأرض. والمهمه: المفازة البعيدة الأطراف. الصحاح (مهه). (٢) في معاني القرآن ٥٦/٢. (٣) تعريب مُرْداسَنك، ومعناه: الحجر المحرق. معجم الألفاظ الفارسية ص١٤٤. (٤) حجر كريم غير شفاف معروف بلونه الأزرق كلون السماء أو أميل إلى الخضرة. المعجم الوسيط (فير). الآية : ٤٣ ٥٧ سُورَةُ الشَكَاء أخرى عنه، وهو قولُ أبي يوسف والشافعيِّ وأحمد ﴿ه: أنَّه لا يَجوزُ التيُّمُ إلا أنْ يَعلقَ باليدِ شيءٌ من الترابِ، لتقييدِ المسح بـ ((منه)) في ((المائدة))، وكلمةُ ((مِن)) للتبعيض وهو يَقتضي التراب، والحنفيةُ يَحملُونَها على الابتداء أو الخروجِ مخرج الأغلب، وقيل: الضميرُ للحدثِ المفهومِ من السياقِ و ((من)) للتعليلِ. وأغربَ الإمامُ مالك فأجازَ التيمُّمَ بالثلج (١)، وقد شَنَّعَ الشيعةُ عليه بذلك، وقد اعتذرنا عنه في كتابنا ((الأجوبة العراقية عن الأسئلةِ الإيرانية)). ونصبَ ((صعيداً) على أنه مفعولٌ به، وقيل: إنه منصوبٌ بنَزْعِ الخافضِ، أي: فتیمِّمُوا بصعیدٍ. ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ أي: وجوهَكم وأَيدِيَكم، على أنَّ الباء صلةٌ، والمرادُ استيعابُ هذَين العضوّين بالمسحِ، حتى إذا تَرَكَ شيئاً منهما لم يَجُزْ، كما في الوضوء، وهو ظاهر الرواية، وفي روايةِ الحسن(٢) عن الإمام ﴿به أنَّ الأكثرَ يَقومُ مقام الكلِّ؛ لأنَّ الاستيعابَ في الممسوحاتِ ليس بشرط كما في مسح الخُفِّ والرأسِ، ووجهُ الظاهر أنَّ التيمُّمَ قائمٌ مقامَ الوضوءِ، ولهذا قالوا: يُخلِّلُ الأصابعَ ويَنزُ الخاتمَ لِيَتُمَّ المسحُ، والاستيعابُ في الوضوءِ شرطٌ، فكذا. فيما قامَ مقامه. والأيدي جَمْعُ يَدٍ، وهي مُشتركةٌ بينَ معانٍ، مِنْ أطرافِ الأصابعِ إلى الرسُغِ وإلى المرفقِ وإلى الإبْطِ، وهل هي حقيقةٌ في واحدٍ منها مجازٌ في غيرِهِ، أو حقيقةٌ فيها جميعاً؟ رجَّح بعضُهم الثاني، ولذا ذهبَ إلى كلِّ منها بعضُ السلَفِ، فأخرجَ ابنُ جرير عن الزُّهري أنَّ التيمُّمَ إلى الآباطِ(٣). وأخرجَ عن مكحول أنه قال: التيُّمُ ضَربٌ للوجهِ والكفَّين إلى الكوعِ(٤). (١) اختُلف عن مالك في التيمم على الثلج، ففي المدونة والمبسوط لمحمد بن مسلمة جوازه، وفي غيرهما منعه. تفسير القرطبي ٣٩٣/٦. (٢) هو الحسن بن زياد اللؤلؤي، أبو علي الأنصاري الكوفي صاحب أبي حنيفة، فقيه العراق، توفي سنة (٢٠٤هـ). سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٤٣. (٣) تفسير الطبري ٧/ ٩٠، قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٨٣/١٩: ولم يقل ذلك أحد غيره. (٤) تفسير الطبري ٧/ ٨٥. والكوع: طرف الزَّنْد الذي يلي الإبهام. القاموس (كوع). سُورَةُ المَسَكَاةِ ٥٨ الآية : ٤٣ وأخرجَ الحاكمُ عن ابن عمرَ في كيفيَّةِ تَيمُّمِهم مع رسولِ الله ◌ِّهِ: أنَّهم مَسحُوا مِن المرافقِ إلى الأكُفِّ على منابتِ الشعرِ من ظاهرٍ وباطٍ (١). ومِن حديث أبي داود أنَّ رسول الله وَّهِ تَيمَّم ومَسحَ يديه إلى مِرفَقَيه(٢). وهذا مذهبُنا ومذهبُ الشافعيِّ والجمهورِ، ويَشهدُ لهم القياس على الوضوء الذي هو أصلُه، وإنْ كان الحدثُ والجنابةُ فيه سواءً كيفيةً(٣)، وكذا جوازاً على الصَّحيح المروي عن المعظم. ومنَ الناس مَنْ قال: لا يَتِيمَّم الجنب والحائض والنفساء، وهو المرويُّ عن عمرَ وابنهِ وابنِ مسعود ظه(٤)؛ قيل: ومَنشأُ الخلافِ فيما بينهم حَمْلُ الملامسةِ فيما سَبَقَ على الوقاع أو المسِّ باليد، فذهب الأوَّلون إلى الأوَّلِ، والآخرون إلى الأخيرِ، وقالوا: القياسُ أَنْ لا يكونَ التيعُّمُ طُهوراً، وإنَّما أَباحَهُ الله تعالى للمحدثِ فلا يُباحُ للجُنبِ؛ لأنَّه ليس معقولَ المعنَى حتى يصِحَّ القياسُ، وليستِ الجنابةُ في معنى الحدَثِ لتلحق به بل هي فوقَه. وأنتَ تعلمُ أنَّ الآيةَ كالصريحِ في جوازٍ تيمُّمِ الجنبِ، وإنْ لم تُحمل الملامسةُ على الوقاع كما يشير إليه تفسيرها السابق، على أنَّ الأحاديثَ ناطقةٌ بذلك، فقد أَخرجَ البخاريُّ عن عمرانَ بنِ حُصين: أنَّ رسول اللهِّهِ رأى رجلاً معتزلاً لم يُصلِّ في القوم فقال: ((يا فلانُ ما منعك أنْ تُصلِّي؟» فقال: يا رسولَ الله، أصابتني جنابةٌ (١) المستدرك ١٧٩/١، وقد روي حديث التيمم إلى المرفقين عن عدد من الصحابة، وينظر ما ورد في ذلك من روايات في نصب الراية ١/ ١٥٠ - ١٥٤. (٢) سنن أبي داود (٣٢٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٣٣٣)، وهو من طريق سلمة بن كهيل، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار ﴿به، وفيه قصة، وقد شك فيه سلمة فقال: لا أدري قال فيه: المرفقين، أو: إلى الكفين. وأخرجه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨) بذكر الكفين فقط، وقد أشار الحافظ في الفتح ٤٤٥/١ إلى ضعف ذكر المرفقين في هذا الحديث. (٣) في (م): كيفية سواء. (٤) أخرجه عن عمر وابن مسعود أحمد (١٨٣٣٤)، والبخاري (٣٤٦) و(٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨): (١١٠)، وعن عمر وحده أحمد (١٨٣٣٢)، والبخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨): (١١٢). الآية : ٤٤ ٥٩ سُورَةُ النَّسَاءِ ولا ماءَ. قال: ((عليك بالصعيدِ فإنَّه يَكفيكَ))(١). ورُوي أنَّ قوماً جاؤوا إلى رسولِ الله وَّهِ وقالوا: إنا قومٌ نَسكُنُ هذه الرمالَ ولم نجدِ الماء شهراً أو شهرَين، وفينا الجُنبُ والحائضُ والنُفساءُ، فقال ◌َّ: ((عليكم بأرضكم»(٢). إلى غير ذلك. وهل يَرفعُ التيمُّمُ الحدثَ أم لا؟ خلافٌ، ولا دلالةَ في الآيةِ على أحدِ الأَمَرِينِ عند مَنْ أَمعنَ النظر. تعليلٌ لما يُفهِمُه الكلامُ مِن الترخيصِ والتیسیرِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (﴿ّ وتقريرٌ لهما، فإنَّ مَنْ عادتُه المستمَّرةُ أنْ يَعفوَ عن الخاطِئِين ويَغْفرَ للمذنبين لا بدَّ أنْ يكونَ مُيَسِّراً لا مُعسِّراً، وجُوِّز أنْ يَكونَ كنايةً عن ذلك، فإنَّه مِن رَوادفِ العفوِ وتوابعِ النُفرانِ. وأدمجَ فيه أنَّ الأصلَ الطهارةُ الكاملةُ وأنَّ غيرَها من الرُّخَصِ مِن العفوِ والغفران. وقيل: العفوُ هنا بمعنَى التيسيرِ - كما في ((التيسير)) - واستدلَّ على وُرُودِهِ بهذا المعنَى بقوله وَِّ: ((عفوتُ لكم [عن] صدقة الخيلِ والرقيقِ))(٣). وذكر المغفرة للدلالة على أنَّ غَفَرَ ذَنْبَ المصلِين سكارى، وما صدَرَ عنهم في القراءةِ. وأنتَ تعلم أنَّ حَمْلَ العفوِ على التيسيرِ في الحديثِ غيرُ مُتعيِّنٍ، وکونُ ذِكْرٍ المغفرةِ لِمَا ذُكِرَ بعيدٌ. ﴿أَلَمَّ تَّرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ﴾ استئنافٌ لتعجيبِ المؤمنينِ من سوءٍ حالهم والتحذيرِ عن موالاتهم إثرَ ذِكْرٍ أنواعِ التكاليفِ والأحكامِ الشرعيةِ. والخطابُ لكلِّ مَنْ يَتأتَّى منه الرؤية مِنَ المؤمنين؛ وفيه إيذانٌ بكمالِ شَهرةِ شناعةِ حالهم. وقيل: السيِّدِ المخاطَِّينِ وَِّ، وخطابُ سيِّدِ القومِ في مَقامِ خطابهم. والرؤيةُ بصريةٌ، وتَعدِّيها بـ ((إلى)) حملاً لها على النظر، أي: ألم تَنظر إليهم. (١) صحيح البخاري (٣٤٨)، وهو عند أحمد (١٩٨٩٨)، ومسلم (٦٨٢). (٢) أخرجه أحمد (٧٧٤٧)، وأبو يعلى (٥٨٧٠) من حديث أبي هريرة (٣) أخرجه أحمد (٩٨٤)، وأبو داود (١٥٧٤)، والترمذي (٦٢٠) من حديث علي نظرائه، وما بين حاصرتين من هذه المصادر. سُورَةُ النِّسَاءِ ٦٠ الآية : ٤٤ وجَعْلُها عِلْميةً وتعدِّيها بـ ((إلى)) لتضمينها معنَى الانتهاءِ، أي: أَلَمْ يَنتَهِ عِلمُكَ إليهم، منحظُ في مَقامِ التعجيبٍ، وتَشهيرِ شنائعهم، ونَظْمِها في سِلْكِ الأمورِ المشاهَدَةِ. والمرادُ مِن الموصولِ يهودُ المدينةِ، وروي عن ابن عباس ﴿ّ أنَّها نزلَتْ في رِفاعة بن زيد ومالك بن دخشم كانا إذا تكلّم رسولُ الله وَّهِ لَوَيا لسانَهما وعاباه(١). وعنه أنَّها نزلَتْ في حبرَين كانا يَأتيانِ رأسَ المنافقينَ عبدَ الله بنَ أُبيِّ ورهَطَه يُتْبِّطانِهِم عن الإسلام(٢). والمرادُ مِن الكتاب: التوراةُ. وقيل: الجنسُ، وتَدخلُ فيه دخولاً أولياً. وفيه تطويلٌ للمسافة. وقيل: القرآن؛ لأنَّ اليهودَ عَلموا أنه كتابٌ حقٌّ أَتَى به نبيٌّ صادقٌ لا شُبهةً في نبوَّتِهِ. وفيه أنَّه خلافُ الظاهر. وبالذي أُوتُوه: ما بُيِّن لهم فيه مِن الأحكام والعلومِ التي من جملتها ما عَلِموه مِن نعت النبيِّ ◌َِّ. والتعبيرُ عنه بالنصيب المشعرِ بأنَّه حقٌّ من حقوقهم التي تجبُ مراعاتُها والمحافظةُ عليها؛ للإيذان بركَاكة آرائهم في الإهمال، والتنوينُ للتفخیم، وهو مؤيّدٌ للتشنيع، ومثلُه مالو حُمل على التكثير. و((مِن)) مُتعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقَعَ صفةً لـ ((نصيباً)) مُبينَّةً لفخامتِهِ الإضافية إثرَ فخامتِهِ الذاتية، وقيل: مُتعلِّقة بـ ((أوتوا)). وقوله تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ﴾ استئنافٌ مُبيِّنٌ لمناط التشنيع ومدارِ التعجيب المفهومَين من صدر الكلام، مَبنيٌّ على سؤالٍ نَشأَ منه، كأنه قيلَ: ماذا يَصنعونَ حتى يُنظرَ إليهم؟ فقيل: يختارون الضلالةَ على الهدى، أو يَستبدلونها به بعد تَمُّنهم منه المنزَّلِ منزلةَ الحصولِ - أو حصولِه لهم بالفعل - بإنكارهم نبوَّة محمد (١) أخرجه الطبري ٧/ ٩٩، وذكره ابن هشام في السيرة ١/ ٥٦٠ عن ابن إسحاق، ونقله المصنف عن أبي السعود ٢/ ١٨١ . (٢) ذكره الرازي في التفسير ١١٥/١٠، وأبو السعود ١٨١/٢.