Indexed OCR Text
Pages 261-280
الآية : ١ ٢٦١ سُورَةُ الشَكَاءِ والقول بأنَّ ذلك يجرُّ إلى ما فيه استهجانٌ، لا يخفى ما فيه؛ لأنَّ هذا التشخّصَ الخاصَّ الحاصلَ لذلك الجزء بحيث لم يبقَ من تشخُّصه الأصلي شيءٌ ظاهرٌ يدفع الاستجهان الذي لا مقتضى له إلا الوهم الخاص، لا سيما والحكمة تقتضي ذلك التناكح الكذائي، فقد ذكر الشيخُ الأكبرُ قُدِّس سِرُّه(١) أنَّ حواء لمَّا انفصلتْ من آدم عُمِرَ موضعُها منه بالشهوة النكاحية [إليها] التي بها وَقَع الغشيان لظهور التوالُد والتناسُل، وكان الهواء الخارج الذي عَمَرَ موضعَه جسمُ حواء عند خروجها؛ إذ لا خَلاء في العالم، فطلب ذلك الجزء الهوائيُّ موضعه الذي أخذته حواء بشخصيَّتها، فحرَّك آدمَ لِطَلَبٍ موضِعه، فوجده معموراً بحواء، فوقع عليها، فلما تغشَّاها حملتْ منه فجاءت بالذُّرِّية، فبقي بعد ذلك سُنَّةً جاريةً في الحيوان من بني آدم وغيرِهِ، بالطّبْع، لكنَّ الإنسانَ هو الكلمةُ الجامعةُ ونسخةُ العالَم، فكلُّ ما في العالَم جزءٌ منه، وليس الإنسان بجزءٍ لواحدٍ من العالَم، وكان سببُ الفَصْل وإيجادِ [هذا المنفصل الأول طلبَ الأنس بالمُشاكل في الجنس الذي هو النوع الأخصُّ، وليكون في عالم] الأجسام بهذا الالتحام الطبيعيِّ للإنسان الكامل بالصورة التي أرادها الله تعالى ما يُشبه القلم الأعلى واللوح المحفوظ الذي يُعبَّر عنه بالعقل الأول والنفس الكلية. انتهى. ويُفهم من كلامهم أنَّ هذا الخَلْقَ لم يقع هكذا إلا بين هذين الزوجين دون سائر أزواج الحيوانات. ولم أظفر في ذلك بما يشفي الغليل، نعم أخرج عبد بن حميد وابن المنذر(٢) عن ابن عمر ﴿ه: أنَّ زوجَ إبليسَ - عليهما اللعنة - خُلقتْ من خَلْفه الأيسر. والخَلْف كما في ((الصحاح))(٣): أَقصر أضلاع الجَنْب. وبذلك فسَّره الضخَّاك في هذا المقام(٤). وإنما أَخَّر بيانَ خَلْق الزوج عن بيان خَلْق المخاطَبين، لِمَا أنَّ تذكيرَ خَلْقهم أَدْخَلُ في تحقيق ما هو المقصد من حَمْلهم على امتثال الأمر من تذكير خَلْقها. (١) في الفتوحات المكية ١٣٦/١، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) كما في الدر المنثور ١١٦/٢. (٣) مادة (خلف). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٨٥٢ من طريق جويبر عن الضحاك قال: خَلَقَ حواءَ من آدم من ضِلَع الخَلْف، وهو من أسفل الأضلاع. الآية : ١ ٢٦٢ سُورَةُ النَّسَاءِ وقُدِّم الجارُّ للاعتناء ببيان مبدئيةِ آدَمَ عليه السلام لها، مع ما في التقديم من التشويق إلى المؤخَّر، واختير عنوان الزوجية تمهيداً لِمَا بعده من التناسل. وذهب بعض المحققين إلى جواز عَظْفِ هذه الجملة على مقدَّرٍ يُنبىُ عنه السّوق؛ لأنَّ تفريعَ الفروع من أصلٍ واحدٍ يستدعي إنشاءَ ذلك الأصل لا محالة؛ كأنه قيل: خَلَقَكُم من نفسٍ واحدة، خَلَقَها أولاً، وخَلَقَ منها زوجَها .. إلخ، وهذا المقدَّرُ إما استئنافٌ مَسُوقٌ لتقرير وَحدة المبدأ، وبيانِ كيفية خَلْقهم منه بتفصيل ما أُجمل أولاً، وإما صفةٌ لـ ((نفس)) مفيدةٌ لذلك. وأوجب بعضُهم هذا التقرير على تقدير جَعْل الخطاب فيما تقدَّم عامًّا في الجنس، ولعلَّ ذلك لأنه لولا التقدير حينئذٍ لكان هذا مع قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ - أي: نَشَر وفَرَّق من تلك النفس وزوجِها على وجه التناسل والتوالد ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنَاءٌ﴾ - تكراراً لقوله سبحانه: ﴿خَلَقَكُ﴾ لأنَّ مُؤَذَّاهما واحد، وليس على سبيل بيان الأول؛ لأنه معطوفٌ عليه على عدم التقدير، ولأَوهمَ أنَّ الرجال والنساء غيرُ المخلوقين من نفسٍ واحدة، وأنهم منفردون بالخَلْق منها ومن زوجها، والناس إنما خلقوا من نفسٍ واحدةٍ من غير مَدْخلٍ للزوج. ولا يلزم ذلك على العطف وجَعْل المخاطَبِ بـ ((خَلَقَكم)) مَنْ بُعث إليهم عليه الصلاة والسلام؛ إذ يكون ((وبثَّ منهما)) إلخ واقعاً على مَنْ عدا المبعوث إليهم من الأُمم الفائتة للحصر، والتوهُّمُ في غاية البعد، وكذا لا يلزم على تقدير حَذْف المعطوف عليه وجَعْلِ الخطاب عامًّا، لأنَّ ذلك المحذوفَ وما عُطفَ عليه يكونان بياناً لكيفية الخَلْق من تلك النفس. ومن الناس مَن ادَّعى أنه لا مانع من جَعْل الخطاب عامًّا من غير حاجةٍ إلى تقديرِ معطوفٍ عليه معه، وإلى ذلك ذهب صاحب ((التقريب)) (١)، والمحذورُ الذي يذكرونه ليس بمتوجِّوٍ؛ إذ لا يُفهَمُ من خلق بني آدمَ من نفسٍ واحدةٍ خَلْقُ زوجها منه، ولا خَلْقُ الرجال والنساء من الأصلين جميعاً، والمعطوف متكفِّلٌ ببيان ذلك، (١) لعله: تقريب التفسير، لقطب الدين محمد بن مسعود بن محمود بن أبي الفتح، وهو تلخيص للكشاف أزال اعتزاله وبعض إطنابه، وأتمه مؤلفه سنة (٦٩٨هـ) ببلدة شيراز. كشف الظنون ١٤٨١/٢. الآية : ١ ٢٦٣ سُورَةُ السَّةِ وقد ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ اللازم في العَظْف تغايرُ المعطوفات ولو من وجه، وهو هنا محقّقٌ بلا ریپٍ کما لا يخفى. والتنوين في ((رجالاً)) و((نساء)) للتكثير، و((كثيراً)) نعتٌ لـ ((رجالاً)) مؤكِّدٌ لِمَا أفاده التنكير، والإفرادُ باعتبار معنى الجمع أو العدد، أو لرعاية صيغة فَعيل، ونقل أبو البقاء(١) أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: بثَّ كثيراً، ولهذا أُفرد. وجَعْلُه صفةً حينٍ - كما قيل - تكلُّفٌ سَمِجٌ. وليس المراد بالرجال والنساء البالغين والبالغات، بل الذكور والإناث مطلقاً تجوُّزاً، ولعلَّ إيثارَهما على الذكور والإناث؛ لتأكيد الكثرة والمبالغةِ فيها بترشيح كلِّ فردٍ من الأفراد المبثوثة لمبدئية غيره. وقيل: ذَكَّرَ الكبارَ منهم؛ لأنه في معرِض المكلَّفين بالتقوى، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها؛ لأنَّ الحكمة تقتضي أن يَكُنَّ أكثرَ؛ إذ للرجل أن يزيد في عصمته على واحدة، بخلاف المرأة. قاله الخطيب(٢). واحتجَّ بعضُهم بالآية على أنَّ الحادثَ لا يحدثُ إلا عن مادةٍ سابقةٍ، وأنَّ خَلْقَ الشيء عن العَدَم المحض والنفي الصِّرْف محال. وأجيب بأنه لا يلزمُ من إحداث شيءٍ في صورةٍ واحدةٍ من المادة لحكمةٍ أن يتوقّف الإحداث على المادة في جميع الصور، على أنَّ الآيةَ لا تدلُّ على أكثرَ من خَلْقِنا وخَلْقِ الزوج مما ذكر سبحانه، وهو غيرُ وافٍ بالمدَّعى. وقرىء: ((وخالقٌ)) ((وباتٌ))(٣) على حَذْف المبتدأ؛ لأنه صلةٌ لِعَطْفه على الصلة، فلا يكون إلا جملة، بخلاف نحو: زيدٌ رَكِبَ وذاهب، أي: وهو خالقٌ وباتٌّ. ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَ لُونَ بِهِ﴾ تكريرٌ للأمر الأولِ، وتأكيدٌ له، والمخاطَب مَنْ بُعث إليهمِوَ * أيضاً كما مرَّ. (١) في الإملاء ٢/ ١٨١. (٢) محمد بن أحمد الخطيب الشربيني، فقيه شافعي مفسِّر، له: الإقناع في حلِّ ألفاظ أبي شجاع، ومغني المحتاج، والسراج المنير، وكلامه فيه عند تفسير هذه الآية، توفي سنة (٩٧٧هـ). الكواكب السائرة ١/ ٩٢، والأعلام ٦/٦. (٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٤ لخالد الحذاء. سُورَةُ التَشَاةِ ٢٦٤ الآية : ١ وقيل: المخاطَب هنا وهناك هم العرب، كما روي عن ابن عباسٍ ﴿ها؛ لأنَّ دأبَهم هذا التناشُدُ. وقيل: المخاطَب هناك مَن بُعث إليهم مطلقاً، وهنا العربُ خاصَّة، وعمومُ أول الآية لا يمنع خصوصَ آخرِها، كالعكس. ولا يخفى ما فيه من التفكيك. ووَضْعُ الاسم الجليل موضعَ الضمير للإشارة إلى جميع صفات الكمال ترقِّياً بعد صفة الربوبية، فكأنه قيل: اتَّقوه لربوبيَّته وخَلْقِه إياكم خَلْقاً بديعاً، ولكونه مستحِقًّا لصفات الكمال كلِّها . وفي تعليق الحُكْم بما في حيِّز الصِّلة إشارةٌ إلى بعضٍ آخرَ من موجبات الامتثال، فإنَّ قولَ القائل لصاحبه: أسألكَ بالله، وأَنشُدك الله تعالى، على سبيل الاستعطاف، يقتضي الاتِّقاء من مخالفة أوامره ونواهيه. و((تساءلون)) إما بمعنى: يسأل بعضكم بعضاً، فالمفاعَلة على ظاهرها، وإما بمعنى (تَسْألون)) كما قرىء به (١)، وتفاعَلَ يَرِدُ بمعنى فَعَلَ إذا تعدَّد فاعله. وأصله على القراءة المشهورة: تتساءلون بتاءين، فحذفت إحداهما للثقل. وقرأ نافع وابن كثير وسائر أهل الكوفة: ((تسَّاءلون)» بإدغام تاء التفاعل في السين(٢)، لتقاربهما في الهمس. ﴿وَالْأَرْحَمُ﴾ بالنصب، وهو معطوفٌ إما على محلِّ الجارِّ والمجرور إنْ كان المحلُّ لهما، أو على محلِّ المجرور إن كان المحلُّ له، والكلامُ على حدٍّ: مررتُ بزيدٍ وعمراً، وينصره قراءة: («تساءلون به وبالأرحام)» (٣) وأنهم كانوا يَقرِنونها في السؤال والمناشدة بالله تعالى، ويقولون: أسألك بالله تعالى، وبالله سبحانه، وبالرَّحِم، كما أَخرج ذلك غيرُ واحدٍ عن مجاهد(٤)، وهو اختيار الفارسيِّ، وعليٍّ بن عيسى. (١) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٤ لابن مسعود والأعمش. (٢) كذا قال، غير أن أهل الكوفة عاصماً وحمزة والكسائي وخلفاً قرؤوا بتخفيف السين، وقراءة (تسَّاءلون)) بإدغام التاء في السين هي قراءة باقي العشرة. التيسير ص ٩٣، والنشر ٢٤٧/٢. (٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٤ لعبد الله بن مسعود والأعمش. (٤) أخرجه الطبري ٣٤٥/٦. الآية : ١ ٢٦٥ سُورَةُ السَّة وإما معطوفٌ على الاسم الجليل، أي: اتَّقوا الله تعالى والأرحامَ، وصِلُوها ولا تقطعوها، فإنَّ قَطْعَها مما يجب أن يُتَّقى، وهو رواية ابن حميد عن مجاهد(١)، والضحاك عن ابن عباس(٢)، وابن المنذر عن عكرمة(٣)، وحُكي عن أبي جعفر عظُّه(٤)، واختاره الفراء(٥) والزَّجاج(٦). وجوَّز الواحديُّ النصبَ على الإغراء، أي: والزموا الأرحامَ وصِلُوها . وقرأ حمزة بالجرِّ(٧)، وخُرِّجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور، وضَعَّفَ ذلك أكثرُ النحويِّين بأنَّ الضميرَ المجرورَ كبعض الكلمة؛ لشدَّة اتِّصاله بها، فكما لا يُعطَف على جزء الكلمة، لا يُعطَف عليه. وأولُ مَن شنَّع على حمزةَ في هذه القراءة أبو العباس المبرِّد حتى قال: لا تحلُّ القراءةُ بها، وتبعه في ذلك جماعةٌ منهم ابنُ عطية (٨)، وزعم أنه يردُّها وجهان: أحدهما: أنَّ ذِكْرَ أنَّ الأرحام مما يُتساءل بها لا معنى له في الحضِّ على تقوى الله تعالى، ولا فائدةَ فيها أكثرُ من الإخبار بأنَّ الأرِحامَ يُتساءل بها، وهذا مما يغضُّ من الفصاحة. والثاني: أنَّ في ذِكْرِها على ذلك تقريرُ التساؤلِ بها، والقَسَم بحُرمتها، والحديثُ الصحيحُ يردُّ ذلك، فقد أخرج الشيخان(٩) عنه وَّةِ: ((مَن كان حالفاً، فليحلف بالله تعالى أو ليضْمُتْ)). (١) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١١٧/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٤٨/٦. (٢) أخرجه الطبري ٣٤٩/٦ وهو ابن عباس وهو من رواية جويبر عن الضحاك. (٣) كما في الدر المنثور ١١٧/٢ . (٤) حكاه عنه الطبرسي في مجمع البيان ٩/٤. (٥) في معاني القرآن له ٢٥٢/١. (٦) في معاني القرآن له ٦/٢. (٧) التيسير ص ٩٣، والنشر ٢٤٧/٢. (٨) في المحرر الوجيز ٥/٢، وكلام المبرد في الكامل ٩٣١/٢. (٩) البخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦) (٣) من حديث ابن عمر ◌ًا، وهو عند أحمد (٤٥٩٣). الآية : ١ ٢٦٦ سُورَةُ السَكَّاء وأنت تعلم أنَّ حمزة لم يقرأ كذلك من نفسه، ولكن أخذ ذلك - بل جميعَ القرآن - عن سليمان بن مِهْران الأعمش(١)، والإمام ابن أعين(٢)، ومحمد بن أبي ليلى (٣)، وجعفر بن محمد الصادق، وكان صالحاً وَرِعاً ثقةً في الحديث، من الطبقة الثالثة. وقد قال الإمام أبو حنيفة والثوريُّ ويحيى بن آدم في حَقِّه: غَلَبَ حمزةُ الناسَ على القراءة والفرائض. وأخذ عنه جماعةٌ وتلمذوا عليه، منهم إمامُ الكوفة قراءةً وعربيةً أبو الحسن الكسائي، وهو أحد القرَّاء السَّبْع الذين قال أساطين الدين: إنَّ قراءَتَهم متواترةٌ عن رسول الله ﴾﴾﴾. ومع هذا لم يقرأ بذلك وحده، بل قرأ به جماعةٌ من غير السبعة؛ كابن مسعودٍ وابن عباسٍ وإبراهيم النخعي والحسن البصري وقتادة ومجاهد، وغيرهم كما نقله ابن يعيش(٤). فالتشنيعُ على هذا الإمام في غاية الشناعة، ونهاية الجسارة والبشاعة، وربَّما يُخشى منه الكفر، وما ذُكر من امتناع العَظْف على الضمير المجرور هو مذهبُ البصريين، ولسنا متعبَّدين باتِّباعهم، وقد أطال أبو حيان في ((البحر))(٥) الكلامَ في الردِّ عليهم، وادَّعى أنَّ ما ذهبوا إليه غيرُ صحيح، بل الصحيحُ ما ذهب إليه الكوفيُّون من الجواز، وورد ذلك في لسان العرب نَثْراً ونَظْماً. وإلى ذلك ذهب ابن مالك(٦). (١) سليمان بن مهران الأعمش أخذ القراءة عرضاً عن إبراهيم النخعي وزر بن حبيش وعاصم بن أبي النجود ويحيى بن وثاب وغيرهم، توفي سنة (١٤٨هـ). طبقات القراء ٣١٥/١. (٢) هو حمران بن أعين أبو حمزة الكوفي، أخذ القراءة عرضاً عن عبيد بن نضيلة ويحيى بن وثاب ومحمد بن علي الباقر وغيرهم، وكان ثبتاً في القراءة يُرمى بالرفض، توفي سنة (١٣٠ هـ). طبقات القراء ٢٦١/١. (٣) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أخذ القراءة عرضاً عن أخيه عيسى والشعبي وطلحة بن مصرف وغيرهم، توفي سنة (١٤٨هـ). طبقات القراء ١٦٥/٢. (٤) في شرح المفصل ٧٨/٣. (٥) ١٥٩/٣. (٦) ينظر التسهيل ص ١٧٧-١٧٨، وشرح الألفية لابن عقيل ٢٤٠/٢. الآية : ١ ٢٦٧ سُورَةُ النساءِ وحديثُ أنَّ ذِكْرَ الأرحام حينئذٍ لا معنى له في الحضِّ على تقوى الله تعالى، ساقطٌ من القول؛ لأنَّ التقوى إن أُريد بها تقوى خاصَّة، وهي التي في حقوق العباد التي من جملتها صلةُ الرحم، فالتساؤل بالأرحام مما يقتضيه بلا ريب، وإن أُريد الأعمُّ فلدخوله فيها . وأما شبهةُ أنَّ في ذِكْرها تقريرُ التساؤل بها والقَسَمِ بحرمتها، والحديث يردُّ ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير الله تعالى. فقد قيل في جوابها: لا نُسلِّم أنَّ الحلف بغير الله تعالى مطلقاً منهيٌّ عنه، بل المنهيُّ عنه ما كان مع اعتقادِ وجوب البِرِّ، وأما الحلف على سبيل التأكيد مثلاً، فمما لا بأس به، ففي الخبر: ((أَفلحَ وأبيه إن صدق))(١). وقد ذكر بعضُهم أنَّ قولَ الشخص لآخر: أسألك بالرَّحِم أن تفعل كذا ليس الغرضُ منه سوى الاستعطاف، وليس هو كقول القائل: والرَّحِم(٢) لأَفعلنَّ كذا، ولقد فعلتُ كذا، فلا يكون متعلَّقَ النهي في شيء، والقول بأنَّ المراد هاهنا حكايةٌ ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يخفى ما فيه، فافهم. وقد خرَّج ابنُ جنِّي هذه القراءة على تخريج آخر، فقال في ((الخصائص))(٣): بابٌ في أنَّ المحذوفَ إذا دلَّتِ الدلالة عليه كان في حُكْم الملفوظ به، من ذلك: رَسْمٍ دارٍ وقفتُ في طَلَلِهْ(٤) أي: رُبَّ رَسْمِ دارٍ، وكان رؤبةُ إذا قيل له: كيف أصبحتَ؟ يقول: خيرٍ عافاكَ الله تعالى. أي: بخير، ويحذف الباء لدلالة الحال عليها، وعلى نحوٍ من هذا تتوجَّه عندنا قراءة حمزة. وفي ((شرح المفضَّل)): أنَّ الباء في هذه القراءة محذوفةٌ لتقدُّم ذِكْرِها(٥). (١) أخرجه مسلم (١١): (٩) من حديث طلحة بن عبيد الله (٢) في الأصل: وحق الرحم. (٣) ٢٨٤/١-٢٨٥. (٤) صدر بيت لجميل بثينة، وهو في ديوانه ص ١٨٨، وعجزه: كِذْتُ أقضي الغداةَ من جَلَلِهْ (٥) شرح المفصل ٧٨/٣. الآية : ١ ٢٦٨ سُورَةُ النِّسَكَّةِ وقد مشى على ذلك أيضاً الزمخشريُّ في أحاجيه، وذكر صاحب ((الكشف)) أنه أقرب من التخريج الأول عند أكثر البصرية، لثبوت إضمار الجارِّ في نحو: اللهِ لأَفعلنَّ، وفي نحو: ما مثلُ عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك. والحملُ على ما ثبت هو الوجه. ونُقل عن بعضهم أنَّ الواو للقسم على نحو: اتِّق الله تعالى فوالله إنه مُطَّلِعٌ عليك، وتَرْكُ الفاء لأنَّ الاستئنافَ أقوى الأصلين، وهو وجهٌ حَسَنٌّ. وقرأ ابن يزيد(١): ((والأرحامُ)) بالرفع على أنه مبتدأ محذوفُ الخبر(٢)، أي: والأرحامُ كذلك، أي: مما يُثَّقى؛ لقرينةِ ((اتقوا))، أو مما يُتساءل به لقرينةٍ (تَسَاءلون)). وقدَّره ابن عطية(٣): أَهلٌ لأَنْ تُوصَل. وابن جنِّي(٤): مما يجب أن توصلوه وتحتاطوا فيه. ولعلَّ الجملةَ حينئذٍ معترضةٌ، وإلا ففي العَظْف خفاء. وقد نبَّه سبحانه إذ قرن الأرحامَ باسمه سبحانه، على أنَّ صِلَتها بمكانٍ منه تعالى. وقد أخرج الشيخان(٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله تعالى خَلَقَ الخَلْقَ، حتى إذا فَرِغَ منهم، قامتِ الرَّحِمُ فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم أما ترضين أني(٦) أَصِلُ من وَصَلَكِ وأقطَعُ من قَطِعَكِ، قالت: بلى. قال: فذلك لك)). وأخرج البزَّار بإسناد حسن: ((الرحم حُجْنةٌ متمسِّكةٌ بالعرش، تَكلَّمُ بلسانٍ ذُلَقٍ: اللهمَّ صِلْ مَن وَصَلني واقطعْ مَن قطعني، فيقول الله تعالى: أنا الرحمن أنا الرحيم، فإني شققتُ الرَّحِمَ من اسمي، فمن وَصَلها وَصَلْتُهُ، ومَن بَتَكها بتكتُه))(٧). (١) في الأصل و(م): زيد، والمثبت هو الصواب، وابن يزيد هو عبد الله بن يزيد القرشي الدمشقي القصير، إمام كبير في الحديث ومشهور في القراءات، توفي سنة (٢١٣هـ). طبقات القراء ٤٦٣/١. (٢) المحتسب ١٧٩/١. (٣) في المحرر الوجيز ٤/٢. (٤) في المحتسب ١٧٩/١ . (٥) البخاري (٥٩٨٧)، ومسلم (٢٥٥٤)، وهو عند أحمد (٨٣٦٧). (٦) في المصادر: أن. (٧) كشف الأستار (١٨٩٥) وهو من حديث أنس ره. قوله: حجنة، الحُجْنَة: صنارة المِغزل، وهي المعوجّة التي في رأسه. وقوله: ذُلَق، أي: فصيح بليغ. النهاية (حجن) و(ذَلَق). وبتكه، أي: قطعه. اللسان (بتك). الآية : ٢ ٢٦٩ سُوَرَةُ النِّسَحَّةِ وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح: ((إنَّ من أَربى الربا الاستطالةُ بغير حقٍّ، وإنَّ هذه الرَّحِم شُجْنَةٌ من الرحمن، فمن قَطَعها حرَّم الله تعالى عليه الجنة))(١). والأخبار في هذا الباب كثيرة، والمراد بالرَّحم الأقارب، ويقع على كلِّ مَن يجمع بينك وبينه نسبٌ وإن بَعُدَ، ويُطلق على الأقارب من جهة النساء، وتخصيصُهُ في باب الصلة بمن ينتهي إلى رَحِم الأمُّ منقطعٌ عن القبول؛ إذ قد ورد الأمرُ بالإحسان إلى الأقارب مطلقاً . ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾﴾ أي: حفيظاً؛ قاله مجاهد. فهو مِنْ رَقَبه بمعنی: حَفِظَه، كما قاله الراغب(٢). وقد يُفسَّر بالمطّلع، ومنه المَرْقَب للمكان العالي الذي يُشرف عليه لِيَطَّلِعَ على ما دونه، ومن هنا فسَّرَه ابن زيد بالعالِم، وعلى كلٍّ فهو فَعيلٌ بمعنى فاعل. والجملة في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال، وإظهارُ الاسم الجليل لتأكيده، وتقديمُ الجارِّ لرعاية الفواصل. ﴿وَءَاتُواْ الَّْ ◌َهُمْ﴾ شروعٌ في تفصيل موارد الاتِّقاء على أتمٍّ وجه، وبدأ بما يتعلَّقُ باليتامى إظهاراً لكمال العناية بشأنهم، ولملابستهم بالأرحام؛ إذ الخطاب للأوصياء والأولياء، وقلَّما تُفُوَّض الوصاية لأجنبيٍّ. واليتيم من الإنسان: مَن مات أبوه، ومن سائر الحيوانات: فاقدُ الأُمِّ. من اليُتْم، وهو الانفراد، ومن هنا يُطلق على كلِّ شيءٍ عَزَّ نظيره، ومنه: الدُّرَّة اليتيمة. وجُمع علی یتامی مع أنَّ فعیلاً لا يُجمع علی فعالی، بل علی فِعال گگریم وکِرام، وفُعَلَاء كَكَرِيم وكُرَماء، وفُعُل كنذير ونُذُر، وفَعْلى كمريض ومَرْضى، إمَّا لأنه أُجري مجرى الأسماء، ولذا قلَّما يجري على موصوف، فجمع على يَتايم؛ كأَفِيل(٣) وأفايل، ثم قُلب فقيل: يَتامِي بالكسر، ثم خُفِّف بقَلْب الكَسْرة فتحة، فقُلبت الياء أَلِفاً، وقد جاء على الأصل في قوله: (١) مسند أحمد (١٦٥١) وهو من حديث سعيد بن زيد ه، وفيه :... الاستطالة في عرض المسلم بغير حق ... ، وقوله: شجنة، أي: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق. النهاية (شجن). (٢) في مفرداته (رقب). (٣) في هامش الأصل و(م): بوزن أمير، ابن المخاض فما فوقه، والفصيل. اهـ منه. وينظر القاموس (أفل). سُورَةُ الْنِسَاءِ ٢٧٠ الآية : ٢ سلامٌ على أحجارٍكنَّ القدايم(١) أأطلالَ حُسْنٍ بالبراق اليتايم أو لأنه جُمِعَ أولاً على يَتْمَى، ثم جمع يَتْمَى على يَتَامى، إلحاقاً له بباب الآفات والأوجاع، فإنَّ فَعيلاً فيها يُجمع على فَعْلَى، وفَعْلَى يُجمع على فَعَالى، كما جُمع أَسيرٌ على أَسْرى ثم على أَسارى. ووجهُ الشَّبَهِ ما فيه من الذُّل والانكسار المؤلم، وقيل: ما فيه من سوء الأدب المشبّه بالآفات. والاشتقاق يقتضي صحَّةً إطلاقه على الصغار والكبار، لكنَّ الشرع - وكذا العرفُ - خصَّصه بالصغار، وحديث: ((لا يُتْمَ بعد احتلام))(٢) تعليمٌ للشريعة، لا تعیینٌ لمعنى اللفظ. والمراد بإيتاء أموالهم: تَرْكُها سالمةً غير متعرَّض لها بسوء، فهو مجازٌ مستعملٌ في لازم معناه؛ لأنها لا تُؤْتَى إلا إذا كانت كذلك، والنكتة في هذا التعبير الإشارةُ إلى أنه ينبغي أن يكون الغرضُ من تَرْك التعرُّض إيصالَ الأموال إلى مَنْ ذُكر، لا مجرَّدَ تَرْكِ التعرُّض لها، وعلى هذا يصحُّ أن يراد باليتامى الصغارُ على ما هو المتبادر، والأمرُ خاصٌّ بمن يتولَّى أَمْرَهم من الأولياء والأوصياء، وشمولُ حُكْمِه الأولياء مَنْ كان بالغاً عند نزول الآية بطريق الدلالة دون العبارة، ويصحُّ أن يُراد مَنْ جرى عليه اليُتْمُ في الجملة مجازاً أعمّ من أن يكون كذلك عند النزول، أو بالغاً، فالأَمرُ شاملٌ لأولياء الفريقين صيغةً، موجبٌ عليهم ما ذُكر من كَفّ الكفّ عنها، وعَدَمِ فكِّ الفَكِّ لأكلها، وأما وجوب الدفع إلى الكبار، فمستفادٌ مما سيأتي من الأمر به. وقيل: المراد من الإيتاء: الإعطاءُ بالفعل، واليتامى إما بمعناه اللغويِّ الأصلي، فهو حقيقة واردٌ على أصل اللغة، وإما مجازٌ باعتبار ما كان أُوثِرَ لقُرْب العهد بالصّغَر، والإشارةُ إلى وجوب المسارعة إلى دَفْع أموالهم إليهم حتى كأنَّ (١) ذكر صدره الشهاب في الحاشية ٩٨/٣. (٢) أخرجه أبو داود (٢٨٧٣) من حديث علي به عنه مرفوعاً، وأخرجه عبد الرزاق (١١٤٥١) عن علي موقوفاً. والمرفوع قال ابن حجر في التخليص الحبير ١٠١/٣: أعله العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذري وغيرهم، وحسنه النووي متمسكاً بسكوت أبي داود عليه. الآية : ٢ ٢٧١ سورة النساءِ اسم اليتيم باقٍ بعدُ غير زائل، وهذا المعنى يُسمَّى في الأصول بإشارة النَّصِّ، وهو أن يُساق الكلام لمعنّى ويُضمَّن معنًى آخر، وهذا في الكون نظير المشارفة في الأول. وقيل: يجوز أن يُراد باليتامى الصغارُ ولا مجاز، بأن يُجعل الحكم مقيَّداً كأنه قيل: وآتوهم إذا بلغوا. ورُدَّ بأنه قال في ((التلويح)) (١): إنَّ المرادَ من قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الْيَ أَهُمْ﴾ وقت البلوغ [فهو مجازٌ] باعتبار ما كان، فإنَّ العبرةَ بحال النسبة لا بحال التكلَّم، فالورود للبلغ علی کلِّ حال. وقال بعض المحققين(٢): تقدير القيد لا يغني عن التجوُّز؛ إذ الحكم على ما عبّر عنه بالصفة يوجب اتِّصافه بالوصف حين تعلَّق الوصف به(٣)، وحين تعلُّق الإيتاء به [لا] يكون يتيماً، فلابدَّ من التأويل بما مرَّ. وأُجيب بأنَّ هذه المسألةَ وإن كانت مذكورة في ((التلويح)، لكنها ليستْ مُسلَّمَةً، وقد تردّد فيها الشريف في حواشيه(٤). والتحقيق أنَّ في مِثْل ذلك نسبتين: نسبة بين الشرط والجزاء، وهي التعليقية، وهي واقعةٌ الآن ولا تتوقّفُ على وجودهما في الخارج، ونسبةٌ إسناديةٌ في كلِّ من الطرفين، وهي غيرُ واقعةٍ في الحال بل مستقبلة، والمقصود الأُولى، وفي زمان تلك النسبة كانوا يتامى حقيقة، ألا تراهم قالوا في نحو: عصرتُ هذا الخلَّ في السَّنة الماضية، أنه حقيقة؟ مع أنه في حال العَصْر عصيرٌ لا خَلٌّ؛ لأنَّ المقصودَ النسبةُ التي هي تبعيةٌ فيما بين اسم الإشارة وتابعه، لا النسبة الإيقاعية بينه وبين العصر كما حققه بعض الفضلاء، وقد مرَّت الإشارة إليه في أوائل ((البقرة))، فتأمَّلْه فإنه دقيق. (١) التلويح إلى كشف حقائق التنقيح للتفتازاني ١/ ١٧٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٩٨/٣، وما سيأتي بين حاصرتين منهما. (٢) كما في حاشية الشهاب ٩٨/٣، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٣) قوله: به، من الأصل وليس في (م)، وفي حاشية الشهاب: حين تعلق الحكم به. (٤) للشريف علي بن محمد الجرجاني حاشية على التلويح كما في كشف الظنون ١/ ٤٩٧، والكلام من حاشية الشهاب ٩٨/٣. مُورَةُ الشَّة ٢٧٢ الآية : ٢ وقيل: المراد من الإيتاء ما هو أعمُّ، من الإيتاء حالاً أو مآلاً، ومن اليتامى ما يعمُّ الصغار والكبار بطريق التغليب، والخطاب عامٌّ لأولياء الفريقين، على أنَّ مَنْ بَلَغَ منهم فَوَلِيُّهُ مأمورٌ بالدَّفْع إليه بالفعل، وأنَّ مَنْ لم يبلغ فَوَليُّه مأمورٌ بالدفع إليه عند بلوغه رشيداً . ورجّح غيرُ واحدٍ الوجهَ الأول لقوله تعالى بعد آيات: ﴿وَبْلُواْ الْيَ﴾ [النساء: ٦] إلخ؛ فإنه كالدليل على أنَّ الآيةَ الأولى في الحضِّ على حفظها لهم ليؤتَوْها عند بلوغهم ورشدهم، والثانية في الحضِّ على الإيتاء الحقيقيِّ عند حصول البلوغ والرشد، ويُلوِّحُ بذلك التعبيرُ بالإيتاء هنا، وبالدفع هناك. وأيضاً تعقيبُ هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدِّلُواْ الْخِيِثَ بِأَّيِّبٍ وَلَ تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَّ أَمْوَلِكُمْ﴾ يقوِّي ذلك، فهذا كلَّه تأديبٌ للوصيِّ ما دام المال بيده، واليتيمُ في حِجْرِه. وأما على سائر الوجوه فيكون مؤذَّى هذه الآية وما سيأتي بَعْدُ كالشيء الواحد، من حيثُ إنَّ فيهما الأمرَ بالإيتاء حقيقة، ومَن قال بذلك جَعَل الأُولى كالمُجْمَلة، والثانية كالمبيِّنة لشرط الإيتاء من البلوغ وإيناس الرشد. ويَرِدُ على آخر الوجوه أيضاً أنَّ فيه تكلُّفاً لا يخفى. ولا يُرِدُ على الوجه الراجح أنَّ ابن أبي حاتمِ أخرج(١) عن سعيد بن جبير أنَّ رجلاً من غَطَفَان كان معه مالٌ كثيرٌ لابنِ أَخٍ له يتيم، فلما بلغ طَلَبَ المالَ فمنعه عمُّه، فخاصمه إلى النبيِّ ◌َِّ، فنزلت: ﴿وَءَاتُواْ أَلْيَ﴾ إلخ. فإن ذلك يدلُّ على أنَّ المراد بالإيتاء الإعطاءُ بالفعل، لا سيَّما وقد روى الثعلبيُّ والواحديُّ عن مقاتلٍ والكلبيِّ أنَّ العمَّ لمَّا سَمعَها قال: أَطَعنا الله تعالى ورسوله وَّةِ، نعوذُ بالله عزَّ وجلَّ من الحُوب الكبير(٢) = لِمَا أنهم قالوا: العبرةُ لعموم اللَّفظ لا لخصوص السبب، ولعلَّ العمَّ لم يفهم الأمرَ بالإعطاء حقيقةً بطريق العبارة بل بشيءٍ آخر، فقال ما قال. هذا وتَبدُّل الشيء بالشيء واستبدالُه به: أَخْذُ الأول بَدَلَ الثاني بعد أن كان (١) في تفسيره ٨٥٤/٣. (٢) تفسير الثعلبي ٣/ ٢٤٢، وأسباب النزول للواحدي ص ١٣٦. الآية : ٢ ٢٧٣ سُورَةُ السَحَاءِ حاصلاً له، أو في شرف الحصول، يستعملان أبداً بإفضائهما إلى الحاصل بأنفسهما، وإلى الزائل بالباء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ﴾ إلخ [البقرة: ١٠٨] وقوله سبحانه: ﴿أَشَّتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْفَ بِلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]. وأما التبديل فيُستعمل تارةً كذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَّلْنَهُم ◌ِنَتَتِهِمْ جَّتَيْنِ﴾ إلخ [سبأ: ١٦]، وأُخرى بالعكس، كما في قولك: بدَّلتُ الحلقةَ بالخاتم، إذا أَذبتَها وجعلتها خاتماً، وبدَّلتُ الخاتم بالحَلْقة: إذا أَذَبْتَه وجعلته حَلقة، واقتصر الدَّميري على الأول، ونقل الأزهريُّ عن ثعلب الثاني(١)، ويشهد له قول الظُّفيل لمَّا أسلم : وبدَّل طالعي نحسي بسعدي(٢) وتارة أخرى بإفضائه إلى مفعوليه بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَتُ﴾ [الفرقان: ٧٠] ﴿فَأَرَدِنَّ أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَيُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾ [الكهف: ٨١] بمعنى: يجعل الحسنات بدل السيئات، ويعطيهما بدل ما كان لهما خيراً منه. ومرَّة يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ مثل: بَدَّلَتُ الشيءَ، أي: غيَّرته، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] وذكر الطيبيُّ أنَّ معنى التبديل: التغيير، وهو عامٌّ في أَخْذِ شيءٍ وإعطاء شيء، وفي طلب ما ليس عنده، وترك ما عنده، وهذا معنى قول الجوهري (٣): تبديل الشيء تغييرُهُ، وإن لم يأت ببدل. ومعنى التبدُّل: الاستبدال، والاستبدالُ: طَلَبُ البَدَل، فكلُّ تبدُّلٍ تبديلٌ، وليس كلُّ تبديلٍ تبدُّلاً (٤). وفرَّق بعضُهم بين التبديل والإبدال، بأنَّ الأولَ تغييرُ الشيء مع بقاء عينه، والثاني رفعُ الشيء ووضْعُ غيره مكانه، فيقال: أَبدلتُ الخاتم بالحَلْقة، إذا نَّيتَ (١) تهذيب اللغة ١٣٢/١٤، وحاشية الشهاب ٩٩/٣، والكلام منه. (٢) وصدره: وألهمني هُدايا اللهُ عنه، ذكره الصالحي في سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٥٥٠/٢ في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي له، وذكر عجزه الشهاب في الحاشية ٩٩/٣. (٣) في الصحاح (بدل). (٤) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. سُورَةُ الشَّحَاةِ ٢٧٤ الآية : ٢ هذا وجعلتَ هذه مكانه، وقد أطالوا الكلام في هذا المقام، وفيما ذُكر كفاية لما نحن بصدده. والمراد بالخبيث والطيب: إما الحرام والحلال، والمعنى: لا تستبدلوا أموالَ اليتامى بأموالكم، أو: لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموالهم، فالمنهيُّ عنه: استبدالُ مالِ اليتيم بمال أنفسهم مطلقاً، أو أَكْلُ ماله مكان مالِهم المحقَّق أو المقدَّر، وإلى الأول ذهب الفراء والزجَّاج(١). وقيل: المعنى: لا تستبدلوا الأمرَ الخبيثَ - وهو اختزالُ مال اليتيم - بالأمر الطيب، وهو حِفْظُ ذلك المال. وأيًّا ما كان، فالتعبير عن ذلك بالخبيث والطيب للتنفير عما أخذوه، والترغيب فيما أُعطوه. وإما الرديءُ والجَيد، ومَورِدُ النهي حينئذٍ ما كان الأوصياء عليه من أَخْذِ الجيّد من مال اليتيم، وإعطاءِ الرديء من مال أنفسهم، فقد أخرج ابن جرير(٢) عن السُّدِّيِّ أنه قال: كان أحدُهم يأخذ الشاةَ السمينةَ من غَنَمِ اليتيم، ويجعل في مكانها الشاةَ المهزولة، ويقول: شاةٌ بشاة، ويأخذ الدرهمَ الجيِّد ويطرح (٣) مكانه الزائف، ويقول: درهمٌ بدرهم. وإلى هذا ذهب النخعيُّ والزهريُّ وابنُ المسيب. وتخصيصُ هذه المعاملة بالنهي؛ لخروجها مخرج العادة، لا لإباحة ما عداها، فلا مفهوم لانخرام شرطه عند(٤) القائل به. واعتُرض هذا بأنَّ المناسبَ حينئذٍ التبديل، أو تبدُّل الطيب بالخبيث على ما يقتضيه الكلام السابق. وأجيب بأنه إذا أَعطى الوصيُّ رديئاً وأخذ جيداً من مال اليتيم، يَصدُق عليه أنه (١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٥٣/١، وللزجاج ٧/٢، ونقل المصنف قولهما بواسطة أبي السعود ٢/ ١٤٠. (٢) في تفسيره ٦/ ٣٥٢-٣٥٣. (٣) في (م): ويضع. (٤) في (م): عنه، وهو تصحيف. الآية : ٢ ٢٧٥ سُورَةُ الشَكَاةِ تَبَدَّل الرديءَ بالجيد لليتيم، وبدَّل لنفسه، وظاهر الآية أنه أُريد التبدُّل لليتيم؛ لأنَّ الأوصياءَ هم المتصرِّفون في أموال اليتامى، فَنُهوا عن بيعٍ بوكسٍ(١) من أنفسهم ومن غيرهم وما ضاهاه، ولا يضرُّ تبدُّلٌ لنفسه أيضاً باعتبارٍ آخر؛ لأنَّ المتبادر إلى الفَهْم النَهيُ عن تصرُّف لأجل اليتيم ضارٌ، سواء عامَلَ الوصيُّ نفسَه أو غيرَه، ومَن غَفَلَ عن اختلاف الاعتبار كالزمخشري، أَوَّل بما لا إشعار للَّفظ به(٢). وعلى العلَّات: المراد من الآية النهيُ عن أخذ مال اليتيم على الوجه المخصوص بعد النهي الضِّمني عن أخذه على الإطلاق. والمراد من الأكل في النهي الأخير مطلقُ الانتفاع والتصرُّف، وعبَّر بذلك عنه لأنه أَغلبُ أحواله، والمعنى: لا تأكلوا أموالهم مضمومةً إلى أموالكم، أي: تنفقوهما معاً، ولا تُسَؤُّوا بينهما وهذا حلالٌ وذاك حرام، فـ ((إلى)) متعلِّقةٌ بمقدَّرٍ يتعدَّى بها، وقد وقع حالاً، وقدَّره أبو البقاء: مضافةً(٣). ويجوز تعلُّقها بالأكل على تضمينه معنى الضَّم. واختار بعضُهم كونَها بمعنى ((مع)) كما في: الذَّود إلى الذَّود إبل(٤). والمراد بالمعيَّة مجرَّدُ التسوية بين المالَين في الانتفاع أعمّ من أن يكون على الانفراد أو مع أموالهم، ويُفهم من ((الكشاف)»(٥) أنَّ المعية تدلُّ على غاية قُبْح فعلهم حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها، وفي ذلك تشهيرٌ لهم بما كانوا يصنعون، فلا يلزم القائلَ بمفهوم المخالفة جوازُ أكل أموالهم وحدها، ويندفع السؤال بذلك. وأنت تعلم أنَّ السؤال لا يَرِدُ ليُحتاج إلى الجواب إذا فُسِّر تبدُّلُ الخبيث بالطيب (١) الوكس: هو النقصان. القاموس المحيط (وكس). (٢) أوَّل الزمخشري في تفسيره ١/ ٤٩٥ التبدُّل على هذا القول بأن يكارم الوصي صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي. (٣) الإملاء ١٨٢/٢. (٤) الذَّود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، والكثير أذواد، ومعنى المثل: إذا جمعت القليل إلى القليل صار كثيراً، فـ ((إلى)) بمعنى ((مع)). مختار الصحاح (ذود). (٥) ١/ ٤٩٥. سُورَةُ النَّسَاءِ ٢٧٦ الآية : ٢ باستبدال أموال اليتامى بماله وأكلها مكانه؛ لأنه حينئذٍ يكون ذلك نهياً عن أكلها وحدها، وهذا عن ضمِّها، وليس الأول مطلقاً حتى يَرِدَ سؤالٌ بأنه: أيُّ فائدةٍ في هذا بعد ورود النهي المطلق؟ وفي ((الكشف)): لو حُمل الانتهاءُ في ((إلى)) على أصله - على أنَّ النهيَ عن أكلها مع بقاء ما لهم؛ لأنَّ أموالهم جُعلت غاية - لحصلت المبالغة والتخلّص عن الاعتذار. وظاهرُ هذا النهي عدمُ جوازٍ أكلِ شيءٍ من أموال اليتامى، وقد خُصَّ من ذلك مقدارُ أجرِ المِثْل عند كَوْن الوليّ فقيراً، وكَوْنُ ذلك من مال اليتيم مما لا يكاد يخفى، فالقول بأنه لا حاجةً إلى التخصيص لأنَّ ما يأخذُه الأولياء من الأجرة فهو مالهُم، وليس أَكْلُه أكلَ مالِهم مع مالِهم، لا يخلو عن خفاء. ﴿إِنُّ﴾ أي: الأَكلُ المفهومَ من النهي، وقيل: الضمير للتبدُّل، وقيل: لهما، وهو مُنَزَّلٌ منزلةَ اسم الإشارة في ذلك. ﴿كَانَ حُوبًا﴾ أي: إثماً، أو ظُلْماً، وكلاهما عن ابن عباس، وهما متقاربان، وأخرج الطبرانيُّ أنَّ نافع(١) بنَ الأزرق سأله ◌َبه عن الحُوب، فقال: هو الإثم بلغة الحبشة. فقال: فهل تعرف العربُ ذلك؟ فقال: نعم، أما سمعتَ قولَ الأعشى : ليعلم مَنْ أَمسى أَعَقَّ وأَحْوَيا (٢) فإِنِّي وما كلَّفتموني مِنَ امركم وخصّه بعضُهم بالذَّنْب العظيم. وقرأ الحسن: ((حَوْباً)) بفتح الحاء(٣)، وهو مصدرُ حَابَ يَحوب حَوْباً. وقُرئ: ((حاباً)) (٤)، وهو أيضاً مصدرٌ كالقول والقال. (١) في الأصل و(م): رافع، والمثبت هو الصواب. (٢) الدر المنثور ١١٨/٢، ولم نقف على هذه القطعة من الحديث في رواية الطبراني له في المعجم الكبير (١٠٥٩٧)، ووردت في رواية أبي بكر الأنباري في إيضاح الموقف والابتداء ٧٩/١، والبيت في ديوان الأعشى ص ٩ برواية: وأحربا، بدل: وأحوبا. (٣) القراءات الشاذة ص ٢٤، والمحرر الوجيز ٦/٢. (٤) الكشاف ٤٩٦/١، والبحر المحيط ١٦١/٣ دون نسبة، ونسبها القرطبي في تفسيره ٦/ ٢٢ لأبي بن کعب. الآية : ٣ ٢٧٧ سُورَةُ النَّسَاءِ وهو على القراءة المشهورة اسمٌ لا مصدر، خلافاً لبعضهم، وتنوينه للتعظیم، أي: حوباً عظيماً، ووصف بقوله تعالى: ﴿كَبِيًّا ﴾﴾ للمبالغة في تهويل أمر المنهيِّ عنه، كأنه قيل: إنه من كبار الذنوب العظيمة، لا من أفنائها. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْيَى فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ شروعٌ في النهي عن مُنكَر آخرَ كانوا يباشرونه، متعلِّقٌ بأنفُس اليتامى أصالةً، وبأموالهم تَبَعاً، عقيبَ النهي عما يتعلَّق بأموالهم خاصَّة، وتأخيرُهُ عنه لِقِلَّة وقوع المنهيّ عنه بالنسبة إلى الأموال، ونزولهِ منه منزلةَ المركّب من المفرد، مع كون المراد من اليتامى هنا صِنْفاً مما أُريد منه فيما تقدَّم. وذلك أنهم كانوا يتزوَّجون مَن تَحِلُّ لهم من يتامى النساء اللاتي يَلُونَهنَّ(١)، لكنْ لا رغبةً فيهنَّ، بل في مالهنَّ، ويُسيؤون صحبتهنَّ، ويتربَّصون بهنَّ أن يَمُتْنَ فيرثوهنَّ، فَوُعظوا في ذلك، وهذا قول الحسن. ورواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عائشة ﴾(٢). وأخرج هؤلاء من طريق آخر، والبخاريُّ ومسلمٌ والنسائيُّ والبيهقيُّ في ((سننه)) عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشةَ رِّها عن هذه الآية، فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمةُ تكونُ في حِجْر وَلِيِّها، يَشركها في مالها، ويُعجبه مالُها وجمالُها، فيريد أن يتزوَّجها من غير أن يُقْسِطَ في صَدَاقها فيعطيَها مثلَ ما يُعطيها غيره، فنُهوا أن ينكحوهنَّ إلَّا أن يُقسطوا لهنَّ، ويبْلُغوا بهنَّ أعلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنَّ(٣). فالمراد من اليتامى: المتزوَّج بهنَّ، والقرينةُ على ذلك الجوابُ، فإنه صريحٌ فيه، والرَّبطُ يقتضيه، ومن النساء: غيرُ اليتامى كما صرَّحت به الحُميراء ێا، "لدلالة المعنى وإشارة لفظ النساء إليه. والإقساط: العدلُ والإنصاف، وجَعَلَ بعضُ الهمزةَ فيه للإزالة، فأَصل معناه حينئذ: إزالةُ القُسوط، أي: الظّلم والحَيْف. (١) في الأصل و(م): يلونهم، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٤١/٢، والكلام منه. (٢) تفسير الطبري ٣٥٨/٦-٣٥٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٨٥٧. (٣) صحيح البخاري (٢٤٩٤)، وصحيح مسلم (٣٠١٨)، وسنن النسائي ١١٥/٦، وسنن البيهقي الكبرى ٧/ ١٤١، وتفسير الطبري ٣٥٩/٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٨٥٧/٣. سُورَةُ السَكَاةِ ٢٧٨ الآية : ٣ وقرأ النخعيُّ: ((تَقسِطوا)) بفتح التاء (١)، فقيل: هو من قَسَطَ بمعنى: جارَ وظَلَم، ومنه: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] و((لا)) مزيدة كما في قوله تعالى: ﴿لَّثَلَا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]. وقيل: هو بمعنى أَقْسَط، فإنَّ الزَّجَّاج حكى أنَّ ((قَسَطَ)) بلا همزٍ تستعمل استعمالَ أَقْسَطَ. واليتامى: جمعُ يتيمة، على القَلْب، كما قيل: أيامى، والأصل أَيائم ويتائم، وهو كما يقال للذكور يقال للإناث. والمراد من الخوفِ العلمُ - عبَّر عنه بذلك إيذاناً بكون المعلوم مخوفاً محذوراً - لا معناه الحقيقيُّ؛ لأنَّ الذي عُلِّق به الجوابُ هو العلم بوقوع الجَوْر المخوف، لا الخوف منه، وإلا لم يكن الأمرُ شاملاً لمن يصبر (٢) على الجَوْر ولا یخافه. و((أن)) وما بعدها في تأويل مصدر، فإن لم تقدَّر ((مِن)) كان منصوباً، وكان الفعل واصلاً إليه بنفسه، وإن قدِّرتْ جاز فيه أمران: النصبُ عند سيبويه، والجُّ عند الخليل. و((ما)) موصولةٌ أو موصوفةٌ، وما بعدها صِلتُها أو صِفَتُها، وأُوثِرتْ على ((مَن)) ذهاباً إلى الوصف من البكر أو الثيب مثلاً، و(ما)) تختصُّ أو تغلب في غير العقلاء فيما إذا أُريد الذات، وأما إذا أُريد الوَصْف، فلا، كما تقول: ما زيدٌ؟ في الاستفهام، أي: أَفاضلٌ أم كريمٌ؟ وأَكرِمْ ما شئتَ من الرجال، تعني: الكريمَ أو اللئيم. وحكي عن الفرَّاء(٣) أنها هنا مصدرية، وأنَّ المصدر المقدَّر بها وبالفعل مُقدَّرٌ باسم الفاعل، أي: انكحوا الطَّيِّبَ من النساء. وهو تكلُّفٌ مستغنّى عنه. وقيل: إنَّ إيثارَها على ((مَنْ)) بناءً على أنَّ الإناثَ من العقلاء يجرينَ مجرى غير (١) القراءات الشاذة ص ٢٤، والمحتسب ١/ ١٨٠، وهي قراءة ابن وثاب أيضاً. (٢) في تفسير أبي السعود (والكلام منه) ٢/ ١٤١ : يُصِرُّ. (٣) في معاني القرآن ٢٥٣/١-٢٥٤. الآية : ٣ ٢٧٩ سُورَةُ الشَكَاءِ العقلاء، لما روي في حَقِّهنَّ أنهنَّ ناقصاتُ عقلٍ ودين(١)، وفيه أنه مُخِلٌّ بمقام الترغيب فیھنَّ. و(مِن)) بيانية، وقيل: تبعيضية، والمراد من ((ما طاب لكم)): ما مالتْ له نفوسكم واستطابَتْه، وقيل: ما حَلَّ لكم، وروي ذلك عن عائشة، وبه قال الحسن وابن جبير وأبو مالك، واعترضه الإمام(٢) بأنه في قوَّة: أُبيحُ المباح، وأيضاً: يلزم الإجمالُ حيث لا يُعلَم المباح من الآية، وآثرَ الحملَ على الأول، ويلزمُ التخصيصُ، وجَعْلُه أَولى من الإجمال. وأجاب المدقق في ((الكشف)) بأنَّ المُبيَّنَ تحريمُه في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ﴾ إلخ [النساء: ٢٣]، إنْ كان مقدَّم النزول فلا إجمال ولا تخصيص؛ لأنَّ الموصولَ جارٍ مجرى المعرَّف باللام، والحملُ على العهد في مثله هو الوجه، وإلا فالإجمالُ المؤخّر بيانه أولى من التخصيص بغير المقارن؛ لأنَّ تأخيرَ بیان المجمَل جائزٌ عند الفريقين، وتأخيرَ بيان التخصيص غيرُ جائزٍ عند أكثر الحنفية. وقال بعض المحققين: ((ما طاب لكم)): ما لا تحرُّجَ منه؛ لأنه في مقابل المتحرَّج منه من اليتامى، ولا يخلو عن حُسْن. وكيفما كان فالتعبير عن الأجنبيات بهذا العنوان فيه من المبالغة في الاستمالة إليهنَّ والترغيبٍ فيهنَّ ما لا يخفى، والسِّرُّ في ذلك: الاعتناءُ بصَرْف المخاطَبين عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل، رعايةً ليُتْمِهِنَّ وجَبْراً لانكسارهنَّ، ولهذا الاعتناء أُوثر الأمرُ بنكاح الأجنبيات على النهي عن نكاحهنَّ، مع أنه المقصودُ بالذات، وذلك لما فيه من مزيد اللُّطف في استنزالهم(٣)، فإنَّ النفس مجبولةٌ على الحرص على ما مُنعت منه. (١) أخرج أحمد (٥٣٤٣)، ومسلم (٧٩) من حديث ابن عمر تها والبخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَّ ه قال: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أَغلبَ لذي ◌ُبّ منکنَّ». (٢) هو الرازي، والكلام في تفسيره ١٧٣/٩، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ١٠٠/٣. (٣) في تفسير أبي السعود ١٤١/٢ (والكلام منه): في استنزالهم عن ذلك. سُورَةُ النِّسَاةِ ٢٨٠ الآية : ٣ ووجَّه النهيَ الضِّمنيَّ إلى النكاح المترقّب مع أنَّ سبب النزول هو النكاح المحقّق، على ما فهمه البعض من الأخبار، ودلّ عليه ما أخرجه البخاريُّ(١) عن عائشةً: أنَّ رجلاً كانت له يتيمةٌ، فنكحها، وكان لها عَذْق(٢) فكان يُمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيءٌ، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ إلخ = لما فيه من المسارعة إلى دَفْع الشَّرِّ قبلَ وقوعه، فَرُبَّ واقعٍ لا يُرفع، والمبالغةِ في بيان حال النكاح المحقّق، فإنَّ محظوريةَ المترقَّب حيِّثُ كان(٣) للجَوْر المترقّب فيه، فمحظورية المحقَّق مع تحقُّق الجَوْر فيه أولى. وقرأ ابن أبي عبلة: ((مَن طاب))(٤). وفي بعض المصاحف كما في ((الدر المنثور)): ((ما طِيْبَ لكم)) بالياء(٥) . وفي الآية على هذا التفسير دليلٌ لجواز نكاح اليتيمة، وهي الصغيرة؛ إذ تقتضي(٦) جوازه إلا عند خوف الجَوْر، وقد بُسط الكلامُ في كتب الفقه على وليٍّ النكاح، ومذهبُ الإمام مالك أنَّ اليتيمةَ الصغيرةَ لا تُزوَّج إذ لا إذنَ لها، وعنده خلافٌ في تزويج الوصيِّ لها إذا جَعَل له الأبُ الإجبارَ أو فُهِمَ عنه ذلك، والمشهور أنَّ له ذلك، فيُحمل ((اليتامى)) في الآية على الحديثات العهد بالبلوغ، واسم اليتيم كما أشرنا إليه فيما مرَّ. ﴿مَثْفَ وَثُلَكَ وَرُبَعٌ﴾ منصوبةٌ على الحال من فاعل ((طاب)) المستتر، أو من مرجعه، وجوَّز العلّامة كونها حالاً من النساء على تقدير جَعْل ((من)) بيانية، وذهب أبو البقاء إلى كونها بدلاً من ((ما))(٧). وإلى الحالية ذهب البصريون، وهو المذهب المختار، والكوفيون لم يجوِّزوا ذلك لأنها مَعارِفُ عندهم، وأَوجبوا في هذا المقام (١) في صحيحه (٤٥٧٣). (٢) العَذْق: النخلة. فتح الباري ٢٣٩/٨. (٣) في تفسير أبي السعود (والكلام منه) ٢/ ١٤٢: حيث كانت، والكلام منه. (٤) المحرر الوجيز ٧/٢، والبحر المحيط ١٦٢/٣. (٥) الدر المنثور ١١٩/٢، وهو مصحف أبيٍّ بن كعب كما ذكر أبو حيان في البحر المحيط ١٦٢/٣، والقرطبي في تفسيره ٢٩/٦. (٦) في (م): يقتضي. (٧) الإملاء ١٨٦/٢.