Indexed OCR Text

Pages 101-120

الآية : ١٦١
١٠١
سُورَةُ الَّعَنْ انا
والروايةُ الأولى أَوْفَقُ بالمقام، وارتباطُ الآية بما قبلها عليها أتمُّ، لأنَّ القصة
أُحُدِيَّة، إلا أنَّ فيها إشعاراً بأنَّ غنائم بدر لم تُقْسَم، وهو مخالفٌ لما سيأتي في
((الأنفال))، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه. والرواية الثانية أولى بالقبول عند
أرباب هذا الشأن.
ويحتمل أن يكون المراد المبالغةً في النهي عن الغلول، فقد أخرج ابن أبي شيبة
في ((المصنف))، وابن جرير مرسلاً عن الضحاك قال: بعث رسول الله وَّر طلائع،
فغنم النبيُّ ◌َّ﴿ غنيمةً، فَقَسَم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئاً، فلما قَدِمَتِ
الطلائع قالوا: قسم النبيُّ وَله ولم يقسم لنا، فأنزل الله تعالى الآية (١). فالمعنى:
ما كان لنبيٍّ أن يُعطى قوماً من العسكر ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بين الكلِّ
بالسَّوية، وعبَّر سبحانه عن حرمان بعض الغزاة بالغُلول فَظْماً(٢) عن هذا الفعل
بالكلية، أو تعظيماً لشأنه التى .
وجعل بعضُهم الكلام على هذا الاحتمال على حدٍّ: ﴿لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾
[الزمر: ٦٥] خوطب به وَل وأريد غيره ممن يفعل مثل هذا بعد النهي عنه. ولا يَخْفى
بُعْدُه.
والصيغة على الاحتمال الأول إخبارٌ لفظاً ومعنّى، لكنها لا تخلو عن رمز إلى
نهي عن اعتقاد ذلك في تلك الحضرة المقدَّسة، وعلى الاحتمال الأخير خبرٌ
أُجري مُجرى الطلب، وقد وردت هذه الصيغة نهياً في مواضعَ من التنزيل؛ كقوله
تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُْ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
[الأحزاب: ٥٣] وكذا للامتناع العقلي، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدِ﴾
[مريم: ٣٥] و﴿مَّا كَانَ لَكُنْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠].
= خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس. قال الترمذي: حديث حسن غريب ... وروى بعضهم
هذا الحديث عن خصيف عن مقسم، ولم يذكر فيه: عن ابن عباس.
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٤١٣/١٢، وتفسير الطبري ١٩٦/٦.
(٢) أي: قطعاً. القاموس (فطم).

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٠٢
الآية : ١٦١
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب: ((أن يُغَلَّ) على صيغة البناء
للمفعول(١)، وفي توجيهها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون ماضِيَه: أَغللته، أي: نَسَبْتُه إلى الغُلول، كما تقول: أكْفَرْتُه،
أي: نَسْبتُه إلى الكفر، قال الكُميت:
وطائفة قد أَكْفَرَتْني بحبِّكم وطائفة قالت مُسيءٌ ومُذْنبٌ(٢)
والمعنى: ما صحَّ لنبيِّ أن ينسبه أَحدٌ إلى الغُلول.
وثانيها: أن يكون من: أَغللتُه، إذا وجدته غالًّا؛ كقولهم: أَحمدتُه وأَبخلتُه
وأَجبنتُه، بمعنى: وجدتُّه كذلك، والمعنى: ما صحَّ لنبيِّ أن يُوجَد غالًّا .
وثالثها: أنه من غُلَّ، إلا أن المعنى: ما كان لنبيِّ أن يَغُلَّه غيرُه، أي: يخونه
ویسرق من غنيمته.
ولعلَّ تخصيص النبيِّ بذلك - وإن كان لا يجوز أن يَغُلَّ غيرُهُ من إمام أو
أمير - إما لِعِظَم خيانته، أو لأنه القائم بأمر الغنائم فإذا حُرِّمت الخيانة عليه وهو
صاحب الأمر فَحرمتُها على غيره أولى. كذا قيل. وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى
توجيه التخصيص بما ذُكر بعد الالتفات إلى سبب النزول، والنظر إلى ما سيأتي
بعد .
ومن الناس مَن زعم أنَّ الآية نزلت في أداء الوحي؛ قال: كان رسول الله وَل
يقرأ القرآن وفيه عَيْبُ دينهم وسبُّ آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك، فأنزل الله تعالى
الآية (٣)، ولا يَخْفَى أنه بعيدٌ جدًّا، ولا أدري كيف سَنَدُ هذه الرواية، ولا أظنُّ
الخبر إلا موضوعاً، ويزيده بُعْداً بل لا يكاد يجوِّزه قولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا
غَّ يَّوْمَ الْقِيَّمَةِ﴾ وهو جملةٌ شرطيةٌ مستأنفةٌ، لا محلَّ لها من الإعراب، و((ما))
موصولة، والعائد محذوف، أي: بالذي غَلَّه، وجُوِّز أن تكون حالاً، ويكون
التقدير: في حال علم الغالِّ بعقوبة الغُلول.
(١) التيسير ص ٩١، والنشر ٢٤٣/٢، وقرأ بها أيضاً من العشرة خلف وأبو جعفر.
(٢) البيت في شرح هاشميات الكميت ص ٥٣، وخزانة الأدب ٤/ ٣١٤.
(٣) ذكره الرازي في تفسيره ٩/ ٧٠.

الآية : ١٦١
١٠٣
سُورَةُ الَّعَشْرَانَ
وظاهِرُ الآثار يدلُّ على أنَّ الإتيان على ظاهره، فقد أخرج الشيخان، والبيهقيُّ
في ((الشُّعَب)) عن أبي هريرة ◌َُّه قال: قام فينا رسول الله وَ له يوماً فذَكَر الغُلُولَ،
فعظّمه وعظّم أمره ثم قال: أَلَا لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه بعيرٌ له
رُغاءٌ فيقول: يا رسولَ الله أَغِثْني، فأقولُ: لا أملكُ لكَ من الله تعالى شيئاً، قد
أبلغتُك. لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُم يومَ القيامة على رقبتهِ رِقاعٌ تَخْفِق فيقول: يا رسولَ الله
أَغِثْني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك. لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يوم
القيامة على رقبته صامتٌ فيقول: يا رسولُ الله أَغِثْني، فأقولُ: لا أملكُ مِن الله
تعالى شيئاً، قد أبلغتُك))(١).
والأخبارُ بهذا المعنى كثيرةٌ، ولعلَّ السّرّ في ذلك أن يُفضح به على رؤوس
الأشهاد زِيادةً في عقوبته، وإلى هذا ذهب الجُبَّائيُّ، ولا مانع من ذلك عقلاً،
والاستبعادُ غيرُ مفيد، وقد وقع ما يُشعر بالاستبعاد قديماً، فقد أخرج ابن أبي حاتم
عن أبي هريرة أنَّ رجلاً قال له: أرأيتَ قولَ الله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ بَأْتِ بِمَا غَلَ يَوْمَ
الْقِيَّمَةِ﴾ هذا يَغلُّ ألفَ درهم وألفي درهم يأتي بها، أرأيت مَنِ يَغُلُّ مئةَ بعير أو
مئتي بعير، كيف يصنع بها؟ قال: أرأيت مَن كان ضِرْسُهُ مثل أُحد، وفَخِذُهُ مثل
وَرِقان، وساقُّه مثل بيضاءَ، ومجلسه ما بين الرََّذة إلى المدينة، ألا يحمل مثلَ
هذا (٢)؟
وورد في بعض الأخبار أنَّ الإتيان بالغُلول من النار، فحينئذ يكون في الآية
حذفٌ، أي: يأتِ بما غلَّ من النار، فقد أخرج ابن مردويه والبيهقيُّ عن بُريدةً قال:
قال رسول الله وَله: ((إنَّ الحجر لَيَزِنُ سبع خَلِفات، فيُلقى في جهنم فيهوي فيها
(١) صحيح البخاري (٣٠٧٣)، وصحيح مسلم (١٨٣١)، وشعب الإيمان (٤٣٣٠)، وهو عند
أحمد (٩٥٠٣). والمراد بالرِّقاع: ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع، وخفوقها
حركتها. والصامت: الذهب والفضة. النهاية (رقع) و(صمت).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨٠٥/٣، وأخرجه - أيضاً - هناد في الزهد (٢٩٧). قوله: وَرِقان، هو
جبل أسود بين العَرْج والرويئة على يمين المُصعد من المدينة إلى مكة. وبيضاء: ثنية التنعيم
بمكة. والربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عِرْق على طريق الحجاز.
معجم البلدان ٥٣٠/١ ٢٤/٣ و٣٧٢/٥.

سُورَةُ الْعَنْرَانَ
١٠٤
الآية : ١٦١
سبعين خريفاً، ويؤتَى بالغُلول فيُلقى معه، ثم يكلَّف صاحبه أن يأتي به، وهو
قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾))(١).
وأخرج ابن أبي حاتم(٢) عن ابن عمر ر﴿ما قال: لو كنت مُسْتَحِلًّا من الغُلول
القليل، لاستحللتُ منه الكثير، ما من أحد يَغُلُّ إلا كُلِّف أن يأتي به من أسفل دَرْك
جهنم .
وقيل: الإتيان به مجازٌ عن الإتيان بإثمه؛ تعبيراً بما عَمِلَ عمَّا لزمه من الإثم،
أي: يأتِ بما احْتَملَ من وَبالِه وإثمه. واختاره البلخيُّ وقال: يجوز أن يكون
ما تضمَّنته الأخبار جارٍ (٣) على وجهِ المَثَل، كأنَّ الله تعالى إذ فضح الغالَّ وعاقبه
العقوبة الشديدة، جری مجری أن یکون آتياً به وحاملاً له، وله صوت. ولا يخفى
أنَّ جواب أبي هريرة للرجل يأبى هذا التأويل.
وقيل: إنَّ المعاني تظهر في صور جسمانية يوم القيامة، كما يُؤْذِنُ بذلك خبرُ
مجيء الموت في صورة كبش(٤)، وتلقّ القرآنِ صاحبه في صورة الرجل الشاحب
حين ينشقُّ عنه القبر(٥)، إلى غير ذلك.
وقد ذكر غيرُ واحدٍ أنه لا يَبْعُدُ ظهور الأعمال من الطاعات والمعاصي بصورٍ
تناسبها، فحينئذٍ يمكن أن يقال: إنَّ معصية كلِّ غالٍّ تظهر يوم القيامة في صورة
غلوله، فيأتي بها هناك، وعليه تكون الأخبار على ظاهرها من غير حاجة إلى
ارتكاب التمثيل، وجواب أبي هريرة لا يأباه، وإلقاؤه في النار غيرُ مُشْكلٍ.
وأهل الظاهر لعلَّهم يقولون: إنه يُلقى من غير تعذيب(٦). وبتقديره لا محذورَ
(١) شعب الإيمان (٤٣٣٤)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٩٢/٢. قوله: خَلِفات: جمع
خَلِفة، وهي الحامل من النوق. النهاية (خلف).
(٢) في تفسيره ٨٠٥/٣.
(٣) في (م): جاء.
(٤) أخرجه أحمد (١١٠٦٦)، والبخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد
ـبّه .
الخدري
(٥) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٦)، وابن ماجه (٣٧٨١) من حديث بريدة
(٦) بعدها في الأصل: له.

الآية : ١٦١
١٠٥
سُورَةُ آلعمران
أيضاً فيه؛ لأنَّ الله تعالى لا يجب عليه بشيء، وقد ورد في بعض الأخبار أنه تعالى
يخلقُ خَلْقاً حين قول جهنم: ﴿هَلْ مِنْ تَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] فيضعهم فيها(١). ومع هذا
وتسليم صحة الخبر لابدَّ من القول باستثناء بعض الغُلول عن الإلقاء؛ إذ قد يكون
الغُلولَ مُصْحَفاً، ولا أظنُّ أحداً يتجاسر على القول بإلقائه.
﴿ِثُمَّ تُوَقَّ كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ﴾ أي: تُعطى كلُّ نفسِ مكلَّفةٍ جزاءً ما عملت
من خيرٍ أو شرِّ، تامًّا وافياً، ففي الكلام مضافٌ محذوفٌ، أو أنه أُقيم المكسوبُ
مُقام جزائه، وفي تعليق التوفية بكلِّ مكسوبٍ - مع أنَّ المقصودَ بيانُ حال الغالِّ عند
إتيانه بما غلَّ يوم القيامةِ - من الدلالة على فخامة شأن اليوم، والمبالغةِ في بيان
فظاعةِ حالِ الغالٌ ما لا يخفى، فإنه إذا كان كلُّ كاسبٍ مجزيًّا بعمله لا ينقص منه
شيء وإن كان جُرْمه في غايةِ القَلَّة والحقارة، فالغالُّ مع عِظَم جُرْمه بذلك أولى،
وهذا سبب العدول عمَّا يقتضيه الظاهر من نحو: ثم يوفَّى مَا كَسَب؛ لأنه اللائق
بما قبله.
وقيل: يحتمل أن يكون المراد: ثم توفَّى منه كلُّ نفس لها حقٌّ في تلك الغنيمة
ما كسبت من نقصان حقِّها من غلِّه، فحينئذ يكون النّظمُ على مقتضى الظاهر.
وكلمة ((ثمّ)) للتفاوت بين حمله ماغَلَّ وبين جزائه، أو للتراخي الزماني، أي:
بعد حَمْله ما غَلَّه بمدَّة مديدة، وجَعلِه منتظراً فيما بين الناس مفتضحاً حاملاً ماغَلَّه،
تُوَقَّى منه كلُّ نفس، ولا يخفى أنَّ مثل هذا الاحتمال مما يُصان عنه كلام الملك
المتعال، فالحقُّ الذي لا ينبغي العدول عنه، هو القول الأول، المتضمِّنُ لنكتة
العدول، وأَمْرُ ((ثم)) عليه ظاهرٌ، سواءٌ جُعلت للتراخي الزماني، أو التراخي الرُّتبي:
(١) أخرجه البخاري (٧٤٤٩) من حديث أبي هريرة لله، وفيه: (( ... وإنه ينشئ للنار من يشاء
فيُلقَوْن فيها ... ))، ولكن جاء في رواية أخرى لهذا الحديث عند البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم
(٢٨٤٦): (٣٦): (( ... وأما الجنة فإن الله عز وجل ینشئ لها خلقاً)) ومثله من حديث أنس
عند البخاري (٧٣٨٤)، ومسلم (٢٨٤٨): (٣٨). قال ابن حجر في الفتح ٤٣٧/١٣ في
شرحه للرواية التي ذكرناها أولاً عن أبي هريرة ﴿ه: وقد قال جماعة من الأئمة: إن هذا
الموضع مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلئ من
إبليس وأتباعه، وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني، واحتج بقوله: ﴿وَلَا يَظْلِّمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ثم
قال: وحَملُه علی احجار تلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح یعذب بغير ذنب.

سُورَةُ العمران
١٠٦
الآية : ١٦٢
أما الأول: فلأَنَّ الإتيان بما غَلَّ عند قيامه من القبر على ما هو الظاهر،
والجزاءُ بعد ذلك بكثير.
وأما الثاني: فلأَنَّ جزاء الغالٌ وعقوبته أَشدُّ فظاعةً من حَمْلِ ما غلَّه والفضيحةِ
به، بل لا يبعد أن يكون ذلك الحمل كالعلاوة على الحمل، بل يكاد أن يكون
نعيماً بالنسبة إلى ما يَلقى بعدُ.
والجملة على كلِّ تقدير معطوفةٌ على الجملة الشرطية.
﴿وَهُمْ﴾ أي: كلُّ الناس المدلولِ عليهم بـ ((كلِّ نفس)) ﴿لَا يُظْلَمُونَ (٣)﴾ أي:
لا ينقص بمقتضى الحكمة والعدل ثوابُ مُطيعهم، ولا يُزاد عقابُ عاصيهم.
﴿أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَ الَّهِ﴾ أي: سعى في تحصيله وانتحى نحوه ﴿كَمَنَّ بَآءَ﴾ أي:
رجع ﴿يِسَخَطٍ﴾ أي: غضبٍ عظيم جدًّا، وهو بفتحتين مصدرٌ قياسيٍّ، ويقال: بضمٌ
فسكون، وهو غير مَقيسٍ. والجارُّ متعلِّقٌ بالفعل قبله، وجُوِّز أن يكون حالاً، فيتعلَّقُ
بمحذوف، أي: رجع مصاحباً لسَخَطِ ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: كائنٍ منه تعالى.
وفي المراد من الآية أقوال:
أحدها: أنَّ المعنى: أفمن اتّبع رضوان الله في العمل بالطاعة، كَمَن باء بسَخَطِ
منه سبحانه في العمل بالمعصية، وهو المرويُّ عن ابن إسحاق(١).
ثانيها: أنَّ معناه: أفمن اتَّبع رضوان الله في ترك الغُلول؛ كالنبيِّ ومَن يَسيرُ
بسيرته، كَمَن باء بسَخَطٍ من الله تعالى بفعل الغُلول، وروي ذلك عن الحسن
والضحاك، واختاره الطبريُّ(٢)، لأنه أوفقُ بالمقام.
ثالثها: أنَّ المراد: أفمن اتَّبع رضوان الله تعالى بالجهاد في سبيله، کمن باء
بسَخَطِ منه جلَّ جلاله في الفرار عنه، ونُقل ذلك عن الجُبَّائي والزجَّاج، قيل(٣):
وهو المطابق لِمَا حكي في سبب النزول أنَّ رسول الله وَّ لمَّا أمر بالخروج إلى
(١) كما في سيرة ابن هشام ٢/ ١١٧، ونقله المصنف عن الطبرسي في مجمع البيان ٢٥٢/٤.
(٢) في تفسيره ٢٠٩/٦، والكلام من مجمع البيان ٢٥٣/٤.
(٣) القائل هو الطبرسي في مجمع البيان ٢٥٣/٤، وعنه نقل المصنف قول الجبائي والزجاج،
وينظر معاني القرآن للزجاج ٤٨٦/١.

الآية : ١٦٣
١٠٧
سُورَةُ الْعَبْرَانَ
أُحدٍ، فَعَدَ عنه جماعةٌ من المنافقين، واتَّبعه المؤمنون، فأنزل الله تعالى هذه الآية،
وفيه بُعْدٌ.
وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمار لما قُرِّر(١) غيرَ مرَّة.
﴿وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ﴾ أي: مصيرُه ذلك، وفي الجملة احتمالان:
الأول: أن تكون مستأنفةً مسوقةً لبيان مآل(٢) مَنْ باء بسَخَط، ويُفهَم مِن مُقابِلِه
أنَّ مَن اتَّبع الرضوان كان مأواه الجنة، ولم يذكر ذلك ليكون أَبلغَ في الزجر.
وقيل: لم يذكر مع الرضوان الجنةَ، لأنَّ رضوان الله تعالى أكبرُ، وهو مستلزمٌ لكلِّ
نعيم؛ وكونُ السَّخَطِ مستلزماً لكلِّ عقاب فيقتضي أن تُذكر معه جهنم في حَيِّز
المنع، لسبق الجمالِ الجلالَ، فافهم.
والثاني: أنها داخلةٌ في حَيِّز الموصول، فتكون معطوفةً على ((باء بسخط))
عطفَ الصِّلة الاسمية على الصلة الفعلية.
وعلى كلا الاحتمالين لا محلَّ لها من الإعراب.
﴿وَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ (٧)﴾ إما تذييلٌ، أو اعتراضٌ، أو معطوفٌ على الصلة بتقدير:
ويقال في حقٌّهم ذلك، وأيًّا ما كان فالمخصوص بالذمِّ محذوفٌ، أي: جهنمُ.
والمصير: اسمُ مكان، ويحتمل المصدريةَ، وفرَّقوا بينه وبين المرجع بأنَّ
المصير يقتضي مخالفةً ما صار إليه من جهنم لِمَا كان عليه في الدنيا؛ لأنَّ الصيرورة
تقتضي الانتقال من حالٍ إلى حال أخرى؛ كـ : صار الطينُ خَزَفاً، والمرجع انقلابُ
الشيء إلى حالٍ قد كان عليها؛ كقولك: مرجعُ ابن آدم إلى التراب، وأما قولهم:
مرجع العباد إلى الله تعالى؛ فباعتبار أنهم ينقلبون إلى حالٍ لا يملكون فيها لأنفسهم
شيئاً كما كان قبلَ ما مَلَكوا.
· عائدٌ على الموصولَيْنِ باعتبار المعنى، وهو مبتدأ، وقوله تعالى:
﴿دَرَجَتُ﴾ خبرُهُ، والمراد: هم متفاوتون؛ إطلاقاً للملزوم على اللازم، أو شَبَّههم
(١) في (م): لما مر.
(٢) في (م): حال.

سُورَةُ الَّعَنْرَان
١٠٨
الآية : ١٦٣
بالدَّرَج في تفاوتهم علوًّا وسفلاً على سبيل الاستعارة، أو جَعَلَهم نفسَ الدرجات
مبالغةً في التفاوت، فيكون تشبيهاً بليغاً بحذف الأداة.
وقيل: إن الكلام على حذف مضافٍ، ولا تشبيه، أي: هم ذوو درجات، أي:
منازلَ، أو أحوالٍ متفاوتة، وهذا معنى قول مجاهد والسُّدِّي: لهم درجات. وذهب
بعضهم أنَّ في الآية حينئذٍ تغليبُ الدرجاتُ على الدَّرَكات؛ إذ الأول للأول،
والثاني للثاني.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في علمه وحُكمه، والظّرفُ متعلِّقٌ بـ ((درجاتٍ)) على المعنى،
أو بمحذوفٍ وقع صفةً لها.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾﴾ من الأعمال ودرجاتها، فيجازيهم بحَسَبها،
والبصير كما قال حجَّةُ الإسلام(١): هو الذي يُشاهِدُ ويرى، حتى لا يَعْزُب عنه
ما تحت الثرى، وإبصارُهُ أيضاً منزَّةٌ عن أن يكون بَحدَقةٍ وأجفان، ومقدَّسٌ عن أن
يرجع إلى انطباعٍ الصور والألوان في ذاته، كما ينطبع في حَدَقة الإنسان، فإنَّ ذلك
من التغيير والتأثَّر المقتضي للحدثان، وإذا نُزِّه عن ذلك كان البصرُ في حقِّه تعالى
عبارةً عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات، وذلك أوضحُ وأجلى
مما نفهمه من إدراك البصرِ القاصر على ظواهر المرئيات، انتهى.
ويُفهم منه أنَّ البصرَ صفةٌ زائدة على العلم، وهو الذي ذهب إليه الجمهور منَّا
ومن المعتزلة والكرَّامية؛ قالوا: لأنَّا إذا علمنا شيئاً عِلماً جليًّا، ثم أبصرناه، تجدُ
فرقاً بين الحالتين بالبديهة، وأنَّ في الحالة الثانية حالةٌ زائدةٌ هي الإبصار.
وقال الفلاسفة، والكعبيُّ، وأبو الحسين البصريُّ، والغزالي عند بعضٍ وادَّعى
أنَّ كلامه هذا مشيرٌ إليه: إنَّ بصره تعالى عبارةٌ عن علمه تعالى بالمبصَرات، ومثل
هذا الخلاف في السمع.
والحقُّ أنهما زائدان على صفة العلم، وأنهما لا يُكَّفان ولا يُحَدَّان، والإقرارُ
بهما واجبٌ كما وصف بهما سبحانه نفسه، وإلى ذلك ذهب السلف الصالح، وإليه
ينشرح الصدر.
(١) في المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ص ٩١.

الآية : ١٦٤
١٠٩
سُورَةُ العَقْرَانَ
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أي: أَنْعَمَ وتفضَّل، وأصل المنِّ: القطعُ، وسُمِّيت النعمةُ مِنَّةً
لأنه يُقطّع بها عن البلية، وكذا الاعتداد بالصنيعة مَنَّا لأنه قَطْعٌ لها عن وجوب
الشكر عليها. والجملة جوابُ قسم محذوفٍ، أي: والله لقد منَّ الله.
﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من قومه، أو من العرب مطلقاً، أو من الإنس، وخيرُ
الثلاثة الوسط، وإليه ذهبت عائشة ﴿ّا، فقد أخرج البيهقيُّ وغيره عنها أنها قالت:
هذه للعرب خاصة(١). والأولُ خيرٌ من الثالث.
وأيًّا ما كان، فالمراد بهم على ما قال الأُجْهُوريُّ: المؤمنون من هؤلاء في
علم الله تعالى، أو الذين آلَ أَمرهم إلى الإيمان.
﴿إِذْ بَعَثَ فِهِمْ﴾ أي: بينهم ﴿رَسُولًا﴾ عظيمَ القَدْر جليلَ الشأن ﴿مِّنْ أَنْفُسِمْ﴾
أي: من نَسَبهم، أو من جنسهم، عربيًّا مثلهم، أو من بني آدم، لا مَلَكاً ولا جنيًّا.
و((إذا ظرفٌ لـ ((مَنَّ))، وهو وإن كان بمعنى الوقت، لكن وقع في مَعرض التعليل
كما نصَّ عليه مُعظَمُ المحققين. والجارُّ إما متعلِّقٌ بـ ((بعث))، أو بمحذوف وقع صفةً
لـ ((رسولاً)).
والامتنانُ بذلك إما لحصول الأُنس بكونه من الإنس، فَيَسْهُلُ التلقِّي منه،
وتزولُ الوحشة والنفرة الطبيعية التي بين الجنسين المختلفين. وإما ليفهموا كلامه
بسهولة، ويفتخروا على سائر أصناف نوع بني آدم. وإما ليفهموا ويفتخروا
ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة، فيكون ذلك أقربُ إلى تصديقه
والوثوق به مقلد.
وتخصيص المؤمنين بالامتنان مع عموم نعمة البعثة كما يدلُّ عليه قوله تعالى:
﴾ [الأنبياء: ١٠٧] لمزيد انتفاعهم على اختلاف
﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ
الأقوال فيهم بها، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿هُدَّى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
وقرئ: (لَمِنْ مَنَّ الله))(٢) بـ ((مِنْ)) الجارَّة و((مَنِّ)) المشدَّدة النون، على أنه خبرٌ
(١) شعب الإيمان (١٦١٥)، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٨٠٨/٣.
(٢) القراءات الشاذة ص ٢٣، والكشاف ٤٧٧/١، والبحر ١٠٣/٣-١٠٤، والدر المصون
٤٧١/٣.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١١٠
الآية : ١٦٤
لمبتدأ محذوف، مثل: مَنُّه أو بَعْتُه، وحُذف لقيام الدلالة. وجوَّز الزمخشريُّ(١) أن
تكون ((إذ)) في محلِّ الرفع كإذا في قولك: أَخْطَبُ ما يكون الأمير إذا كان قائماً،
بمعنى: لَمِنْ منِّ الله تعالى على المؤمنين وقتُ بَعْثِه.
ولا يخفى عليك أنَّ هذا يقتضي أن تكون ((إذا مبتدأ، والجارُّ والمجرور خبراً.
وقد اعتُرضَ ذلك بأنه لم يُعلم أنَّ أحداً من النحويين قال بوقوع ((إذا كذلك، وما في
المثال ((إذا)) لا ((إذ)) وهي أيضاً فيه ليست مبتدأً أصلاً، وإنما جوَّزوا فيها وجهين:
النصبُ على أنَّ الخبر محذوفٌ وهي سادَّةٌ مَسَدَّه، والرفع على أنها هي الخبر،
وعلى الأول: يكون الكلام من باب: جَدَّ جَدّه، لأنَّ الأمير أَخطَبُ في حال القيام
لا كونه، وعلى الثاني من باب: نهاره صائم. والوجهُ الأول هو المشهور، وجوّز
الثاني عبد القاهر(٢) تمسُّكاً بقول بعضهم: أَخطبُ ما يكون الأمير يومُ الجمعة،
بالرفع، فكأنَّ الزمخشريَّ قاس ((إذ) على ((إذا)) والمبتدأ على الخبر.
وانتصر بعضهم للزمخشري، بأنه قد صرَّح جماعةٌ من محققي النحاة بخروج
(إذ)) عن الظرفية، فتكون مفعولاً به، وبدلاً من المفعول، وهذا في قوة تصريحهم
بوقوعها مبتدأً وخبراً مثلاً؛ إذ هو قولٌ بتصرُّفها، ومتى قيل به كانت جميع الأحوال
مستويةً في جواز الإقدام عليها من غير تفرقةٍ بين حالٍ وحالٍ إلا لمانع يمنع من ذلك
الحال فيها وفي غيرها من سائر الأسماء، وهو أمرٌ آخرُ وراءَ ما نحن فيه.
نعم حكى الشَّلوبين في ((شرح الجزولية))(٣) عن بعضهم: أنَّ مأخذَ التصرُّف في
الظروف هو السماع، فإنْ كان هذا حكم أصل التصرُّف فقط دون أنواعه، ارتفع
الغبار عمَّا قاله الزمخشريُّ بناءً على ما ذكرنا بلا خفاء، وإن كان حكم الأنواع
أيضاً كذلك، فلا يُقْدَمُ على الفاعلية بمجرَّد ثبوتِ المفعولية، ولا على الابتدائية
بمجرَّد ثبوت الخبرية - مثلاً - إلا بورود سماع في ذلك، ففي صحَّة كلام الزمخشريِّ
تردّدٌ بَيِّن؛ لأنَّ مجرَّدَ تصريحهم حينئذ بوقوع ((إذا مفعولاً وبدلاً، وبوقوع ((إذا)) خبراً
مثلاً لا يجدي نفعاً، لجواز ورود السماع بذلك دون غيره، كما لا يخفى.
(١) في الكشاف ١/ ٤٧٧.
(٢) نقل المصنف قوله عن مغني اللبيب ص ١١٣ .
(٣) ٧١٧/٢.

الآية : ١٦٤
١١١
سُورَةُ العَقْرَانَ
وفي قراءة رسول الله وفاطمةً صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم: ((من أَنفَسِهم))
بفتح الفاء(١)، أي: من أشرفهم؛ لأنه وَّر من أشرف القبائل وبطونها، وهو أمرٌ
معلومٌ غنيٌّ عن البيان، ينبغي اعتقاده لكلِّ مؤمن.
وقد سئل الشيخ وليُّ الدين العراقي: هل العلم بكونه وَله بشراً ومن العرب
شرط في صحة الإيمان، أو من فروض الكفاية؟
فأجاب: بأنه شرط في صحة الإيمان، ثم قال: فلو قال شخصٌ: أُؤْمِنُ برسالة
محمد زَّلهه إلى جميع الخلق، لكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة أو من
الجنّ، أو لا أدري هل هو من العرب أو من العجم؟ فلا شكَّ في كفره لتكذيبه
القرآنَ وجَحْدِه ما تلقَّته قرون الإسلام خَلَفاً عن سَلَفٍ، وصار معلوماً بالضرورة عند
الخاصِّ والعام، ولا أعلم في ذلك خلافاً، فلو كان غبيًّا لا يعرف ذلك وجب
تعلیمه إياه، فإنْ جَحَدَهُ بعد ذلك حَگَمْنا بكفره. انتهى.
وهل يقاس اعتقادُ أنه وَّله من أشرف القبائل والبطون على ذلك، فيجب ذلك
في صحة الإسلام، أو لا يقاس، فحينئذ يصحُّ إيمان مَن لم يَعرف ذلك لكنه منزٌهٌ
تلك الساحةَ العليةَ عن كلِّ وَصْمة؟ فيه تأمل، والظاهر الثاني وهو الأوفق بعوامٌ
المؤمنين.
﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ﴾ إما صفةٌ، أو حالٌ، أو مستأنفةٌ وفيه بُعْدٌ، أي: يتلو
عليهم ما يوحَى إليه من القرآن بعد ما كانوا أهلَ جاهلية، لم يَطْرُق أسماعَهم شيءٌ
من الوحي، أو بعد ما كان بعضُهم كذلك، وبعضهم متشوِّفاً متشوِّقاً إليه، حيث
أخبر کتابه الذي بيده بنزوله وبشّر به.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يدعوهم إلى ما يكونون به زاكِين طاهرين مما كان فيهم من
دَنَسِ الجاهلية، أو من خبائث الاعتقادات الفاسدة، كالاعتقادات التي كان عليها
مشركو العرب وأهل الكتابين. أو يشهد بأنهم أزكياء في الدين. أو يأخذ منهم
الزكاة التي يطهِّرهم بها قاله الفراء (٢)، ولا يخفى بُعْدُه، ومِثْلُه القريبُ إليه.
(١) القراءات الشاذة ص ٢٣، والكشاف ٤٧٦/١.
(٢) في معاني القرآن ٢٤٦/١.

سُؤَدَّةُ العَقْرَانَ
١١٢
الآية : ١٦٤
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قد تقدَّم الكلام في ذلك(١). وهذا التعليم معطوفٌ
على ما قبله، مترتّبٌ على التلاوة، وإنما وسَّط بينهما التزكية - التي هي عبارةٌ عن
تكميل النفس بحسب القوة العملية، وتهذيبِها المتفرِّغ على تكميلها بحسب القوة
النظرية، الحاصل بالتعليم، المترتِّب على التلاوة - للإيذان بأنَّ كلَّ واحدٍ من الأمور
المترتِّبة نعمةٌ جليلةٌ على حيالها، مستوجبةٌ للشكر، ولو رُوعيّ ترتيبُ الوجود كما في
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِبِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] لتبادر إلى الفهم عدُّ الجميع نعمةً واحدةً، وهو السِّرُّ في
التعبير عن القرآن بالآيات تارة، وبالكتاب والحكمة أخرى، رمزاً إلى أنه باعتبار
كلِّ عنوانٍ نعمةٌ على حدة. قاله مولانا شيخ الإسلام(٢).
وقد يقال: المراد من تلاوة الآيات تلاوةُ ما يوحى إليه وَلّ من الآيات الدالة
على التوحيد والنبوة، ومن التزكية الدعاءُ إلى الكلمة الطيبة المتضمِّنة للشهادة لله
تعالى بالتوحيد، ولنبيِّه عليه الصلاة السلام بالرسالة، وبتعليم الكتاب تعليمُ ألفاظ
القرآن وكيفية أدائه ليتهيّاً لهم بذلك إقامة عُماد الدين، وبتعليم الحكمة الإيقافُ على
الأسرار المخبوءة في خزائن كلام الله تعالى، وحينئذٍ أَمْرُ ترتيب هذه المتعاطِفات
ظاهرٌ؛ إذ حاصلُ ذلك أنه وََّ يمهّد سُبلَ التوحيد ويدعو إليه، ويعلِّم ما يلزم بعد
التلبُّس به ويزيد على الزُّبْد شَهْداً، فتقديم التلاوة؛ لأنها من باب التمهيد، ثم
التزكية؛ لأنها بعده، وهي أولُ أمرٍ يحصل منه صفةٌ يتلَّس بها المؤمنون، وهي من
قبيل التخلية المقدَّمة على التحلية؛ لأنَّ دَرْءَ المفاسد أولى من جَلْبِ المصالح، ثم
التعليم؛ لأنه إنما يُحتاج إليه بعد الإيمان، بقي أَمْرُ تقديم التعليم على التزكية في آية
((البقرة))، ولعلَّه كان إيذاناً بشرافة التحلية كما أشرنا إليه هناك. فتأمل.
﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل بعثة الرسول ﴿لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ (13)﴾ ظاهر،
و ((إنْ)) هي المخفَّفة، واللام هي الفارقة، والمعنى: وإن الشأنَ كانوا من قبل إلخ.
وإلى هذا ذهب بعض المحققين، وذكر مثله مكِّي إلا أنه قال: التقدير: وإنهم كانوا
من قبلُ. فجَعَل اسمَها ضميراً عائداً على المؤمنين.
(١) عند تفسير الآية (١٢٩) من سورة البقرة.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ١٠٨/٢ .

الآية : ١٦٥
١١٣
سُورَةُ الْعِنْرَانَ
قال أبو حيان(١): وكلا الوجهين لا نعرف نَحْويًّا ذهب إليه، وإنما تقرَّر عندنا
في كتب النحو ومن الشيوخ، أنك إذا قلت: إنَّ زيداً قائمٌ، ثم خَفَّفتَ، فمذهبُ
البصريين فيها وجهان: أحدهما: جواز الإعمال، ويكون حالُها وهي مخفَّفةٌ كحالها
وهي مشدَّدة، إلا أنها لا تعمل في مُضْمَر، ومنع ذلك الكوفيون، وهم محجوجون
بالسماع الثابت من لسان العرب. والوجه الثاني وهو الأكثر عندهم: أن تُهمّل
فلا تُعْمَل، لا في ظاهرٍ ولا مُضْمَر، لا ملفوظٍ ولا مقدَّرِ البَّة، فإنْ وَلِيها جملةٌ
اسميةٌ ارتفعت بالابتداء والخبر، ولزمت اللامُ في ثاني مصحوبيها إن لم يُنْفَ، وفي
أوَّلهما إن تأخّر، فتقول: إنْ زيدٌ لقائم، ومدلولُه مدلولُ: إنَّ زيداً قائم، وإن وَلِيَها
جملةٌ فعليةٌ، فلابدَّ عند البصريين أن تكون من نواسخ الابتداء، وإن جاء الفعل من
غیرها فهو شاذّ لا يقاس عليه عند جمهورهم.
وأجاب الحلبيُّ عمَّن قدَّر الشأنَ بأنه تفسيرُ معنّى لا بيان إعراب(٢). وقال
عصام المِلَّة: إنَّ مَن قال: إن الشأن، لم يُرِدْ تقدير ضمير الشأن، بل جعل الجملة
حالاً بتأويل القصة، ذلك لئلا يختلف زمان الحال والعامل، فإنَّ زمان الكون في
((ضلالٍ مبين)) قبل زمان التعليم، لكنَّ كونَ القصة ذلك مستمرٌّ، ثم قال: وهذا
تأويلٌ شائعٌ مشهورٌ في الحال الذي يتقدَّم زمانُ تحقُّقه زمانَ تحقَّق العامل، فاحفظه
ولا تلفظه. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ ما ذكره الحلبيُّ خلاف الظاهر، وكلام عصام الملة منظورٌ فيه؛
لأنَّ المناسب لِمَا ذكره على تقدير تعيُّنه تقدير الشأن قبل ((إن)) لا بعدها
کما لا يخفى.
وجوَّز بعضُهم كونَ الجملة مستأنفةً لا محلَّ لها من الإعراب، والأكثرون على
الحالية، وعلى التقديرين، فهي مبيّنةٌ لكمال النعمة وتمامها.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَّهَا قُلُمْ أَنَّ هَذَا﴾ كلامٌ مبتدأٌ
مسوقٌ لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة إثر إبطال بعضٍ آخر، والهمزة
(١) في البحر ١٠٥/٣، وما قبله منه.
(٢) الدر المصون ٤٧٢/٣ .

سُورَةُ العَقْرَانَ
١١٤
الآية : ١٦٥
للتقريع والتقرير، والواو عاطفةٌ لمدخولها على محذوفٍ قبلَها، و((لمَّا)) ظرفٌ بمعنى
حين، مضافةٌ إلى ما بعدها مستعملةٌ في الشرط، كما ذهب إليه الفارسي(١)، وهو
الصحيح عند جمع من المحققين، وناصبُها ((قلتم)) وهو الجزاء، و((قد أصبتم)) في
محلِّ الرفع على أنه صفة لـ ((مصيبة))، وجَعْلُه في محلٌّ نصبٍ على الحال يحتاج إلى
تكلُّفٍ مستغنّی عنه.
والمراد بالمصيبة ما أصابَهم يومَ أُحدٍ من قَتْل سبعين منهم، وبـ ((مِثليها))
ما أصاب المشركين يومَ بدرٍ من قَتْل سبعين منهم وأَسْر سبعين، وجَعْلُ ذلك مِثلين
بجعل الأَسر كالقتل، أو لأنهم كانوا قادرين على القتل، وكان مرضيَّ الله تعالى،
فَعَدَمُهُ كان مِن عندهم، فتَرْكُه مع القدرة لا ينافي الإصابة.
وقيل: المراد بالمثلين: المثلان في الهزيمة، لا في عدد القتلى، وذلك لأنَّ
المسلمين هزموا الكفار يومَ بدر، وهزموهم أيضاً يومَ أُحد أولَ الأمر، وعليه يكون
المراد بالمصيبة: هزيمةُ الكفار للمسلمين بعد أن فارقوا المركز.
و((أنى هذا)) جملةٌ اسميةٌ مقدَّمةُ الخبر، والمعنى: من أين هذا، لا: كيف هذا؛
لدلالة الجواب مفعولِ القول.
وقيل: (أنَّى)) منصوبةٌ على الظرفية لـ ((أصابنا)) المقدَّرِ، و((هذا)) فاعلٌ له.
والجملةُ مقولُ ((قلتم))، وتوسيطُ الظرف وما يتعلَّقُ به بينه وبين الهمزة - مع أنه
المقصود إنكارُه، والمعطوفُ بالواو حقيقةً - لتأكيد النكير وتشديدِ التقريع، فإنَّ فِعْلَ
القبيح في غير وقته أقبحُ، والإنكار على فاعله أَدْخَل، والمعنى: أَحِينَ نالَكم من
المشركين نصفُ ما قد نالهم(٢) منكم قبل ذلك، رجعتم وقلتم: من أين هذا، ونحن
مسلمون نقاتل غضباً لله تعالى وفينا رسولُهُ، وهؤلاء مشركون أعداء الله تعالى
ورسوله ◌َ﴾؟ أو: قد وعدنا الله تعالى النصر؟ وإليه ذهب الجُبَّائي (٣).
(١) ينظر كتاب الشعر له ص ٧٠، ومغني اللبيب ص ٣٦٩، والبحر ١٠٦/٣.
(٢) في الأصل: نصف ما قدرنا لهم.
(٣) ذكره عنه الطبرسي في مجمع البيان ٢٥٦/٤، وفيه: وقيل: إنهم إنما استنكروا ذلك لأنه
وعدهم بالنصر من الله إن أطاعوه، عن الجبائي.

الآية : ١٦٥
١١٥
وَرَةُ العَمَّانَ
وهذا على تقدير توجيه الإنكار والتقريع إلى صدور ذلك القول عنهم في ذلك
الوقت خاصة، بناء على عدم كونه مظنَّةً له داعياً إليه، بل على كونه داعياً إلى
عدمه، فإنَّ كونَ مصيبةٍ عدوِّهم مِثْلَي مصيبتهم مما يهوّن الخطب ويُؤْرِثُ السلوة.
أو: أَفَعَلْتم ما فعلتم من الفشل والتنازع، أو الخروج من المدينة، والإلحاح
على النبيِّ وََّ، ولمَّا أصابتكم غائلةُ ذلك قلتم: أَنَّى هذا؟ وهذا على تقدير توجيه
الإنكار لاستبعادهم الحادثةَ مع مباشرتهم لسببها .
وجُوِّز أن يكون المعطوفُ عليه القولَ، إشارةً إلى أنَّ قولهم كان غيرَ واحد، بل
قالوا أقوالاً لا ينبغي أن يقولوها .
وذهب جماعةٌ إلى أن المعطوف عليه ما مضى من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
صَدَقَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] إلى هنا، وللتعلَّق بقصةٍ واحدة لم يتخلَّل
بينهما أجنبيٍّ ليكون القول بذلك بعيداً كما ادَّعاه أبو حيان(١)، والهمزة حينئذٍ
متخلِّةٌ بين المتعاطفين للتقرير بمعنى التثبيت أو الحملِ على الإقرار والتقريع على
مضمون المعطوف، والمعنى: أكان من الله تعالى الوعد بالنصر بشرط الصبر
والتقوى، فحين فشلتم وتنازعتم وعصيتم وأصابكم الله تعالى بما أصابكم، قلتم:
أنى هذا؟
والجمهور على أنَّ الهمزةَ مقدَّمةٌ من تأخير، والواو أصلها التقديم - وهو مذهب
سيبويه وغيرِه ـ والجملة الاستفهامية معطوفةٌ على ما قبلها، واختار هذا في
((البحر))(٢).
وإسنادُ الإصابة إلى المصيبة مجازٌ، وإلى المخاطبين حقيقةٌ، ولم يؤثَ
بالإسنادين من باب واحد زيادةً في التقريع. وتذكير اسم الإشارة في ((أنى هذا))
مراعاة لمعنى المصيبة المشار إليها، وهو المشهور، أو لِمَا أنَّ إشارتهم ليست
إلا لِمَا شاهدوه في المعركة من حيث هو هو، من غير أن يخطر ببالهم تسميته باسم
ما، فضلاً عن تسميته باسم المصيبة، وإنما هي عند الحكاية.
(١) في البحر ١٠٦/٣، وقوله هو: أما العطف على ما مضى من قصة أحد من قوله: ﴿وَلَقَدْ
مَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ففيه بُعدٌ، وبعيد أن يقع مثله في القرآن. وينظر حاشية الشهاب ٧٨/٣.
(٢) ١٠٦/٣.

سُورَةُ الَّهُمْم انا
١١٦
الآية : ١٦٥
وفي الآية - على ما قيل - جوابٌ ضمنيٌّ عن استبعادهم تلك الإصابة، يعني أنَّ
أحوال الدنيا لا تدوم عل حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلَ ما أصابوا منكم
وزيادةً، فما وجهُ الاستبعاد؟
لكن صرَّح بجواب آخر يُبرئ العليل ويشفي الغليل وتُطأطِئ منه الرؤوس فقال
سبحانه: ﴿قُلْ﴾ يا محمد في جواب سؤالهم الفاسد: ﴿هُوَ﴾ أي: هذا الذي أصابكم
كائنٌ ﴿مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أنها السبب له حين خالفَ الرماة أَمْرَ رسول الله وَهـ
بتَرْكهم المركز، وحرصوا على الغنيمة، فعاقبهم الله تعالى بذلك، قاله عكرمة.
أو: حيث إنكم قد اخترتم قبلُ أن يُقتل منكم سبعون في مقابلة الفداء الذي
أخذتموه من أُسارى بدر، وعُزي هذا إلى الحسن، ويدلُّ عليه ما أخرجه ابن
أبي شيبة والترمذيُّ وحسَّنه، والنسائي وآخرون عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه قال:
جاء جبريل إلى النبيِّ وَ له فقال: يا محمد إنَّ الله تعالى قد كره ما فعل قومك في
أَخْذِهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيِّرهم بين أمرين: إما أن يُقَدَّموا فتُضْربَ
أعناقهم، وإما أن يأخذوا الفداء على أن يُقتل منهم عِدَّتهم، فدعا رسول الله وَيه
الناس فذكر لهم ذلك فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم، نتقوَّى
به على قتال عدوّنا، ويُستشهد منَّا عدَّتهم، فليس ذلك ما نكره، فقتل منهم يوم أُحدٍ
سبعون رجلاً عدَّة أسارى أهل بدر(١).
أو: حيث اخترتُم الخروج من المدينة ولم تَبْقَوا حتى تقاتلوا المشركين فيها .
قاله الربيع وغيره؛ وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه قال: ذُكر لنا أنَّ نبيَّ الله وَّ قال
لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون: ((إنَّا في جُنَّةٍ حصينةٍ)) يعني
بذلك المدينة ((فَدَعُوا القوم يدخلوا علينا نقاتلْهم)) فقال له ناسٌ من الأنصار: إنَّا
نكرهُ أن نُقتَل في طرق المدينة، وقد كنَّا نمتنع من ذلك في الجاهلية، فبالإسلام
أحقُّ أن نمتنعَ، فابرزْ بنا إلى القوم. فانطلقَ فَلبسَ لأُمَتَهُ، فتلاوَمَ القوم فقالوا:
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣٦٨/١٤-٣٦٩، وسنن الترمذي (١٥٦٧)، وسنن النسائي الكبرى
(٨٦٠٨) من طريق عَبيدةَ السلماني عن علي ◌َ﴿ه. وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٦٨/١٤،
والطبري ٢١٩/٦ عن عبيدة مرسلاً، قال الدار قطني في العلل ٣١/٤: والمرسل أشبه
بالصواب.

الآية : ١٦٥
١١٧
سِوَرَة العَقْر انى
عرَّض نبيُّ اللهِ وَّهِ بأَمْرٍ وعرَّضتم بغيره، اذهب يا حمزة فقل له: أَمْرُنا لأمرك تَبَعٌ،
فأتى حمزةُ، فقال له: ((إنه ليس لنبيٍّ إذا لَبِسَ لأمَتَهُ أن يضعها حتى يُناجزَ، وإنه
سيكون فيكم مصيبة)) قالوا: يا نبيَّ الله، خاصةٌ أو عامةٌ؟ قال: ((سترونها))(١).
واعتُرض هذا القول بأنه يأباه أنَّ الوعد بالنصر كان بعد اختيار الخروج، وأنَّ
عمل النبيِّ وَّهِ بموجبه قد رفع الخطر عنه، وخفّف جنايتهم فيه، على أنَّ اختيار
الخروج والإصرارَ عليه كان ممَّن أَكرَمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ، وأين هم من
التفوُّه بمثل هذه الكلمة؟
وأجيب: بأنَّ الإباء المذكورَ في حيِّز المنع، كيف والنصر الموعود كان
مشروطاً بما يَعلم الله تعالى عَدَمَ حصوله؟
وبأنَّ النبيَّ نَّه وإن كان قد عمل بموجبه، لكن لم تكن نفسُهُ الكريمة وال
منبسطةً لذلك، ولا قلبُهُ الشريفُ مائلاً إليه، وكأنَّ سهام الأقدار نفذت حين خالفوا
رأيه السامي، وَعَدَلوا عن الورود من عَذْب بحر عقله الطامي، كما يرشدك إلى ذلك
قوله عليه الصلاة والسلام بعد أن لبس لأُمَتَهُ: ((وإنه سيكون فيكم مصيبة))، وقولُه في
جواب الاستفهام عنها: خاصة أو عامة؟: ((سترونها))، فإنَّ ذلك كالصريح في عدم
الرضا، والفصيحِ في استيجاب ذلك الاختيار نزول القضاء.
وبأنَّ الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ ليس نصًّا في أنَّ
المتسبِّبين هم المتفوّهون بتلك الكلمة ليَضُرَّ استشهاد المختارين للخروج في
المقصود، لجواز أن يكون من قبيل قولك لقبيلة: أنتم قتلتم فلاناً، والقاتل منهم
أناسٌ مخصوصون لم يُوجَدوا وقتَ الخطاب، ومثل ذلك كثيرٌ في المحاورات،
على أنَّ كونَ مصيبة المتفوِّهين هي قتل أولئك المستشهدين نصٌّ في التأسُّف عليهم،
فيناسبه التعريض بهم بنسبة القصور إليهم، ليهون هذا التأشُّف، وليعلموا أنَّ شؤْمَ
الانحراف عن سَمْتِ إرادة رسول الله وَّهِ يعمُّ الكبير والصغير، بل ربَّما يقال: إنَّ
استشهادَ أولئك المصرِّين شاهدٌ على أنَّهم هم الذين كانوا سبباً في تلك المصيبة،
لهذا استشهدوا ليذهبوا إلى ربهم على أحسن حال.
(١) تفسير الطبري ٦/ ٢١٥-٢١٦. والجُنة بالضم: السترة والوقاية. اللسان (جنن).

سُورَةُ آلِّعَنْرَانَ
١١٨
الآية : ١٦٦
هذا ولا يخفى أنَّ هذا الجواب لا يخلو عن تكلُّف، وكأنَّ الداعي إليه أنَّ
الذاهبين إلى تفسير ((من عند أنفسكم)) بالخروج من المدينة وتبعيةٍ أبي سفيان
وقومِه، جماعةٌ أجلَّاء يَبْعدُ نسبةُ الغلط إليهم، فقد أخرجه ابن جرير(١) وابن
أبي حاتم عن الحسن وابن جريج، وأخرجه ابن المنذر (٢) من طريق ابن جريج عن
ابن عباس. فتدبر.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (3﴾﴾ ومن جملته النصرُ عند الموافقة، والخذلانُ
عند المخالفة، وحين خالفتم أصابكم سبحانه بما أصابكم، والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ
لمضمون ما قبلها، داخلٌ تحت الأمر.
وقيل: المراد منها تطييبُ أنفسهم، ومزجُ مرارة التقريع بحلاوة الوعد، أي:
أنه سبحانه قادرٌ على نُصْرَتكم بَعْدُ؛ لأنه على كلِّ شيء قدير، فلا تيأسوا من
روح الله.
واعتناءً بشأن التطبيب، وإرشاداً لهم إلى حقيقة الحال فيما سألوا عنه، وبياناً
لبعض ما فيه من الحِكَم، ورفعاً (٣) لما عسى أن يُتوهّم من الجواب من استقلالهم
في وقوع الحادثة، رَجَعَ إلى خطابهم برفع الواسطة، وجوابٍ سؤالهم بأبسط عبارة،
فقال سبحانه :
﴿وَمَّ أَصَبَّكُمْ﴾ أيها المؤمنون من النكبة بقَتْل مَنْ قُتل منكم ﴿يَوْمَ الْتَّقَ الْجَمْعَانِ﴾
أي: جَمْعُكم وجَمْعُ أعدائكم المشركين. والمراد بذلك اليوم يومُ أحد، وقول
بعضهم: لا يبعد أن يُراد به يوم أحد ويوم بدر. بعيدٌ جدًّا. ﴿فَإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي:
بإرادته، وقيل: بتخلیته.
و ((ما)) اسمٌ موصولٌ بمعنى الذي في محلٌّ رفع بالابتداء، وجملة ((أصابكم))
صلتُه، و((بإذن الله)) خبره. والمراد: بإذن الله يكون ويحصل، ودخول الفاء لتضمُّن
معنى الشرط، ووجهُ السببية ليس بظاهر؛ إذ الإصابة ليست سبباً للإرادة ولا للتخلية،
(١) في تفسيره ٦/ ٢١٧ .
(٢) كما في الدر المنثور ٢/ ٩٣.
(٣) في الأصل: ودفعاً.

الآية : ١٦٧
١١٩
سُورَةُ الْ عِنْرَانَ
بل الأمر بالعكس، فهو من قبيل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَلِ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] أي:
ذلك سببٌ للإخبار بكونه من الله؛ لأنَّ قيدَ الأوامر قد يكون للمطلوب وقد يكون
للطالب، وكذا الأخبار، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المحققين.
وادَّعى السَّمين(١) أنَّ في الكلام إضماراً، أي: فهو بإذن الله، ودخولُ الفاء
لما تقدَّم، ثم قال: وهذا مشكلٌ على ما قرَّره الجمهور؛ لأنه لا يجوز عندهم دخول
هذه الفاءِ زائدةً في الخبر إلا بشروط، منها أن تكون الصلة مستقْبَةً في المعنى،
وذلك لأنَّ الفاء إنما دخلت للشَّبَهِ بالشرط، والشرطُ إنما يكون في الاستقبال لا في
الماضي، فلو قلت: الذي أتاني أمس فله درهمٌ، لم يصحَّ، و((أصابكم)) هنا ماضٍ
معنّى، كما أنه ماضٍ لفظاً؛ لأنَّ القصة ماضيةٌ، فكيف جاز دخول هذه الفاء؟
وأجابوا عنه بأنه يحمل على التبيين(٢)، أي: وما يتبيَّن إصابته إياكم فهو
بإذن الله، كما تأوَّلوا: ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧] بذلك، ثم قال:
وإذا صحَّ هذا التأويل فَلْيُجْعَل ((ما)) هنا شرطاً صريحاً، وتكون الفاء داخلةً وجوباً
لكونها واقعة جواباً للشرط. انتهى. ولا يخفى ما فيه.
﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٦)﴾ عطفٌ على ((بإذن الله)) من عطف السَّبب على السَّبَب(٣)،
والمراد: لَيَظْهَرَ للناس، ويَثْبُتَ لديهم إيمانُ المؤمن ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ كعبد الله بن
أُبيِّ وأصحابه، وهذا عطفٌ على ما قبله من مِثْلِهِ.
وإعادةُ الفعل إما للاعتناء بهذه العلة، أو لتشريف المؤمنين وتنزيههم عن
الانتظام في قَرْن المنافقين، وللإيذان باختلاف حالِ العلم بحسب التعلَّق بالفريقين،
فإنه متعلِّقٌ بالمؤمنين على نهج تعلُّقه السابق، وبالمنافقين على نهج جديد، وهو
السِّرُّ - كما قال شيخ الإسلام(٤) - في إيراد الأوَّلينَ بصيغة اسم الفاعل المُنبِئةِ عن
الاستمرار، والآخِرِين بموصولٍ صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌّ على الحدوث.
(١) في الدر المصون ١/ ٤٧٤ -٤٧٥.
(٢) في (م): التبين. والمثبت من الأصل والدر المصون.
(٣) في الأصل و(م): المسبب، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في البحر ١٠٩/٣،
والدر المصون ٤٧٥/٣، وحاشية الشهاب ٧٩/٣، أي أنه عطف السبب على سبب آخر.
(٤) هو أبو السعود في تفسيره ١٠٩/٢، وما قبله منه.

سُورَةُ العمران
١٢٠
الآية : ١٦٧
عطفٌ على ((نافقوا)) مؤذِنٌ بأنَّ ذلك كان نفاقاً خاصًّا أظهروه في
وَقِيلَ
ذلك المقام.
وقيل: ابتداءُ كلامِ معطوف على مجموع ما قبله عَظْفَ قصةٍ على قصة،
ووَجْهُه: أنه جلَّ شأنه لمّا ذكر أحوال المؤمنين وما جرى لهم وعليهم فيما تقدَّم من
الآيات، وبيَّن أنَّ الدائرة إنما كانت للابتلاء، وليتمَّيز المؤمنون عن المنافقين،
وليَعْلَم كلُّ واحدٍ من الفريقين أنَّ ما قدَّره الله تعالى من إصابة المؤمنين كائنٌ
لا محالة، أَوْرَدَ قصةً من قصصهم مناسِبةً لهذا المقام مستطرِدةً، وجيء بالواو لأنها
ملائمةٌ لأصل الكلام، والنفاقُ على هذا مُظْلَقٌ متعارَف.
وجُوِّز أن يكون كلاماً مبتدأً على سبيل الاعتراض، للتنبيه على كيفية ظهور
نفاقھم، أو عدم ثباتهم على الإيمان.
وعلى كلِّ تقديرٍ، القائل إما رسول الله وَّه، وإليه ذهب الأصمّ، وإما عبد الله بن
عمرو بن حرام من بني سلمة، وإليه ذهب الأكثر، ومقول القول قوله تعالى: ﴿تَعَالَواْ
قَتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ﴾ قال السُّدِّي وابن جريج: أو ادفعوا عنَّا العدوَّ بتكثير
السواد، وهو المرويُّ عن ابن عباس.
وقيل: إنهم خُيِّروا بين أن يقاتلوا للآخرة، أو لدفع الكفار عن أنفسهم
وأموالهم، أو بين الأول وبين دفع المؤمنين عن ذلك، كأنه قيل: قاتلوا لله تعالى أو
للنفاق الدافع عن أنفسكم وأموالكم.
وتُرِكَ العاطفُ الفاءُ أو الواو بين ((تعالوا)) و((قاتلوا)) لِمَا أنَّ المقصود بهما واحدٌ،
وهو الثاني، وذُكر الأول توطئةً له وترغيباً فيه، لِمَا فيه من الدلالة على التظاهر
والتعاون.
وقيل: تُرك العاطفُ للإشارة إلى أنَّ كلَّ واحدٍ من الجملتين مقصودٌ بنفسه.
وقيل: الأمر الثاني حالٌ. ولا يخفى بعدُه.
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: فما صنعوا حين قيل لهم ذلك؟ فقيل:
قالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ﴾ أي: لو كنّا نعلم أنكم تقاتلون ما أَسلمناكم،