Indexed OCR Text
Pages 361-380
الآية : ١٠٢ ٣٦١ سُورَةُ العَقْرَانَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ كرّر الخطاب بهذا العنوان تشريفاً لهم، ولا يخفى ما في تكراره من اللطف بعد تكرار خطاب الذين أوتوا الكتاب. ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ،﴾ أي: حقَّ تقواه، روى غير واحد عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً: هو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر(١). وادَّعى كثيرٌ نَسْخَ هذه الآية، وروي ذلك عن ابن مسعود. وأخرج ابن أبي حاتم(٢) عن سعيد بن جبير قال: لمَّا نزلت اشتدَّ على القوم العمل، فقاموا حتى وَرِمَتْ عراقيبُهم وتقرَّحت جباههم، فأنزل الله تعالى تخفيفاً على المسلمين ﴿فَنَقُوا اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَنَسَخَت الآية الأولى. ومثله عن أنس وقتادة، وإحدى الروایتین عن ابن عباس. وروى ابن جرير(٣) من بعض الطرق عنه أنه قال: لم تُنسخ، ولكن ((حق تقاته)): أن يجاهدوا في الله حقَّ جهاده، ولا تأخذهم في الله تعالى لومةُ لائم، ويقوموا لله سبحانه بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم. ومَن قال بالنسخ جنح إلى أنَّ المراد من ((حق تقاته)): ما يحقُّ له ويليق بجلاله وعظمته، وذلك غير ممكن: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [الزمر: ٦٧]. ومَن قال بعدم النسخ جنح إلى أنَّ ((حق)) من: حقَّ الشيءُ بمعنى: وجب وثبت، والإضافة من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، وأنَّ الأصل: اتقوا الله اتِّقاءً حقّاً، أي: ثابتاً وواجباً، على حدٍّ: ضربتُ زيداً(٤) شديدَ الضَّرْب، تريد: الضَّرْبَ الشديد، فيكون قوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بياناً لقوله تعالى: (أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ،). (١) أخرجه موقوفاً النسائي في الكبرى (١١٨٤٧)، وابن المبارك في الزهد ص ٨، وعبد الرزاق في تفسيره ١٢٩/١، وابن أبي شيبة ٢٩٧/١٣، والطبري ٦٣٧/٥، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٢٢، والحاكم ٢٩٤/٢ وصححه. وأخرج المرفوع أبو نعيم في الحلية ٢٣٨/٧ - ٢٣٩. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: والأظهر أنه موقوف. (٢) في تفسيره ٣/ ٧٢٢. (٣) في تفسيره ٦٤٠/٥. (٤) في الأصل و(م): زيد، والمثبت هو الصواب، وينظر البحر ٣/ ١٧ . سُورَةُ الْعَنْرَانَ ٣٦٢ الآية : ١٠٢ وادَّعى أبو علي الجُبَّائي أنَّ القول بالنسخ باطلٌ؛ لِمَا يلزم عليه من إباحة بعض المعاصي. وتعقّبه الرُّمانيُّ(١) بأنه إذا وُجِّه قوله تعالى: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ.) على أن يقوموا بالحقِّ في الخوف والأمن، لم يدخل عليه ما ذكره؛ لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتَّقوا الله سبحانه وتعالى على كلِّ حال، ثم أباح تَرْكَ الواجب عند الخوف على النفس، كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ، مُظْمَبِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وأنت تعلم أنَّ ما ذكره الجُبَّائيُّ إنما يخطر بالبال - حتى يجاب عنه - إذا فُسِّر ((حق تقاته)) على تقدير النسخ بما فسَّره هو به مِن تَرْكِ جميع المعاصي ونحوه، وإن لم يُفسَّر بذلك بل فُسِّر بما جنح إليه القائل بالنسخ، فلا يكاد يخطر ما ذكره بیال ليحتاج إلى الجواب، نعم يكون القول بإنكار النسخ حينئذ مبنيًّا على ما ذهب إليه المعتزلة من امتناع التكليف بما لا يطاق ابتداءً كما لا يخفى. وأصل ((تقاة)): وُقَيَة، قُلبت واوها المضمومة تاءً كما في تُهَمَةِ وتُخَمَة، وياؤها المفتوحة ألفاً، وأجاز فيها الزجَّاج(٢) ثلاثة أوجُهٍ: تُقاة، ووُقاة، وأُقاة. ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٣)﴾ أي: مخلصون نفوسَكم لله عز وجل، لا تجعلون فيها شِرْكَةً لسواه أصلاً، وذكر بعض المحققين أنَّ الإسلام في مثل هذا الموضع لا يراد به الأعمال، بل الإيمان القَلبيُّ؛ لأنَّ الأعمال حالَ الموت مما لا تكاد تتأَتَّى، ولذا ورد في دعاء صلاة الجنازة: ((اللهم مَن أحييته منَّا فَأَخيِهِ على الإسلام، ومَن أَمتَّه منَّا فأمِنْهُ على الإيمان))(٣)، فَأَخْذُ الإسلام أولاً والإيمان ثانياً، لِمَا أنَّ لكلِّ مقامٍ مقالاً . والاستثناء من أعمِّ الأحوال، أي: لا تموتنَّ على حالٍ من الأحوال إلا على حالٍ تَحَقُّق إسلامكم وثباتِكم عليه، كما تفيده الجملة الإسمية، ولو قيل: إلا مسلمين لم يقع هذا الموقع. والعامل في الحال ما قَبْلَ ((إلا)) بعد النقض، والمقصودُ النهيُ (١) هو علي بن عيسى الرماني، كان إماماً في العربية، علاّمة في الأدب، معتزليًّا، توفي سنة (٣٨٤ هـ). بغية الوعاة ٣/ ١٨٠. (٢) في معاني القرآن له ٤٤٩/١. (٣) أخرجه أحمد (٨٨٠٩)، وأبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤). وابن ماجه (١٤٩٨) من حديث أبي هريرة الآية : ١٠٣ ٣٦٣ سُورَةُ الْعِنْرَانَ عن الكون على حالٍ غيرِ حال الإسلام عند الموت، ويَؤُول إلى إيجاب الثبات على الاسلام إلى الموت، إلا أنه وجَّه النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكور، وليس المقصود النهيُ عنه أصلاً؛ لأنه ليس بمقدورٍ لهم حتى يُنْهَوا عنه. وفي ((التحبير)) للإمام السيوطي: ومن عجيب ما اشتَهر في تفسير ((مسلمون)) قول العوام: أي: متزوِّجون، وهو قولٌ لا يُعرف له أصل، ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله تعالى بمجرَّد ما يحدث في النفس، أو يُسمع ممن لا عُهْدةً عليه. انتھی . وقرأ أبو عبد الله نظراته: ((مسلِّمون)) بالتشديد. ومعناه: مستسلمون لما أتى به النبيُّ وَّه منقادون له (١). وفي هذه الآية تأكيدٌ للنهي عن إطاعة أهل الكتاب. ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي: القرآن. وروي ذلك بسند صحيح عن ابن مسعود(٢). وأخرج غير واحد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وصله: ((كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض)) (٣). وأخرج أحمد(٤) عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله وَله: ((إني تاركٌ فيكم خليفتين: كتاب الله عز وجل [حبل] ممدودٌ ما بين السماء والأرض، وعِترتي أهلَ بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض)) وورد بمعنى ذلك أخبار كثيرة. وقيل المراد بحبل الله: الطاعة والجماعة، وروي ذلك عن ابن مسعود أيضاً؛ أخرج ابن أبي حاتم(٥) من طريق الشعبيِّ عن ثابت بن قُظْبَةَ المدني(٦) قال: سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول: أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما حبلُ الله تعالى الذي أمر به. (١) مجمع البيان ٤ / ١٥٧ . (٢) أخرجه سعيد بن منصور (٥١٩ - تفسير)، والطبري ٦٤٦/٥، والطبراني في الكبير (٩٠٣٢). (٣) أخرجه أحمد (١١١٠٤). (٤) في المسند (٢١٥٧٨). وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٥) في تفسيره ٧٢٣/٣، وأخرجه - أيضاً - أبو نعيم في الحلية ٢٤٩/٩. (٦) في الأصل و(م): ثابت بن فطنة المزني، والصواب ما أثبتناه. ينظر توضيح المشتبه ٢٢٩/٧. ٠ سُورَةُ الْغَيْرَانَ ٣٦٤ الآية : ١٠٣ وفي رواية عنه: حبل الله تعالى: الجماعة(١)، وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس يومًا. وعن أبي العالية: أنه الإخلاص لله تعالى وحده. وعن الحسن أنه طاعة الله عز وجل. وعن ابن زيد أنه الإسلام. وعن قتادة أنه عهد الله تعالى وأمره. وكلها متقاربة. وفي الكلام استعارةٌ تمثيلية بأنْ شُبِّهت الحالةُ الحاصلة للمؤمنين من استظهارهم بأحد ما ذكر ووثوقهم بحمايته، بالحالة الحاصلة من تمسُّك المتدلِّي من مكان بحبلٍ وثيقٍ مأمونِ الانقطاع، من غير اعتبار مجازٍ في المفردات، واستعير ما يُستعمل في المشبّه به من الألفاظ للمشبّه. وقد يكون في الكلام استعارتان مترادفتان، بأن يُستعار الحبل للعهد مثلاً استعارةً مصرِّحة أصلية، والقرينةُ الإضافةُ، ويُستعار الاعتصام للوثوق بالعهد والتمسُّك به على طريق الاستعارة المصرحة التبعية، والقرينةُ اقترانُها بالاستعارة الثانية. وقد يكون في ((اعتصموا)) مجازٌ مرسلٌ تبعيٌّ بعلاقة الإطلاق والتقييد، وقد يكون مجازاً بمرتبتين لأجل إرسال المجاز، وقد تكون الاستعارة في الحبل فقط، ويكون الاعتصام باقياً على معناه ترشيحاً لها على أتمٍّ وجه، والقرينة قد تختلف بالتصرُّف، فباعتبارٍ قد تكون مانعةً، وباعتبار آخر قد لا تكون، فلا يَرِدُ أنَّ احتمال المجازية يتوقَّفُ على قرينةٍ مانعةٍ عن إرادة الموضوع(٢) له، فمع وجودها كيف يتأتَّى إرادة الحقيقة ليصحَّ الأمران في ((اعتصموا)»؟ وقد تكون الاستعارتان غير مستقلَّتين، بأن تكون الاستعارة في الحبل مكنيَّةً، وفي الاعتصام تخييلية؛ لأنَّ المكنيةَ مستلزمةٌ للتخييلية. قاله الطيبيُّ(٣)، ولا يخفى أنه أبعد من العُّوق. وقد ذكرنا في حواشينا على رسالة ابن عصام ما يَرِدُ على بعض هذه الوجوه مع الجواب عن ذلك، فارجع إلیه إن أردته. ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ من فاعل ((اعتصموا)) كما هو الظاهر المتبادر، أي: مجتمعين (١) أخرجه الطبري ٥/ ٦٤٤، والطبراني في الكبير (٩٠٣٣). (٢) في (م): الموضع. (٣) في حاشيته على الكشاف عند هذه الآية. الآية : ١٠٣ ٣٦٥ سُورَةُ آلْ عَشْرَانَ عليه، فيكون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ تأكيداً، بناءً على أنَّ المعنى: ولا تتفرَّقوا عن الحق الذي أُمرتم بالاعتصام به. وقيل: المعنى: لا يقعْ بينكم شقاقٌ وحروبٌ كما هو مراد المذكّرین لكم بأيام الجاهلية الماكرين بكم. وقيل: المعنى: لا تتفرقوا عن رسول الله وَ الفول، وروي ذلك عن الحسن. ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: جنسَها، ومن ذلك الهدايةُ والتوفيق للإسلام المؤدِّي إلى التآلف وزوال الأضغان. ويحتمل أن يكون المراد بها ما بيَّنه سبحانه بقوله: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءُ﴾ أي: في الجاهلية ﴿فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بالإسلام. و(نعمة)) مصدرٌ مضافٌ إلى الفاعل، و((عليكم)) إما متعلِّقٌ به أو حالٌ منه، و((إذ)) إما ظرفٌ للنعمة أو للاستقرار في ((عليكم)) إذا جعلته حالاً. قيل: وأراد سبحانه بما ذكر: ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي تطاولت مئةً وعشرين سنة، إلى أن أَلَّف سبحانه بينهم بالإسلام فزالت الأحقاد. قاله ابن إسحاق، وكان يومُ بُعاث آخرَ الحروب التي جرت بينهم، وقد فصّل ذلك في (الكامل))(١). وقيل: أراد ما كان بين مشركي العرب من التنازع الطويل والقتال العريض، ومنه حرب البسوس، ونُقل ذلك عن الحسن ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعِمَتِهِ: إِخْوَنًا﴾ أي: فصِرْتُم بسبب نعمته التي هي ذلك التأليفُ متحابِّين، فـ ((أصبح))، ناقصة، و((إخواناً)) خبره. وقيل: ((أصبحتم)) أي: دخلتم في الصباح، فالباء حينئذ متعلّقةٌ بمحذوف وقع حالاً من الفاعل، وكذا ((إخواناً)) أي: فأصبحتم متلبِّسين بنعمته حالَ كونكم إخواناً. والإخوان جمع أخ، وأكثر ما يجمع أخو الصداقة على ذلك، على الصحيح، وفي ((الإتقان)): الأخ في النسب جَمْعُه: إخوة، وفي الصداقة: إخوان، قاله ابن فارس، وخالفه غيرُه وأَوْرَدَ في الصداقة: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠] وفي النسب: (١) الكامل في التاريخ لابن الأثير ١/ ٦٨٠. سُورَةُ العمران ٣٦٦ الآية : ١٠٣ ﴿أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَذِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَيِكُمْ﴾ [النور: ٦١](١). ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾ أي: وكنتم على طَرَف حفرة من جهنم؛ إذ لم يكن بينكم وبينها إلا الموت. وتفسير الشَّفا بالطّرَف مأثورٌ عن السُّدِّيِّ في الآية، وواردٌ عن العرب، ويثنَّى على شَفَوان، ويُجمع على أَشْفاء، ويضاف إلى الأعلى كـ ﴿شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] وإلى الأسفل، قيل: كما هنا. وكون المراد من النار ما ذكرنا هو الظاهر، وحَمْلُها على نار الحرب بعيد. ﴿فَذَكُمْ مِّنْهً﴾ أي: بمحمد ◌َِّ؛ قاله ابن عباس. والضمير المجرور عائدٌ إما على النار، أو على ((حفرة))، أو على ((شفا)) لأنه بمعنى الشفة، أو لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، كما في قوله: وتَشْرَقَ بالقول الذي قد أذَعْتَه كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناة من الدَّم(٢) فإنَّ المضاف یکتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان بعضاً منه، أو فعلاً له أو صفةً كما صرَّحوا به، وما نحن فيه من الأول، ومَن أطلق لزمه جواز: قامت غلام هند. واختار الزمخشريُّ الاحتمال الأخير(٣). وقال ابن المنير: وعَوْدُ الضمير إلى الحفرة أتمُّ؛ لأنها التي يمتنُّ بالإنقاذ منها حقيقةً، وأمَّا الامتنانُ بالإنقاذ من الشَّفا فلِمَا يستلزمه الكونُ على الشَّفا غالباً من الهويِّ إلى الحفرة، فيكون الإنقاذ من الشفا إنقاذاً من الحفرة التي يتوقَّع الهويُّ فيها، فإضافة المِنَّة إلى الإنقاذ من الحفرة أبلغ وأوقع، مع أنَّ اكتساب التأنيث من المضاف إليه قد عدَّه أبو عليٍّ في التعاليق من ضرورة الشعر خلاف رأيه في ((الإيضاح))، وما حمل الزمخشريَّ على إعادة الضمير إلى الشَّفا إلا أنه هو الذي كانوا عليه، ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتنَّ عليهم بالإنقاذ من الحفرة، وقد عُلم أنهم كانوا صائرين إليها لولا الإنقاذُ الربّاني، فُبُولِغ في الامتنان بذلك، ألا ترى إلى قوله وَله: ((الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه))(٤)، وإلى قوله تعالى: ﴿أَم مَّنْ أَسْسَ بُّنْيَنَهُ، عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَنْهَارَ بِهِ، فِ نَارِ (١) الإتقان ١٩٣/١، وقول ابن فارس في مجمل اللغة ٩٠/١. (٢) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ١٨٣ (طبعة دار صادر). (٣) الكشاف ١/ ٤٥١ . (٤) أخرجه أحمد (١٨٣٧٤)، والبخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير . الآية : ١٠٤ ٣٦٧ سُورَةُ العَقْرَانَ [التوبة: ١٠٩] فانظر كيف جعل تعالى كونَ البنيان على الشَّفا سبباً مؤدِّياً إلى انهياره في نار جهنم، مع تأكيد ذلك بقوله سبحانه: ﴿مَارٍ﴾ انتهى(١). ومنه يُعلم ما في قول أبي حيان من أنه لا يَحْسْنُ عَوْدُه إلا إلى الشَّفا؛ لأنَّ كينونتهم عليه هو أحد جزأي الإسناد، فالضمير لا يعود إلّا إليه، لا على الحفرة؛ لأنها غيرُ محدَّثٍ عنها، ولا على النار؛ لأنه إنما جيء بها لتخصيص الحفرة. وأيضاً فالإنقاذ من الشَّفا أبلغُ من الإنقاذ من الحفرة ومن النار، والإنقاذ منهما لا يستلزم الإنقاذَ من الشَّفا، فعَوْدُه على الشَّفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى(٢). نعم ما ذكره من أنَّ عودَه على الشَّفا هو الظاهر من حيث اللفظ ظاهرٌ، بناءً على أنَّ الأصل أن يعود الضمير على المضاف دون المضاف إليه إذا صلح لكلِّ منهما ولو بتأويل، إلا أنه قد يترك ذلك فيعود على المضاف إليه؛ إما مطلقاً . كما هو قول ابن المنير - أو بشرطِ كونه بعضه، أو كبعضه؛ كقول جرير: أرى مرَّ السنين أَخَذْنَ منِّي(٣) فإنَّ مرَّ السنين من جنسها، وإليه ذهب الواحديٌّ(٤)، والشرط موجودٌ فيما نحن فيه. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك التبيين الواضح ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ﴾ أي: دلائله فیما أمركم به ونهاکم عنه. ﴿لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ ﴿١٨)﴾ أي: لكي تدوموا على الهدى وازديادِكم فيه كما يشعر به كون الخطاب للمؤمنين، أو صيغة المضارع من الافتعال. ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أمرهم سبحانه بتكميل الغير إثر أمرهم بتكميل النفس؛ ليكونوا هادين مهديِّين، على ضدِّ أعدائهم، فإنَّ ما قصَّ الله تعالى من حالهم فيما سبق يدلُّ على أنهم ضالُّون مضلُّون. (١) الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ١/ ٤٥١ بهامش الكشاف. (٢) البحر المحيط ١٩/٣. (٣) وعجزه: كما أَخَذَ السَّرارُ من الهلال، وهو في ديوانه ٥٤٦/٢ . (٤) في تفسيره ٤٧٤/١ . سُورَةُ العَمْرَانَ ٣٦٨ الآية : ١٠٤ والجمهور على إسكان لام الأمر، وقرىء بكسرها على الأصل(١). و (تكن)): إما من ((كان)) التامَّة، فتكون ((أمةٌ)) فاعلاً وجملةُ ((يدعون)) صفته، و((منكم)) متعلّقٌ بـ ((تكن))، أو بمحذوفٍ على أن يكون صفة لـ ((أمة)) قُدِّم عليها فصار حالاً. وإما من ((كان)) الناقصة فتكون ((أمة)) اسمَها، و((يدعون)) خبرها، و((منكم)) إما حالٌ من أمة، أو متعلِّقٌ بـ ((كان)) الناقصة. والأمة: الجماعة التي تُؤَمُّ، أي: تقصد لأمرٍ ما، وتُطْلَق على أتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصدٍ واحد، وعلى القدوة، ومنه: ﴿إِنَّ إِثْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ﴾ [النحل: ١٢٠]، وعلى الدِّين والمِلَّة، ومنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَءَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وعلى الزمان، ومنه: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، إلى غير ذلك من معانيها . والمراد من الدعاء إلى الخير: الدعاء إلى ما فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيوي، فعَطْفُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه في قوله سبحانه: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِلْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ من بابٍ عَظْفِ الخاصِّ على العامِّ، إيذاناً بمزيد فضلهما على سائر الخیرات، کذا قيل. وقال(٢) ابن المنير: إنَّ هذا ليس من تلك الباب؛ لأنه ذَكَر بعد العامٌّ جميعَ ما يتناوله؛ إذ الخير المدعوُّ إليه: إما فعلُ مأمور، أو تركُ منهيّ، لا يعدو واحداً من هذين حتى يكون تخصيصُهما بتميُّزهما عن بقية المتناولات، فالأَولى أن يقال: فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عامًّا، ثم مفصَّلاً، وفي تثنية الذكر على وجهين ما لا يخفى من العناية، إلا إنْ ثبت عُرْفٌ يخصُّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر ببعض أنواع الخير، وحينئذ يتمُّ ما ذَكَر، وما أرى هذا العُرْفَ ثابتاً(٣) انتھی . وله وجهٌ وجيه؛ لأنَّ الدعاء إلى الخير لو فُسِّر بما يشمل أمورَ الدنيا - وإن لم يتعلَّق بها أمرٌ أو نهي - كان أعمَّ من فرض الكفاية، ولا يخفى ما فيه، على أنه قد (١) هي قراءة الحسن والزهري وأبي عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة. المحرر الوجيز ١/ ٤٨٥. (٢) ضرب عليها في الأصل وكُتب في الهامش: وزعم. (٣) الانتصاف ٤٥٣/١. الآية : ١٠٤ ٣٦٩ سُورَةُ آلْعُقْرَانَ أخرج ابن مردويه(١) عن الباقر ظُبه قال: قرأ رسول الله وَلَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ثم قال: ((الخيرُ انِّباعُ القرآن وسُنَّتي)) وهذا يدلُّ أنَّ الدعاء إلى الخير لا يشمل الدعاء إلى أمور الدنيا . ومن الناس مَن فسَّر الخير بمعروفٍ خاصٍّ، وهو الإيمان بالله تعالى، وَجعَلَ المعروف في الآية ما عَدَاه من الطاعات، فحينئذ لا يتأتَّى ما قاله ابن المنير أيضاً، ويؤيِّده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل أنَّ الخير: الإسلام، والمعروف: طاعة الله، والمنكر: معصيته (٢) . وحذف المفعول الصريح من الأفعال الثلاثة؛ إما للإعلام بظهوره، أي: يدعون الناس ولو غيرَ مكلَّفين، ويأمرونهم وينهونهم، وإما للقصد إلى إيجاد نفس الفعل على حدٍّ: فلانٌ يعطي، أي: يفعلون الدعاءَ والأمرَ والنهيَ ويُؤْقِعونها . والخطاب، قيل: متوجِّهُ إلى مَنْ توجَّه الخطاب الأول إليه في رأي، وهم الأوس والخزرج، وأخرج ابن المنذر(٣) عن الضحاك أنه متوجّه إلى أصحاب رسول الله وَّر خاصةً، وهم الرواة، والأكثرون على جَعْله عامّاً، ويدخل فيه مَنْ ذُكر دخولاً أوَّلياً . و((مِن)) هنا قيل: للتبعيض، وقيل: للتبيين وهي تجريدية، كما يقال: لفلانٍ من أولاده جندٌ، وللأمير من غِلمانه عَسْكر. يراد بذلك جميعُ الأولاد والغلمان. ومنشأ الخلاف في ذلك أنَّ العلماء اتفقوا على أنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر من فروض الكفايات، ولم يخالف في ذلك إلا النَّزْر، ومنهم الشيخ أبو جعفر(٤) من الإمامية قالوا: إنها من فروض الأعيان. واختلفوا في أنَّ الواجب على الكفاية، هل هو واجبٌ على جميع المكلَّفين، ويسقط عنهم بفعل بعضهم، أو هو واجبٌ على البعض؟ (١) كما في الدر المنثور ٢/ ٦٢ . (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧٢٧. (٣) كما في الدر المنثور ٦٢/٢. وأخرجه - أيضاً - الطبري في التفسير ٦٢٢/٥. (٤) الطوسي، محمد بن الحسن بن علي، وذكر قوله الطبرسي في مجمع البيان ٤/ ١٦٠ . سُورَةُ الَّعَمْرَانَ ٣٧٠ الآية : ١٠٤ ذهب الإمام الرازي(١) وأتباعه إلى الثاني؛ للاكتفاء بحصوله من البعض، ولو وجب على الكلِّ لم يكتف بفعل البعض؛ إذ يُستبعد سقوط الواجب على المكلّف بفعل غيره. وذهب إلى الأول الجمهور، وهو ظاهر نصِّ الإمام الشافعي في ((الأم)). واستدلُّوا على ذلك بإثم الجميع بتَرْكه، ولو لم يكن واجباً عليهم كلهم لما أَثِموا بالترك. وأجاب الأولون عن هذا بأنَّ إثمهم بالترك لتفويتهم ما قُصد حصوله من جهتهم في الجملة، لا للوجوب عليهم. واعتُرض عليه من طرف الجمهور بأنَّ هذا هو الحقيق بالاستبعاد، أعني: إثم طائفة بتَرْكِ أخرى فعلاً كُلِّفت به. والجواب عنه بأنه ليس الإسقاط عن غيرهم بفعلهم أولى من تأثيم غيرهم بتركهم. يقال فيه: بل هو أولى؛ لأنه قد ثبت نظيرُهُ شرعاً من إسقاطِ ما على زيدٍ بأداء عمرو، ولم يثبت تأثيمُ إنسانٍ بتَرْك آخر، فيتُّ ما قاله الجمهور. واعتُرض القول بأنَّ هذا هو الحقيق بالاستبعاد بأنه إنما يتأتَّى لو ارتبط التكليف في الظاهر بتلك الطائفة الأخرى بعينها وحدها، لكنه ليس كذلك، بل كلتا الطائفتين متساويتان في احتمال الأمر لهما، وتعلَّقُه بهما من غير مزيَّةٍ لإحداهما على الأخرى، فليس في التأثيم المذكور تأثيمُ طائفةٍ بتَرْك أخرى فعلاً كُلِّفت به؛ إذ كون الأخرى كُلِّفتْ به غيرَ معلوم، بل كلتا الطائفتين متساويتان في احتمال كلٍّ أن تكون مكلفةً به، فالاستبعاد المذكور ليس في محلِّه، على أنه إذا قلنا بما اختاره جماعةٌ من أصحاب المذهب الثاني، من أنَّ البعض مبهمٌ، آلَ الحالُ إلى أنَّ المكلَّف طائفةٌ لا بعينها، فيكون المكلَّف القَدْرَ المشتركَ بين الطوائف الصادقَ بكلِّ طائفة، فجميع الطوائف مستويةٌ في تعلُّق الخطاب بها بواسطة تعلُّقه بالقَدْر المشترك المستوي فيها، فلا إشكال في إثم الجميع، ولا يصير النزاع بهذا بين الطائفتين لفظيًّا، حيث إنَّ الخطاب حينئذ عمَّ الجميع على القولين، وكذا الإثم عند الترك، لِمَا أنَّ في (١) في تفسيره ١٧٨/٨ . الآية : ١٠٤ ٣٧١ سُوَّةُ آلِ عَمْرَانَ أحدهما دعوى التعليق بكلِّ واحد بعينه، وفي الآخر دعوى تعلُّقه بكلِّ بطريق السراية من تعلُّقه بالمشترك. وثمرةُ ذلك أنَّ مَنْ شَكَّ أنَّ غيرَهُ هل فعل ذلك الواجب، لا يلزمه على القول بالسراية، ويلزمه على القول بالابتداء، ولا يسقط عنه إلا إذا ظنَّ فِعْلَ الغير، ومن هنا يُستغنَى عن الجواب عما اعترض به من طرف الجمهور، فلا يضرُّنا ما قيل فيه. على أنه يقال على ما قيل: ليس الدَّين نظيرَ ما نحن فيه كلِّيًّا، لأنَّ دَين زيدٍ واجبٌ عليه وحده بحسب الظاهر، ولا تعلّق له بغيره، فلذا صحَّ أن يسقط عنه بأداء غيره، ولم يصحّ أن يأثم غيرُهُ بترك أدائه، بخلاف ما نحن فيه، فإنَّ نسبة الواجب في الظاهر إلى كلتا الطائفتين على السواء فيه، فجاز أن يأثم كلُّ طائفة بتَرْك غيرها التعلُّق الوجوب بها بحسب الظاهر، واستوائها مع غيرها في التعلُّق. وأما قولهم: ولم يثبت تأثیم إنسان بأداء آخر، فهو لا يطابق البحث؛ إذ ليس المدَّعى تأثيمُ أحدٍ بأداء غيره، بل تأثيمه بتَرْك، فالمطابق: ولم يثبت تأثيم إنسان بترك أداءٍ آخر، ويتخلَّص منه حينئذ بأنَّ التعلُّق في الظاهر مشتركٌ في سائر الطوائف، فيتمُّ ما ذهب إليه الإمام الرازي وأتباعه، وهو مختار ابن السبكي، خلافاً لأبيه. إذا تحقق هذا، فاعلم أنَّ القائلين بأنَّ المكلَّف البعضُ، قالوا: إنَّ ((من)) للتبعيض، وأنَّ القائلين بأنَّ المكلَّف الكلُّ، قالوا: إنها للتبيين، وأيَّدوا ذلك بأنَّ الله تعالى أثبت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكلِّ الأمة في قوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ولا يقتضي ذلك كونَ الدعاء فرضَ عين، فإنَّ الجهاد من فروض الكفاية بالإجماع، مع ثبوته بالخطابات العامة. فتأمل. ﴿ وَأُوْلَكَ﴾ أي: الموصوفون بتلك الصفات الكاملة ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ أي: الكاملون في الفلاح، وبهذا صحَّ الحَصْرُ المستفاد من الفصل وتعريف الطرفين. أخرج الإمام أحمد وأبو يعلى عن دُرَّة بنت أبي لهب قالت: سئل رسول الله وَّل مَنْ خير الناس؟ قال: ((آمَرُهُم بالمعروف، وأنهاهُم عن المنكر، وأتقاهم لله تعالى، وأوصلُهم للرَّحم))(١). (١) مسند أحمد (٢٧٤٣٤). سُورَةُ الْعَنْران ٣٧٢ الآية : ١٠٤ وروى الحسن: مَنْ أَمَرَ بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو خليفة الله تعالى وخليفة رسوله وَله وخليفة كتابه(١). وروي: لتأمرُنَّ بالمعروف ولتَنْهَونَّ عن المنكر، أو ليُسلِّطَنَّ الله تعالى عليكم سلطاناً ظالماً، لا يُجلُّ كبيرَكُم، ولا يرحَمُ صغيركم، ويدعو خيارُكُم فلا يُستجابُ لهم، وتَسْتَنْصِرون فلا تنصَرون(٢). والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً على حَسَب ما يؤمر به، والنهي عن المنكر كذلك أيضاً إن قلنا: إنَّ المكروه منكرٌ شرعاً، وأما إن فُسِّر بما يستحقُّ العقاب عليه، كما أنَّ المعروف ما يستحقُّ الثواب عليه، فلا يكون إلا واجباً، وبه قال بعضهم، إلا أنه يَرِدُ أنهما ليسا على طرفي نقيض. والأظهرُ أنَّ العاصي يجب عليه أن يَنْهَى عمَّا يَرتَكبه؛ لأنه يجب عليه نهيُ كلِّ فاعل، وتَرْكُ نهي بعضٍ - وهو نفسه - لا يُسقط عنه وجوبَ نهي الباقي، وكذا يقال في جانب الأمر، ولا يعكِّر على ذلك قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] لأنه مؤوَّلٌ بأنَّ المراد نهيُّهُ عن عدم الفعل، لا عن القول، ولا قوله سبحانه: ﴿ أَتَأْمُونَ النَّاسَ بِآلْبِرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] لأنَّ التوبيخ إنما هو على نسيان أنفسهم، لا على أمرهم بالبر، وعن بعض السلف: مُروا بالخير وإن لم تفعلوا . نعم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطٌ معروفة في(٣) محلّها، والأصل فيهما: افعل كذا، ولا تفعل كذا. والقتالُ ليمتثلَ المأمورُ والمنهيُّ أَمْرٌ وراءَ ذلك، وليس داخلاً في حقيقتهما - وإنْ وجب على بعضٍ، كالأمراء في بعض الأحيان - لأنَّ ذلك حكمٌ آخر، كما يُشعر به قوله وَّرِ: ((مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناءُ سبعٍ سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع)) (٤). (١) أخرجه علي بن معبد في كتاب الطاعة كما ذكر ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٣٠، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢١٠٤/٦ من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً، وفيه كادح العرني، وهو ساقط كما قال الحافظ. (٢) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٣٧٣/٢٧ - ٣٧٤ من حديث أبي الدرداء موقوفاً. (٣) قوله: في. ساقط من (م). (٤) أخرجه أحمد (٦٦٨٩) وأبو داود (٤٩٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الآية : ١٠٥ ٣٧٣ سُورَةُ العَقْرَانَ ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ﴾ وهم اليهود والنصارى، قاله الحسن والربيع. وأخرج ابن ماجه(١) عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((افْتَرقَتِ اليهودُ على إحدى وسبعين فِرْقةً، فواحدةٌ في الجنة وسبعون في النار. وافترقت النصارى على ئِنْتَينٍ وسبعين فِرْقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة. والذي نفسي بيده، لتفترِقَنَّ أُمَّتِي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، فواحدةٌ في الجنة وثنتان وسبعون في النار)) قيل: يا رسول الله، مَن هم؟ قال: ((الجماعة)). وفي رواية أحمد عن معاوية مرفوعاً: ((إنَّ أهل الكتاب تفرَّقوا في دينهم على ثنتين وسبعين مِلَّةً، وتفترقُ هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين، كلّها في النار إلا واحدة))(٢). وفي رواية له أخرى عن أنس مرفوعاً أيضاً: ((إنَّ بني إسرائيل تفرَّقت إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون فرقة، وخَلَصَتْ فرقة واحدة، وإنَّ أمَّتي ستفترقُ على اثنتين وسبعين فرقة، تهلك إحدى وسبعون فرقة، وتَخْلُصُ فرقة))(٣). ولا تَعارُضَ بين هذه الروايات؛ لأنَّ الافتراق حَصَلَ لمن حَصَلَ على طِبْقِ ما وقع فيها في بعض الأوقات، وهو يكفي للصدق، وإن زاد العدد أو نقص في وقت آخر. ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ في التوحيد والتنزيه وأحوال المعاد، قيل: وهذا معنى ((تفرَّقوا)) وكرَّره للتأكيد، وقيل: التفرُّق بالعداوة، والاختلاف بالديانة. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: الآيات والحجج المبيِّنة للحقِّ، الموجبةُ لانِّحاد الكلمة. وقال الحسن: التوراة. وقال قتادة وأبو أمامة: القرآن. ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتِّصافهم بما في حيِّز الصلة ﴿لَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (®﴾ لا يُكْتَنَهُ، على تفرُّقهم واختلافهم المذكور، وفي ذلك وعيدٌ لهم وتهديدٌ للمتشبِّهين بهم؛ لأنَّ التشبيه بالمغضوب عليه يستدعي الغضب. (١) في سننه (٣٩٩٢). (٢) مسند أحمد (١٦٩٣٧). وأخرجه - أيضاً - أبو داود (٤٥٩٧). (٣) مسند أحمد (١٢٤٧٩). سُورَةُ الْغَيْرَانَ ٣٧٤ الآية : ١٠٥ ثم إنَّ هذا الاختلافَ المذمومَ محمولٌ - كما قيل - على الاختلاف في الأصول دون الفروع، ويؤخَذُ هذا التخصيص من التشبيه. وقيل: إنه شاملٌ للأصول والفروع؛ لِمَا نرى من اختلاف أهل السُّنَّة فيها كالماتريديِّ والأشعري، فالمراد حينئذ بالنهي عن الاختلاف: النهيُ عن الاختلاف فيما ورد فيه نصٌّ من الشارع، أو أُجمع عليه، وليس بالبعيد. واستدلَّ على عدم المنع من الاختلاف في الفروع بقوله عليه الصلاة والسلام: (اختلافُ أمَّتي رحمة))(١). وبقوله وَّر: ((مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى فالعمل به، لاعذْرَ لأحدٍ في تَرْكه، فإن لم يكن في كتاب الله تعالى، فسنَّةٌ مِنِّي ماضية، فإن لم يكن سنَّةٌ مِنِّي، فما قال أصحابي، إنَّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيُّما أخذتم به اهتديتم، واختلافُ أصحابي لكم رحمة))(٢). وأراد بهم وَّر خواصَّهم البالغين رتبةَ الاجتهاد، والمقصودُ بالخطاب مَنْ دونَهم، فلا إشكال فيه خلافاً لمن وَهَم، والروايات عن السلف في هذا المعنى كثيرة: فقد أخرج البيهقيُّ في ((المدخل)) عن القاسم بن محمد قال: اختلاف أصحاب محمد رحمةٌ لعباد الله تعالى(٣). وأخرجه ابن سعد في (طبقاته)) (٤) بلفظ: كان اختلافُ أصحاب محمد رحمةً للناس . وفي ((المدخل)) عن عمر بن عبد العزيز قال: ما سرَّني لو أنَّ أصحابَ محمدٍ لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصةٌ (٥). (١) لم نقف عليه مسنداً بهذا اللفظ، وقال السيوطي في الجامع الصغير (٢٨٨): ولعله خُرِّج في بعض كتب الحفّاظ التي لم تَصِلْ إلينا. وأورده ملّ علي القاري في الأسرار المرفوعة (١٧) وقال: زعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له، لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطرداً، وأَشْعَر بأن له أصلاً عنده، وينظر كشف الخفاء ٦٦/١ . (٢) أخرجه البيهقي في المدخل (١٥٢) من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً. وجوبير متروك، والضحاك عن ابن عباس منقطع. (٣) لم نقف عليه في المدخل، وذكره العجلوني في كشف الخفاء ٦٦/١٠ وعزاه إلى المدخل أيضاً. (٤) ١٨٩/٥. (٥) لم نقف عليه في المدخل، وعزاه إليه أيضاً العجلوني في كشف الخفاء ٦٦/١، وأخرجه بهذا اللفظ الخطيب في الفقيه والمتفقه ٥٩/٢، وبنحوه الدارمي (٦٢٨). الآية : ١٠٥ ٣٧٥ سُورَةُ الِغْرَانَ واعترض الإمام السبكيُّ بأنَّ: ((اختلاف أمَّتي رحمة)) ليس معروفاً عند المحدِّثين، ولم أقف له على سندٍ صحيح ولا ضعيف ولا موضوع، ولا أظنُّ له أصلاً إلا أن يكون من كلام الناس، بأن يكون أحدٌ قال: اختلافُ الأمة رحمة. فأخذه بعضُهم فظنَّه حديثاً، فجعله من كلام النبوة، وما زلتُ أعتقد أنَّ هذا الحديث لا أصل له. واستدَلَّ على بطلانه بالآيات والأحاديث الصحيحة الناطقة بأنَّ الرحمة تقتضي عدمَ الاختلاف، والآياتُ أكثر من أن تحصى، ومن الأحاديث قوله وَلاقته : ((إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم))(١). وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تختلفوا فَتَخْتَلِفَ قلوبُكم))(٢) وهو وإن كان وارداً في تسوية الصفوف، إلا أنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم قال: والذي نَقْطَعُ به أنَّ الاتفاقَ خيرٌ من الاختلاف، وأنَّ الاختلافَ على ثلاثة أقسام : أحدها: في الأصول. ولا شكَّ أنه ضلالٌ وسببُ كلِّ فساد، وهو المشار إليه في القرآن. والثاني: في الآراء والحروب ويشير إليه قولُهُ وَّرِ لمعاذٍ وأبي موسى الأشعريِّ لمَّا بعثهما إلى اليمن: (تَطاوَعا ولا تَخْتَلَفا))(٣). ولا شكَّ أيضاً أنه حرامٌ لِمَا فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية. والثالث: في الفروع؛ كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما، والذي نقطع به أنَّ الاتفاق خيرٌ منه أيضاً، لكن هل هو ضلال کالقسمين الأولين أم لا؟ فيه خلاف : فكلام ابن حزم ومَن سَلَكَ مَسْلَكَه ممن يمنع التقليد يقتضي الأول، وأما نحن فإنَّا نجوِّز التقليد للجاهل، والأخذَ عند الحاجة بالرخصة من أقوال بعض العلماء (١) أخرجه أحمد (٧٣٦٧)، والبخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة (٢) أخرجه أحمد (١٧١٠٢)، ومسلم (٤٣٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري ضـ به. (٣) أخرجه أحمد (١٩٦٩٩)، والبخاري (٣٠٣٨)، ومسلم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ ٣٧٦ الآية : ١٠٥ من غير تتبُّع الرخص، وهو يقتضي الثاني، ومن هذا الوجه قد يصحُّ أن يقال: الاختلاف رحمة، فإنَّ الرُّخَص منها بلا شبهة، وهذا لا ينافي قطعاً القطعَ بأنَّ الاتفاقَ خيرٌ من الاختلاف، فلا تَنافي بين الكلامين؛ لأنَّ جهة الخيرية تختلف، وجهة الرحمة تختلف، فالخيرية في العلم بالدِّين الحقِّ الذي كلَّف الله تعالى به عباده، وهو الصواب عنده، والرحمةُ في الرخصة له وإباحة الإقدام بالتقليد على ذلك، و((رحمة)) نكرةٌ في سياق الإثبات لا تقتضي العموم، فيُكْتَفَى في صحته أن يحصل في الاختلاف رحمةٌ ما في وقتٍ ما في حالةٍ ما على وجهٍ ما، فإن كان ذلك حديثاً فيخرَّج على هذا، وكذا إن لم يَكُنْهُ. وعلى كلِّ تقدير لا نقول إنَّ الاختلاف مأمورٌ به. والقولُ بأنَّ الاتفاق مأمورٌ به يلتفتُ إلى أنَّ المصيب واحدٌ أم لا؟ فإن قلنا: إنَّ المصيب واحدٌ، وهو الصحيح، فالحقُّ في نفس الأمر واحدٌ، والناسُ كلُّهم مأمورون بطلبه، واتفاقُهم عليه مطلوب، والاختلافُ حينئذ منهيٌّ عنه، وإن عُذر المخطىء وأُنيب على اجتهاده وصَرْفِ وُسْعِهِ لطلب الحق. فقد أخرج البخاريُّ ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه(١) من حديث عمرو بن العاص: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر)). وكذلك إذا قلنا بالشَّبه(٢) كما هو قول بعض الأصوليين. وأما إذا قلنا: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ، فكلُّ أحدٍ مأمورٌ بالاجتهاد وباتِّباع ما غلب على ظنِّه، فلا يلزم أن يكونوا كلُّهم مأمورين بالإتفاق، ولا يكون اختلافهم منهيًّا عنه، وإطلاق الرحمة على هذا التقدير في الاختلاف أقوى من إطلاقها على قولنا : المصیب واحد. هذا كلُّه إذا حملنا الاختلاف في الخبر على الاختلاف في الفروع، وأما إذا قلنا: المراد الاختلاف في الصنائع والحِرَف، فلا شك أنَّ ذلك من نِعَم الله تعالى (١) البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦)، وأبو داود (٣٥٧٤)، والنسائي في المجتبى ٢٢٣/٨ - ٢٢٤، وابن ماجه (٢٣١٤). وهو عند أحمد (١٧٧٧٤). (٢) في الأصل: بالأشبه. الآية : ١٠٦ ٣٧٧ سُورَةُ الْ عُقْرَانَ التي يُطلب من العبد شكرها، كما قال الحليميُّ في ((شعب الإيمان))(١)، لكن كان المناسب على هذا أن يقال: اختلاف الناس رحمة؛ إذ لا خصوصية للأمة بذلك، فإنَّ كلَّ الأمم مختلفون في الصنائع والحِرَف، لا هذه الأمة فقط، فلابدَّ لتخصيصٍ الأمة من وجه، ووجَّهه إمام الحرمين بأنَّ المراتبَ والمناصب التي أُعطيتها أمته وَليه لم تُعطَّها أمة من الأمم، فهي من رحمة الله تعالى لهم وفضِلهِ عليهم، لكنه لا يسبق من لفظ الاختلاف إلى ذلك، ولا إلى الصنائع والحِرَف، فالحِرْفة الإبقاءُ على الظاهر المتبادر، وتأويل الخبر بما تقدم. هذه خلاصة كلامه، ولا يخفى أنه مما لا بأس به، نعم کونُ الحدیث لیس معروفاً عند المحدِّثين أصلاً لا يخلو عن شيء، فقد عزاه الزركشيُّ في ((الأحاديث المشتهرة)) إلى كتاب ((الحجة)) لنصر المقدسي، ولم يذكر سنده ولا صحّته، لكن ورد ما يقوِّيه في الجملة مما نقل من كلام السلف، والحديثِ الذي أوردناه قبلُ، وإن رواه الطبريُّ والبيهقيُّ في ((المدخل)) بسند ضعيف عن ابن عباس ﴿ًّا. على أنه يكفي في هذا الباب الحديثُ الذي أخرجه الشيخان وغيرُهما . فالحقُّ الذي لا محيدَ عنه: أنَّ المراد اختلافُ الصحابة ظَه ومَنْ شاركهم في الاجتهاد، كالمجتهدين المعتدِّ بهم من علماء الدين الذين ليسوا بمبتدعين، وكونٌ ذلك رحمةً لضعفاء الأمة ومَن ليس في درجتهم، مما لا ينبغي أن يَنْتَطِحَ فيه کبشان، ولا يتنازعَ فیه اثنان، فليفهم. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوٌ﴾ نصب بما في (لهم)) من معنى الاستقرار، أو منصوب بـ ((اذكر)) مقدَّراً. وقيل: العامل فيه ((عذاب)). وضُعِّف بأنَّ المصدر الموصوف لا يعمل. وقيل: ((عظيم)) وأُورد عليه بأنه(٢) يلزم تقييدُ عظمته بهذا، ولا معنى له. ورُدَّ بأنه إذا عَظُم فيه، وفيه كلُّ عظيم، ففي غيره أولى، إلا أن يقال: إن التقييد ليس بمراد. والمراد بالبياض معناه الحقيقي، أو لازِمُه من السرور والفرح، وكذا يقال في (١) المنهاج في شعب الإيمان ٥٢٤/٢ - ٥٢٥. (٢) في ((م)): أنه. سُورَةُ العمران ٣٧٨ الآية : ١٠٦ السواد، والجمهور على الأول، قالوا: يوسَم أهلُ الحقِّ ببياض الوجه وإشراق البشرة؛ تشريفاً لهم، وإظهاراً لآثار أعمالهم في ذلك الجمع، ويوسَم أهل الباطل بضدِّ ذلك، والظاهر أنَّ الابيضاض والاسوداد يكون لجميع(١) الجسد، إلا أنهما أُسندا للوجوه؛ لأنَّ الوجه أولُ ما يلقاك من الشخص وتراه، وهو أشرف أعضائه. واختلف في وقت ذلك فقيل: وقت البعث من القبور. وقيل: وقت قراءة الصُّحف. وقيل: وقت رجحان الحسنات والسيئات في الميزان. وقيل: عند قوله تعالى شأنه: ﴿وَأَمْتَدُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]. وقيل: وقت أن يؤمر كلُّ فريق بأن يتَّبع معبودَه. ولا يَبْعُدُ أن يقال: إنَّ في كلِّ موقفٍ من هذه المواقف يحصل شيءٌ من ذلك، إلى أن يصل إلى حدِّ اللهُ تعالى أعلم به؛ إذ البياض والسواد من المشكك دون المتواطىء، كما لا يخفى، وقرئ: ((تِبْيَضّ)) و((تِسْوَدُ))(٢) بكسر حرف المضارعة، وهي لغة. و: ((تَبْياضُّ)) و((تَسْوادُ))(٣). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ رُجُوهُهُمْ﴾ تفصيلٌ لأحوال الفريقين، وابتدأ بحال الذين اسودَّت وجوههم لمجاورته ((وتَسْودُّ وجوهٌ)) وليكون الابتداء والاختتام بما يسرُّ الطَّبعَ ويشرح الصدر. ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾ على إرادةِ القول المقرون بالفاء، أي: فيقال لهم ذلك، وحذفُ القول واستتباعُ الفاء له في الحذف أكثر من أن يحصى، وإنما الممنوع حذفُها وحدها في جواب أما. والاستفهامُ للتوبيخ والتعجيبٍ من حالهم، والكلام حكايةٌ لما يقال لهم، فلا التفاتَ فيه، خلافاً للسمين(٤) . والظاهر من السياق والسباق أنَّ هؤلاء أهلُ الكتاب، وكفرُهم بعد إيمانهم (١) في الأصل: بجميع. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٩/١، والكشاف ٤٥٣/١، والبحر ٢٢/٣. (٣) القراءات الشاذة ص ٢٢، والمحرر الوجيز ٤٨٧/١. (٤) الدر المصون ٣٤٤/٣. الآية : ١٠٧ ٣٧٩ سُؤَدَّةُ الِ عُقْرَانَ كفرُهم برسول الله وَّلو بعد الإيمان به قبل مبعثه. وإليه ذهب عكرمة، واختاره الزَّجَّاج (١) والجُبَّائيّ. وقيل: هم جميع الكفار؛ لإعراضهم عما وجب عليهم من الإقرار بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَىْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وروي ذلك عن أبيّ بن كعب. ويحتمل أن يُراد بالإيمان الإيمانُ بالقوة والفطرة، وكُفْرُ جميع الكفار كان بعد هذا الإيمان؛ لتمكَّنهم بالنظر الصحيح، والدلائل الواضحة، والآياتِ البينة، من الإيمان بالله تعالى ورسوله اَله . وعن الحسن أنهم المنافقون، أَعْطَوْا كلمة الإيمان بألسنتهم وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم، فالإيمان على هذا مجازيٌّ. وقيل: إنهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة، وروي ذلك عن عليٍّ كرَّم الله تعالی وجهه وأبي أمامة وابن عباس وأبي سعيد الخدري ـه. ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ أي: المعهودَ الموصوف بالعِظَم، والأمرُ للإهانة لِتَقْرُّر المأمور به وتحقُّقه. وقيل: يحتمل أن يكون أمرَ تسخير بأن يذوق العذابَ كلُّ شعرة من أعضائهم، نعوذ بالله تعالى من غضبه. والفاء للإيذان بأنَّ الأمر بذَوْقِ العذاب مترتِّبٌ على كفرهم المذكور، كما يصرِّح به قوله سبحانه: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾﴾ فالباء للسبيبة. وقيل: للمقابلة من غير نظرٍ إلى التسبُّب، وليست بمعنى اللام، ولعله سبحانه أراد: بعد إيمانكم. والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار كفرهم، أو على مُضِيِّه في الدنيا . ﴿وَمَّا الَّذِينَ أَنْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الَّهِ﴾ أي: الجنة، فهو من التعبير بالحال عن المحلِّ، والظرفيةُ حقيقيةٌ. وقد يراد بها الثواب، فالظرفية حينئذ مجازية، كما يقال: في نعيم دائم، وعيش رَغَد، وفيه إشارةٌ إلى كثرته وشمولِهِ للمذكورين شمولَ الظرف. ولا يجوز أن يُراد بالرحمة ما هو صفة له تعالى؛ إذ لا يصحُ فيها (١) في معاني القرآن ٤٥٥/١. سُورَةُ الْعِنْرَانَ ٣٨٠ الآية : ١٠٨ الظرفية، ويدلُّ على ما ذكر مقابَلتُها بالعذاب ومقارَنتُها للخلود في قوله تعالى: ﴿هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ﴾﴾ وإنما عَبَّر عن ذلك بالرحمة، إشعاراً بأنَّ المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى، فإنه لا ينال ما ينال إلا برحمته تعالى، ولهذا ورد في الخبر: ((لن يُدخل أحدكم الجنةَ عملُه)) فقيل له: حتى أنت يا رسول الله؟ فقال: ((حتَّى أنا، إلَّا أنْ يَتَغْمَّدني الله تعالى برحمته))(١) . وجملة ((هم فيها خالدون)) استئنافيةٌ وقعت جواباً عمَّا نشأ من السياق، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فأجيب بما ترى. وفيها تأكيدٌ في المعنى لما تقدم. وقيل: خبرٌ بعد خبر. وليس بشيء. وتقديمُ الظرف للمحافظة على رؤوس الآي، والضمير المجرور للرحمة، ومِن أبْعَدِ البعيد جَعْلُهُ للدعوة إلى الخير والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، خلافاً لمن قال به، وجَعَلَ الكلامَ عليه بياناً لسبب كونهم في رحمة الله تعالى، وكونٍ مُقابِلِهم في العذاب، كأنه قيل: ما بالهم في رحمة الله تعالى؟ فأجيب بأنهم كانوا خالدين في الخيرات. وقرىء: ((ابْيَاضَّتْ)) و((اسوادَّتْ))(٢). ﴿يَّكَ﴾ أي: التي مرَّ ذكرها وعَظُمَ قَدْرُها ﴿مَتُ اللَِّ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: نقرؤها شيئاً فشيئاً، وإسنادُ ذلك إليه تعالى مجازٌ؛ إذ التالي جبريل عليه السلام بأمره سبحانه وتعالى. وفي عدوله عن الحقيقة مع الالتفات إلى التكلّم بنون العظمة، ما لا يخفى من العناية بالتلاوة والمتلوِّ عليه. والجملةُ الفعليةُ في موضع الحال من الآيات، والعامل فيها معنى الإشارة. وجُوِّز أن تكون في موضع الخبر لـ ((تلك)) و(«آیات)) بدلٌ منه. وقرىء: ((يتلوها)) على صيغة الغيبة(٣). ﴿ِالَّنٍ﴾ أي: متلبسة، أو متلبسين بالصدق أو بالعدل، في جميع ما دلَّت عليه تلك الآيات ونطقت به، فالظرف في موضع الحال المؤكّدة من الفاعل أو المفعول. (١) أخرجه أحمد (٧٤٧٩)، والبخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦) (٧٥) من حديث أبي هريرة (٢) هي قراءة أبي الجوزاء وابن يعمر. البحر المحيط ٢٦/٣. (٣) هي قراءة أبي نهيك كما البحر المحيط ٢٦/٣.