Indexed OCR Text
Pages 141-160
الآية : ٣٦ ١٤١ سُورَةُ الَّعْرَانَ والأَولى أن يُقال: إنَّ الغَرَض من ذلك إظهارُ أنَّها غيرُ راجعةٍ عن نيّتها وإن كان ما وضعتْه أنثى، وأنَّها وإنْ لم تكن خليقةً بسدَانة بيت المقدس، فلتكن من العابدات فيه . واستقلالُها بالتسمية لكون أبيها قد مات وأمُّها حامِلٌ بها، فتقديم المسنَد إليه للتخصيص، يعني: التسميةُ منِّي لا يُشاركُني فيها أبوها. قيل: وفي ذلك تعريضُ بُيُتْمِها؛ استعطافاً له تعالى، وجَعْلاً لِيُتْمِها شفيعاً لها . والقول: بأنَّ فائدة عرْض تسميتها التحسُّرُ والتحزُّن أيضاً، أي: إنِّي سمَّيتُها لا أبوها؛ لعدم احتفاله بها والتفاته إليها، لكراهة الرِّجال في الغالب البنات، فمَع أنَّه خلافُ ما دلّ عليه أكثرُ الآثار ونطقت به غالب الأخبار من موت أبيها وهي حَمْلٌ، يَجُرُّ إلى ما ينبغي أن تُنَزَّه عنه ساحةُ الرَّجلِ الصالحِ عِمران، كما لا يخفى. وقد تقدَّم الكلام في ((مريم)) وزناً ومعنى(١)، وقد اختار بعضُ المتأخرين أنَّها معرَّبةُ مارية، بمعنى: جارية، ويقرُب أن يكون القولَ المعوَّل عليه. واستدلَّ بالآية على جوازٍ تسمية الأطفال يومَ الولادة لا يومَ السَّابع؛ لأنَّ الظاهر أنَّها إنَّما قالت ذلك بإثْرِ الوضع. واستدِلِّ بتغاير المفعولين على تغاير الاسم والمسمَّى، وقد تقدَّم البحثُ فيه(٢). ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ﴾ عطفٌ على ((إِنِّي سمَّيتُها)) وأتى هنا بخبر ((إنَّ) فعلاً مضارعاً دلالةً على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها، وهذا بخلافٍ ((وَضَعْتُها)) و((سَمَّيْتُها)) حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما. وقدَّم المعاذ به على المعطوف الآتي اهتماماً به. ومعنى («أعيذها بك)): أمنعُها وأُجيرُها بحفظك، وأصلُ العَوْذِ - كما قال الرَّاغب(٣) - الالتجاءُ إلى الغير والتعلُّق به، يقال: عاذ فلان بفلان: إذا استَجَار به، · ومنه أُخذت العُوذة وهي الثَّمِيمة والرُّقْية. (١) ٢٩٧/٢-٢٩٨. (٢) ٢١٣/١ وما بعده. (٣) في مفرداته (عوذ)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في حاشيته ٢٢/٣. سُورَةُ الْ عُقْرَانَ ١٤٢ الآية : ٣٦ وقرأ أبو جعفر ونافع: ((إِنِّيَ)) بفتح ياء المتكلم (١)، وكذا في سائر المواضع التي بعد الياء ألفٌ مضمومة، إلَّا في موضعين: ﴿بِعَهْدِىّ أُوْفِ﴾ [البقرة: ٤٠] و﴿َاتُونِيّ أُفْرِغْ﴾ [الكهف: ٩٦]. ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ عطف على الضمير المنصوب، وفي التنصيص على إعادتها وإعاذة ذرِّيتها رمزٌ إلى طلب بقائها حَيَّةً حتى تَكْبُر، وطلبٌ للتناسل منها، هذا إذا أُريد بالإعاذة ﴿مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ - أي: المطرود، وأصلُ الرَّجم: الرميُّ بالحجارة - الحفظُ من إغوائه المُوقِع في الخطايا؛ لأنَّه إنَّما يكون بعد البلوغ، إذ لا تكليف قبلَه. وأمَّا إذا أريد منها الحفظُ منه مطلقاً، فيفهم طلبُ الأمرين من الأمر الأخير، ويؤيِّد هذا ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﴿ته، قال: قال رسول الله وَّ: ((ما من مولودٍ يُؤَلَدُ إلَّا والشيطانُ يمسُّه حين يُولد، فيستهلُّ مِن مَسِّه صارخاً، إلا مريم وابنها))(٢). وفي بعض طرقه أنه: ((ضُرب بينه وبينهما(٣) حِجابٌ، وأنَّ الشَّيطان أَراد أن يطعَن بإصبعه فوقعت الطّعنة في الحِجاب))(٤). وفي رواية إسحاق بنٍ بشر، عن ابن عباس ﴿هًا قال: قال رسول الله وَالٍّ: ((كلُّ وَلِدِ آدم ينالُ منه الشيطانُ، يَطعنُه حين يقع بالأرض بإصبعه، ولهذا يَستَهلُّ، إلا ما كان من مريم وابنها، فإنه لم يَصِلْ إبليسُ إليهما))(٥). وطعَن القاضي عبدُ الجبار(٦) بإصبع فِكْرِهِ في هذه الأخبار بأنَّها خبرُ واحدٍ على خلاف الدليل، وذلك أنَّ الشيطانَ إنَّما يَدعو إلى الشرِّ مَن له تمييز. ولأنَّه لو تمكَّن من هذا الفعل لجاز ان يُهْلِك الصالحين. وأيضاً: لِمَ خُصَّ عيسى وأمُّه دون سائر الأنبياء؟ وأنه: لو وُجد المسُّ أو النخس لدام أثرُه، ولیس فليس. (١) التيسير ص٩٣، والنشر ٢٤٧/٢. (٢) صحيح البخاري (٤٥٤٨)، وصحيح مسلم (٢٣٦٦)، وهو عند أحمد (٧١٨٢). (٣) في (م): وبينها، والمثبت من الأصل وتفسير الطبري ٣٤٢/٥، وهو الصواب. (٤) أخرجه بهذا اللفظ الطبري ٣٤٢/٥ من طريق قتادة عن النبي ◌َّل مرسلاً، وهو بنحوه عند أحمد (١٠٧٧٣)، والبخاري (٣٢٨٦) من حديث أبي هريرة (٥) أخرجه ابن عساكر ٧٠/ ٧٧-٧٨ من طريق إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس مطولاً، وقد سلف بعضه ص١٣٣ من هذا الجزء. (٦) قوله في تفسير الرازي ٣٠/٨، والبحر ٤٤٠/٢ . الآية : ٣٦ ١٤٣ سُورَةُ العَقْرَانَ والزمخشريُّ زَعَم أنَّ المعنى على تقدير الصحّة: أنَّ كلَّ مولودٍ يَظْمعُ الشيطانُ في إغوائه، إلَّا مريمَ وابنها فإنَّهما كانا معصوميْن، وكذلك كلُّ مَن كان في صفتهما، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩-٤٠] واستهلالُه صارخاً من مسِّه تخييلٌ وتصويرٌ لطمَعِه فيه، كأنه يمسُّه ويضرِبُ بيده عليه، ونحوه من التخييل قولُ ابن الروميِّ: يكونُ بكاءُ الطفل ساعةَ يولَهُ(١) لِمَا تؤذن الدُّنيا به مِن صُرُوفِها وأمَّا حقيقةُ النَّخْسِ والمسِّ - كما يتوهّمُ أهلُ الحشو - فكلًا، ولو سلِّط إبليس على الناس ينخسُهم لامتلأت الدنيا صُرَاخاً وعياطاً مما يُبْلَون به من نَخْسِه(٢). انتھی . ولا يَخْفَى أن الأخبار في هذا الباب كثيرةٌ، وأكثرُها مدوَّن في الصِّحاح، والأمر لا امتناع فيه، وقد أخبر به الصَّادق عليه الصلاة والسلام؛ فليُتَلقَّ بالقبول. والتخييلُ الذي رَكَنَ إليه الزمخشريُّ ليس بشيء؛ لأنَّ المسَّ باليد ربّما يصلح لذلك، أمَّا الاستهلالُ صارخاً فلا، على أنَّ أكثر الرِّوايات لا يجري فيها مثلُ ذلك. وقوله: لامتلأت الدُّنيا عِياطاً قلنا: هي مليئة، فما من مَوْلودٍ إلا يَصْرُخ، ولا يلزم من تمكّنه من تلك النَّخسة تمكّنه منها في جميع الأوقات، كيف وفي الصَّحيح: ((لولا أنَّ الملائكة يحفظُونَكم لا حتوَشَتْكُم الشياطينُ كما يَحْتَوِشُ الذبابُ العَسَلَ)). وفي رواية: ((لَاخْتَطَفَتْكُم الجِنُّ)(٣). وفُسِّر قوله تعالى: ﴿لَهُ, مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [الرعد: ١١] في أحدِ الوجوه به. وبهذا يَندَفعُ أيضاً قولُ القاضي مِن أنَّه لو تمكَّن من هذا الفعل لَجَاز أن يُهْلِك الصالحين، وبقاءُ الأثر - بل وحصولهُ أيضاً - ليس أمراً ضروريًّا للمسِّ ولا للنَّخس، والحصرُ باعتبار الأغْلب، والاقتصارُ على عيسى عليه السلام وأُمِّه إيذاناً باستجابة (١) ديوان ابن الرومي ٢/ ٥٨٦. (٢) الكشاف ٤٢٦/١. (٣) الحديث ليس في الصحيح، وأخرج نحوه الطبري ٤٦٦/١٣ عن كعب الأحبار قوله. سُورَةُ الِعْمَانَ ١٤٤ الآية : ٣٧ دعاءِ امرأةٍ عمران على أتمٍّ وجهٍ؛ ليتوجَّه أربابُ الحاجِ إلى الله تعالى بشراشِرِهم(١)، أو يقدَّر له ما يخصِّصه. وعلى التقديرين يَخرج النبيُّ وَّر من العموم، فلا يلزم تفضيلُ عيسى عليه - عليه الصلاة والسلام - في هذا المعنى، ويؤيِّده خروجُ المتكلُّم من عموم كلامه، وقد قال به جمعٌ، ويَشهد له ما رَوى الجلالُ في ((البَهجة السَّنية))(٢) عن عِكْرِمة قال: لمَّا وُلد النبيُّ نَّهِ أَشْرَقت الأرضُ نوراً، فقال إبليس: لقد وُلِدَ الليلة وَلَدٌ يُفْسِد علینا أمرَنا. فقالت له جنودُه: لو ذهبتَ إليه. فجاءَه، فرَكَضَه جبريلُ عليه السلام فوقعَ بَعَدن. وهذا أولى من إبقاء العامّ على عمومه، والقولِ بأنَّه لا يَبْعُدُ اختصاصُ عيسى وأُمِّه بهذه الفضيلة دون الأنبياء عليهم السلام، ولا يلزم منه تفضيلُه عليهم - عليهم السَّلام - إذ قد يوجد في الفاضل ما لا يُوجد في الأفضل، وعلى كِلا الأمرين الفاضل والمفضول لا إشكال في الأخبار من تلك الحيثيّة. نعم، قد يُشكل على ظاهرها أنَّ إعاذة أمّ مريم كانت بعد الوضع، فلا يصحُ حملُها على الإعاذة من المسِّ الذي يكون حين الولادة؟ وأجيب بأنَّ المسَّ ليس إلا بالانفصال وهو الوضع ومعه الإعاذة، غايته أنه عبّر عنه بالمضارع كما أشرنا إليه لقصد الاستمرار، فلْيُتَأْمَّلْ. و العَجَبُ من بعض أهل السُّنة كيف يَتْبَع المعتزلةَ في تأويل مثل هذه الأحاديث الصحيحة لمجرَّد المَيْلِ إلى تُرَّهات الفلاسفة، مع أنَّ إبقاءها على ظاهرها ممَّا لا يُرَنِّق (٣) لهم شِرباً، ولا يُضيِّق عليهم سِرباً، نسألُ اللهَ تعالى أن يوفِّقنا لمَرَاضيه، ويجعل مستقبلَ حالنا خيراً من ماضيه. ﴿فَقَبَّلَهَا﴾ أي: رَضي بمريم في النَّذر مكان الذَّكر، ففيه تشبيهُ النَّذْرِ بِالهَديَّة، ورضوان الله تعالى بالقبول. ﴿رَبُّهَا﴾ أي: ربُّ مريم المبلغُ لها إلى كمالها اللائق بها . (١) أي: بهمومهم وأعبائهم. المعجم الوسيط (شرشر). (٢) ذكره عنه الشهاب في الحاشية ٢٣/٣. والجلال هو جلال الدين السيوطي، وينظر كشف الظنون ٩٣٥/١. (٣) أي: يكدر. المعجم الوسيط (رنق). الآية : ٣٧ ١٤٥ سُورَةُ آلْ عُقْرَانَ وقيل: الضميرُ لامرأة عمران، بدليل أنَّها التي خاطبت ونادت بقولها: (رب إني وضعتها)» إلخ، والأَولُ أَولى. ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ الباءُ مثلُها في: كتبت بالقلم. والقَبُول: ما يُقْبَلُ به الشيءُ، كالسَّعُوط واللَّدُوهُ(١): ما يُسْعَطُ به ويُلَدُّ. أي: تَقَبَّلها بوجهٍ حَسَنِ تُقْبَلُ به النَّذائر، وهو اختصاصُه سبحانه إياها بإقامتها مقامَ الذَّكَر في النَّذْر، ولم يَقبَلْ قَبْلَها أنثى، أو تسلَّمها من أمِّها عَقِبَ الولادة قبل أن تَنْشَأ وتصلح للسَّدانة والخذْمَة. فقد روي عن ابن عباس ها أنه قال: لمَّا وضعَتها خَشِيت حَنَّة أن لا تُقبل الأنثى محرَّرة، فلفَّتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القُرَّاء، فَتَسَاهَم القرَّاءُ عليها - لأنَّها كانت بنتَ إمامهم - أيُّهم يأخذها، فقال زكريا وهو رأس الأحبار: أنا آخذها وأنا أحقُّهم بها؛ لأنَّ خالتها عندي، فقالت القرَّاء: ولكنَّا نَتَسَاهُمُ عليها، فمَن خرَج سهمُه فهو أحقُّ بها. فدعوا بأقلامهم التي يَكتبون بها الوحيَ، وجمعوها في موضعٍ ثم غطّوها، وقال زكريا لبعضٍ من الغلمان الذين لم يبلغوا الحُلم ممَّن في بيت المقدس: أَدخِل يدك فأخرج. فأدخل يده فأخرج قلمَ زكريا، فقالوا: لا نرضى، ولكن نُلقي الأقلام في الماء، فمَن خرَجَ قلمُه في جرية الماء ثم ارتفع فهو يَكْفُلها. فألقوا أقلامهم في نهر الأردن، فارتفع قَلَمُ زكريا في جري الماءِ، فقالوا: نَقْتَرِعُ الثالثة، فَمنْ جرى قَلَمُه فهو يَكْفُلها. فألقوا أقلامَهم فجرى قلمُ زكريا مع الماء، وارتفعت أقلامُهم في جرية الماء، وقَبَضَها عند ذلك زكريا (٢). ويجوز أن تكون الباء للملابسة. والقَبُول مصدر - وهو من المصادر الشَّاذة - وهناك مضافٌ محذوف، والمعنى: رضي بها متلبِّسةً بأمرٍ ذي قبول، ووجهٍ ذي رضا، وهو ما يقيمُها مقام الذُّكور لِمَا اختُصَّت به من الإكرام. ويجوز أن يكون تَفَعَّل بمعنى استفعل - كتعجّل بمعنى استعجل - والمعنى: (١) اللدود: ما يصب بالمسعط في أحد شقي الفم. القاموس (لدد). (٢) أخرجه عن ابن عباس ابن عساكر في تاريخه ٧٨/٧٠-٧٩، وأخرجه الطبري ٣٤٩/٥ بنحوه عن السدي. وعلّق البخاري بصيغة الجزم عن ابن عباس: اقترعوا فجرت الأقلام مع الجِرْية، وعال قلم زكرياء الجِرية، فكفلها زكرياءَ. عال: ارتفع. ينظر الفتح ٢٩٢/٥-٢٩٤. سُورَةُ الَّعْمَانَ ١٤٦ الآية : ٣٧ فاستقبلها ربُّها وتلقّاها من أول وَهْلَةٍ من ولادتها بقبولٍ حسن، وأظهَرَ الكرامة فيها حينئذٍ، وفي المثل: خُذِ الأَمْرَ بقوابِلِهِ(١). وجوِّز أن تكون الباء زائدة، والقَبول مصدر مؤكِّد للفعل السَّابق بحذف الزوائد، أي: قَبِلَها قَبولاً حَسَناً، وعدل عن الظاهر للإيذان بمقارنة التقبُّل لكمال الرِّضا، وموافقته للعناية الذَّاتية؛ فإنَّ صيغة التفعُّل مشعِرةٌ - بحَسَب أصلِ الوضع - بالتكلُّف، وكونِ الفعل على خلاف طبع الفاعل، وإن كان المراد بها في حقِّه تعالى ما يترتَّب عليه من كمال قوَّة الفعل وكثرته. ويحتمل - على بُعْدٍ بعيد - أن تكون الباء للمصاحبة بمعنى مع، أي: تقبَّل نَذْرَها مع قبول حسنٍ لدعاء أمِّها في حقِّها وحقِّ ذرِّيتها، حيث أعاذهما من الشيطان الرجيم من أول الولادة إلى خاتمة الحياة. ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: ربَّاها الربُّ تربيةً حسنة في عبادةٍ وطاعة لربِّها؛ قاله ابن عباس ﴿ًا. وفي رواية عنه: أنه سوَّى خلْقَها فكانت تَشُبُّ في يومِ ما يَشبُّ غيرُها في عامٍ(٢). وقيل: تَعَهَّدها بما يُصلِحها في سائر أحوالها، ففي الكلام استعارةٌ تمثيلية أو مجازٌ مرسَلٌ بعلاقة اللزوم؛ فإنَّ الزَّارعِ يَتعهَّدُ زَرْعَه بِسَفْيِهِ عند الاحتياج، وحمايته عن الآفات، وقلعِ ما يَخْنُقُه من النَّبَات. و((نباتاً)) هنا مصدرٌ على غير لفظ الفعل المذكور، وهو نائبٌ عن إنبات، وقيل: التقدير: فنبَتَتْ نباتاً، والنبات والنَّبْت بمعنَّى، وقد يعبّر بهما عن النَّابت. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكِّ﴾ وهو من وَلَدِ سليمان بنِ داودَ عليهما الصَّلاة والسلام، أي: ضمَّها اللهُ تعالى إليه، وجعلَه كافلاً لها وضَامِناً لمَصَالحها - على ما ذُكِر في حديث ابن عباس - وكلُّ ذلك من آثار قُدرته تعالى، ولم يكن هناك وحيٌ إليه بذلك. (١) أي: بمقدماته، وهو يضرب مثلاً في الأمر باستقبال الأمور، والباء بمعنى ((في))، أي: فيما يستقبلك منه، يعني دبِّرْه قبل أن يفوتك تدبيره. مجمع الأمثال ٢٣١/١. (٢) تفسير البغوي ٢٩٦/١، ومجمع البيان ٦٨/٣، وهذا الكلام على سبيل المبالغة، وقد ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٥/١ أن المراد بالمعنى: حسن النشأة، وسرعة الجودة فيها في خلقٍ وخُلق. الآية : ٣٧ ١٤٧ سُورَةُ الْ عُمان وقرأ بتشديد الفاء حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ، وقَصَروا ((زكريا)) غيرَ عاصم في رواية ابن عياش. وهو مفعولٌ به لـ ((كفَّلَها)). وقرأ الباقون بتخفيف الفاء ومَدُّوا ((زكرياء)) ورفعوه على الفاعلية (١). وفيه لغتان أُخرَيان: إحداهما: ((زَكّرِيّ)» بياء مشددة من غير ألف، وثانيتهما: ((زَكْر))(٢) من غير ياء. ومنعُه من الصَّرف للعَلَميَّة والعُجْمة، وقيل: لألف التأنيث. وقرأ أُبيِّ: ((وَأَكْفَلَها))(٣) وقرأ مجاهد: ((فتقبّلْها رَبَّها)) و((أَنِبِتْها)) و((كفِّلْها)) على صيغة الدعاءِ في الأفعال الثلاثة، ونصب ((رَبَّها)) على النداء(٤)، أي: فاقْبَلَها يا رَبَّها وربِّها، واجعَلْ زکریا کافلاً لها . وقد استجاب الله تعالى دعاءها في جميع ذلك، والذي عليه الأكثرون وشهدت له الأخبار أنَّ كفالة زكريا كانت من أول أمرها، وزعَم بعضُهم أنه كَفِلها بعد أن فُطِمَتِ ونَبَتْت النَّبَاتَ الحَسَن، وليس بالقوي. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَّكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ بيانٌ لقبولها، ولهذا لم يعطف. و((المحرابُ)) على ما روي عن ابن عباس ﴿ه: غرفةٌ بنيت لها في بيت المقدس، وجعلت بابها في وسط الحائط، وكانت لا يُصْعَدُ عليها إلا بسلَّم مثل باب الكعبة. وقيل: المرادُ به: المسجد؛ إذ قد كانت مساجدهم تسمَّى المحاريب. وقيل: أشرفُ مواضعِهِ ومقدَّمها، وهو مقامُ الإمام من المسجد في رأي. وأصله: مِفْعال، صيغة مبالغةٍ كمِظْعان، فسمِّي به المكان لأنَّ المُحاربينَ نفوسَهم كثيرون فيه. وقيل: إنَّه يكون اسمَ مكانٍ، وسمِّي به لأنَّ محلَّ محاربةٍ الشيطان فيه، أو لتنافُسِ الناس عليه. ولبعضِ المَغَاربة في الملح (٥): ما أَحْسَنَ المِحْرابَ في المِحْرابِ جَمَعَ الشجاعةَ والخشوعَ لربِّه (١) التيسير ص٨٧، والنشر ٢٣٩/٢. (٢) بزنة: عمرو، ذكرها السمين في الدر المصون ٣/ ١٤٤ عن الأخفش. (٣) الكشاف ٤٢٧/١. (٤) القراءات الشاذة ص ٢٠. (٥) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٢٣/٣-٢٤، والبيت لابن حيوس الغنوي الدمشقي، وهو في ديوانه ٩٩/١، وذكره أبو شامة في الروضتين ٣٧/١، وابن الأثير في الكامل ٤٠٣/١١، وسيذكره المصنف على الصواب عند تفسير الآية (١٣) من سبأ. سُورَةُ آلِ عُمْرَانَ ١٤٨ الآية : ٣٧ وتقديم الظّرف على الفاعل لإظهار كمالِ العناية بأمرها، ونصب ((المحراب)) على التوسُّع، إذ حقُّ الفعل أن يتعدَّى بـ ((في)) أو بـ ((إلى)). وإظهار الفاعل قيل: لفصل الجملة. و((كلما)» ظرفٌ على أنَّ ((ما)» مصدرية، والزمان محذوفٌ، أو نكرة موصوفة معناها: الوقت، والعائد محذوف، والعامل فيها جوابُها بالاتفاق؛ لأنَّ ما في حيِّز المضاف إليه لا يَعمل في المضاف، ولا يَجري فيها الخلافُ المذكور في أسماء الشرط. ومن الناس مَن وَهِم فقال: إنَّ ناصبه فعلُ الشرط، وادَّعى أنه الأنسب معنًى، فزاد في الشطرنج جَمَلاً (١)، والمعنى: كلَّ زمان دخل عليها أو كلَّ وقت دخَل عليها فيه. ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي: أصاب ولَقِيَ بحضرتها ذلك، أو: ذلك كائناً بحضرتها، أخرج ابن جرير(٢) عن الربيع قال: إنه كان لا يَدخُل عليها غيره، وإذا خَرَج أُغلق عليها سبعة أبواب، فكان يجد عندها فاكهةَ الصيف في الشتاء، وفاكهةً الشتاء في الصيف. والتنوين للتعظيم، فعن ابن عباس ﴿ه: أنَّ ذلك من ثِمَارِ الجنة(٣). والذي عليه الجُلُّ أنَّ ذلك عِوَضٌ لها عن الرضاعة، فقد روي أنَّها لم ترضع ثدياً قظُ. وقيل: إنَّ هذا كان بعد أن تَرَعْرَعت، ففي روايةِ ابن بِشْرٍ(٤) عن ابن عباس أنَّ زكريا عليه الصلاة والسلام استأجر لها ظِئْراً، فلمَّا تَمَّ لها حَوْلان فُطِمَت وتُرِكت في المِحْرَاب وحدَها، وأغلقت عليها الباب، ولم يتعهَّد أمرَها سواه. ﴿قَالَ يَمَرِيمُ﴾ استئنافٌ بياني ﴿أَنَّ لَكٍ هَذَا﴾ أي: من أين لكِ هذا الرِّزق الذي لا يُشبِهُ أرزاقَ الدنيا، والأبوابُ مغلقةٌ دونَك. ومجيءُ ((أَنَّى)) بمعنى: من أين، أو کیف، تقدّم الكلام علیه(٥) واستُشهد للأول بقوله: (١) في مجمع الأمثال ٣٢٧/١، ويتيمة الدهر للثعالبي ٩٤/٤: زاد في الشطرنج بغلة، ويضرب لمن يذكر زيادة لا يحتاج إليها كما ذكر الثعالبي. (٢) في تفسيره ٣٥٦/٥ و٣٥٩. (٣) تفسير الطبري ٣٥٦/٥. (٤) هو إسحاق بن بشر، وأخرجه من طريقه ابن عساكر ٧٧/١٠-٧٩، وسلفت قطعة منه ص١٤٢ من هذا الجزء. (٥) ٢٧٣/٣. الآية : ٣٧ ١٤٩ سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ تمنَّى بوادي الرَّمْثِ زَيْنَبَ ضَلَّةٌ فكيفَ ومن أنّى بذي الرَّمْثُ تَطْرُقُ(١) وللثاني بقوله: أنَّى ومن أين آبَكَ الظَّرَبُ مِن حيث لا صَبْوةٌ ولا رِيَبُ(٢) وحذف حرف الجرِّ من ((أنى)) نحو حذف ((في)) من الظروف اللازمة للظرفية من نحو: مَعَ وسَحَرَ (٣)، لأنَّ الشيء إذا عُلِم في موضعٍ جاز حذفه. والتحقيقُ أنَّ الظروف محلُّ التوسُّع لكثرة استعمالهم إياها، وكلُّ ظرفٍ يُستعمل مع حرفٍ صلته التي يكثر معها استعمالها؛ لأنَّ اتصالها بمظروفها بذلك الحرف(٤)، فجاز حذفُها كما جاز حذفُ (في))، إلا أنها لمَّا كانت الأصلَ لوضعها للظرفية، اطَّرد حذفُها من المتصرِّفة وغير المتصرِّفة، وغيرها من صِلات الظروف لا يحذف إلَّا مع ما يَكثرُ من غير المتصرِّفة حظًا لرتبتها عن رتبة ((في)) كما في ((الكشف)). واستُدلَّ بالآية على جواز الكرامة للأولياء؛ لأنَّ مريم لا نبوة لها على المشهور، وهذا هو الذي ذهَب إليه أهلُ السُّنة والشيعة، وخالَف مع ذلك المعتزلةُ، وأجاب البلخيُّ منهم عن الآية: بأنَّ ذلك كان إرهاصاً وتأسيساً لنبوَّة عيسى عليه الصلاة والسَّلام. وأجاب الجبائيّ(٥) بأنه كان معجزةً لزكريا عليه الصلاة والسلام. ورُدَّ الأخير بأنَّ اشتباهَ الأمرعليه يأبى ذلك، ولعلَّهُ مبنيٌّ على الظاهر وإلَّ ففي اقتضاء هذه العبارة - في نفس الأمر - الاشتباهَ نظرٌ؛ لأنه يجوز أن يكون لإظهار ما فيها من العَجَب بتكلُّمها ونحوه. والقولُ بأنَّ اشتباه زكريا في أنها معجزة لا ينافي كونَها معجزةً؛ لاشتباه أنه من الجنَّة أو من بساتين الدُّنيا، ليس بشيء كما لا يخفى. (١) البيت لنصيب بن رباح، وهو في ديوانه ص١٠٩ برواية: خلة، بدل: ضلَّة. ووادي الرمث: واد لبني أسد. معجم البلدان ٦٨/٣ . (٢) البيت للكميت، وهو في شرح هاشميات الكميت ص ١٠٠، قال أبو رياش القيسي الشارح: آبك: أتاك ليلاً، يقول: إنما طربك إلى بني هاشم لا صبوةٌ في صبا، ولا ريب، أي: لا ريبة. (٣) وهو ظرف لا ينصرف ولا يتصرف إذا أرَدْت به سَحَر يومٍ بعينه، ويلزم النصب على الظرفية. أمالي ابن الشجري ٢/ ٥٧٧_٥٧٨. (٤) في (م): بتلك الحروف. (٥) ذكر قوله الرازي ٣٣/٨، وذكره مع قول البلخي قبله الطبرسي في مجمع البيان ٦٩/٣. سُوَّةُ الْعَزَانَ ١٥٠ الآية : ٣٧ ﴿قَالَتْ﴾ استئنافٌ كالذي قبله ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ قيل: أرادت من الجنَّة. وقيل: ممَّا رَزَقَّنِيه هو لا بواسطة البَشر، فلا تَعْجَبْ ولا تَسْتَبعد. وقيل: تكلَّمت بذلك صغيرةٌ(١) كعيسى عليه الصلاةُ والسلام. وقد جُمع مَن تكلّم كذلك فبلَغوا أحدَ عشر نفْساً، وقد نظمَهم الجلالُ السُّيوطي فقال: ويحيى وعيسى والخليلُ ومريّمُ تكلّم في المهد النبيُّ محمَّد وطفلٌ لذي الأخدود يَرويه مُسْلِمُ ومُبْرِي جريج ثم شاهدُ يوسفٍ يقال لها تَزْني ولا تتكلّمُ وطفلٌ عليه مُرَّ بالأَمَة التي وفي زمن الهادي المبارَكُ يختمُ(٢) وماشطةٌ في عهد فرعون طفلُها تقدَّم معناه(٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ﴾ من عباده أن يرزقه ﴿پِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾﴾. والجملة تعليلٌ لكونه من عند الله، والظاهرُ أنَّها من كلام مريم، فحينئذٍ تكون في محلِّ النصب داخلةً تحت القول. وقال الطبريُّ(٤): إنَّها ليست من كلامها، بل هي مستأنَفةٌ من كلامه تعالى إخباراً لنبيه ◌َله. والأولُ أَولى، وقد أخرج أبو يَعْلَى عن جابر: أنَّ رسول الله وَله أقام أياماً لم يَظْعَمْ طعاماً، حتى شَقَّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يَجِد عند واحدةٍ منهنّ شيئاً، فأتى فاطمة فقال: ((يا بنيَّةُ، هل عندك شيءٌ آكلُه فإنّي جائع؟)) فقالت: لا واللهِ، فلَّما خرج من عندها بعثت إليها جارةٌ لها برغيفين وقطعةٍ لحم، فأخذته منها فوضعَتْه في جَفْنَةٍ لها، وقالت: لأُوثِرَن بهذا رسولَ الله وَّل على (١) في الأصل: وقد تكلمت كما قيل صغيرة، بدل: وقد تكلمت بذلك صغيرة. (٢) ذكرها عن السيوطي الخفاجي في حاشيته ٢٤/٣، وابن علان في دليل الفالحين ١/ ١٩٧. وقوله: يرويه مسلم، هو عند مسلم مطولاً (٣٠٠٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٣٩٣١). وقصة جريج وكذلك قصة الطفل الذي مُرَّ عليه بالأمة وردتا في حديث أبي هريرة ◌ُه عند البخاري (٣٤٣٦)، ومسلم (٢٥٥٠). وقوله: المبارك، يعني به مبارك اليمامة، حيث أخرج البيهقي في دلائله ٥٩/٦ من حديث معرِّض بن معيقيب اليماني أن مبارك اليمامة تكلم يوم ولد وشهد للنبي ◌ّيه بالرسالة، إن صحت فيه الرواية كما قال البيهقي، وينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٢٦) من سورة يوسف. (٣) ٢٢٠/٣. (٤) في التفسير ٣٥٩/٥ بنحوه. التفسير الإشاري (٢٨-٣٧) ١٥١ سُورَةُ العَقْرَانَ نفْسي ومَن عندي. وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حَسَناً أو حُسيناً إلى رسول الله وَ﴾، فرجع إليها فقالت له: بي أنت وأمِّي، قد أتى الله بشيءٍ قد خبَّاتُه لك. قال: ((هلمِّي يابنية بالجَفْنة)) فكشفت عن الجفنة، فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلمَّا نظرَت إليها بهتت وعَرفَت أنها بركةٌ من الله تعالى، فحمدتِ اللهَ تعالى وقدَّمته إلى النبيِّ ◌َّهِ، فلمَّا رَآه حمِدَ اللهَ تعالى، وقال: ((من أينَ لك هذا يا بنية؟)) قالت: يا أَبتي، هو من عند الله إنَّ الله يرزق مَن يشاء بغير حساب. فحمِد اللهَ سبحانه، ثم قال: ((الحمدُ لله الذي جعَلكِ شبيهةَ سيدة نساء بني إسرائيل، فإنَّها كانت إذا رَزَقها اللهُ تعالى رزقاً فسئلت عنه، قالت: هو من عندِ الله إنّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يشاء بغير حساب)) ثم جَمع عليّاً والحسن والحسين، وجمع أهل بيته، حتى شبِعوا وبقي الطعامُ كما هو، فأوسعت فاطمةُ رَّا على جيرانها(١). هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ﴾ نهيٌ عن مُوالاة المؤمنين الكافرين لعدم المناسبة بينهم في الحقيقة، والفرقِ بين الظُّلمةِ والنَّور والظلِّ والحَرُور، والولاية تقتضي المناسبة، ومتى لم تحصل كانت الولايةُ عن مَحْضٍ رياءٍ أو نفاق، والله تعالى لا يُحبُّ المُرائين ولا المنافقين، ومن هنا نهى أهلُ اللهِ تعالى المُريدين عن موالاة المُنْكرِين، لأنَّ ظُلْمَة الإنكار - والعياذُ بالله تعالى - تُحاكي ظلمةَ الكفْر، وربَّما تراكمت فسدَّت طريقَ الإيمان، ومَن يَفعل ذلك فليس من ولاية اللهِ تعالى في شيء مُعتَدِّ به، إذ ليس فيه نوريةٌ صافية يناسب بها الحضرةَ الإلهية. ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾ فحينئذٍ تَجوزُ الموالاة ظاهراً، وهذا بالنّسبة للضُّعفاء، وأمَّا مَن قَوِيَ يَقينُه فلا يَخشى إلا الله تعالى. ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يدعوكم إلى التوحيد العِياني، لئلا يكون خوفُكم من غيره ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فلا تَحْذَروا إلَّ إِيَّه، والأكثرون على أنَّ هذا خطابٌ (١) لم نقف عليه في مسند أبي يعلى، ولعله في مسنده الكبير، وذكره بتمامه ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، والسيوطي في الدر ٢/ ٢٠. قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص٢٥ : وهو من رواية ابن لهيعة عن ابن المنكدر عن جابر، والمتن ظاهر النكارة. سُورَةُ الَ ◌ّغْرَانَ ١٥٢ التفسير الإشاري (٢٨-٣٧) للخَوَاصِّ العارفين، إذ لا يُحذِّر نفْسَه مَن لا يعرفه، وقد حذَّر مَن دونهم بقوله سبحانه: ﴿وَثَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] قال إبراهيم الخوَّاص(١): وعلامةُ الخوف في القلب دوامُ المُرَاقبة، وعلامةُ المراقبة التفقُّدُ للأحوال النازلة. ﴿قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِى سُدُورِككُمْ﴾ من الموالاة ﴿أَوْ تُبْدُوُهُ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ لأنه مع كلِّ نَفَسٍ وخَظْرَة ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ﴾ سماوات الأرواح وأرضِ الأجسام ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يشغلُه شأنٌ عن شأنٍ، ولا يُقَيِّده مظهرٌ عن مظهر. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخُضَرًا وَمَا عَيِلَتْ مِن سُوْمٍ﴾ لأنَّ كلَّ ما يعملُه الإنسان أو يقوله يَنْتَقِشُ منه أثرٌ في نفْسه، ويُسَطّر في صحائف النفوس السَّماوية، إلا أنه لاشتغاله بالشواغل الحسِّية والإدراكات الوَهْمية والخيالية لا يَرى تلك النقوشَ، ولا يُبصرُ هاتيك السُّطور، فإذا تجرَّد عن عالم الكثافة بَصُرَ ورأى، وشاهدَ ما به قلَمُ الاستعداد جرَى. فإذا وجد سوءاً ﴿تَوَهُ﴾ نفْسُه وتتمنَّى ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَ بَعِيدًا﴾ لِتَعَذُّبها به ﴿ وَيُعَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَةٌ﴾ كرَّره تأكيداً، لئلا يَعملوا ما يَستحقُّون به عِقابَه ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: بسائرهم، فلهذا حذَّرهم، أو بمَن انَّصف بمقام العبودية وانْقَطع إليه بالكلِّية . ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَِّعُونِ﴾ لأني سيدُ المُحِبِّين ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وحقيقةُ المحبَّة عند العارفين احتراقُ القلب بنيران الشَّوق، ورَوْحُ الرُّوحِ بلذّة العشق، واستغراقُ الحواسِّ في بحْرِ الأُنس، وطهارةُ النّفْس بمياهِ القُدس، ورؤيةُ الحبيب بعين الكُلِّ، وغَمْضُ عينِ الكلِّ عن الكونين، وطيرانُ السِّرِّ في غيبِ الغيب، وتخلُّق المحبِّ بخلُقِ المحبوب، وهذا أصلُ المحبَّة. وأمَّا فَرْعُها فهو موافقةُ المحبوب في جميع ما يرضاه، وتقبُّلُ بلائه بنعت الرِّضا، والتسليم في قضائه وقَدَرِه بشرط الوفاء، ومتابعة سُنَّةِ المصطفى وَّر. وأمَّا آدابها فالانقطاع عن الشَّهوات واللذَّات المُباحة، والسُكون في الخَلَوات والمراقبات، واستنشاقُ نَفَحات الصِّفات، والتواضعُ والذُّل في الحركات والسَّكنات: (١) أبو إسحاق، إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل، أوحد المشايخ في وقته، من أقران أبي القاسم الجنيد، مات بالري سنة (٢٩١هـ). طبقات الصوفية ص٢٨٤ . التفسير الإشاري (٢٨-٣٧) ١٥٣ سُورَةُ الَّعَمْرَانَ عليها ترابُ الذُّلِّ بين المقابرِ(١) مساكينُ أهلُ العشقِ حتى قبورهم وهذا لا يكونُ إلَّا بعدَ أن تَرى الروحُ بعين السِّر مشاهدةَ الحقِّ بنَعْتِ الجَمَال وحُسْنِ القِدَم، لا بنعت الآلاء والنِّعم، لأنَّ المحبَّة متى كانت مِن تولَّد رؤيةِ النَّعماء كانت معلولةً، وحقيقةُ المحبَّة ما لا عِلَّة فيها بين المحبِّ والحبيب سِوی ذاتِ الحبيب، ولذا قالوا: لا تصحُّ المحبة ممَّن يُميِّز بين النار والجَنَّة، وبين السُّرور والمِحنة، وبين الفِرْض والسُّنة، وبين الاعتواض والاعتراض، ولا تصحُّ إلا ممَّن نسي الكلَّ واستغرق في مشاهدة المحبوب وفني فيه: مَحلَّ الهوى من مُغْرَمِ القَلْبِ صَبِّهِ خَليليّ لو أَحْبَبْتُما لَعَلمْتُما يَتُوقُ ومَنْ يَعْلقْ به الحُبُّ يُصْبِهِ تذكَّرَ والذِّكرى تَشُوقُ وذُو الھوی وشَوْقٌ على بُعْدِ المَزَارِ وقرْبِهِ(٢) غَرامٌ على يَأْسِ الهوى ورَجَائه وقد يقال: المحبّةُ ثلاثة أقسام: القسم الأول: محبّةُ العوامّ وهي مطالَعَةُ المِنَّة من رؤية إحسان المُحسِن، جُبِلت القلوبُ على محبَّ مَن أَحسن إليها، وهو حبٌّ يتغيّر، وهو لمتابعي الأعمال الذين يطلبون أجراً على ما يعملون، وفيه يقول أبو الطَّيِّب: وما أنا بالباغي على الحُبِّ رِشْوَةً ضَعيفٌ هوّى يُرْجَى عليه ثوابُ(٣) والقسم الثاني: محبَّة الخوَاصِّ المتَّبعين للأخلاق، الذين يُحبُّونه إجلالاً وإعظاماً، ولأنه أهلٌ لذلك، وإلى هذا القسم أشار ◌َّهِ بقوله: ((نِعْمَ العبدُ صُهَيْبٌ، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه))(٤). وقالت رابعةُ رَحمَها الله تعالی: (١) مصارع العشاق ١٣٠/١. (٢) الأبيات لأحمد بن محمد التغلبي المعروف بابن الخياط الدمشقي، وهي في وفيات الأعيان لابن خلكان ١٤٦/١، والوافي بالوفيات ٦٨/٨، والكشكول ٢٤٧/١. ووقع في (م): على بُعْد المراد .. (٣) ديوان المتنبي ص ٤٨١، وفيه: يُبْغَى، بدل: يُرجى. وقوله: ضعيف، خبر مقدم. (٤) ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٤٤٩، والملا علي القاري في المصنوع وقال: لا أصل له كما صرَّح به الحافظ. وسلف ١/ ٤٩٢. سُورَةُ العَقْرَانَ ١٥٤ التفسير الإشاري (٢٨ -٣٧) وحبًّا لأنك أهلٌ لذاكا(١) أُحِبُّك حبَّين حبَّ الهوى وهذا الحبُّ لا يتغيَّر إلى الأبد، لبقاء الجَمَال والجلال إلى السَّرمد. والقسم الثالث: محبةُ خواصِ الخواصِّ المتَّبِعِين للأحوال، وهي الناشئةُ من الجَذْبة الإلهية في مكامن: ((كنت كنزا مخفيًّا))(٢). وأهلُ هذه المحبَّة هم المستعدُّون لكمال المعرفة، وحقيقتُها أنْ يَفْنَى المحبُّ بسطوتها فيبقى بلا هو، وربَّما بقي صاحبُها حيرانَ سكران، لا هو حيٍّ فُيُرجى، ولا هو (٣) ميت فَيُبْكى، وفي مِثْلِ ذلك قيل: أَلَا كَذَبوا فالنارُ تذکو وتخمدُ يقولون إنَّ الحبّ کالنار في الحشا ندّى فهي لا تذكر ولا تتوقّد(٤) وما هو إلا جذوةٌ مَسَّ عودَها ويكفي في شرح الحبِّ لفظُه، فإنه حاءٌ وباء، والحاءُ من حروف الحَلْق، والباء شفوية، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ الهَوى مالم يَسْتَوْلِ على قلبه ولسانه، وباطنهِ وظاهرِهِ، وسرِّه وعلَنه، لا يقال له: حُبُّ، وشرحُ ذلك يطول. وهذه محبَُّ العبدِ لربِّه، وأمَّا محبّة ربِّه سبحانه له فمختلفةٌ أيضاً، وإن صدرت من محلٌّ واحد، فتعلَّقت بالعوامِّ من حيث الرحمةُ، فكأنه قيل لهم: اتَّبعوني بالأعمال الصالحة يَخصُّكم اللهُ تَعالى برحمته. وتعلَّقت بالخَوَاصِّ من حيث الفضلُ، فكأنه قيل لهم: اتَّبِعوني بمكارم الأخلاق يخصُّكم بتجلِّي صفاتِ الجَمَال. وتعلَّقت بِخَوَاصِ الخَوَاصِّ من حيثُ الجذبة، فكأنه قيل لهم: اتَّبعوني ببذْل الوجود يخصُّكم بجَذْبِه لكم إلى نفسه، وهناك يرتفع البَوْنُ من البَيْن، ويظهرُ الصُّبح لذي عينين، والقطرةُ من هذه المحبَّة تُغني عن الغدير: وفي سَكْرةٍ منها ولو عُمْرَ ساعةٍ تَرَى الدهرَ عبداً طائعاً ولك الحكمُ(٥) ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: مَعاصِيَكم التي سلَفت منكم على خلافِ المتابعة، (١) ذكره أبو قاسم النيسابوري في عقلاء المجانين ص١٥٢، والمقري في نفح الطيب ٢٥/٥. (٢) سلف ١٩٩/١، وذكرنا ثمة أنه لا أصل له. (٣) قوله: هو، ليس في (م). (٤) ذكرهما ابن خلكان في وفيات الأعيان ٥/ ١٩٧، واليوسي في زهر الأكم ٣٠٩/٢. (٥) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٤٣. ووقع في (م): وله الحكم، وهو تصحيف. التفسير الإشاري (٢٨-٣٧) ١٥٥ سُورَةُ الِ عُقْرَانَ ولا يعاقبكم عليها، أو: يَغْفِر لكم ذنوبَكم بسترٍ ظُلمَة صفاتكم بأنوار صفاته، أو: يغفر لكم ذنوبَ وجودِكم ويثيبكم مكانَه وجوداً لا يَفنى، كما قال: «فإذا أحبَبْتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به وبصرَه الذي يُبْصِرُ به)) الحديث(١). یھبُ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ يكفِّرُ خطاياكم، ويَمحو ذنوبَ صفاتِكم ووجودِكم. لكم عِوَضَ ذلك حسناتٍ وصفاتٍ ووجوداً حَقَّانية خيراً من ذلك. ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولٌَ﴾ فإنَّ المريدَ يلزمه متابعةُ المراد ﴿فَإِن تَوَلَّا﴾ أي: فإن أعرَضوا فهم كفَّارٌ منكِرون محجوبون، و﴿اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ لقُصورِ استعدادهم عن ظهور جَمَاله فيهم. الاصطفاء ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْزَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ أعمُّ من المحبَّة والخُلَّة، فيشمل الأنبياء كلَّهم، وتتفاضَلُ فيه مراتبُهم كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فأخصُّ المراتب هو المحبَّة، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ثم الخلَّة، وفي لفظها إشارة إلى ذلك من طريق مخارج الحروف، وأعمُّها الاصطفاء، فاصطفى آدمَ بتعليم الصِّفات وجمْعِ اليدين وإسجاد الأكوان له، ونوحاً الذي هو الأبُ الثاني بتلك الأبوة، وبما كان لَه مع قومه، واصطفى آل إبراهيم - وهم الأنبياء من ذريته - بظهورٍ أنوارٍ تجلِّيهِ الخاصِّ على آفاق وجودهم، وآل عمران بجَعْلِهِمْ آيَةً للعالمين، ذرية بعضُها من بعض في الدِّين والحقيقة؛ إذ الولادة قسمان: صورية ومعنوية، وكلُّ نبيِّ تبع نبيًّا في التوحيد والمعرفة وما يتعلَّق بالباطن من أصول الدين، فهو ولده - کأولاد المشايخ - والولدُ سرُّ أبيه. ويمكن أن يقال: آدمُ هو الرُّوح في أول مقامات ظهورها، ونوحٌ هو هي في مقامها الثاني من مقامات التنزُّل، وإبراهيم هو القلْبُ الذي ألقاه نمرودُ النفسِ في نيرانِ الفِتن، ورماه فيها بمنجنيق الشَّهوات، وإلهُ القوى الرُّوحانية، وعِمرانُ هو العقلُ الإمام في بيت مقدس البَدَن، والُّهُ: التابعون له في ذلك البيت مقتدون به، وكلُّ ذلك ذريَّةٌ بعضُها من بعض، لوحدة المَوْرِد واتِّفاق المَشْرَب. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْزَنَ رَبٍّ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطْنِى مُحَرًَّا﴾ عن رِقِّ النّفْس، مخلصاً (١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة تصلبه، وسلف ١٣٢/١. سُورَةُ الَّعَقْرَان ١٥٦ التفسير الإشاري (٢٨-٣٧) في عبادتك عن المَيْل إلى السِّوى. ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قال الواسطي(١): محفوظ عن إدراك الخَلْقِ ﴿وَأَثْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ حيثُ سقاها من مياه القدرة، وأثْمَرَها شجرةَ النبوة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾ لطهارةٍ سرِّه، وشبيهُ الشيء منجذبٌ إليه. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَّكَّا الْمِحْرَبَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ هو ما عَلِمْتَ، ويجوزُ أن يُرَاد الرزقُ الرُّوحانيُّ من المعارف والحقائق والعلوم والحِكَم الفائضة عليها من عندِ الله تعالى؛ إذ الاختصاص بالعِنْدية يدلُّ على كونه أشرفَ من الأرزاق البدنية، وأخرج ابن أبي حاتم (٢) من بعض الطُرق، عن مجاهدٍ أنه قال: رزقاً، أي: علماً. وقد يقال على النحو الأول ليتمَّ تطبيقُ ما في الآفاق على ما في الأنفس: ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَنَ﴾ - وهي النَّفْس في أول مراتب طاعتِها - لعمران العقل: ﴿إِنّ نَّذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِ﴾ وهو غلامُ القلب ﴿مُحَرًَّا﴾ ليس في رقِّ شيء من المخلوقات ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍّ إِ وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ وهي نَفْسٌ أيضاً، إلَّا أنها أَكْمَلُ منها في المرتبة، والجِنس يلدُ الجنسَ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ لعلمه أنه سَيَظْهَرُ من هذه الأنثى العَجَبُ العُجاب، وغيره سبحانه تَخْفَى عليه الأسرارُ ﴿وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ وهي العابدة ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهو الشَّهوات النفسانية الحاجبةُ للنفس القدسية عن رِياض المَلَكوت. ﴿فَقَبِّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ وهو اختصاصُه إياها بإفاضة أنواره عليها ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا﴾ ورقَّاها فيما تكمُلُ به نشأتُها ترقّياً حَسَناً غيرَ مشوبٍ بالعوائق والعلائق. ﴿وَكَفَلَهَا زَكِنَّا﴾ الاستعداد ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكِيًّا﴾ وتوجَّه نحوَها في مِحْرَابٍ تعبُّدِها، المبنيِّ لها في بيت مقدِس القلبِ ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ تتغذّى به الأرواحُ في عالم الملكوت ﴿قَالَ يَمَرِيمُ أَنَّ لَكٍ هَذَا﴾ الرزقُ العظيم؟ ﴿قَالَتْ هُوَ﴾ُ مُفَاضٌ ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ منزَّهُ عن الحَمْلِ بَيَدِ الأفكار ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ الجامعَ لصفاتِ الجَمَال والجَلال ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ﴾ ویُفیض عليهم من عِلْمِهِ حَسْبَ قابليَّتهم ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فسبحانه من إلهٍ جَوادٍ کریم وهَّاب. ٠ (١) أبو بكر، أحمد بن موسى، من قدماء أصحاب الجنيد، توفي بمرو سنة (٣٢٠هـ). طبقات الصوفية للسلمي ص٣٠٢. (٢) في تفسيره ٦٤٠/٢ . الآية : ٣٨ ١٥٧ سُوَّةُ الإِعْرَانَ ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِيَّا رَبٌَّ﴾ قِصَّة مستقلَّةٌ سِيقت في أثناء قِصَّة مريم لكمال الارتباط، مع ما في إيرادها مِن تقريرٍ ما سِيقَت له، ((وهنا)) ظرفُ مكانٍ، واللام للبعد، والكاف للخطاب، أي: في ذلك المكان، حيثُ هو قاعدٌ عند مريم في المحراب، وهي ظرفٌ ملازِمٌ للظرفية، وقد تجرَّدَ بـ ((من)) و((إلى))، وجوِّز أن يراد بها الزمان مَجازاً، فإنَّ ((هنا)) و(ثَمَّ)) و((حيث)) كثيراً ما تُستعارُ له. وهي متعلِّقة بـ ((دعا)). وتقديمُ الظرف للإيذان بأنه أَقْبَل على الدُّعاء من غير تأخير. وقال الزَّجَّاج(١): إِنَّ ((هنا)) هنا مستعارةٌ للجهة والحال، أي: من تلك الحال دَعًا زكريا، كما تقول: من هاهنا قلتُ كذا، ومن هنالك قلت كذا، أي: من ذلك الوجه وتلك الجهةِ. أخرج ابن بِشْرٍ وابن عساكر عن الحسن قال: لمَّا وَجَد زكريا عند مريم ثَمَرَ الشتاء في الصَّيف وثَمَر الصَّيف في الشتاء يأتيها به جبريلُ، قال لها: أنَّى لك هذا في غير حِينه؟ قالت: هو رزقٌ من عند الله يأتيني به اللهُ، إنَّ الله يَرزقُ مَن يشاء بغير حساب، فطَمِع زكريا في الوَلَد، فقال: إنَّ الذي أتى مريمَ بهذه الفاكهة في غَيْرِ حينها لَقَادِرٌ على أن يُصلح لي زوجتي، ويهبَ لي منها ولداً. فعند ذلك دعا ربَّه، وذلك لثلاثٍ ليالٍ بَقين من المحرَّم، قام زكريا فاغتَسَل ثم ابتَهَل في الدعاء إلى الله تعالى(٢). وقيل: إنما طمع(٣) في الولد فدَعًا، مع أنه كان شيخاً فانياً، وكانت امرأته عاقراً، لِمَا أنَّ الحال نَبَّهته على جواز ولادَةِ العاقر من الشيخ من وجوه: الأول: ما أشار إليه الأثر من حيث إنَّ الولدَ بمنزلة الثمَّرَ، والعُقْرَ بمنزلةٍ غيرِ أوانه . والثاني: أنَّه لمَّا رأى تقبُّل أنثى مكان الذَّكر تنبَّه لأنه يَجوز أن يقومَ الشّيخُ مقَامَ الشابِّ والعاقرُ مقامَ الناتج. (١) في معاني القرآن للزجاج ١ / ٤٠٤ بنحوه. (٢) الدر المنثور ٢٠/٢-٢١، وهو في تاريخ ابن عساكر ٨٤/٧٠ من طريق إسحاق بن بشر عن سعيد عن قتادة عن الحسن به . (٣) في (م): وقيل أطمعه. سُؤَدَةُ الَّعْرَانَ ١٥٨ الآية : ٣٨ والثالث: أنه لمَّا رأى تقبُّلَ الطفل مقامَ الكبير للتحرير تنبَّه لذلك. والرابع: أنه لمَّا رأى تكلّم مريم في غيرِ أوانه تنبّه لجواز أن تلد امرأته في غير أوانه. والخامس: أنه لمَّا سمِع من مريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تنبَّه لجواز أن تَلِدَ من غير استعداد. ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من الخَدْشِ، وعلى العلَّات ليس ما رأى فقط علَّةً مُوجبة للإقبال على الدُّعاء، بل كان جزءاً من العلَّة التامَّة التي من جملتها كِبَرُ سِنُّه عليه السَّلام، وضعفُ قُواه، وخوفُ مَوَاليه، حَسْبَما فصِّل في سورة مريم. ◌ِقَالَ﴾ شرحٌ للدُّعاء وبيانٌ لكيفيته ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنكَ﴾ الجارَّان متعلِّقان بما قبلهما، وجاز لاختلاف المعنى. و((من)) لابتداء الغاية مجازاً، أي: أعطني مِن عندك ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةٌ﴾ أي: مباركةً كما قال السُّدِّي. وقيل: صالحةً تقيَّةً نقيَّةً العمل. ويجوز أن يتعلَّقَ الجارُّ الأخير بمحذوفٍ وقع حالاً من ((ذرية)». وجاء الطّلب بلفظ الهِبة، لأنَّ الهِبَةَ إحسانٌ مَحْضُ ليس في مقابلة شيء، وهو يناسبُ ما لا دَخْلَ فيه للوالد لِكَبَرِ سنِّه، ولا للوالدة لكونها عاقرةً لا تَلِدُ، فكأنه قال: أعطني ذريَّةً من غير وسط معتاد. والذرِّيةُ في المشهور: النَّسْلُ، تقَعُ على الواحد والجمع، والذَّكرِ والأنثى. والمراد هاهنا ولدٌ واحد، قال الفرَّاء(١): وأنث ((الطيِّبة)) لتأنيث لفظ الذُّرية. والتأنيث والتذكير تارةً يجيئان على اللفظ، وأُخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس كما في قوله : أبوكَ خليفةٌ ولدتهُ أُخرى وأنت خليفةٌ ذاك الكَمَالُ(٢) بخلاف الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحةُ، لأنَّ اسمَ العَلَمِ لا يفيدُ إلَّا ذلك الشخص، فإذا كان مذكَّراً لم يَجُز فيه إلا التذكير. (١) في معاني القرآن ١/ ٢٠٨. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٠٨/١، وتفسير الطبري ٣٦٢/٥، ونسبه ابن الأنباري في المذكر والمؤنث ١٦٣/٢ لنصيب. قال الفراء: قال: أخرى، لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن تقول: وَلَدَه آخر. الآية : ٣٩ ١٥٩ سُورَةُ الْعَنْزَانَ ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَِّ ﴾﴾ أراد: كثير الإجابة لمَن يَدعوك مِن خَلْقك، وهو تعليلٌ لِمَا قَبْلَه، وتحريكٌ لسلسلة الإجابة. وفي ذلك اقتداءٌ بجَدِّه الأعلى إبراهيم عليه السلام، إذ قال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقُّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]. قيل: قد ذَكَر الله تعالى في كيفية دعائه ثلاثَ صِيَغ: إحداها هذه، والثانية: ﴿إِنِ وَهَنَ اٌلْعَظُمُ مِنِ﴾ إلخ [مريم: ٤]، والثالثة: ﴿رَبٍّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا﴾ إلخ [الأنبياء: ٨٩]، فدلَّ على أنَّ الدعاء تكرَّر منه ثلاث مرَّات كلّ مرَّة بصيغةٍ، ويدلُّ على أن بين الدعاء والإجابة زماناً، ويُصرِّح به ما نُقِل في بعض الآثار أنَّ بينهما أربعين سَنَّةً. وفيه منعٌ ظاهرٌ، لجواز أن تكون الصِّيغ الثلاث حكايةً لدعاءٍ واحد: مرَّةً على سبيل الإيجاز، وتارةً على سبيل الإسهاب، وأُخرى على سبيل التوسُّط. وهذه الحكاية في هذه الصِّيغ إنَّما هي بالمعنى إذ لم يكن لسانهم عربيًّا، ولهذا ورَد عن الحسن أنه عليه السَّلام حين دعا قال: يا رازق مريمَ ثِمَارَ الصَّيف في الشتاء وثمَار الشتاء في الصَّيف، هبْ لي من لَدُنك ذرِّيةً. ولم يذكر في الدعاء ((يا رب)). قيل: ويدلُّ على أنه دعاءٌ واحد متعقَّبٌ بالتبشير العطفُ بالفاء في قوله تعالى: ﴿فَنَادَتَّهُ الْمَلَتَبِكَةُ﴾، وفي قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْبَى﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وظاهرُ قوله جلَّ شأنه في ((مريم)): ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] اعتقابُ التبشير الدعاءَ لا تأخّرُه عنه. وأَثَرُ: أنَّ بين الدعاء والإجابة أربعين سَنَةً، لم نجد له أثراً في الصِّحاح، نعم ربَّما يُشعر بعضُ الأخبار الموقوفة أنَّ بين الولادة والتبشير مدةً، كما سنشير إلى ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. والمرادُ من الملائكة جبريلُ عليه السلام؛ فإنه المنادي وحدَه كما أخرجه ابنُ جرير عن ابن مسعود: وذكر عبد الرحمن بن أبي حمَّاد أنه كان يقرأ: ((فناداه جبريل))(١). فالجمع هنا مجازٌ عن الواحد للتعظيم. أو يكون هذا من إسناد فعلٍ البعض للكلِّ . وقيل: الجمع فيه مثلُه في قولك: فلان يركب الخَيْلَ ویلبس الديباج. واعتُرض (١) تفسير الطبري ٣٦٤/٥، وذكرها أبو حيان في البحر ٤٤٦/٢. سُورَةُ أَلَ غَيْرَانَ ١٦٠ الآية : ٣٩ بأنَّ هذا إنما يصحُّ إذا أريد واحدٌ لا بعينه وهاهنا أُريد المعيَّن، فلعلَّ ما تقدَّم أولى بالإرادة. وقيل: الجمع على حاله، والمنادى كان جملةً من الملائكة. وقرأ حمزة والكسائي ((فناديه)) بالإمالة والتذكير(١). وأخرج ابن المنذر وابنُ مروديه، عن ابن مسعود أنه قال: ذكِّروا الملائكةَ، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِْآَخِرَةِ لَيُسَنُّونَ الْمَكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنَ﴾ [النجم: ٢٧] وكان يقرؤها: ((فناداه الملائكة)» ویذكّر في جميع القرآن(٢). وأخرج الخطيب عنه أنَّ النبيَّ نَّ كان يقرأ كذلك(٣). ﴿وَهُوَ قَآِمٌ﴾: جملةٌ حاليَّة من مفعول النداء، مقرِّرة لِمَا أشارت إليه الفاءُ على ما أشرنا إليه. وقوله تعالى: ﴿يُصَلّى﴾ حالٌ من المستكِنِّ في ((قائم))، أو حالٌ أُخرى من المفعول على القول بجواز تعدُّدها من غير عطفٍ ولا بدَلية، أو خبرٌ ثانٍ للمبتدأ على رأي مَن يرى مثلَ ذلك. وقيل: الجملة صفة لـ ((قائم)). والمرادُ بالصلاة ذاتُ الأقوال والأفعال كما هو الظاهر، وعليه أكثرُ المفسرين، وأخرج ابن المنذر، عن ثابت قال: الصلاةُ خِدمةُ اللهِ تعالى في الأرض، ولو عَلِمِ اللهُ تعالى شيئاً أفضلَ من الصلاة ما قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَتَئِكَةُ وَهُوَ قَآَبٌِ يُصَلّىِ﴾(٤). وقيل: المراد بها الدعاءُ. والأولُ يدلُّ على مشروعية الصلاة في شريعتهم. ﴿فِي الْمِحَرَابِ﴾ أي: في المسجد، أو في موقف الإمام منه، أو في غرفة مريم، والظرفُ متعلِّق بـ ((يصلِّي))، أو بـ ((قائمٌ)) على تقدير كون (يصلي)) حالاً من ضمير ((قائم))؛ لأنَّ العامل فيه وفي الحال شيء واحد، فلا يَلزم الفصلُ بالأجنبي كما يلزم على التقادير الباقية، كذا قالوا. والذي يظهَرُ أنَّ المسألة من باب التنازع؛ فإنَّ كلَّا من ((قائم)) و((يصلي)) يصحُّ أن يتسلَّط على ((في المحراب)) على أيِّ وجهٍ تقدَّم من وجوه الإعراب، فتدبّر. (١) التيسير ص ٨٧، والنشر ٢٣٩/٢، وهي قراءة خلف من العشرة. (٢) الدر المنثور ٢١/٢. (٣) تاريخ بغداد ١٣٢/٤، قال الخطيب: غريب لم أكتبه إلا من هذا الوجه. اهـ. قلنا: في إسناده أحمد بن الخليل البغدادي، قال عنه الدارقطني: ضعيف لا يحتج به. الميزان ١/ ٩٦. (٤) الدر المنثور ٢/ ٢١، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٢/ ٦٤١.