Indexed OCR Text

Pages 121-140

الآية : ١٦٧
١٢١
سُورَةُ العَقْرَانَ
ولكن لا نرى أن يكون قتال. أخرجه ابن جرير وغيرُه عن ابن شهاب(١).
وقيل: أرادوا: إنَّا لا نُحْسِنُ القتال ولا نقدر عليه؛ لأنَّ العلم بالفعل الاختياري
من لوازم القدرة عليه، فعبّر بنفيه عن نفيها، ويحتمل أنهم جعلوا نفيَ علم القتال
كنايةً عن أنَّ ما هم فيه ليس قتالاً، بناءً على نفي العلم بنفي المعلوم؛ لأنَّ القتال
يستدعي التكافؤ من الجانبين مع رجاءِ مدافعةٍ أو مغالبة، ومتى لم يتحقَّق ذلك كان
إلقاءَ الأنفس إلى التهلكة.
ومن الناس مَن جوَّز أن يكون المراد: لو نعلم قتالاً في سبيل الله لاتَّبعناكم،
أو: لو نعلم قتالاً معنا لاتَّبعناكم، لكن ليس للمخالف معنا مضادَّةٌ ولا قصدٌ له
إلا معكم.
ولا يخفى أنَّ هذا الكلام على جميع تقاديره يصلح وقوعُه جواباً لما قيل لهم
على جميع تقاديره ما عدا الأول، وعلى الأول، يصلح هذا جواباً له على جميع
تقاديره ما عدا الثاني؛ إذ عَدَمُ المعرفة بالقتال لا يكون عذراً في عدم تكثير السواد
إلا علی بُعْد، ومن کلامهم:
إذا لم تقاتلْ يا جبانُ فشجِّعِ(٢)
والمراد بالاتِّباع: إما الذهاب للقتال، ولم يعبِّروا به لأنَّ ألسنتَهم لكمال تثبُّط(٣)
قلوبهم عنه لا تساعدهم على الإفصاح به، وإما الذهابُ مع المؤمنين مطلقاً، سواءٌ
كان للقتال أو للدفع وتكثير السواد. وحَمْلُهُ على امتثال الأمر، أي: لو كنَّا نعلم
قتالاً لامتثلنا أَمْرَكم، لا يخلو عن بُعْد.
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ﴾ أي: هم يوم إذ قالوا: ((لو نعلم)) إلخ
أقربُ للكفر منهم قبل ذلك؛ لظهور أمارته عليهم بانخذالهم عَن نصرة المؤمنين،
واعتذارهم لهم على وجه الدَّغَل والاستهزاء.
(١) تفسير الطبري ٢٢٢/٦، وهو في السير والمغازي لابن إسحاق ص ٣٢٥.
(٢) وصدره: أعنِّي بإطماع الوصال على النوى، والبيت لابن شرف القيرواني، وهو في ديوانه
ص ٧١. ووقع في الأصل و(م): إن لم، والمثبت من الديوان.
(٣) في الأصل: تثبيط.

سُورَةُ الَّعْرَانَ
١٢٢
الآية : ١٦٧
والظروف كلُّها في المشهور عند المعربين متعلِّقةٌ بـ ((أَقرب))، ومن قواعدهم أنه
لا يتعلَّق حرفا جرٍّ أو ظرفان بمعنّى بمتعلَّقٍ واحد إلا في ثلاث صور:
إحداها: أن يتعلَّق أحدهما به مطلقاً، ثم يتعلَّق به الآخر بعد تقييده بالأول.
وثانيتها : أن يكون الثاني تابعاً للأول ببدلية ونحوها.
وثالثتها: أن يكون المتعلَّق أَفعلَ تفضيل لتضمُّنه الفاضل والمفضول الذي
يجعله بمنزلة تعدُّد المتعلَّق، كما في المقيّد والمطلق، وما نحن فيه من هذا القبيل،
كأنه قيل: قُرْبُهمْ من الكفر يزيدُ على قُرْبهم من الإيمان.
واللام الجارَّة في الموضعين بمعنى ((إلى)) بناءً على ما قيل: إنَّ صلة القُرْبِ
تكونُ (من)) و ((إلى)) لا غير، تقول: قَرُبَ منه وإليه، ولا تقول: له، أو على
حالها بناءً على ما في ((الدر المصون))(١) أنَّ القُرْبَ الذي هو ضدُّ البعد يتعدَّى بثلاثة
حروف: اللام، وإلى، ومن.
وقيل: إنَّ (أقرب)) هنا من القَرَب بفتح الراء وهو طلب الماء، ومنه القارِبُ
لسفينة(٢)، وليلة القَرَب، أي: الورود، والمعنى: هم أَظْلَبُ للكفر، وحينئذ يتعدَّى
باللام اتفاقاً .
وزعم بعضهم أنَّ اللام هنا للتعليل، والتقدير: هم لأجل كفرهم يومئذ أقربُ
من الكافرين منهم من المؤمنين لأجل إيمانهم. ولا ينبغي أن يُخرَّج كلام الله تعالى
علیه لمزید بُعْدِهِ ورکاکة نَظمه لو صُرِّح بما حُذف فيه.
وجُوِّز أن يُقدَّر في الكلام مضافٌ وهو: أهل، واللام متعلِّقةٌ بتمييزٍ محذوف،
وهو: نصرة، والمعنى: هم لأهل الكفر أقربُ نصرةً منهم لأهل الإيمان؛ إذ كان
انخذالُهم ومقالهم تقويةً للمشركين وتخذيلاً للمؤمنين، وهذا كما تقول: أنا لزيدٍ
أَشدُّ ضرباً منّي لعمرو.
وأنت تعلم أنه يمكن تعلَّق اللام بالتمييز عند عدم اعتبار حذف المضاف أيضاً.
(١) ٣/ ٤٧٧.
(٢) في (م): لسفينته، والمثبت من الأصل. وفي التاج (قرب): القارب: السفينة الصغيرة تكون
مع أصحاب السفن الكبار البحرية كالجنائب لها، تُستخفُّ لحوائجهم.

الآية : ١٦٧
١٢٣
سُورَةُ الَّعْرَانَ
وادَّعى الواحديُّ أنَّ(١) في الآية دليلاً على أنَّ الآتي بكلمة التوحيد لا يكفّر؛
لأنه تعالى لم يُظهر القول بتكفيرهم. وقال الحسن: إذا قال الله تعالى: أقرب، فهو
لليقين بأنهم مشركون. ولا يخفى أنَّ الآية كالصريح في كفرهم، لكنهم مع هذا
لا يستحقُّون أن يعاملوا بذلك معاملَة الكفار، ولعلَّه لأمرٍ آخر.
﴿يَقُولُونَ يَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبيّنةٌ لحالهم مطلقاً، لا في
ذلك اليوم فقط، ولذا فُصِلَتْ. وقيل: حالٌ من ضمير ((أقرب)).
وتقييدُ القول بالأفواه إما بيانٌ لأنه كلامٌ لفظيّ لا نفسي، وإما تأكيدٌ على حدٍّ:
﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، والمراد أنهم يُظهرون خلافَ ما يُضمرون.
وقال شيخ الإسلام(٢): إنَّ ذِكْرَ الأفواه والقلوب تصويرٌ لنفاقهم، وتوضيحٌ
لمخالفة ظاهرهم لباطنهم، وإنَّ ((ما)) عبارةٌ عن القول، والمراد به: إما نفس الكلام
الظاهر في اللسان تارةً وفي القلب أخرى، فالمثبَتُ والمنفيُّ متَّحدان ذاتاً وصفة،
وإن اختلفا مظهراً، وإما القول الملفوظ فقط، فالمنفيُّ حينئذٍ منشؤه الذي لا ينفكُّ
عنه القول أصلاً، وإنما عَبَّر عنه به إبانةً لما بينهما من شدَّة الاتصال، والمعنى:
يتفوَّهون بقولٍ لا وجود له أو لمنشئه في قلوبهم أصلاً من الأباطيل التي من جملتها
ما حُكي عنهم آنفاً، فإنهم أَظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شيءٌ منهما؛ أحدهما:
عدم العلم بالقتال، والآخر: الاتِّباع على تقدير العلم به، وقد كذَبوا فيهما كذباً
بيِّناً، حيث كانوا عالِمِين به [غير ناوِينَ للاتِّباعِ، بل كانوا] مصرِّين مع ذلك على
الانخذال، عازمین علی الارتداد.
واختار بعضهم كونَ ((ما)) عبارةً عن القول الملفوظ، ومعنى كونه ليس في
قلوبهم: أنه غيرُ معتَقَدٍ لهم ولا متصوَّرٍ عندهم إلا كتصوُّر زوجية الثلاثة مثلاً،
والحكم عام، ويدخل فيه حكمُ ما تفوَّهوا به من مجموع القضية الشرطية،
لا خصوص المقدَّم فقط، ولا خصوص التالي فقط، ولا الأمران معاً دون الهيئة
الاجتماعية المعتبرة في القضية، ولعل ما ذكره الشيخ أولى.
(١) في الأصل: واستدل الواحدي بأن، وهذا القول ذكره عن الواحدي أبو حيان في البحر
١١٠/٣ وعزاه للوسيط، ولم نقف عليه في تفسير الوسيط للواحدي.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ٢/ ١١٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

سُورَةُ الَّعَقْرَانَ
١٢٤
الآية : ١٦٨
im
زيادةٌ تحقيق لكفرهم ونفاقهم، ببيان اشتغال قلوبهم
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ
بما يخالف أقوالَهم من فنون الشر والفساد، إثر بيان خلوّهم عمَّا يوافقها، والمراد:
أَعلمُ من المؤمنين؛ لأنه تعالى يعلمه مفضَّلاً بعلم واجب، والمؤمنون يعلمونه
مجملاً بأمارات. ويجوز أن تكون الجملةُ حاليةً للتنبيّه على أنهم لا ينفعهم النقاق،
وأنَّ المراد: أَعلم منهم؛ لأنَّ الله تعالى يعلم نتيجةَ إسرارِهم وآمالهم.
﴿الَّذِينَ قَالُواْ﴾ مرفوعٌ على أنه بدلٌ من واو ((يكتمون))، كأنه قيل: والله أعلم
بما يكتم الذين قالوا، أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين. وقيل: مبتدأ خبرُه:
((قل فادرؤوا)) بحذف العائد، أي: قل لهم إلخ، أو منصوبٌ على الذَّمِّ، أو على أنه
نعتٌ للذين نافقوا، أو بدلٌ منه، أو مجرورٌ على أنه بدلٌ من ضمير ((أفواههم))، أو
(قلوبهم))، وجاء إبدالُ المظهر من ضمير الغيبة في كلامهم، ومنه قول الفرزدق:
على حالةٍ لو أنَّ في القوم حاتماً على جُوده لضنَّ بالماء حاتمٍ (١)
بجرِ ((حاتم)) بدلاً من ضمير ((جوده)) لأنَّ القوافي مجرورة. والمعنى: يقولون
بأفواه الذين قالوا، أو: يقولون بأفواههم ما ليس في قلوب الذين قالوا، والكلام
على الوجهين من باب التجريد كقوله:
يشربُ كأساً مِن كفِّ مَن بَخِلا(٢)
يا خيرَ مَن يَرْكَبُ المطيّ ولا
والقائل - كما قال السُّدِّيُّ وغيره - هو عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه، وقد قالوا
ذلك في يوم أُحد.
﴿لِإِخْوَِمْ﴾ أي: لأجل إخوانهم الذين خرجوا مع النبيِّ وَّهِ، وقُتلوا في ذلك
اليوم، والمراد: لذوي قرابتهم، أو لِمَنْ هو من جنسهم.
﴿وَقَعَدُوا﴾ حالٌ من ضمير ((قالوا)) و((قد)) مرادةٌ، أي: قالوا وقد قعدوا عن
القتال بالانخذال، وجُوِّز أن يكون معطوفاً على الصلة، فيكون معترضاً بين ((قالوا))
(١) البيت بهذه الرواية في الدر المصون ٤٧٩/٣، وشرح شذور الذهب لابن هشام ص ٥٧٢،
وهو في ديوان الفرزدق ٢/ ٢٩٧ برواية:
على جوده ضئَّتْ به نفسُ حاتم
على ساعة لو كان في القوم حاتمٌ
(٢) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ١٧١ .

الآية : ١٦٨
١٢٥
سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ
قُئِلُواْ﴾ كما لم
ومعمولها، وهو قوله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ أي: في تَرْك القتال
تُقْتَل، وفيه إيذانٌ بأنهم أَمروهم بالانخذال حين انخذلوا.
ويؤيِّد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن السُّدِّي قال: خرج رسول الله وك ير في ألف
رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبروا، فلمَّا خرجوا رجع عبد الله بن أبيٍّ في ثلاثٍ
مئةٍ، فتبعهم أبو جابر السُّلميُّ يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا
لََّتَّبَعْنَكُمْ﴾ قالوا له: ولئن أطعتنا لترجعنَّ معنا، فذكر الله تعالى نعيَ قولهم: لئن
أطعتنا لترجعنَّ معنا، بقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ﴾ إلخ(١).
وبعضُهم حَمَلَ القعود على ما استصوبه ابنُ أَبيِّ عند المشاورة، من المقامة
بالمدينة ابتداءً، وجعلَ الإطاعةَ عبارةً عن قَبول رأيه والعمل به، ولا يخلو عن
شيء، بل قال مولانا شيخ الإسلام(٢): يردُّه كونُ الجملة حالية، فإنها لتعيين ما فيه
العصيان والمخالفة، مع أنَّ ابن أَبيِّ ليس من القاعدين فيها بذلك المعنى، على أنَّ
تخصيصَ عدم الطاعة بإخوانهم ينادي باختصاص الأمر أيضاً بهم، فيستحيل أن
يُحمَل على ما خوطب به النبيُّ ◌َّر عند المشاورة.
﴿قُلْ﴾ يا محمد تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم ﴿فَأَدْرَءُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي:
فادفعوا عنها ذلك، وهو جوابٌ لشرطٍ قد حُذف لدلالة قوله تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ
صَدِقِينَ ﴾ عليه، كما أنه شَرْطٌ حُذف جوابه لدلالة ((فادرؤوا)) عليه، ومَن جَوَّز
تَقدُّمَ الجواب، لم يَحْتَجْ لما ذُكر.
ومتعلَّقُ الصدق هو ما تضمَّنه قولُهم من أنَّ سبب نجاتهم القعود عن القتال،
والمراد: أنَّ ما ادَّعيتموه سببَ النجاة ليس بمستقيم، ولو فُرض استقامتهُ فليس
بمفيدٍ؛ أما الأول: فلأنَّ أسباب النجاة كثيرةٌ، غايته أنَّ القعود والنجاة وُجدا معاً،
وهو لا يدلُّ على السببية، وأما الثاني: فلأنَّ المهروب عنه بالذات هو الموت الذي
القتلُ أحدُ أسبابه، فإن صحَّ ما ذكرتم فادفعوا سائرَ أسبابه، فإنَّ أسباب الموت في
إمكان المدافعة بالحِيَل وامتناعِها سواء، وأنفسُكم أعزُّ عليكم، وأَمْرُها أهمُّ لديكم.
(١) تفسير الطبري ٢٢٣/٦، وأبو جابر السلمي هو عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر بن
عبد الله الصحابي المشهور. الإصابة ٦/ ١٧٤ .
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ٢/ ١١١ .
٠

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٢٦
الآية : ١٦٩
وقيل: متعلِّقُ الصدق ما صرَّح به من قولهم: ((لو أطاعونا ما قتلوا)) والمعنى:
أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقُتلوا قاعدین کما قتلوا مقاتلين، وحينئذ يكون
((فادرؤوا)) إلخ استهزاءً بهم، أي: إن كنتم رجالاً دفَّاعين لأسباب الموت فادرؤوا
جميعَ أسبابه حتى لا تموتوا، كما دَرَأْتُم بزعمكم هذا السببَ الخاص، وفي
((الكشاف)): روي أنه مات يومَ قالوا هذه المقالة منهم، سبعون منافقاً بعَدد مَنْ قتل
بأحد (١).
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتًا﴾ أخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن
عباس قال: قال رسول الله وَله: ((لمَّا أُصيبَ إخوانُكم بأُحدٍ جَعَلَ الله تعالى
أرواحَهم في أجوافٍ طيرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنهار الجنة، وتأكلُ من ثمارها، وتأوي إلى
قناديلَ من ذهبٍ معلّقةٍ في ظلِّ العرش، فلما وجدوا طِيْبَ مَأْكَلِهِم ومَشْرَبِهم، وحُسْنَ
مَقِيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صَنَع اللهُ تعالى لنا)) وفي لفظ: ((قالوا: مَن
يُبلِّغ إخوانَنا أننا أحياءٌ في الجنة نُوزَقُ، لئلّا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكُلُوا عن
الحرب، فقال الله تعالى: أنا أُبلِّغهم عنكم. فأنزل هؤلاء الآيات))(٢).
وأخرج الترمذي وحسَّنه، والحاكم وصححه، وغيرهما عن جابر بن عبد الله
قال: لقيني رسول الله وَ له فقال: ((يا جابر، مالي أراك مُنْكَسراً؟)) فقلت: يا رسول الله
استُشهد أبي وترك عيالاً ودَيناً. فقال: ((ألا أُبشّرك بما لقي الله تعالى به أباك؟))
قلت: بلى، قال: ((ما كَلَّمَ الله تعالى أحداً قطُ إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك
فكلَّمه كِفَاحاً وقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أُعْطِكَ. قال: يا ربِّ تحييني فأُقتل فيك
ثانيةً، قال الربُّ تعالى: قد سَبَقَ منِّي أنهم لا يرجعون. قال: أيْ ربي، فَأَبْلِغْ مَن
ورائي، فأنزل الله تعالى هذه الآية))(٣).
ولا تَنافي بين الروايتين، لجواز أن يكون كلا الأمرين قد وقع، وأنزل الله
تعالى الآية لهما، والأخبارُ متضافرةٌ على نزولها في شهداء أحد.
(١) الكشاف ٤٧٨/١، وذكره أبو الليث في تفسيره ٣١٤/١ عن بعض المفسرين بسمرقند.
(٢) مسند أحمد (٢٣٨٨)، وسنن أبي داود (٢٥٢٠)، والأولى رواية أحمد، والثانية لأبي داود.
(٣) سنن الترمذي (٣٠١٠)، والمستدرك ٢٠٣/٣-٢٠٤، وأخرجه أحمد (١٤٨٨١) مختصراً.
قوله: كفاحاً: أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول. النهاية (كفح).

الآية : ١٦٩
١٢٧
سُوَرَةُ آلعمران
وفي رواية ابن المنذر عن إسحاق ابن أبي طلحة قال: حدَّثني أنسٌ في
أصحاب رسول الله صل ﴿ الذين أرسلهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام إلى بئر معونة،
وساق الحديث بطوله إلى أن قال: وحدَّثني أنَّ الله تعالى أنزل فيهم قرآناً: ((بلِّغوا
عنَّا قومَنا أنَّا قد لقينا ربَّنا، فرضيَ عنَّا ورضينا عنه)» ثم نُسخت فرُفعت بعد ما قرأناه
زماناً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبََ﴾ إلخ(١).
ومن هنا قيل: إنَّ الآية نزلت فيهم، وأنت تعلم أنَّ الخبر ليس نصًّا في ذلك.
وزعم بعضُهم أنها نزلت في شهداء بدر(٢)، وادَّعى العلّامة السيوطيُّ أنَّ ذلك
غلط، وأنَّ آية ((البقرة)» هي النازلةُ فيهم.
وهي كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ إثرَ بيان أنَّ الحذر لا يُسمِنُ ولا يغني، لبيان أنَّ
القتل الذي يَحْذَرونه ويَحْذَرون منه ليس مما يُحذَر، بل هو من أَجَلِّ المطالب التي
يتنافس فيها المتنافسون.
والخطاب لرسول الله وَ ﴿، أو لكلِّ مَن يقف على الخطاب مطلقاً، وقيل: من
المنافقين الذي قالوا: لو أطاعونا وقعدوا(٣)، وإنما عبَّر عن اعتقادهم بالَّنِّ؛ لعدم
الاعتداد به.
وقرئ: ((يحسبنَّ)) بالياء التحتانية (٤) على الإسناد إلى ضمير النبيِّ يَّ، أو ضمير
مَن يحسب على طرز ما ذُكر في الخطاب.
وقيل: إلى الذين قُتلوا، والمفعول الأول محذوف؛ لأنه في الأصل مبتدأ جائزٌ
الحذف عند القرينة، أي: ولا يحسبنَّ الذين قُتلوا أنفسَهم أمواتاً.
(١) الدر المنثور ٩٥/٢، وأخرجه - أيضاً - الطبري ٢٣٤/٦-٢٣٥ من طريق عكرمة عن إسحاق
به، وهو في مسند أحمد (١٣١٩٥)، وصحيح البخاري (٢٨٠١) من طريق همام بن يحيى
العوذي عن إسحاق عن أنس، دون قوله: فأنزل الله: ((ولا تحسبن)).
(٢) أخرجه الطبري ٢٣١/٦-٢٣٢ عن الربيع قال: ذكر لنا عن بعضهم في قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ قُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ﴾ قال: هم قتلى بدر وأحد.
(٣) في حاشية الشهاب ٣/ ٨٠ (والكلام منه): لو قعدوا ما ماتوا.
(٤) التيسير ص ٩١، والنشر ٢٤٤/٢ وهي قراءة هشام بخلف عنه.

سُورَةُ الَّعَمْرَانَ
١٢٨
الآية : ١٦٩
واعترضه أبو حيان(١): بأنه إنما يتمشّى على رأي الجمهور، فإنهم يُجوِّزون هذا
الحذف، لكنه عندهم عزيزٌ جدًّا، ومنعه إبراهيم بن ملكون الإشبيلي(٢) البتة، وما كان
ممنوعاً عند بعضهم عزيزاً عند الجمهور ينبغي أن لا يُحمل عليه كلامُ الله تعالى.
وفيه أنَّ هذا من باب التعصب؛ لأنَّ حَذْفَ أحد المفعولين في باب الحسبان
لا يُمنع اختصاراً على الصحيح، بل اقتصاراً، وما هنا من الأول فيجوز، مع أنه
جوَّز الاقتصارَ بعضُهم، ويكفي للتخريج مثله. وذكر العلّامة الطيبيُّ(٣) أنَّ حَذْفَ
أحد المفعولين في هذا الباب مذهبُ الأخفش.
وظاهر صنيع البعض يُفْهَم منه تقديره مضمَراً، أي: ولا يحسبَّهم الذين قُتلوا،
والمراد: لا يحسبنَّ أنفسهم.
واعترضه أبو حيان(٤) بشيء آخر أيضاً، وهو أنَّ فيه تقديمَ المضمَر على
مفسِّره، وهو محصورٌ في أماكنَ ليس هذا منها .
وردّه السَّفاقسيُّ بأنه وإن لم يكن هذا منها، لكنَّ عَوْدَ الضمير على الفاعل لفظاً
جائز؛ لأنه مقدَّمٌ معنّى، وتعدِّي أفعالِ القلوب إلى ضمير الفاعل جائز، وقد نصَّ(٥)
السِّيرافيُّ وغيره على جواز: ظَنَّه زيدٌ منطلقاً، وظنَّهما الزيدان منطلقتين، وهذا نظير
ما ذكره هذا البعض، فالاعتراضُ عليه في غاية الغرابة.
ثم المراد من توجيه النهي إلى المقتولينَ تنبيهُ السامعين على أنهم أحقّاءُ بأن
يتسلّوا بذلك، ويُبَشَّروا بالحياة الأبدية والنعيم المقيم، لكن لا في جميع أوقاتهم،
بل عند ابتداء القتل؛ إذ بعد تبيَّن حالهم لهم، لا تبقى لاعتبار تسليتهم وتبشيرهم
فائدةٌ، ولا لتنبيه السامعين وتذكيرهم وجهٌ. قاله شيخ الإسلام(٦).
(١) في البحر ١١٢/٣.
(٢) هو إبراهيم بن محمد بن ملكون الحضرمي الإشبيلي، أستاذ نحوي جليل، ألَّف شرح
الحماسة، والنكت على تبصرة الصيمري. توفي سنة (٥٨٤هـ). بغية الوعاة ١/ ٤٣١.
(٣) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٤) في البحر ٣/ ١١٢.
(٥) في (م): ظن، وهو تصحيف.
(٦) في تفسيره ٢/ ١١٢ .

الآية : ١٦٩
١٢٩
سُورَةُ العَقْرَانَ
وقيل: هو نهيٌّ في معنى النفي، وقد ورد ذلك، وإن قلَّ. أو هو نهيٌّ عن
حسبانهم أنفسَهم أمواتاً في وقتٍ ما، وإن كانوا وقت الخطاب عالِمين بحياتهم.
وقرئ: ((ولا تحسِبنَّ)) بكسر السين(١)، وقرأ ابن عامر: ((قُتِّلوا)) بالتشديد(٢)
لكثرة المقتولين.
﴿بَلْ أَعْيٌّ﴾ أي: بل هم أحياءٌ مستمرُّون على ذلك. وقرئ بالنصب(٣)،
وخرَّجه الزجَّاج(٤) على أنه مفعولٌ لمحذوف، أي: بل احسبْهُمْ أحياءً، وردّه
الفارسيُّ بأنَّ الأمر يقينٌ، فلا يُؤمر فيه بحسبانٍ، وإضمارُ غير فعل الحسبان؛
كاعتَقِدْهُم أو اجْعَلْهُم ضعيفٌ؛ إذ لا دلالة عليه. على أنَّ تقديرَ: اجعلهم، قال
فيه أبو حيان(٥): إنه لا يصحُّ البتّة، سواءٌ جعلته بمعنى اخْلُقْهُم أو صَيِّرهم أو
سَمِّهم أو الْقَهُم.
نعم قال السفاقسيُّ: يصحُّ إذا كان بمعنى اعْتَقِدْهم، لكن یبقی حدیثُ عدم
الدلالة على حاله، وأجاب الحلبي(٦) بأنَّ عدم الدلالة اللفظية مُسَلَّمٌ، لكن إذا أَرشد
المعنى إلى شيءٍ، قُدِّر من غير ضَعْف وإن كانت دلالةُ اللفظ أحسن.
وقال العلّامة الثاني: لا مَنْعَ من الأمر بالحسبان؛ لأنه ظنُّ لا شك، والتكليف
بالظّنِّ واقعٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُوا يَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: ٢] أَمْراً بالقياس
وتحصيل الظَّنِّ.
وقال بعضهم: المراد اليقين، ويُقدَّرُ: احسبهم؛ للمشاكلة. ولا يخفى أنه
تعسُّفٌ؛ لأنَّ الحذف في المشاكلة لم يُعهد.
﴿عِندَ رَيْهِمْ﴾ في محلٌّ رفع على أنه خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدَّر، أو صفةٌ لـ ((أحياء)).
(١) التيسير ص ٨٤، والنشر ٢٣٦/٢، وهي قراءة الكسائي وابن كثير ونافع وأبي عمرو وخلف
ويعقوب، وقرأ الباقون بفتح السين.
(٢) التيسير ص ٩١، والنشر ٢٤٣/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٥٤٠/١، والكشاف ٤٧٩/١، والبحر ١١٣/٣.
(٤) في معاني القرآن له ٤٨٨/١.
(٥) في البحر المحيط ١١٣/٣، وعنه نقل المصنف قول الفارسي.
(٦) في الدر المصون ٣/ ٤٨٢-٤٨٣.

سُؤَدَّةُ الْ عَشْرَانَ
١٣٠
الآية : ١٧٠
أو في محلِّ نصبٍ على أنه حالٌ من الضمير في ((أحياء))، وجوَّز أبو البقاء(١) كونه
ظرفاً له، أو للفعل الذي بعده.
و(عند)) هنا ليست للقرب المكاني؛ لاستحالته، ولا بمعنى: في عِلْمِه وُكْمِه،
كما تقول: هذا عند أبي حنيفة ظله كذا؛ لعدم مناسبته للمقام، بل بمعنى القرب
والشرف، أي: ذوو زُلْفى ورتبةٍ ساميةٍ.
وزعم بعضهم أنّ معنى: في علم الله تعالى مناسبٌ للمقام؛ لدلالته على
التحقّق، أي: إنَّ حياتَهم متحقِّقةٌ لا شبهةَ فيها، ولا يخفى أنَّ المقام مقامُ مدحٍ،
فتفسيرُ العِنْدِيَّة بالقرب أنسبُ به، وفي الكلام دلالةٌ على التحقُّق، من وجوهٍ أُخَرِ.
وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيدُ تكرمةٍ لهم.
﴿يُرْزَقُونَ (٣)﴾ صفةٌ لـ ((أحياء))، أو حالٌ من الضمير فيه، أو في الظرف، وفيه
تأکیدٌ لکونهم أحياء، وقد تقدَّم الكلام في حياتهم على أتمِّ وجه.
والقول بأنَّ أرواحهم تتعلَّقُ بالأفلاك والكواكب، فَتَلْتَذُّ بذلك وتكتسب زيادةَ
كمالٍ، قولُ هابط إلى الثرى، ولا أظنُّ القائل به قَرَعَ سمعُهُ الروايات الصحيحة
والأخبار الصريحة، بل لم يَذُقْ طَعْمَ الشريعة الغرَّاء، ولا تراءى له منهجُ المحجة
البيضاء، وخبرُ القناديل لا ينوِّر كلامه، ولا يزيل ظلامه، فلَعَمْري إنَّ حال الشهداء
وحياتهم وراء ذلك.
﴿فَرِحِينَ﴾ جُوِّزَ أن يكون حالاً من الضمير في ((يُرزَقون))، أو من الضمير في
(أحياء)) أو من الضمير في الّرف، وأن يكون نَصْباً على المدح، أو الوصفية
لـ ((أحياء)» في قراءة النصب، ومعناه: مسرورين.
﴿بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللّهُ﴾ بعد انتقالهم من الدنيا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ متعلّقٌ بـ((آتاهم))،
و ((من)) إما للسببية، أو لابتداء الغاية. أو متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير
المحذوف العائدِ على الموصول، و((من)) للتبعيض، والتقدير: بما آتاهُموه حالَ
کونه كائناً بعض فضله.
(١) في الإملاء ٢/ ١٥٠.

الآية : ١٧٠
١٣١
سُورَةُ العَمْرَان
والمراد بهذا المؤتَى ضروبُ النِّعمَ التي ينالها الشهداء يوم القيامة، أو بعد
الشهادة، أو نفسُ الفوز بالشهادة في سبيل الله تعالى.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يُسَرُّون بالبشارة، وأصل الاستبشار: طلبُ البشارة، وهو
الخبر السَّارُّ، إلا أنَّ المعنى هنا على السرور استعمالاً لِلَّفظ في لازمٍ معناه. وهو
استئنافٌ، أو معطوفٌ على ((فرحين)) لتأويله بـ : يفرحون.
وجُوِّز أن يكون التقدير: وهم يستبشرون، فتكون الجملة حالاً من الضمير في
((فرحين))، أو من ضمير المفعول في ((آتاهم)). وإنما احتيج إلى تقدير مبتدأ عند
جَعْلها حالاً؛ لأنَّ المضارع المثبتَ إذا كان حالاً لا يقترن بالواو.
وَيِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ أي: بإخوانهم الذين لم يُقتلوا بعدُ في سبيل الله تعالى
فيلحقوا بهم ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ((يلحقوا))، والمعنى: أنهم بَقُوا بعدهم وهم قد
تقدَّموهم، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل ((يلحقوا))، أي: لم يلحقوهم متخلِّفين
عنهم، باقین بَعْدُ في الدنيا .
بدلٌ من ((الذين)) بدلَ اشتمالٍ مبيِّنٌ
﴿أَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ ◌َ
الكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم، أي: يستبشرون بما تبيَّن لهم من حُسْن
حالِ إخوانهم الذين تركوهم أحياءً، وهو أنهم عند قَتْلِهم في سبيل الله تعالى يفوزون
كما فازوا، ويحوزون من النعيم كما حازوا، وإلى هذا ذهب ابن جُريج وقتادة.
وقيل: إنه منصوبٌ بِنَزْع الخافض، أي: لئلا، أو: بأنْ لا، وهو معمولٌ
لـ ((يستبشرون))، واقعٌ موقعَ المفعول من أجله، أي: يستبشرون بقدوم إخوانهم
الباقين بعدهم إليهم؛ لأنهم لا خوفٌ عليهم إلخ، فالاستبشار حينئذ ليس بالأحوال،
ويؤيِّد هذا ما روي عن السُّدِّي أنه يؤتى الشهيدُ بكتابٍ فيه ذِكْرُ مَن يَقْدَمُ عليه من
إخوانه، يُبشّر بذلك، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا .
فضمير ((عليهم)) وما بعده على هذا راجعٌ إلى ((الذين)) الأول، وعلى الأول إلى
الثاني.
ومن الناس مَنْ فَسَّر ((الذين لم يلحقوا)) بالمتخلِّفين في الفضل عن رتبة
الشهداء، وهم الغزاة الذي جاهدوا في سبيل الله تعالى ولم يُقتَلوا، بل بقوا حتى

سُورَةُ العمران
١٣٢
الآية : ١٧١
ماتوا في مضاجعهم، فإنهم وإن لم ينالوا مراتب الشهداء، إلا أنَّ لهم أيضاً فضلاً
عظيماً، بحيث لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، لمزيدٍ فضل الجهاد. ولا يخفى
أنه خلافُ الظاهر من الآية، وإن كان فَضْلُ الغزاة وإن لم يقتلوا مما لا يتناطح فيه
کېشان.
و((أنْ)) على كلِّ تقدير هي المخفَّفة، واسمُها ضمير الشأن، وخبرُها الجملة
المنفية، والمعنى: لا خوفٌ عليهم فيمَن خلَّفوه من ذرِّيَّتهم، فإنَّ الله تعالى
يتولَّاهم، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا من أموالهم؛ لأنَّ الله تعالى قد أجزل لهم
العوض. أو: لا خوفٌ عليهم فيما يقدمون عليه؛ لأنَّ الله تعالى مَخَّصَ ذنوبهم
بالشهادة، ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا فرحاً بالآخرة. أو: لا خوفٌ عليهم
في الدنيا من القتل، فإنه عينُ الحياة التي يجب أن يُرغَبَ فيها، فضلاً عن أن يُخافَ
ويُحذَر، ولا هم يحزنون على المفارقة.
وقيل: إنَّ كلا هذين المنفيين فيما يتعلق بالآخرة، والمعنى: أنهم لا يخافون
وقوعَ مكروهٍ من أهوالها، ولا يحزنون من فوات محبوبٍ من نعيمها، وهو وجهٌ
وجيه .
والمراد: بيان دوام انتفاء ذلك، لا بيانُ انتفاء دوامه، كما يوهمه كونُ الخبر في
الجملة الثانية مضارعاً، فإنَّ النفيَ وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام
والاستمرار بحسب المقام، وقد تقدَّمت الإشارة إليه.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ مكرَّرٌ للتأكيد، وليتعلَّق به قوله تعالى: ﴿يِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ
فحينئذٍ يكون بياناً وتفسيراً لقوله سبحانه: ﴿لَا خَوْفُ
اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لأنَّ الخوف: غَمِّ يلحق الإنسان مما يتوقَّعه من السُّوء،
والحزن: غَمّ يلحقه من فوات نافع أو حصول ضارِّ. فَمَنْ كان متقلِّباً في نعمةٍ من الله
تعالى وفَضْلٍ منه سبحانه، فلا يحزن أبداً، ومَن جُعلت أعماله مشكورةً غيرَ مضيَّعة،
فلا يخاف العاقبة. ويجوز أن يكون بيانُ ذلك النفي بمجرد قوله جلَّ وعلا:
﴿بِنِعْمَةٍ مِّنَ اٌللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ من غير ضمِّ ما بعده إليه.
وقيل: الاستبشار الأول بدفع المضارِّ، ولذا قُدِّم، والثاني بوجود المسارِّ. أو:
الأول لإخوانهم، والثاني لهم أنفسهم.

الآية : ١٧٢
١٣٣
سُورَةُ العَقْرَانَ
ومِن الناس مَن أَعربَ ((يستبشرون)) بدلاً من الأول، ولذا لم تدخل واو العطف
عليه .
و ((من الله)) متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع صفة لـ ((نعمة)) مؤكدةً لِمَا أفاده من الفخامة
الذاتية بالفخامة الإضافية.
وُجُمِعَ الفضلُ والنعمةُ مع أنهما كثيراً ما يُعبَّر بهما عن معنّى واحد؛ إما للتأكيد،
وإما للإيذان بأنَّ ما خَصَّهم به سبحانه ليس نعمةً على قَدْرِ الكفاية من غيره مضاعفةٍ
سرور ولذَّة، بل زائدٌ عليها مضاعفٌ فيها ذلك، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿لََِّّينَ أَحْسَنُوا
المُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
وعَظْفُ ((وأنَّ) على ((فَضْلِ)) أو على ((نعمة))، وعلى التقديرين مضمونُ ما بعدها
داخلٌ في المستبشَر به.
وقرأ الكسائيُّ: ((وإنَّ) بكسر الهمزة(١)، على أنه تذييلٌ لمضمون ما قبله من
الآيات السابقة، أو اعتراضٌ بين التابع والمتبوع، بناءً على أنَّ الموصول الآتي تابعٌ
للذين لم يلحقوا .
والمراد من المؤمنين: إما الشهداء، والتعبير عنهم بذلك للإعلام بسُموٌ مرتبة
الإيمان، وكونِه مناطاً لما نالوه من السعادة، وإمَّا كافةُ المؤمنين، وذُكرتْ توفيةٌ
أُجورهم، وعُدَّت من جملة المستبشَر به على ما اقتضاه العطف، بحكم الأُخوَّة في
الدين، واختار هذا الوجه كثيرٌ، ويؤيِّده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن زيد: أنَّ
هذه الآية جمعت المؤمنين كلَّهم سوى الشهداء، وقلَّما ذكر الله تعالى فضلاً ذكر به
الأنبياء وثواباً أعطاهم، إلا ذكر سبحانه ما أعطى الله تعالى المؤمنين من بعدهم(٢).
وفي الآية إشعارٌ بأنَّ مَن لا إيمان له أعمالُهُ محبَطةٌ وأُجورُه مضيَّعة.
﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ﴾ أي: أطاعوا ﴿لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ بامتثال الأوامر ﴿مِنْ بَعْدِ مَآ
أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ أي: نالهم الجراح يومَ أُحد. والموصولُ في موضع جرِّ صفة
لـ ((المؤمنين))، أو: في موضع نصبٍ بإضمار: أعني، أو: في موضع رَفْع على
(١) التيسير ص ٩١، والنشر ٢٤٤/٢.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨١٥/٣.

سُورَةُ العَزَانَ
١٣٤
الآية : ١٧٢
إضمار ((هم)) أو: مبتدأ أول، وخبره جملة قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْاْ
قال الطبرسيُّ: وهو الأشبه (١).
أَجُْ عَظِيمُ
و ((منهم)) حالٌ من الضمير في ((أحسنوا)) و((من)) للتبعيض، وإليه ذهب بعضهم،
وذهب غيرُ واحدٍ إلى أنها للبيان، فالكلام حينئذٍ فيه تجريدٌ، جُرِّد من الذين
استجابوا لله والرسول المحسنُ المتَّقي، والمقصود من الجمع بين الوصفين المدحُ
والتعليل لا التقييد؛ لأنَّ المستجيبين كلّهم محسنون ومثَّقون.
قال ابن إسحاق وغيرُهُ(٢): لمَّا كان يوم الأحد لِسِتَّ عَشْرةَ ليلةً مضتْ من
شوال - وكانت وقعةُ أُحدٍ يوم السبت للنصف منه - أذَّنَ مؤذِّنُ رسول الله ◌ِ﴾ بِطَلَبِ
العدو، وأن لا يخرجَ معنا أحدٌ إلا أحدٌ حضر يومنا بالأمس، فكلَّمه جابر بن
عبد الله بن حرام فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي كان خلَّفني على أخواتٍ لي سبع،
وقال: يا بُنيَّ، لا ينبغي لي ولا لكَ أن نترك هؤلاء النسوةَ لا رجلَ فيهنَّ، ولستُ
بالذي أوثركَ بالجهاد مع رسول الله تعالى عليه وسلم على نفسي، فتخلَّفْ على
أخواتك، فتخلَّفتُ عليهنَّ، فَأَذِنَ له رسول الله لَّهِ.
فخرج رسول الله و # إرهاباً للعدو، حتى انتهى إلى حمراء الأسد على ثمانية
أميال من المدينة، فأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة
وقد مرَّ به مَعْبَدُ بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مُسلمهُم ومشركُهم عَيْبَةِ (٣)
نُصْحِ رسول الله وَّر بتهامة، صَفْقَتُهم معه، لا يُخفون عنه شيئاً كان بها، ومَعْبَدٌ
يومئذٍ مشرٌ، فقال: يا محمد، أما واللهِ لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك،
ولوددنا أنَّ الله تعالى عافاك فيهم.
ثم ذهب ورسولُ الله ◌َ ﴿ بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان ومَن معه بالرَّوحاء،
وقد أجمعوا الرَّجعة إلى رسول الله وَ له وأصحابه وقالوا: أَصَبْنا أَجلَّ أصحابه وقادتَهم
(١) مجمع البيان ٢٦٨/٤. وقد ذكر مكي في مشكل إعراب القرآن ١٧٩/١ وجهاً آخر، وهو أن
يكون ((الذين استجابوا)) بدلاً من ((الذين لم يلحقوا بهم))، وأجاز السمين قياساً على ذلك أن
يكون نعتاً له أيضاً. الدر المصون ٤٨٨/٣.
(٢) ينظر سيرة ابن هشام ١٠١/٢، وتفسير الطبري ٢٤٦/٦، وتاريخ الطبري ٥٣٤/٢.
(٣) عيبة الرجل: موضع سِرِّه. لسان العرب (عيب).

الآية : ١٧٢
١٣٥
سُورَةُ العَقْرَانَ
وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرَّنَّ عليهم، فَلْنَفْرغَنَّ منهم.
فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمدٌ قد خرج في
أصحابه يطلبُكم في جمع لم أرَ مثلَه قٌ، وهم يتحرَّقون عليكم تحرُّقاً، وقد اجتمع
معه مَنْ كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنقَ عليكم
شيءٌ لم أَرَ مثله، قال: ويلك ما تقول؟ قال: ما أرى والله أن ترتحل حتى ترى
نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أَجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل بقيَّتهم. قال: فإني
أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني ما رأيتُ على أن قلتُ فيهم أبياتاً من الشعر،
قال: وما قلتَ؟ قال: قلتُ:
إذ سالت الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ(١)
كادتْ تُهَدُّ من الأصوات راحلتي
عند اللِّقاء ولا مِيلٍ معازيلٍ(٣)
تَرْمي(٢) بأُسْدٍ كرام لا تنابلةٍ
لمَّا سَمَوا برئيسٍ غير مخذولٍ
فظلْتُ عَذْواً كأنَّ(٤) الأرضَ مائلةٌ
إذا تَغَطمطتِ البطحاء بالخَيلِ(٥)
وقلتُ ويلَ ابنِ حَرْبٍ من لقائهمُ
لكلِّ [ذي] إربةٍ (٧) منهم ومعقولِ
إِنِّي نذيرٌ لأهل النبل(٦) ضاحيةً
وليس يُوصَفُ ما أَنذرتُ بالقيلِ
من خيل(٨) أحمد لا وخشٍ تنابلةٍ(٩)
(١) تهد: تسقط لهول ما رأت من أصوات الجيش وكثرته، والجرد: الخيل العتاق، والأبابيل:
الجماعات. الإملاء المختصر في شرح غريب السير لأبي ذر الخشني ١١٧/٢ - ١١٨ .
(٢) في السيرة وتاريخ وتفسير الطبري: تَرْدي، ومعناه: تسرع، الإملاء المختصر ١١٨/٢ .
(٣) التنابلة: القصار، والمِيْلُ جمع أَميَل، وهو الذي لا رمح معه، وقيل: هو الذي لا ترس معه،
وقيل: هو الذي لا يثبت على السرج. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم. الإملاء ١١٨/٢ .
(٤) في السيرة وتاريخ وتفسير الطبري: أظن، بدل: كأن.
(٥) في السيرة وتاريخ وتفسير الطبري: بالجيل، وهو الصنف من الناس. وذكرها برواية
المصنف السهيلي في الروض الأنف ٣/ ١٨٠. وقوله: تغطمطت، أي: اهتزت وارتجت.
والبطحاء: السهل من الأرض. الإملاء المختصر ١١٨/٢.
(٦) في المصادر: البسل، وهو الحرام، وأراد بأهل البسل قريشاً؛ لأنهم أهل مكة، ومكةُ
حرام. الإملاء المختصر ١١٨/٢.
(٧) أي: عقل. الإملاء المختصر ١١٨/٢. وما بين حاصرتين من المصادر.
(٨) في المصادر: جيش.
(٩) الوخش: رذالة الناس وأخسَّاؤهم. وجاء في بعض المصادر: وخشٍ قنابلة، جمع قنبلة:
وهي القطعة من الخيل. الإملاء المختصر ١١٨/٢.

سُورَةُ العَمْرَانَ
١٣٦
الآية : ١٧٣
فثَنى عند ذلك أبو سفيان(١) ومَن معه، ومرَّ به ركبٌ من عبد القيس فقال: أين
تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولمَ؟ قالوا: نريد المِيرةُ(٢). قال: فهل أنتم
مبلِّغون عنّي محمداً رسالةً أُرسلكم بها إليه، وأُحمِّل هذه لكم غداً زبيباً بعكاظ إذا
وافيتموها(٣)؟ قالوا: نعم. قال: إذا وافيتموه فأخبروه أنْ قد أَجْمَعْنا السِّير إليه وإلى
أصحابه، لنستأصل بقيَّتهم. فمرَّ الركب برسول الله وفض له وهو بحمراء الأسد،
فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابُه، فقال: حَسْبُنا الله ونعم الوكيل.
وأخرج ابن هشام(٤) أنَّ أبا سفيان لما أراد الرجوع إلى حرب رسول الله وَلول
قال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فإنَّ القوم قد حَربوا(٥)، وقد خشينا
أن يكون لهم قتالٌ غير الذي كان، فارجعوا إلى محالُكم. فرجعوا، فلما بلغ
رسول الله وَ﴿ وهو بحمراء الأسد أنهم همُّوا بالرَّجعة قال: والذي نفسي بيده، لقد
سُوِّمت لهم حجارة، لو صُبِّحوا بها لكانوا كأمسٍ الذاهب.
ثم رجع رسول الله ◌َ له وأصحابه إلى المدينة، وأنزل الله تعالى هذه الآيات.
وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ بدلٌ من ((الذين استجابوا)) أو صفة، والمراد من الناس الأول:
رَكْبُ عبد قيس، ومن الثاني: أبو سفيان ومن معه، فـ ((أل)) فيهما للعهد، والناس
الثاني غير الأول.
وروي عن مجاهد وقتادة وعكرمة وغيرهم أنهم قالوا - والخبرُ متداخِلٌ -: نزلت
هذه الآيات في غزوة بدرٍ الصغرى، وذلك أنَّ أبا سفيان قال يوم أحدٍ حين أراد أن
ينصرف: يا محمد موعدُ ما بيننا وبينك موسم بدر القابل إن شئت. فقال
رسول الله وَل: ((ذلك بيننا وبينك إن شاء الله تعالى)). فلما كان العام المقبل، خرج
أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مَجنّة من ناحية مرِّ الظهران، وقيل: بلغ عُسْفان،
(١) في المصادر: فثنى ذلك أبا سفيان، أي: صرفه وردَّه. الإملاء المختصر ١١٨/٢ .
(٢) الميرة: جلب الطعام. القاموس المحيط (مير).
(٣) في الأصل و(م): وافيتموه. والمثبت من المصادر.
(٤) في السيرة ٢/ ١٠٤ عن عبيدة.
(٥) أي: غضبوا. الإملاء المختصر ١١٨/٢.

الآية : ١٧٣
١٣٧
سُورَةُ العَقْرَانَ
فألقى الله تعالى عليه الرعب فبدا له الرجوع، فلقي نُعيم بن مسعود الأشجعيَّ، وقد
قَدِمَ معتمراً، فقال له أبو سفيان: إني واعدتُ محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم
بدر، وإنَّ هذه عامُ جَدْبٍ، ولا يصلحنا إلا عامٌ نرعي فيه الشجر ونشرب فيه اللبن،
وقد بدا لي [أن لا أخرج إليهم](١)، وأكره أن يخرج محمدٌ ولا أخرجَ أنا فيزيدهم
ذلك جرأة، فالْحقِ المدينةَ فتثبِّطهم ولك عندي عشرةٌ من الإبل أَضعُها على يَدَي
سهيل بن عمرو.
فأتى نُعيمُ المدينةَ، فوجد الناسَ يتجهَّزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: بئس
الرأيُ رأيُكم، أَتوكم في دياركم وقرارِكم، فلم يُفْلِت منكم إلا شريدٌ، فتريدون أن
تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلتُ منكم أحدٌ. فكرة
أصحابُ رسول الله وَّرُ الخروجَ، فقال رسول الله وَّر: ((والذي نفسي بيده لأخرجنَّ
ولو وحدي)) فخرج ومعه سبعون راكباً يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل. حتى وافى
بدراً، فأقام بها ثمانيةً أيام ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان ومَن معه من
مَجِنَّة إلى مكة، فسمَّاهم أهلُ مكة جيشَ السويق، يريدون أنكم لم تفعلوا شيئاً سوى
شُربِ السويق، ولم يلقَ رسولُ اللهِوَّ﴿ أحداً من المشركين، فَكَرَّ راجعاً إلى
المدينة(٢). وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة، أو كعب بن مالك:
لميعاده صِدْقاً وما كان وافيا
وَعَدْنا أبا سفيان وَعْداً فلم نَجِدْ
لأُبْتَ ذميماً وافتقدتَ المَوَاليا
فأُقسمُ لو وافيتَنا فلقِيْتَنا
وعمراً أبا جهل تركناه ثاويا
تركنا به أوصالَ عُتْبةَ وابنهٍ
وأَمركم السَّيءُ الذي كان غاويا
عصيتُم رسولَ الله ◌ُفِّ لدينكم
فِدىّ لرسول الله أهلي وماليا
وإِنِّي وإنْ عتَّفتُموني لقائلٌ
شهاباً لنا في ◌ُظُلْمةِ الليل هادياً(٣)
أطعناه لم تَعْدِلْهُ فينا بغيره
(١) ما بين حاصرتين من تفسير البغوي ٣٧٤/١.
(٢) تفسير البغوي ١/ ٣٧٤ عن مجاهد وعكرمة، وأخرجه عنهما بنحوه دون ذكر نعيم بن مسعود
الطبري ٢٥٠/٦-٢٥١، وابن أبي حاتم ٨١٨/٣-٨١٩. وقوله: فخرج ومعه سبعون راكباً
يقولون، جاء بدلاً منه في المصادر: فأما الجبان فإنه رجع، وإما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقال.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٠-٢١١، وهي في ديوان كعب بن مالك ص ٢٢٢.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٣٨
الآية : ١٧٣
فعلى هذا، المراد من الناس الأول: نُعيم، وأُطلق ذلك عليه كما يُطلق الجمع
واسمُ الجمع المحلَّى بأل الجنسية على الواحد منه مجازاً، كما صرَّحوا به، أو
باعتبار أنَّ المذيعين له كالقائلين لهم، لكن في كون القائل نُعيماً مقال، وقد ذكره
ابن سعد في ((طبقاته))(١)، وذكر بعضهم أن القائلين أناسٌ من عبد قيس.
﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الضمير المستكنُّ للمقول، أو لمصدرٍ ((قال))، أو لفاعِله إن
أُريد به نُعيمٌ وحده، أو لله تعالى.
وتَعقَّبَ أبو حيان(٢) الأولَ بأنه ضعيفٌ من حيث إنه لا يزيد إيماناً إلا النطقُ به،
لا هو في نفسه، وكذا الثالث بأنه إذا أُطلق على المفرد لفظُ الجمع مجازاً، فإنَّ
الضمائر تجري على ذلك الجمع لا على المفرد، فيقال: مَفارِقُهُ شابتْ، باعتبار
الإخبار عن الجمع، ولا يجوز: مَفارِقه شابَ، باعتبار: مَفْرِقه شاب.
وفي كِلَا التعقيبين نظر:
أمَّا الأول: فقد نَظَر فيه الحلبي(٣) بأنَّ المقول هو الذي في الحقيقة حَصَل به
زيادة الإيمان.
وأما الثاني: فقد نظر فيه السَّفاقسي بأنه لا يَبْعُدُ جوازه بناءً على ما عُلم من
استقراء كلامهم فيما له لفظٌ وله معنى، من اعتبار اللفظ تارةً والمعنى أخرى.
والمراد أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك، بل ثبت به يقينهم بالله تعالى، وازدادوا
طمأنينة، وأظهروا حميَّة الإسلام.
واستدلَّ بذلك مَن قال: إنَّ الإيمان يتفاوتُ زيادةً ونقصاناً، وهذا ظاهرٌ إنْ
جعلت الطاعة من جملة الإيمان، وأمَّا إنْ جُعل الإيمانُ نفسَ التصديق والاعتقاد،
(١) ٥٩/٢. ونقل الشهاب في الحاشية ٣/ ٨٢ عن ابن حجر قوله: هذا لم أره مسنداً وإن نقله
الثعلبي عن مجاهد وعكرمة، وقال الواقدي وابن إسحاق: إنهم أناس من عبد قيس، ورووه
بسند فيه انقطاع وإبهام، فانحصرت تسميته نعيماً في مقاتل وهو متروك. وكلام ابن
حجر بنحوه في موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية ٤١٢/٤، وقال فيه أيضاً: وقد وقع لي
أصل القصة بسند قوي، والمبلِّغ فيها أيضاً مبهم.
(٢) في البحر ١١٨/٣.
(٣) في الدر المصون ٤٨٩/٣.

الآية : ١٧٣
١٣٩
سُورَةُ الَ ◌ّعَمْرَانَ
فقد قالوا في ذلك: إنَّ اليقين مما يزداد بالإلف وكثرة التأمُّل وتناصُر الحجج
بلا ريب. ويعضد ذلك أخبارٌ كثيرةٌ(١) .
ومَنْ جَعَل الإيمانَ نفسَ التصديق، وأنكر أن يكون قابلاً للزيادة والنقصان يؤوِّل
ما ورد في ذلك باعتبار المتعلّق. ومنهم مَن يقول: إنَّ زيادته مجازٌ عن زيادة ثمرتهِ
وظهور آثاره، وإشراق نوره وضيائه في القلب، ونقصانه على عكس ذلك، وكأنَّ
الزيادة هنا مجازٌ عن ظهور الحمية، وعدم المبالاة بما يثبِّطهم.
وأنت تعلم أنَّ التأويل الأول هنا خفيٍّ جدًّا؛ لأنه لم يتجدَّد للقوم بحسب
الظاهر عند ذلك القول شيءٌ يجب الإيمان به - کوجوب صلاة أو صوم مثلاً - ليقال:
إنَّ زيادة إيمانهم باعتبار ذلك المتعلّق، وكذا التزامُ التأويل الثاني في الآيات والآثار
التي لم تَكَدْ تتمنطقُ بمنطقة الحَصْرِ بعيدٌ غايةَ البعد.
فالأَوْلى القولُ بقَبول الإيمان الزيادةَ والنقصان من غير تأويل، وإن قلنا إنه نفس
التصديق. وكونُه إذا نقص يكون ظنًّا أو شًا، ويخرج عن كونه إيماناً وتصديقاً،
مما لا ظنَّ ولا شكَّ في أنه على إطلاقه ممنوعٌ.
نعم قد يكون التصديق بمرتبةٍ إذا نزل عنها يخرج عن كونه تصديقاً، وذاك
مما لا نزاعَ لأحدٍ في أنه لا يَقْبَلُ النقصان مع بقاء كونه تصديقاً؛ وإلى هذا أشار
بعض المحققين.
﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي: مُحْسِبنُا وكافينا، مِن أَحْسَبَهُ: إذا كفاه، والدليل
على أنَّ حَسْب بمعنى ((مُحْسِب)) اسم فاعل وقوعُهُ صفةً للنكرة في: هذا رجلٌ
حَسْبُك، مع إضافته إلى ضمير المخاطَب، فلولا أنه اسم فاعل وإضافتُهُ لفظيةٌ
لا تفيده تعريفاً - كإضافة المصدر - ما صحَّ كونُه صفةً لرجل، كذا قالوا، ومنه يُعلم
أنَّ المصدر المؤوَّل باسم الفاعل له حكمُه في الإضافة، والجملة الفعلية معطوفةٌ
على الجملة التي قبلها .
(١) منها ما أخرجه ابن أبي شيبة ٢٦/١١ عن زر قال: كان عمر مما يأخذ بيد الرجل والرجلين
من أصحابه فيقول: قم بنا نزدد إيماناً. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٣٤:
ورجاله ثقات ولکنه منقطع.

سُورَةُ العَزَانَ
١٤٠
الآية : ١٧٣
﴾﴾ أي: الموكولُ إليه، ففعيل بمعنى مفعول، والمخصوصُ
﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
بالمدح محذوفٌ هو ضميره تعالى، والظاهر عطفُ هذه الجملة الإنشائية على
الجملة الخبرية التي قبلها، والواوُ إما من الحكاية، أو من المَحْكيِّ، فإنْ كان
الأول وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محلٌّ من الإعراب
لكونهما حينئذ في حكم المفردين، فَأَمْرُ العطف ظاهرٌ من غير تكلُّفِ التأويل؛ لأنَّ
الجملة المعطوفَ عليها في محلِّ نصبٍ مفعولِ ((قالوا))، لكنَّ القول بجواز هذا
العطف بدون التأويل عند الجمهور ممنوعٌ لابدَّ له من شاهد، ولم يثبت.
وإن كان الثاني وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار مطلقاً - كما ذهب إليه
الصفار (١) - أو قلنا بجواز عطف القصة على القصة، أعني: عطف حاصل مضمون
إحدى الجملتين على حاصل مضمون الأخرى من غير نظر إلى اللفظ - كما أشار
إلى ذلك العلّامة الثاني - فالأمر أيضاً ظاهر، وإن قلنا بعدم جواز ذلك كما ذهب
إليه الجمهور، فلابدَّ من التأويل؛ إما في جانب المعطوف عليه، أو في جانب
المعطوف.
والذاهبون إلى الأول قالوا: إنَّ الجملة الأولى وإن كانت خبريةً صورةً، لكنَّ
المقصود منها إنشاءُ التوكّل أو الكفاية، لا الإخبارُ بأنه تعالى كافٍ في نفس الأمر.
والذاهبون إلى الثاني اختلفوا، فمنهم مَن قَدَّر: قلنا، أي: وقلنا نِعْمَ الوكيل.
واعتُرض بأنه تقديرٌ لا ينساق الذهن إليه، ولا دلالةَ للقرينة عليه، مع أنه لا يوجَد
بين الإخبار بأنَّ الله تعالى كافيهم، والإخبار بأنهم قالوا: نِعْمَ الوكيل، مناسَبةٌ معتدٍّ
بها يَحْسُنُ بسببها العطفُ بينهما .
ومنهم مَن جعل مدخول الواو معطوفاً على ما قبله بتقدير المبتدأ: إما مؤخّراً
لتناسب المعطوف عليه، فإنَّ ((حسبنا)) خبر، و((الله)) مبتدأ، بقرينة ذكره في المعطوف
عليه، ومجيء حذفه في الاستعمال، وانتقال الذهن إليه، وإما مقدَّماً رعايةً لقرب
المرجع مع ما سبق.
(١) هو قاسم بن علي بن محمد البَطَلْيوسيّ الشهير بالصفار، صحب الشلوبين وابن عصفور،
وشرح كتاب سيبويه شرحاً حسناً، مات بعد الثلاثين وست مئة. بغية الوعاة ٢٥٦/٢.