Indexed OCR Text

Pages 121-140

الآية : ٣٠
١٢١
سُوَرَةُ العَمْرَانَ
واعتُرض أيضاً بأنه على تقدير الحالية من ضمير ((عملت)) يلزم تخصيصُ العمل،
والمقامُ لا يناسب. وأجيب بأنه ليس القصد التخصيص، بل بيانُ سوء حالِهم
وحسرتھم، ولا بأس به.
وجوَّز أيضاً أبو البقاء(١): أن تكونَ ((ما)) في ﴿وَمَا عَيِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ شرطيةً،
وإلى ذلك مال السَّفاقسي، ورَفْعُ ((تودّ» ليس بمانع؛ لأنه إذا كان الشرط ماضياً
والجزاء مضارعاً، جاز في الجزاء الرفعُ والجزم من غير تفرقةٍ بين ((إنْ)) الشرطية
وأسماءِ الشرط.
واعتُرض بأنَّ رَفْعَ المضارع في الجزاء شاذٌّ، كرَفْعِه في الشرط، كما نصَّ عليه
المبردُ(٢) وشهِدَ به الاستعمالُ؛ حيثُ لم يوجد إلا في قول زُهَيْر:
وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مَسْغَبةٍ يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرٍمُ(٣)
فلا يُستسهل تخريج القراءة المتفَق عليها عليه، نعَم لا بأس بتخريج الشواذِ
كقراءة ((أينما تكونوا يدركُكم الموت)) [النساء: ٧٨] - برفع ((يدرِكُ))(٤) - عليه؟
وأجيب بأنَّا لا نسلِّم الشذوذ، وقد ذكر أبو حيان(٥) أن الرفع مسموعٌ كثيراً في
لسان العرب، حتى ادَّعى بعضُ المغاربة أنه أحسنُ من الجزم، وبيت زهير مثلُه قولُ
أبي صخر:
ولا بالذي إن بان عنه (٦) حبيبُهُ يقولُ ويُخْفي الصَبْرَ إني لجازِعُ (٧)
وقول الآخر :
(١) في الإملاء على هامش الفتوحات الإلهية ٥٢/٢.
(٢) ينظر المقتضب ٧٠/٢ - ٧١.
(٣) شرح ديوان زهير ص١٥٣، والكتاب ٦٦/٣. قال الشنتمري في شرح شواهد الكتاب
ص٤١٠: الخليل: المحتاج ذو الخَلَّة .
(٤) القراءات الشاذة ص٢٧، والمحتسب ١٩٣/١.
(٥) في البحر ٤٢٩/٢ .
(٦) في (م): منه.
(٧) البيت ليس في ديوان الهذليين، وهو في البحر ٤٢٩/٢، والدر المصون ١١٩/٣، واللباب
لابن عادل الحنبلي ١٥١/٥ - ١٥٢.

سُورَةُ الْعَنْمَانَ
١٢٢
الآية : ٣٠
إن يُسألوا الخيرَ يُعْطُوهُ وإِنْ خُبروا
في الجَهْد أُذْرِك منهم طِيْب أخْبَارٍ(١)
برفع أُذْرِكُ وهو مضارعٌ وقع جوابَ الشَّرط(٢)، وقوله:
وإنْ بَعُدُوا لا يأمنون اقترابَهُ تَشَوُّفَ أهلِ الغائبِ المُتْنَظّرِ (٣)
إلى غير ذلك. وفي ((البحر)) (٤) أنَّ ضعفَ تخريح الرَّفع على ذلك ليس بذلك؛
لِمَا علمت، ولكن يَمتنعُ أن يكون ما في الآية جزاءً، لمَا ذكَر سيبويه أنَّ النيةَ في
المرفوع التقديمُ، ويكون إذ ذاك دليلاً على الجواب لا نفس الجواب، وحينئذٍ يؤدِّي
إلى تقديم(٥) المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة [في العربية]؛ لأن
ضمير ((وبينه)) عائدٌ على اسم الشرط وهو ((ما))، فيصير التقدير: تودُّ كلُّ نفسٍ لو أنَّ
بينها وبينه أمداً بعيداً ما عَمِلتْ من سوء، وذلك لا يجوز.
وردَّه السَّفَاقسي بأنَّا لو تنزَّلنا على مذهب سيبويه لا يَلزم محذورٌ أيضاً؛ لأنَّ
الجملة لاشتمالها على ضمير الشرط يلزمُ تأخيرُها وإن كانت متقدمةً في النية،
ألا ترى أنَّ الفاعل إذا اشتمل على ضميرٍ يعود على المفعول يَمتنع تقديمُه عليه عند
الأكثر، وإن كان متقدِّماً عليه في النِّية.
وقرأ عبد الله: ((وَدَّت))(٦). وعليها يَرتفعُ مانعُ الارتفاع بالإجماع وتصحُّ
(١) البيت للعرندس الكلابي كما في أمالي القالي ٢٣٩/١، ومعجم الشعراء للمرزباني
ص١٧٣، قال المرزباني: وقيل: هو أبو العرندس. اهـ. وقد نسبه المرزوقي في شرح ديوان
الحماسة ١٥٩٣/٤ لعبيد بن العرندس، وهو دون نسبة في البحر ٤٢٩/٢.
(٢) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ١٨/٢، وقال السمين في الدر ١٢٠/٣: هكذا
ساق (يعني أبا حيان) هذا البيت في جملة الأبيات الدالة على رفع المضارع ... وهذا البيت
ليس من ذلك في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ. اهـ. والظاهر أن كلام السمين مبني على أن ((أُدْرِك)) هو
ماض مبني للمجهول من أَدْرَكَ، وليس مضارعاً مرفوعاً.
(٣) البيت لعروة بن الورد، وهو في ديوانه ص٣٧ برواية: إذا بعدوا ... ، وهو برواية المصنف
في الأصمعيات ص٤٦، والبحر ٤٢٩/٢، والدر المصون ١١٩/٣. وكذا رواه ابن
السكيت: فإن بعدوا، وقال في شرحه: يقول: إنْ بَعُدَ أعداؤه لم يَهُلْه بعدُهم أن يغزوهم،
ولا يأمنون ذلك منه، فهم ينتظرونه في كل ساعة كما ينتظر أهل الغائب غائبهم. ينظر ديوان
عروة شرح ابن السکیت ص٧٣.
(٤) في البحر ٤٢٩/٢ - ٤٣٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٥) في البحر: تقدَّم، وهو أشبه.
(٦) معاني القرآن للفراء ٢٠٧/١، والكشاف ٤٢٣/١، والبحر ٤٣٠/٢ .

الآية : ٣٠
١٢٣
سُورَةُ الَ ◌ّغَزَانَ
الشرطيةُ، إلّا أنَّ العلّامة الثاني(١) قال: إن في الصحَّة كلاماً؛ لأن الجملة على
تقدير الموصولية حالٌ أو عطف على ((تجد)»، والشرطية لا تقع حالاً، ولا مضافاً
إليها الظرف، فلم يبق إلا عطفُها على ((اذكر))، وهو بتقدير صحَّته يُخلُّ بالمعنى،
وهو كونُ هذه الحالة والودادة في ذلك اليوم، ولا مَحِيص سوى جَعْلِها
حالاً بتقدير مبتدأ، أي: وهي ما عملت من سوء ودَّت. ولا يخفى ما فيه، فإنهم
أعرَبوا أنْ الوصلية مع جملتها على الحالية، ولم ينصَّ النُّحاةُ على منع الإضافة
إليها .
وقال غير واحد من الأئمّة: إنَّ الموصولية أوفقُ بقراءة العامَّة، وأجْرَى على
سَنَن الاستقامة؛ لأنه كلامٌ لحكاية(٢) الحال الكائنة في ذلك اليوم؛ فيجب أن يُحمل
على ما يُفيدُ الوقوع، ولا كذلك الشرطية، على أنها تفيد الاستقبالَ، ولا عملَ سوءٍ
في استقبال ذلك اليوم، وهذا لا يَنفي الصحّة، لأنها وإنْ لم تدلَّ على الوقوع
لا تنافيه، وحديث الاستقبال يدفعه تقدير: وما كان(٣) عملت، كما في نظائرَ له.
فتدبّر وافهم فَعَلَّك لا يقطعك عن اختيار الموصولية شيءٌ .
﴿ وَيُعَذِّرُكُمُ الَّهُ نَفْسَهُ﴾ قيل: ذَكَره أوّلاً للمنع عن موالاة الكُفَّار، وهنا حَثّاً على
عمل الخير، والمنع من عمل السُّوء مطلقاً. وجوِّز أن يكون معطوفاً على ((تودُّ)
أي: تَهابُ من ذلكَ اليوم ومن العمل السَّيِّئ ويحذِّركم الله نفسه بإظهار قَهَّارِيَّتِه،
وهو مما لا يَكاد ينبغي أن يخرَّج الكتابُ العزيز عليه. وأهونُ منه عطفُه على
((تجد)»، والظرف معمول لـ ((اذكروا)) أي: اذكروا ذلك اليومَ واذكروا يومَ يُحذِّركم اللهُ
نفسه بإظهار کبریائه وقھَّاریته.
وقد يقال: إنه تكرارٌ لِمَا سَبق وإعادةٌ له، لكن لا للتأكيد فقط، بل لإفادة
ما يفيده قولُه (٤) تعالى: ﴿وَالَهُ رَءُوفٌ بَلْمِبَادِ ﴾ من أنَّ تحذيرَه تعالى نفسَه من
رحمته الواسعة للعباد؛ لأنهم إذا عرَفوه وحذِروه جَرَّهم ذلك إلى طلب رضاه
(١) هو سعد الدين التفتازاني، مسعود بن عمر، ونقل المصنف كلامه عن حاشية الشهاب ١٨/٣.
(٢) في (م): كحكاية، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٨/٣، والكلام منه.
(٣) في حاشية الشهاب: وما كانت.
(٤) في (م): وقوله، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٢٤
الآية : ٣١
واجتنابٍ سخطه، وذلك هو الفوزُ العظيم. أو من أنَّ تحذيره سبحانه ليس مبنيًّاً على
تناسي صِفةِ الرَّحمة، بل هو متحقِّقٌّ مع تحقُّقها أيضاً.
فالجملة على الأول تذييل، وعلى الثاني حالٌ، وإلى الأول يُشير كلامُ
ط به (١).
الحسن
و((أل)) في ((العباد)) للاستغراق. وتكرير الاسم الجليل لتربية المَهابة وإذهاب
الفَفْلة ليتوجهَ(٢) الذّهنُ إلى هذا الحكم أتمَّ توجُّه.
﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَِّعُونِ﴾ ذهب عامَّةُ المتكلِّمين إلى أن المحبَّة نوعٌ من
الإرادة، وهي لا تَتعلَّق حقيقةً إلا بالمعاني والمنافع؛ فيستحيل تعلَّقها بذاته تعالى
وصفاتِهِ، فهي هنا بمعنى: إرادة العبد اختصاصَه تعالى بالعبادة. وذلك إمّا من باب
إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، أو من باب الاستعارة التبعية بأن شبَّه إرادة
العبد ذلك، ورغبتَه فيه، بميل قلب المُحِبِّ إلى المحبوب ميلاً لا يَلتفتُ معه
إلا إليه. أو من باب مجاز النقص، أي: إن كنتم تحبون طاعةَ اللهِ تعالى أو ثوابَه
فاتبعوبي فيما آمرُكم به وأنهاكم عنه. كذا قيل، وهو خلافُ مذهب العارفين من
أهل السُّنة والجماعة؛ فإنهم قالوا: المحبَّة تتعلَّق حقيقةً بذات الله تعالى، وينبغي
للكامل أن يُحبَّ اللهَ سبحانه لذاته، وأمَّا محبَّةُ ثوابه فدرجةٌ نازلةٌ.
قال الغزاليُّ عليه الرحمةُ في ((الإحياء))(٣): الحُبُّ عبارةٌ عن ميلِ الطبع إلى
الشيء الملذِّ، فإن تأكَّد ذلك الميلُ وقوِي سُمِّي عشقاً. والبغضُ عبارةٌ عن نَفْرةِ
الطبع عن المؤلِمِ المُتْعِب، فإذا قوي سمِّي مقتاً.
ولا يُظنّ أنَّ الحبَّ مقصورٌ على مُدْرَكات الحواسِّ الخمس حتى يقال: إنه
سبحانه لا يدرَك بالحواسِّ ولا يَتمثَّل بالخيال فلا يُحَبُّ؛ لأنه ◌ِّهِ سمَّى الصلاةَ قُرَّةَ
عين(٤)، وجعلَها أبلغَ المحبوبات، ومعلومٌ أنه ليس للحواسِّ الخمسِ فيها حقِّ، بل
(١) وقوله هو: من رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه. البحر ٤٣١/٢.
(٢) في (م): بتوجه.
(٣) ٢٩٦/٤ -٢٩٧.
(٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٢٢٩٣) عن أنس به، وسلف ٣٦٥/١.

الآية : ٣١
١٢٥
سُورَةُ العَقْرَانَ
حِسِّ سادسٌ مَظِنَّته القلبُ. والبصيرةُ الباطنة أقوى من البصر الظاهر، والقلبُ أشدُّ
إدراكاً من العين، وجمالُ المعاني المدرَكة بالعقل أعظمُ من جمال الصُّور الظاهرة
للأبصار، فتكون لا مَحالة لذَّهُ القلوب بما تُدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي
تَجلُّ أن تُدركَها الحواس أتمّ وأبلغَ، فيكون ميلُ الطبع السليم والعقل الصحيح إليه
أقوى. ولا معنى للحبِّ إلا المَيلُ إلى ما في إدراكه للَّةٌ، فلا يُنِكرُ إذاً حُبَّ اللهِ
تعالى إلا مَن قعَد به القصورُ في درجة البهائم؛ فلم يَجُزْ إدراكُه الحواسَّ أصلاً.
نعم هذا الحبُّ يَستلزم الطاعة كما قال الورَّاق:
هذا لَعمري في القياس بَدِیعُ
تَعصي الإلهَ وأنت تُظْهِرُ حُبَّه
إن المُحِبَّ لِمن يُحبُّ مطيعُ(١)
لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَه
والقولُ بأن المحبَّة تقتضي الجنسيةَ بين المحِبِّ والمحبوب فلا يُمكن أن تتعلَّق
بالله تعالى، ساقطٌ من القول؛ لأنها قد تتعلَّق بالأعراض بلا شُبهةٍ، ولا جنسيةً بين
العَرَض والجوهر.
﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ جواب الأمر، وهو رأيُ الخليل. وأكثرُ المتأخِّرين على أنَّ مثل
ذلك جوابُ شرطٍ مقدَّر، أي: إنْ تشَّبعوني يُحبِبكم، أي: يقرِّبكم، رواه ابن
أبي حاتم عن سفيان بن عيينة(٢). وقيل: يَرْضَ عنكم. وعبَّر عن ذلك بالمحبَّة على
طريق المجاز المرْسَل، أو الاستعارةِ، أو المشاكلة، وجعل بعضُهم نسبةَ المحبَّة لله
تعالى من المتشابِهِ الذي لا يَعلم تأويلَه إلا الله تعالى.
﴿وَيَغْفِّرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: يَتجاوز لكم عنها. ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ أي:
لِمَن تَحبَّب إليه بطاعته، وتقرَّب إليه باتِّباع نبيِّه ◌َّهِ. والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لِمَا سَبَقَ
مع زيادة وَعْدِ الرحمة. ووضع الاسم الجليل موضع(٣) الإضمار لِمَا مَرَّ، وللإشعار
باستتباع وصفِ الألوهية للمغفرة والرَّحمة.
(١) ديوان محمود الوراق ص٢٢٧، ورواهما البيهقي في الشعب (٤٩١) عن الحسن بن محمد بن
الحنفية، و(٤٩٣) عن أبي العتاهية، وهما في ديوانه ص ٥٧٥، ورواهما ابن عساكر في
تاريخه ٤٦٩/٣٢ عن عبد الله بن المبارك، ونسبا أيضاً للنابغة في ديوانه ص٨٦.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٣٣.
(٣) في الأصل و(م): مع، بدل: موضع، والمثبت من تفسير أبي السعود ٣٥/٢، والكلام منه.
٠٫٠,٢

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٢٦
الآية : ٣١
وقرئ: (تَحُبُّون))(١)، و((يَحبَّكم)) و((يَحْبِيْكم) من حَبَّه يَحبُّهُ(٢)، ومنه قولُه:
وأعلم أن الرِّفق بالجارٍ أَرفقُ
أحبُّ أبا ثروان من حُبِّ تمرِهِ
ولا كان أدنى من عُبَيْد ومُشْرِقٍ(٣)
وواللهِ لولا تمْرُهُ ما حَببتُه
ومناسبةُ الآية لِمَا قبلها كما قال الطَّيْيِيُّ(٤): أنه سبحانه لمَّا عّم ذاتَه وبيَّن
جلالةَ سلطانه بقوله جلَّ وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ إلخ، تعلَّق قلبُ العبد المؤمن
بمولَى عظيم الشأن، ذي المُلك والمَلَكوت والجلال والجبروت، ثم لمَّا ثنَّى بنهي
المؤمنين عن مُوالاة أعدائه، وحذَّر عن ذلك غايةَ التحذير بقوله عزَّ قائلاً: ﴿لَّا يَتَّخِذِ
الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَةَ﴾ إلخ، ونبّه على استئصال تلك المُوالاة بقوله عزَّ شأنُه: ﴿إِن
تُخْفُواْ مَا فِ سُدُورِكُمْ أَوْ تُبُدُوءُ﴾ الآية، وأَّد ذلك بالوعيد الشديد، زاد ذلك التعلَّق
أقصى غايته، فاستأنفَ قولَه جلَّ جلاله: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ ليشيرَ إلى طريق
الوصول إلى هذا المولى جلَّ وعلا، فكأنَّ قائلاً يقول: بأيِّ شيء يُنال كمال المحبَّة
ومُوالاة الربِّ؟ فقيل: بعدَ قطع مُوالاة أعدائنا، تنالُ تلك الدرجة بالتوجّه إلى متابعة
حبيبنا؛ إذ كلُّ طريقٍ سِوى طريقِه مسدودٌ، وكلُّ عملٍ سوى ما أَذِن به مردودٌ.
واختلف في سبب نزولها، فقال الحسن وابن جُريْجٍ: زعَم أقوامٌ على
عهد رسول الله وَّرِ أنهم يُحِبُّون الله تعالى، فقالوا يا محمّد: إنَّا نحِبُّ ربَّنا.
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى الضحاك عن ابن عباس ﴿ها، قال: وقف النبيُّ وَّل على قريش في المسجد
(١) في الأصل و(م): تحبوني، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في الكشاف ٤٢٤/١،
والكلام منه. وكذا ذكرها أبو حيان في البحر ٤٣١/٢ ونسبها لأبي رجاء العطاردي.
(٢) بضم الحاء وكسرها في المضارع، كما ذكر السمين في الدر المصون ١٢٦/٣، والقراءتان
بالإدغام وبفكّه في القراءات الشاذة ص ٢٠ عن أبي رجاء، والكشاف ٤٢٤/١ والكلام منه.
(٣) البيتان لغيلان بن شجاع النهشلي كما في اللسان والتاج (حبب)، وشرح شواهد المغني
للبغدادي ١١٦/٦، وهما دون نسبة في المخصص ٢٤٢/١٢، وأمالي اليزيدي ص٦٥،
والزاهر لابن الأنباري ٣٣١/١، والبيت الثاني في الكامل للمبرد ٤٣٨/١، وإعراب القرآن
للنحاس ٣٦٧/١، وتهذيب اللغة ٨/٤، والخصائص ٢٢٠/٢، وروايته في الكامل: وكان
عياضٌ منه أدنى ومُشرقُ، وعلى هذه الرواية لا يكون فيه إقواء. وعبيد ومشرق ابنا الشاعر
كما ذكر البغدادي، ثم قال: وما أكثر اختلاف الروايات في كلمات هذين البيتين.
(٤) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية.

الآية : ٣٢
١٢٧
سُورَةُ العَقْرَانَ
الحرام - وقد نَصبوا أصنامهم وعلَّقوا عليها بيضَ النِّعام، وجعلوا في آذانها
الشُّنُوف(١)، وهم يسجدون لها - فقال: ((يا معشر قريش، لقد خالَفْتُم مَّةً أبيكم إبراهيمَ
وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام)) فقالت قريش: يا محمد، إنَّما نعبد هذه حبًّا لله
تعالى لتقرِّبَنا إلى الله سبحانه زُلفى، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ﴾ إلخ(٢).
وفي رواية أبي صالح: أنَّ اليهود لمَّا قالوا: نحنُ أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤه، أنزَل هذه
الآيةَ، فلمَّا نزلت عرَضها رسولُ الله ◌َّهِ على اليهود فأبَوا أن يقبلوها(٣).
وروى محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، قال: نزلت في
نصارى نجران؛ وذلك أنهم قالوا: إنما نُعظّم المسيحَ ونعبده حبًّا لله تعالى،
وتعظيماً له، فأنزل اللهُ هذه الآية ردًّا عليهم (٤) .
يروى أنها لمَّا نزَلت قال عبد الله بن أبيٍّ: إن محمداً يَجعلُ طاعته كطاعة اللهِ
تعالى، ويَأمُرُنا أن نُحبَّه كما أَحبَّ النصارى عيسى، فنزلَ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ
اللَّهَ وَالرَّسُولٌَ﴾ أي: في جميع الأوامر والنَّواهي، ويدخل في ذلك الأمرُ السَّابق
دخولاً أوَّلِيًّا. وإيثارُ الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات، لتعيين حيثيَّة الإطاعة
والإشعار بعلَّتها. وفيه إشارةٌ إلى ردِّ شبهة المنافق، كأنه يقول: إنَّما أوجب الله
تعالى عليكم متابعتي، لا لِمَا يقولُ النصارى في عيسى، بل لكوني رسولَ اللهِ.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرَضوا. أو: تُعْرِضوا، على أن تكون إحدى التائين
محذوفةً، فيكون حينئذٍ داخلاً في حيِّز المَقُول، وفي ترك ذكرٍ احتمال الإطاعة تلويحُ
إلى أنَّها غير محتملة منهم.
﴿فَإِنَّ الَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ أي: لا يقرِّبهم، أو: لا يَرضى عنهم، بل
يُبعدهم عن جِوار قُدسِه وحظائر عزِّه، ويَسْخَط عليهم يومَ رضاه عن المؤمنين.
(١) جمع شَنْف: وهو ما علِّق في أسفل الأذن. القاموس (شنف).
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٩٧ من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس به، وجويبر
متروك.
(٣) أسباب النزول ص٩٧ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به، والكلبي متهم
بالكذب كما ذكر الحافظ في التقريب.
(٤) أسباب النزول ص ٩٧-٩٨، وأخرجه بنحوه الطبري ٣٢٦/٥.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٢٨
الآية : ٣٣
والمرادُ من ((الكافرين)): مَن تولَّى، ولم يعبِّر بضميرهم للإيذان بأنَّ التولِّيَ عن
الطاعة كفرٌ، وبأن محبَّته عزَّ وجلَّ مخصوصةٌ بالمؤمنين؛ لأنَّ نَفْيَها عن هؤلاء
الكفار - المستلزمَ لنفيها عن سائرهم لاشتراك العلّة - يقتضي الحصر في ضِدِّهم.
روي عن
٣٣
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ
ابن عباس ﴿هما: أنَّ اليهود قالوا: نحن أبناءُ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن على
دینھم، فنزلت.
وقيل: إنَّ نصارى نجران لمَّا غَلَوا في عيسى عليه الصلاة والسلام، وجعلوه
ابنَ اللهِ سبحانه، واتَّخذوه إلهاً، نزلت ردًّا عليهم، وإعلاماً لهم بأنَّه من ذُرِّية البشر
المنتقِلين في الأطوار المستحيلة على الإله، وهذا وجهُ مناسبةِ الآيةِ لِمَا قبلها .
وقال شيخ الإسلام(١) رحمه الله تعالى في وجه المناسبة: إنَّه سبحانه لمَّا بيَّن
أن الدِّين عند الله الإسلام، وأنَّ اختلاف أهل الكتابين فيه إنَّما هو للبَغْي والحَسَد،
وأن الفَوْز برضوانه ومغفرته ورحمته مَنُوطُ باتِّباع الرسولِ وَِّ، شَرَع في تحقيق
رسالته، وأنَّه من أهل بيت النبوَّة القديمة، فبدأ ببيان جلالةِ أقدارِ الرُّسل عليهم
الصلاة والسلام، وأَتْبَعه ذِكْرَ مبدأ عيسى وأُمِّه، وكيفية دعوته الناسَ إلى الإيمان؛
تحقيقاً للحقِّ وإبطالاً لِمَا عليه أهلُ الكتابين من الإفراط والتفريط في شأنهما، ثم
بَيَّن [بطلانَ] محاجّتهم في إبراهيم وادِّعائهم الانتماءَ إلى مِلَّته، ونزَّه ساحته العَلِيَّة
عمَّا هُم عليه من اليهودية والنصرانية، ثم نصَّ على أنَّ جميع الرسل دعاةٌ إلى
عبادة الله تعالى وتوحيده، وأنَّ أُممهم قاطبةً مأمورون بالإيمان بمَن جاءهم من
رسولٍ مصدِّقٍ لِما معهم؛ تحقيقاً لوجوب الإيمان بالرسول وَّ، وتحتُّم الطاعةٍ له،
حَسْبَما یأتي تفصيلُه. انتهى، وهو وجهٌ وجيه.
وبدأ بآدم عليه الصلاة والسلام لأنه أولُ النوع، وثنَّى بنوح عليه الصلاة
والسلام لأنه آدمُ الأصغرُ، والأبُ الثاني، وليس أحَدٌ على وجهِ البسيطة إلَّا مِن
نَسْله؛ لقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِيَتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] وذكرَ آل إبراهيم
لترغيب المعترِفين باصطفائهم في الإيمان بنبوةٍ واسطةٍ قلادتِهم، واستمالتهم نحوَ
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٢٥/٢-٢٦، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

الآية : ٣٣
١٢٩
سُوَّةُ آلْ عَشْرَانَ
الاعتراف باصطفائه بواسطة كونه من زُمرتهم، وذكر آلَ عمران مع اندراجهم في
الآلِ الأُوَل؛ لإظهار مَزيدِ الاعتناء بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام، لكمال رسوخ
الاختلاف في شأنه، وهذا هو الذَّاعي إلى إضافة ((الآل)) في الأخيرين دون
الأَوَّلَين.
وقيل: المرادُ بـ ((الآل)) في الموضعين بمعنى النفس، أي: اصطفى آدمَ ونوحاً
وإبراهيم وعمران، وذكر ((الآل)) فيهما اعتناء بشأنهما، وليس بشيء.
والمراد بآل إبراهيم كما قال مقاتل: إسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوب والأسباط.
وروي عن ابن عباس والحسن طه: أنَّهم مَن كان على دِينه، كآل محمدٍ أَّ في
أحدٍ الإطلاقات.
والمراد بآل عمران عيسى عليه الصلاة والسلام وأُمُّه مريم بنت عمران بن ماثان
من ولد سليمان بن داود عليهما السلام؛ قاله الحسن ووهب. وقيل: المراد بهم
موسى وهارون عليهما السلام، فعِمران حينئذٍ هو عمران بن يَصْهُر أبو موسى؛ قاله
مقاتل. وبين العمرانين ألفٌ وثمانُ مئةٍ سنة.
والظَاهرُ هو القول الأول؛ لأنَّ السورة تسمَّى آل عمران. ولم تُشرَح قصةٌ
عيسى ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة، وأمَّا موسى وهارون فلم
يُذكر من قصتهما فيها طرفٌ، فدلَّ ذلك على أن عمران المذكور هو أبو مريم.
وأيضاً يرجّح كونَ المراد به أبا مريم أنَّ الله تعالى ذكرَ اصطفاءها بعدُ ونصَّ
عليه، وأنَّه قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَنَ﴾ [الآية: ٣٥] إلخ. والظاهر أنَّه شرحٌ
الكيفية الاصطفاء المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَءَالَ عِمْرَنَ﴾ فيكون من قبيل تكرار
الاسم في جملتين، فيسبق الذهن إلى أنَّ الثاني هو الأول، نحو: أَكْرِمْ زيداً إنَّ زيداً
رجلٌ فاضل، وإذا كان المراد بالثاني غير الأول كان في ذلك إلباسٌ على السامع.
وترجيحُ القول الأخير بأنَّ موسى يُقرَن كثيراً(١) بإبراهيم في الذِّكر، ليس في
القوة كمرجّح الأول كما لا يخفى.
(١) قوله: كثيراً، ليس في (م).

سُورَةُ العمران
١٣٠
الآية : ٣٣
والاصطفاءُ: الاختيارُ، وأصلُه: أخذُ صفوةِ الشيء، كالاستصفاء، ولتضمينه
معنى التفضيل عُدِّي بـ ((على)). والمراد بـ ((العالمين)) أهلُ زمان كلِّ واحدٍ منهم،
أي: اصطفى كلَّ واحدٍ منهم على عالَمِي زمانه. ويدخل المَلَك في ذلك، والتأويل
خلاف الأصل، ومن هنا استدلَّ بعضُهم بالآية على أفضليَّةِ الأنبياء على الملائكة.
ووجهُ الاصطفاء في جميع الرُّسل، أنه سبحانه خصَّهم بالنفوس القدسية،
وما يَليقُ بها من المَلَكات الروحانية والكمالات الجسمانية، حتى إنهم امتازوا -
كما قيل - على سائر الخَلْقِ خَلْقاً وخُلُقاً، وجُعلوا خزائن أسرار الله تعالى، ومَظْهَرَ
أسمائه وصفاته، ومحلَّ تجلِّيه الخاصِّ من عباده، ومَهْبِطَ وخْبِهِ، ومبلِّغي أمره
ونهيه، وهذا ظاهرٌ في المصطَفَين المذكورين في الآية من الرُّسل، وأمَّا مريمُ فلها
الحظ الأوفرُ من بعض ذلك.
وقيل: اصطفى آدمَ بأنْ خلقه بيديه، وعلَّمه الأسماءَ، وأَسجد له الملائكة،
وأَسكَنه جِوارَه. واصطفى نوحاً بأنه أولُ رسولٍ بُعث بتحريم البنات والأخوات،
والعمَّات، والخالات، وسائرٍ ذوي المحارم، وأنه أبُ الناس بعد آدم، وباستجابة
دعوته في حقِّ الكفَرة والمؤمنين. واصطفى آلَ إبراهيم بأنْ جعل فيهم النبوة
والكتاب، ويكفيهم فخراً أنَّ سيدَ الأصفياء منهم. واصطفى عيسى وأُمَّه بأن
جعلهما آيةً للعالمين.
وإن أريد بـ ((آل عمران)) موسى وهارون فوجهُ اصطفاءٍ موسى عليه الصلاة
والسلام تكليمُ الله تعالى إيَّاه، وكتابةُ التوراة له بيده. ووجهُ اصطفاء هارون جَعْلُه
وزيراً لأخيه. وأمَّا اصطفاءُ إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمفهومٌ بطريق الأولى،
وعدم التصريح به للإيذان بالغنى عنه لكمال شُهرة أمرِه بالخلَّة، وكونِه شيخَ الأنبياء
وقدوةً المرسلين. وأمَّا اصطفاء نبيِّنا وَّرَ، فَيُفهم من دخوله في ((آل إبراهيم))
كما أشَرْنا إليه، وینضمُّ إلیه أنَّ سِیاق هذا المبحث لأجله، کما يدلُّ علیه بیانُ وجه
المناسبة في كلام شيخ الإسلام، وروي عن أئمة أهل البيت أنهم يقرؤون: ((وآل
محمد على العالمين))(١)، وعلى ذلك لا سؤال.
(١) مجمع البيان ٦٢/٣، وعزاها أبو حيان في البحر ٤٣٥/٢ لابن مسعود رض
عنْه

الآية : ٣٣
١٣١
سُورَةُ الْعَتْرَانَ
ومن الناس مَن قال: المراد بآل إبراهيم محمدٌ وَلِّ، جُعل كأنه كلُّ الآل مبالغةً
في مدحه. وفيه أنَّ نبينا وإن كان في نفس الأمر بمنزلة الأنبياء كلِّهم - فضلاً عن آل
إبرهيم فقط - إلَّا أنَّ هذه الإرادة هنا بعيدةٌ.
ويُشْبِهُ ذلك في البُعد - بل يزيدُ عليه - ما ذكَرَه بعضُهم في الآية: أنه سبحانه لمَّا
أمَرهم بمتابعته وَّر وإطاعته، وجعَل إطاعته ومتابعته سبباً لمحبَّةِ الله تعالى إياهم،
وعدَم إطاعته سبباً لسخط الله تعالى عليهم، وسلبٍ محبَّته عنهم، أكَّد ذلك بتعقيبه
بما هو عادةُ الله تعالى من اصطفاء أنبيائه على مُخالفيهم، وقَمْعِهم وتذليلهم
وإعدامهم لهم، تخويفاً لهؤلاء المتمرِّدين عن متابعته وَّهِ، فذكر اصطفاءَ آدم على
العالم الأعلى - فإنه رجَّحه على سائر الملائكة وجعلهم ساجدين له، وجعَل
الشيطان في لعنةٍ لتمرُّدِه - واصطفاءَ نوحٍ على العالم مع نهاية كثرتهم، فأهلكهم
بالطوفان وحَفِطَ نوحاً وأتباعه، واصطفاءَ آل إبراهيم على العالم مع أنَّ العالَم كانو
كافرين، فجعل دينهم شائعاً وذلَّل مخالفيهم، واصطفاءَ موسى وهارون على العالَم،
فجعل السَّحرةَ مع كثرتهم مغلوبين لهما، وفرعون مع عظمته وغَلَبةِ جنوده مغلوباً
وأهلَكهم. ولذا خصَّ آدم بالذِّكر ونوحاً والآلَين، ولم يذكر إبراهيم ونبيَّنَا وَّ؛ إذ
إبراهيم لم يَغْلِبْ، وهذا الكلامُ لبيان أن نبيَّنَا بَّهِ سَيَغْلِبُ، وليس المراد الاصطفاءَ
بالنبوة حتى يَخْفَى وجهُ التخصيص، وبهذا ظهرَ ضعفُ الاستدلال به على فضلهم
على الملائكة. انتهى.
وفيه أنَّ المتبادر من الاصطفاء الاجتباءُ والاختيار لا النصر على الأعداء، على أنَّ
المقام بمراحل عن هذا الحَمْلِ، وقد أخرجَ ابنُ عساكر وغيرُه عن ابن عباس ◌ًِّا، أنَّه
فَسَّر الاصطفاء هنا بالاختيار للرسالة(١). ومثلُه فيما أخرجه ابنُ جرير عن الحسن(٢).
وأيضاً حَمْلُ ((آل عمران)) على موسى وهارون ممَّا لا ينساق إليه الذّهن
كما علِمْتَ، وكأن القائل لمَّا لم يتيسر له إجراءُ الاصطفاء بالمعنى الذي أَراده في
عيسى عليه الصلاة والسلام وأُمِّه اضطُرَّ إلى الحَمْل على خلاف الظاهر، وأنت تعلمُ
أنَّ الآية غنيّةٌ عن الولوج في مثل هذه المضائق.
(١) تاريخ ابن عساكر ٧٧/٧٠، وأخرجه أيضاً إسحاق بن بشر، كما في الدر المنثور ١٨/٢.
(٢) تفسير الطبري ٣٢٩/٥.

سُورَةُ الْعَنْرَانَ
١٣٢
الآية : ٣٤ - ٣٥
﴿ذُرِيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضُِ﴾ نصب على البدلية من الآلَيْن، أو الحالية منهما. وقيل:
بدل من «نوح)) وما بعده.
وجوِّز أن يكون بدلاً من ((آدم) وما ◌ُطِفَ عليه. وردَّه أبو البقاء بأنَّ آدم ليس
بذرِّية(١). وأجيب بأنَّه مبنيٌّ على ما صرَّح به الراغب(٢) وغيرُه من أنَّ الذُّريَّة تُطلَق
على الآباء والأبناء؛ لأنه من الذَّرْءِ بمعنى الخَلْق، والأبُ ذُرِئ منه الولدُ، والولد
ذُرِئَ من الأب، إلَّا أن المتبادِر من الذرِّية النَّسْل، وقد تقدَّم الكلامُ عليه(٣).
والمعنى: أنهم ذرِّيَّةٌ واحدةٌ متشعِّبةُ البعض من البعض في النسب، كما يُنْبِئ عنه
التعرُّض(٤) لكونهم ذريةً، وروي عن أبي عبد الله رَضُه، واختاره الجبائي(٥).
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِرُ﴾ في النِّية والعملِ
والإخلاص والتوحيد(٦). و((من)) على الأول ابتدائية والاستمالة تقريبيَّة، وعلى
الثاني اتصالية والاستمالةُ برهانية. وقيل: هي اتصاليّة فيهما.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوال العباد ﴿عَلِيمُ ﴾ بأفعالهم وما تُكتُّه صدورهم، فيصطفي
مَن يَشاءُ منهم. والجملةُ تذييل مقرِّر لمضمون ما قبلها .
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَنَ﴾ تقريرٌ للاصطفاء وبيانٌ لكيفيته، والظرفُ في حيِّز النصب
على المفعولية بفعلٍ محذوف، أي: اذكر لهم وقتَ قولها. وقيل: هو منصوبٌ على
الظرفية لِمَا قبله، وهو: ((سميع عليم)) على سبيل التنازع، أو لـ ((سميع)) ولا يَضُّ
الفصلُ بينهما بالأجنبي لتوسُّعهم في الظروف.
وقيل: هو ظرفٌ لمعنى الاصطفاء المدلول عليه بـ ((اصطفى)) المذكور، كأنه
(١) الإملاء ٢/ ٥٢.
(٢) نقل المصنف قوله عن حاشية الشهاب ٣/ ٢٠، وينظر مفردات الراغب (ذرو).
(٣) ٤٢٧/٢ -٤٢٨.
(٤) في الأصل: التعريض، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في تفسير أبي السعود ٢٧/٢،
والكلام منه.
(٥) نقله عنه الطبرسي في مجمع البيان ٦٣/٣.
(٦) ذكره عن عبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١٨/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٣٠/٥،
وابن أبي حاتم ٦٣٥/٢.

الآية : ٣٥
١٣٣
سُورَةُ الِ عُقْرَانَ
قيل: واصطفى آل عمران ((إذ قالت)) إلخ، فكان مِن عَطْفِ الجُمَل على الجُمَل،
لا المفردات على المفردات؛ ليلزم كونُ اصطفاء الكلِّ في ذلك الوقت.
وامرأةُ عمران هي حَنَّة بنت فاقوذا - كما رواه إسحاق بن بشر عن ابن
عباس ﴾(١)، والحاكم عن أبي هريرة(٢) - وهي جدَّةٌ عيسى عليه الصلاة والسلام،
وكان لها أخت اسمها إِيشاع تزوَّجها زكريا عليه الصلاة والسلام هي أم يحيى؛ فعيسى
ابن بنت خالة يحيى، كما ذكر ذلك غيرُ واحدٍ من الإخباریین. ويُشْكِلُ عليه ما أخرجه
الشيخان في حديث المعراج من قوله وَلفي: ((فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم،
ويحيى بن زكريا))(٣) وأجاب صاحب ((التقريب))(٤) بأنَّ الحديث مُخَرَّج على المجاز؛
فإنَّه كثيراً ما يُطلِقِ الرَّجلُ اسم الخالة على بنت خالته لكرامتها عليه، والغرضُ أنَّ
بينهما عليهما الصلاة والسلام هذه الجهة من القرابة؛ وهي جهةُ الخُؤولة.
وقيل: كانت إيشاع أخت حثَّة من الأم، وأخت مريم من الأب، على أنَّ
عِمران نَكَحَ أوَّلاً أَمَّ حَنَّة فولدت له إيشاع، ثم نكَحَ حَثَّة - بناءً على حِلِّ نكاح
الرَّبائب في شريعتهم - فولدت مريم، فكانت إيشاع أختَ مريم من الأب وخالتَها
من الأم؛ لأنَّها أختُ حَنة من الأمّ، وفيه أنه مخالف لِمَا ذكره مُحيي السُّنة (٥) من
أنَّ إِيشاع وحَنة بنتا فاقوذا، على أنَّه بعيدٌ لعدم الرِّواية في الأمرين.
أخرج ابن عساكر عن ابن عباس ﴿ها: أنَّ حَنَّة امرأة عمران كانت جلست(٦)
عن الوَلد والمَحيض، فبينا هي ذات يومٍ في ظلِّ شجرة، إذ نظرت إلى طيرٍ يَزِقُّ
فرخاً له، فتحرَّكت نفسُها للولد، فدَعَتَّ الله تعالى أن يَهَبَ لها ذَكَراً، فحاضت
(١) أخرجه مطولاً ابن عساكر في تاريخه ٧٠/ ٧٧ من طريق إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل
عن الضحاك عن ابن عباس.
(٢) المستدرك ٥٩٢/٢-٥٩٣، ولفظه: حنة ولدت مريم، ومريم ولدت عيسى.
(٣) صحيح مسلم (١٦٢)، وهو عند أحمد (١٢٥٠٥)، وهو من حديث أنس ظُه، وأخرج
البخاري (٣٤٩) حديث أنس، وليس فيه اللفظ الذي ذكره المصنف.
(٤) لعله ((تقريب التفسير)) في تلخيص الكشاف لقطب الدين محمد بن مسعود السيرافي الفالي
الشقار، وكان حيًّا سنة (٧١٢هـ). كشف الظنون ١٤٨١/٢، وهدية العارفين ١٤٢/٢.
(٥) وهو البغوي في التفسير ٢٩٥/١.
(٦) في (م): حبست، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في المصادر على ما يأتي.

سُورَةُ الْعَمْرَانَ
١٣٤
الآية : ٣٥
من ساعتها، فلمَّا طهُرت أتاها زوجها، فلمَّا أيقنَتْ بالولد قالت: لَيْن نجَّاني اللهُ
تعالى ووضَعتُ ما في بطني لأجعلنه محرَّراً - ولم يكن يُحَرَّر في ذلك الزَّمان
إلا الغلمانِ - فقال لها زوجُها: أرأيتِ إن كان ما في بطنك أنثى - والأنثى عورةٌ -
فكيف تصنعين؟ فاغتمَّت لذلك، فقالت عند ذلك: ﴿رَبِّ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطِى
مُحَرَّدًا فَتَقَبَّلْ مِنّ﴾(١). وهذا في الحقيقة استدعاءٌ للولد الذّكر؛ لعدم قبول الأنثى،
فيكون المعنى: ربِّ إِنِّي نذرتُ لك ما في بطني، فاجعله ذَكَراً، على حدٍّ: أعتق
عبدكَ عنِّي(٢). وجَعَله بعضُ الأئمة تأكيداً لنذرها، وإخراجاً له عن صورة التعليق
إلى هيئة التَّنْجيز.
واللام من ((لك)) للتعليل، والمراد: لخدمة بيتك. والمُحَرَّر: مَن لا يَعمل
للدنيا ولا يَتَزوَّج، ويَتفرَّغ لعمل الآخرة، ويَعبد الله تعالى ويكون في خدمة الكنيسة،
ثًُا .
قاله ابن عباس
وقال مجاهد: المحرَّر: الخادم للبِيعة. وفي رواية عنه: الخالِصُ الذي
لا يُخالطه شيءٌ من أمر (٣) الدنيا.
وقال محمد بن جعفر بن الزبير: أرادتْ: عَتيقاً خالصاً لطاعتك، لا أصرِفُه في
حوائجي.
وعلى كلٍّ هو من الحرِّية، وهي ضربان: أن لا يَجري عليه حكمُ السَّبي، وأن
لا تتملَّكه الأخلاقُ الرديئة والرذائل الدنيوية.
وانتصابُه على الحالية من ((ما)) والعاملُ فيه ((نذرت)). وقيل: من الضمير الذي
في الجار والمجرور؛ والعاملُ فيه حينئذٍ الاستقرارُ. ولا يخفى رجحان الوجه
(١) تاريخ ابن عساكر ٧٧/٧٠، وذكره السيوطي في الدر المنثور١٨/٢، وهو قطعة من خبر ابن
عباس السالف في ذكر اسم امرأة عمران أمٌّ مريم، وأخرجه بنحوه الطبري ٣٣٢/٥ عن ابن
إسحاق قوله.
(٢) يعني إذا قال الرجل لآخر: أعتق عبدك هذا عني بألف درهم، فأعتقه، يكون العتق من الآمرِ
كأنه قال: بع عبدك لي بألف درهم، ثم كن وكيلاً لي في الإعتاق. وهو ما يسمى: اقتضاء
النص. التعريفات للجرجاني ص ٥٠.
(٣) في الأصل: أمور.

الآية : ٣٦
١٣٥
سُوَةُ الْعُمان
الأول، والحالُ إمَّا مقدَّرة أو مصاحِبةٍ(١). وجوَّز أبو حيان(٢) أن ينصب على
المصدر، أي: تحريراً؛ لأنه بمعنى النَّذر.
وتأكيدُ الجملة للإيذان بوفور الرَّغبة في مضمونها، وتقديمُ الجارِّ والمجرور
لكمال الاعتناء به، والتعبير عن الولد بـ ((ما)) لإبهام أمرِهِ، وقصورِه عن دَرَجة العُقلاء.
والتَّقْبُّل: أخذ الشيء على وجه الرِّضا، وأصله: المقابلةُ بالجزاء، و((تَقبَّلْ)) هنا
بمعنی: اقبَلْ.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لسائر المَسْمُوعات، فتسمعُ دعائي ﴿اَلْعَلِيمُ ﴾ بما كان
ويكون، فتعلم نِيَّتي، وهو تعليلٌ لاستدعاء القَبول من حيث إنَّ عِلْمه تعالى بصحّة
نيَّتها وإخلاصها مُسْتدع لذلك تفضُّلاً وإحساناً. وتأكيدُ الجملة لغرَضِ قوَّة يقينها
بمضمونها، وقصْرُ صِفَتَي السَّمع والعلم علیه تعالی لغرض اختصاص دعائها،
وانقطاع حبْلِ رَجائها عمَّا عداه سبحانه بالكُلِّية؛ مبالغةً في الضَّراعة والابتهال؛ قاله
شيخ الإسلام (٣). وتقديمُ صفةِ السَّمع لأن متعلِّقاتها وإنْ كانت غير متناهية، إلا أنها
ليست كمتعلِّقات صفة العِلم في الكَثْرة.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ الضمير لـ (ما))، ولمَّا علِم المتكلِّمُ أن مدلولها مؤنَّث جاز له
تأنيث الضمير العائد إليه وإن كان اللفظ مذكَّراً، وأمَّا التأنيث في قوله تعالى:
﴿قَالَتْ رَبٍّ إِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فليس باعتبار العلم، بل باعتبار أنَّ كلَّ ضمير وقع بين
مذكَّرٍ ومؤنَّث هما عبارتان عن مدلول واحدٍ جاز فيه التذكيرُ والتأنيث، نحو: الكلامُ
يسمَّى جملة، و((أنثى)) حال بمنزلة الخبر؛ فأنَّث العائد إلى ((ما)) نظراً إلى الحال،
من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة؛ ليلزم اللغو. أو باعتبار التأويل بمؤنَّثٍ لفظيّ
يصلح للمذكّر والمؤنث، كالنَّفْس، والحَبَلة(٤)، والتَّسمة، فلا يُشكل التأنيثُ،
ولا يلغو ((أنثى)) بل هي حالٌ مبيّنة.
(١) يعني إذا كان حالاً من ((ما))، فهو حالٌ مقدَّرة إن كان المراد بقوله: ((محرَّراً)) خادماً للكنيسة،
وحالٌ مصاحبة إن كان المراد: عتيقاً؛ لأن عتق ما في البطن يجوز. البحر ٤٣٧/٢.
(٢) في البحر ٢/ ٤٣٧ .
(٣) تفسير أبي السعود ٢٨/٢.
(٤) بفتحتين، وهي النتاج. حاشية الشهاب ٢١/٣، والكلام منه.

سُورَةُ آلِ عُقْر ◌َانَ
١٣٦
الآية : ٣٦
كذا قيل، ولا يخلو عن نظر، فالحقُّ أنَّ الضمير لـ ((ما في بطني))، والتأنيثُ في
الأول لِمَا أنَّ المقام يستدعي ظهورَ أنوثته، واعتباره في حيِّز الشرط؛ إذ عليه يترتَّب
جواب ((لمَّا)) لا على وضع ولدٍ ما. والتأنيث في الثاني للمُسَارعة إلى عرْض
مادَهَمَها من خَيْبَةِ الرَّجاء وانقطاع حَبْلِ الأمل، و((أنثى)) حال مؤكِّدة من الضمير، أو
بدلٌ منه، وليس الغرض من هذا الكلام الإخبار - لأنه إما للفائدة أو لِلازِمها،
وعلمُ الله تعالى مُحيظٌ بهما - بل لمجرَّد التحسُّر والتحزُّن، وقد قال الإمام
المَرزُوقي : إنه قد يرِدُ الخبرُ صورةً لأغراضٍ سوى الإخبار (١)، كما في قوله:
قَوْمي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخي فإذا رَمَيْتُ يُصيبُني سَهْمي(٢)
فإنَّ هذا الكلام تحزُّنٌ وتفجُّع وليس بإخبار(٣)، وحاصلُ المعنى هنا على ما قرِّر:
فلمَّا وضعَت بنتاً تحسَّرت إلى مولاها وتفجَّعت؛ إذ خاب منها رَجَاها، وعلى هذا
لا إشكال أصلاً في التأنيث ولا في الجَزاء نفسه، ولا في ترُبه على الشرط.
وما قيل: إنه يحتمل أن يكون فائدةُ هذا الكلام التحقيرَ للمحرَّر
استجلاباً للقَبول؛ لأنه مَن تواضع لله تعالى رفَعَه اللهُ سبحانه = فمستَحْقَرٌ من القول
بالنسبة إلى ما ذكرنا .
والتأكيدُ هنا قيل: للردّ على اعتقادها الباطل، وربما أنه يَعودُ إلى الاعتناء
والمبالغةِ في التحسُّر الذي قَصَدته، والرمزِ إلى أنه صادرٌ عن قلبٍ كسير، وفؤادٍ
بقيود الحرمان أسير.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ ليس المرادُ الردَّ عليها في إخبارها بما هو سبحانه
أعلم به - كما يتراءى من السِّياق - بل الجملةُ اعتراضيةٌ سِيقَتْ لتعظيم المولود الذي
وضَعَته، وتفخيم شأنه، والتجهيل لها بقدْرِه، أي: والله أعلم بالشيء الذي وضَعَته
(١) ذكر المصنف هذه العبارة عنٍ المرزوقي نقلاً عن حاشية الشهاب ٢١/٣.
(٢) البيت للحارث بن وعلة الذّهلي، كما في المؤتلف والمختلف للآمدي ص٣٠٣، ودلائل
الإعجاز ص٢٥٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢٠٤/١، وللتبريزي ١/ ١٠٧.
(٣) شرح ديوان الحماسة المرزوقي ٢٠٤/١، وقال في شرحه للبيت: يقول: قومي يا أميمة هم
الذين فجعوني بأخي، فإذا رمت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي؛ لأن عز الرجل
بعشيرته .

الآية : ٣٦
١٣٧
سُورَةُ الِ غَيْرَانَ
وما علِّق به من عظائم الأمور، ودقائق الأسرار، وواضح الآيات، وهي غافلةٌ عن
ذلك كلِّه، و((ما)) على هذا عبارةٌ عن الموضوعة، قيل: والإتيان بها دون ((مَن)) يلائم
التجهيل؛ فإنَّها كثيراً ما يُؤْتَى بها لِمَا يُجهل به. وجَعْلُها عبارة عن الواضعة، أي:
والله تعالى أعلم بشأن أمِّ مريم حين تحسُّرِها وتحزُّنها من توهُّم خيبة رجاها، وأنها
ليست من الوَلْي إلى الله تعالى في شيء؛ إذ لها مرتبةٌ عُظمى، وتحريرها تحریرٌ
لا يوجد منه = ممَّا لا وجهَ له، وجزالةُ النظم تأباه.
وقرأ ابن عباس رضيّ: ((بما وَضَعْتِ))(١) على خطاب الله تعالى لها، والمرادُ به
تعظيمُ شأنِ الموضوع أيضاً، أي: إنَّك لا تعلَمِين قَدْرَ ما وَضَعْتِه، وما أَودَعَ اللهُ
تعالی فیه .
وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: ((بما وَضَعْتُ))(٢) على أنَّه من
كلامها، قالته اعتذاراً إلى الله تعالى حيث وضعَتْ مولوداً لا يصلُح للغرض، أو
تسليةً لنفْسها، أي: ولعلَّ للهِ تعالى في ذلك سرًّا وحكمةً، ولعلَّ هذه الأنثى خيرٌ من
الذَّكر، فالجملة حينئذٍ لنفي العلم لا للتجهيل؛ لأنَّ العبدَ ينظرُ إلى ظاهر الحال
ولا يقف على مافي خِلاله من الأسرار. وحملُ قراءةِ ابن عباس ﴿ًّا على هذا
المعنى، بجعل الخطاب منها لنفْسِها، في غاية البُعدِ. ووضع الظاهر موضعَ ضمير
المخاطب إظهاراً لغاية الإجلال.
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَلأُنْثِّى﴾ اعتراضٌ آخر مبيِّنٌ لِمَا اشتمل عليه الأول من التعظيم،
وليس بياناً لمنطوقه حتى يلحق بعطف البيان الممتنع فيه العطف.
واللام في ((الذَّكر)) و ((الأنثى)) للعهد؛ أمَّا التي في ((الأنثى)) فلِسَبْقِ ذِكْرها صريحاً
في قوله سبحانه حكاية: ﴿إِنَّ وَضَعْتُهَا أُنْثَ﴾، وأمَّا التي في ((الذَّكَر)) فلقولها: ﴿إِنّ
نَّذَرْتُ﴾ إلخ، إذ هو الذي طلبَته، والتحريرُ لا يكون إلا للذّكر. وسمِّي هذا: العهدَ
التقديريَّ، وهو غيرُ الذِّهني؛ لأنَّ قولها: ﴿مَا فِ بَطْنِ﴾ صالحٌ للصِّنْفَين، وقولها:
﴿مُحَرَّرًا﴾ تَمِنٌّ لأنْ يكون ذكراً، فأشير إلى ما في البَطن حَسْبَ رَجائها .
(١) القراءات الشاذة ص ٢٠.
(٢) التيسير ص ٨٧، والنشر ٢٣٩/٢.
٠

سُؤَدَةُ الْعَنْران
١٣٨
الآية : ٣٦
وجوِّز أن تكون الجملة من قولها، فيكون مرادُها نفيَ مماثلةِ الذَّكر للأنثى،
فاللَّام للجنس كما هو الظاهر؛ لأنه لم يقصد خصوص ذَكَرٍ وأنثى، بل إنَّ المراد أنَّ
هذا الجنس ليس كهذا الجنس.
وأُورد عليه: أنَّ قياس كون ذلك من قولها أن يكون: وليست الأنثى كالذَّكر،
فإن مقصودها تنقيصُ الأنثى بالنسبة إلى الذّكر، والعادةُ في مثله أن يُنْفى عن الناقص
شَبَهُه بالكامل لا العكس.
وأجيب: بأنه جارٍ على ما هو العادةُ في مثله أيضاً؛ لأنَّ مراد أمِّ مريم ليس
تفضيلَ الذَّكر على الأنثى، بل العكس، تعظيماً لعَطيَّة الله تعالى على مطلوبها، أي:
وليس الذَّكر الذي هو مطلوبي كالأنثى التي وهَبَها اللهُ تعالى لي، علماً منها بأنَّ
ما يَفْعله الرَّبُّ خيرٌ ممَّا يريده العبد. وفيه نظر:
أمَّا أولاً: فلأنَّ اللام في الذَّكر والأنثى على هذا يكون للعهد، وهو خلافُ
الظاهر الذي ذهبَ إليه أكثرُ المفسِّرين.
وأمَّا ثانياً: فلأنه يُنافي التحسُّر والتحزُّن المستَفَاد من قولها: (رَبِّ إِنِِّ وَضَْتُهَا
أُنْزَ)؛ فإنَّ تحزُّنها ذلك إنَّما هو لترجيحها الذَّكرَ على الأنثى، والمفهومُ من هذا
الجواب ترجيحُها الأنثى على الذَّكر. اللهمَّ إلا أنْ يُحمل قولُها ذلك على تَسلية
نفْسِها بعدَما تحزَّنت على هِبة الأنثى بدلَ الذَّكر الذي كانت طلَبَته، إلا أنه تبقى
مخالفةُ الظاهر على ما هي.
فالأَوْلى في الجواب عدمُ الخروجِ عمَّا هو الظاهر، والبحثِ فيما اقتضته
العادةُ، فقد قال في (الانتصاف)) بعد نقلِ الإيراد وذِكْرِ القاعدة(١): وقد وجدتُ
الأمرَ في ذلك مختلفاً، فلم يَثْبُتْ لي تَعيُّنُ ما قالوه، ألا ترى إلى قوله تعالى:
﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ اُلِسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] فنَفَى عن الكامل شَبَهَ الناقص، لأنَّ
الكمال لأزواج النبيِّ وَّ ثابتٌ بالنسبة إلى عموم النساء، وعلى ذلك جاءت عبارةٌ
امرأة عمران، ومنه أيضاً: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقٌ﴾ [النحل: ١٧]. انتهى.
(١) يعني بعد ذكر ما سلف من القول بجواز أن تكون الجملة من قولها، ثم الإيراد عليه أن
قياس كون ذلك من قولها أن يكون: وليست الأنثى كالذكر ... لا العكس. الانتصاف على
هامش الکشاف ٤٢٥/١-٤٢٦.

الآية : ٣٦
١٣٩
سُورَةُ العَقْرَانَ
وتمامُ الكلام في هذا المقام ما ذَكَره بعضُ المحقّقين(١): إنه إذا دخل نفيٍّ
بـ ((لا)) أو غيرها، أو ما في معناه، على تشبيهٍ مصرَّح بأركانه، أو ببعضها، احتمَلَ
معنيين: تفضيلَ المشبّه، بأن يكون المعنى أنه لا يُشْبَّه بكذا؛ لأنَّ وجهَ الشَّبه فيه
أولى وأقوى، كقولك: ليس زيدٌ كحاتم في الجود. ويحتمل عکسَه بأن يكون
المعنى أنَّه لا يُشبَّه به لبعد المسافة بينهما، كقول العرب: ماءٌ ولا كصَدَّاء، ومَرْعًى
ولا كالسَّعدانِ، وفتى ولا كمالِك(٢)، وقوله:
طَرَقِ الخَيَالُ ولا کَلَيْلَة مُذْلِج(٣)
ووقع في شروح المَقَّامات(٤) وغيرها، أن العرب لم تستعمل النفي بـ ((لا)) على
هذا الوجه، إلا للمعنى الثاني، وأن استعماله لتفضيل المشبّه من كلام المولَّدين،
حتى اعترضوا على قول الحريري في قوله: غدوت ولا اغتداء الغراب(٥).
وعِيْبَ قولُ صاحب ((التلويح)) في خُطبته: نال حظًا من الاشْتهار ولا اشتهارَ
الشمسِ نِصفَ الثَّهار. ومَبْنَى الاعتراض على هذا، ولعلَّه ليس بلازم كما أشار إليه
صاحب ((الانتصاف)) بما أَوْرَدَ من الآيات(٦). وممَّا أَورده الثعالبيُّ من خلافه أيضاً
في كتابه ((المنتخب)): فلانٌ حَسَنٌ ولا القمر، وجَوَادٌ ولا المطر، على أنه لو سلِّم
(١) هو الشهاب في حاشيته ٢٢/٣.
(٢) تنظر هذه الأمثال في المستقصى ١٨٠/٢ و٣٣٩ و٣٤٤، ومجمع الأمثال ٧٨/٢
و٢٧٥ و٢٧٧، والكامل ١٤/١-١٥. ومالك هو ابن نويرة، وتقدم شرح المثلين الأولين.
وقال المبرد عن هذه الأمثال: تضرب للشيء الذي فيه فضل، وغيره أفضل منه.
(٣) وعجزه: سَدِكاً بأَرْحُلِنا وَلَمْ يَتَعرَّج، والبيت للحارث بن حلزة اليَشْكُري، كما في
المفضليات ص٢٥٥، وأمالي القالي ٢٠٥/١، والتاج (سدك) و(رحل). المدلج: الذي
أسرى الليل كله. ولم يتعرج: لم يأخذ يمنة ولا يسرة. والسَّدِك: المولع بالشيء. سمط
اللآلي ١/ ٤٩١، والتاج (سدك).
(٤) ينظر شرح مقامات الحريري للشريشي ٨٥/١، والكلام من حاشية الشهاب ٢٢/٣.
(٥) وتمام الجملة: غدوت قبل استقلال الركاب، ولا اغتداءَ الغراب، أراد أن اغتداءه كان قبل
أن يغتدي الغراب، والغراب أكثر الطيور بكوراً. واستقلال الركاب: ارتحالها. ينظر
مقامات الحريري ص٣٩، وشرحها للشريشي ١/ ٨٥.
(٦) سلف قوله قريباً .

سُورَةُ الْ عُقْرَانَ
١٤٠
الآية : ٣٦
ما ذَكَروه فالمعاني لا حجْرَ فيها، على أنَّ ما ورَد في النفي بـ ((لا)) المعترِضة بين
الطّرفين، لا في كلِّ نفي، انتهى(١).
وهو كما قال(٢): من نفائس المعاني التي ينبغي حفظُها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ عطفٌ على (إِ وَضَعْتُهَا أُنْتَ) المنصوبةِ
المحلِّ على المفعولية للقول، وما بينهما - كما علمتَ - اعتراضٌ بجملتين غيرٍ
محكيَّتين، الثانيةُ من تتمة الأولى معنًى على ما بُيِّن، ولهذا أجراه البعضُ مجرى
الاعتراض في الاعتراض، فجَعَله نظيرَ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ
عَظِيمُ﴾ [الواقعة: ٧٦].
واعترُض: بأنه كيف يَجوزُ الاعتراضُ بين كلامَي أُمِّ مريم، وكلامُ متكلِّم
لا يجوز أن يكون معترضاً بين كلامي متكلِّم آخر؟
وأجيب: بأنَّ كلام أمِّ مريم من كلام الله تعالى نقلاً عن أمِّ مريم، ولا بُعْدَ في
أن يكون كلامُه تعالى اعتراضاً بين كلامَيْها اللذين هما من كلام الله تعالى
نقلاً عنها، هذا على تقديرٍ أنْ لا تكون تانِكَ الجملتان من كلام أمِّ مريم، وأمَّا إذا
كانتا من كلامها بناءً على ما سبق من القراءة والاحتمال، فلا اعتراض.
قيل: والغَرَض من عَرْض التَّسمية على علام الغيوب التقرُّبُ إليه تعالى،
واستدعاءُ العِضْمة لها؛ فإن ((مريم)) في لغتهم بمعنى العابدة.
ولا يَخْفَى بعدُه؛ إذ مجرَّدُ ذِكْرٍ تسميتها مريم لا يكاد يكون مقرِّباً لها إليه تعالى؛
لأنَّ التقرُّبَ إليه تعالى إنَّما يكون بسبب العبادة، ومجرَّدُ عرْضِ التسميةِ ليس بعبادة،
فكيف يكون مقرِّباً؟ اللهم إلَّا أنْ يقال: إنَّ التقُّب إلى الله تعالى بحبِّها للعبادة الذي
أَشْعَر به تسميتُها بنتها عابدةً، أو: اعتقادِ أنَّ الله تعالى مُسْتَعَاذٌ يجير مَن يَستعيذُ به
عمَّا يخافه.
واعتُرض بأن هذا لا يدفع الشبهةَ، بل هي باقيةٌ أيضاً؛ لأن المقرِّب حينئذٍ ما في
القلب من الحُبِّ والاعتقاد، لا عَرْضُ ذلك على مَن لا تخفى عليه خافية.
(١) حاشية الشهاب ٣/ ٢٢.
(٢) يعني الشهاب.