Indexed OCR Text
Pages 301-320
الآية : ٨١ ٣٠١ سُورَةُ آلِّعَنْزَانَ وقرأ حمزة: ((لِماَ آتيتكم)) بكسر اللام(١)، علىَّ أن ((ما)) مصدرية، واللامُ جارَّةٌ أجْليَّةٌ متعلِّقةٌ بـ ((لتُؤْمِنُنَّ))، أي: لأَجْلٍ إيتائي إياكم بعضَ الكتاب ثم مَجيءٍ رسولٍ مصدقٍ له أخذ الله الميثاق: لَتؤمنُنَّ به ولتنصرنَّه(٢). واعتُرض: بأن فيه إعمالَ ما بعد لام القسم فيما قبلها، وهو لا يجوز. وأُجيبَ بأنه غيرُ مجمَع عليه؛ فإن ظاهر كلام الزمخشريَّ يُشْعِر بجوازه، ولعل مَن يمنعُه يخصُّه فيما (٣) إذا لم يكن المعمولُ المتقدِّم ظرفاً؛ لأن ذاك يُتُوسَّع فيه ما لا يُتُوسَّع في غيره، نعم الأَوْلى - حَسْماً للنزاع - تعلُّقه بأُقْسِم المحذوف. وجوِّز أن تكون ((ما)) في هذه القراءة موصولةً أيضاً، والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((أَخَذ)). وروى عبد بن حُمَيْد عن سعيد بن جبير أنه قرأ: ((لَمَّا آتيتكم)) بالتشديد(٤). وفيها احتمالان : الأول: أن تكون ظرفيةً بمعنى حين - كما قاله الجمهور - خلافاً لسيبويه (٥)، وجوابها مقدَّرٌ من جنس جواب القسم - كما ذهب إليه الزمخشريُّ(٦) - أي: لمَّا آتيتكم بعضَ الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق وجب علیکم الإيمانُ به ونصرته. وقدَّره ابن عطية(٧) من جنس ما قبلها، أي: لمَّا كنتم بهذه الحالِ رؤساءَ الناسِ وأمائلَهم أَخَذَ عليكم الميثاق. وكذا وقع في تفسير الزجَّاج(٨). ومَآلُ معناها التعليل. (١) التيسير ص ٨٩، والنشر ٢٤١/٢. (٢) والمعنى: أخذ الله ميثاقهم: لتؤمنُنَّ بالرسول ولتنصرنه لأَجْل أن آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. الكشاف ٤٤١/١، والدر المصون ٢٨٨/٣. (٣) في (م): بما. (٤) الدر المنثور ٤٨/٢، ونسبها ابن جني في المحتسب ١٦٤/١ للأعرج بلفظ: ((لمَّا آتيناكم)). (٥) ومذهب سيبويه في ((لما)) المقتضية جواباً - كما ذكر أبو حيان في البحر ٢/ ٥١٢ - أنها حرف وجوب لوجوب، وليست ظرفية بمعنى حين، ولا بمعنى غيره. وينظر الكتاب ٢٣٤/٤. (٦) في الكشاف ١/ ٤٤١. (٧) في المحرر الوجيز ٤٦٥/١ . (٨) وتقديرها عنده: لمَّا آتيناكم الكتاب والحكمة أخذ عليكم الميثاق. معاني القرآن للزجاج ٤٣٧/١. قال السمين في الدر ٢٩١/٣: وهذه العبارة لا يؤخذ منها كون لما ظرفية ولا غير ذلك، إلا أن فيه عاضداً لتقدير ابن عطية جوابها من جنس ما تقدَّمها. سُورَةُ العمران ٣٠٢ الآية : ٨١ الثاني: أن أصلها: لَمِن ما (١)، فأُبدلت النون ميماً لمشابهتها إياها، فتوالت ثلاث ميمات، فحُذفت الثانية لضعفها بكونها بدلاً وحصولِ التكرير بها، ورجَّحه أبو حيان في ((البحر)). وزعم ابن جني أنَّها الأُولى(٢)، ونظر فيه الحَلَبيُّ(٣). و((من)) إمَّا مَزيدة في الإيجاب على رأي الأخفش(٤)، وإمَّا تعليلية على ما اختاره ابن جني(٥)، قيل: وهو الأصح؛ لانِّضاح المعنى عليه وموافقته لقراءة التخفيف. واللام إما زائدة، أو موطّئة بناءً على عدم اشتراط دخولها على أداة الشرط. وقرأ نافع: ((آتيناكم))(٦) على لفظ الجمع للتعظيم، والباقون: ((آتيتُكم)) على التوحيد، ولكلٍّ من القراءتين حُسْنٌ من جهة، فافهم ذاك فبعيدٌ أن تظفر بمثله يداك. ﴿قَالَ﴾: أي الله تعالى للنبيين، وهو بيانٌ لأخْذِ الميثاق، أو مقولٌ بعده للتأكيد ﴿ءَأَفْرَّرْتُمْ﴾ بذلك المذكور ﴿وَأَخَذْتُمْ﴾: أي: قبلتم، على حدٍّ: ﴿إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]. وقيل: معناه: هل أخذتم ﴿عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌ﴾ على الأمم. والإصرُ بكسر الهمزة: العهد كما قال ابن عباس، وأصلُه من الإصار وهو ما يُعقد به ويشدُّ به. وكأنه إنما سمّي العهد بذلك لأنه يُشَدُّ به. وقرئ بالضم(٧)، وهو إمَّا لغةٌ فيه كعِبْر وعُبْر في قولهم: ناقةٌ عبْرُ أسفار(٨). أو هو بالضمَّ جمعُ إصار استُغيرَ للعهد، وجُمع (١) في الأصل و(م): من ما، والمثبت هو الصواب. ينظر المحتسب ١٦٤/١، والكشاف ١/ ٤٤١، والإملاء ٩٥/٢، والبحر٥١٢/٢، والدر المصون ٢٩١/٣، وحاشية الشهاب ٤٢/٣، والكلام منه. (٢) المحتسب ١٦٤/١، وترجيح أبي حيان لحذف الثانية ذكره الشهاب في الحاشية ٤٢/٣ ولم ينسبه للبحر، ولم نقف عليه فيه. وقد قال أبو حيان في البحر ٥١٢/٢: وهذا التوجيه في قراءة التشديد في غاية البعد، وينزَّه كلام العرب أن يأتي فيه مثله،؛ فكيف كلام الله تعالى؟! (٣) في الدر المصون ٢٩١/٣؛ وقال السمين: الصحيح في نواظره إنما هو حذف الثواني. (٤) ذكره عن ابن جني في المحتسب ١٦٤/١ . (٥) كذا ذكر المصنف، والصواب أنه اختيار الزمخشري. ينظر الكشاف ١/ ٤٤١، والبحر ٥١٢/٢ وحاشية الشهاب ٤٢/٣ . (٦) التيسير ص٨٩، والنشر ٢٤١/٢، وقرأ بها أيضاً أبو جعفر من العشرة. (٧) القراءات الشاذة ص٢١. (٨) أي أنها لا يزال يسافَر عليها. حاشية الشهاب ٣/ ٤٢. الآية : ٨٢ ٣٠٣ سُورَةُ العَقْرَانَ إمَّا لتعدُّد المعاهدين وهو الظاهر، أو للمبالغة. ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال، كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل: قالوا: ﴿أَقْرَرْنَا﴾، وكان الظاهرُ في الجواب: أقررنا [وأخذنا](١) على ذلك إصرك، لكنّه لم يذكر الثاني اكتفاءً بالأول. ﴿قَالَ﴾: أي: الله تعالى لهم ﴿فَأَشْهَدُوا﴾ أي: فليَشْهدْ بعضكم على بعض بذلك الإقرار، فاعتبر المُقِرّ بعضاً، والشاهد بعضاً آخر؛ لئلا يتَّحد المشهودُ عليه والشاهد. وقيل: الخطاب فيه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقط، أمروا بالشهادة على أممهم. ونُسب ذلك إلى عليٍّ كرم الله تعالى وجهه. وقيل: للملائكة، فيكون ذلك كنايةً عن غيرِ مذكور. ونُسب إلى سعيد بن المسيب. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشََّهِدِينَ ﴾﴾ أي: على إقراركم وتَشَاهُدِكم، على ما يقتضيه المعنى؛ لأنه لا بد في الشهادة من مشهود عليه، وهنا ما ذكرناه للمقام. وعن ابن عباس: أنَّ المراد: اعلموا وأنا معكم أعلم. وعلى كلَّ تقديرٍ فيه توكيدٌ وتحذير عظيم. والجارُّ والمجرورُ خبرُ (أنا)) و((معكم)) حال، والجملةُ مستأنَفةٌ لا محل لها من الإعراب. وجوَّز أن تكون في محلٌّ نصبٍ على الحال من ضميرِ ((فاشهدوا)). ﴿فَمَنْ تَوَلَى﴾: أي أَعْرَضَ عن الإيمان بمحمدٍ وَّهُ ونصرتِه؛ قاله عليّ كرم الله تعالى وجهه ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: الميثاق والإقرار والتوكيد بالشهادة ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى (مَنْ)) مراعى معناها، كما رُوعي من قبلُ لفظُها(٢) ﴿هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾﴾ أي: الخارِجون في الكفر إلى أَنْحْشٍ مراتبه. والمشهورُ عدمُ دخولِ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حُكْم هذه الشَّرْطية، أو ما هي في حكمها، لأنهم أجلُّ قَدْراً من أن يُتَصوَّر في حقهم ثبوتُ المقدَّم ليتَّصفوا - وحاشاهم - بما تضمَّنه التالي، بل هذا الحكم بالنسبة إلي أتباعهم. وجوِّز أن يراد العموم، والآية من قبيل: ﴿لَبِنَّ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. (١) ما بين حاصرتين من البحر ٥١٣/٢، والدر المصون ٢٩٤/٣. (٢) يعني في قوله: ((تولَّى)) حيث روعي فيه الإفراد. سُورَةُ الْ عَبْرَانَ ٣٠٤ الآية : ٨٣ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ ذكر الواحديُّ عن ابن عباس أنه قال: اختصم أهلُ الكتابين إلى رسول الله وسير فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم عليه السلام، كلُّ فرقةٍ زعمت أنها أَوْلَى بدينه، فقال النبيُّ وَّر: ((كِلَا الفريقين بريءٌ من دين إبراهيم)) فغضبوا وقالوا: واللهِ ما نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك. فأنزل الله تعالى هذه الآية (١). والجملةُ في النَّظْم معطوفةٌ على مجموع الشرط والجزاء. وقيل: على الجزاء فقط، وعَظْفُ الإنشاء على الإخبار مغتفرٌ هنا عند المانعينَ. والهمزة على التقديرين متوسطةٌ بين المعطوف والمعطوفِ عليه للإنكار. وقيل: إنَّها معطوفة على محذوفٍ تقديره: أيتولَّوْن فغيرَ دين الله يبغون. قال ابن هشام(٢): والأول مذهبُ سيبويه والجمهور، وجزم به الزمخشريُّ في مواضع، وجوَّز الثاني في بعضٍ(٣). ويضعِّفهُ(٤) ما فيه من التكلُّف، وأنه غيرُ مطَّدٍ. وأمَّا الأول(٥): فلِدعْوى حَذْفِ الجملة، فإن قُوبل بتقديم بعض المعطوف(٦)، فقد يقال: إنه أسهل منه؛ لأنَّ المتجوَّز فيه على قولهم(٧) أقلُّ لفظاً، مع أنَّ في هذا التجوُّز تنبيهاً على أصالة شيء في شيء، أي أصالة الهمزة في التصدُّر. وأمَّا الثاني: فلأنَّه غيرُ ممكنٍ في نحو: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَّابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] انتهى. وتعقّبه الشمس بن الصائغ (٨) بأنَّه أيُّ مانعٍ من تقدير: أَلَا مدبِّر للموجودات، (١) أسباب النزول للواحدي ص١٠٨، وذكره أبو الليث في تفسيره ٢٨١/١-٢٨٢ عن الكلبي. (٢) في المغني ص٢٢- ٢٣ . (٣) ينظر الكشاف ٤٤١/١ و٦٨/٢ و٥٥/٤، وقد جوَّز الزمخشري في الموضع الأول الوجهين - يعني العطف على ما قبلها أو العطف على جملة مقدَّرة محذوفة - وجزم بالأول في الموضعين الآخرين. (٤) يعني الثاني. (٥) يعني ما فيه من التكلف. (٦) أي: فإن عورض بأنْ قيل: كما أن فيه حذفاً وهو خلاف الأصل، كذلك فإنَّ ما قلتموه فيه تقديم الهمزة التي هي جزء من المعطوف، وهو خلاف الأصل. حاشية الدسوقي على المغني ١٣/١. (٧) يعني سيبويه والجمهور. (٨) محمد بن عبد الرحمن بن علي النحوي الحنفي، من كتبه: شرح ألفية ابن مالك، وشرح مشارق الأنوار، توفي سنة (٧٧٦هـ). الدرر الكامنة ٢٤٨/٥. الآية : ٨٣ ٣٠٥ سُورَةُ آلْ عُقْرَانَ فَمَن هو قائمٌ على كلِّ نفس؟ على الاستفهام التقريريِّ المقصودِ به تقريرُ ثبوتِ الصانع، والمعنى: أينتفي المدبِّرُ فلا أحدَ قائمٌ علی کلِّ نفس، لا یمکن ذلك، بل المدبِّر موجودٌ، فالقائم على كلِّ نفسٍ هو، وهو أولى من تقديرِ البدر ابن الدماميني: أهم ضالّون فمَن هو قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبت لَمْ يوحِّدوه، وجَعْلِه الهمزةَ للإنكار التوبيخيِّ. وعلى العلَّات يوشك أن يكون التفصيل في هذه المسألة أولى، بأن يقال: إن انساقَ ذلك المقدَّرُ للذهن قيل بالتقدير، وإلا قيل بما قاله الجماعة. وتقديم المفعول لأنه المقصودُ بالإنكار، لا للحصر كما تُوهِّم لأن المنكر اتخاذُ غير الله ربّاً ولو معه. ودعوى أنه إشارةٌ إلى أنَّ دينَ غيرِ الله لا يجامعُ دينَه في الطلب، فالتقديم للتخصيص، والإنكارُ متوجّهٌ إليه، أي: أيَخُصُّون غير دينِ الله بالطلب؟ = تكلُّفٌ. وقول أبي حيان: إنَّ تعليل التقديم بما تقدَّم(١) لا تحقيق فيه؛ لأن الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجّه إلى الذوات، وإنَّما يتوجّه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات، فالذي أُنكر إنَّما هو الابتغاءُ الذي متعلَّقه غيرُ دين الله، وإنَّما جاء تقدیمُ المفعولِ [هنا] من باب الاتِّساع، ولشَبَه ((يبغون)) بالفاصلة(٢) = لا تحقيقَ فيه عند ذوي التحقيق؛ لأنَّا لم نَدَّع توجُّه الإنكار إلى الذَّوات كما لا يخفى. وقرأ ابن عمرو، وعاصمٌ في روايةٍ لحفص، ويعقوب: ((يبغون)) بالياء التحتية(٣). وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية، على معنى: أتتولَّوْن - أو: أتفسقون وتكفرون - فغير دين الله تبغون. وذهب بعضُهم إلى أنَّه التفاتٌ، فعنده لا تقدير، وعلى تقدير التقدير يجيءُ قَصْدُ الإنكار فيما أشير إليه، ولا ينافيه لأنه منسحبٌ عليه. ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ جملةٌ حالية مؤكّدة للإنكار، أي: كيف يبغون ويطلبون غيرَ دينه والحالةُ هذه؟ (١) يعني القول بأنه قدِّم لأنه المقصود بالإنكار، وهو قول الزمخشري، حيث قال: وقدَّم المفعول على فعله لأنه أهم، من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجّه إلى المعبود بالباطل. ينظر الكشاف ٤٤١/١-٤٤٢، والبحر ٥١٥/٢. (٢) البحر ٢/ ١٥، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) التيسير ص٨٩، والنشر ٢٤١/٢. سُورَةُ الْعِنْرَانَ ٣٠٦ الآية : ٨٣ ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ مصدران في موضع الحال، أي: طائعينَ وكارهين. وجوَّز أبو البقاء(١) أن يكونا مَصْدَرين على غير المصدر؛ لأن أسلم بمعنى: انقاد وأطاع. قيل: وفيه نظر؛ لأنَّه ظاهرٌ في ((طوعاً)) لموافقةٍ معناه ما قبله، لا في ((كرها))، والقول: بأنه يغتفر في الثواني مالا يغتفر في الأوائل، غيرُ نافع، وقد يُدفع بأنَّ الكره فيه انقياد أيضاً . والطّوْعِ: مصدر طاع يَطُوْعُ، كالإطاعة مصدر أطاع يُطِيعُ، ولم يفرِّقوا بينهما. وقيل: طاعَه يَطُوعُه: انقاد له، وأطاعه يُطِيعُه بمعنى: مضى لأَمرِهِ، وطاوَعَه بمعنى: وافَقَه . وفي معنى الآية أقوال: الأول: أنَّ المراد من الإسلام بالطوع: الإسلامُ الناشئ عن العلم مطلقاً، سواءٌ كان حاصلاً بالاستدلال(٢) - كما في الكثير منَّا - أو بدون استدلالٍ وإعمالِ فِكْرٍ، كما في الملائكة. ومن الإسلام بالكره: ما كان حاصلاً بالسيف، ومُعاينةِ ما يُلْجِئ إلى الإسلام. الثاني: أنَّ المراد: انقادوا له تعالى مُختارِينَ لأمره كالملائكة والمؤمنين، ومسخَّرين لإرادته كالكَفَرة؛ فإنَّهم مسخَّرون لإرادة كُفْرِهم؛ إذ لا يقع ما لا يريده تعالى، وهذا لا ينافي - على ما قيل - الجزء الاختياريَّ حتى لا يكون لهم اختيارٌ في الجملة، فيكون قولاً بمذهب الجبرية، ولا يستدعي عَدَمَ توجُّه تعذيبهم على الكفر، ولا عَدَمَ الفَرْقِ بين المؤمن والكافر بناء على أن الجميع لا يفعلون إلا ما أراده الله تعالی بهم، كما ◌ُهم. الثالث: ما أشار إليه بعض ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم، أنَّ الإسلام طوعاً: هو الانقياد والامتثال لِمَا أَمَرَ الله تعالى من غيرِ معارضةِ ظُلْمٍ نَفْسانيةٍ، وحيلولةِ حُجُبِ الأنانية. والإسلام كَرْهاً: هو الانقياد مع توسُّطِ المعارضاتِ والوساوس، وحيلولة الحُجُبِ والتعلُّق بالوسائط. والأولُ مثلُ إسلام الملائكة (١) في الإملاء ٢/ ٩٦ - ٩٧ . (٢) في (م): للاستدلال. الآية : ٨٤ ٣٠٧ سُورَةُ آل عمران وبعضٍ مَن في الأرض من المصطَفَيْنَ الأخيار، والثاني مثل إسلام الكثير ممَّن تقلِّبه الشكوكُ جنباً إلى جنب، حتى غدا يقول: وسرَّحتُ طَرْفي بين تلك المعالمِ لقد ظُفْتُ في تلك المعاهد كلِّها على ذقنٍ أو قارعاً سِنَّ نادِمٍ (١ فلم أرَ إلا واضعاً كفَّ حائٍ والكفارُ من القسم الثاني عند أهل الله تعالى؛ لأنهم أثبتوا صانعاً أيضاً، إلَّ أنَّ ظلمة أنفسهم حالت بينهم وبين الوقوف على الحق، فلم يؤمنوا بالله إلَّا وَهُمْ مشركون ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وإلى هذا يشير كلام مجاهد(٢) . وأخرج ابن جرير وغيرُه عن أبي العالية أنه قال: كلُّ آدميٍّ أقرَّ على نفسه بأنَّ الله تعالى ربِّي وأنا عبدُه، فَمن أشركَ في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومَن أَخْلَصَ للهِ تعالى العبودية فهو الذي أسلم طوعاً (٣). وقرأ الأعمش: ((گُرْهاً)» بالضم. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾﴾ أي: إلى جزائه تَصيرون - على المشهور - فبادروا إلى دينه، ولا تُخالفوا الإسلام. وجوَّزوا في الجملة أن تكون مستأنفةً للإخبار، بما تضمَّنته من التهديد، وأن تكون معطوفة على ((وله أسلم)) فهي حاليةٌ أيضاً. وقرأ عاصم بياء الغيبة (٤)، والضمير لـ ((مَن)) أو لمَن عاد إلیه ضمیر ((يبغون))، فإن قرئ بالخطاب فهو التفاتٌ. وقرأ الباقون بالخطاب، والضمير عائدٌ لمَن عاد إليه ضمير ((يبغون))، فعلى الغيبة فيه التفاتٌ أيضاً. ﴿قُلْ ءَامَنَا بِاَللَّهِ﴾ أمرٌ للرسول ◌َّو أن يخبر عن نفسه والمؤمنين بالإيمان بما ذكر، فضميرُ آمنًّا للنبيِّ وَّ والأمة، وقال المولى عبد الباقي: لمَّا أخذ الله (١) البيتان لابن سينا، كما في وفيات الأعيان ١٦١/٢، ونسبا للشيخ محمد بن عبد الكريم الشهر ستاني كما في شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣١٧ برواية: لعمري لقد طفت المعالم كلها ... (٢) أخرجه الطبري ٥٤٩/٥ . (٣) تفسير الطبري ٥٤٩/٥، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٢ / ٦٩٦ -٦٩٧. (٤) هي رواية حفص عن عاصم، ووافقه يعقوب ولكن بفتح الياء، أي: ((يَرْجعون)). التيسير ص٨٩، والنشر ٢٤١/٢. سُورَةُ الَّعَنْزَانَ ٣٠٨ الآية : ٨٤ تعالى الميثاقَ من النبيِّين أنفسِهم أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام وينصروه، أَمَرَ محمداً أيضاً وَّر أن يؤمن بالأنبياء المؤمنين به وبكتبهم، فيكون ((آمنًّا)» في موضعٍ: آمنتُ؛ لتعظيم نبيِّنا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام. أو لمَّا عهد مع النبيين وأممهم أن يؤمنوا أَمَرَ محمداً عليه الصلاة والسلام وأمَّتَه أن يؤمنوا بهم وبكتبهم . والحاصلُ أَخْذُ الميثاق من الجانبين على الإيمان على طريقةٍ واحدة، ولم يتعرَّض هنا لحكمةِ الأنبياء السالفين؛ إمَّا لأنَّ الإيمان بالكتاب المنزل إيمانٌ بما فيه من الحكمة، أو للإشارة إلى أن شريعتهم منسوخةٌ في زمن هذا النبي ◌ِّر، وكلاهما على تقديرِ كونِ الحكمةِ بمعنى الشريعة. ولم يتعرَّض لنصرته عليه الصلاة والسلام لهم؛ إذ لا مجالَ بوجهٍ لنصرة السلف. ويؤيِّد دعوى أخذِ الميثاق من الجانبين ما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن طاوس أنه قال: أَخَذَ الله تعالى ميثاقَ النبيين أن يصدِّق بعضُهم بعضاً (١). ﴿وَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهو القرآن المنزَلُ عليه ◌َِلير أولاً، وعليهم بواسطة تبليغِه إليهم، ومن هنا أتى بضمير الجمع، وقد يُعتبر الإنزال عليه - عليه الصلاة والسلام - وحده، ولكن نسب إلى الجمع ما هو منسوب لواحدٍ منه مجازاً، على ما قيل. ويحتمل أن تكون النون نونَ العظمة لا ضميرَ الجماعة. وعدِّي الإنزال هنا بـ ((على)) وفي ((البقرة)) بـ ((إلى))؛ لأنَّ(٢) له جهةَ علوٍّ باعتبارٍ ابتدائه، وانتهاءٍ باعتبارٍ آخره، وقد جُعل الخطاب هنا للنبيِّ وَِّ فناسَبه الاستعلاءُ، وهناك للعموم فناسبَ الانتهاء، كذا قيل. وَبِرِدُ عليه قولُه تعالى: ﴿مَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [آل عمران: ٧٢]. والتحقيق أنه لا فَرْقَ بين المعدَّى بإلى والمعدَّى بعلى إلَّا بالاعتبار، فإن اعتبرتَ مبدأه عدَّته بعلى؛ لأنه فَوْقانيٌّ، وإن اعتبرتَ انتهاءه إلى مَن هو له عدَّيتَه بإلى، ويلاحظ أحد الاعتبارين تارةً والآخَرُ أخرى تفتّاً بالعبارة. (١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٤، وأخرجه أيضاً الطبري ٥٤٣/٥. (٢) في (م): لأنه. الآية : ٨٤ ٣٠٩ سُورَة العَزْرَانَ وفرَّق الراغب(١): بأنَّ ما كان واصلاً من الملأ الأعلى بلا واسطةٍ كان لفظُ ((على)) المختصُّ بالعلوِّ أولى به، وما لم يكن كذلك كان لفظ ((إلى)) المختصُّ بالإيصال أولى به. وقيل: ((أنزل عليه)) يُحْمَلُ على أَمْرِ المُنزَلِ عليه أن يبلِّغه غيرَه، و((أنزل إليه)) يُحمَلُ على ما خُصَّ به [في] نفسه؛ لأن إليه انتهاءَ الإنزال. وكِلَا القولين لا يخلو عن نظر. ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ قيل: خصَّ هؤلاء الكرام بالذكر لأنَّ أهل الكتاب يعترفون بنبوَّتهم وكتبهم، والمرادُ بالموصول الصحفُ كما هو الظاهر، وقدم المنزل عليه - عليه الصلاة والسلام - على المنزلِ عليهم، إمَّا لتعظيمه والاعتناء به، أو لأنه المعرِّف له، ومعرفةُ المعرِّف تتقدَّم على معرفةِ المعرَّف. والأسباط: الأحفاد لا أولاد البنات، والمراد بهم على رأىٍ أبناءُ يعقوب الاثنا عشر وذراريهم، وليس كلُّهم أبناءً خلافاً لِزاعِمِه. ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ من التوراة والإنجيل وسائرِ المعجزات، كما يُشعِر به إيثارُ الإيتاء على الإنزال الخاصِّ بالكتاب. وقيل: هو خاصٌّ بالكتابين، وتغييرُ الأسلوب للاعتناء بشأن الكتابين. وتخصيصُ هذين النبيّين بالذكر لِمَا أنَّ الكلام مع اليهود والنصارى. ﴿وَالنَّبيُونَ﴾ عطفٌ على موسى وعيسى، أي: وبما أوتي النبيون، على تعدُّد أفرادهم واختلافِ أسمائهم. ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ متعلّق بـ ((أوتي)). وفي التعبير بالربِّ مضافاً إلى ضميرهم ما لا يخفى من اللطف. إِلَا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: بالتصديق والتكذيب، كما فعل اليهود والنصارى، والتفريقُ بغير ذلك - كالتفضيل - جائزٌ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾﴾ أي: مستسلمون بالطاعة والانقيادِ في جميع ما أَمر به ونهى عنه، أو: مُخْلِصون له في العبادة. وعلى التقديرين لا تكون هذه الجملة مستدركةً بعد جملة الإيمان، كما هو ظاهر. (١) ذكر قوله أبو حيان في البحر ٥١٩/٢، والسمين في الدر المصون ٢٩٨/٣، وما سيأتي بين حاصرتين منهما . سُورَةُ العَمْرَانَ ٣١٠ الآية : ٨٥ وقيل: إنَّ أهل المِلَلِ المُخالِفةِ للإسلام كانوا كلهم يقرُّون بالإيمان، ولم يكونوا يقرُّون بلفظة الإسلام؛ فلهذا أردف تلك الجملة بهذه. ﴿وَمَنْ يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ نزلت في جماعة ارتدُّوا وكانوا اثني عشر رجلاً، وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً، منهم الحارث بن سويد الأنصاريُّ(١). والإسلامُ، قيل: التوحيدُ والانقياد. وقيل: شريعةُ نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، بَّن تعالى أنَّ مَن تحرَّى بعد مَبْعِثِهِ بَّهِ غيرَ شريعته فهو غيرُ مقبولٍ منه. وقبولُ الشيء هو الرضا به وإثابةُ فاعِله عليه. وانتصابُ ((ديناً)) على التمييز من ((غيرَ))، وهي مفعولُ ((يبتغي)). وجوِّز أن يكون (ديناً)) مفعولُ (يبتغي))، و((غيرَ)) صفةً قدِّمت فصارت حالاً. وقيل: هو بدل من ((غير الإسلام)). والجمهور على إظهار الغَينَين، وروي عن أبي عمرو الإدغام، وضعَّفه أبو البقاء بأن كسرة الغين الأولى تدلُّ على الياء المحذوفة(٢). ﴿وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ (٨٥) إمَّا معطوفٌ على جواب الشرط، فتكون في محلِّ جزمٍ، وإمَّا في محلِّ الحالِ من الضمير المجرور، فتكون في محل نصبٍ، وإمّا مستأنفة فلا محلَّ لها من الإعراب. و(في الآخرة)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ يدلُّ عليه ما بعده، أي: وهو خاسرٌ في الآخرة، أو متعلّق بـ ((الخاسرين)) على أنَّ الألف واللام ليست موصولةً بل هي حرفُ تعريف. والخسران في الآخرة: هو حرمان الثواب وحصولُ العقاب. وقيل: أصل الخسران: ذهابُ رأسِ المال، والمرادُ به هنا: تضييعُ ما جُبل عليه من الفطرة السليمة المشارِ إليها في حديثٍ: ((كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرة)»(٣) وعدمُ الانتفاع بذلك وظهوره بتحقُّق ضده ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٨ إِلَّا مَنْ أَتَى الَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩٨٨]. (١) أخرج قصته الطبري ٥٥٨/٥ عن مجاهد، وفيه أن الحارث عاد إلى الإسلام بعد نزول الآيات، وأخرج القصة النسائي في المجتبى ٧/ ١٠٧ عن ابن عباس دون ذكر اسم الرجل. (٢) الإملاء ٢/ ٩٧، وينظر التيسير ص٢١. (٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧١٨١)، والبخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨) عن أبي هريرة . الآية : ٨٦ ٣١١ سُورَةُ آل عمران والتعبير بالخاسرين أبلغ من التعبير بخاسر كما أشرنا إليه فيما قبل، وهو منزَّلٌ منزلةَ اللازم ولذا تُرك مفعوله، والمعنى: وهو من جملة الواقعين في الخسران. واستدلَّ بالآية على أنَّ الإيمان هو الإسلام؛ إذ لو كان غيرَه لم يُقْبَل، واللازمُ باطلٌ بالضرورة فالملزوم مثله، وأجيب: بأن ((فلن يُقْبَلَ منه)) ينفي قبولَ كلِّ دينٍ يباين الإسلام، والإيمانُ وإن كان غيرَ الإسلام لكنه لا يغايرُ دين الإسلام، بل هو هو بحسب الذات، وإن كان غيرَه بحسب المفهوم. وذكر الإمام أنَّ ظاهر هذه الآية يدلُّ على عدم المغايرة، وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَغْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] يدل على المغايرة، ووجهُ التوفيق بينهما أنْ تُحمَل الآية الأولى على العرف الشرعيِّ، والثانيةُ على الوضع اللغوي(١) . ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ﴾ إلى الدِّين الحقِّ ﴿قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ﴾ أخرج عبد بن حميد وغيره عن الحسن أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعتَ محمدٍ وَّرِ في كتابهم، وأقرُّوا وشهدوا أنه حقٌّ، فلمَّا بُعث مِن غيرهم حسدوا العرب على ذلك، فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسداً للعرب حين بُعث من غيرهم(٢). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العَوْفي عن ابن عباس مثله(٣). وقال عكرمة: هم أبو عامر الراهب والحارث بن سويد في اثني عشر رجلاً، رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت الآية فيهم (٤). وأكثر الروايات على هذا. والمراد من الآية استبعادُ أن يهديهم، أي: يدلَّهم دلالةً موصلةً، لا مطلق الدلالة؛ قاله بعضهم(٥). (١) تفسير الرازي ١٣٤/٨. (٢) الدر المنثور ٤٩/٢، وهو في تفسير الطبري ٥ /٥٦٠-٥٦١. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦٩٩/٢. (٤) تفسير الطبري ٥/ ٥٦٠ . (٥) هو الشهاب في الحاشية ٤٣/٣. سُورَةُ الَّغَيْرَانَ ٣١٢ الآية : ٨٦ وقيل: إنَّ المعنى: كيف يسْلكُ بهم سبيلَ المَهديِّين بالإثابة لهم والثناءِ عليهم وقد فعلوا ما فعلوا . وقيل: إنَّ الآية على طريق التبعيد، كما يقال: كيف أهديك إلى الطريق وقد تركتَه؟ أي: لا طريق يهديهم به إلى الإيمان إلّا من الوجه الذي هداهم به، وقد تركوه ولا طريقَ غيره. وقيل: إنَّ المراد: كيف يهديهم إلى الجنة ويثيبُهم والحال ما ترى؟ ﴿وَشَهِدُوّاْ أَنَّ الرَّسُولَ﴾ وهو محمدٌ وٍَّ ﴿حَقٌ﴾ لا شكَّ في رسالته. ﴿وَجَءَهُمُ الْبَيِّنَتُّ﴾ أي البراهين والحُجَج الناطقة بحقِّية ما يدَّعيه. وقيل: القرآن. وقيل: ما في كتبهم من البشارة به عليه الصلاةُ والسلام. و((شهدوا)) عطف على ما في ((إيمانهم)) من معنى الفعل، لأنه بمعنى: آمَنوا، والظاهرُ أنَّه عطف على المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّيِّقَتِ وَأَقْرَضُواْ الََّ﴾ (١) [الحديد: ١٨] لا على التوقُّم كما تُوهِّم (٢). واختار بعضُهم تأويلَ المعطوف ليصحَّ عطفُه على الاسم الصريح قبلَه بأنْ يقدَّر معه ((أن)) المصدرية، أي: وأن شهدوا، أي: وشهادتهم، على حدٍّ قوله: ولُبْسُ عباءَةٍ وتَقرَّ عيني أَحَبُّ إليَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ(٣) وإلى هذا ذهب الراغب وأبو البقاء(٤). (١) يعني: إن الذين صدقوا وأقرضوا. الدر المصون ٣٠٢/٣. (٢) قوله: على التوهم، هو كما في قول الشاعر: مشائيمُ ليسوا مُصْلحين عشيرةً ولا ناعبٍ إلا ببَيْنٍ غرابها فقال النحاة: توهّم وجود الباء في قوله: ناعبٍ، فجرَّ. وقد استدل الزمخشري بالبيت السابق وبقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّفَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] على القول بعطف ((شهدوا)) على ما في ((إيمانهم)) من معنى الفعل. قال السمين: وجهُ تنظيره ذلك بالآية والبيت توهُّم وجود ما يسوِّغ العطف عليه في الجملة. ينظر الدر المصون ٣٠٢/٣، والكشاف ٤٤٢/١. (٣) البيت لميسون بنت بحدل الكلبية، كما في الخزانة ٥٠٣/٨، وهو في الكتاب ٤٥/٣ دون نسبة. (٤) في الإملاء ٢/ ٩٩، وقول الراغب ذكره الشهاب في الحاشية ٣/ ٤٤. الآية : ٨٧ ٣١٣ سُورَةُ العَقْرَانَ وجُوِّز عطفُه على ((كفروا))، وفسادُ المعنى يَدفعه أنَّ العطف لا يقتضي الترتيبَ، فليكن المنْكَرُ الشهادةَ المقارنة بالكفر أو المتقدِّمة عليه. واعتُرض بأنَّ الظاهر تقييدُ المعطوف بما قيِّد به المعطوف عليه، وشهادتُهم هذه لم تكن بعد إيمانهم، بل معه أو قبله؟ وأجيب بالمنع لأنه لا يلزم تقييدُ المعطوف بما قيِّد به المعطوف عليه، ولو قصد ذلك لأخِّر. وقيل: يمنع من ذلك العطفِ أنهم ليسوا جامعينَ بيْن الشهادة والكفر. وأجيب بالمنع، بل هم جامعون وإن لم يكن ذلك معاً . ومن الناس من جعله معطوفاً على (كفروا)) ولم يتكلَّف شيئاً مما ذُكِر، وزعم أنَّ ذلك في المنافقين، وهو خلاف المنقول والمعقول. والأكثرون من المحقّقين على اختيار الحاليةِ من الضمير في ((كفروا)) و ((قد)) معه مقدَّرةٌ، ولا يجوز أن يكون العامل ((يهدي)) لأنه يهدي مَن شهد أنَّ الرسول حق. وعليه وعلى تقدير العطف على الإيمان استُدلَّ على أنَّ الإقرار باللسان خارجٌ عن حقيقة الإيمان، ووجهُ ذلك أنَّ العطف يقتضي بظاهره المغايرةَ بين المعطوف والمعطوف عليه، وأنَّ الحالية تقتضي التقييد، ولو كان الإقرارُ داخلاً في حقيقة الإيمان لخلا ذِكْرُه عن الفائدة، ولو كان عينَه يلزم تقييد الشيء بنفسه، ولا يخفى ما فيه. وادَّعى بعضُهم أنَّ المراد من الإيمان الإيمانُ بالله، ومن الشهادة المذكورة الإيمان برسوله وَّة، والأمرُ حينئذٍ واضحٌ، فتدبَّر. ﴿وَلَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ أي: الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر، ووضع الكفر موضع الإيمان، فكيف مَن جاءه الحقُّ وعرَفه ثم أعرض عنه. ويجوز حمَلُ الظلم على مُظْلَقِه فيدخل فيه الكفر دخولاً أوليًّا، والجملة اعتراضيةٌ أو حالية. ﴿أُوْلَتَّبِكَ﴾ أي: المذكورون المتَّصفون بأشنع الصفات، وهو مبتدأ، وقوله سبحانه: ﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ أي : - جزاءُ فِعْلهم - مبتدأٌ ثان، وقولُه عزَّ شأنُه: ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾﴾﴾ خبرُ المبتدأ الثاني، وهو وخبرُه خبرُ المبتدأ الأول. قيل: وهذا يدلُّ بمنطوقه على جواز لَعْنِهم، ومفهومُه ينفي جوازَ لعنٍ غيرهم، ولعلَّ الفرق بينهم وبين غيرهم - حتى خصَّ اللعن بهم - أنهم مطبوعٌ على قلوبهم، سُورَةُ العَزَانَ ٣١٤ الآية : ٨٨ و ٨٩ ممنوعون بسبب خبائةٍ ذواتهم وقُبح استعدادهم مِن الهدى، آيسون من رحمة الله تعالى، بخلاف غيرهم. والخلافُ في لَعْنِ أقوامٍ بأعيانهم ممَّن ورد لعنُ أنواعِهم - کشارب خمرٍ معيَّنِ مثلاً - مشهورٌ. والنوويُّ(١) عَلى جوازه استدلالاً بما ورد: أنه وَّرِ مرَّ بحمارٍ وُسم في وجهه فقال: (لَعَنَ اللهُ مَن فَعَلَ هذا))(٢). وبما صح أنَّ الملائكة تلعنُ مَن خرجت من بيتها بغيرِ إذنِ زوجِها(٣) . وأجيبَ بأنَّ اللعن هناك للجنس الداخل فيه الشخص أيضاً، واعترض بأنه خلاف الظاهر كتأويل ((إنَّ وراكبَها)) بذلك(٤)، والاحتياط لا يخفى. والمراد من ((الناس)): إمَّا المؤمنون لأنهم هم الذين يلعنون الكَفَرة، أو المُظْلَقُ لأنَّ كلَّ واحدٍ يلعن مَن لم يتَّبع الحقَّ وإن لم يكن غير متَّبَعِ بناءً على زعمه. ﴿خَلِنَ فِيهَا﴾ حال من الضمير في ﴿عَيْهِمُ﴾ والعامل فيه الاستقرار، والضمير المجرور لِلَّعنة أو للعقوبة، أو للنار وإن لم يَجْرِ لها ذكرٌ، اكتفاءً بدلالة اللعنة عليها. ﴿لَا يُخَفَُّ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظُرُونَ (3)﴾ أي: لا يُمْهَلون، ولا يؤخَّر عنهم العذابُ من وقتٍ إلى وقت آخر، أو: لا ينظر إليهم ولا يعتدُّ بهم. والجملةُ إمَّا مستأنفة، أو في محلِّ نصبٍ على الحال. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي: الكفرِ الذي ارتكبوه بعد الإيمان ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي: دخلوا في الصَّلاح، بناءً على أنَّ الفعل لازمٌ من قبيل ((أصبحوا))، أي: دخلوا في الصباح. ويجوز أن يكون متعدِّياً والمفعولُ محذوف، أي: أَصْلَحوا ما أَفْسَدوا، ففيه (١) في المجموع ٦/ ١٨٠ . (٢) أخرجه أحمد (١٤١٦٤)، ومسلم (٢١١٧) من حديث جابر ظ ئه . (٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥١٧) من حديث ابن عمر رؤثًا. وفي إسناده سويد بن عبد العزيز، وهو ضعيف كما في التقريب. (٤) كلمة لعبد الله بن الزبير ظبه قالها جواباً لرجل أتاه فلم يعطه شيئاً فقال الرجل: لعن الله ناقة ساقتني إليك. و((إنَّ)) هنا بمعنى نعم. ينظر سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٨٣، ومغني اللبيب ص ٥٧ . الآية : ٩٠ ٣١٥ سُورَةُ العَتْرَانَ إشارة - كما قيل - إلى أنَّ مجرد الندم على ما مضى من الارتداد، والعزم على تَّرْكِه في الاستقبال، غيرُ كافٍ لِمَا أخلُّوا به من الحقوق. واعتُرض: بأنَّ مجرَّد التوبة يوجب تخفيفَ العذاب، ونَظَرَ الحقِّ إليهم، فالظاهرُ أنه ليس تقييداً، بل بيانٌ لأن يصلح ما فسد. وأجيبَ: بأنه ليس بواردٍ، لأن مجرد الندم والعزم على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه، فهو بيان للتوبة المعتدِّ(١) بها، فالمآل واحد عند التحقيق. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ أي: فيغفر كفرَهم ويثيبُهم، وقيل: ((غفور)) لهم في الدنيا بالستر على قبائحهم ((رحيم)) بهم في الآخرة بالعفو عنهم(٢). ولا يخفى بعدُه. والجملة تعليلٌ لِمَا دلَّ عليه الاستثناء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا﴾ قال عطاء وقتادة: نزلت في اليهود؛ كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيلِ بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفراً بمحمد رَ له والقرآن. وقيل: في أهل الكتاب؛ آمنوا برسول الله بَّ ر قبل مبعثه، ثم كفروا به بعد مبعثه، ثم ازدادوا كفراً بالإصرار والعناد والصدِّ عن السبيل. ونُسب ذلك إلى الحسن. وقيل: في أصحاب الحارث بن سويد، فإنَّه لمَّا رجع قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا، فمتى أردنا الرجعة رجعنا، فينزل فينا ما نزل في الحارث. وقيل: في قوم من أصحابه ممَّن کان یکفر ثم يراجع الإسلام، وروي ذلك عن أبي صالح مولى أمِّ هانئ. و((كفراً)) تمييزٌ محوَّلٌ عن فاعل. والدالُ الأُولى في ((ازدادوا)) بدلٌ من تاءِ الافتعال لوقوعها بعد الزاي. ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قال الحسن وقتادة والجبائي: لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والمُعاينة، وعند ذلك لا تقبل توبة الكافر. (١) في الأصل: المقيد، والمثبت من (م)، وحاشية الشهاب ٤٤/٢، والكلام منه. (٢) فى الأصل: عنها. سُورَةُ الْعَنْرَانَ ٣١٦ الآية : ٩٠ وعن ابن عباس رؤّا: لأنها لم تكن عن قَلْبٍ، وإنَّما كانت نفاقاً. وقيل: إنَّ هذا من قبیل: ولا ترى الضبَّ بها يَنْجَحِر(١) أي: لا توبةً لهم حتى تُقبل؛ لأنهم لم يوفّقوا لها، فهو من قبيل الكناية - كما قال العلّامة - دون المجاز، حيث أريد بالكلام (٢) معناه لينتقل منه إلى الملزوم، وعلى كلِّ تقديرٍ لا يُنافي هذا ما دلَّ عليه الاستثناء، وتقرَّر في الشرع، كما لا يخفى. وقيل: إنَّ هذه التوبة لم تكن عن الكفر، وإنَّما هي عن ذنوبٍ كانوا يفعلونها معه، فتابوا عنها مع إصرارهم على الكفر، فُرُدَّت عليهم لذلك. ويؤيِّده ما أخرجه ابن جرير عن أبي العالية قال: هؤلاء اليهود والنصارى؛ كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفراً بذنوبٍ أذنبوها، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم، فلم تقبل توبتهم، ولو كانوا على الهدى قُبلت ولكنهم على ضلالة(٣). وتجيءُ على هذا مسألةُ تكليفِ الكافر بالفروع، وقد بُسِطّ الكلام عليها في الأصول. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْضَاَلُونَ ﴾ عطفٌ إمَّا على خبرٍ ((إنَّ) فمحلُّها الرفع، وإمّا على (إنَّ) مع اسمها، فلا محلَّ لها. و ((الضالون)): المُخْطِئون طريقَ الحقِّ والنجاةِ. وقيل: الهالكون المعذَّبون. والحصرُ باعتبارٍ أنهم كاملون في الضلال، فلا ينافي وجودَ الضلال في غيرهم أيضاً. (١) وصدره: لا تُفْزِعُ الأرنب أهوالُها، والبيت لعمرو بن أحمر، كما في ديوان المفضليات بشرح ابن الأنباري ٩٩/١، والخزانة ١٩٢/١٠، وهو دون نسبة في الخصائص لابن جني ١٦٥/١، وأمالي ابن الشجري ٢٩٨/١. قال البغدادي: المنفي في البيت الضبُّ والانجحار (وهو الدخول في الجحر) جميعاً لا الانجحار فقط؛ إذ المراد وصف هذه المفازة بكثرة الأهوال، بحيث لا يمكن أن يسكنها حيوان. (٢) في حاشية الشهاب ٤٤/٣ (والكلام منه): باللازم. (٣) بنحوه في تفسير الطبري ٥٦٥/٥-٥٦٦، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٤٩/٢. الآية : ٩١ ٣١٧ سُورَةُ آلِ ◌ّعَنْزَانَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي: على كفرهم ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ﴾ مِن مشرِقها إلى مغربها ﴿ذَهَبًا﴾ نصب على التمييز. وقرأ الأعمش: (ذهبٌ)) بالرفع(١)، وخرِّج على البدلية من ((ملء))، أو عطفِ البيان، أو الخبرِ المحذوفٍ. وقيل عليه: إنه لا بدَّ من تقديرٍ وصفٍ ليَحْسُنَ البدلُ ولا دلالةَ عليه، ولم يُعهَدْ بيانُ المعرفة بالنكرة، وجَعْلُه خبراً إنَّما يَحْسُنُ إذا جُعلت الجملة صفةً أو حالاً، ولا يَخلو عن ضَعْفٍ. ومِلُ الشيءٍ بالكسر: مقدارُ ما يَمْلَؤه، وأمَّا مَلْء بالفتح فهو مصدرُ مَلَأه مَلْأً ، وأمَّا المُلاءة بالضم والمدِّ فهي المِلْحَفة. وهاهنا سؤالٌ مشهورٌ: وهو أنه لِمَ دخلَت الفاء في خبر ((إنَّ) هنا ولم تدخل في الآية السابقة، مع أنَّ الآيتين سواءٌ في صحَّةٍ إدخالِ الفاء؛ لتصوُّر السببية ظاهراً؟ وأجاب غيرُ واحد: بأن الصِّلة في الآية الأولى الكفر وازديادُه، وذلك لا يترتَّب عليه عدمُ قبول التوبة، بل إنَّما يترتَّب على الموت عليه؛ إذلو وَقَعتْ على ما ينبغي لقُبِلت، بخلاف الموت على الكفر في هذه الآية؛ فإنَّه يترتَّب عليه ذلك، ولذلك لو قال: مَن جاءني له درهمٌ، كان إقراراً، بخلافٍ ما لو قرَنه بالفاء(٢)، كما هو معروف بین الفقهاء. ولا يَرِدِ أنَّ ترتُّب الحكم على الوصف دليل على السببية، لأنَّا لا نسلِّم لزومه، لأنَّ التعبير بالموصول قد يكون لأغراض، كالإيماء إلى تحقَّق(٣) الخبر، كقوله: إنَّ التي ضرَبَتْ بيتاً مُهاجِرةً بكوفةِ الجُنْدِ غالَتْ دُونَها غُولُ(٤) وقد فصِّل ذلك في المعاني. (١) الكشاف ٤٤٣/١. (٢) يعني أن دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وعند عدم الفاء لا يفهم من الكلام كونه شرطاً وجزاء، وإنما هو مبتدأ وخبر، فقولك: مَن جاءني له درهم، لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء، فإذا قلت: فله درهم، فهذا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء. ينظر الكشاف ٤٤٣/١ وتفسير الرازي ١٤١/٨ . (٣) في الأصل: تحقيق، والمثبت من (م)، وحاشية الشهاب ٣/ ٤٥، والكلام منه. (٤) البيت لعبدة بن الطبيب، وهو في المفضليات ص١٣٦ برواية: غالت ودَّها غول. قوله: ضربت بيتاً، أي: بَنَتْه، مهاجرة: هاجرت من الأعراب إلى الأمصار. قوله: بكوفة الجند، يريد نزلت الأمصار. وقوله: غالت ودَّها غول، أي: أهلكته وذهبت به، والغول اسم ما اغتال غيره. شرح المفضليات للأنباري ١/ ٣٤٠، وللتبريزي ٢/ ٦٤٧ . سُورَةُ العَقْرَانَ ٣١٨ الآية : ٩١ وقرئ: ((فلن يَقْبَلَ من أحدهم ملءَ الأرضِ)) على البناء للفاعل - وهو الله تعالى - ونَصْبٍ ((مِلْء)»(١). و: ((مِل لَرْضٍ)) بتخفيف الهمزتين(٢) . ﴿وَلَوِ أَقْتَدَى بٍِّ﴾ قال ابن المنير في ((الانتصاف))(٣): إنَّ هذه الواوَ المُصاحِبةَ للشرط تستدعي شرطاً آخر تَعْطفُ عليه الشرطَ المقترنةَ به ضرورةً، والعادةُ في مثل ذلك أن يكون المنطوقُ به منبِّهاً على المسكوت عنه بطريق الأَولى، مثالُه قولك: أَكْرِمْ زيداً ولو أساء، فهذه الواو عَطَفت المذكور على محذوفٍ تقديره: أكرم زيداً لو أَحْسَنَ ولو أساء، إلَّا أنك نبَّهتَ بإيجاب إكرامه وإنْ أساء على أنَّ إكرامه إنْ أَحْسَنَ بطريق الأَولى، ومنه: ﴿كُونُواْ فَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] فإنَّ معناه والله تعالى أعلم: لو كان الحقُّ على غيركم ولو كان عليكم، ولكنه ذكّر ما هو أَغْسرُ عليهم فَأَوْجَبَه؛ تنبيهاً على أنَّ ما كان أسهلَ أولى بالوجوب. ولمَّا كانت هذه الآيةُ مخالِفةً لهذا النَّمط من الاستعمال؛ لأنَّ قوله سبحانه: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ يقتضي شرطاً آخر محذوفاً يكون هذا المذكورُ منبِّهاً عليه بطريق الأَوْلَى، والحالة المذكورة - أعني حالةَ افتدائهم بملء الأرض ذهباً- هي أجدرُ الحالات بقبول الفدية، وليس وراءها حالةٌ أخرى تكون أولى بالقبول منها = خاض المفسِّرون بتأويلها؛ فذكر الزمخشريُّ ثلاثة أوجه: حاصل الأول: أنَّ عَدَم قبول ملء الأرض كنايةٌ عن عدم قبول فديةٍ ما، لدلالة السياق على أنَّ القبول يراد للخلاص، وإنَّما عدَل تصويراً للتكثير لأنه الغاية التي لا مطمحَ(٤) وراءها في العُرف، وفي الضمير يراد ((ملء الأرض)) على الحقيقة، فيصير المعنى: لا تقبل منه فديةٌ ولو افتدى بملء الأرض ذهباً، ففي الأول نظرٌ إلى العموم وسدّه مسدَّ فديةٍ ما، وفي الثاني إلى الحقيقة أو لكثرة المبالغة من غير نظرٍ إلى القيام مقامها . (١) القراءات الشاذة ص٢١، والكشاف ١/ ٤٤٤. (٢) الكشاف ٤٤٤/١، وقراءة: ((ملُ)) بطرح الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها وردت عن ابن وردان كما في النشر ١/ ٤١٤ . (٣) على هامش الكشاف ١/ ٤٤٤ . (٤) في الأصل: مطمع. الآية : ٩١ ٣١٩ سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ وحاصل الثاني: أنَّ المراد: ولو افتدى بمثله معه، كما صرَّح به في آيةٍ أُخرى (١)، ولأنه علم أنَّ الأول فدية أيضاً، كأنه قيل: لا يُقبل ملء الأرض فدية ولو ضُوعِف، ويرجع هذا إلى جَعْلِ الباءِ بمعنى مع، وتقديرِ ((مِثْل)) بعدَه، أي مع مِثْلِهِ. وحاصل الثالث: أنه يقدَّر وصفٌ يعيِّنه المَسَاقُ، من نحو: كان متصدِّقاً به، وحينئذٍ لا يكون الشرط المذكور من قبيل ما يُقْصَدُ به تأكيدُ الحكم السابق، بل يكون شرطاً محذوفَ الجواب، ويكون المعنى: لا يُقبل منه ملءُ الأرض ذهباً لو تصدَّق، ولو افتدى به أيضاً لم يُقبل منه. وضمير ((به)) للمال من غير اعتبارِ وصفٍ التصدُّق، فالكلام من قبيل: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرِ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر: ١١]، وعندي درهم ونصفه. انتهى(٢). ولا يخفى ما في ذلك من الخفاء والتكلُّف. وقريبٌ من ذلك ما قيل: إنَّ الواو زائدة، ويؤيِّد ذلك أنه قرئ في الشواذٌ بدونها(٣). وكذا القولُ بأنَّ ((لو)) ليست وصليةً بل شرطية، والجواب ما بعدُ، أو هو سائٌّ مسدَّه. وذكّر ابنُ المنير(٤) في الجواب مدَّعياً أنَّ تطبيق الآية عليه أسهلُ وأقربُ، بل ادَّعى أنه من السَّهل الممتنع: أنَّ قبول الفدية التي هي ملء الأرض ذهباً يكون على أحوالٍ، تارةً تؤخذ قهراً كأخذ الدية، وكرَّةً يقولُ المفتدي: أنا أفدي نفسي بكذا، ولا يفعل، وأخرى يقول ذلك والفدية عتيدة(٥)، ويسلِّمُها لمَن يُؤمِّل قبولَها منه، فالمذكورُ في الآية أبلغُ الأحوال وأجدرُها بالقبول، وهو أن يفتدي بملء الأرض ذهباً افتداءً محقَّقاً بأنْ يقدِرَ على هذا الأمر العظيم ويسلِّمه اختياراً، ومع ذلك لا يقْبَل منه، فَلأنْ لا يُقبلَ منه مجرَّدُ قوله: أبذلُ المال وأقدر عليه - أو ما يجري هذا المجرى - بطريق الأَولى فتكون الواوُ والحالةُ هذه على بابها تنبيهاً على أنَّ ثَمَّ (١) ينظر الآية (٣٦) من سورة المائدة، والآية (٤٧) من سورة الزمر. (٢) الكلام بنحوه مختصراً في الكشاف ٤٤٣/١-٤٤٤، وبعضه في حاشية الشهاب ٤٥/٣. (٣) البحر ٢/ ٢٥٠، وحاشية الشهاب ٤٥/٣. (٤) في الانتصاف على هامش الكشاف ١/ ٤٤٤-٤٤٥. (٥) أي: حاضرة مهيأة. القاموس (عند). سُورَةُ الِ عَتْرَانَ ٣٢٠ الآية : ٩١ أحوالاً أُخَر لا يقع فيها القبول بطريق الأَولى، بالنسبة إلى الحالة المذكورة، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لِيَفْتَدُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ٣٦] مصرِّح بذلك، والمراد به أنه لا خلاص لهم من الوعيد، وإلا فقد علم أنهم في ذلك اليوم أفلسُ من ابن المُذَلَّقِ (١) لا يقدرون على شيء، ونظير هذا قولك: لا أبیعك هذا الثوب بألف دينار ولو سلّمتها إليَّ في يدي. انتهى. وقريبٌ منه ما ذكرَه أبو حيان(٢) قائلاً: إنَّ الذي يقتضيه هذا التركيبُ وينبغي أن يُحمل عليه: أنَّ اللهَ تعالى أَخبر أنَّ مَن مات كافراً لا يُقبل منه ما يملأ الأرضَ من ذهبٍ على كلِّ حال يقصدها، ولو في حال افتدائه من العذاب؛ لأنَّ حالة الافتداء لا يَمتنُّ فيها المفتدي على المُفْتَدَى منه؛ إذ هي حالةُ قهرٍ من المُفْتَدَى منه، وقد قرَّرنا في نحو هذا التركيب أنَّ ((لو)) تأتي منبِّهة على أنَّ ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يُظْنُّ أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((أعطوا السائلَ ولو جاء على فَرَسٍ))(٣)، و: («رُدُّوا السائلَ ولو بِظِلْفٍ مُحرَّق)) (٤)، كأن هذه الأشياء ممَّا لا ينبغي أن يؤتى بها؛ لأنَّ كون السائل على فرس يُشْعِرُ بغناه، فلا يناسب أن يعطى، وكذلك الظُّلْفُ المحرَّق لا غناءَ فيه، فكان يناسب أن لا يردّ السائلُ به، وكذلك حالة الافتداء يناسب أن يُقبل منه ملء الأرض ذهباً، لكنه لا يقبل، ونظيره: ﴿وَمَّآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] لأنهم نَفوا أن يصدِّقهم على كلِّ حال حتى في حالة صِدْقِهم، وهي الحالةُ التي ينبغي أن يصدَّقوا فيها [فلفظ] (ولو)) [هنا] لتعميم النفي والتأكيد له. (١) رجل من بني عبد شمس فقير مدقع كان لا يجد في أكثر أوقاته في بيته قوت ليلة واحدة، وآباؤه وأجداده كذلك. جمهرة الأمثال ١٠٧/٢، والمستقصى ٢٧٥/١، ومجمع الأمثال ٢/ ٨٣. (٢) في البحر ٢/ ٥٢١، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٣) أخرجه مالك في الموطأ ٩٩٦/٢ عن زيد بن أسلم عن النبي بَطهر. قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٩٤/٥: لا أعلم في إرسال هذا الحديث خلافاً بين رواة مالك، وليس في هذا اللفظ مسند يحتج به فيما علمت. اهـ. وينظر حديث الحسين بن علي عند أحمد (١٧٣٠)، وأبي داود (١٦٦٥). وحديث علي عند أبي داود (١٦٦٦). (٤) أخرجه أحمد (١٦٦٤٨)، والنسائي ٨١/٥، وسلف ٣٧٤/١.