Indexed OCR Text
Pages 321-340
التفسير الإشاري (١-٦) ٣٢١ سُورَةُ المَسَحَّةِ ﴿وَكَفَى بِلَّهِ حَسِيبًا ﴾﴾ أي: شهيداً؛ قاله السُّدِّي. وأخرج ابن أبي حاتم(١) عن سعيد بن جبير أنَّ معنى ((وكفى بالله حسيباً)): أنه لا شاهدَ أفضلُ من الله تعالى فيما بينكم وبينهم، وهذا موافقٌ لمذهبنا في عدم لزوم البيّنة. وقيل: إنَّ المعنى: وكفى به تعالى محاسباً لكم، فلا تخالفوا ما أُمرتم به، ولا تجاوزوا ما حدَّ لكم. ولا يخفى موقعُ المحاسِب هنا؛ لأنَّ الوصيَّ يحاسَبُ على ما في يده. وفي فاعل ((كفى)) كما قال أبو البقاء(٢) وجهان: أحدهما: أنه الاسم الجليل، والباء زائدةٌ دخلتْ لتدلَّ على معنى الأمر، إذ التقدير(٣): اكتفوا بالله تعالى. والثاني: أنَّ الفاعلَ مُضمَرٌ، والتقدير: كفى الاكتفاء بالله تعالى، فـ ((بالله)) على هذا في موضع نَصْبٍ على أنه مفعولٌ به، و((حسیباً)) حالٌ، وقيل: تمييز. و (كفى)) متعدِّيةٌ إلى مفعولٍ واحد عند السَّمين(٤)، والتقدير: وكفاكُمُ الله حسيباً، وإلى مفعولين عند أبي البقاء والتقدير: وكفاكمُ الله شرَّهم(٥) ونحو ذلك. هذا ومن باب الإشارة: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ أي: احذروه من المخالفات والنظرٍ إلى الأغيار، والزموا عَهْدَ الأَزَل حين أَشْهَدكم على أنفسكم ﴿الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ وهي الحقيقة المحمدية، ويُعبَّر عنها أيضاً بالنفس الناطقة الكُلِّية التي هي قَلْبُ العالم، وبآدم الحقيقيِّ الذي هو الأب لآدم، وإلى ذلك أشار سلطان العاشقين ابن الفارض قُدِّس سِرُّه بقوله على لسان تلك الحقيقة: (١) في تفسيره ٨٧١/٣. (٢) في الإملاء ٢/ ١٩٥ . (٣) في (م): فالتقدير، والمثبت من الأصل والإملاء. (٤) في الدر المصون ٥٨٨/٣ . (٥) في الأصل و(م): شركم، والمثبت من الإملاء ٢/ ١٩٥. سُورَةُ الْنِسَكَاةِ ٣٢٢ التفسير الإشاري (١- ٦) فلي فيه مَعنّى شاهدٌ بأُبُوَّتي(١) وإني وإن كنتُ ابنَ آدَمَ صورةً ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي الطبيعةُ أو النفسُ الحيوانيةُ الناشئةُ منها، وقد خُلقتْ من الجهة التي تلي عالمَ الكون، وهو الضِّلَعِ الأيسر المشار إليه في الخبر(٢)، وقد خُصَّتْ بذلك لأنها أَضعفُ من الجهة التي تلي الحق. ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ أي: كاملين يميلون إلى أبيهم ﴿وَضَاءٌ﴾ ناقصين يميلون إلى أُمِّهم. ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَكَةَُّونَ بِ﴾ فلا تُثبتوا لأنفسكم وجوداً مع وجوده؛ لأنه الذي أَظهرَ تعيُّناتكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً، ﴿و﴾ اتقوا ﴿الأرحامَ﴾ أي: اجتنبوا مخالفةَ أَوليائي وعدمَ محبَّتهم، فإنَّ مَنْ وَصَلَهُمْ وَصَلتُهُ، ومَن قَطَعَهُمْ قَطَعْتُهُ، فالأرحامُ الحقيقيةُ هي قرابة المبادي العالية. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبًا﴾ ناظراً إلى قلوبكم، مُطَّلعاً على ما فيها، فإذا رأى فيها الميلَ إلى السِّوى، وسوءَ الظنِّ بأهل حضرته، ارتحلتْ مطايا أنواره منها، فبقيتْ بلاقعَ(٣) تتجاوبُ في أرجائها الُومُ. ﴿وَءَاتُوْ اَلْيَ﴾ وهم يتامى القوى الروحانية، المنقطعين عن تربية الروح القدسي الذي هو أبوهم ﴿أٌَّ﴾ وهي حقوقهم من الكمالات ﴿وَلَا تَقَبَدَّلُواْ الْخَيْثَ بِالَّيِّ﴾ بأن تُعطوا الطَيِّبَ من الصفات وتُزيلوه، وتأخذوا بَدَلَهُ الخبيثَ منها وتَنَّصفوا به ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَقْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ بأن تخلطوا الحقَّ بالباطل ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ أي: حجاباً عظيماً . ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا﴾ أي: تعدلوا في تربية يتامى القوى ﴿فَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِسَآءِ مَثْنَى وَتُلَثَ وَرُبَعَّ﴾ لِتَقِلَّ شهواتُكم وتحفظوا فروجكم، فتستعينوا بذلك على التربية؛ لما يحصل لكم من التزكية عن الفاحشة. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ﴾ بين النساء، فتقعوا في نحو ما هربتُمْ منه ﴿فَهِدَةٌ﴾ تكفيكم في تحصيل غَرَضِکم. (١) ديوان ابن الفارض ص ١٠٥ . (٢) سلف تخريجه ص٢٥٩ من هذا الجزء. (٣) البلاقع جمع بَلْقع، وهي الأرض القفر. القاموس المحيط (بلقع). التفسير الإشاري (١-٦) ٣٢٣ سُورَةُ الشَّةِ ﴿وَآتُواْ أَلِسَآءَ صَدُقَئِنَّ﴾ مهورهنَّ ﴿عِظَةٌ﴾ عطيةً من الله وفضلاً، وفيه إشارةٌ إلى التخلية عن البُخْلِ والغَدْر، والتحليةِ بالوفاء والكرم، وذلك من جملة ما يُربَّى به القوى ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُ هَنِيْئًا نًَّا﴾ ولا تأنفوا وتتكبَّروا عن ذلك، وهذا أيضاً نوعٌ من التربية؛ لِمَا فيه من التخلية عن الكِبْر والأَنَفة، والتحليةِ بالتواضع والشفقة . ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمْ﴾ أي: لا تُؤْدِعُوا الناقصين عن مراتب الكمال أَسرارَكم وعلومَكِم ﴿ الَِّ جَعَلَ اَللَّهُ لَكُنْ قِيَمًا وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا﴾ أي: غَذَّوهم بشيءٍ منها ﴿وَاكْتُومُمْ﴾ أي: حلُّوهم ﴿وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ لينقادوا إليكم ويُسلِّموا أنفسَهم بأيديهم(١). ﴿وَبْلُوْ اَلْيَى﴾ أي: اختبروهم، ولعلَّه إشارةٌ إلى اختبار الناقصين من السائرين ﴿حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَحَ﴾ وصلحوا للإرشاد والتربية ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي: استقامة في الطريق، وعدمَ تلوُّنٍ ﴿فَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَّ﴾ التي يستحقُّونها من الأسرار التي لا تُودَع إلا عند الأحرار. والمراد إيصاءُ الكُمَّلِ من الشيوخ أن يُخْلِفُوا ويأذنوا بالإرشاد مَن يَصلُحْ لذلك من المريدين السالكين على أيديهم. ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أي: تنتفعوا بتلك الأموال دونهم ﴿إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ﴾ بالتَّصدِّي للإرشاد، فإنَّ ذلك من أعظم أدواء النفس والسُّموم القاتلة ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾ بالله لا يلتفت إلى ضرورات الحياة أصلاً ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ عمَّا للمريد ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ لا يتحمَّل الضرورة ﴿فَلْيَأْكُلٌ﴾ أي: فلينتفع بما للمريد ﴿بَلْمَعْرُوفِ﴾ وهو ما كان بقَدْر الضرورة. ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَتْهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾ الله تعالى، وأَرواحَ أَهلِ الحَضْرة، وخذوا العَهْد عليهم برعاية الحقوق مع الحقِّ والخلق ﴿وَكَفَ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ لأنه الموجودُ الحقيقيُّ والمَطَّع الذي يعلمُ خائنةَ الأعين وما تخفي الصدور، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) في الأصل: بأيديكم. سُورَةُ الشَكَّةِ ٣٢٤ الآية : ٧ ﴿لَِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَفْرَبُونَ﴾ شروعٌ في بيان أحكام المواريث بعد بيان أحكام(١) أموال اليتامى المنتقلة إليهم بالإرث. والمراد من الرجال: الأولاد الذكور، أو الذكور أعمُّ من أن يكونوا(٢) كباراً أو صغاراً. ومن الأقربين: الموروثون، ومن الوالِدَين: ما لم يكن بواسطة، والجدُّ والجدَّةُ داخلان تحتَ الأقربين، وذُكر الوالدان(٣) مع دخولهما أيضاً اعتناءً بشأنهما. وجُوِّز أن يُراد من الوالدين ما هو أعمُّ من أن يكون بواسطةٍ أو بغيرها، فيشمل الجدَّ والجدَّة. واعتُرض بأنه يلزم توريثُ أولاد الأولاد مع وجود الأولاد. وأجيب بأنَّ عدمَ التوريث في هذه الصورة معلومٌ من أمرٍ آخرَ لا يخفى. والنصيبُ: الحظُ، كالنِّصْب بالكسر، ويُجمع على أَنْصِباء وأَنْصِبَة. و((مِن)) في ((مما)) متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقعَ صفةً للنكرة قبله، أي: نصيبٌ كائنٌ مما ترك، وجُوِّز تعلُّقہ بـ ((نصیب)). ﴿وَلِسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ المراد من النساء البناتُ مطلقاً، أو الإناثُ كذلك، وإيراد حكمهنَّ على الاستقلال دون الدَّرْج في تضاعيف أحكام السالفين، بأن يقال: للرجال والنساء نصيب إلخ، للاعتناء - كما قال شيخ الإسلام - بأمرهنَّ، والإيذانِ بأصالتهنَّ في استحقاق الإرث، والإشارةِ من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين، والمبالغةِ في إبطال حكم الجاهلية، فإنهم ما كانوا يُورِّثون النساء والأطفال، ويقولون: إنما يَرِثُ مَن يُحاربُ ويَذُبُّ عن الحَوْزة(٤). وللردِّ عليهم نزلت هذه الآية، كما قال ابن جبير وغيره. وروي أنَّ أوس بن ثابت، وقيل: أوس بن مالك، وقيل: ثابت بن قيس، وقيل: أوس بن الصامت - وهو خطأ؛ لأنه توفِّي في زمن خلافة عثمان ر﴿ه - مات وترك ابنتين وابناً صغيراً، وزوجتَه أمَّ كُحَّة، وقيل: بنت كُخَّة(٥)، وقيل: أم كُخْلة، وقيل: (١) قوله: أحكام، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٤٦/٢، والكلام منه. (٢) في (م): يكون. (٣) في (م): الولدان، وهو تصحيف. (٤) تفسير أبي السعود ١٤٦/٢ . (٥) كذا وقع في الأصل و(م): كحة، في الموضعين، وكذا قيدها الشهاب في الحاشية ١٠٨/٣ = الآية : ٧ ٣٢٥ سُورَةُ المَشَكَاةِ أم كلثوم. فجاء أبناء عمِّه خالد - أو سويد - وعُرْفطة، أو قتادة وعَرْفجة، فَأَخَذا ميراثه كلَّه، فقالت امرأته لهما: تزوَّجا بالابنتين، وكانت بهما دمامة، فأَبَيا. فأتتْ رسولَ اللهِ وَل﴿ فأخبرته الخبر، فقال رسول الله وَله: ((ما أدري ما أقول)) فنزلت: ﴿لِلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية، فأرسلِ وَّه إلى ابني العمِّ فقال: لا تُحَرِّكا من الميراث شيئاً، فإنه قد أُنزل عليَّ فيه شيءٌ، أُخبرتُ فيه أنَّ للذكر والأنثى نصيباً، ثم نزل بعد ذلك: ﴿﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾ ثم نزل ﴿يُصِيكُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فدعى ◌َّهِ بالميراث، فأَعطى المرأةَ الثُّمُنَ، وقَسَمَ ما بقي بين الأولاد، للذَّكَرِ مثلُ حَظّ الأُنثين، ولم يُعْطِ ابني العمِّ شيئاً. وفي بعض طُرُقه: أنَّ المِيِّتَ خَلَّفَ زوجةً وبنتين وابني عمِّ، فَأَعطىِلّهِ الزوجةَ الثُّمن، والبنتين الثُلُثَين، وابني العمِّ الباقي(١) . وفي الخبر دليلٌ على جواز تأخير البيان عن الخطاب. ومَنْ عمَّم الرجال والنساء وقال: إنَّ الأقربين عامٌّ لذوي القرابة النَّسَبية والسببية، جَعَلَ الآيةَ متضمِّنةً لحكم الزوج والزوجة، واستحقاقٍ كلٍّ منهما الإرثَ من صاحبه، ومَن لم يذهب إلى ذلك وقال: إنَّ الأقربين خاصٌّ بذوي القرابة(٢) النَّسَبية، جَعَلَ فَهْمَ الاستحقاق كَفَهْم المقدار المستحقِّ مما سيأتي من الآيات، وعلَّل الاقتصار على ذِكْر الأولاد والبنات هنا بمزيد الاهتمام بشأن اليتامى. واحتجَّ الحنفية والإماميةُ بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام، قالوا: لأنَّ العمَّات والخالات وأولاد البنات من الأقربين، فَوَجَبَ دخولُهم تحت قوله = أنها بضم الكاف وتشديد الحاء المهملة، إلا أن الحافظ ابن حجر في الإصابة ٢٧٣/١٣ قيدها بضم الكاف وتشديد الجیم. (١) ذكر هذا الخبر ابن حجر في العجاب ٨٣٤/٢-٨٣٥ عن الثعلبي، وقال: هذا السياق الذي أورده لم أره، فيحتمل أن يكون لابن الكلبي. اهـ. ثم ذكره في الإصابة ٢٧١/١٣ من رواية الواقدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وينظر أسباب النزول للواحدي ص ١٣٧-١٣٨، وتفسير البغوي ٣٩٦/١-٣٩٧، والكشاف ٥٠٣/١. وأخرج نحو هذا الخبر مختصراً الطبري ٦/ ٤٣٠ عن عكرمة، وابن أبي حاتم ٧٨٢/٣ من طريق ابن جريج عن ابن عباس ثها، وإسناده منقطع؛ فإن ابن جريج لم يلق ابن عباس. (٢) في (م): القربة. سُورَةُ الشَّةِ ٣٢٦ الآية : ٧ سبحانه: ﴿لِلرِّجَالِ﴾ إلخ، غايةُ ما في الباب: أنَّ قَدْرَ ذلك النصيبِ غيرُ مذكورٍ في هذه الآية، إلا أنَّا نُثبتُ كونَهم مستحقِّين لأَصل النصيب بها، وأما المقدار فمستفادٌ من سائر الدلائل، والإماميةُ فقط على أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يُورثون كغيرهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ردُّه على أتمّ وجه. ﴿مِّنَا قَلَ مِنْهُ أَوْ كَثٌ﴾ بدلٌ من ((ما)) الأخيرة بإعادة العامل قَبْلُ، ولعلَّهم إنما لم يعتبروا كونَ الجارِّ والمجرور بدلاً من الجار والمجرور لاستلزامه إبدالَ ((مِن)) مِن (مِن))، واتِّحادُ اللفظ في البدل غيرُ معهود. وجوَّز أبو البقاء كونَ الجارِّ والمجرور حالاً من الضمير المحذوف في ((تَرَك)» أي: مما تَرَكَهُ قليلاً أو كثيراً، أو مستقرًّا مما قلّ (١). ومثلُ هذا القيد معتبرٌ في الجملة الأولى، إلا أنه لم يصرَّحْ به هناك تعويلاً على ذكره هنا، وفائدتُه دَفْعُ تَوَهُّم اختصاص بعضِ الأموالِ ببعض الوَرَثة، كالخيل وآلات الحرب للرجال، وبهذا يُرَدُّ على الإمامية لأنهم يخصُّون أكبرَ أبناء الميت من تَرِكَّته بالسَّيف والمصحف والخاتم واللباس البدنيِّ بدون عِوَضٍ عند أكثرهم، وهذا من الغريب؛ كعَدم توريث الزوجة من العَقار، مع أنَّ الآيةً مفيدةٌ أنَّ لكلٍّ من الفريقين حقًّا من كلِّ ما جَلَّ ودقّ، وتقديمُ القليل على الكثير من باب: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف: ٤٩]. ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴾﴾ نصبٌ إما على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ بتأويله بعطاءٍ ونحوه من المعاني المصدرية، وإلا فهو اسمٌ جامد، ونُقل عن بعضهم أنه مصدرٌ، وإما على الحالية من الضمير المستتر في ((قَلَّ)) و((كَثُر))، أو في الجارِّ والمجرور الواقع صفة، أو من ((نصيب)) لكون وَصْفِه بالظّرف سوَّغ مجيءَ الحال منه، أو من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرور الواقع خبراً؛ إذ المعنى: ثَبَتَ لهم مفروضاً نصيبٌ، وهو حينئذٍ حالٌ موطِّئَةٌ، والحال في الحقيقة وَصْفُهُ، وقيل: هو منصوبٌ على أنه مفعولٌ بفعلٍ محذوفٍ، والتقدير: أَوْجَبَ لهم نصيباً، وقيل: منصوبٌ على إضمار أعني. (١) الإملاء ٢ /١٩٥. الآية : ٧ ٣٢٧ سورة النساءِ ونَصْبُهُ على الاختصاص بالمعنى المشهور مما أنكره أبو حيان(١)؛ لِنَصِّهم على اشتراط عدم التنكير في الاسم المنصوب عليه. والفَرْضُ - كالضَّرْب -: التوقيتُ، ومنه ﴿فَمَن فَضَ فِيهِنَّ الْحَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والحزُّ في الشيء، كالتفريض، وما أوجبه الله تعالى كالمفروض، سُمِّي بذلك لأنَّ له معالِمَ وحدوداً. ويستعمل بمعنى القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨] أي: مقتَطَعاً محدوداً كما في ((الصحاح))(٢). فـ ((مفروضاً)) هنا؛ إما بمعنى مقتطعاً محدوداً كما في تلك الآية، وإما بمعنى ما أوجبه الله تعالى، أي: نصيباً أوجبه الله تعالى لهم. وفرَّق الحنفيةُ بين الفرض والواجب، بأنَّ الفعل غيرَ الكَفِّ المتعلِّقِ به خطابٌ بِطَلَبٍ فِعْلٍ بحيث ينتهضُ تَرْكُهُ في جميع وقته سبباً للعقاب، إنْ ثَبَتَ بقطعيٍّ فَفَرْضٌ؛ كقراءة القرآن في الصلاة الثابتةِ بقوله تعالى: ﴿فَقْرَعُواْ مَا تَّبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠] وإن ثبتَ بظنِّيٌّ فهو الواجب، نحو تعيين الفاتحة الثابت بقوله وَّين: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))(٣) وهو آحادٌ، ونفيُّ الفضيلة محتملٌ ظاهر. وذهب الشافعية إلى ترادُفِهما، واحتجَّ كلٌّ لمدَّعاه بما احتجَّ به، والنزاعُ على ما حُقِّق في الأصول لفظيّ. قاله غيرُ واحد. وقال بعض المحققين: لا نزاع للشافعيِّ في تفاوتٍ مفهومَي الفرض والواجب في اللغة، ولا في تفاوتٍ ما ثبتَ بدليل قطعيٍّ، كحكم الكتاب، وما ثبت بدليلٍ ظنِّ كحكم خبر الواحد في الشرع، فَإنَّ جاحِدَ الأول كافرٌ دون الثاني، وتاركَ العمل بالأول مُؤَوِّلاً فاسقٌ دون الثاني، وإنما يزعم أنَّ الفرضَ والواجبَ لفظان مترادفان منقولان عن معناهما اللغوي إلى معنًى واحد، هو ما يُمَحُ فاعلُه ويُدمُّ تاركُه شرعاً، سواءٌ ثبتَ بدليل قطعيٍّ أو ظنِّي، وهذا مجرَّدُ اصطلاح، فلا معنى للاحتجاج بأنَّ التفاوت بين الكتاب وخبر الواحد موجبٌ للتفاوت بين مدلوليهما، (١) في البحر ٣/ ١٧٥ . (٢) مادة (فرض). (٣) أخرجه أحمد (٢٢٦٧٧)، والبخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت الآية : ٨ ٣٢٨ سُورَةُ المِسْكَاةِ أو بأنَّ الفرضَ في اللغة التقديرُ، والوجوبَ هو السقوط، فالفرض علم قطعاً أنه مقدَّرٌ علينا، والواجب ما سقطً علينا بطريق الظّنّ، ولا يكون المظنونُ مقدَّراً ولا المعلوم القطعيُّ ساقطاً علينا. على أنَّ للخصم أن يقول: لو سُلِّم ملاحظةُ المفهوم اللغوي، فلا نُسلِّم امتناعَ أن يثبتَ كونُ الشيء مقدَّراً علينا بدليلٍ ظنِّي، وكونُه ساقطاً علينا بدليلٍ قطعيٍّ، ألا ترى أنَّ قولهم: الفرضُ، أي: المفروض، المقدَّر في المسْح هو الرُّبُعَ، وأيضاً الحقُّ أنَّ الوجوبَ في اللغة هو الثبوت، وأمّا مصدرُ الواجب بمعنى الساقط والمضطرب، إنما هو الوَجْبةُ والوَجيب، ثم استعمالُ الفرض فيما ثبتَ بظنِّيٍّ، والواجبٍ فيما ثبتَ بقطعيٍّ، شائعٌ مستفيضٌ، كقولهم: الوتر فرض، وتعديل الأركان فرض، ونحو ذلك، ويسمَّى فَرْضاً عمليًّا، وكقولهم: الصلاة واجبة، والزكاة واجبة، ونحو ذلك. ومن هنا يُعلم سقوطُ كلام بعضٍ الشافعية في ردِّ استدلال الحنفية بما تقدَّم على توريث ذوي الأرحام، بأنَّ الواجبَ عند الحنفية ما عُلم ثبوته بدليلٍ مظنون، والمفروضَ ما عُلم بدليلٍ قاطع، وتوريثُ ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غيرُ مرادٍ من الآية، ووجهُ السقوط ظاهرٌ غنيٌّ عن البيان. واحتجَّ بعضُهم بالآية على أنَّ الوارثَ لو أَعرض عن نصيبه لم يسقط حقُّه، وهو مذهب الإمام الأعظم څبه. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: قِسْمةَ التَّرِكة بين أربابها، وهي مفعولٌ به، وقُدِّمت لأنها المبحوثُ عنها، ولأنَّ في الفاعل تعدُّداً، فلو رُوعي الترتيبُ يفوتُ تجاوُبُ(١) أطراف الكلام. وقيل: قُدِّمت لتكونَ أمامَ الحاضرين في اللفظ، كما أنها أمامهم في الواقع. وهي نكتةٌ للتقديم لم أَرَ مَن ذكرها من علماء المعاني. ﴿أُوْلُواْ الْقُرْبَ﴾ ممن لا يرثُ لكونه عاصِباً محجوباً، أو لكونه من ذوي (١) في (م): تجاذب، والمثبت من الأصل، وتفسير أبي السعود ٢/ ٤٧. الآية : ٩ ٣٢٩ سُورَةُ القَسَاءِ الأرحام، والقرينةُ على إرادة ذلك ذِكْرُ الورثة قبله. ﴿وَأَلْيَ وَالْمَسَكِينُ﴾ من الأجانب ﴿فَرْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ أي: أعطوهم شيئاً من المال، أو المقسوم المدلولِ عليه بالقِسْمة، وقيل: الضمير لـ ((ما))(١). وهو أَمْرُ نَذْبِ كُلِّف به البالغون من الوَرَثة؛ تطييباً لقلوب المذكورين وتصدُّقاً عليهم، وقيل: أَمْرُ وجوبٍ. واختلف في نَسْخِهِ، ففي بعض الروايات عن ابن عباس: أنه لا نَسْخَ، والآيةُ مُحكَمةٌ(٢)، وروي ذلك عن عائشة پتا . وأخرج أبو داود في ((ناسخه))، وأبن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية، نَسَخَتْها آيَةُ الميراث، فجعل لكلِّ إنسانٍ نصيبه مما ترك، مما قلَّ منه أو كَثُر(٣). وحكي عن سعيد بن جبير أنَّ المراد من ((أولي القربى)» هنا الوارثون، ومن ((اليتامى والمساكين)) غيرُ الوارثين، وأنَّ قوله سبحانه: ﴿فَأَرْزُقُوَهُم مِّنْهُ﴾ راجعٌ إلى الأولين، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾﴾ راجعٌ للآخرين. وهو بعيدٌ جداً، والمتبادِرُ ما ذُكر أولاً . وهذا القولُ للمرزوقين من أولئك المذكورين، والمراد من القول المعروف: أن يدعوا لهم ويستقلُّوا ما أعطوهم، ويعتذروا من ذلك، ولا يمنُّوا عليهم. وقوله سبحانه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾ فيه أقوالٌ؛ أحدها: أنه أَمْرٌ للأوصياء بأن يخشَوا الله تعالى، أو يخافوا على أولادهم، فيفعلوا مع اليتامى ما يُحبُّون أن يُفعَلَ بذراريهم الضِّعافِ بعد وفاتهم، وإلى ذلك يشيرُ كلامُ ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال في الآية: يعني بذلك الرجلَ يموتُ وله أولادٌ صغارٌ ضِعافٌ يخافُ عليهم العَيْلة والضَّيعة، ويخاف (١) في قوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾. الدر المصون ٥٨٩/٣. (٢) أخرجه البخاري (٢٧٥٩) و(٤٥٧٦) وينظر التعليق الذي بعده. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٨٧٥/٣، والمعتمد ما أخرجه البخاري، كما ذكر ابن حجر في الفتح ٨/ ٢٤٢، وقال: وجاءت روايات من أوجه ضعيفة عند أبي حاتم وابن مردويه أنها منسوخة نسختها آية الميراث. الآية : ٩ ٣٣٠ سُورَةُ السَّةِ بعدَه أن لايُحسِنَ إليهم مَن يَليهم، يقول: فإنْ وَليَ مثلَ ذُرِّيَّته ضِعافاً يتامى فليُحسنْ إليهم، ولا يأكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا(١). والآيةُ على هذا مرتبطةٌ بما قبلها؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿لَلِّجَالِ﴾ إلخ في معنى الأمر للورثة، أي: أعطُوهم حقَّهم دَفْعاً لأمر الجاهلية، وليَحْفَظِ الأوصياءُ ما أعطوه، ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم. وقيل في وجه الارتباط: إنَّ هذا وصيةٌ للأوصياء بحِفْظ الأيتام بعد ما ذَكَر الوارثين الشاملين للصغار والكبار على طريق التتميم (٢). وقيل: إنَّ الآيةَ مرتبطةٌ بقوله تعالى: ﴿وَإِثْلُواْ الْيَ﴾ . وثانيها: أنه أَمْرٌ لمن حَضَرَ المريضَ من العُوَّاد عند الإيصاء بأن يخشَوا ربَّهم أو يخشَوا أولادَ المريض، ويُشفقوا عليهم شَفَقَتَهُمْ على أولادهم، فلا يتركوه أن يَضُرَّ بهم بصَرْف المال عنهم. ونُسب نحو هذا إلى الحسن وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير. وروي عن ابن عباسٍ أيضاً ما يؤيِّده، فقد أخرج ابن أبي حاتم والبيهقيُّ عنه أنه قال في الآية: يعني الرجل يحضُره الموتُ فيقال له: تصدَّق من مالِك، وأعتقْ وأَعطِ منه في سبيل الله، فنُهوا أن يأمروا بذلك، يعني: أنَّ مَنْ حَضَرَ منكم مريضاً عند الموت، فلا يأمُرْه أن ينفق من ماله في العتق أو في الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبيِّن مالَه وما عليه من دَين، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس، أو الربع، يقول: أليس أحدُكم إذا مات وله ولدٌ ضعاف - يعني: صغار - لا يرضى أن يتركَهُم بغير مالٍ، فيكونوا عيالاً على الناس؟ فلا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضَون به لأَنفسكم ولأولادكم، ولكن قولوا الحقَّ من ذلك(٣). وعلى هذا يكون أولُ الكلام للأوصياء، وما بعده للورثة، وهذا للأجانب بأن لا يتركوه يضرُّهم، أو لا يأمروه بما يضرُّ، فالآيةُ مرتبطةٌ بما قبلَها أيضاً. (١) تفسير الطبري ٦/ ٤٥١ . (٢) هو أن يؤتَى في كلام لا يُوهم غير المراد بفضلةٍ تفيد نكتةً. الإتقان ٢/ ٨٧١. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٨٧٦/٣-٨٧٧، وسنن البيهقي ٦/ ٢٧٠-٢٧١، وأخرجه الطبري ٦/ ٤٤٧. الآية : ٩ ٣٣١ سُورَةُ السَّةِ وثالثها: أنه أَمْرٌ للورثة بالشَّفقة على مَنْ حَضَرَ القِسْمة من ضُعفاء الأقارب واليتامى والمساكين، متصوّرين أنهم لو كانوا أولادَهم بَقُوا خلفَهم ضِعافاً مثلَهم، هل يُجوِّزون حرمانهم؟ واتصال الكلام على هذا بما قبله ظاهر؛ لأنه حَتٍّ على الإيتاء لهم، وأمرهم بأن يخافوا من حِرمانهم كما يخافون من حرمان ضِعاف ذُرِّيَّتهم. ورابعها: أَمْرٌ للمؤمنين أن ينظروا للورثة، فلا يُسرفوا في الوصية وقد روي عن السلف أنهم كانوا يستحبُّون أن لا تبلغَ الوصيةُ الثلث، ويقولون: إنَّ الخُمُسَ أفضلُ من الرُّبُعِ، والرُّبُعَ أفضلُ من الثلث، وورد في الخبر ما يؤيده(١)، وعلى هذا فالمراد من ((الذين)): المرضى وأصحاب الوصية، أَمَرهُم بعدَم الإسراف في الوصية، خوفاً على ذُرِّيَّتهم الضِّعاف، والقرينةُ عليه أنهم المشارِفون لذلك، ويكون التخويف من أَكْلِ مالِ اليتامى بعده تخويفاً عن أَخْذ ما زاد من الوصية، فيرتبطُ به، ويكون مثَّصلاً بما قبله تتميماً لأَمْر الأوصياء والورثة بأَمْر مرضى المؤمنين. وهذا أبعدُ الوجوه. وأبعد منه ما قيل: إنه أَمْرٌ لمن حَضَرَ المريضَ بالشفقة على ذوي القربى بأن لا يقول للمريض: لا توصِ لأقاربك، ووَفِّر علی ذُرِّيَتك. وأبعدُ من ذلك، القول بأنه أَمْرٌ للقاسمين بالعَدْل بين الورثة في القسمة، بأن لا يُراعوا الكبيرَ منهم، فيُعطوه الجيِّدَ من التَّرِكَة، ولا يلتفتوا إلى الصغير. و((لو)) بما في حيِّزه صلةُ الموصول كما قال غير واحد، ولما كانت الصِّلة يجب أن تكون قصةً معلومةً للمخاطَب، ثابتةً للموصول كالصفة، قالوا: إنها هنا كذلك أيضاً، وإنَّ المعنى: وليَخْشَ الذين حالُهم وصفتُهم أنهم لو شارفوا أن يُخلِّفوا ذُرِّيَةً ضعافاً خافوا عليهم الضَّياع. وذهب الأجهوريُّ وغيره إلى أنَّ ((لو)) بمعنى ((إنْ)) فتقلب الماضي إلى الاستقبال، وأوجبوا حَمْلَ ((تركوا)) على المشارفة ليصحَّ وقوعُ ((خافوا)) جزاءً له، ضرورةً أنه لا خوفَ بعد حقيقة الموت وتَرْك الورثة. (١) وهو قوله وّله: ((الثلث، والثلث كثير)) أخرجه أحمد (١٤٤٠)، و البخاري (٢٧٤٢)، ومسلم (١٦٢٨) من حديث سعد بن أبي وقاص به. وأخرجه البخاري (٢٧٤٣)، ومسلم (١٦٢٩) من حديث ابن عباس الآية : ٩ ٣٣٢ سُورَةُ النِّسَاءِ وفي ترتيب الأمر على الوصف المذكور في حيِّز الصلة، المشعرِ بالعِلِّيَّة، إشارةٌ إلى أنَّ المقصود من الأمر أن لا يُضيِّعوا اليتامى حتى لا تضيع أولادهم، وفيه تهديدٌ لهم بأنهم إن فعلوه أضاع الله أولادهم، ورمزٌ إلى أنهم إن راعَوا الأَمْرَ حَفِظَ الله تعالى أولادهم. أخرج ابن جرير(١) عن السَّيبانيِّ(٢) قال: كنَّا في القُسطنطينية أيام مَسْلَمة بنِ عبد الملك(٣)، وفينا ابن مُحَيريزٍ (٤) وابنُ الدَّيلميِّ(٥) وهانىءُ بن كلثوم(٦)، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فَضِقْتُ ذَرْعاً مما سمعتُ، فقلت لابن الدَّيلمي: يا أبا بشر، يَوَدُّني أنه لا يُولَد لي ولَدٌ أبداً، فضرب بيده على مَنكِبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل، ليست من نسمةٍ كتبَ الله أن تخرج من صُلْب رجلٍ إلا وهي خارجةٌ إن شاء وإن أبى، ثم قال: ألا أدلَّكَ على أمرٍ إن أنت أدركته نجَّاك الله تعالى منه، وإن تركتَ ولداً من بعدك حَفظَهم الله تعالى فيك؟ قلت: بلى، فتلا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ﴾ الآية. وفي وصف الذرية بالضِّعاف بَعْثٌ على الترجُّم. والظاهر أنَّ ((من خلفهم)) ظرفٌ لـ ((تركوا))، وفي التصريح به مبالغةٌ في تهويل تلك الحالة، وجُوِّز أن يكون حالاً من ((ذُرِّية)). (١) في تفسيره ٦/ ٤٥٢، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٢٤/٢ . (٢) في الأصل و(م) والدر: الشيباني، والمثبت هو الصواب، قال السمعاني في الكنى: هذه النسبة سَيْبان، وهو بطن من حمير. والسيباني هو يحيى بن أبي عمرو أبو زرعة الحمصي ابن عم الأوزاعي، توفي سنة (١٤٨ هـ). تهذيب التهذيب ٣٧٩/٤. (٣) ابن مروان بن الحكم، قائد الجيوش أبو سعيد وأبو الأصبغ الأموي الدمشقي، ويلقب بالجرادة الصفراء، توفي سنة (١٢٠هـ). السير ٢٤١/٥. (٤) هو عبد الله بن محيريز الجمحي، نزل الشام وسكن بيت المقدس، توفي سنة (٩٩هـ). تهذيب التهذيب ٤٢٩/٢. (٥) هو عبد الله بن فيروز الديلمي أبو بشر، كان يسكن بيت المقدس، ذكره ابن قانع في معجم الصحابة، وأبو زرعة الدمشقي في تابعي أهل الشام. التهذيب ٤/ ٤٠٣ . (٦) ابن عبد الله بن شريك بن ضمضم، ويقال: ابن حيان، الكناني الفلسطيني العابد. تهذيب التهذيب ٤/ ٢٦٢. الآية : ٩ ٣٣٣ سُورَةُ الشَّكَاةِ و((ضعافاً)) - كما قال أبو البقاء - يُقرأ بالتفخيم على الأصل، وبالإمالة لأجل الكسرة، وجاز ذلك مع حرف الاستعلاء لأنه مكسورٌ مقدَّمٌ، ففيه انحدار، وكذلك (خافوا)) يُقرأ بالتفخيم على الأصل وبالإمالة؛ لأنَّ الخاء تنكسرُ في بعض الأحوال وهو: خِفْتُ(١). وقرئ: ((ضُعفاء)) و(ضُعافَى)) و((ضَعافَى))(٢) نحو: سُكارى وسکاری. ﴿فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في ذلك، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وإنما أَمرهم سبحانه بالتقوى التي هي غايةُ الخشية، بعد ما أمرهم بها، مراعاةً للمبدأ والمنتهى، ولمَّا لم ينفع الأول بدون الثاني لم يقتصر عليه مع استلزامه له عادة. ﴿وَلَيَقُولُواْ﴾ لليتامى، أو للمريض، أو لحاضري القسمة، أو: ليقولوا في فيقول الوصيُّ لليتيم ما يقولُ لولده من القول الجميل الوصية ﴿قَوْلًا سَدِيدًا ( الهادي له إلى حُسْن الآداب ومحاسن الأفعال، ويقول عائدُ المريض ما يُذكّره التوبةَ والنطقَ بكلمة الشهادة وحسنَ الظَّنُّ بالله، وما يَصدُّه عن الإسراف بالوصية وتضييع الورثة، ويقول الوارث لحاضر القسمة ما يُزيل وَحشتَهُ، أو يزيدُ مسرَّته، ويقول المُؤْصِي في إيصائه ما لا يؤدِّي إلى تجاوز الثلث. والسديد - على ما قاله الطبرسيُّ -: المصيبُ العدلَ الموافقُ للشرع. وقيل: ما لا خلل فيه(٣). ويقال: سدَّ قولُهُ يسِدُّ - بالكسر - إذا صار سديداً، وإنه لَيُّسِدُّ في القول فهو مُسِدٍّ، إذا كان يصيبُ السَّداد، أي: القصد، وأمرٌ سديدٌ وَأَسَدُّ، أي: قاصد، والسَّداد - بالفتح - الاستقامةُ والصواب، وكذلك السَّدد مقصورٌ منه، وأما السِّداد بالکسر فالبُلغة، وما يُسَدُّ به، ومنه قولهم: فیه سِدادٌ من عَوَز. قاله غير واحد. وفي «دُرَّة الغوَّاص في أوهام الخواصّ)) أنهم يقولون: سَدادٌ من عَوَز، فيفتحون السين، وهو لَحْنٌ والصواب الكسر(٤). وتعقّبه ابنُ برِّي بأنه وَهْمٌ، فإنَّ يعقوبَ بن السِّكِّيتِ سوَّى بين الفتح والكسر في ((إصلاح المنطق)) في باب: فِعالٍ وفَعالٍ بمعنى (١) الإملاء ٢/ ١٩٧. (٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ٢٤. (٣) مجمع البيان ٤/ ٣٠. (٤) درة الغواص للقاسم بن علي الحريري ص ١٤١ . سُورَةُ السَّةِ ٣٣٤ الآية : ١٠ واحد، فقال: يقال: سِدادٌ من عَوَزِ وسَدادٌ(١). وكذا حكاه ابن قتيبة في ((أدب الكاتب))(٢)، وكذا في ((الصحاح)) إلا أنه زاد: والكسر أفصح، نعم ذَكَرَ فيها أنَّ سِداد القارورة وسداد الثغر، بالكسر لا غير، وأنشد قول العَرْجِيِّ: أضاعوني وأيَّ فتّى أضاعوا لِيَومٍ كريهةٍ وسِداد ثَغرِ (٣). فليُحْفَظ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَى كُلْمًا﴾ استئنافٌ جيءَ به لتقرير ما فُصِّلَ من الأوامر والنواهي، و((ظُلْماً)) إما حالٌ، أي: ظالمين، أو مفعولٌ لأجله، وقيل: منصوبٌ على المصدرية، أي: أَكْلَ ◌ُلْمٍ، على معنى: أَكْلاً على وجهه، وقيل: على التمييز. وإنما عُلِّقَ الوعيدُ على الأكل بذلك لأنه قد يأكلُ مالَ اليتيم على وجه الاستحقاق، كالأجرة والقرض مثلاً، فلا يكون ◌ُلْماً، ولا الآكلُ ظالماً. وقيل: ذكر الظُّلم للتأكيد والبيان؛ لأنَّ أَكْلَ مال اليتيم لا يكون إلا ظُلْماً، ومَنْ أَخَذَ مالَ اليتيم قَرْضاً أو أُجرةً، فقد أَكَلَ مالَ نفسه ولم يأكلْ مالَ اليتيم. وفيه مَنْعٌ ظاهر. ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ أي: ملءَ بطونهم، وشاع هذا التعبير في ذلك، وكأنه مبنيٌّ على أنَّ حقيقةَ الظرفية المتبادر منها الإحاطةُ، بحيث لا يَفْضُلُ الظرف عن المظروف، فيكون الأكل في البطن ملءَ البطن، وفي بعض البطن دونه، وهو المراد في قوله: كُلوا في بعضٍ بَظْنِكم تعِقُّوا فإنَّ زمانَكم زمنٌ خميص (٤) (١) إصلاح المنطق ص ١١٨ . (٢) ص ٤٢٣. (٣) الصحاح (سداد)، والبيت ذكره أيضاً الحريري في درة الغواص ص ١٤٢، والبغدادي في الخزانة ٩٩/١. وفيه: والعرجي اسمه عبد الله، وهو أموي، وإنما لقب بالعَرْجي لأنه كان يسكن العَرْج، وهو منزل بطريق مكة، وكان من الفرسان المعدودين مع مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم. (٤) البيت في الكتاب لسيبويه ١/ ٢١٠، وشرح المفصل ٢١/٦ دون نسبة. الآية : ١٠ ٣٣٥ سُورَةُ الشَّةِ ولا ينافي هذا قولَ الأصوليين: إنَّ الظّرف إذا جُرَّ بـ ((في)) لا يكون بتمامه ظرفاً، بخلاف المقدَّرة فيه، فنحو: سِرْتُ يومَ الخميس لتمامه، وفي يوم الخميس لغيره، فقد قال عصام الملة: إنَّ هذا مذهبُ الكوفيين، والبصريون لا يفرِّقون بينهما كما بُيِّن في النحو، وقال شهاب الدين: الظاهر أنَّ ما ذكره أهلُ الأصول فيما يصحُّ جُرُّه بـ ((في) ونصبُه على الظرفية، وهذا ليس كذلك؛ لأنه لا يقال: أكل بطنه، بمعنى: في بطنه، فليس مما ذكره أهل الأصول في شيء، وهو مثلُ: جعلتُ المتاع في البيت، فهو صادقٌ بملئه وبعدمه، لكنَّ الأصلَ الأولُ كما ذكروه(١). وجوِّز أن يكون ذِكْرُ البطون للتأكيد والمبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ يَفْوَهِهِم ◌َا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] والقولُ لا يكون إلا بالفم، وقولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] والطيرُ لا يطير إلا بجناح. فقد قالوا: إنَّ الغرض من ذلك كلِّه التأكيدُ والمبالغة. ثم المظروفُ هنا المفعول - أي: المأكول - لا الفاعل، وتحقيق ذلك على ما نقل عن التُّمُرتاشي في الأيمان أنه إذا ذُكر ظرفٌ بعد فعلٍ له فاعلٌ ومفعول، كما إذا قلت: إن ضربت زيداً في الدار، أو في المسجد فكذا، فإن كانا معاً فيه فالأمر ظاهر، وإن كان الفاعل فيه دون المفعول، أو بالعكس، فإنْ كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول؛ كالضرب والقتل والجرح، فالمعتَبرُ كونُ المفعول فيه، وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم، فالمعتبر كون الفاعل فيه، ولذا قال بعض الفقهاء: لو قال: إن شتمته في المسجد أو رميت إليه، فَشَرْطُ حنثه كونُ الفاعل فيه، ولو قال: إن ضربته، أو جرحته، أو قتلته، أو رميته، فشرْطُه كونُ المفعول فيه، وإنما كان الرميُّ في الأول مما لا يظهر له أثر لأنه أُريد به إرسالُ السَّهم من القوس بنيَّته، وذلك مما لا يظهر له أثرٌ في المحلِّ، ولا يتوقّف على وصول فعل الفاعل، وفي الثاني مما يظهر له أثرٌ لأنه أُريد به إرسالُ السهم - أو ما يضاهيه - على وجهٍ يصل إلى المرمِيِّ إليه، فیجرحه أو یوجعه ويؤلمه، ولا شكَّ أنَّ ما نحن فيه من قبيل هذا القسم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمةُ الكلام على ذلك. (١) حاشية الشهاب ٣/ ١١٠. سُورَةُ السَّةِ ٣٣٦ الآية : ١٠ والجارُّ والمجرور متعلُّقٌ بـ ((يأكلون)) وهو الظاهر، وقيل: إنه حالٌ من قوله تعالى: ﴿نَارًا﴾ أي: ما يجرُّ إليها، فالنارُ مجازٌ مرسلٌ من ذكر المسبّب وإرادة السبب، وجوِّز في ذلك الاستعارةُ على تشبيه ما أُكل من أموال اليتامى بالنار لمحق ما معه، واستبعده بعض المحققين؛ وذهب بعضُهم إلى جواز حمله على ظاهره، فعن عبيد الله بن [أبي] جعفر أنه قال: مَن أكل مال اليتيم فإنه يُؤْخَذُ بمشفره يوم القيامة، فيُملأ فَمُهُ جَمْراً ويقال له: كُلْ ما أَكَلْتَهُ في الدنيا، ثم يُدخَل السعيرَ الكبرى(١). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: حدَّثني النبيُّ ◌َِه عن ليلةٍ أُسري به قال: ((نظرتُ فإذا أنا بقومٍ لهم مشافرُ كمشافر الإبل، وقد وُگِّل بهم مَن يأخذ بمشافرهم، ثم يُجعل في أفواههم صخراً من نار، فيقذف في أجوافهم حتى تخرج من أسافلهم، ولهم خُوارٌ وصُراخٌ، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلوا أموال اليتامى ظلماً)(٢). ﴿وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا (®﴾ أي: سيدخلون ناراً هائلةً مبهمةً الوصف. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم ياء المضارعة، والباقون بفتحها(٣). وقرئ: (وسيُصَلَّون)) بتشديد اللام(٤)، وفي ((الصحاح)) يقال: صَلَيتُ اللحمَ وغيرَه، أَصْلِيه صَلْياً، مثل رَمَيْتُهُ رَمْياً: إذا شويته، وصَلَيْتُ الرجل ناراً: إذا أدخلته وجعلته يَصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاءً كأنك تريدُ الإحراق، قلتَ، أَصليتُهُ بالألف، وصلَّيْتُه تَصْلِيةً، ويقال: صَلِيَ بالأمر، إذا قاسى حرَّه وشدَّته، قال الظُّهَويُّ: ولا تَبلَى بِسالَتُهُمْ وإِنْ هُمْ صَلُوا بالحرب حيناً بعد حين(٥) (١) تفسير ابن أبي حاتم ٨٧٩/٣، والدر المنثور ١٢٤/٢، وما بين حاصرتين منهما، وعبيد الله بن أبي جعفر المصري هو أبو بكر الفقيه مولى بني كنانة أو أمية، ثقة، توفي سنة (١٣٦هـ). تهذيب الكمال ٣٠/٥. قوله: بمشفره، قال صاحب القاموس (شفر): المِشْفَر للبعير كالشَّفة لك، ويفتح، جمعه مَشَافر، وقد يستعمل في الناس. (٢) تفسير الطبري ٦/ ٤٥٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٨٧٩/٣، وفي إسناده أبو هارون العبدي، قال عنه الحافظ في التقريب: متروك، ومنهم من كذبه. (٣) التيسير ص ٩٤، والنشر ٢٤٧/٢. (٤) نسبها ابن خالويه ص ٢٤ لأبي حيوة. (٥) الصحاح (صلا)، والبيت في أمالي القالي ٢٦٠/١، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٣٩/١، والخزانة ٤٣٣/٦. الآية : ١١ ٣٣٧ سُورَةُ السََّّةِ وقال بعض المحققين: إنَّ أصلَ الصَّلي: القُرْبُ من النار، وقد استُعمل هنا في الدخول مجازاً، وظاهرُ كلام البعض أنه متعدٍّ بنفسه، وقيل: إنه يتعدَّى بالباء فيقال: صَلِيَ بالنار، وذكر الراغب أنه يتعدَّى بالباء تارةً أو بنفسه أخرى(١). ولعلَّه بمعنيين كما يشير إليه ما في ((الصحاح)). والسعير: فَعيلٌ بمعنى مفعول، من سَعَرْتُ النارَ: إذا أوقدتها وألهبتها، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جبير: أنَّ السعير وادٍ من فَيح جهنم(٢). وظاهرُ الآية أنَّ هذا الحكم عامّ لكلِّ مَن یأكل مالَ الیتیم، مؤمناً كان أو مشركاً، وأخرج ابن جرير(٣) عن زيد بن أسلم أنه قال: هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورِّثونهم - أي: اليتامى - ويأكلون أموالهم. ولا يخفى أنه إن أراد أنَّ حُكْمَ الآية خاصٌّ بأهل الشرك فقط، فغيرُ مُسَلَّم، وإن أراد أنها نزلتْ فيهم فلا بأس به؛ إذ العبرةُ لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وفي بعض الأخبار أنه لمَّا نزلت هذه الآية ثَقُلَ ذلك على الناس، واحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية؛ فَصَعُبَ الأمرُ على اليتامى، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٠](٤). ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ شروعٌ في بيان ما أُجمل في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿لِّرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ إلخ، والوصية كما قال الراغب: أن يُقدِّم إلى الغير ما يعمل فيه مقترناً بوعظِ، من قولهم: أرضٌ واصِيَةٌ: متصلةُ النبات(٥). وهي في الحقيقة أمرٌ له بعملٍ ما عُهد إليه، فالمراد: يأمركم الله ويفرضُ عليكم، وبالثاني فسَّره في (القاموس))(٦). وعَدَلَ عن الأمر إلى الإيصاء لأنه أبلغُ وأدلُّ على الاهتمام وطلب الحصول بسرعة . (١) مفردات ألفاظ القرآن (صلا). (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٧٤/٣ و٥٣٩. (٣) في تفسيره ٦/ ٤٥٤ . (٤) أخرجه أحمد (٣٠٠٠)، وأبو داود (٢٨٧١)، والنسائي في المجتبى ٢٥٦/٦، والكبرى (٦٤٦٣) من حديث ابن عباس (٥) مفردات الراغب (وصى). (٦) مادة (وصي). سُورَةُ القَسَكَاةِ ٣٣٨ الآية : ١١ ﴿فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ أي: في توريث أولادكم، أو في شأنهم، وقُدِّر ذلك ليصحَّ معنى الظرفية، وقيل: ((في)) بمعنى اللام، كما في خبر: ((أنَّ امرأةً دخلتِ النارَ في هرَّة))(١) أي: لها، كما صرَّح به النحاة. والخطابُ قيل: للمؤمنين، وبين المتضايفَيْنِ مضافٌ محذوفٌ، أي: يوصيكم في أولاد موتاكم؛ لأنه لا يجوز أن يُخاطَبَ الحيُّ بقِسْمة الميراث في أولاده. وقيل: الخطاب لذوي الأولاد، على معنى: يوصيكم في توريثهم إذا مِتُّم، وحينئذٍ لا حاجة إلى تقدير المضاف، كما لو فُسِّر ((يوصيكم)) بـ: يبيِّنُ لكم. وبدأ سبحانه بالأولاد لأنهم أقربُ الورثة إلى الميت، وأكثرهم بقاءً بعد المورِّث. وسبب نزول الآية ما أشرنا إليه فيما مرَّ، وأخرج عبد بن حميد(٢) عن جابر قال: كان رسول اللّهِ وَّهِ يَعُودُني وأنا مريض، فقلت: كيف أَقْسِمُ مالي بين وَلَدِي؟ فلم يَردَّ عليَّ شيئاً، فنزلت. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَبْنِ﴾ في موضع التفصيل والبيان للوصية، فلا محلَّ للجملة من الإعراب؛ وجعلها أبو البقاء (٣) في موضع نَصْبٍ على المفعولية لـ (يوصي)) باعتبار كونه في معنى القول أو الفرض أو الشرع، وفيه تكلُّفٌ. والمراد أنه يُعَدُّ كلُّ ذكرٍ بأنثيين حيث اجتمع الصنفان من الذكور والإناث، واتَّحدت جهةُ إرثهما، فيُضعَّفُ للذكر نصيبُه، كذا قيل، والظاهر أنَّ المراد بيانُ حكم اجتماع الابن والبنت على الإطلاق، ولا بدَّ في الجملة من ضميرٍ عائدٍ إلى الأولاد محذوفٍ ثقةً بظهوره كما في قولهم: السَّمْنُ مَنَوانِ(٤) بدرهم، والتقدير هنا: للذَّکر منهم، فتدبّر. (١) أخرجه أحمد (١٠٥٨٤)، ومسلم (٢٢٤٣) من حديث أبي هريرة به. وأخرجه البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢) من حديث ابن عمر (٢) كما في الدر المنثور ١٢٤/٢، وأخرجه - أيضاً - أحمد (١٤١٨٦)، والبخاري (٤٥٧٧)، ومسلم (١٦١٦)(٦). (٣) في الإملاء ١٩٨/٢ . (٤) مُثَتَّى مَنَا، وهو الكيل، أو الميزان الذي يوزن به. اللسان (منا). الآية : ١١ ٣٣٩ سُورَةُ الشَّكَاةِ وتخصيص الذَّكَرِ بالتنصيص على حَظّه - مع أنَّ مقتضَى كونِ الآية نزلت في المشهور لبيان المواريث ردًّا لما كانوا عليه من توريث الذكور دون الإناث الاهتمامُ(١) بالإناث، وأنْ يقال: للأنثيين مثلُ حَظّ الذَّكَر - لأنَّ الذَّكَرَ أفضلُ، ولأنَّ ذِكْرَ المحاسن أليقُ بالحكيم من غيره، ولذا قال سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] فقدَّم ذِكْرَ الإحسان وكرَّره دون الإساءة، ولأنَّ في ذلك تنبيهاً على أنَّ التضعيف كافٍ في التفضيل، فكأنه حيثُ كانوا يُورِّثون الذكورَ دون الإناث قيل لهم: كفى الذكور أنْ ضُوعفَ لهم نصيبُ الإناث، فلا يُحْرَمْنَ عن الميراث بالكلية، مع تساويهما في جهة الإرث. وإيثار اسمَي الذَّكر والأنثى على ما ذُكر أولاً من الرجال والنساء؛ للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق، من غير دَخْلٍ للبلوغ والكِبَر في ذلك أصلاً، كما هو زَعْمُ أهل الجاهلية، حيث كانوا لا يُورِّثون الأطفالَ کالنساء. والحكمة في أنه تعالى جعل نصيبَ الإناث من المال أقلّ من نصيب الذكور نقصانُ عقلهنَّ ودينهنَّ كما جاء في الخبر(٢)، مع أنَّ احتياجهنَّ إلى المال أقلّ؛ لأنَّ أزواجهنَّ ينفقون عليهنَّ، وشهوتهنَّ أكثر، فقد يصيرُ المالُ سبباً لكثرة فجورهنَّ، ومما اشتهر : إنَّ الشبابَ والفراغَ والجِدَهْ مَفْسَدَةٌ للمرءِ أيُّ مَفْسَدَهُ(٣) وروي عن جعفر الصادق ﴿ه: أنَّ حواء عليها السلام أخذتْ حَفْنةً من الحنطة وأكلت، وأَخذتْ أخرى وخبََّتْها، ثم أُخرى ودفعتها إلى آدم عليه السلام، فلمَّا جعلتْ نصيبَ نفسِها ضِعْفَ نصيب الرجل، قُلب الأمرُ عليها، فجُعل نصيبُ المرأة نصف نصيب الرجل. ذَكَرهُ بعضُهم ولم أقفْ على صحّته(٤). (١) وقع فوقها في الأصل: الاهتمام خبر أنَّ. (٢) أخرجه أحمد (٥٣٤٣)، ومسلم (٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري ، وسلف تخريجه ص٢٧٩ من هذا الجزء. (٣) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص ٤٤٨. (٤) ذكره الرازي في تفسيره ٩/ ٢٠٧. سُورَةُ النساءِ ٣٤٠ الآية : ١١ ثم: محلُّ الإرث إنْ لم يقمْ مانعٌ كالرِّقٌّ والقتل واختلافِ الدين كما لا يخفى، واستثني من العموم الميراثُ من النبيِّ وَله بناءً على القول بدخوله وَّ في العمومات الواردة على لسانه عليه الصلاة والسلام، المتناولةٍ له لغة، والدليلُ على الاستثناء قولُهُ وَّهِ: ((نحن معاشرَ الأنبياء لا نُورَث))(١). وأخذ الشيعةُ بالعموم وعدم الاستثناء، وطعنوا بذلك على أبي بكرِ الصدِّيقِ حيث لم يُورِّث الزهراءَ رَّا من تَرِكَةِ أبيها بَطِّ، حتى قالت له بزعمهم: يا ابن أبي قحافة، أنت تَرِثُ أباكَ وأنا لا أَرِثُ أبي، أيُّ إنصافٍ هذا(٢)؟! وقالوا: إنَّ الخبر لم يروهِ غيرُهُ، وبتسليم أنه رواه غيره أيضاً فهو غيرُ متواترٍ، بل آحاد، ولا يجوز تخصيصُ الكتاب بخبر الآحاد، بدليل أنَّ عمرَ بن الخطاب ◌َّهِ ردَّ خبرَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ أنه لم يجعل لها سُكنى ولا نفقةً لمَّا كان مخصِّصاً لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فقال: كيف نتركُ كتابَ ربِّنا وسنّة نبيِّنَا وَلِّ بقول امرأة(٣). فلو جاز تخصيصُ الكتاب بخبر الآحاد لَخَصَّصَ به ولم يردّه، ولم يجعلْ كونه خبرَ امرأةٍ مع مخالفته للكتاب مانعاً من قبوله، وأيضاً العامُّ - وهو الكتاب - قطعيٌّ، والخاصُّ - وهو خبرُ الآحاد - ظَنِّيٌّ، فيلزمُ تَرْكُ القطعيِّ بالظَّنِّيِّ. وقالوا أيضاً: إنَّ مما يدلُّ على كذب الخبر قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌّ﴾ [النمل: ١٦] وقوله سبحانه حكايةً عن زكريا عليه السلام: ﴿وَإِنِّ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآِى وَكَانَتِ أَمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّدُنِكَ وَإِنَّا ﴿﴿ يَرِثُبِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥-٦] فإنَّ ذلك صريحٌ في أنَّ الأنبياء يَرثون ويُورَثون. (١) أخرجه أحمد (٢٥١٢٥) والبخاري (٤٠٣٤)، ومسلم (١٧٥٨) من حديث عائشة ﴿يا بلفظ: (لا نورث، ما تركنا صدقة)). وأخرجه النسائي في الكبرى (٦٢٧٥) من حديث مالك بن أوس بن الحدثان بلفظ: ((إنا معشر ... ))، وسلف تخريجه ٢٨٧/٢. (٢) أخرج الترمذي (١٦٠٨) من حديث أبي هريرة ◌َبه قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فمالي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ◌َ﴿ يقول: ((لا نورث ... )). قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه. (٣) أخرجه أحمد (٢٧٣٣٨)، ومسلم (١٤٨٠): (٤٦).