Indexed OCR Text
Pages 41-60
الآية : ١٤٦ ٤١ سُورَةُ الَّعْرَانَ وتخالفها في خمسة أمور أيضاً : أحدها: أنها مرَّبة في المشهور و(كم)) بسيطةٌ فيه، خلافاً لمن زعم أنها مركّبةٌ من الكاف و((ما)) الاستفهامية، ثم حذفت أَلِفُها لدخول الجارّ، وسُكِّنت [ميمها](١) للتخفيف؛ لثقل الكلمة بالتركيب. والثاني: أنَّ مُميِّزها مجرور بـ (من)) غالباً، حتى زعم ابن عصفور لزومَ ذلك، ویردُّه نصُّ سيبويه على عدم اللزوم، ومن ذلك قوله: اطرُدِ اليأس بالرجا فكأيِّن آلماً حُمَّ يُسْرُهُ بعد عُسْرٍ (٢) والثالث: أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور. والرابع: أنها لا تقع مجرورة، خلافاً لابن قتيبة وابن عصفور أجازا: بكأيِّن تبيع الثوب؟. والخامس: أنَّ خبرَها لا يقع مفرداً. وقالوا: إنَّ بينها وبين ((كذا)) موافقةٌ ومخالفةٌ أيضاً، فتوافقها ((كذا)) في أربعة أمور: التركيب، والبناء، والإبهام، والافتقار إلى التمييز. وتخالفها في ثلاثة أمور: الأول: أنها ليس لها الصَّدر، تقول: قبضتُ كذا وكذا درهماً. الثاني: أنَّ تمييزها واجبُ النصب، فلا يجوز جرُّه بـ ((مِن)) اتفاقاً ولا بالإضافة، خلافاً للكوفيين؛ أجازوا في غير تكرارٍ ولا عطفٍ أن يقال: كذا ثوبٍ وكذا أثوابٍ؛ قياساً على العدد الصريح، ولهذا قال فقهاؤهم: إنه يلزم بقول القائل: له عندي كذا درهم، مئة، وبقوله: كذا دراهم، ثلاثة، وبقوله: كذا كذا درهماً، أحد عشر، ويقوله: كذا درهماً، عشرون، وبقوله: كذا وكذا درهماً، أحد وعشرون؛ حَمْلاً على المحقَّق من نظائرهنَّ من العدد الصريح؛ ووافقهم على هذا التفصيل - غير مسألتي الإضافة - المبرِّدُ والأخفش والسيرافيُّ وابن عصفور. ووهم ابن السِّيد في نقل الإجماع على إجازة ما أجازه المبرِّد ومَنْ ذُكر معه. (١) ما بين حاصرتين من مغني اللبيب ص ٢٤٦، وعنه نقل المصنف. (٢) البحر ٣/ ٦٥، والمغني ص٢٤٧، قوله: حم، أي: قدِّر وقضي، وهو من الأفعال التي لم تستعمل إلا مجهولة. شرح أبيات المغني للبغدادي ٤/ ١٦٧. سُورَةُ الَ ◌ّعَقْرَانَ ٤٢ الآية : ١٤٦ الثالث: أنها لا تستعمل غالباً إلا معطوفاً عليها كقوله: عِدِ النفسَ نُعمى بعدَ بُؤسك(١) ذاكراً كذا وكذا لطفاً به نُسي الجُهدُ وزعم ابن خروف أنهم لم يقولوا: كذا درهماً [ولا: كذا كذا درهماً]، وذكر ابن مالك أنه مسموعٌ لكنه قليل. قاله ابن هشام(٢). ثم إنَّ إثبات تنوين ((كأيٍّ)) على القول المشهور في الوقف والخطّ على خلاف القياس، لِمَا أنه نُسخ أصلها، وفيه لغات وكلُّها قد قرئ به: أحدها: ((كأيِّنْ)) بالتشديد على الأصل، وهي اللغة المشهورة، وبها قرأ الجمهور. والثانية: «کائِنْ» بألف بعدها همزة مكسورة من غیر یاء على وزن ((گاعِنْ)» كاسم الفاعل، وبها قرأ ابن كثير(٣)، ومن ذلك قوله: وكائنْ لنا فضلاً عليكم ومنَّةً قديماً ولا تدرون ما مَنُّ مُنْعِم(٤) واختلف في توجيهها؛ فعن المبرِّد أنها اسمُ فاعل من ((كان يكون)). وهو بعيد الصحة؛ إذ لا وجهَ لبنائها حينئذ ولا لإفادتها التكثير. وقيل: أصلها المشدَّدة، فقُدِّمت الياء المشدَّدة على الهمزة، وصار: كَيَّيْن بكاف وياء مفتوحتين وهمزةٍ مكسورة ونون، ووزنه ((كَعْلَفٍ)) - ونظير هذا التصرُّفِ في المفرد تصرُّفهم في المرگَّب، كما ورد في لغةٍ نادرة ((رَعْملي)) بتقديم الراء في «لَعَمْري» ۔ ثم حذفت الياء الأولى للتخفيف، فقلبت الثانية ألفاً لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، أو حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف، وقلبت الياء الساكنة ألفاً كما في ((آية))، ونظيره في حذف إحدى الياءين وقلب الأخرى ألفاً ((طائِيّ)) في النسبة إلى طيِّئ اسم قبيلة، فإنَّ أصله طَيِّيّ بياءين مشدَّدتين بينهما همزة، فحذفت إحدى الياءين وقلبت الأخرى ألفاً. (١) في المغني: بؤساك، وكذا في شرحه للبغدادي ١٦٩/٤، وللسيوطي ٥١٤/٢، قال السيوطي: بؤس بضم الموحدة: الشدة، مثل البأساء. (٢) في المغني: ص ٢٤٦ -٢٤٩، وما بین حاصرتين منه. (٣) التيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤٢/٢، وكذا قرأ أبو جعفر ولكن بتسهيل الهمزة بعد الألف كما في النشر١/ ٤٠٠. (٤) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ١٨٥ (دار صادر). الآية : ١٤٦ ٤٣ سُؤَدَةُ آل عمران والثالثة: ((كَأَيِن)) بياء بعد الهمزة، وبها قرأ ابن محيصن(١)، ووجهُها أنها حذفت الياء الثانية وسكِّنت الهمزة لاختلاط الكلمتين وجَعْلِهما كالكلمة الواحدة، كما سكَّنوا الهاء في لَهْوَ وفَهْوَ، وحرِّكت الياء لسكون ما قبلها . والرابعة: ((كَيْئِن)) بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة (٢). والخامسة: ((كَئِنْ))، بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون، ووزنه (كع))(٣)، وورد ذلك في قوله: كَئِنْ من صديقٍ خِلْتُه صادقَ الإخا أبانَ اختباري إنه لمُداهِنُ(٤) ووجهُه أنه حذفت إحدى الياءين ثم حذفت الأخرى للتنوين، أو حذفتا دفعةً واحدة، واحتمل ذلك لمَّا امتزج الحرفان. والكاف لا متعلَّق لها؛ لخروجها عن معناها، ومَن قال به كالحَوْفي(٥) فقد تعسَّف، وموضعهما رفع بالابتداء، وقوله تعالى: ﴿مِّن ثَّبِيّ﴾ تمییزٌ له کتمییزِ «کم»، وقد تقدم آنفاً الكلام في ذلك. ولعلَّ المراد من النبيِّ هنا الرسول، وبه صرَّح الطبرسيُّ(٦). ﴿قَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي: جموعٌ كثيرة، وهو التفسير المشهور عن ابن عباس ◌ًا، واستشهد له - كما رواه ابن الأنباري(٧) - حين سأله نافع بن الأزرق بقول حسان : وإذا معشَرٌ تجافَوا عن القَصْ دِ أملنا عليهمُ رِبِّيًّا (٨) (١) المحتسب ١/ ١٧٠، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٢ لقتادة. (٢) وقرئ بها في الشواذ، كما ذكر أبو حيان في البحر ٧٢/٣. (٣) نسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١٩/١ لابن محيصن. (٤) البحر ٧٢/٣، والدر المصون ٤٢٤/٣، وحاشية الشهاب ٦٩/٣، وعندهم: أبان اختباري أنه لي مداهن. (٥) هو علي بن إبراهيم الحَوفي، صنف: البرهان في تفسير القرآن، وعلوم القرآن، والموضّح في النحو. توفي سنة (٤٣٠هـ). وفيات الأعيان ٣/ ٣٠٠، وبغية الوعاة ١٤٠/٢. (٦) في مجمع البيان ٢٢٣/٤ . (٧) في إيضاح الوقف والابتداء ٧٨/١، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٨٣/٢. (٨) لم نقف عليه في ديوانه وهو في إيضاح الوقف والابتداء برواية: وإذا معشرٌ تجافَوا عن الحقِّ حملنا عليهم ربِّيًّا سُورَةُ العمران ٤٤ الآية : ١٤٦ وعليه فهو منسوبٌ إلى رِبَّة بكسر الراء - وكونُ الضَّمِّ فيها لغةً غيرُ متحقِّق - وهي الجماعة؛ للمبالغة، وخصّها الضحاك بأَلْفٍ (١). وأخرج سعيد بن منصور(٢) عن الحسن أنهم العلماء الفقهاء. وأخرجه [ابن جرير من طريق سعيد] بن جبير عن ابن عباس أيضاً(٣). وعليه فهو منسوبٌ إلى الرَّبِّ كَرَبَّاني على خلاف القياس؛ كقراءة الضم، والموافقُ له الفتح وبه قرىء(٤). وقال ابن زيد: الرِّبيُّون هم الأتباع، والرَّبَّانيُّون الولاة. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ((قُتِل)) بالبناء للمفعول(٥). وفي خبر المبتدأ أوْجُهُ: أحدها: أنه الفعل مع الضمير المستتر فيه الراجع إلى ((كأيِّن)) أو إلى ((نبي)) وحينئذ فـ ((معه رِبِيُّون)) جملةٌ حاليةٌ من الضمير، أو من ((نبيّ)) لتخصيصه معنًى، أو «معه) حالٌ و«ربُّون)) فاعله. وثانيها: أنه جملة معه ((ربِّيُّون)) فحينئذ تكون جملة الفعل مع مرفوعه صفةً لـ ((نبي)). وثالثها: أنه محذوفٌ وتقديره ((مضى)) ونحوه، وحينئذٍ يجوز أن يكون الفعل صفة لـ ((نبي)) و((معه رِبِّيُّون)) حالاً على ما تقدَّم، ويجوز أن يكون الفعل مسنداً لـ ((ربِيُّون))، فلا ضمير فيه، والجملة صفة لـ (نبي)). ورابعها: أن يكون ((رِبُّّون)) مرفوعاً بالفعل، فلا ضمير، والجملة هي الخبر. وقرئ: ((قُتِّل)) بالتشديد. قال ابن جنِّي: وحينئذ فلا ضمير في الفعل، لِمَا في التضعيف من الدلالة على التكثير، وهو ينافي إسناده إلى الواحد(٦). (١) أخرجه سعيد بن منصور (٥٣٣ - تفسير) بلفظ: الرِّبَّة الواحدة ألْفٌ. (٢) في سننه (٥٣١ - تفسير). (٣) الدر المنثور ٨٢/٢، وما بين حاصرتين منه، والخبر في تفسير الطبري ١١٣/٦ بلفظ: علماء كثيرٌ. (٤) القراءتان بضم الراء وبفتحها في القراءات الشاذة ص ٢٢، والمحتسب ١٧٣/١. (٥) التيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤٢/٢. (٦) المحتسب ١٧٣/١. الآية : ١٤٦ ٤٥ سُورَةُ العَقْرَانَ وأجيب: بأنه لا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول؛ لأنه في معنى الجماعة (١). واعتُرض بأنه خلاف الظاهر، ومن هنا قيل: إنَّ هذه القراءة تؤيِّد إسناد ((قُتِل)) إلى الربيِّين، ويؤيِّدُها أيضاً ما أخرجه ابن المنذر(٢) عن ابن جبير أنه كان يقول: ما سمعنا قظُّ أنَّ نبيًّا قُتل في القتال، وقول الحسن وجماعة: لم يقتل نبيٌّ في الحرب قطُ. ثم إنَّ من ادَّعى إسناد القتل إلى النبي وأنه في الحرب أيضاً على ما يُشعر به المقام، حَمَلَ النصرة الموعودَ بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] على النصرة بإعلاء الكلمة ونحوه، لا على الأعداء مطلقاً، لئلّا تتنافى الآيتان، وهذا أحد أجوبةٍ في هذا المقام تقدَّمت الإشارةُ إليها، فتذكَّر. والتنوين في ((نبيٍّ)) للتعظيم، وزعم الأجهوري أنه للتكثير. ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ عطفٌ على ((قاتل)) على أنَّ المراد عدمُ الوهن المتوقَّع من القتال، والتلبُّس بالشيء بعد ورود ما يستدعي خلافه، وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهر، لكنه بحسب الحقيقة - كما قال مولانا شيخ الإسلام - صنعٌ جديد، ومن هنا صحَّ دخول الفاء المؤذِنة بترتُّب ما بعدها على ما قبلها، ومن ذلك قولهم: وَعِظْتُهُ فلم يَتَّعظ، وزجرتُه فلم ينزجر(٣) . وأصل الوَهْن: الضَّعْفُ، وفسّره قتادة وأبو مالك(٤) هنا بالعجز، والزَّجَّاج بالجُبْن، أي: فما عجزوا، أو: فما جَبَنوا(٥). ﴿لِمَآَ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اَلَهِ﴾ في أثناء القتال، وهذا عِلَّةٌ للمنفي لا للنفي، نعم (١) ينظر إملاء ما منَّ به الرحمن ١٣٣/٢ بهامش الفتوحات الإلهية. (٢) كما في الدر المنثور ٢/ ٨٢، وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور في سننه (٥٢٩ - تفسير). (٣) تفسير أبي السعود ٢/ ٩٥. (٤) في الأصل و(م): وابن أبي مالك. والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم ٧٨١/٣، والدر. المنثور ٨٢/٢. (٥) الذي في معاني القرآن للزجاج ٤٧٦/١: معنى ((فما وهنوا)) فما فتروا ((وما ضعفوا)) وما جبنوا عن قتال عدوهم، وهذا خلاف ما ذكره عنه المصنف في معنى ((وهنوا))، وما سيذكره في معنى ((ضعفوا)). سُورَةُ العَقْرَانَ ٤٦ الآية : ١٤٦ يُفهَم المنفيُّ من تقييد المثبت بهذا الظرف، و((ما)) موصولة أو موصوفة، فإن جُعل الضميران لجميع الرِّبّيِّين، فهي عبارةٌ عمَّا عدا القتل من مكاره الحروب التي تعتري الكل، وإن جُعلا للبعض الباقين بعد قتل الآخرين، وهو الأنسب - كما قيل - بمقام توبيخ المنخذلين بعد ما استُشهد الشهداء، فهي عبارةٌ عن ذلك أيضاً، مع ما اعتراهم بعد قتل إخوانهم من نحو الخوف والحزن. هذا على القراءة المشهورة. وأما على القراءتين الأخيرتين، أعني: ((قُتِل)) و((قُتِّل)) على صيغة المبني للمفعول مخفَّفة ومشدَّدة، فقد قالوا: إنْ أُسند الفعل إلى الظاهر فالضميران للباقين حتماً، والكلام حينئذ من قبيل: قُتل بنو فلان، إذا وقع القتل فيهم ولم يستأصلهم. وإن أُسند إلى الضمير - كما هو الظاهرُ الأنسبُ عند البعض بالتوبيخ على الانخذال بسبب الإرجاف بقتله وَج ـ وإليه ذهب قتادة والربيع وابن أبي إسحاق والسُّدِّي كما قيل، فهما للباقين أيضاً إن اعتبر كون الرِّبّين مع النبيِّ في القتل، وللجميع إن اعتبر كونهم معه في القتال. ﴿وَمَا ضَعُقُواْ﴾ أي: ما فَتَروا عن الجهاد؛ قاله الزّجَّاج(١). وقيل: ما عراهم ضعفٌ في الدِّين بأنْ تغيَّر اعتقادهم لعدم النصر. ﴿وَمَا أَسْتَكَانُواْ﴾ أي: ما ارتدُّوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم؛ قاله قتادة. وقيل: ما خضعوا لعدوّهم، وإليه يشير كلام ابن عباس. وكثيراً ما يستعمل ((استكان)) بهذا المعنى، وكذا بمعنى: تضرَّع. واختلف فيه: هل هو من السكون فوزنه: ((افتعل))؛ لأنَّ الخاضع یسکنُ لمن خضع له، فَأَلفُہ للإشباع وهو کثیرٌ ولیس بخطأ، خلافاً لأبي البقاء(٢)، ولا يختصُّ بالشعر خلافاً لأبي حيان(٣). أو من الكون فوزنُه ((استفعل)) وألفُه منقلبةٌ عن واو، والسينُ مزيدةٌ للتأكيد، كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره. وقيل: لأنه كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود. (١) الذي في معاني القرآن له ٤٧٦/١: وما ضعفوا: وما جبنوا عن قتال عذوهم. (٢) في الإملاء ٢/ ١٣٤. (٣) في البحر ٧٥/٣. الآية : ١٤٧ ٤٧ ◌ُوَرَةُ العَقْرَانَ وجُوِّز أن يكون من قول العرب: بات فلان بِكِيْنَةِ سوء، أي: بحالة سوء، أو من كانَه يَكِينُه: إذا أَذَلَّه، وعُزي ذلك إلى الأزهري وأبي علي (١). وحينئذ فَأَلِفُهُ منقلبة عن یاء. والجمهور على فتح الهاء من ((وَهَنوا))، وقرئ بكسرها وهي لغة(٢)، والفتح أشهر، وقرئ بإسكانها على تخفيف المكسور (٣). وفي الكلام تعريضٌ لا يخفَى. على مقاساة الشدائد ومعاناة المکارِهِ في سبيله، ١٤٦ فينصرهم ويعظّم قَدْرَهم. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ والمراد بالصابرين: إما الربِّيون، والإظهارُ في موضع الإضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو مِلاك الأمر، مع الإشعار بعلَّة الحكم، وإما ما يعمُّهم وغيرهم، وهم داخلون في ذلك دخولاً أوليًّا . والجملة على التقديرين تذييلٌ لِمَا قبلها، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ كالتتميم والمبالغة في صلابتهم في الدين، وعدم تطرُّق الوَهْن والضَّعْف إليهم بالكلية، وهو معطوفٌ على ما قبله. وقيل: كلامٌ مبيِّنٌ لمحاسنهم القولية إثر بيان محاسنهم الفعلية. و((قولَهم)) بالنصب خبرٌ لـ ((كان))، واسمُها المصدرُ المتحصِّلُ من ((أنْ)) وما بعدها في قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ﴾، والاستثناءُ مفرٌَّ من أَعمِّ الأشياء، أي: ما كان قولهم في ذلك المقام واشتباكٍ أسنَّةِ الشدائد والآلام إلا أن قالوا: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: صغائرنا ﴿وَإِسْرَافَنَا فِىَّ أَمْرِنَا﴾ أي: تجاوُزَنا عن الحدِّ، والمراد: كبائرنا، وروي ذلك عن الضحاك. وقيل: الإسراف تجاوزٌ في فعل ما يجب، والذنبُ عامّ فيه وفي التقصير. (١) ذكره عنهما أبو حيان في البحر ٣/ ٧٥، وفي تهذيب اللغة ٣٧٤/١٠ -٣٧٥: قال أبو سعيد: يقال: أكانَّهُ الله يكينه إكانةً، أي: أخضعه حتى استكان، وقد أدخل عليه من الذل ما أكانه. (٢) هي قراءة أبي نهيك والحسن وأبي السَّمَّال. القراءات الشاذة ص ٢٢، والمحتسب ١٧٤/١. (٣) نسبها النحاس في إعراب القرآن ٤١١/١ لأبي السَّمَّال. سُورَةُ العَمَانَ ٤٨ الآية : ١٤٧ وقيل: إنه يقابل الإسراف، وكلاهما مذموم، وسيأتي في هذه السورة إن شاء الله تعالى إطلاق الذنوب على الكبائر(١). فافهم. والظّرْف متعلّقٌ بما عنده أو حالٌ منه، وإنَّما أضافوا ذلك إلى أنفسهم مع أنَّ الظاهر أنهم بُرآء من التفريط في جَنْبِ الله تعالى، هَضْماً لأنفسهم، واستقصاراً لهممهم (٢)، وإسناداً لِمَا أصابهم إلى أعمالهم. على أنه لا يَبْعْدُ أن يراد بتلك الذنوب وذلك الإسراف ما كان ذنباً وإسرافاً على الحقيقة، لكنْ بالنسبة إليهم، وحسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين. وقيل: أرادوا من طلب المغفرة طلبَ قبول أعمالهم، حيث إنه لا يجب على الله تعالى شيء. وفيه ما لا يخفى. وقدَّموا الدعاء بالمغفرة على ما هو الأهم بحَسَب الحال من الدعاء بقوله سبحانه: ﴿وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: عند جهاد أعدائك، بتقوية قلوبنا وإمدادنا بالمدد ٢ = تقريباً له إلى حيِّز القبول، الروحاني من عندك ﴿وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ ٤٧ فإنَّ الدعاء المقرونَ بالخضوع الصادرَ عن زكاءٍ وطهارة أقربُ إلى الاستجابة. ومن الناس مَن قال: المراد من ((ثبّت أقدامنا)) ثبِّتنا على دينك الحق. فيكون تقديمُ طلبِ المغفرة على هذا التثبيت من باب تقديم التخلية على التحلية، وتقديمُهما على طلب النصرةِ لِمَا تقدم. وقيل: إنهم طلبوا الغفران أوَّلاً ليستحقُّوا طلبَ النصر على الكافرين بترجُحهم بطهارتهم عن الذنوب عليهم، وهم مُحاطون بالذنوب. وفي طلبهم النصرَ مع كثرتهم المُفْرِطةِ - التي دلَّ عليها ما سبق - إيذانٌ بأنهم لا ينظرون إلى كثرتهم ولا يعوِّلون عليها، بل يُسندون ثباتَ أقدامهم إلى الله تعالى، ويعتقدون أنَّ النصر منه سبحانه وتعالى. (١) عند تفسير الآية (١٩٣) منها. (٢) في الأصل: واستصغاراً لهممهم، وفي (م): واستقصاراً لهم، والمثبت موافق لما في تفسير أبي السعود ٩٦/٢، والكلام منه. الآية : ١٤٧ ٤٩ سُورَةُ الَّغْرَانَ وفي الإخبار عنهم بأنه ما كان قولَهم إلا هذا، دون ما فيه شائبةُ جَزَعٍ وخَوَرٍ وتزلزُلٍ، من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع ((قولُهم))(١) على أنه الاسم، والخبر ((أنْ)) وما في حيِّزها، أي: ما كان قولُهم شيئاً من الأشياء إلا هذا القولَ المُنْبىءَ عن أحاسِنِ المحاسن. قال مولانا شيخ الإسلام: وهذا كما ترى أَتْعَدُ بحسب المعنى، وأوفقُ بمقتضَى المقام، لِمَا أنَّ الإخبار بكون قولهم المطلقِ خصوصيةَ قولهم المحكيِّ عنهم مفصَّلاً كما تفيده قراءتهما أكثرُ إفادةً للسامع من الإخبار بكون خصوصية قولهم المذكور ((قولهم))؛ لِمَا أنَّ مَصَبَّ الفائدة وموقعَ البيان في الجمل الخبرية هو الخبر، فالأَحقُّ بالخبرية ما هو أكثرُ إفادةً وأظهرُ دلالةً على الحدث، وأوفرُ اشتمالاً على نِسَبٍ خاصَّةٍ بعيدةٍ من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع، ولا يخفى أنَّ ذلك هاهنا في (أنْ)) مع ما في حيِّزها أَتمُّ وأكمل، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية، فحيث كانت سهلةَ الحضور (٢) خارجاً وذهناً كان حقُّها أن تلاحَظ ملاحظةً إجمالية، وتُجعَلَ عنواناً للموضوع، لا مقصوداً بالذات في باب البيان، وإنما اختار الجمهور ما اختاروا بِقاعدة صناعية هي أنه: إذا اجتمع معرفتان فالأعرف منهما أحقُّ بالاسمية، ولا ريب في أعرفية ((أن قالوا)) لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث، ولأنه يشبه المُضْمَر من حيث إنه لا يوصَفُ ولا يوصَفُ به، و((قولهم)) مضافٌ إلى مُضْمَرٍ فهو بمنزلة العَلَم، فتأمَّل(٣). انتهى. وقال أبو البقاء: جَعْلُ ما بعد ((إلا)) اسماً لـ ((كان)) والمصدرَ الصريحَ خبراً لها أقوى من العكس لوجهين: أحدهما: أنَّ ((أنْ قالوا)) يشبه المُضْمَر في أنه لا يُوصَف وهو أعرف. (١) إعراب القرآن للنحاس ٤١١/١، والمحرر الوجيز ٥٢٢/١، والقراءات الشاذة ص ٢٣، وتفسير أبي السعود ٩٦/٢، والكلام منه، والمشهور عنهما النصب. (٢) في تفسير أبي السعود: الحصول. (٣) تفسير أبي السعود ٩٦/٢-٩٧. سُورَةُ العَزَانَ ٥٠ الآية : ١٤٧ والثاني: أنَّ ما بعد ((إلا)) مثبتٌ، والمعنى: كان قولُهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا إلخ دأبَهم في الدعاء(١) . وقال العلّامة الطّبيُّ: كأنَّ المعنى: ما صحَّ ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول، وكأنَّ غيرَ هذا القول منافٍ لحالهم، وهذه الخاصِّيَّةُ يفيدها إيقاع ((أن)) مع الفعل اسماً لـ ((كان)). وتحقيقه: ما ذكره صاحب ((الانتصاف)) من أنَّ فائدة دخول ((كان)) المبالغةُ في نفي الفعل الداخل عليه بتعديد جهة فعله، عموماً باعتبار الكون، وخصوصاً باعتبار خصوصية المقام(٢)، فهو نفيٌ مرَّتين. ثم قال: فعلى هذا لو جعلتَ ربَّ الجملة ((أن قالوا)) واعتمدت عليه، وجعلت ((قولهم)) كالفضلة، حصل لك ما قصدته، ولو عكستَ ركبتَ التعسُّف، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل الخبر نسياً منسيًّا في الوجه الثاني، واعتمد على ما بعد ((إلا))(٣). انتھی. ومنه يُعلم ما في كلام مولانا شيخ الإسلام، فإنه متى أَمْكَنَ اعتبارُ جزالة المعنى مع مراعاة القاعدة الصناعية، لا يُعدَلُ عن ذلك إلى غيره، لا سيَّما وقد صرَّحوا بأنَّ جَعْلَ الاسم غيرَ الأعرف ضعيفٌ، قال في ((المغني))(٤): واعلم أنهم حكموا لـ ((أنْ)) و((أنّ) المقدَّرتين بمصدرٍ معرَّف بحكم الضمير؛ لأنه لا يوصَف، كما أنَّ الضمير أيضاً كذلك، فلهذا قرأتِ السبعة: ﴿مَّا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الجاثية: ٤٥] ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦] والرفعُ ضعيفٌ كضعف الإخبار بالضمير عما دونه في التعريف. انتهى. وعلَّل بعضهم أَعرفيَّةَ المصدر المؤۇَّل بأنه لا ینگّر. وقد اعترضوا على كلٍّ من تعليلَي ابن هشام والبعض؛ أما الاعتراض على الأول: فبأنَّ كونَه لا يوصَف لا يقتضي تنزيله منزلةَ الضمير، فـ ((كم)) اسم لا يوصَف، بل ولا يوصَف به، وليس بتلك المنزلة؟ (١) الإملاء ١٣٥/٢. (٢) في (م): المقال، والمثبت من الأصل وحاشية الطيبي على الكشاف. (٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٤) ص ٥٩٠. الآية : ١٤٧ ٥١ سُورَةُ الِ غَيْرَانَ وأجيب: بأنه جاز أن يكون في ذلك الاسم مانعٌ من جَعْله بمنزلة الضمير؛ لأنَّ عدمَ المانع ليس جزءاً من المقتضى، ولا شرطاً في وجوده. وأما الاعتراض على الثاني: فبأنه غيرُ مُسلَّم؛ لأنه قد يُنكَّر كما في ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُقْتَرَى﴾ [يونس: ٣٧] أي: افتراءً قاله الشهاب(١). وأجيب بأنَّ مراد مَن قال: إنَّ المصدر المؤوَّل لا يُنكَّر، أنه في مثل هذا الموضع لا یُنگّر، لا أنَّ الحرف المصدريَّ لا یؤوَّل بمصدرٍ مُنگٍّ أصلاً، ويُستأنس لذلك بتقييد المصدر بالمعرَّف في عبارة ((المغني))، حيث يُفهم منها أنَّ ((أنْ)) و((أنّ) تارةً يقدَّران بمصدرٍ معرَّف، وتارةً بمصدر مُنكَّر، وأنهما إذا قُدِّرا بمصدرٍ معرَّف كان له حكمُ الضمير، ومن هنا قال صاحب ((المطلع)) في معنى ذلك التعليل: إنَّ قولَ المؤمنين إن اختُزل عن الإضافة يبقى مُنكَّراً بخلاف ((أنْ قالوا)). بقي في كلام ((المغني)) أمور: الأول: أنَّ التقييد بـ ((أنْ)) و((أنَّ)) هل هو اتفاقيٍّ أم احترازي؟ الذي ذهب إليه بعض المحققين الأول؛ احتجاجاً بأنه أَطلق في الجهة السادسة من الباب الخامس أنَّ الحرفَ المصدريَّ وصِلَتَه في نحو ذلك معرفة، فلا يقع صفة للنكرة(٢). ولم يَخصَّ بـ ((أنْ)) و((أنَّ). وللذاهب إلى الثاني أن يقول: فرقٌ بين مطلق التعريف وكونه في حكم الضمير كما لا يخفى، وابن هشام قد أخذ المطلق في المطلق وقيَّد المقيَّد بالمقيَّد، فلا بأس بإبقاء كِلَا العبارتين على ما يتراءى منهما. الثاني: أنه يُفهم من ظاهره أنَّ الأداتين لو قُدِّرتا بمصدرٍ مُنكَّر لا يكون في حكم الضمير، وظاهرُ هذا أنه يجوز الوصف حينئذ، وفيه تردّدٌ؛ لأنه قد يقال: لا يلزم من عدم ثبوت مرتبة الضمير لذلك جوازُ الوصف؛ لأنَّ امتناعَ الوصف أعمُّ من مرتبة الضمير، ونفي الأخصِّ لا يستلزم نفيَ الأعم. الثالث: أنه يُفهم من كلامه أنَّ المصدرَ المقدَّر المعرَّف بالإضافة سواءٌ أُضيف إلى ضميرٍ أو غيره، بمثابة الضمير، ولم يصرِّح أحدٌ من الأئمة بذلك، لكن حيث إنَّ ابنَ هشام ثقةٌ وإمامٌ في الفنِّ، ولم ينقل عن أئمَّته ما يخالفه، يُقبل منه ما يقول. (١) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣/ ٧٠. (٢) المغني ص ٧٤٦. سُورَةُ الِ غَمَانَ ٥٢ الآية : ١٤٨ الرابع: أنَّ ما حَكم به من أنَّ الرفع ضعيفٌ كضعف الإخبار بالضمير عما دونه في التعريف، بينه وبين ما ذهب إليه ابن مالك(١) - من جواز الإخبار بالمعرفة عن النكرة المحضَةِ في باب النواسخ - بونٌ عظيم، ويؤيِّد كلامَ ابن مالك قولُه تعالى: ﴿فَإَِ حَسْبَكَ اَللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] وكأنه لتحقيق هذا المقام، ولِمَا أشرنا إليه أولاً في تحقيق معنى الآية قال المولى قُدِّس سرُّه: فتأمل(٢)، فتأمل. ﴿قَائَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بسبب قولهم ذلك كما تؤذِنُ به الفاء ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: النصرَ والغنيمة، قاله ابن جريج. وقال قتادة: الفتحَ والظهور والتمكُّن والنصر على عدوّهم. قيل: وتسمية ذلك ثواباً؛ لأنه مترتِّبٌ على طاعتهم، وفيه إجلالٌ لهم وتعظيم. وقيل: تسميةُ ذلك ثواباً مجاز؛ لأنه یحاکیه. واستشكل تفسير ابن جريج بأنَّ الغنائم لم تحلَّ لأحد قبل الإسلام، بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالاً، جاءت نارٌ من السماء فأخذته، فكيف تكون الغنيمة ثواباً دنيويًّا ولم يصل للغانمين منها شيء؟! وأجيب: بأنَّ المال الذي تأخذه النار غير الحيوان، وأما الحيوان فكان يبقى للغانمين دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكان ذلك هو الثواب الدنيوي. ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةُ﴾ أي: وثوابَ الآخرة الحَسَنَ، وهو عند ابن جريج: رضوانُ الله تعالى ورحمته، وعند قتادة: هي الجنة. وتخصيص الحُسْن بهذا الثواب للإيذان بفضله ومزيَّته، وأنه المعتدُّ به عنده تعالى، ولعلَّ تقديمَ ثواب الدنيا عليه مراعاةٌ للترتيب الوقوعي، أو لأنه أنسبُ بما قبله من الدعاء بالنصر على الكافرين. ﴿وَلَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ تذييلٌ مقرَّرٌ لِمَا قبله، فإنَّ محبّة الله سبحانه للعبد مبدأُ كلِّ خيرٍ وسعادة، واللام إما للعهد، ووُضع الظاهرُ موضعَ المضمَر إيذاناً بأنَّ ما حكي عنهم من باب الإحسان، وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أوَّليًّا، وفيه على كِلَا التقديرين ترغيبٌ للمؤمنين في تحصيل ما حُكي من المناقب الجليلة. (١) في التسهيل ص ٥٤. (٢) تفسير أبي السعود ٩٧/٢، وقد سلف كلامه قريباً. الآية : ١٤٩ ٥٣ سُورَةُ العَقْرَانَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شروعٌ في زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارِّها، إثرَ ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان فضائله، وتصديرُ الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار الاعتناء بما في حيِّزه، ووصفُهم بالإيمان لتذكيرهم بحالٍ ينافي تلك الطاعة، فيكون الزجرُ على أكمل وجه . والمراد من ((الذين كفروا)): إما المنافقون؛ لأنَّ الآية نزلت ــ كما روي عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه - حين قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم. والتعبير عنهم بذلك قصداً إلى مزيد التنفير عنهم والتحذيرِ عن طاعتهم. وإما أبو سفيان وأصحابه، وحينئذ فالمراد بإطاعتهم: الاستكانةُ لهم، وطلبُ الأمان منهم، وإلى ذلك ذهب السدي. وإما اليهود والنصارى فالمراد حينئذ: لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدِّقوهم بشيء في ذلك، وإليه ذهب ابن جريج. وحكي أنهم كانوا يُلْقُون إليهم الشُّبَهَ في الدِّين ويقولون: لو كان محمدٌ نبيًّا حقًّا لَمَا غُلب، ولَمَا أصابه وأصحابَهُ ما أصابهم، وإنما هو رجلٌ حاله كحال غيره من الناس، يوماً عليه ويوماً له، فتُهوا عن الالتفات إليها . وإما سائر الكفار، وذهب إلى جواز ذلك بعضُ المتأخرين. وأتى بـ ((إنْ)) للإيذان بأنَّ الإطاعة بعيدةُ الوقوع من المؤمنين. ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَكَيْكُمْ﴾ أي: يُرجعوكم إلى أول أمركم وهو الشرك بالله تعالى، والفعل جواب الشرط، وصحَّ ذلك بناءً على المأثور عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه(١)، مع أنَّ الكلام معه في قوةٍ: إن تطيعوا الذين كفروا في قولهم: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم يدخلوكم في دينهم، ويؤول إلى قولك: إن تدخلوا في دينهم تدخلوا في دينهم. وفيه اتحادُ الشرط والجزاء بناءً على أنَّ الارتداد على العَقِب عُلِمَ في انتكاس الأمر، ومُثِّل في الحَوْر بعد الكَوْر. (١) سلف قريباً. سُورَةُ العَقْرَانَ ٥٤ الآية : ١٥٠ - ١٥١ وقيل: إنَّ المراد بالإطاعة الهمُّ بها والتصميمُ عليها، أي: إن تصمِّموا على إطاعتهم في ذلك تُرُدُّوا وترجعوا إلى ما كنتم عليه من الكفر. وهذا أبلغُ في الزجر، إلا أنه بعيدٌ عن اللفظ. وجُوِّز أن تكون جوابيَّته باعتبار كونه تمهيداً لقوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ أي: فترجعوا خاسرين لخير الدنيا وسعادة الآخرة، وذلك أعظم الخسران. ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَئُكُمْ﴾ إضرابٌ وتركٌ للكلام الأول من غير إبطال، والمعنى: ليس الكفار أولياءَ فيطاعوا في شيء، ولا ينصرونكم، بل الله ناصركم لا غيره، وهو مبتدأ وخبر. وقرىء بنصب الاسم الجليل(١) على أنه مفعولٌ لفعل محذوف، والمعنى: فلا تطيعوهم بل أطيعوا الله مولاكم. ®﴾ لأنه القويُّ الذي لا يُغلب، والناصرُ في الحقيقة، ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ فينبغي أن يُخصَّ بالطاعة والاستعانة، والجملة معطوفةٌ على ما قبلها. وجُوِّز على القراءة الشاذة الاستئنافُ والحالية. ﴿سَنُلْقِى فِىِ قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ كالبيان لِمَا قبلُ، وعبَّر بنون العظمة على طريق الالتفات جرياً على سَنَن الكبرياء لتربية المهابة، والسينُ لتأكيد الإلقاء. والرُّعْب بسكون العين: الخوف والفزع، أي: سنقذف ذلك في قلوبهم. والمراد من الموصول أبو سفيان وأصحابه، فقد أخرج ابن جرير(٢) عن السُّدِّي قال: لمَّا ارتحل أبو سفيانَ والمشركون يوم أُحد متوجّهين نحو مكة، انطلق أبو سفيانَ حتى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشَّريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوا(٣)، فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فانهزموا، فلقُوا أعرابيًّا فجعلوا له جُعْلاً، فقالوا له: إن لقيتَ محمداً وَّهِ وأصحابَه، فأخبرهم بما قد جمعنا لهم، فأخبر الله تعالى (١) القراءات الشاذة ص ٢٢. (٢) في تفسيره ١٢٨/٦ . (٣) في تفسير الطبري: فاستأصلوهم. الآية : ١٥١ ٥٥ سُورَةُ العَمَانَ رسوله وَّه، فَطَلَبَهم حتى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله تعالى في ذلك هذه الآية، يذكُر فيها أمرَ أبي سفيان وأصحابِهِ. وقيل: إنَّ الآية نزلت في يوم الأحزاب. وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله وَلِّ قال: ((نُصرتُ بالرُّعْب على العدو))(١)، وأخرج أحمد وغيره من حديث أبي أمامة: ((نُصرت بالرعب مسيرة شهر، يُقذف في قلوب أعدائي))(٢) . وقرىء: ((سيُلقي)) بالياء(٣). وقرأ أبو جعفر وابن عامر والكِسائي: ((الرُّعُبَ)) بضم العين(٤)، وهي لغة فيه، وقيل: الضم هو الأصل، والسكون للتخفيف. وقيل: الأصل السكون، والضمُّ للإتباع. ﴿بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَِّ﴾ أي: بسبب إشراكهم بالذات الواجب الوجود، المستجمع لجميع صفات الكمال، ولإشعار هذا الاسم بالعظمة المنافية للشركة أتى به. والجارُّ الأول متعلّقٌ بـ ((سنلقي)) دون ((الرعب))، ولا يمنع من ذلك تعلُّق (في)) به؛ لاختلاف المعنى، والثاني متعلِّقٌ بما عنده. وكان الإشراك سبباً لإلقاء الرعب؛ لأنه من موجبات خذلانهم ونصرِ المؤمنين عليهم، وكلاهما من دواعي الرعب. ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أي: بإشراكه، وقيل: بعبادته، و((ما)) نكرةٌ موصوفةٌ، أو موصولةٌ اسميةٌ، وليست مصدريةً. وِسُلْطَنّ﴾ أي: حجةً، والإتيانُ بها للإشارة بأنَّ المتَّبَع في باب التوحيد هو البرهان السماوي، دون الآراء والأهواء الباطلة، وسُمِّيت بذلك لأنه بها يتقوَّى على الخصم ويتسلط عليه، والنون زائدة، وقيل: أصلية، وذِكْرُ عدمٍ إنزالِ الحجَّة مع (١) صحيح مسلم (٥٢٣)، وهو عند أحمد (٩٣٣٧). (٢) مسند أحمد (٢٢١٣٧)، وأخرجه أحمد أيضاً (١٤٢٦٤)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر ر له، وأخرجه أحمد (٧٠٦٨) من حديث عبد الله بن عمرو . (٣) القراءات الشاذة ص ٢٢. (٤) التيسير ص ٩١، والنشر ٢١٦/٢. سُورَةُ الَ ◌ّغْرَانَ ٥٦ الآية : ١٥١ استحالةِ تحقُّقها من باب انتفاءِ المقيَّد لانتفاء قيده اللازم، أي: لا حُجَّة حتى ينزلها، فهو على حَدِّ قوله في وصف مَفَازةٍ: لا يُفْزِعُ الأرنبَ أهوالُها ولا ترى الضَّبَّ بها يَنْجَحِر (١) إذ المراد: لا ضبَّ بها حتى ينجحر، فالمراد نفيُهما جميعاً، وهذا كقولهم: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع. وما ذكرنا من استحالة تحقَّق الحجة على الإشراك، يكاد يكون معلوماً من الدين بالضرورة؛ أما في الإشراك بالربوبية فظاهر؛ إذ كيف يأمر الله سبحانه باعتقاد أنَّ خالق العالم اثنان مشترٍكان في وجوب الوجود والاتَّصافِ بكلِّ كمال، وأما الإشراك في الألوهية الذي عليه أكثر المشركين في عهد رسول الله وَطار، فلأنه يفضي إلى الأمر باعتقاد أشياء خلاف الواقع، مما كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم، وقد ردَّه عليهم، فقولُ عصام الملَّة: ونحن نقول: الحجة على الإشراك تحت قدرته تعالى، لو شاء أنزلها؛ إذ لو أمر بإشراك الأصنام به في العبادة، لوجبت العبادة. لا أراه إلا حلَّا لعصام الدين؛ لأنَّ ((لا إله إلا الله)) المخاطَبَ بها الثَّنَويةُ (٢) والوثنيةُ تأبى إمكان ذلك، كما لا يخفى على مَن اطّلع على معنى هذه الكلمة الطيبة، رَزَقنا الله تعالى الموتَ عليها، ولا جَعَلَنا ممن أشركوا بالله تعالى ما لم ينزِّل به سلطاناً . ﴿وَمَأْوَنُهُمُ﴾ أي: ما يأوون إليه في الآخرة ﴿النَّارُ﴾ لا مأوى لهم غيرها ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الَّلِينَ ﴾﴾ أي: مثواهم، وإنما وضع الظاهر موضعَ الضمير للتغليظ والتعليل، والإشعارِ بأنهم في إشراكهم ظالمون واضعون للشيء في غير موضعه . والمثوى: مكانُ الإقامة، على وزن مَفْعَل من ثَوَيْتُ، ولامه ياء. والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس مثواهم النارُ، ولم يعبِّر بالمأوى للإيذان بالخلود؛ إذ الإقامة مأخوذة في المثوى دونه. (١) البيت لابن الأحمر، وهو في ديوانه ص ٦٧ وفيه: لا تُفزع ... (٢) هم قوم قالوا: صانع العالم اثنان، ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا قويين حساسين، سميعين بصيرين ... تلبيس إبليس ص ٤٥. الآية : ١٥٢ ٥٧ سُورَةُ العمران ﴿وَلَقَدْ صَدَقَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُُّونَهُمْ﴾ أخرج الواحديُّ(١) عن محمد بن كعب قال: لمَّا رجع رسول الله وَله إلى المدينة، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا، وقد وَعَدَنا الله تعالى النصر؟ فأنزل الله تعالى الآية. و ((وعْده)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((صَدَقَ)) صريحاً، فإنه يتعدَّى إلى مفعولين في مثل هذا النحو، وقد يتعدّى إلى الثاني بحرف الجر، فيقال: صدقتُ زيداً في الحديث، ومن هنا جوَّز بعضهم أن يكون نصباً بنزع الخافض. والمراد بهذا الوعد ما وَعَدَهم سبحانه من النصر بقوله عزَّ اسمه: ﴿إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٢٥] إلخ، أو على لسان نبيِّه وَّهِ حيث قال للرماة: ((لا تبرحوا مكانكم، فلن نزالَ غالبينَ ما ثبتُّم مكانكم))(٢) وفي رواية أخرى: ((لا تبرحوا عن هذا المكان، فإنَّا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان)). وأُيِّد الأول بما أخرجه البيهقيُّ في ((الدلائل)) (٣) عن عروة قال: كان الله تعالى وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدَّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسؤِّمين، وكان قد فعل، فلما عَصَوا أَمْرَ الرسول، وتركوا مصافَّهم، وتركت الرماةُ عهد الرسول وَيه إليهم أن لا يبرحوا منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع الله تعالى مدد الملائكة. واختار مولانا شيخ الإسلام الثاني (٤)، وقد تقدم لك ما ينفعك هنا. والقول بأنَّ المراد ما وَعَده جلَّ شأنه بقوله سبحانه: ﴿سَنُلْقِى فِ قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ ليس بشيء كما لا يخفى. وأخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن عباس ◌ًا أنه قال: ما نصر الله تعالى نبيَّه في موطن، كما نصره يوم أحد. فأنكروا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين مَن أنكر ذلك كتابُ الله تعالى، إنَّ الله تعالى يقول يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَّكُمُ اللَّهُ (١) في أسباب النزول ص ١٢١ . (٢) أخرجه الطبري مطولاً ١٢٩/٦ عن السدي. (٣) ٢٥٦/٣. (٤) تفسير أبي السعود ٩٨/٢. سُورَةُ العَزَانَ ٥٨ الآية : ١٥٢ وَعْدَهُ إِذْ تَحُونَهُم﴾ أي: تقتلونهم(١). وهو التفسير المأثور، واستَشْهَدَ عليه الحبر بقول عتبة الليثي: نحسُّهم بالچِيض حتى كأننا وبقوله : نُفلِّقُ منهم بالجماجم حَنْظَلا(٢) ومنَّا الذي لاتَى بسيفٍ محمد فحسَّ به الأعداءَ عرض العساكر (٣) وأصل معنى حَسَّه: أصاب حاسَّته بآفةٍ فَأَبطلها، مثل: كَبَدَه(٤)، ولذا عبَّر به عن القتل، ومنه: جرادٌ محسوس، وهو الذي قتله البرد، وقيل: هو الذي مسَّته النار. وكثيراً ما يستعمل الحَسُّ بالقتل على سبيل الاستئصال. والّرف متعلُّقٌ بـ ((صدقكم))، وجوَّز أبو البقاء(٥) أن يكون ظرفاً للوعد. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بتيسيره وتوفيقه، والتقييد به لتحقيق أنَّ قَتْلهم بما وعدهم الله تعالى من النصر. ﴿حََّ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي: فَزِعْتُم وجَبَنْتُم عن عدوِّكم ﴿وَتَنَزَعْتُمْ فِ اٌلْأَمْرِ﴾ أي: أمرِ الحرب، أو أمرِهِ وَّهِ لكم في سدٍّ ذلك الثغر على ما تقدم تفسيره(٦). ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ إذا لم تَثْبتُوا هناك ومِلْتُم إلى الغنيمة ﴿مِّنُّ بَعْدِ مَا أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ من انهزام المشركين وغَلَبْتِكُم عليهم. قال مجاهد: نَصَرَ الله تعالى المؤمنين على المشركين، حتى ركب نساءُ المشركين (١) مسند أحمد (٢٦٠٩) مطولاً، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١٠٧٣١)، والحاكم ٢٩٦/٢-٢٩٧ وصححه، والبيهقي في الدلائل ٢٦٩/٣-٢٧١. (٢) البيت في المعجم الكبير للطبراني (١٠٥٩٧) ٢٥٦/١٠ ضمن جواب ابن عباس عن سؤالات نافع بن الأزرق. قوله: البيض، جمع أبيض وهو السيف. القاموس المحيط (بيض). (٣) البيت ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٨٥ ضمن جواب ابن عباس عن سؤالات نافع بن الأزرق، وعزاه للطستي في مسائله، ومن طريقه أخرجه السيوطي في الإتقان ٣٩٣/١. (٤) أي: ضرب كَبِدَه. القاموس المحيط (كبد). (٥) في الإملاء ٢/ ١٣٧. (٦) في الأصل: تفصيله. الآية : ١٥٢ ٥٩ سُورَةُ العَتْرَانَ على كلِّ صعبٍ وذلول، ثم أُديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي وََّ(١). وروي أنَّ خالد بن الوليد أقبل بخيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل، فأرسل رسول الله الهوى إلى الزبير ◌َبه أن احْمِلْ عليه، فحمل عليه فهزمه ومَن معه، فلما رأى الرماةُ ذلك انكفؤوا إلا قليلاً، ودخلوا العسكر، وخالفوا الأمر، وأخلوا الخلَّة التي كانوا فيها، فدخلت خيول المشركين من ذلك الموضع على الصحابة ﴿، فضرب بعضُهم بعضاً والتَّبَسوا، وقُتل من المسلمين أناسٌ كثيرٌ بسبب ذلك(٢). ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا﴾ وهم الرماةُ الذي طمعوا في النهب وفارقوا المركز له ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ كعبد الله بن جبير أميرِ الرماة، ومَن ثبت معه ممتثلاً أَمرَ رسول الله ێ حتى استشهد. ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ أي: كفَّكم عنهم حتى تحوَّلت الحال من الغلبة إلى ضدِّها ﴿لِيَبْتَلِيَّكُمْ﴾ أي: ليعاملكم معاملةَ مَن يَمتحن ليّبين أَمرُكم وثباتُكم على الإيمان، ففي الكلام استعارة تمثيلية، وإلا فالامتحان مُحالٌ على الله تعالى. وفي ((حتى)) هنا قولان: أحدهما: أنها حرفُ جرِّ بمنزلة ((إلى))، ومتعلَّقها ((تحسُّونهم)) أو ((صَدَقَكم))، أو محذوفٌ تقديره: دام لکم ذلك. وثانيهما: أنها حرف ابتداءٍ دخلت على الجملة الشرطية من ((إذا)) وما بعدها. وجوابُ ((إذا)) قيل: ((تنازعتم)) والواو زائدة، واختاره الفراء(٣). وقيل: ((صرفكم)) و(ثم)) زائدة، وهو ضعيفٌ جدًّا. والصحيح أنه محذوف، وعليه البصريون، وقدَّره أبو البقاء(٤): بانَ أمرُكم، (١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧٨٨/٣، وينظر حديث البراء في صحيح البخاري (٤٠٤٣). ومعنى أُديل: غلب، والإدالة: الغَلَبَة. القاموس المحيط (دول). (٢) أخرج أوله - وهو قصة هزيمة الزبير لخالد ومن معه - الطبري ٦/ ١٣٠-١٣١ عن ابن عباس ، وباقي الخبر هو قطعة من حديث ابن عباس عند أحمد (٢٦٠٩)، وقد سلفت قطعة منه قريباً . (٣) في معاني القرآن له ٢٣٨/١. (٤) في الإملاء ٢/ ١٣٧ . سُورَةُ الَّعُمان ٦٠ الآية : ١٥٢ وأبو حيان (١): انقسمتم إلى قسمين، بدليل ما بعده، والزمخشريُّ(٢): مَنَعَكم نَصْرَه. وابن عطية (٣): انهزمتم. ولكلٍّ وجهة. وبعضُ المتأخرين: امتحنكم، ورُدَّ بجعل الابتداء(٤) غايةً للصرف المترتّب على منع النصر، وعلى كلِّ تقدير يكون ((صرفكم)) معطوفاً على ذلك المحذوف. وقيل: إنَّ ((إذا)) اسمٌ، كما في قولهم: إذا يقوم زيدٌ إذا يقوم عمرو، و(حتى)) حرف جرِّ بمعنى ((إلى)) متعلِّقةٌ بـ ((صدقكم)) باعتبار تضمُّنه معنى النصر؛ كأنه قيل: لقد نصركم الله تعالى إلى وقتٍ فشَلِكُم وتنازُعِكم إلخ، و((ثم صرفكم)) حينئذ عطفٌ على ذلك، وهاتان الجملتان الظرفيتان(٥) اعتراضٌ بين المتعاطِفَين. ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ بمَحْضِ التفضُّل، أو: لِمَا علم من عظيم ندمكم على المخالفة، قيل: والمراد بذلك: العفوُ عن الذنب، وهو عامٌّ لسائر المنصرفين، ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاريُّ(٦) عن عثمان بن مَوْهَب قال: جاء رجلٌ إلى ابن عمر ﴿يا فقال: إني سائلك عن شيء فحدِّثني به، أَنشُدُكَ بحُرمة هذا البيت، أَتعلَم أنَّ عثمان بن عفان فرَّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلمه تغيَّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلَّف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، فكبَّر، فقال ابن عمر: تعال لأخبركَ ولأُبيِّنَ لك عما سألتني عنه؛ أما فرارُهُ يومَ أُحد، فأَشهد أنَّ الله تعالى عفا عنه، وأما تغيُُّهُ عن بدر فإنه كان تحتَّهُ بنتُ رسول الله وَّ﴿ وكانت مريضةً، فقال له رسول الله وَّهِ: ((إنَّ لك أجرَ رجلٍ ممن شَهِدَ بدراً وسَهْمَه)) وأما تغيُّبُهُ عن بيعة الرضوان، فلو كان أحدٌ أعزَّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمانَ، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبيُّ ◌َّ ر بيده اليمنى - فضرب بها على يده - فقال: ((هذه يد عثمان)) اذهب بها الآن معك. (١) في البحر ٧٩/٣. (٢) في الكشاف ١/ ٤٧١ . (٣) في المحرر الوجيز ٥٢٤/١. (٤) في الأصل: الابتلاء، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٩٩/٢، والكلام منه. (٥) أي: ((منكم مَن يريد الدنيا ومنكم مَن يريد الآخرة)). البحر ٧٩/٣، والدر المصون ٤٣٧/٣. (٦) في صحيحه (٤٠٦٦). ونقله المصنف عن الدر المنثور ٨٦/٢.