Indexed OCR Text

Pages 241-260

الآية : ١٩٩
٢٤١
سُورَةُ الَّعَنْرَانَ
المناسبة أقوى، وإذا اعتُبر تفسيرُ الموصول في قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ باليهود،
زادتْ قوةً بَعْدُ.
ولامُ الابتداء داخلةٌ على اسم ((إنَّ)، وجاز ذلك لِتقدُّم الخبر.
﴿وَمَّا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ من القرآن العظيم الشأن ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم﴾ من الإنجيل
والتوراة، أو منهما، وتأخيرُ إيمانهم بذلك عن إيمانهم بالقرآن في الذِّكر، مع أنَّ
الأمر بالعكس في الوجود، لما أنَّ القرآن عيارٌ(١) ومهيمنٌّ عليهما(٢)، فإنَّ إيمانَهم
بذلك إنما يُعتبر بتبعية إيمانهم بالقرآن، إذ لا عبرةً بما في الكتابين من الأحكام
المنسوخة، وما لم ينسخ إنما يعتبر من حيث ثبوتُه بالقرآن، ولِتَعلَّق ما بعدُ بذلك.
وقيل: قَدَّمَ الإيمان بما أُنزل على المؤمنين تعجيلاً لإدخال المسرَّة عليهم،
والمراد من الإيمان بالثاني الإيمانُ به من غير تحريف ولا كَتْم، كما هو شأنٌ
المحرِّفين والكاتمين وأتباعٍ كلٌّ من العامة.
﴿خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ أي: خاضعين له سبحانه، وقال ابن زيد: خائفين متذلِّلين.
وقال الحسن: الخشوع: الخوفُ اللازمُ للقلب من الله تعالى.
وهو حالٌ من فاعل ((يؤمن))، وجُمع حَمْلاً على المعنى بعد ما حُمل على اللفظ
أولاً. وقيل: حالٌ من ضمير ((إليهم)) وهو أقربُ لفظاً فقط. وجيء بالحال تعريضاً
بالمنافقين الذي يؤمنون خوفاً من القتل.
و (الله)) متعلّقٌ بـ ((خاشعين)). وقيل: هو متعلِّقٌ بالفعل المنفيِّ بعده، وهو في نية
التأخير، كأنه قال سبحانه: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِئَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ لأجل الله تعالى.
والأول أولى.
وفي هذا النفي تصريحٌ بمخالفتهم للمحرِّفين، والجملةُ في موضع الحال أيضاً،
والمعنى: لا يأخذون عِوَضاً يسيراً على تحريف الكتاب وكتمان الحق، من الرِّشا
والمآكل، كما فعله غيره(٣) ممَّن وصفه سبحانه فيما تقدَّم.
(١) العيار: هو الصحيح التام الوافي. لسان العرب (عير).
(٢) في (م): عليه. والمثبت من تفسير أبي السعود ١٣٦/٢ والكلام منه.
(٣) كذا في (م)، والصواب: غيرهم.

سُورَةُ الَعَنْرَان
٢٤٢
الآية : ١٩٩
ووَصْفُ الثمن بالقليل؛ إما لأنَّ كلَّ ما يؤخذ على التحريف كذلك ولو كان مِلءَ
الخافقين، وإما لمجرَّد التعريض بالآخذين.
ومَدْحُهم بما ذُكر ليس من حيث عدمُ الأخذ فقط، بل لِتَضَمُّنِ ذلك إظهارَ ما في
الآيات من الهدى وشواهد نبوّته وقلت.
﴿أُوْلَكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذُكر من الصفات الحميدة. واختيارُ صيغة
البُعْدِ للإيذان بعلوِ مرتبتهم وبُعْدِ منزلتهم في الشَّرف والفضيلة.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابُ أعمالهم، وأَجْرُ طاعتهم، والإضافةُ
للعهد، أي: الأَجرُ المختصُّ بهم، الموعودُ لهم بقوله سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم
مَّرَّيْنٍ﴾ [القصص: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،﴾ [الحديد: ٢٨].
وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ما لا يخفى من اللُّطف.
وفي الكلام أوجهٌ من الإعراب، فقد قالوا: إنَّ (أُولئك)) مبتدأٌ، والّرف خبرُهُ،
و((أَجرُهم)) مرتفعٌ بالظّرف. أو: الظّرف خبرٌ مقدَّم، و((أَجرهم)) مبتدأٌ مؤخّر،
والجملةُ خبرُ المبتدأ. و((عند ربهم)) نصب على الحالية من ((أجرهم)). وقيل: متعلّقٌ
به بناءً على أنَّ التقدير: لهم أن يُؤْجَروا عند ربهم.
وجُوِّز أن يكون ((أجرهم)) مبتدأ، و((عند ربهم)) خبره، و((لهم)) متعلّقٌ بما دلَّ
عليه الكلام من الاستقرار والثبوت؛ لأنه في حكم الّرف.
والأَوْجَهُ من هذه الأَوْجُهِ هو الشائعُ على أَلْسِنِ المُعْرِبين.
إما كنايةٌ عن كمال علمه بمقادير الأُجور
١٩٩
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
ومراتب الاستحقاق، وأنه يُوفِّيها كلَّ عاملٍ على ما ينبغي وَقَدْرَ ما ينبغي، وحينئذٍ
تكون الجملةُ استئنافاً وارداً على سبيل التعليل لقوله تعالى: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ﴾، أو تذييلاً لبيان عِلَّةِ الحكم المفاد بما ذُكر.
وإما كنايةٌ عن قُرْبِ الأَجْر الموعود، فإنَّ سرعةَ الحساب تستدعي سرعةً
الجزاء، وحينئذٍ تكون الجملةُ تكميلاً لما قبلها؛ فإنه في معنى الوعد، كأنه قيل:
لهم أَجْرٌ عِند ربِّهم عن قريب. وفُصِلَتْ لأنَّ الحُكْمَ بقُرْب الأَجر مما يؤكّد ثبوته.

الآية : ٢٠٠
٢٤٣
سُورَةُ العمران
ثم لمَّا بيَّن سبحانه في تضاعيف هذه السورة الكريمة ما بيَّن من الحِكم
والأحكام، وشَرَح أحوالَ المؤمنين والكافرين، وما قاساه المؤمنون الكرامُ من
أُولئك اللئام من الآلام، خَتَمَ السورةَ بِما يَضُوع منه مِسْكُ التمسُّك بما مضى(١)،
ويضيع بامتثال ما فيه مكايدُ الأعداء ولو ضاق لها الفضا، فقال عزَّ من قائل:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ﴾ أي: احبسوا نفوسَكم عن الجَزَع مما ينالها،
والظاهر أنَّ المرادَ الأمرُ بما يعمُّ أقسام الصبر الثلاثة، المتفاوتة في الدرجة،
الواردة في الخبر، وهو الصَّبر على المصيبة، والصَّبر على الطاعة، والصَّبر على
المعصية .
﴿وَصَابِرُواْ﴾ أي: اصبروا على شدائد الحرب مع أعداء الله تعالى صَبْراً أكثرَ من
صَبْرهم، وذَكَره بعد الأمر بالصبر العامّ لأنه أَشدُّ، فيكون أفضل، فالعطف كعطف
جبريل على الملائكة(٢)، والصلاة الوسطى على الصلوات، وهذا وإن آل إلى الأمر
بالجهاد إلا أنه أبلغُ منه.
﴿وَرَابِطُوا﴾ أي: أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها، حابسين لها مترصِّدين
للغزو، مستعدِّين له، بالغين في ذلك المبلغَ الأَوْفَى أكثرَ من أعدائكم.
والمرابطةُ أيضاً نوعٌ من الصبر، فالعطفُ هنا كالعَظْف السابق.
وقد أخرج الشيخان عن سهل بن سعد أنَّ رسول الله وَّر قال: ((رباط يوم في
سبيل الله، خيرٌ من الدنيا وما عليها))(٣).
وأخرج ابن ماجه بسندٍ صحيح عن أبي هريرة ◌ُه عن رسول الله وَل﴾ قال:
(مَن ماتٍ مرابطاً في سبيل الله تعالى، أُجريَ عليه أَجْرُ عمله الصالح الذي كان
يعمل، وأُجْريَ عليه رزقُه، وأَمِنَ من الفتَّان، وبَعثُهُ الله تعالى آمناً من الفزع)»(٤).
(١) إلى هذا الموضع ساقط من الأصل.
(٢) يعني قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨].
(٣) صحيح البخاري (٢٨٩٢)، وصحيح مسلم (١٨٨١)، وهو عند أحمد (٢٢٨٧٢)، ولفظ
مسلم: ((غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)).
(٤) سنن ابن ماجه (٢٧٦٧)، وأخرجه أحمد (٩٢٤٤) بنحوه، وله شاهد من حديث
سلمان و عند أحمد (٢٣٧٢٨)، ومسلم (١٩١٣). قوله: الفتَّان، قال السندي في شرح

سُورَةُ الَّعَنْرَانَ
٢٤٤
الآية : ٢٠٠
وأخرج الطبراني بسندٍ لا بأس به عن جابر قال: سمعت رسول الله وَّ ه يقول:
(مَن رابَطَ يوماً في سبيل الله تعالى جعل الله تعالى بينه وبين النار سَبْعَ خنادق، كلُّ
خندقٍ كسبع سماوات وسبع أرضين))(١).
وأخرج أبو الشيخ عن أنس مرفوعاً: ((الصلاة بأرض الرباط بألفي ألف(٢)
صلاة)» .
وروي عن ابن عمر ﴿ها: أنَّ الرباط أفضلُ من الجهاد؛ لأنه حَقْنُ دماء
المسلمين، والجهادُ سَفْك دماء المشركين.
﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره على الإطلاق، فيندرج فيه جميعُ ما مرَّ اندراجاً
أوَّليًّا .
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي: لكي تَظفروا وتفوزوا بنيل المُنْيَة، ودَرْك البُغْية،
والوصولِ إلى النُّجْح في الطّلْبة، وذلك حقيقة الفلاح.
وهذه الآية على ما سمعتَ مشتملةٌ على ما يُرشد المؤمن إلى ما فيه مصلحةٌ
الدِّين والدنيا، ويَرْقَى به إلى الذِّروة العليا.
وقرَّر ذلك بعضهم بأنَّ أحوالَ الإنسان قسمان: الأول: ما يتعلَّقُ به وَحدَهُ،
والثاني: ما يتعلَّقُ به من حيثُ المشاركةُ مع أهل المنزل والمدينة.
وقد أَمَرَ سبحانه - نظراً إلى الأول - بالصَّبر، ويندرجُ فيه الصبرُ على مشقّة النظر
والاستدلال في معرفة التوحيد والنبوة والمعاد، والصبرُ على أداء الواجبات
والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبرُ على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها.
= سنن ابن ماجه ١٧٥/٢: بضم فتشديد جمع فاتن، وقيل: بفتح فتشديد للمبالغة، وفسِّر
على الأول بمنكر ونكير، والمراد أنهما لا يجيئان إليه للسؤال، وعلى الثاني بالشيطان
ونحوه ممن يوقع الإنسان في فتنة القبر، أي: عذابه، أو بملك العذاب.
(١) المعجم الأوسط (٤٨٢٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٩/٥: فيه عيسى بن سليمان
أبو طيبة، وهو ضعيف.
(٢) في الأصل و(م): بألف ألفي. والمثبت من الدر المنثور ١١٥/٢ نقلاً عن كتاب الثواب
لأبي الشيخ.

الآية : ٢٠٠
٢٤٥
سُورَةُ الَ ◌ّعْمَانَ
وأَمَرَ - نظراً إلى الثاني - بالمصابرة، ويدخل فيها تحمُّل الأخلاق الرديَّة من
الأقارب والأجانب، وتَرْكُ الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر،
والجهادُ مع أعداء الدِّين باللسان والسِّنان.
ثم إنه لمَّا كان تكليفُ الإنسان بما ذُكر لابدَّ له من إصلاح القوى النفسانية
الباعثةِ على أضداد ذلك، أَمَرَهُ سبحانه بالمرابطةِ، أَعمّ من أن تكون مرابطةَ ثغرٍ أو
نفس. ثم لمَّا كانت ملاحظةُ الحقِّ جلَّ وعلا لابدَّ منها في جميع الأعمال
والأقوال، حتى يكون معتدًّا بها، أَمَرَ سبحانه بالتقوى. ثم لمَّا تمَّت وظائفُ
العبودية، ختمَ الكلامَ بوظيفة الربوبية، وهو رجاءُ الفلاح منه. انتهى.
ولا يخفى أنه على ما فيه تمخُّلٌ ظاهرٌ، وتعسُّفٌ لا ينكره إلا مُكابِرٌ، وأولى منه
أن يقال: إنه تعالى أَمَرَ بالصَّبر العام أولاً؛ لأنه - كما في الخبر - بمنزلة الرأس من
الجسد(١)، وهو مفتاح الفرج(٢).
وقال بعضهم: لكلِّ شيءٍ جوهر، وجوهرُ الإنسان العقل، وجوهرُ العقل
الصبر.
وادَّعى غيرُ واحدٍ أنَّ جميع المراتب العَلَيَّةِ والمراقِي السَّنية، الدينية والدنيوية،
لا تُنال إلا بالصبر، ومن هنا قال الشاعر:
لأَستسهلنَّ الصَّعبَ أو أُدركَ المنى فما انقادتِ الآمالُ إلا لصابرٍ(٣)
ثم إنه تعالى أَمَرَ ثانياً بنوعٍ خاصٍّ من الصبر، وهي المجاهدةُ التي يحصل بها
النفع العام والعزُّ التام، وقد جاء عن رسول الله وَّه: ((إذا تركتُم الجهاد، سلَّط الله
تعالى عليكم ذُلَّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) (2).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٧/١١، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٧١٨) من قول علي
ولفظه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان.
(٢) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ٢٧/٢ وقال: رواه الديلمي عن الحسن بن علي مرفوعاً.
وينظر الفردوس بمأثور الخطاب ٤١٥/٢ .
(٣) البيت في زهر الأكم في الأمثال والحكم ٨٢/٣ دون نسبة.
(٤) أخرجه أحمد (٤٨٢٥)، وأبو داود (٣٤٦٢) من حديث ابن عمر ـ

سُورَةُ الِ غَيْرَانَ
٢٤٦
الآية : ٢٠٠
ثم ترقّى إلى نوع آخرَ من ذلك هو أعلى وأغلى، وهو المرابطةُ التي هي الإقامةُ
في ثَغْرِ لدفع سوءٍ مترقّب ممَّن وراءه.
ثم أمر سبحانه آخِرَ الأمر بالتقوى العامَّة؛ إذ لولاها لأَوْشَكَ أن يُخالط تلك
الأشياء شيءٌ من الرياء والعُجْب ورؤيةٍ غير الله سبحانه فيفسدها .
وبهذا تمَّ المعجون الذي يُبرئ العِلَّة، ورُوِّق الشراب الذي يروي الغُلَّة. ومن
هنا عقّب ذلك بقوله عزَّ شأنه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وهذا مبنيٌّ على ما هو المشهور
في تفسير الآية.
وقد روي في بعض الآثار غيرُ ذلك، فقد أخرج ابن مردويه(١) عن سلمةَ بنِ
عبد الرحمن قال: أقبل عليَّ أبو هريرة يوماً فقال: أتدري يا ابن أخي فيم أُنزلت
هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُوا﴾ إلخ؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في
زمان النبيِّ وَّ غزوٌ يُرابطون فيه، ولكنَّها نزلت في قوم يَعمُرون المساجدَ، يُصلُّون
الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله تعالى فيها، ففيهم أنزلت. أي: اصبروا على
الصلوات الخمس، وصابروا أنفسَكم وهواكم، ورابطوا في مساجدكم، واتقوا الله
فيما علَّمكم لعلَّكم تفلحون.
وأخرج مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ ومسلمٌ عن أبي هريرة عن النبيِّي ◌َّ قال:
((ألا أخبِرُكم بما يمحو الله تعالى به الخطايا، ويرفعُ به الدرجات؟ إسباغُ الوضوء
على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاةٍ، فذلكم
الرِّباط، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباط))(٢).
ولعلَّ هذه الروايةَ عن أبي هريرةَ أَصُّ من الرواية الأولى، مع ما في الحُكْم
فيها بأنه لم يكن في زمان النبيِّ وَ ﴿ غزوٌ يُرابطون فيه من البُعْدِ، بل لا يكاد يسلم
ذلك له، ثمَّ إنَّ هذه الروايةَ وإن كانت صحيحةً، لا تنافي التفسيرَ المشهورَ لجواز
أن تكون اللامُ في ((الرِّباط)) فيها للعهد، ويُراد به الرباط في سبيل الله تعالى،
ويكون قوله عليه الصلاة والسلام: ((فذلكم الرِّباط)) من قبيل: زيدٌ أَسدٌ، والمراد
تشبيهُ ذلك بالرِّباط على وجه المبالغة.
(١) كما في الدر المنثور ١١٣/٢ .
(٢) الموطأ ١٦١/١، ومسند أحمد (٨٠٢١)، وصحيح مسلم (٢٥١).

التفسير الإشاري (١٩٠- ٢٠٠)
٢٤٧
سُورَةُ آلِّعُمان
وأخرج عبد بن حميد(١) عن زيد بن أسلم أنَّ المراد: اصبروا على الجهاد،
وصابروا عدوًّكم، ورابطوا على دينكم.
وعن الحسن أنه قال: اصبروا على المصيبة، وصابروا على الصلوات،
ورابطوا في الجهاد في سبيل الله تعالى(٢).
وعن قتادة أنه قال: اصبروا على طاعة الله تعالى، وصابروا أهلَ الضلال،
ورابطوا في سبيل الله(٣).
وهو قريبٌ من الأول، والأولُ أولى.
هذا، ومن باب الإشارة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: العالم العلويِّ
والعالم السفليّ ﴿وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الظُّلمة والنور ﴿لَيَتِ لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ وهم
الناظرون إلى الخَلْق بعين الحق.
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا﴾ في مقام الروح بالمشاهدة ﴿وَقُعُودًا﴾ في محلِّ القلب
بالمكاشفة ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أي: تقلَّباتهم في مكامن النفس بالمجاهدة.
وقال بعضهم: ﴿اَلَِّينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيمًا﴾ أي: قائمين باتِّباع أوامره ﴿ وَقُعُودًا﴾
أي: قاعدين عن زواجره ونواهيه ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أي: ومجتنبين مطالعات
المخالفات بحال.
﴿وَفَكَّرُونَ﴾ بألبابهم الخالصة عن شوائب الوهم ﴿فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
وذلك التفكّر على معنيين؛ الأول: طلبُ غيبة القلوب في الغيوب التي هي كنوزُ
أنوار الصفات، لإدراك أنوار القُدْرة التي تبلِّغ الشاهدَ إلى المشهود. والثاني:
جَوَلان القلوب بنعتِ التفكّر في إبداع المُلْك، طلباً لمشاهدة المَلِك في المُلْك،
(١) كما في الدر المنثور ١١٤/٢، وأخرجه - أيضاً - الطبري في تفسيره ٦/ ٣٣٤، وابن أبي حاتم
٨٤٨/٣، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٠٥).
(٢) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ١١٤/٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٨٤٨/٣.
(٣) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ١١٤/٢، وتفسير الطبري ٦/ ٣٣٢.

سُورَةُ العنان
٢٤٨
التفسير الإشاري (١٩٠- ٢٠٠)
فإذا شاهدوا قالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ بل هو مرايا لأسمائك، ومظاهرُ
لصفاتك، ويُفْصِحُ بالمقصود قولُ لبید:
وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلٌ(١)
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ
﴿سُبْحَتَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك من أن يكون في الوجود سواك ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
وهي نارُ الاحتجاب بالأكوان عن رؤية المكوِّن.
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ وتحجبه عن الرؤية ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَةٌ﴾ وأَذللته بالبُعد
عنك ﴿وَمَا لِظَّالِمِينَ﴾ الذين أشركوا ما لا وجود له في العِير ولا النفير ﴿مِنْ
أَنصَارٍ﴾ لاستيلاء التجلِّي القهريِّ عليهم.
﴿رَبَّنَآ إِنََّا سَمِعْنَا﴾ بأسماع قلوبنا ﴿مُنَادِيًا﴾ من أسرارنا التي هي شاطئُ وادي
الروح الأيمن ﴿يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾ العياني ﴿أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَمَنًا﴾ أي: شاهِدوا
ربكم فشاهدنا .
أو ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ في المقام الأول ﴿مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَنِ﴾ والمراد به هو الله
تعالى حين خاطبَ الأرواح في عالم الذَّرِّ بقوله سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾
[الأعراف: ١٧٢] فإنَّ ذلك دعاءٌ لهم إلى الإيمان ﴿فَامَنَا﴾ يَعِنُون قولهم: ﴿بَلَ﴾
[الأعراف: ١٧٢] حين شاهدوه هناك سبحانه.
﴿رَبَّنَا فَأَغْفِّرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: ذنوبَ صفاتنا بصفاتك ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾ سيِّئات
أفعالنا برؤية أفعالك ﴿وَتَوَنَّنَا﴾ عن ذواتنا بالموت الاختياري ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وهم
القائمون على حدِّ التفريد والتوحيد.
﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى﴾ ألسنة ﴿رُسُلِكَ﴾ بقولك: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةْ﴾ بأن تحجبنا بنعمتك عنك ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ
اَلِيعَادَ﴾.
﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ لكمال رحمته ﴿أَنِى لَّ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنْكُم مِّن ذَكَرٍ﴾
القلبُ وعَمَلُه مثلُ الإخلاص واليقين ﴿أَوْ أُنْثَى﴾ النفسُ وعملُها إذا تزَّت
(١) دیوان لبيد ص ٢٥٦ .

التفسير الإشاري (١٩٠-٢٠٠)
٢٤٩
سُورَةُ العَقْرَانَ
المجاهداتُ والطاعات القالبية ﴿بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضٍ﴾ إذ يجمعكم أَصلٌ واحدٌ وهو
الروح الإنسانية.
﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ من غير الله تعالى، إلى الله عزَّ وجلَّ ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ﴾
وهي مألوفات أنفسهم ﴿وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِ﴾ بما قَاسَوْا من المنكِرِين.
وعن بعض العارفين: أنَّ القوم إذا لم يذوقوا مرارةَ إيذاء المنكِرين، لم يفوزوا
بحلاوة كأس القُرْب من الله تعالى، ولهذا قال الجنيد قُدِّسَ سِرُّه: جزى الله تعالى
إخواننا عنَّا خيراً، رَدُّونا بجفائهم إلى الله تعالى، وقاتلوا أنفسَهم في وَهْي أعدى
أعدائهم، وقُتلوا بسيف الفناء.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الصغائر والكبائر من بقايا صفاتهم وذواتهم
﴿وَلَأُذِْنَّهُمْ جَنَّاتٍ﴾ ثلاث، وهي جنةُ الأفعال، وجنةُ الصفات، وجنةُ الذات ﴿تَجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ أنهارُ العلوم والتجلِّيات ﴿ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ الجامع لجميع
الصفات ﴿وَاَللَّهُ عِندَهُ، حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ فلا يكون بيد غيره ثوابٌ أصلاً.
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي حُجبوا عن التوحيد ﴿فِي الْبِلَدِ﴾ في
المقامات الدنيوية والأحوال ﴿مَتَعُ قَلِيلٌ﴾ لسرعة زواله وعدم نفعه (ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ
، الحرمان ﴿وَبِئْسَ آلِهَادُ﴾ الذي اختاروه بحسب استعدادهم.
جَهَـ
﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ رَبَّهُمْ﴾ بأن تجرَّدوا كمالَ التجرُّد ﴿لَهُمْ جَنَّتٌ﴾ ثلاثٌ عِوَضُ
ذلك ﴿نُزُلًا مِنْ عِندِ اللَّهُ﴾ مُعَدًّا لهم ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ﴾ من نعيم(١) المشاهدة، ولطائف
القُرْبةِ، وحلاوة الوصلة ﴿خَيْرٌ لِلْأَبْزَارِ﴾.
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ويحقِّق التوحيد الذاتي ﴿وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْكُمْ﴾ من علم التوحيد والاستقامة ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ من علم المبدأ والمعاد ونيل
الدرجات ﴿خَشِعِينَ لِلَِّ﴾ للتجلِّي الذاتي، وما تجلَّى الله تعالى لشيءٍ إلا خضع له
﴿لَا يَشْتَرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ﴾ تعالى وهي تَجلِّيات صفاته ﴿ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَكَ لَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهي تلك الجنات ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فيُوصل إليهم أَجرهم
بلا إبطاء.
(١) في (م): نعم.

سُورَةُ الَّغْرَانَ
٢٥٠
التفسير الإشاري (١٩٠- ٢٠٠)
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ﴾ عن المعاصي ﴿وَصَابِرُواْ﴾ على الطاعات
﴿وَرَابِطُوا﴾ الأرواح بالمشاهدة ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ من مشاهدة الأغيار ﴿لَعَنَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ بالتجرُّد عن همومكم وخطراتكم.
أو ﴿أَصْبِرُواْ﴾ في مقام النفس بالمجاهدة ﴿وَصَابِرُواْ﴾ في مقام القلب مع
التجلِّيات ﴿وَرَابِطُواْ﴾ في مقام الروح ذواتكم، حتى لا تعتريكم فترةٌ أو غفلةٌ،
﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ عن المخالفة والإعراضِ والجفاء ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ تفوزون بالفلاح الحقيقي.
نسأل الله تعالى أن يجعل لنا الحظّ الأَوفى من امتثال هذه الأوامر وما يترتَّب
عليها بمَنِّه وكرمه.
وهذه الآياتُ العشْرُ كان يقرؤها ،وَ لَّ كلَّ ليلة، كما أخرج ذلك ابن السّنِّي
وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة تظله(١).
وأخرج الدارميُّ عن عثمان بن عفان قال: من قرأ آخرَ آل عمران في ليلةٍ،
کتب الله تعالی له قيام ليلة(٢).
وأخرج الطبرانيُّ من حديث ابن عباس ◌ُها مرفوعاً: ((مَن قرأ السورة التي يُذكر
فيها آل عمران يوم الجمعة، صلى الله تعالى عليه وملائكته حتى تَجِبَ الشمس))(٣).
وخبرُ: (مَن قرأ سورة آل عمران، أُعطي بكلِّ آيةٍ أماناً على جسر جهنم))(٤)
موضوعٌ مختلقٌ على رسول الله بَّهِ، وقد عابوا على مَن أَورده من المفسِّرين.
(١) عمل اليوم والليلة لابن السني (٦٨٨)، وتاريخ دمشق ٣٩٣/٢٢، وأخرجه أيضاً الطبراني
في الأوسط (٦٧٧٣)، وفي إسناده مظاهر بن أسلم، قال البخاري: ضعَّفه أبو عاصم.
وقال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي ضعيف، وأما ابن حبان فذكره في الثقات.
الميزان ١٣١/٤. وله شاهد من حديث ابن عباس له عند البخاري (١٨٣)، ومسلم
(٧٦٣)، وسلف ص ٢٠٥ من هذا الجزء.
(٢) سنن الدارمي (٣٣٩٦).
(٣) المعجم الكبير (١١٠٠٢)، والأوسط (٦١٥٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦٨/٢: فيه
طلحة بن زيد الرقي، وهو ضعيف.
(٤) أخرجه الواحدي في الوسيط ٤١١/١ من حديث أبي بن كعب ـ

٢٥١
سُورَةُ الِ عُقْرَانَ
نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن الزَّلل، ويحفَظَنا من الخطأ والخَطَل، إنه جوادٌ
کریمٌ، رؤوف رحيم.
وليكن هذا خاتمة ما أَمليته من تفسير الفاتحة والزهراوين، وأنا أرغب إلى الله
تعالى بالإخلاص أن يُؤْصِلني إلى تفسير المعوِّذتين، وهو الجِلْدُ الأول من روح
المعاني، ويتلوه إن شاء الله تعالى الجِلْدُ الثاني(١).
(١) جاء بعدها في الأصل: فرغ من تحريره أقل الورى وخادم الفقرا سيد محمد أمين خطيب
الحضرة القادرية وواعظها، في غرة محرم الحرام ابتداء السنة الرابعة والخمسين بعد الألف
والمئتين من هجرة سيد الكونين ◌َ﴾. كتب على مسودة مؤلفه: وقد قابله هو، والله تعالى
الموفق لا رب غيره.
وجاء في (م): وكان الفراغ منه في غرة محرم الحرام سنة ١٢٥٤ ألف ومئتين وأربعة
وخمسین، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب
العالمین، آمین.

سُورَةُ النِّسَاءِ
مدنيةٌ على الصحيح، وزعم النحاس(١) أنها مكية مستنداً إلى أنَّ قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٨] نزلت بمكة اتفاقاً (٢) في شأن مفتاح الكعبة.
وتعقّبه العلامة السيوطىُّ(٣) بأنَّ ذلك مستَنَّدٌ واهٍ؛ لأنه لا يلزم من نزول آية أو
آياتٍ بمكةً من سورةٍ طويلةٍ نَزَلَ معظمُها بالمدينة أن تكون مَكِّيَّةً، خصوصاً أنَّ
الأرجحَ أنَّ ما نزل بعد الهجرة مدنيٌّ، ومَنْ راجَعَ أسبابَ نزول آياتها عَرَفَ الردَّ
عليه، وممَّا يردُّ عليه أيضاً ما أخرجه البخاريُّ(٤) عن عائشة ◌َؤُها قالت: ما نزلت
سورةُ البقرة والنساء إلا وأنا عنده وَّر. وبناؤه عليها ◌َّ﴿ كان بعد الهجرة اتفاقاً.
وقيل: إنها نزلت عند الهجرة.
وعدَّةُ آياتها عند الشاميين مئةٌ وسبعٌ وسبعون، وعند الكوفيين ستُّ وسبعون،
وعند الباقين خمسٌ وسبعون، والمختَلَف فيه منها آيتان: إحداهما ﴿أَن تَضِلُوا
السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤]، وثانيتهما ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٣] فالكوفيُّون
يُثبتون الأولى آيةً فقط، والشامُّون يُثبتون الثانية أيضاً، والباقون يقولون هما بعضا
آیةٍ.
ووجه مناسبتها لـ «آل عمران) أمورٌ:
منها أنَّ ((آلَ عمران)) خُتمت بالأمر بالتقوى، وافتحت هذه السورةُ به، وذلك
من آكَدِ وجوه المناسبات في ترتيب السُّور، وهو نوعٌ من أنواع البديع يُسمَّى
(١) في معاني القرآن له ٢/ ٧.
(٢) جاء في هامش الأصل: وذكر الطبرسي أن آية الكلالة نزلت بمكة أيضاً.
(٣) في الإتقان في علوم القرآن ٣٥/١.
(٤) في صحيحه (٤٩٩٣).

٢٥٣
سُورَةُ السَّاء
في الشعر تشابهَ الأطراف(١)، وقومٌ يسمُّونه بالتسبيغ(٢)، وذلك كقول ليلى
الأخيَليَّة :
تتبَّع أقصى دائها فشفاها
إذا نزل الحجّاج أرضاً مريضةٌ
غلامٌ إذا هزَّ القناةَ رواها
شفاها من الداء العضال الذي بها
دماءَ رجالٍ حيث نال حشاها(٣)
رواها فأرْوَاها بشربٍ سجاله
ومنها أنَّ في ((آل عمران)» ذِكْرُ قصة أُحدٍ مستوفاةً، وفي هذه السورة ذِكْرُ ذيلها،
وهو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمَُفِقِينَ فِئَتَيٍِّ﴾ [النساء: ٨٨] فإنه نزل فيما يتعلَّق
بتلك الغزوة على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى مرويًّا عن البخاريِّ ومسلم(٤)
وغيرهما .
ومنها أنَّ في ((آل عمران)» ذِكْرُ الغزوة التي بعد أُحدٍ كما أشرنا إليه في قوله
تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] إلخ(٥)، وأشير إليها هاهنا
بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ الآية [النساء: ١٠٤]، وبهذين الوجهين
يُعرف أنَّ تأخيرَ ((النساء)» عن ((آل عمران)» أنسبُ من تقديمها عليها كما في مصحف
ابن مسعود؛ لأنَّ المذكورَ هنا ذيلٌ لِمَا ذُكر هناك وتابعٌ، فكان الأنسبُ فيه التأخير،
ومَن أمعن نظره وَجَدَ كثيراً مما ذُكر في هذه السورة مفصِّلاً لِمَا ذُكر فيما قبلها،
فحينئذٍ يظهرُ مزيدُ الارتباط وغايةُ الاحتباك.
(١) جاء في هامش الأصل: ولا يضر في ذلك كون الخطاب الأول بـ ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾،
والخطاب الثاني بـ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ كما لا يخفى.
(٢) التسبيغ: هو أن يعيد لفظ القافية في أول البيت الذي يليها. ينظر بديع القرآن لابن
أبي الإصبع ص ٢٢٩، ومعجم المصطلحات البلاغية ص ٣١٠.
(٣) الأبيات في أمالي القالي ٨٦/١، وأشعار النساء للمرزباني ص ٦٦-٦٧، وبديع القرآن
لابن أبي الإصبع ص ٢٣٠، والبيتان الأول والثاني في الأغاني ٢٤٨/١١، وزهر الآداب
٩٣٥/٢. ووقع في (م): سجالها بدل سجاله؛ والمثبت من الأصل والمصادر.
(٤) صحيح البخاري (١٨٨٤)، وصحيح مسلم (٢٧٧٦) من حديث زيد بن ثابت ذاته، وهو عند
أحمد (٢١٥٩٩).
(٥) ينظر ما سلف ص١٣٤ من هذا الجزء.

سُورَةُ الشَّةِ
٢٥٤
الآية : ١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ يعمُّ المكلَّفين من لَدُنْ نَزل إلى يوم القيامة على ما مرَّ
تحقيقه(١)، وفي تناوُلِ نحوِ هذه الصيغة للعبيد شرعاً حتى يعمَّهم الحكمُ خلافٌ،
فذهب الأكثرون إلى التناول؛ لأنَّ العبدَ من الناس مثلاً، فيدخل في الخطاب العامِّ
له قطعاً، وكونُهُ عبداً لا يصلح مانعاً لذلك.
وذهب البعض إلى عدم التناول، قالوا: لأنه قد ثبت بالإجماع صَرْفُ منافع
العبد إلى سيِّده، فلو كُلِّف بالخطاب لكان صَرْفاً لمنافعه إلى غير سيِّده، وذلك
تناقضٌ، فَيُتَّبع الإجماع ويُترك الظاهر.
وأيضاً خرج العبد عن الخطاب بالجهاد، والجمعة، والعمرة، والحجّ،
والتبرُّعات، والأقارير، ونحوها، ولو كان الخطاب مُتناوِلاً له للعموم لزم
التخصيص، والأصل عدمُه.
والجواب عن الأول: أَنَّا لا نُسلِّم صَرْفَ منافعه إلى سيِّده عموماً، بل قد يُستثنى
من ذلك وقتُ تضايقِ العبادات، حتى لو أَمره السَّيِّدُ في آخر وقت الظهر، ولو أطاعه
لفاتته الصلاة، وجبت عليه الصلاة وعدمُ صَرْف منفعته في ذلك الوقت إلى السيد،
وإذا ثبت هذا فالتعبُّد بالعبادة ليس مناقضاً لقولهم بِصَرْف المنافع للسيد.
وعن الثاني: بأنَّ خروجه بدليلٍ اقتضى خروجَه، وذلك كخروج المريض
والمسافر والحائض عن العمومات الدالة على وجوب الصوم والصلاة والجهاد،
وذلك لا يدلُّ على عدم تناولها اتِّفاقاً، غايتُه أنه خلافُ الأصل ارتُكب لدليلٍ، وهو
جائز.
ثم الصحيح أنَّ الأُمم الدارجةَ قبل نزول هذا الخطاب لاحَظَّ لها فيه؛
لاختصاص الأوامر والنواهي بمَنْ يُتصوَّر منه الامتثال، وأنَّى لهم به وهم تحت
أطباق الثرى، لا يقومون حتى يُنفخ في الصور.
(١) عند تفسير الآية (٢١) من سورة البقرة.

الآية : ١
٢٥٥
سُورَةُ النَّسَاءِ
وجوَّز بعضُهم كونَ الخطاب عامًّا بحيث يندرجون فيه، ثم قال: ولا يبعد أن
يكون الأمر الآتي عامًا لهم أيضاً بالنسبة إلى الكلام القديم القائم بذاته تعالى، وإن
كان كونه عربيًّا عارضاً بالنسبة إلى هذه الأمة.
وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المنظورَ إليه إنما هو أحكام القرآن بعد النزول، وإلا لكان النداءُ
وجميعُ ما فيه من خطاب المشافهة مجازاتٌ، ولا قائل به، فتأمل.
وعلى العلَّات لفظ ((الناس)) يشملُ الذكور والإناث بلا نزاع، وفي شمول نحو
قوله تعالى: ﴿أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ خلافٌ، والأكثرون على أنَّ الإناثَ لا يدخلنَ في مثل
هذه الصيغة ظاهراً، خلافاً للحنابلة.
استدلَّ الأوَّلون بأنه قد روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، إنَّ النساء
قُلْنَ: ما نرى الله تعالى ذَكَر إلا الرجال، فأنزل ذِكْرَهُنَّ (١). فنفتْ ذكرهنَّ مطلقاً،
ولو كُنَّ داخلاتٍ لمَا صَدَّق نَفيَهُنَّ، ولم يجز تقريره عليه الصلاة والسلام للنفي.
وبأنه قد أجمع أربابُ العربية على أنَّ نحوَ هذه الصيغة جمعُ مذكّر، وأنه
لتضعيف المفرد، والمفردُ مذكَّر.
وبأنَّ نظير هذه الصيغة ((المسلمون))، ولو كان مدلول ((المسلمات)» داخلاً فيه،
لما حَسُنَ العَظْفُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]
إلا باعتبار التأكيد، والتأسيسُ خيرٌ من التأكيد.
وقال الآخرون: المعروف من أهل اللسان تغليبُهم المذكَّرَ على المؤنَّث عند
اجتماعهما باتفاق.
وأيضاً لو لم تدخل الإناث في ذلك لما شارَكْنَ في الأحكام، لثبوت أكثرها
بمثل هذه الصيغة، واللازمُ منتفٍ بالاتِّفاق كما في أحكام الصلاة والصيام والزكاة.
وأيضاً لو أوصى لرجالٍ ونساءٍ بمئة درهم، ثم قال: أوصيتُ لهم بكذا، دخلتٍ
النساءُ بغير قرينة، وهو معنى الحقيقة، فيكون حقيقةً في الرجال والنساء، ظاهراً
فيهما، وهو المطلوب.
(١) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٤٠).

الآية : ١
٢٥٦
سُورَةُ النَّسَاءِ
وأجيب، أمَّا عن الأول: فبأنه إنما يدلُّ على أنَّ الإطلاقَ صحيحٌ إذا قصد
الجميع، والجمهور يقولون به، لكنه يكون مجازاً، ولا يلزم أن يكون ظاهراً، وفيه
(١)
النزاع(١).
وأما عن الثاني: فبمنع الملازمة، نعم يلزم أن لا يشاركنَ في الأحكام بمثل
هذه الصيغة، وما المانع أن يشاركنَ بدليلٍ خارج؟ والأمر كذلك، ولذلك لم يدخلنَ
في الجهاد والجمعة - مثلاً - لعدم الدليل الخارجي هناك.
وأما عن الثالث: فبمنع المبادرة ثمَّة بلا قرينة، فإنَّ الوصيةَ المتقدِّمةَ قرينةٌ دالةٌ
على الإرادة.
فالحقُّ عدمُ دخول الإناث ظاهراً، نعم الأَولى هنا القولُ بدخولهنَّ باعتبار
التغليب، وزعم بعضُهم أنْ لا تغليبَ، بل الأمرُ للرجال فقط كما يقتضيه ظاهرُ
الصيغة، ودخولُ الإناث في الأمر بالتقوى للدليل الخارجي، ولا يخفى أنَّ هذا
يستدعي تخصيصَ لفظ ((الناس)) ببعض أفراده؛ لأنَّ إبقاءه حينئذٍ على عمومه مما يأباه
الذوق السليم.
والمأمور به: إمَّا الاتِّقاءُ بحيث يشملُ ماكان باجتناب الكفر والمعاصي وسائر
القبائح، ويتناول رعاية حقوق الناس، كما يتناول رعايةً حقوق الله تعالى.
وإما الاتِّقاء في الإخلال بما يجب حفظُه من الحقوق فيما بين العباد، وهذا
المعنى مطابقٌ لمَا في السورة من رعاية حال الأيتام، وصلة الأرحام، والعدل في
النكاح والإرث، ونحو ذلك بالخصوص، بخلاف الأول، فإنه إنما يطابقها من
حيثُ العموم.
وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من
تأييد الأمر وتأكيدٍ إيجاب الامتثال، وكذا في وصف الربِّ بقوله سبحانه:
(١) جاء في هامش الأصل و(م): فإن قيل: الأصل في الإطلاق الحقيقة فلا يصار إلى المجاز
إلا لدليل، أجيب بأنه لا نزاع في أن الصيغة للرجال وحدهم حقيقة، ولو كانت لهم وللنساء
معاً حقيقة أيضاً لزم الاشتراك، وإلا فالمجاز، وقد تقرر في الأصول أن المجاز أولى من
الاشتراك. اهـ منه.

الآية : ١
٢٥٧
سُورَةُ الشَّةِ
﴿الَّذِى خَلَفَكُ مِّنِ نَّفْسٍ وَجِدَةٍ﴾ لأنَّ الاستعمال جارٍ على أنَّ الوصفَ الذي عُلِّق به
الحكمُ علَّةٌ موجبةٌ له، أو باعثةٌ عليه داعيةٌ إليه، ولا يخفى أنَّ ما هنا كذلك؛ لأنَّ
ما ذُكر يدلُّ على القدرة العظيمة، أو النعمة الجسيمة، ولا شكَّ أنَّ الأولَ يوجِبُ
التقوى مطلقاً حذراً عن العقاب العظيم، وأنَّ الثاني يدعو إليها وفاءً بالشكر
الواجب، وإيجابُ الخَلْقِ من أصلٍ واحدٍ للاتِّقاء على الاحتمال الثاني ظاهرٌ جدًّا،
وفي الوصف المذكور تنبيهٌ على أنَّ المخاطَبين عالمونَ بما ذُكر، مما يستدعي
التحلّي بالتقوى، وفيه كمالُ توبيخ لمن يفوته ذلك.
والمراد من النفس الواحدة: آدم عليه السلام، والذي عليه الجماعة من الفقهاء
والمحدِّثين ومَنْ وافَقَهم أنه ليس سوى آدمَ واحدٍ، وهو أبو البشر، وذكر صاحب
((جامع الأخبار))(١) من الإمامية في الفصل الخامس عشر خبراً طويلاً، نقل فيه أنَّ الله
تعالى خَلَقَ قبل أبينا آدمَ ثلاثين آدم، بين كلٌّ آدم وآدم ألف سنة، وأنَّ الدنيا بقيتْ
خراباً بعدهم خمسين ألف سنة، ثم عُمرتْ خمسين ألف سنة، ثم خُلق أبونا آدم
عليه السلام.
وروى ابن بابويه (٢) في كتاب ((التوحيد)) عن الصادق في حديثٍ طويل أيضاً أنه
قال: لعلَّك ترى أنَّ الله تعالى لم يخلقْ بشراً غيرَكم، بلى والله، لقد خَلَق ألفَ ألفِ
آدمَ، أنتم في آخر أولئك الآدميين.
وقال الميثم في شرحه الكبير على ((النَّهْج))(٣): ونُقل عن محمد بن علي الباقر
أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألفُ ألفِ آدمَ أو أكثر.
(١) هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني، المعروف بابن زينب من
محدثي الشيعة الإمامية، له تفسير القرآن، وجامع الأخبار، وغيرهما، توفي سنة (٣٦٠هـ).
هدية العارفين ٤٦/٦.
(٢) رأس الإمامية، أبو جعفر، محمد بن علي بن الحسين القُمِّي، صاحب التصانيف السائرة
بينهم، توفي سنة (٣٨١هـ). منها: غريب حديث الأئمة، والتوحيد، ودين الإمامية، وكان
أبوه من كبارهم ومصنفيهم سير أعلام النبلاء ٣٠٣/١٦ .
(٣) واسمه: مصباح السالكين لنهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين، لكمال الدين ميثم بن علي
البحراني الشيعي الإمامي، المتوفى سنة (٦٧٩هـ). هدية العارفين ٤٨٦/٦.

سُورَةُ الشَّةِ
٢٥٨
الآية : ١
وذكر الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه في ((فتوحاته))(١) ما يقتضي بظاهره أنَّ قَبْلَ آدَمَ
بأربعين ألف سنةٍ آدمُ غيره.
وفي كتاب ((الخصائص))(٢) ما يكاد يُفْهَمُ منه التعدُّدُ أيضاً الآن، حيث روي فيه
عن الصادق أنه قال: إنَّ لله تعالى اثني عشر ألف عالَمٍ، كلُّ عالَمٍ منهم أكبرُ من
سبع سماوات وسبع أرضين، ما يَرى عالَمٌ منهم أنَّ لله عز وجل عالماً غيرهم،
وأنَّى للحجة عليهم.
ولعلَّ هذا وأمثالَه من أرض السمسمة(٣) وجابرسا وجابلقا(٤) - إن صحَّ - محمولٌ
على عالَم المثال، لا على هذا العالم الذي نحن فيه، وحَمْلُ تعدُّد آدمَ في ذلك
العالَم أيضاً غيرُ بعيد، وأما القول بظواهر هذه الأخبار فممَّا لا يراه أهل السنَّة
والجماعة، بل قد صرَّح زينُ العرب(٥) بكفرٍ مَن يعتقد التعدُّد، نعم إنَّ آدمنا هذا
عليه السلام مسبوقٌ بخَلْقٍ آخرين كالملائكة والجنِّ وكثيرٍ من الحيوانات، وغير ذلك
مما لا يعلمه إلا الله تعالى، لا بخَلْقِ أمثاله، وهو حادثٌ نوعاً وشخصاً، خلافاً
لبعض الفلاسفة في زعمهم قِدَمَ نوع الإنسان.
وذهب الكثيرُ منَّا إلى أنه منذ كان إلى زمن البعثة ستةُ آلاف سنة، وأنَّ عُمُرَ
الدنيا سبعةُ آلاف سنة، ورووا أخباراً كثيرةً في ذلك.
والحقُّ عندي أنه كان بعد أن لم يكن، ولا يكون بعد أن كان، وأمَّا أنه متى
كان ومتى لا يكون، فممَّا لا يعلمه إلا الله تعالى، والأخبارُ مضطربةٌ في هذا
الباب، فلا يكاد يُعَوَّل عليها .
(١) ٥٤٩/٣ .
(٢) في هامش الأصل و(م): لابن بابويه اهـ منه.
(٣) ذكرها ابن عربي في أول الباب الثامن من الفتوحات، والله أعلم بصحة ذلك.
(٤) ذكر ياقوت في معجم البلدان ٢/ ٩١ أن جابرس مدينة بأقصى المشرق وأهلها من ولد ثمود،
وجابلق مدينة بأقصى المغرب وأهلها من ولد عاد.
(٥) هو علي بن عبد الله المصري الشهير بزين العرب، صنف شرح الأنموذج للزمخشري،
وشرح كليات القانون لابن سينا، وشرح مصابيح السنة للبغوي، توفي سنة (٧٥٨هـ). هدية
العارفين ٧٢٠/٥، والأعلام ٣١٠/٤.

الآية : ١
٢٥٩
سُورَةُ السَّة
والقول بأنَّ النَّفْسَ الكُلِّيَّ يجلس لفَصْلِ القضاء بين الأنفس الجزئية في كلِّ سبعة
آلاف سنةٍ مرَّةً، وأنَّ قيام الساعة بعد تمام ألف البعثة محمولٌ على ذلك، فممَّا
لا أرتضيه ولا أَختاره يقيناً.
والخطاب في ((ربَّكم)) و(خَلَقَكُم)) للمأمورين، وتعميمُه بحيث يشمل الأُممَ
السالفة مع بقاء ما تقدَّم من الخطاب غيرَ شاملٍ بناءً على أنَّ شمول ربوبيَّته تعالى
وخَلْقِهِ للكلِّ أتُّ في تأكيد الأمر السابق، مع أنَّ فيه تفكيكاً للنَّظْم، مستغنّى عنه؛
لأنَّ خَلْقَه تعالى للمأمورين من نَفْس آدم عليه السلام حيث كانوا(١) بواسطة ما بينه
وبينهم من الآباء والأمهات، كان التعرُّض لخلْقِهم متضمِّناً لخلق(٢) الوسائط
جميعاً، وكذا التعرُّض لربوبيته تعالى لهم متضمِّنٌ لربوبيَّته تعالى لأصولهم قاطبة،
لا سيَّما وقد أَردف الكلام بقوله تعالى شأنه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهو عَظْفٌ على
(خَلَقَكُمْ)) داخلٌ معه في حيِّز الصِّلة، وأُعيد الفعلُ لإظهار ما بين الخلقين من
التفاوت؛ لأنَّ الأولَ بطريق التفريع من الأصل، والثاني بطريق الإنشاء من المادة،
فإنَّ المراد من الزوج حواء، وهي قد خُلقت من ضِلَعِ آدم عليه السلام الأيسرِ(٣)
كما روي ذلك عن ابن عمر(٤) وغيره، وروى الشيخان(٥): ((اسْتَوصُوا بالنساء
خيراً، فإنَّهنَّ خُلِقْنَ من ضِلَع، وإنَّ أَعْوَجَ شيءٍ في (٦) الضِّلَع أعلاه، فإنْ ذهبتَ تقيمُه
كَسَرْتَهِ، وإِنْ تَرَكْتَه لم يَزَلْ أَعْوَجَ)).
وأنكر أبو مسلم خَلْقَها من الضِّلَع؛ لأنه سبحانه قادرٌ على خَلْقِها من التراب،
فأيُّ فائدةٍ في خَلْقِها من ذلك؟ وزعم أنَّ معنى ((منها): من جنسها، والآيةُ على حدٍّ
قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ [النحل: ٧٢].
ووافقه على ذلك بعضُهم مدَّعياً أنَّ القول بما ذُكر يَجرُّ إلى القول بأنَّ آدَمَ عليه
السلام كان ينكح بعضه بعضاً، وفيه من الاستهجان ما لا يخفى.
(١) في تفسير أبي السعود ١٣٨/٢ (والكلام منه): حيث كان، وهو الأنسب بالسياق.
(٢) في (م): لحق، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود وفيه: متضمناً للتعرض لخلق ...
(٣) في هامش الأصل و(م): وقيل إنها خلقت من فضل طينته، ونسب للباقر. أهـ.
(٤) أخرجه عنه عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور ١١٦/٢.
(٥) صحيح البخاري (٣٣٣١)، وصحيح مسلم (١٤٦٨): (٦٠) من حديث أبي هريرة نظـ
(٦) في الأصل و(م): من. والمثبت من مصادر التخريج.

سُورَةُ النِّسَحَاءِ
٢٦٠
الآية : ١
وزعم بعضٌ أنَّ حوَّاء كانت حوريَّةً خُلقتْ مما خُلق منه الحور بعد أن أُسكن
آدمُ الجنةَ. وكلا القولين باطل.
أما الثاني: فلأنه ليس في الآيات ولا الأحاديث ما يُتَوهَّم منه الإشارة إليه
أصلاً، فضلاً عن التصريح به، ومع هذا يقال عليه: إنَّ الحور خُلِقْنَ من زعفران
الجنة كما ورد في بعض الآثار(١). فإن كانت حواءُ مخلوقةً مما خُلِقْنَ منه، كما هو
نصُّ كلام الزاعم، فبينها وبين آدم عليه السلام المخلوقِ من تراب الدنيا بُعدٌ كُلِّيٌّ
يكاد يكون افتراقاً في الجنسية التي ربَّما تُوهِمُها الآية، ويستدعي بُعْدَ وقوع التناسل
بينهما في هذه النشأة، وإن كانت مخلوقةً مما خُلق منه آدم، فهو مع كونه خلافَ
نصِّ كلامه، يَرِدُ عليه أنَّ هذا قولٌ بما قاله أبو مسلم، وإلا يَكُنْهُ، فهو قريبٌ منه.
وأما الأول، فلأنه لو كان الأمر كما ذكر فيه لكان الناس مخلوقين من نَفْسَين
لا من نفسٍ واحدة، وهو خلافُ النصّ، وأيضاً هو خلافُ ما نطقتْ به الأخبارُ
الصحيحةُ عن رسول الله وَّهِ، وهذا يرِدُ على الثاني أيضاً.
والقول: بأنه أيُّ فائدةٍ في خَلْقِها من ضِلَع، والله تعالى قادرٌ على أن يخلقها
من تراب؟ يقال عليه: إنَّ فائدةَ ذلك - سوى الحكمة التي خَفِيَتْ عنَّا - إظهارُ أنه
سبحانه قادرٌ على أن يخلقَ حيًّا من حيٍّ لا على سبيل التوالد، كما أنه قادرٌ على أن
يخلقَ حيًّا من جماد كذلك، ولو كانت القدرةُ على الخلق من التراب مانعةٌ عن
الخلق من غيره لِعَدم الفائدة، لَخَلَقَ الجميعَ من التراب بلا واسطةٍ؛ لأنه سبحانه
كما أنه قادرٌ على خَلْق آدم من التراب، هو قادرٌ على خَلْق سائر أفراد الإنسان منه
أيضاً، فما هو جوابكم عن خَلْق الناسِ بعضِهم من بعضٍ مع القدرة على خَلْقِهم
كخَلْقِ آدم عليه السلام فهو جوابنا عن خَلْق حوَّاءَ من آدم مع القدرة على خَلْقها من
تراب.
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٨١٣)، والأوسط (٢٩٠)، من حديث أبي أمامة به، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٤١٩/١٠: في إسنادهما ضعفاء.
وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٩٩/٧ من حديث أنس ظه. وقال المناوي في فيض
القدير ٤٢٣/٣: وفيه الحارث بن خليفة، قال الذهبي في الذيل: مجهول، وقال ابن القيم:
وَقْفُه أشبه بالصواب.