Indexed OCR Text
Pages 21-40
الآية : ٣٦ ٢١ سُؤَةُ السَكَاةِ و((شيئاً)) إمَّا مفعولٌ به، أي: لا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً كان أو غيره، فالتنوين للتعميم. واختار عصامُ الدين كونَه للتحقير؛ ليكونَ فيه توبيٌ عظيم، أي: لا تشركوا به شيئاً حقيراً مع عدم تناهي كبريائه، إذ كلُّ شيءٍ في جَنْب عظمتِهِ سبحانه أحقرُ حقيرٍ، ونسبةُ الممكن إلى الواجب أبعدُ من نسبة المعدوم إلى الموجود؛ إذ المعدوم إمكان الموجود، وأين الإمكان من الوجوب؟ ضدَّان مفترقان أيُّ تَفرُّقٍ. وإما مصدر، أي: لا تشركوا به عزَّ شأنه شيئاً من الإشراك جليًّا أو خفيًّا. وعَطَّف النهي عن الإشراك على الأمر بالعبادة، مع أنَّ الكفَّ عن الإشراك لازمٌ للعبادة بذلك التفسير؛ إذ لا يُتصوَّر غايةُ الخضوع لمن له شريك، ضرورةً أنَّ الخضوعَ لمن لا شريك له فوقَ الخضوعِ لمن له شريك = للنهي عن الإشراك فيما جَعَله الشرعُ علامةَ نهايةِ الخضوع، أوَ للتوبيخ بغايةِ الجهل، حيثُ لا يدرِكونَ هذا اللزوم. كذا قيل. ولعلَّ الأوضح أنْ يقال: إنَّ هذا النهي إشارةٌ إلى الأمر بالإخلاص، فكأنه قيل: واعبدوا الله مخلصين له، ويَؤُول ذلك كما أومأ إليه الإمام(١) إلى أنه سبحانه أَمَرَ أولاً بما يَشمل التوحيدَ وغيره من أعمال القلب والجوارح، ثم أردفه بما يُفهَمُ منه التوحيد الذي لا يقبل الله تعالى عملاً بدونه، فالعطف مِن قبيل عطف الخاصِّ على العام. ﴿وَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّْ﴾ أي: وأَحْسِنوا بهما إحساناً، فالجارُّ مُتعلِّق بالفعل المقدَّر، وجُوِّز تَعلُّقه بالمصدر، وقُدِّم للاهتمام. و ((أَحْسَنَ)) يَتعدَّى بـ ((الباء)) و((إلى)) و((اللام))، وقيل: إنما يَتعدَّى بالباء إذا تضمَّن معنى العطف(٢). والإحسانُ المأمور به أن يقومَ بخدمتهما، ولا يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في الكلام معهما، ويَسعى في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما بقَدْرِ القُدْرةِ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمةُ الكلام فيما يتعلَّق بهما . (١) ينظر تفسير الرازي ١٠/ ٩٥. (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: اللطف. ينظر حاشية الشهاب ١٣٥/٣. سُورَةُ النَّسَاءِ ٢٢ الآية : ٣٦ ﴿وَبِذِى الْفُرْبَ﴾ أي: بصاحب القرابة من أخ وعمٍّ وخالٍ وأولادٍ كُلِّ ونحوٍ ذلك، وأُعيدَ الباء هنا ولم يُعد في ((البقرة)) قال في ((البحر))(١): لأنَّ هذا توصيةٌ لهذه الأمة فاعتنى به وأَّد، وذلك في بني إسرائيل. ﴿وَلْيَتَغَى وَالْمَسَكِينِ﴾ من الأجانب ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ﴾ أي: الذي قَرُب جواره ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ أي: البعيد، من الجنابة ضِدّ القرابة، وهي على هذا مكانية. ويَحتمل أنْ يراد بـ ((الجار ذي القربى)): مَنْ له مع الجوارِ قُربِّ واتصالٌ بنسبٍ أو دِينٍ، وبـ ((الجار الجُنُب)): الذي لا قرابة له ولو مُشركاً، أخرج أبو نعيم والبزار من حديث جابر بن عبد الله - وفيه ضعف - قال: قال رسول الله وَله: ((الجيرانُ ثلاثة: فجارٌ له ثلاثةُ حقوق: حقُّ الجوار وحقُّ القرابة وحقُّ الإسلام، وجارٌ له حقَّان: حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام، وجارٌ له حقٌّ واحد: حقُّ الجوار، وهو المشركُ مِن أهل الكتاب(٢)). وأخرج البخاري في ((الأدب)) عن عبد الله بن عمرو (٣) أنه ذُبحتْ له شاةٌ فجعَلَ يقول لغلامه: أَهْدَيْتَ لجارنا اليهودي، أَهْدَيْتَ لجارنا اليهودي؟ سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول: ((ما زال جبريلُ يُؤْصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه سيورِّته))(٤). والظاهرُ أنَّ مَبْنَى الجِوارِ على العرف(٥)، وعن الحسن كما في ((الأدب)) أنه سئل عن الجار فقال: أربعينَ داراً أمامه، وأربعين خلفه، وأربعين عن يمينه، (١) ٣/ ٢٤٤ . (٢) الحلية ٢٠٧/٥، وكشف الأستار (١٨٩٦). وقال المناوي في فيض القدير ٣٦٧/٣: قال بعضهم: له طرق متصلة ومرسلة، وكلها لا تخلو عن مقال. (٣) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من مصادر التخريج على ما يأتي. (٤) الأدب المفرد (١٠٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (٦٤٩٦)، وأبو داود (٥١٥٢)، والترمذي (١٩٤٣) وقال: حديث حسن غريب. اهـ. وأخرج المرفوع منه أحمد (٥٥٧٧)، والبخاري (٦٠١٥)، ومسلم (٢٦٢٥) من حديث عبد الله بن عمر رؤيا. وسيأتي من حديث عائشة پا. (٥) في هامش الأصل: قال الإمام الأعظم في الوصية: جاره مَن لصق به، وقالا: مَن يسكن في محلته ويجمعهم مسجد المحلة. وهو استحسان، وقول الإمام قياس، وصححه جمع وقدموه على قولهما . الآية : ٣٦ ٢٣ سُورَة المشكلة وأربعين عن يساره(١). وروي(٢) مثله عن الزهري. وقيل: أربعين ذراعاً. ويَبدأ بالأقرب فالأقرب، فعن عائشة ؤُها قالت: قلت: يا رسول الله: إنَّ لي جارَين فإلى أيِّهما أُهْدي؟ قال: ((إلى أقربهما منك باباً))(٣). وقُرئ: ((والجارَ ذا القربى)) بالنصب(٤)، أي: وأَخصُّ الجارَ، وفي ذلك تنبيه على عِظمٍ حقُّ الجار. وقد أخرج الشيخان عن أبي شريح الخزاعيِّ، أنَّ النبيَّ نَ ◌ّهِ قال: ((مَنْ كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُحسِنْ إلى جارِه))(٥). وفيما سمعه عبد الله كفايةٌ، وأخرجه الشيخان وأحمد من حديث عائشة ها(٦). ﴿وَاُلْضَاحِبٍ بِالْجَنْبِ﴾ هو الرفيقُ في السفر، أو المنقطع إليك يرجو نفعك ورِفدَك، وكلا القولين عن ابن عباس. وقيل: الرفيق في أمرٍ حَسَن كَتَعلُّم وتَصرُّفٍ وصناعةٍ وسفر. وعَدُّوا من ذلك مَن فَعَدَ بجنبك في مسجدٍ أو مجلسٍ، وغيرِ ذلك من أدنى صحبةِ التَّأَمَتْ بينك وبينه، واستحسن جماعةٌ هذا القيل لما فيه من العموم. وأخرج عبد بن حميد عن عليٍّ كرم الله وجهه: ((الصاحبُ بالجنب)»: المرأة(٧). والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً مِن الصاحب، والعاملُ فيه الفعلُ المقدَّر. ﴿وَأَبْنٍ اُلسَبِيلِ﴾ وهو المسافر أو الضيف. (١) الأدب المفرد (١٠٩). (٢) جاء في الأصل فوقها: ونسب للشافعي. (٣) أخرجه أحمد (٢٥٤٢٣)، والبخاري (٢٢٥٩). (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٤/١، والكشاف ٥٢٦/١، والبحر ٢٤٥/٣. (٥) صحيح البخاري (٦٠١٩)، وصحيح مسلم (٤٨)، واللفظ له، وهو عند أحمد (١٦٣٧٠). (٦) صحيح البخاري (٦٠١٤)، وصحيح مسلم (٢٦٢٤)، ومسند أحمد (٢٤٢٦٠). (٧) الدر المنثور ١٥٩/٢. سُورَةُ السَّلة ٢٤ الآية : ٣٧ ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ قال مقاتل: مِن عبيدكم وإمائكم. وكان كثيراً ما يُوصي بِهِم ◌َّيْرٍ؛ فقد أخرج أحمد والبيهقيُّ عن أنس قال: كانت عامَّةُ وصيةِ رسول الله وَّل حين حَضَره الموت: ((الصلاةَ وما ملكَتْ أيمانكم))، حتى جَعَل يُغَرغِرُها في صدره، وما يَفيضُ بها لسانُهُ(١). ثم الإحسان إلى هؤلاء الأصناف متفاوتُ المراتبِ حَسْبَما يَليقُ بكلِّ وَينبغي. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا﴾ أي: ذا خُيلاء وكِبْر، يأنفُ من أقاربه وجيرانه مثلاً ولا يلتفتُ إليهم ﴿فَخُورًا (٨) يَعُدُّ مناقبه عليهم تَطَاؤُلاً وتَعاظُماً. والجملة تعليلٌ للأمر السابق. أخرج الطبراني وابنُ مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس قال: كنتُ عند رسول الله ◌َّ فقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ إلخ، فذكر الكِبْرَ وعِظَمَهُ فبكى ثابتٌ، فقال له رسول الله وَّة: ((ما يبكيك؟)) فقال: يا رسول الله، إني لَأُحبُّ الجمالَ حتى إنه ليُعجبُني أنْ يحسن شِراك نعلي. قال: ((فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكِبْرِ أنْ تُحسِنَ راحلتك ورَحْلَكَ، ولكنَّ الكبرَ مَن سَفَ الحقَّ وَغَمَصَ الناسَ))(٢) والأخبارُ في هذا الباب كثيرة. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِآلْبُخْلِ﴾ فيه أَوجهٌ من الإعراب: الأول: أنْ يكونَ بدلاً مِن ((مَن)) بدلَ كلٍّ من كلِّ. الثاني: أنْ يكونَ صفةٌ لها بناءً على رأي مَن يُجوزُ وقوعَ الموصول موصوفاً، والزجَّاجُ يقول به. الثالث: أنْ يكونَ نصباً على الذم. الرابع: أنْ يكونَ رفعاً عليه. (١) مسند أحمد (٢١١٦٩)، ودلائل النبوة للبيهقي ٢٠٥/٧، والشعب (٨٥٥٢). (٢) المعجم الكبير ٦٩/٢، ونسبه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ١٥٩/٢، وعنه نقل المصنف. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٤: فيه محمد بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ، وأبوه عبد الرحمن لم يدرك ثابت بن قيس. اهـ. وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه مسلم (٩١). الآية : ٣٧ ٢٥ سُورَةُ النَّسَاءِ الخامس: أنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين(١). السادس: أنْ يكونَ مبتدأً خبرُه محذوف، أي: مَبغوضُون، أو: أحقّاءُ بكلٌ ملامة، ونحو ذلك مما يُؤخذ من السياق. وإنما حُذف لتذهبَ نفسُ السامع كلَّ مذهب. وتقديره بعد تمام الصلة أولى. السابع: أنْ يكونَ - كما قال أبو البقاء(٢) - مبتدأ، و((الذين)) الآتي معطوفاً عليه، والخبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾، على معنى: لا يظلمهم، وهو بعيدٌ جداً. وفَرَّقَ الطيبي بين كونه خبراً ومبتدأ، بأنه على الأول متصلٌ بما قبله؛ لأنَّ هذا مِن جنس أوصافهم التي عُرفوا بها، وعلى الثاني مُنقطعٌ جيء به لبيانِ أحوالهم، وذَكَرَ أنَّ الوجْهَ الاتصالُ وأطال الكلام عليه(٣). وفي البخل أربعُ لغاتٍ: فتح الخاء والباء، وبها قرأ حمزة والكسائي(٤). وضَمُّهما، وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر(٥). وفتح الباء وسكون الخاء، وبها قرأ قتادة (٦). وضَمُّ الباء وسكون الخاء، وبها قرأ الجمهور (٧). ﴿وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهُ﴾ أي: مِن المال والغِنى، أو من نُعوتِهِ وَ﴾. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ أي: أعددنا لهم ذلك، ووُضِع المُظْهَرُ مَوضعَ المضمَر إشعاراً بأنَّ مَن هذا شأنُه فهو كافرٌ لنعم الله تعالى، ومَن كان كافراً لنعمه فله عذابٌ يُهينُه كما أهان النِّعمَ بالبُخل والإخفاء، ويجوزُ حمل الكفر على (١) هذا القول والقول الذي قبله ذكرا في المصادر على أنهما قول واحد. ينظر الكشاف ٥٢٦/١، وتفسير البيضاوي ٨٦/٢، وتفسير أبي السعود ١٧٦/٢، والبحر ٢٤٧/٣، والدر المصون ٦٧٧/٣. (٢) في الإملاء ٢٥١/٢ . (٣) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٤) التيسير ص٩٦، والنشر ٢٤٩/٢. (٥) القراءات الشاذة ص٢٦. (٦) الكشاف ٥٢٦/١، والبحر ٢٤٦/٣، وهي دون نسبة في القراءات الشاذة ص٢٦. (٧) التيسير ص٩٦، والنشر ٢٤٩/٢. سُورَةُ النِّسَاءِ ٢٦ الآية : ٣٨ ظاهره. وذِكْرُ ضميرٍ التعظيم للتهويل؛ لأنَّ عذابَ العظيم عظيمٌ، وَغَضَبَ الحليم وخيمٌ، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ مُقرِّرٌ لما قبلَها. وسببُ نزول الآية ما أخرجه ابنُ إسحاق وابن جرير وابن المنذر بسندٍ صحيحٍ عن ابن عباس قال: كانَ كَردَمُ بن زيد حليفُ كعبٍ بن الأشرفِ، وأسامة بنّ حَبيب، ونافعُ ابنُ أبي نافع، وبَحريُ بنُ عمرو، وحُيِّيُّ بنُ أَخْطَبَ، ورفاعةُ بنُ زيد بنِ التابوت يَأتونَ رجالاً مِن الأنصار يتنصَّحون لهم، فيقولون لهم: لا تُنفقوا أموالَكم فإنَّا نخشَى عليكم الفقرَ في ذَهابها، ولا تُسارعوا في النفقة فإنَّكم لا تدرون ما يكون. فأنزلَ الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾(١). وقيل: نزلت في الذين كَتموا صفةً محمد بِّهِ، وروي ذلك عن سعيد بن جبير وغيرِهِ؛ أخرج عبدُ بن حُميد وآخرون عن قتادة أنَّه قال في الآية: هُم أعداءُ الله تعالى أهلُ الكتاب، بخلوا بحقِّ الله تعالى عليهم، وكتموا الإسلامَ ومحمداً وَلِتِ، وهم يَجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل(٢). والبخل على هذه الرواية ظاهرٌ في البخل بالمال، وبه صَرَّح ابنُ جبير في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى أنه البخل بالعلم، وأَمْرُهم الناسَ - أي: أتباعَهم - به يحتمل أنْ يكونَ حقيقةً، ويحتمل أنْ يكونَ مجازاً تنزيلاً لهم منزلَة الآمرينَ بذلك لعلمهم باتّباعهم لهم. ﴿وَلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَّهُمْ رِئَّةَ النَّاسِ﴾ أي: للفَخَار ولِمَا يقال، لا لوجه الله العظيم المتعال، والموصولُ عطف على نظيره، أو على ((الكافرين))، وإنَّما شاركوهم في الذمِّ والوعيد لأنَّ البخل والسَّرف الذي هو الإنفاق لا على ما يَنبغي مِن حيثُ إنَّهما طَرَفا إفراطٍ وتفريطِ سواءٌ في الشناعة واستجلابِ الذِّ. وجُوِّز أنْ يكون مبتدأً خبرُه محذوف، أي: قرينُهم الشيطان، كما يدلُّ عليه الكلام الآتي. (١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٠، وتفسير الطبري ٢٤/٧، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٦٢/٢. (٢) الدر المنثور ١٦٢/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٢/٧-٢٣، وابن أبي حاتم ٩٥٢/٣-٩٥٣. الآية : ٣٩ ٢٧ سُورَةُ السَكَاةِ و((رئاء)» مصدرٌ منصوبٌ على الحال من ضميرٍ ((ينفقون))، وإضافته إلى ((الناس)) مِن إضافة المصدرِ لمفعوله أي: مُرائين الناسَ. ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِلَهِ﴾ القادرِ على الثواب والعقاب ﴿وَلَا بِأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِّ﴾ الذي يُثابُ فيه المطيع ويُعاقَبُ العاصي، ليقصدوا بالإنفاق ما تُورِقُ به أغصانه ويُجتَنَى منه ثمرُه. وهم اليهود، ورُوي ذلك عن مجاهد، أو مشركو مكة، أو المنافقون كما قيل. ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ والمرادُ به إبليس وأعوانُه الداخلةُ والخارجة مِن قبيلته والناسِ التابعين له، أو من القوَى النفسانية والهوى وصُحبةِ الأشرار، أو من النفس والقوى الحيوانية وشياطين الإنس والجن. ﴿لَهُ، قَرِينًا﴾ أي: صاحباً وخليلاً في الدنيا ﴿فَسَآءَ﴾ أي: فبئسَ الشيطانُ، أو القرينُ ﴿قَرِينًا ﴾﴾، لأنه يَدعوه إلى المعصية المؤدِّيةِ إلى النار، و((ساء)» منقولة إلى باب نعم وبئس، فهي مُلحَقَة بالجامدة؛ فلذا قُرنت بالفاء. ويحتمل أنْ تكونَ على بابها بتقدير ((قد))، كقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ جَآءَ بِالسَِّئَّةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]. والغرض مِن هذه الجملة التنبيهُ على أنَّ الشيطان قرينُهم، فحمَلَهم على ذلك وزَيِّنَه لهم، وجُوِّز أن يكون وعيداً لهم بأن يُقْرَنَ بهم الشيطانُ يوم القيامة في النار، فيتلاعنان ويتباغضان وتقوم لهم الحسرةُ على ساق. ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما الذي عليهم، أو: أيُّ وَبالٍ وضررٍ يَحيقُ بهم ﴿لَوْ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَأَنْفَقُواْ﴾ على مَن ذُكر مِن الطوائف ابتغاءَ وجه الله تعالى، كما يُشعر به السياقُ ويُفهمُه الكلام ﴿مَِّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِن الأموال. وليس المرادُ السؤالَ عن الضرر المترتّب على الإيمان والإنفاق في سبيل الله تعالى كما هو الظاهر؛ إذ لا ضرَرَ في ذلك ليُسأَلَ عنه، بل المرادُ توبيخُهم على الجهل بمكان المنفعة، والاعتقادٍ في الشيء على خلاف ما هو عليه، وتحريضُهم على صَرْف الفكر لتحصيل الجواب لعله يُؤدِّي بهم إلى العلم بما في ذلك مما هو أجدَى مِن تفاريق العصا، وتنبيهُهم على أنَّ المدعوَّ إلى أمرٍ لا ضررَ فيه يَنبغي أنْ سُورَةُ السَّامة ٢٨ الآية : ٣٩ يُجيبَ احتياطاً، فكيف إذا تَدقَّقتْ منه المنافع؟! وهذا أسلوبٌ بديعٌ كثيراً ما استعملَتْهـ العربُ في كلامها، ومن ذلك قولُ مَن قال: مَنَّ الفتى وهو المَغِيْظُ المُخْتَقِ (١) ما كان ضرَّك لو مننْتَ وربَّما وفي الكلام رَدِّ على الجبريَّة؛ إذ لا يُقال مثلُ ذلك لمن لا اختيار له ولا تأثير أصلاً في الفعل، ألا ترى أنَّ مَن قال للأعمى: ماذا عليك لو كنتَ بصيراً؟ وللقصير: ماذا عليك لو كنتَ طويلاً؟ نسب إلى ما يكره. واستدلَّ به القائلون بجوازٍ إيمان المقلِّد أيضاً؛ لأنه مُشعرٌ بأنَّ الإتيان بالإيمان(٢) في غاية السهولة، ولو كان الاستدلال واجباً لكان في غاية الصعوبة. وأُجيبَ - بعد تسليم الإشعار - بأنَّ الصعوبةَ في التفاصيل وليست واجبةً، وأما الدلائلُ على سبيلِ الإجمال فسهلةٌ وهي الواجبة. و (لو)" إما على بابها والكلامُ مَحمولٌ على المعنى، أي: لو آمنوا لم يَضرَّهم(٣)، وإمّا بمعنى ((أنْ)) المصدرية - كما قال أبو البقاء(٤) - وعلى الوجهين لا استئناف. وجوِّز أنْ تكونَ الجملة مستأنفةً وجوابُها مقدَّر، أي: حَصَلَت لهم السعادة، ونحوه. وإنما قُدِّم الإيمان هاهنا وأُخِّر في الآية المتقدِّمة؛ لأنه ثَمةَ ذُكِرَ لتعليل ما قبله من وقوع مصارِفهم في دنياهم في غير محلّها، وهنا للتحريض فينبغي أنْ يبدأ فيه بالأهم فالأهم. (١) البيت لقتيلة أخت النضر بن الحارث، كما في سيرة ابن هشام ٤٢/٢، والأغاني ١٩/١، وزهر الآداب للقيرواني ١/ ٢٨، وقيل: هي بنت النضر بن الحارث، كما في الحماسة البصرية ٢١٢/١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٩٦٣/٢، والدرر لابن عبد البر ص١١٠. (٢) في الأصل: بأن الإتيان، وفي (م): بأن الإيمان، والمثبت من تفسير الرازي ١٠٠/١٠، والكلام منه، ومثله في غرائب القرآن ٤١/٥ . (٣) وعلى هذا يكون قوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ بمعنى جواب الشرط، مسبَّبٌ عنه. حاشية الشهاب ١٣٦/٣. (٤) في الإملاء ٢/ ٢٥٤. الآية : ٤٠ ٢٩ سُورَةُ الْنَشَاةِ ولو قيل: أخّر الإيمان هناك وقدّم الإنفاق؛ لأن ذلك الإنفاقَ كان بمعنى الإسراف الذي هو عديلُ البخل، فأخّر الإيمان لئلا يكونَ فاصلاً بين العديلَين = لكان له وجهٌ، لاسيما إذا قلنا بالعطف. ، خَبرٌ يتضمَّنُ وعيداً وتنبيهاً على سُوء بَوَاطِنِهم، وأَنَّه ٣٩ ﴿وَكَانَ اَللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا تعالى مُطلَّعٌ على ما أخفوه في أنفسهم فيُجازيهم به. وقيل: فيه إشارةٌ إلى إثابته تعالى إياهم لو كانوا آمنوا وأنفقوا. ولا بأس بأن يُراد: كان عليماً بهم وبأحوالهم المحقَّقة والمفروضة، فيُعاقب على الأولى ويُثيب على الثانية، كما يُنبئ عن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ المثقالُ مِفْعال من الثقل، ويُطلق على المقدار المعلوم الذي لم يختلف - كما قيل - جاهليةً وإسلاماً، وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر ظنّه: أربعةٌ وعشرون قيراطاً(١). وعلى مُطلَقِ المقدار وهو المرادُ هنا، ولذا قال السُّدي: أي: وَزْنَ ذَرَّة. وهي النملةُ الحمراء الصغيرة التي لا تكاد تُرى، ورُوي ذلك عن ابن عباس وابن زيد، وعن الأول: أنَّها رأسُ النملة، وعنه أيضاً: أنه أَدْخلَ يده في التراب ثم نَفَخ فيه فقال: كلُّ واحدةٍ من هؤلاء ذرةٌ. وقريبٌ منه ما قيل: إنها جُزءٌ من أجزاء الهباء في الكوة. وقيل: هي الخَردلة . ويُؤيِّد الأول ما أخرجه ابنُ أبي داود في ((المصاحف)) مِن طريق عطاء عن ابن مسعود رضيبه أنه قرأ: ((مثقال نملة))(٢). ولم يَذكُرْ سبحانه الذرة لقَصْرِ الحكم عليها، بل لأنَّها أقلُّ شيءٍ مما يَدخلُ في وهم البشر، أو أكثر (٣) ما يُستعمل عند الوصف بالقِلَّة. ولم يُعبِّر سبحانه بالمقدار ونحوه بل عبَّر بالمثقال، للإشارة بما يُفهم منه من الثقل الذي يُعبَّر به عن الكثرة والعظم كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ نَقْلَتْ مَوَزِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] إلى أنَّه وإنْ كان حقيراً فهو باعتبار جُزئه عظيمٌ. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٦٠٩/٢ . (٢) المصاحف (١٦٤). (٣) في الأصل: وأكثر. سُورَةُ النِّسَاةِ ٣٠ الآية : ٤٠ وانتصابُه على أنه صفةٌ مصدرٍ محذوفٍ كالمفعول، أي: ظلماً قَدْرَ مثقال ذرةٍ، فَحُذِفَ المصدرُ وصفتُه، وأُقيم المضاف إليه مقامَهما، أو مفعولٌ ثانٍ لـ ((يظلم))، أي: لا يَظلمُ أحداً - أو: لا يَظلمهم - مثقال ذرةٍ، قال السمين: وكأنهم ضَمَّنوا (يظلم)) معنى ((يغصب)) أو ((ينقص)) فعدَّوه لاثنين(١). وذكر الراغب أنَّ الظلمَ عند أهل اللغة: وَضعُ الشيءِ في غيرِ مَوضعه المختصِّ به، إمَّا بنقصانٍ، أو بزيادة، أو بعدولٍ عنْ وقته أو مكانه(٢). وعليه ففي الكلام إشارةٌ إلى أنَّ نَقْصَ الثواب وزيادةَ العقاب لا يقعان منه تعالى أصلاً. وفي ذلك حثٌّ على الإيمان والإنفاق، بل إرشادٌ إلى أنَّ كلَّ ما أمر به ممَّا يَنبغي أنْ يُفعلَ، وكلَّ ما نهى عنه مما ينبغي أنْ يُجتَّنَب. واستدلَّ المعتزلة بالآية على أنَّ الظلمَ ممكنٌ في حدِّ ذاته، إلا أنَّه تعالى لا يَفعلُه لاستحالته في الحكمة، لا لاستحالته في القدرة؛ لأنه سبحانه مَدّح نفسه بتركه، ولا مدحَ بترك القبيح ما لم يكن عن قُدرةٍ، ألا ترى أنَّ العِنِين لا يُمدح بترك الزنا. واعتُرض على ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فإنه ذُكِر في مَعرض المدح، مع أنَّ النوم غيرُ ممكنٍ عليه سبحانه، قال في ((الكشف)»: وهو غيرُ وارد؛ لأنه مدحٌ بانتفاء النقص عن ذاته المقدَّسة، وهو كما تقول: الباري عزَّ وعلا ليس بجسم ولا عَرَضٍ، وأمَّا ما نحن فيه فمدحٌ بتركِ الفعل، والترُ الممدوحُ إنما يكونُ إذا كان بالاختيار، نعم للمانع أنْ لا يُسلِّم أنه تعالى مُدح بالترك، بل مِن حيثُ الدلالةُ على النقص، لأنَّ وجوب الوجود يُنافي جواز الاتصاف بالظلم. وتحقيقُه على مذهبهم: أنَّ وضْعَ الشيء في غير موضعه الحقيق به ممكنٌ في نفسه، وقدرة الحق جلَّ شأنه تَسعُ جميعَ الممكِنات، لكنَّ الحكمة ۔ وهي الإتيان بالممكِن على وجهٍ الإحكام وعلى ما يَنبغي - مانعة. وعن هذا قالوا: الحكيم لا يفعل إلا الحسن مِن بين الممكِنات إلا إذا دَعتْهُ حاجة، والمنزَّه عن الحاجات جُمَعَ يَتعالَى عن فعل القبيح. (١) الدر المصون ٦٨١/٣. (٢) مفردات الراغب (ظلم). الآية : ٤٠ ٣١ سُورَةُ الرَّسَّةِ ونحنُ نقول: إنه عزَّ اسمه لا يُنقِصُ من الأجر ولا يَزيد في العقاب أيضاً، بناءً على وعده المحتوم، فإنَّ الخُلْفَ فيه ممتنعٌ لكونه نقصاً منافياً للألوهية وكمالٍ الغنَى، وبهذا الاعتبار يَصحُّ أنْ يُسمَّى ظلماً، وإنْ كان لا يُتصورُ حقيقةُ الظلم منه تعالى لكونه المالك على الإطلاق، فالزيادةُ والنقصُ مُمكِنان لذاتهما، والخلف ممتنعٌ لذاته، ولا يلزم مِن كون الخلف ممتنعاً لذاته بالنسبة إلى الواجب تعالى وتقدَّسَ أنْ يكونَ متعلّقه كذلك، وهذا على نحو ما تقرَّر في مسألة التكليف بالممتنع أنَّ إخبار الله تعالى عن عدم إِيمان المصرِّ، ووجوب الصدق اللازم له، لا يُخرج الفعلَ عن كونه مَقدورَ المكلَّف، بل يحقِّق قدرته عليه، فيلحفظ فإنه مهم. ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَّةٌ﴾ الضميرُ المستتر في الفعل الناقص عائدٌ إلى المثقال، وإنما أَنَّثَ حملاً على المعنى؛ لأنه بمعنى: وإنْ تكن زِنهَ ذرةٍ حسنةٍ. وقيل: لأنَّ المضاف قد يكتسبُ التأنيث من المضاف إليه إذا كان جُزْأه، نحو: كما شرقَتْ صَدْرُ القناة من الدم(١) أو صفةً له نحو: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] في قراءة مَن قرأ بالتاء الفوقانية(٢)، ومقدار الشيء صفةٌ له، كما أنَّ الإيمان صفةٌ للنفس. وقيل: أنث الضمير التأنيثِ الخبر. واعتُرض: بأنَّ تأنيثَ الخبر إنَّما يكونُ لمطابقة تأنيثِ المبتدأ، فلو كان تأنيثُ المبتدأ له، لَزِم الدور. وأُجيب: بأنَّ ذلك إذا كان مقصوداً وَصْفيَّتُه، والحسنةُ غَلَبتْ عليها الاسمية فأُلحقَتْ بالجوامد التي لا تراعَى فيها المطابقة، نحو: الكلام هو الجملة. وقيل: الضميرُ عائدٌ إلى المضاف إليه، وهو مؤنثٌ بلا خفاء. وحذفت النون من آخرِ الفعل من غير قياس تشبيهاً لها بحروف العلة من حيث (١) وصدره: وتَشْرَق بالقول الذي قد أذعته، والبيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ١٨٣، والكتاب ١/ ٥٢. (٢) القراءات الشاذة ص٤٠، والمحتسب ٢٣٦/١. سُورَةُ النَّسَاءِ ٣٢ الآية : ٤٠ الغنَّةُ والسكون وكونُها مِن حروف الزوائد. وكان القياس عَودَ الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين بعد حذف النون، إلا أنهم خالفوا القياس في ذلك أيضاً حرصاً على التخفيف فيما كَثُر دورُه. وقد أجاز يونس حذْفَ النون مِن هذا الفعل أيضاً في مثل قوله: فإنْ لم تَكُ المرآةُ أبدَتْ وَسامةً فقدْ أبدَت المرآة جَبهةَ ضَيْغمٍ(١) وسيبويه يَدَّعي أنَّ ذلك ضرورةٍ(٢). وقرأ ابنُ كثير: ((حسنةٌ)) بالرفع(٣) على أنَّ ((تك)) تامةٌ، أي: وإنْ تُوجد أو تَقع حسنةٌ. ﴿يُضَحِفْهَا﴾ أضعافاً كثيرةً حتى يُوصلَها - كما مرَّ عن أبي هريرة - إلى ألفي حسنةٍ (٤)، وعنَى التكثيرَ لا التحديد. والمرادُ: يُضاعف ثوابها؛ لأنَّ مُضاعفة نفسِ الحسنةِ - بأنْ تُجعلَ الصلاةُ الواحدةُ صلاتين مثلاً - مما لا يُعقل، وإنْ ذهب إليه بعضُ المحقّقين، وما في الحديث من أنَّ تمرةَ الصدقة يُربِّيها الرحمنُ حتى تصيرَ مثلَ الجبل(٥) محمولٌ على هذا؛ للقطع بأنَّها أُكلَتْ، واحتمالُ إعادةِ المعدوم بعيدٌ، وكذا كتابةُ ثوابها مضاعفاً. وهذه المضاعفة ليسَتْ هي المضاعفة في المدَّة عند الإمام(٦) لأنها غيرُ مُتناهيةٍ، وتَضْعيفُ غيرِ المتناهي محالٌ، بل المرادُ أنَّه تعالى يُضَعِّفُه بحسَبٍ (١) البيت لخنجر بن صخر الأسدي، كما في سر صناعة الإعراب لابن جني ٢/ ٥٤٢، والخزانة ٣٠٤/٩، ودون نسبة في الدر المصون ٦٨١/٣. وحذف النون هنا مخالف لشروط حذف نون يكون، وهي أن تكون مجزومة، وألا يليها ضمير متصل نحو: لم يكنه، وأن لا تحرك النون لالتقاء الساكنين نحو: ((لم يكن الذين كفروا)). الدر المصون ٦٨١/٣ . (٢) الكتاب ١٨٤/٤ - ١٨٥. (٣) التيسير ص٩٦، والنشر ٢٤٩/٢، وهي قراءة نافع وأبي جعفر أيضاً. (٤) أخرجه أحمد (٧٩٤٥)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وسلف الحديث ٣٥٤/٣. (٥) أخرجه أحمد (٨٣٨١)، والبخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤) من حديث أبي هريرة (٦) هو الرازي في تفسيره ١٠٤/١٠ . الآية : ٤٠ ٣٣ سُورَةُ الشَّةِ المقدار، مثلاً: يَستحقُّ على طاعته عشرةَ أجزاءٍ مِن الثواب، فيَجعلُه عشرين جزءاً أو ثلاثين أو أَزْیَد. وقيل: هي المضاعفة بحسَبِ المدة، على معنَى أنه سبحانه لا يَقطع ثوابَ الحسنةِ في المُدَدِ الغيرِ المتناهية، لا أنه يُضاعفُ - جَلَّ شأنُه - مُدَّتها ليجيء حديثُ مُحاليةٍ تَضْعيفٍ مالا نهاية له(١)، وجُعِلَ قولُه تعالى: ﴿وَيُؤْتٍ مِن لََّنَّهُ أَبْرًا ﴾ على هذا عطفاً لبيان الأجر المتفضَّل به، وهو الزيادةُ في المقدار، عَظِيمًا إثرَ بيانِ الأجرِ المستَحَقُّ، وهو إعطاءُ مثله واحداً بعدَ واحد إلى أبد الدهر، وتَسميةُ ذلك أجراً مِن مجاز المجاورة؛ لأنه تابعٌ للأجر مزيدٌ عليه. وعلى الأَوَّل جَعَلَه البعضُ وارداً على طريقة عطف التفسير، على معنَى: يُضاعف ثوابَ تلك الحسنةِ بإعطاءِ الزائدِ عليه مِن فضله. وزعموا أنَّ القول بالأجر المستحَقِّ مذهبُ المعتزلة ولا يَتأثّى على مذهب الجماعة، وليس بشيء؛ لأنَّ الجماعة يقولون بالاستحقاق أيضاً، لكنْ بمقتَضَى الوعدِ الذي لا يُخلَف، وبه يكون الأجرُ الموعودُ به كأنه حقٌّ للعبدِ، كما أنه يكونُ كذلك أيضاً بمقتَضَى الكرم، كما قيل: وعدُ الكريمِ دَينٌ. نعم حملُ الأجرِ على ما ذُكرَ لا يخلو عن بُعدٍ، والداعي إليه عدم التكرار. وقال الإمام أيضاً: إنَّ ذلك التضعيف يكونُ مِن جنس اللذَّات الموعودِ بها في الجنة، وأما هذا الأجرُ العظيم الذي يُؤْتِيهِ مِنْ لَدُنْهُ، فهو اللَّذَّة الحاصلة عندَ الرؤية والاستغراقِ في المحبة والمعرفة. وبالجملة، فذلكَ التضعيفُ إشارةٌ إلى السعادات الجسمانيةِ، وهذا الأجرُ إشارةٌ إلى السعادات الروحانية(٢). ولا يَخلو عن حسنٍ. و(لدُن)) بمعنى: ((عند)»، وفَرَّق بينهما بعضُهم، بأنَّ((لَدُن)) أقوى في الدلالة على القرب، ولذا لا يُقال: لديَّ مالٌ، إلا وهو حاضرٌ، بخلاف ((عند)»، وتقولُ: هذا القولُ عندي صواب، ولا تقول: لديَّ ولَدُنِّي كما قاله الزجَّاجِ(٣). ونُظِر فيه بأنه (١) قوله: له، ليس في (م). (٢) تفسير الرازي ١٠٥/١٠. (٣) في معاني القرآن ٥٣/٢، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ١٣٧/٣، وما سيأتي منه . سُورَةُ النِّسَكَاةِ ٣٤ الآية : ٤١ شاعَ استعمالُ (لدُن)» في غير المكان، كقوله تعالى: ﴿مِن لَُّنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٥] اللهم إلا أنْ يُخرَّجَ ما قاله الزجَّاج مخرجَ الغالب. وقَرأ ابنُ كثير وابنُ عامر ويعقوب وابنُ جبير: ((يُضَعِّفْها)) بتضعيفٍ العين وتشديدها(١)، والمختارُ عند أهل اللغةِ والفارسيِّ(٢) أنهما بمعنّى. وقال أبو عُبيدة: ضاعفَ يَقتضي مراراً كثيرة، وضَعَّف يقتضي مَرَّتين(٣). ورُدَّ بأنه عكس اللغة؛ لأنَّ المضاعفة تقتضي زيادةَ الثواب، فإذا شدّدت دَلَّتِ البنية على التكثير، فيقتضي ذلك تكريرُ المضاعفة، وقد تقدَّم مِن الكلام ما ينفعُك. فتذكر. ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ﴾ الغاء فصيحة، و((كيف) محلُّها إمَّا الرفعُ على أنها خَبرٌ لمبتدأ محذوف، وإمَّا النصبُ بفعلٍ محذوفٍ على التشبيه بالحال كما هو رأي سيبويه، أو على التشبيه بالظرفٍ كما هو رأي الأخفش. والعاملُ بالظرفِ مَضمُونُ الجملة مِن التهويل والتفخيم المستفادِ من الاستفهام، أو الفعل المصدَّر كما قَرَّره صاحب ((الدر المصون))(٤)، والجارُّ متعلِّق بما عنده. أي: إذا كان كلُّ قليلٍ وكثيرٍ يُجازَى عليه، فكيف حالُ هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم، أو: كيف يصنعون، أو: كيف يكونُ حالهم، إذا جئنا يوم القيامة مِن كلِّ أمةٍ مِنَ الأُمم وطائفةٍ من الطوائفِ بشهيدٍ يشهدُ عليهم بما كانوا عليه مِن فسادٍ العقائد، وقبائحٍ الأعمال، وهو نبيهم؟ ﴿وَجِثْنَا بِكَ﴾ يا خاتمَ الأنبياء ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ إشارةٌ إلى الشهداء المدلولِ عليهم بما ذُكر ﴿شَهِيدًا ﴾﴾ تَشهدُ على صِدقهم لعلمك بما أُرسلوا، واستجماعِ شَرعكِ مَجامعَ ما فَرَّعوا وأَصَّلوا. وقيل: إلى المكذِّبين المستفهم عن حالهم، يَشهد عليهم بالكفر والعصيان تقويةً لشهادةٍ أنبيائهم عليهم السلام، أو كما يشهدون على أممهم. (١) التيسير ص ٨١، والنشر ٢٢٨/٢ عن ابن كثير وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. (٢) في الحجة ٣/ ١٦١ . (٣) مجاز القرآن ١/ ١٢٧ . (٤) ٦٨٣/٣، ويعني بالظرف ((إذا). وينظر حاشية الشهاب ١٣٨/٣. الآية : ٤٢ ٣٥ سُورَةُ النَّسَاءِ وقيل: إلى المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ومتى أُقحمَ المشهودُ عليه في الكلام وأدخلَتْ ((على)) عليه، لا يحتاج لتَضمين الشهادةِ معنى التسجيل. أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاريُّ والترمذيُّ والنسائيُّ وغيرهم مِن طُرقٍ عنِ ابن مسعود قال: قال لي رسول الله وَله: ((اقرأ عليَّ)»، قلتُ: يا رسول الله، أقرأُ عليك وعليك أُنْزلَ؟! قال: ((نعم إنِّي أُحبُّ أنْ أسمعَهُ من غيري))، فقرأتُ سورةً النساء حتى أتيتُ إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ﴾ إلخ فقال: (حَسْبُكَ الآن)) فإذا عيناه تذرفان(١). فإذا كان هذا الشاهدُ تَفيضُ عيناه لهولِ هذه المقالة، وعِظَم تلك الحالة، فماذا لعمري يَصنعُ المشهودُ عليه، وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه؟! ﴿يَوْمَيِذٍ بَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ استئنافٌ لبيانِ حالهم التي أُشيرَ إلى شِدَّتها وفَظَاعتها، وتنوينُ ((إذا عِوضٌ - على الصحيح - عن الجملتين السابقتين، وقيل: عن الأولى، وقيل: عن الأخيرة. والظرفُ مُتعلِّق بـ (يودُّ). وجَعْلُه متعلّقاً بـ ((شهيد))، وجملة ((يودُّ) صفة، والعائد محذوف، أي: فيه، بعيدٌ. والمرادُ بالموصول إمَّا المكذِّبون لرسول اللهِ ◌ّهِ، والتعبيرُ عنهم بذلك لذمِّهم بما في حَيِّز الصِّلة، والإشعارِ بعلَّة ما اعتراهم مِنَ الحالِ الفظيعةِ والأمر الهائل، وإيرادُهُ وَ * بعنوان الرسالة لتشريفه وزيادة تَقْبيحِ حال مُكذِّبيه. وإمَّا جنسُ الكفرة ويدخل أولئك في زمرتهم دخولاً أوَّليًّا، والمرادُ من (الرسول)) الجنس أيضاً، ويَزيدُ شرفَه انتظامُه للنبيِّ ◌َّهُ انتظاماً أوليًّا. و ((عصوا)) معطوفٌ على ((كفروا)) داخلٌ معه في حيِّز الصلة؛ والمرادُ عصيانهم بما سوى الكفر، فيدلُّ على أنَّ الكفار مخاطبون بالفروع في(٢) حقِّ المؤاخَذَة. (١) مصنف ابن أبي شيبة ٥٦٣/١٠، ومسند أحمد (٣٦٠٦)، وصحيح البخاري (٤٥٨٢)، وسنن الترمذي (٣٠٢٥)، وسنن النسائي الكبرى (٨٠٧٥)، وهو عند مسلم (٨٠٠). (٢) في الأصل: وفي، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٧٨/٢، والكلام منه. سُورَةُ الشَّةِ ٣٦ الآية : ٤٢ وقال أبو البقاء: إنَّه في مَوضع الحال مِن ضمير ((كفروا))، و((قد)) مرادةٌ(١). وقيل: صلةٌ لموصول آخر، أي: والذين عصوا، فالإخبار عن نوعين: الكفرة والعصاة، وهو ظاهرٌ على رأي مَنْ يُجوِّز إضمارَ الموصول كالفرَّاء، وفي المسألة خلاف. أي: يَودُّ في ذلك اليوم لمزيد شِدَّته ومُضاعَفٍ هوله الموصوفون بما ذُكر في الدنيا . ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ إما مفعولُ ((يودُّه على أنَّ ((لو)» مصدريةٌ، أي: يَودُّون أنْ يُدفَنُوا وتُسوَّى الأرض مُلتبسةً بهم، أو تُسوَّى عليهم كالموتَى. وقيل: يَوتُّون أنَّهم بَقُوا تُراباً على أصلهم مِن غير خَلْقٍ، وتَمنَّوا أنهم كانوا هم والأرض سواء. وقيل: تَصير البهائم تراباً فيودُّون حالها . وعن ابن عباس أنَّ المعنَى: يودُّون أنْ يَمشيَ عليهم أهل الجمع يَطُؤونهم بأقدامهم كما يطؤون الأرض. وقيل: يَودُّون لو يُعْدَلُ بهم الأرض، أي: يؤخَذُ منهم ما عليها فدية. وإمّا مُستأنفةٌ على أنَّ (لو)) على بابها، ومفعول ((يود)» محذوفٌ لدلالةِ الجملة، وكذا جوابُ ((لو)» إيذاناً بغاية ظهورِه، أي: يَوذُّون تَسويَةَ الأرض بهم، لو تُسوَّى لسُرُّوا. وقرأ نافع وابن عامر ويزيد: ((تَسَّوَّى))(٢) على أنَّ أصله ((تَتَسَوَّى))، فأدغمت التاء في السين لقُربها منها . وحمزة والكِسائي: ((تَسَوَّى)) بحذف التاء الثانية مع الإمالة(٣)، يقال: سؤَّيته فتَسَوَّى. (١) الإملاء ٢/ ٢٥٧. (٢) التيسير ص٩٦، والنشر ٢٤٩/٢، ويزيد هو ابن القعقاع أبو جعفر من العشرة. (٣) التيسير ص٩٦، والنشر ٢٤٩/٢، وهي قراءة خلف من العشرة. التفسير الإشاري (٢٦-٤٢) ٣٧ سُورَةُ الْمُسَكَّةِ ٤٢ عطف على ((يود))، أي: أنهَّم يَومئذٍ لا يَكتمون ﴿وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا من الله تعالى حديثاً؛ لعدم قُدرتهم على الكتمان، حيثُ إنَّ جوارحهم تَشهدُ عليهم بما صَنعُوا، أو أنَّهَم لا يَكتمون شيئاً من أعمالهم، بل يَعترفون بها فيَدْخُلُون النار باعترافهم، وإنَّما لا يكتمون لعلمهم بأنَّهم لا يَنفعهم الكتمانُ، وإنما يقولون: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنََّ مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] في بعض المواطن؛ قاله الحسن. وقيل: الواو للحال، أي: يَودُّون أنْ يُدفَنوا في الأرض وهم لا يَكتُّمُون منه تعالى حديثاً ولا يَكْذبونه بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَيَّنَ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، إذ روی الحاکم وصحَّحه عن ابن عباس ﴿ًّا أنَّهم إذا قالوا ذلك خَتم الله على أفواههم فتَشهدُ عليهم جوارحُهم، فيتمثّون أنْ تسوَّى بهم الأرض(١). وجَعْلُها للعطف وما بعدَها معطوفٌ على ((تسوَّى)) على معنى: يَودُّون لو تُسوَّى بهم الأرض، وأنّهم لا یکونون گتموا أمر محمد پے وبعثه في الدنیا، کما رُوي عن عطاء = بعيدٌ جدًّا. وأقرب منه العطفُ على مفعولٍ ((يودُّ» على معنى: يَودُّون تسوية الأرض بهم وانتفاءَ كتمانهم إذا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. هذا ومن باب الإشارة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بأنْ يُكاشِفَكم بأسراره المودَعةِ فيكم أثناءَ السير إليه ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: مقاماتهم وحالاتهم ورياضاتهم، وأشار بهم إلى الواصلين إليه قبل المخاطبين. ويجوزُ أنْ تكونَ الإشارة بالسُّنَن إلى التفويض والتسليم والرضا بالمقدور، فإنَّ ذلك شِئْشِنَةُ الصِّدِّيقين، ونِشْنِشَة الواصلين(٢). ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ مِن ذَنبٍ وجودكم حينَ يُقْنیكم فيه. (١) المستدرك ٣٠٧/٢، وأخرجه بنحوه البخاري قبل الحديث (٤٨١٦). (٢) النِّشْنِشة: الشِّنْشِنة، والشِّنْشنة: الطبيعة والعادة. القاموس (نشش) و(شئن). سُورَةُ الشَّة ٣٨ التفسير الإشاري (٢٦-٤٢) ويحتمل أنْ يكون التبيينُ إشارةً إلى الإيصال إلى توحيد الأفعال، والهدايةُ إلى توحيد الصفاتِ. والتوبةُ إلى توحيد الذات. ﴿إِنّ الله علیٌ﴾ بمراتب استعدادِکم ﴿حَكِيمٌ﴾ ومِنْ حِکمته أنْ یُفیضَ علیکم حَسَبٍ قابِلًّاتكم. ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ تكرارٌ لما تقدَّم إيذاناً بمزيدِ الاعتناء به؛ لأنه غايةُ المراتب ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ﴾ أي: اللذائذَ الفانيةَ الحاجِبةَ عن الوصول إلى الحضرة ﴿أَنْ تِيلُواْ﴾ إلى السِّوى ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾ لتكونوا مثلهم. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أثقالَ العبوديّةِ في مَقام المشاهدة، أو أثقالَ النفس بفتح بابِ الاستلذاذِ بالعبادةِ بعد الصبر عليها ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ عن حَمْل واردات الغيب وسَطَواتِ المشاهدة، فلا يَستطيعُ حَمْل ذلك إلا بتأييدٍ إلهيٍّ. أو: ضعيفاً لا يطيق الحجاب عن محبوبه لحظة؛ ولا يَصبرُ عن مَطلوبه ساعة؛ لكمال شوقه ومَزيدٍ غرامه : والصبرُ يُحمّد في المواطنِ كلِّها إلا عليك فإِنَّهُ مَذمومُ(١) وكان الشبليُّ قُدِّسَ سِرُّه يَقول: إلهي لا مَعَك قرارٌ، ولا مِنْكَ فِرار، المستغاثُ بك إليك. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الإيمانَ الحقيقيَّ ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ أي تُذهبوا ﴿أَمْوَلُكُمْ﴾ وهو ما حَصَل لكم مِن عالم الغيب بالكَسْب الاستعداديِّ ﴿بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ بأنْ تُنْفقوا على غير وجْهِهِ، وتُودِعُوه غيرَ أهله ﴿إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةَ﴾ أي: إلا أنْ يكون التصرُّف تَصرُّفاً صادراً ﴿عَن ◌َاضٍ مِّنْكُمْ﴾ واستحسانٍ أُلقيَ مِن عالم الإلهام إليكم، فإنَّ ذلك مُباحٌ لكم. (١) البيت في الموازنة للآمدي ١٠٩/١، وطبقات الأولياء ص٣٢٦، وغرائب القرآن النيسابوري ٢٧/٥، والوافي بالوفيات ٣/٤ ونسب فيه لمحمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان الأموي، المشهور بالعتبي. التفسير الإشاري (٢٦-٤٢) ٣٩ سُورَةُ الشّاة ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ بالغفلة عنها، فإنَّ مَن غفل عنها فقد غفل عن ربِّه، ومَن غفل عن ربِّه فقد هَلَك(١)، أو: لا تقتلوا أنفسكم - أي: أرواحكم القُدسيَّةَ - بمباشرتكم(٢) ما لا يَليقُ، فإنَّ مباشرةَ ما لا يليق يَمنعُ الروح مِن طيرانها في عالم المشاهدات ويَحجبُ عنها أنوارَ المكاشفات. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ في أزل الآزال ﴿بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فلذا أَرشدَكم إلى ما أَرشدَكم. ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوّنَ عَنّهُ﴾ وهي عند العارفين رؤية العبوديّة في مَشهد الربوبيَّة، وطلبُ الأعواض في الخدمة، وميلُ النفس إلى السِّوى من العرش إلى الثَرَى، والسُّكون في مَقام الكرامات، ودعوى المقامات السَّامية قبل الوصول إليها، وأكبرُ الكبائر إثباتُ وجودٍ غير وجود الله تعالى. ﴿نُگَفِّرْ عَنكُمْ سپِئَاتِكُمْ﴾ أي: نمحُ عنكم تَلَوُّناتِکم بظهورٍ نور التوحيد ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلَا كَرِيمًا﴾ وهي حَضْرةُ عينِ الجمع. ﴿وَلَا تَكَمَّنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾ مِن الكمالات التابعة للاستعدادات، فإنَّ حصولَ كمالٍ شخصٍ لآخر(٣) محالٌ إذا لم يكن مُستعدًّا له، ولهذا عبّر بالتمنِّي. ﴿لِّّجَالِ﴾ وهم الأفرادُ الواصلون ﴿نَصِيبٌ مِّمَا أَكْتَسَبُواْ﴾ بنور استعدادهم ﴿وَلِسَآءِ﴾ وهم الناقصون القاصرون ﴿نَصِيبٌ مِمَا اكْتَسَبْنَّ﴾ حَسْبَ استعدادهم ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهٍ﴾﴾ بأنْ يُفيض عليكم ما تَقتضيه قابلياتُكم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ ومن جملة ذلك ما أنتم عليه مِن الاستعداد، فيعطيكم ما يَليقُ بکم. ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَِّدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: ولكلِّ قومٍ جعلناهم موالي نصيبٌ مِن الاستعداد يَرثونَ به مما تركه والداهم وهما الروح والقلب، والأقربون وهم القوى الرُّوحانية. (١) قوله: هلك، ليس في الأصل. (٢) في الأصل: بمباشرة. (٣) في الأصل: فإن كمال حصول الشخص لآخر. سُورَةُ النِّسَاءِ ٤٠ التفسير الإشاري (٢٦-٤٢) ﴿وَأَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ وهم المريدون ﴿فَشَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الفيضِ على قَدْر نصيبهم مِن الاستعداد ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ إذ كلُّ شيءٍ مَظهِرٌ لاسم من أسمائه. ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى الْنِسَآءِ﴾ أي: الكاملون شأنُهم القيامُ بتدبير الناقصين والإنفاق عليهم من فيوضاتهم ﴿بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بالاستعداد ﴿وَيِمَآ أَنْفَقُواْ﴾ في سبيل الله تعالى وطريقِ الوصول إليه ﴿مِنْ أَمْزَلِمْ﴾، أي: قواهم أو معارفهم. ﴿فَأَلْضَلِحَتُ﴾ للسلوكِ من النساء بالمعنى السابق ﴿قَنِثَتُ﴾ مُطيعاتٌ لله تعالى بالعبادات القالبية ﴿حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ﴾ أي: القلب، عن دنس الأخلاق الذَّميمة، ولعلَّه إشارةٌ إلى العبادات القلبية ﴿يِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ لهم من الاستعداد. ﴿وَلَِّي تَّخَافُونَ تُشُوزَهُرَ﴾ تَرُّعَهُنَّ عن الانقياد إلى ما ينفعُهُنَّ ﴿فَعِظُوهُنَ﴾ بذكر أحوال الصالحين ومقاماتهم، فإنَّ النفس تميل إلى ما يُمدح لها غالباً ﴿وَأَفْجُرُوهُنَّ فِی اُلْمَضَاجِع﴾ أي: امنعوا دخول أنوار فيوضاتكم إلى حُجُرات قلوبهِنَّ ليستوحشْنَ، فربَّما يَرجعْنَ عن ذلك الترفع ﴿وَأَضْرِ بُوهُنَّ﴾ بعصيِّ القهر إن لم يَنجعْ ما تقدَّم فيهنَّ ﴿فَإِنْ أَعْنَكُمْ﴾ بعد ذلك ورَجَعْنَ عن الترفُّع والأنانية ﴿فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ بتكليفهِنَّ فوقَ طاقتهِنَّ وخلافَ مُقتضَى استعدادهِنَّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ ومع هذا لم يُكلِّف أحداً فوقَ طاقته وخلافَ مقتضى استعدادِه. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيُّها المرشدون الكُمَّل ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: بينَ الشيخ والمريد ﴿فَبْعَثُواْ حَكَمَا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَا مِنْ أَهْلِهَاً﴾ فابعثوا متوسِّطين من المشايخ والسالكين ﴿إِن يُرِيدًاْ إِصْلَهًا﴾ ويقصداه ﴿يُّوَفِّقِ اللَّهُ﴾ تعالى ﴿بَينَهُمَا﴾ وهِمَّةُ الرِّجال تَقْلعُ الجبال. ويمكن أن يكون(١) الرجالُ إشارةً إلى العقول الكاملة، والنساءُ إشارة إلى النفوس الناقصة، ولا شكَّ أنَّ العقلَ هو القائم بتدبير النفس وإرشادِها إلى ما يُصلحُها، ويُراد مِن الحكمين حينئذٍ ما يتوسّط بين العقل والنفس من القوى الروحانية. (١) في الأصل: أن يقال.