Indexed OCR Text
Pages 61-80
الآية : ١٤ ٦١ سُورَةُ آلِ ◌ّعْرَانَ ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ في محلِّ النصب على الحال من ((الشهوات))، وهي مفسِّرة لها في المعنى، وقيل: ((من)) لبيان الجنس. وقدّم النساء لعراقتهن في معنى الشهوة، وهنَّ حبائل الشيطان، وقد روي عنه وَّ أنه قال: ((ما تَرَكتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء)»(١). ويقال: فيهن فتنتان: قطعُ الرَّحم، وجمعُ المال من الحلال والحرام. وثنَّى بالبنين لأنهم من ثَمَرات النساء في الفتن، وقد روي عنه وَ لّ أنه قال: ((الولد مبخلة مجبنة))(٢). ويقال: فيهم فتنةٌ واحدة وهي جمع المال. ولم يتعرَّض لذكر البنات لعدم الاطّراد في حبِّهن، وقيل: إن ((البنين)) تشملهن على سبيل التغليب. ﴿وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنطِرَةِ﴾ جمع قنطار، وهو: المال الكثير، كما أخرجه ابن جرير عن الضحاك(٣). وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((القنطارُ اثنا عَشَرَ ألفَ أُوقِيَّة)»(٤). وأخرج الحاكم عن أنس قال: سئل رسول الله وَلّر عن ذلك، فقال: ((القنطار ألف أوقية))(٥) وفي رواية ابن أبي حاتم عنه: ((القنطار ألف دينار))(٦). وأخرج ابن جرير عن أبيٍّ بن كعب قال: قال رسول الله وَليون: ((القنطار ألف أوقية ومتتا دینار))(٧) . (١) أخرجه أحمد (٢١٧٤٦)، والبخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠)، من حديث أسامة بن زيد (٢) أخرجه أحمد (١٧٥٦٢)، وابن ماجه (٣٦٦٦) من حديث يعلى العامري تظ له. (٣) تفسير الطبري ٢٦٠/٥. (٤) مسند أحمد (٨٧٥٨)، وهو حديث مضطرب سنداً ومتناً، وينظر الكلام عليه في علل الدارقطني ١٦٩/٨ وحاشية المسند. (٥) المستدرك ١٧٨/٢، وفيه: ألفا أوقية، وكذا ذكره المناوي في فيض القدير ٥٤٠/٤ وقال: قال الحاكم: على شرطهما، ورده الذهبي بأنه خبر منكر. (٦) تفسير ابن أبي حاتم ٦٠٨/٢. (٧) كذا في الأصل و(م)، والذي في تفسير الطبري ٢٥٥/٥: (( ... ومئتا أوقية)) وكذا نقله عنه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠ . سُؤَدَقُ الغَتْمَان ٦٢ الآية : ١٤ وعن معاذ: ألف ومئتا أوقية. وعن ابن عباس : اثنا عشر ألف درهم، أو ألف(١) دينار. وفي رواية أخرى عنه: ألف ومئتا دينار، ومن الفضة ألف ومئتا مثقال. وعن أبي سعيد الخدري: ملءُ جلدِ الثَّور ذهباً. وعن مجاهد: سبعون ألف دينار. وعن ابن المسيّب: ثمانون ألفاً. وعن أبي صالح: مئة رطل. وعن قتادة قال: كنّا نحدَّث أن القنطار مئة رطلٍ من الذهب، أو ثمانون ألفاً من الورق. وعن أبي جعفر: خمسةً عَشَرَ ألفَ مثقال، والمثقالُ أربعةٌ وعشرون قيراطاً . وقيل: القنطار عند العرب وزنٌ لا يُحدُّ. وقيل: ما بين السماء والأرض من مال. وقيل(٢) غير ذلك. ولعلَّ الأولى - كما قيل - ما روي عن الضحاك، ويحملُ التنصيص على المقدار المعيّن في هذه الأقوال على التمثيل لا التخصيص، والكثرة تختلف بحسب الاعتبارات والإضافات. واختلف في وزنه فقيل: فعلال، وقيل: فنعال(٣)، فالنون على الأول أصلية وعلى الثاني زائدة، ولفظ ((المقنطرة)) مأخوذٌ منه، ومن عادة العرب أن يَصِفوا الشيء بما يُشتق منه للمبالغة كـ ((ظل ظليل)) وهو كثير في وزن فاعل، ويَرِدُ في المفعول كـ ﴿حِجْرًا تَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] و﴿نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. وقيل: المقنطرة: المضغَّفة، وخصَّها بعضُهم بتسعة قناطير. وقيل: المقنطرةُ المحكمة المحصَّنة، مِن قنطرتُ الشيء: إذا عقدتَه وأحكمتَه. وقيل: المضروبة دنانيرَ أو دراهم. وقيل: المنضَّدة التي بعضُها فوق بعضٍ. وقيل: المدفونة المكنوزة. ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ﴾ بيانٌ للقناطير، وهو موضع الحال منها. والذهب (١) في الأصل و(م): وألف، بدل: أو ألف، والمثبت من تفسير الطبري ٥/ ٢٥٥، وكذا أخرجه البيهقي ٢٣٣/٧. (٢) قوله: قيل، ليس في (م). (٣) في الأصل: فعنلال، وفي (م): فعنلان، وكلاهما تصحيف، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في الدر المصون ٥٨/٣، وتفسير أبي السعود ١٥/٢ . الآية : ١٤ ٦٣ سُورَةُ الْعَنْران مؤنَّثٌ؛ يقال: هي الذهب الحمراء، ولذلك يصغّر على ذُهَيْبة. وقال الفرَّاء: وربما ذكِّر(١). ويقال في جمعه: أَذْهاب وذُهوب وذهبان. وقيل: إنه جمع على المعنى لذَهَبة، واشتقاقه من الذَّهاب. والفضة تُجْمَعُ على فِضَض، واشتقاقه من انفضَّ الشيءُ: إذا تفرَّق. و﴿الْخَيْلِ﴾ عطف على ((النساء)) أو ((القناطير)) لا على «الذهب والفضة))؛ لأنها لا تسمَّى قنطاراً، وواحدُه: خائل، وهو مشتقٌّ من الخُيلاء، مثل: طائر وطير. وقال قوم: لا واحدَ له من لفظه، بل هو اسمُ جمعٍ واحده: فرس، ولفظهُ لفظُ المصدر. وجوِّز أن يكون مخفَّفاً من خَيِّل(٢). ﴿اَلْمُسَوَّمَةِ﴾ أي: الراعية؛ قاله ابن عباس رًِّا في إحدى الرِّوايات عنه، فهي من سوَّم ماشيتَه: إذا أَرسلها في المرعى. أو المُطهَّمة (٣) الحِسان؛ قاله مجاهد، فهي من السيما بمعنى الحُسن. أو المُعلمة ذات الغُرَّة والتحجيلٍ؛ قاله عكرمة، فهي من السِّمة أو السُّومة بمعنى العَلامة. ﴿وَاُلْأَنْعَمِ﴾ أي: الإبل والبقر والغنم، وسمِّيت بذلك لنعومة مَشْيِها ولِينه، والنَّعَمُ مختصَّةٌ بالإبل. ﴿ وَاَلْعَرْثِ﴾ مصدر بمعنى المفعول، أي: المزروع، سواءٌ كان حبوباً أم بقلاً أم ثمراً . ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما زُيِّن لهم من المذكور، ولهذا ذكِّر وأُفرِد اسم الإشارة، ویصُ أن يكون ((ذلك)) لتذكير الخبر وإفراده، وهو: ﴿مَتَعُ الْحَيَوِ الذُّنْيَا﴾ أي: ما يُتمتَّع به أياماً قلائل ثم یزول عن صاحبه. (١) المذكر والمؤنث للفراء ص ١٩. (٢) نحو مَيْت في ميِّت، وهَيْن في هَيِّن. قال السمين في الدر المصون ٥٩/٣: وفيه نظر؛ لأن كل ما سمع فيه التخفيف سمع فيه التثقيل، وهذا لم يسمع إلا مخفَّفاً. (٣) المطهّم: التام من كل شيء، والبارع الجمال. القاموس (طهم). سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ ٦٤ الآية : ١٥ ﴾﴾ أي: المرجع الحَسَن، فالمآب مَفْعَل مِن آب ﴿وَلَّهُ عِنْدَهُ حُسْبُ الْمَئَابِ يؤوب، أي: رجع، وأصلُه: مَأْوَب، فتُقلت حركة الواو إلى الهمزة السَّاكنة قبلها ثم قُلبت ألفاً، وهو اسمُ مصدرٍ، ويقع اسم مكان وزمان، والمصدر: أَوْبٌ وإياب. أخرج ابن جرير(١) عن السُّدِّيِّ أنه قال: ﴿حُسْنُ الْمَشَابِ﴾: حُسنُ المنْقَلَب وهي لجَنَّهُ. وفي تكرير الإسناد إلى الاسم الجليل زيادةُ تأكيد وتفخيم، ومزيدُ اعتناءٍ بالترغيب فيما عندَ الله تعالى من النعيم المقيم، والتزهيد في ملاذٌ الدنيا السَّريعة الزوال. ومن غريب ما استُنبط من الآية - كما قال أبو حيان - وجوبُ الزكاة في الخيل السائمة لذكرها مع ما تجب فيه الصدقةُ أو النفقة، والثاني النساء والبنون(٢). ولا يخفى ما فيه. ﴿قُلْ أَوْنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ تقريرٌ وتثبيتٌ لِمَا فُهم مما قَبْلُ من أن ثوابَ الله تعالى خيرٌ من مستلَذَّات الدنيا، والمراد من الإنباء: الإخبارُ. و((ذلكم)) إشارة إلى المذكورِ من النساء وما معه. والقرَّاءُ فيما إذا اجتمع همزتان أولاهما مفتوحة والثانية مضمومة كما هنا وكما في سورة ص: ﴿أَمُنزِلَ﴾ [الآية: ٨] وسورة القمر: ﴿أَلْفِىَ﴾ [الآية: ٢٥] على خمس مراتب : إحداها: مرتبة قالون، وهي تسهيل الثانيةِ بينَ بينٍ، وإدخالُ ألفٍ بين الهمزتين (٣) . الثانية: مرتبة ورش وابن كثير، وهي تسهيل الثانية أيضاً بينَ بين من غير إدخالٍ ألفٍ بينهما . الثالثة: مرتبة الكوفيين وابن ذكوان عن ابن عامر، وهي تحقيق الثانية من غيرٍ إدخالٍ ألفٍ. (١) في التفسير ٢٦٧/٥. (٢) يعني: النساء والبنون فيهم النفقة، وباقيها فيها الصدقة. البحر ٣٩٨/٢. (٣) التيسير ص٣٢، والنشر ٣٧٤/١ -٣٧٥، وهي قراءة أبي جعفر. الآية : ١٥ ٦٥ سُورَةُ الَ ◌ّعَبْرَانَ الرابعة: مرتبة هشام وهي أنه روي عنه ثلاثة أوجه؛ الأول: التحقيق وعدمُ إدخال ألفٍ بين الهمزتين. الوجه الثاني: التحقيقُ وإدخال ألفٍ بينهما في السُّور الثلاث. الوجه الثالث: التفرقة بين السور، فيحقِّق ويَقْصُر هنا، ويمدُّ في الأخيرتين. الخامسة: مرتبة أبي عمرو، وهي تسهيل الثانية مع إدخالِ الألف وعدمه(١). والظرف الأول متعلِّق بالفعل قبله، والثاني متعلِّق بأَفْعَل التفضيل، ولا يجوز أن يكون صفةً كما قال أبو البقاء(٢)؛ لأنه يوجب أن تكون الجنةُ وما فيها - مما رغبوا فيه - بعضاً لما زهِدوا عنه من الأموال ونحوها. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَنَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنٌَّ﴾ استئنافٌ مبيِّن لذلك الخير المبهم، على أن ((للذين)) خبرٌ مقدَّم، ((وجنَّاتٌ)) مبتدأ مؤخّر، و((عند ربِّهم)) يحتمل وجهين: كونه ظرفاً للاستقرار، وكونه صفة للجنات في الأصل قدِّم فانتصب حالاً منها . وفي ذكر ذلك إشارة إلى علوِّ رتبة الجنات ورفعةٍ شأنها. وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المثَّقين إيذانٌ بمزيد اللطف بهم، والمرادُ منهم المتبتِّلون إليه تعالى، المعرِضون عمَّن سواه، كما ينبئ عن ذلك الأوصافُ الآتية. وتعليقُ حصول الجنات وما يأتي بعدُ بهذا العنوان؛ للترغيب في تحصيله والثبات عليه. وجوِّز أن تكون اللام متعلِّقة بـ ((خير)) أيضاً، أو بمحذوف صفة له، و((جنَّاتٌ)) حينئذٍ خبرٌ لمحذوف، أي: هي جناتٌ، والجملة مبيِّنة لـ ((خير)). و((عند ربهم)) حينئذٍ إمّا أن يتعلَّق بالفعل على معنى: ثبَتَ تقواهم عنده، شهادةً لهم بالإخلاص. وجاز أن يُجعل خبراً مقدَّماً، فلا يُحتاج إلى حذف المبتدأ . واعتُرض بأنه يقال: عند الله تعالى الثوابُ، ولا يقال: عند الله تعالى الجَنَّةُ، وبذلك يصرِّح كلامُ السَّعد وغيره، وفي النفس منه شيء. وقرئ: ((جنَّاتٍ)) بكسر التاء(٣)، وفيه وجهان: أحدهما أنه مجرورٌ على البدلية من لفظ ((خير))، وثانيهما أنه منصوب على إضمار ((أعني)) مثلاً، أو البدلية من محلِّ ((بخير)). (١) تنظر هذه القراءات في التيسير ص ٣٢، والنشر ٣٧٤/١-٣٧٦. (٢) في الإملاء ٢/ ٤٠، ويعني بالظرف الأول: ((بخير))، وبالثاني: ((من ذلكم)). (٣) القراءات الشاذة ص١٩. سُورَةُ الْعَنْزَانَ ٦٦ الآية : ١٥ ﴿َّجْرِى﴾ في محلِّ الرفع أو النصب أو الجرِّ صفةٌ لـ ((جنَّات)) على القراءتين ﴿مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ تقدَّم ما فيه ﴿خَلِينَ فِهَا﴾ حال مقدَّرة من المستكنُّ في (لَّذين)) والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، وجوَّز أبو البقاء كونه حالاً من الهاء في ((تحتها))، أو من الضمير في ((اتقوا))(١)، ولا يخفى ما فيه. ﴿وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: منزَّهة مما يُسْتَقْذَرُ من النساء خَلْقَاً وخُلُقاً، والعطف على ((جنَّاتٌ)) على قراءة الرفع، وأمَّا على قراءة النصب فلا بدَّ من تقدير ((لهم)) في الكلام. ﴿وَرِضْوٌَ﴾ أي: رضّى عظيمٌ، على ما يُشعِرُ به التنوين، وقرأه عاصم بضم الراء، وهما لغتان وقراءتان سبعيتان في جميع القرآن، إلا في قوله تعالى: ﴿مَنٍ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] فإنه بالكسر بالاتفاق(٢). وقيل: المكسور اسم والمضموم مصدرٌ، وهو قولٌ لاثبَتَ له. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ((رضوان)) مؤكِّدةٌ لِمَا أفاده التنوين من الفَخَامة ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ) بْعِبَادِ ﴾﴾ أي: خبير بهم وبأحوالهم وأفعالهِم، فيثيب المحسنَ فضلاً ويعاقبُ المسيء عدلاً، أو: خبيرٌ بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعدَّ لهم ما أعدَّ. فالعبادُ على الأول عامٌ، وعلى الثاني خاصٌ. وقد بدأ سبحانه في هذه الآية أولاً بذكر المَقَرِّ، وهو الجنات، ثم ثنّى بذکر ما يحصل به الأُنْسُ التامُّ، وهو الأزواج المطهّرة، ثم ثلَّث بذكرٍ ما هو الإكْسيرُ الأعظم، والروحُ لفؤاد الوالِهِ المغْرَم، وهو رضا اللهِ عزَّ وجلَّ. وفي الحديث أنه سبحانه يسأل أهل الجنة: ((هل رضَيتم؟ فيقولون: مالنا لانَرضى ياربّ وقد أعطيتَنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك؟ فيقول جلَّ شأنُه: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك؟ فيقولون: ياربّ، وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أَسْخَطُ عليكم أبداً))(٣). (١) الإملاء ٢/ ٤٢، وينظر الدر المصون ٦٧/٣ - ٦٨. (٢) التيسير ص٨٦، والنشر ٢٣٨/٢، وقراءة عاصم المذكورة هي من رواية شعبة عنه. (٣) أخرجه أحمد (١١٨٣٥)، والبخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩) من حديث أبي سعيد الخدري الآية : ١٦ و ١٧ ٦٧ سُورَةُ الْ عُقْرَانَ ﴿اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَآ ءَامَنًا﴾ يجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبرٌ المحذوف، كأنه قيل: مَن أولئك المتقون؟ فقيل: هم الذين إلخ، وأن يكون في موضع نصب على المدح، وأن يكون في حَيّز الجرِّ على أنه تابعٌ لـ ((الذين اتقوا)) نعتاً أو بدلاً، أو ((العباد)» كذلك. واعتُرض كونه نعتاً للعباد، بأن فيه تخصيصَ الإبصار ببعض العِباد، وفيه أن ذلك التخصيصَ لا يوهم الاختصاصَ لظهور الأمر، بل يفيد الاهتمامَ بشأنهم ورِفعة مکانھم. واعتُرض أيضاً كونه تابعاً للمتقين بأنه بعيدٌ جدًّا، لا سِيَّما إذا جُعل اللام متعلِّقاً بـ ((خير))؛ لكثرة الفواصل بين التابع والمتبوع. وأجيب بأنه لا بأس بهذا الفصل كما لا بأس بالفصل بين الممدوح والمدح؛ إذ الصِّفة المادحة المقطوعة تابعةٌ في المعنى، ولهذا يلزم حذفُ الناصب أو المبتدأ لئلا يخرج الكلام عن صورة التبعية، فالفرق بين هذه وسائر التوابع - في قبح الفصل وعدمهِ - خفيٌّ لا بدَّ له من دليل نبيل. وفيه أن قياس التبعية لفظاً ومعنّى فقط مما لا ينبغي من جاهل فضلاً عن عالم فاضل، والتزام حذف الناصب أو المبتدأ في صورة القطع للمدح أو للذمِّ قد يقال: إنه لدفع توقُّم الإخبار ولمقصود الإنشاء، لا لئلا يخرجَ الكلام عن صورة التبعية. وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشئ مِن وفُور الرغبة وكمالِ النشاط. وفي ترتيبٍ طلبِ المغفرة في قوله تعالى: ﴿فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾﴾ على مجرَّد الإيمان دليلٌ على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار، من غير توقُّفٍ على الطاعات، والمرادُ من الذنوب الكبائرُ والصغائر. ﴿الضَبِينَ﴾ يجوز أن يكون مجروراً وأن يكون منصوباً صفة لـ ((الذين)) إن جعلته في موضع جرِّ أو نصب، وإذا جعلته في محلِّ رفع كان هذا منصوباً على المدح. والمرادُ بالصبر: الصبرُ على طاعة الله تعالى، والصبرُ عن محارمه؛ قاله قتادة. وحذفُ المتعلِّق يشعرُ بالعموم، فيشملُ الصبرَ على البأساء والضرَّاء وحين البأس. ﴿وَالصَّدِقِينَ﴾ في نيَّاتهم وأقوالهم سرّاً وعلانية، وهو المروي عن قتادة أيضاً. سُورَةُ العمران ٦٨ الآية : ١٧ ﴿وَالْقَنِتِينَ﴾ أي: المطيعين؛ قاله ابن جبير. أو المداومين على الطاعة والعبادة؛ قاله الزَّجَّاج(١). أو القائمين بالواجبات؛ قاله القاضي. ﴿وَالْمُنَّفِقِينَ﴾ من أموالهم في حقِّ الله تعالى؛ قاله ابن جبير أيضاً. ﴿وَأُْسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ قال مجاهد والكلبي وغيرهما: أي: المصلِّين بالأسحار. وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: هم الذين يشهدون صلاة الصبح (٢). وأخرج ابن جرير عن ابن عمر أنه كان يحيي الليل صلاةً ثم يقول: يا نافعُ، أُسْحَرْنا؟ فيقول: لا. فَيُعَاوِدُ الصلاةَ، فإذا قال: نعم. قَعَدَ يستغفرُ اللهَ تعالى ويدعو حتى يصبح(٣). وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك قال: أمرَنارسولُ اللهِ وَّر أن نستغفرَ بالأسحار سبعين استغفارة (٤). وروى الرِّضا، عن أبيه، عن أبي عبد الله: أنَّ مَن استغفَرَ اللهَ تعالى في وقت السَّحَرِ سبعين مرَّة فهو من أهل هذه الآية. والباء في ((بالأسحار)) بمعنى ((في))، وهي جمع سَحَر بفتح الحاء المهملة وسكونها، سمِّيت أواخرُ الليالي بذلك لِمَا فيها من الخَفَاء، كالسِّحر: للشيء الخفي. وقال بعضهم: السَّحَر من ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر. وتخصيصُ الأسحار بالاستغفار لأنَّ الدعاء فيها أقربُ إلى الإجابة؛ إذ العبادةُ حينئذٍ أشقُّ، والنفْسُ أصفى، والرَّوْعُ أجمعُ، وفي الصحيح أنه تعالى وتنزَّه عن سِماتٍ الحدوث: ((ينزِل إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فيقول: من يَدْعوني فَأَسْتَجیبَ له، مَن يسألُنِي فَأُعْطِيَه، مَن يستغفرني فأَغْفِرَ له، فلا يزال كذلك حتى يطلعَ الفجرُ))(٥). (١) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٣٨٥/١. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٤٩٨/١٣، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٧٥/٥. (٣) تفسير الطبري ٢٧٤/٥ . (٤) الدر المنثور ١١/٢-١٢، وهو في تفسير الطبري ٢٧٥/٥ بلفظ: أُمرنا أن نستغفر ... (٥) صحيح البخاري (١١٤٥)، وصحيح مسلم (٧٥٨)، وهو عند أحمد (٩٤٣٦)، وهو من حديث أبي هريرة له، وسلفت قطعة منه ٣٢٦/١. التفسير الإشاري (١٣-١٧) ٦٩ سُورَةُ العُمْرَانَ وأخرج ابن جرير وأحمد عن سعيد الجريري قال: بَلَغَنا أنَّ داودَ عليه الصلاة والسلام سأل جبريل عليه السلام، فقال: يا جبريل، أيُّ الليل أفضلُ؟ قال: يا داود ما أدري سِوى أنَّ العرش يهتزُّ في السَّحَرِ (١). وتوسيط(٢) الواو بين هذه الصِّفات المذكورة إمَّا لأن الموصوف بها متعدِّد، وإما للدلالة على استقلال كلٍّ منها وكمالهِم فيها، وقول أبي حيَّان(٣): لا نعلم أنَّ العطف في الصفة بالواو يدلُّ على الكمال، ردَّه الحلبيُّ(٤) بأن علماء البيان علِمُوه، وَهُمْ هم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ يا معشر السَّالكين إلى مقصد الكلِّ ﴿ءَايَةٌ﴾ دالَّةً على كمالِكم وبلوغكم إلى ذروة التوحيد ﴿فِى فِئَتَيْنِ الْتَقَتَّ﴾ للحربِ: ﴿فِئَةٌ﴾ منهما، وهي فئةُ القوى الرُّوحانية التي هي جندُ اللهِ تعالى ﴿تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وطريقِ الوصول إليه. ﴿وَأُخْرَى﴾ منهما، وهي جنود النفس وأعوانُ الشيطان ﴿كَافِرَةٌ﴾ ساتِرةٌ للحقِّ، محجوبةٌ عن حَظائرِ الصِّدق، ترى الفئةُ الأخيرة الفئةَ الأولى لحَوّل عينٍ بصيرتها ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ عند الالتقاء في معركة البدَن، رؤيةً مكشوفةً ظاهرة لاخفاءَ فيها مثلَ رؤيةِ العين، وذلك لتأييد الفئة المؤمنة بالأنوار الإلهية والإشراقات الجَبَروتية، وخذلانِ الفئة الكافرة بما استولَى عليها من تَرَاكُمِ ظلمات الطبيعة، وذلِّ البُعدِ عن الحضرة. ﴿وَلَهُ﴾ تعالى ﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ تأييدَه لقَبولِ استعداده لذلك ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ التأييد ﴿لَعِبْرَةٌ﴾ أي: اعتباراً أو أمراً يُعتَبَرُ به في الوصول إلى حيثُ المأمول للمستبصرين الفاتحين أعينَ بصائرِهم لمشاهدة الأنوار الأزَلية في آفاق المظاهر الإلهية. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ﴾ بسبب ما فيهم من العالَم السُّفلي، والغشاوة الطبيعية، والغَوَاشي البَدَنية ﴿مِّنَ النِّسَلِّ﴾ وهي النفوس ﴿وَالْبَنِينَ﴾ وهي الخَيَالات (١) الزهد لأحمد ص٨٩، ولم نقف عليه عند الطبري، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٢٠٠/١٣. (٢) في الأصل: توسط. (٣) في البحر ٢/ ٤٠٠. (٤) في الدر المصون ٧١/٣. سُورَةُ الَّعْمَانَ ٧٠ التفسير الإشاري (١٣ -١٧) المتولِّدة منها، الناشئةُ عنها ﴿وَالْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ وهي العلوم المتداوَلة وغيرُ المتداولة، أو الأصول والفروع ﴿وَالْغَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ وهي مراكبُ الهوى وأفراسُ اللهوِ ﴿وَالْأَنْعِ﴾ وهي رواحلُ جمعِ الحطام، وأسبابُ جلبٍ المنافعِ الدنيوية ﴿وَالْعَرْثُ﴾ وهو زرعُ الحِرْصِ وطولِ الأمل ﴿ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوْةِ الدُّنيّا﴾َ الزائلُ عمَّا قليل بالرجوع إلى المبدأ الأصلي والموطن القديم. ولك أن تبقي هذه المذكورات على ظواهرها، فإن النفوس المنغمسةَ في أَوْحَالٍ الطبيعية لها ميلٌ كلِّي إلى ذلك أيضاً. ﴿قُلْ أَوْنَبِّئُكُم بِغَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ المذكور ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ﴾ النظرَ إلى الأغيار ﴿ٌَّ﴾ جنةُ يقين، وجنةُ مكاشفة، وجنة مشاهَدةٍ، وجنةُ رِضِى، وجنةٌ لا أقولها، وهي التي فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خَطَرَ على قلبٍ بشر، وليس في تلك الجنة عند العارفين إلا الله عزَّ وجلَّ ﴿تَجْرِى مِن تَحْنَا﴾ أنهارُ التجلِّيات المُتْرَعةُ بماء الغيوب ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ ببقائهم بعدَ فنائهم ﴿وَأَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ﴾ وهي الأرواح المقدَّسةُ عن أدناس الطبيعة، المقصورةُ في خيام الصِّفات الإلهية ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لا يُقدر قدْرُه. ﴿وَللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ في تقلُّب أرواحِهم في عالم الملكوت محترقاتٍ من سطوات أنوار الجبروت؛ حُبّاً لجِواره وشوقاً إلى لقائه، يجازيها بقَدْرٍ هُمومها في طلب وجهه الأزلي وجَمَاله الأبدي. ﴿اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَيَّنَا إِنَّنَاَ ءَامَنَا﴾ بأنوار أفعالِك وصفاتك ﴿فَأَغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبَ وجوداتنا بذاتك ﴿وَقِنَا عَذَابَ﴾ نارِ الحِرمان ووجودِ البقيّة. ﴿الصََّبِينَ﴾ على مَضَضِ المجاهدة والرِّياضة ﴿وَالضَدِّقِينَ﴾ في المحبَّة والإرادة ﴿وَاَلْقَنِئِينَ﴾ في السُّلوك إليه ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ ما عدَاه فيه ﴿وَالْمُسْتَغْفِنَ﴾ من ذنوبٍ تلوُّناتِهم وتَعُّنَاتهم في أسحَارِ التجلِيات. ويقال: ﴿الصَّبِينَ﴾ الذين صبروا على الطّلب، ولم يحتشموا من التعب، وهجروا كلَّ راحةٍ وطَرَب، فصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى وصلوا إلى المولى، ولم يقطعهم شيءٌ من الدنيا والعُقْبَى ﴿وَالصَّدِقِينَ﴾ الذين صَدَقوا في ٠ الآية : ١٨ ٧١ سُورَةُ الْعَنْران الطلب فوَردوا، ثم صَدَقوا فشهِدوا، ثم صَدَقوا فوجدوا، ثم صدقوا ففُقِدوا، فحالُهم قصدٌ، ثم وُرود، ثم شهود، ثم وُجود، ثم خمود ﴿ وَالْقَلِنِينَ﴾ الذين لازموا البابَ، وداوموا على تجرُّع الاكتئاب وتركِ المحَابِّ، إلى أنْ تحقَّقوا بالاقتراب ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال، ثم جادوا بميسُورهم من الأموال، ثم جادوا بقُلوبهم لصدق الأحوال، ثم جادوا بكلِّ حظّ في العاجل والآجل، استهلاكاً في أنوار الوصال ﴿وَالْمُسْتَغْفِينَ﴾ هم الذين يستغفرون عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصَّحو وقتَ نزول الربِّ إلى السماء الدنيا، وإشراقٍ أنوار جَمالِه على آفاق النَّفْس، ونِدائه: هل من سائلٍ، هل مِن مستغفرٍ، هل من کذا، هل من کذا . ثم لمَّا مدَح سبحانه أحبابَه أربابَ الدِّين، وذَمَّ أعداءَه الكافرين، عقَّب ذلك ببيان الدِّين الحقِّ والعُروةِ الوثقى على أتمٍّ وجهٍ وآكدِه، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ، لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال الكلبي: لمَّا ظَهَر رسولُ اللهِ وَّهِ بالمدينة، قدم عليه حَبْرَان من أحبار أهلِ الشام، فلمَّا أبصرا المدينةَ قال أحدُهما لصاحبه: ما أشبهَ هذه المدينة بصفة مدينة النبيِّ - 18 - الذي يَخرج في آخر الزمان! فلمَّا دخَلَا على رسولِ اللهِ وَ﴿ عَرَفاه بالصِّفة والنَّعْتِ، فقالا له: أنتَ محمدٌ؟ قال: ((نعم)) قالا: أنت أحمد؟ قال: ((نعم)) قالا: إنا نَسألُك عن شهادةٍ، فإنْ أنت أخبرتنا بها آمنًّا بك وصدَّقناك. فقال لهما رسول الله وَّر: ((سَلَاني)) فقالا له: أَخِرْنا عن أعظمِ شهادةٍ في كتاب الله تعالى؟ فأنزل اللهُ تعالى الآية، وأسلما(١). وقيل: نزلت في نصارى نجران لمَّا حاجُوا في أمر عيسى عليه السَّلام، وهو الذي يُشعر به ما أشرنا إليه قبلُ من الآثار، ويميلُ إليه كلامُ محمد بن جعفر بن الزبير. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى لمَّا ترَكوا اسمَ الإسلام وتسمّوا باليهودية والنصرانية. وقيل: إنهم قالوا: ديننا أفضلُ من دينك، فنزلت. والجمهور على قراءة: (شَهِدَ)) بلفظ الماضي، وفتح همزة ((أَنه)) على معنى: (١) أسباب النزول للواحدي ص ٩٢، وزاد المسير ٣٦٢/١. سُودَةُ الغَنْمَانَ ٧٢ الآية : ١٨ بأنه، أو: على أنه. وقرئ: ((إنه)) بكسر الهمزة(١)، إما بإجراء ((شهد)) مجرى ((قال))، وإمَّا بجعل الجملة اعتراضاً، وإيقاع الفعل على ((أنَّ الدِّين)) إلخ على قراءة مَن يفتح الهمزة كما ستراه، والضميرُ راجعٌ إلَيه تعالى، ويحتمل أن يكون ضميرَ الشأن. وقرئ: ((شهداء لله)) بالنصب والرفع(٢) على أنه جمع شهيد، كظرفاء في جمع ظريف، أو جمع شاهد، كشعراء في جمع شاعر، والنصب إمَّا على الحالية من المذكورين، وإمَّا على المدح، والرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف ومآله المدح، أي: هم شهداء، والاسم الجليل في الوجهين مجرور باللام متعلِّق بما عنده. وقرئ: ((شهداءُ اللهِ) بالرفع والإضافة(٣). وفي ((شهد)) مسنداً إلى الله تعالى استعارةٌ تصريحيّة تبعية؛ لأن المراد أنه سبحانه دلَّ على وحدانيته، بل وسائرٍ كمالاتِه بأفعاله الخاصَّة التي لا يقدر عليها غيرُه، وما نَصَبه من الدلائل التكوينية في الآفاق والأنْفُسِ، وبما أوحى من آياته الناطقة بذلك، كسورة الإخلاص، وآية الكرسي وغيرِهما، فشبَّه سبحانه تلك الدلالةَ الواضحة بشهادة الشاهدِ في البيان والكشف، ثم استعير لفظ المشبّه به للمشبّه، ثم سَرت الاستعارةُ من المصدر إلى الفعل، وجوِّز أن يكون هناك مجازٌ مرسَلٌ تَبَعي لِما أنَّ البيان لازمٌ للشهادة، وقد ذُكر اللفظ الدالُ عن الملزوم وأُريد به اللازم، وهذا الحمل ضروريٌّ على قراءة الجمهور دون القراءة الشاذة. ﴿وَالْمَلَكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرٍ﴾ عطفٌ على الاسم الجليل، ولا بدَّ حينئذٍ من حمل الشهادة على معنَى مَجازيٍّ شاملٍ لِمَا يُسند إلى هذين الجمعين بطريق عموم المجاز، أي: أقرَّ الملائكةُ بذلك وأَمن العلماءُ به واحتجُّوا عليه، وبعضهم قدَّر في كلٍّ من المعطوفين لفظَ ((شهد)) مراداً منه ما يصحُّ نسبتُه إلى ما أُسند إليه، ولعلَّ القول بعموم المجاز أولى منه. (١) القراءات الشاذة ص١٩ عن ابن عباس. (٢) ذكر الوجهين النحاس في إعراب القرآن ٣٦٢/١ عن أبي المهلَّب، وذكر ابن جني عنه وجه النصب فقط في المحتسب ١٥٥/١ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٢/١ عن أبي المهلب أيضاً. الآية : ١٨ ٧٣ سُورَةُ الْعَتْرَانَ قيل: والمراد بـ ((أولو العلم)) الأنبياءُ عليهم السلام. وقيل: المهاجرون والأنصار. وقيل: علماءُ مؤمني الكتاب. وقيل: جميع علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائلِ القاطعة والحجج الباهرة. وقدم الملائكة لأنَّ فيهم مَن هو واسطة لإفادة العلم لذويه. وقيل: لأن علمهم كلَّه ضروريٌّ بخلاف البشر، فإن علمهم ضروريٌّ واكتسابي. ثم إن ارتفاع هذين المرفوعين - على ما شدَّ من القراءة(١) - على الابتدائية، والخبر محذوفٌ لدلالة الكلام عليه، أي: والملائكة وأولو العلم شهداءُ بذلك. وقيل: بالعطف على الضمير في شهداء، وصحَّ ذلك للفصل، واعتُرض بأن ذلك على قراءة النصب على الحالية يؤدِّي إلى تقييد حالِ المذكورينَ بشهادة الملائكة وأولي(٢) العلم، ولیس فیه کثیر فائدة كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿قَبِمًا بِالْقِسْطِ﴾ بيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بيان كماله في ذاته. و((القسط)): العدلُ، والباء للتعدية، أي: مقيماً بالعدل. وفي انتصاب («قائماً)» وجوه: الأول: أن يكون حالاً لازمةً من فاعل ((شهد»، ويجوز إفراد المعطوف عليه بالحال دون المعطوف إذا قامت قرينةٌ تعيِّنه معنوية أو لفظية، ومنه ﴿وَوَهَبْنَا لَهُو إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾ [الأنبياء: ٧٢] وأخِّرت الحال عن المعطوفينِ للدلالة على علوِّ مرتبتهما وقربٍ منزلتهما، والمسارعةِ إلى إقامة شهود التوحيد اعتناءً بشأنه، ولعلَّه(٣) السرُّ في تقديمه على المعطوفينِ مع الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به. والثاني أن يكون منصوباً على المدح، وهو وإن كان معروفاً في المعرفة لكنه ثابتٌ في غيرها أيضاً. والثالث: أن يكون وصفاً لاسم ((لا)) المبنيِّ، واستُبعد بأنهم إنما يتسعون بالفصل بين الموصوف والصفة بفاصلٍ ليس أجنبيًّا من كلِّ وجه، والمعطوف على (١) يعني قراءة: ((شهداء الله)) بالرفع والنصب. (٢) في الأصل و(م). وأولو، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٧/٢، والكلام منه. (٣) في الأصل: ولعل، والمثبت من (م)، وهو الصواب. سُورَةُ الْعَمْرَانَ ٧٤ الآية : ١٨ فاعل (شهد)) أجنبيٌّ مما هو في صلة ((أنَّ) لفظاً ومعنى، وبأنه متلبِّس بالحال، فينبغي على هذا أن يرفع حملاً على محل اسم ((لا)) رفعاً للالتباس. والرابع: أن يكون مفعولَ العلم، أي: وأولو المعرفة قائماً بالقسط، ولا يخفى بعدُه. الخامس: ولعلَّه الأوجه: أن يكون حالاً من الضمير، والعاملُ فيها معنى الجملة، أي: تفرَّد أو أَحُقُهُ (١)، لأنها حالٌ مؤكّدة، ولا يضرُّ تخلَّل المعطوفين هنا بخلافه في الصفة؛ لأن الحال المؤكِّدة في هذا القسم جاريةٌ مجرى جملة مفسِّرة نوعَ تفسير، فناسب أن يقدم المعطوفان لأن المشهود به واحد، فهو نوعٌ من تأكيده تمِّم بالحال المفسِّرة، وعلى تقدير الحالية من الفاعل والمفعولية للعلم لا يندرج في المشهود به، وعلى تقدير النصب على المدح يحتمل الاندراج وعدمه، وعلى التقديرين الأخيرين يندرج لا محالة. وقرأ عبد الله: ((القائمُ بالقسط))، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وكونه بدلاً من ((هو)) لا يخلو عن شيء. وقرأ أبو حنيفة: ((قيِّماً بالقسط))(٢). ﴿لََّ إِلَّهَ إِلَّا هُوَ﴾ تكرير للمشهود به للتأكيد، وفيه إشارةٌ إلى مَزيد الاعتناء بمعرفة أدلَّته؛ لأنَّ تثبيت المدَّعى إنما يكون بالدليل، والاعتناء به يقتضي الاعتناءَ بأدلَّته، ولينبني عليه قوله تعالى: ﴿اٌلْغَيِزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ فيعلم أنه المنعوت بهما. وقيل: لا تكرار؛ لأنَّ الأول شهادةُ الله تعالى وحده، والثاني شهادةُ الملائكة وأولي العلم، وهو ظاهرٌ عند مَن يرفع ((الملائكة)) بفعل مضمَرٍ. ووجه الترتيب تقدُّم العلم بقدرته التي يُفهمها ((العزيز)) على العلم بحكمته تعالى التي يُؤذن بها ((الحكيم)). وجَعَل بعضُهم ((العزيز)) ناظراً إلى قوله سبحانه: ((لا إله إلا هو))، و(الحكيم)) ناظراً إلى قوله تعالى: ((قائماً بالقسط)). (١) قال أبو حيان في البحر ٤٠٤/٢: إن كان المتكلّم مخبراً عن نفسه فيقدر الفعل ((أحق)) مبنياً للمفعول، نحو: أنا عبد الله شجاعاً، أي: أُحَقُّ شجاعاً، وإن كان مخبراً عن غيره قدرته مبنياً للفاعل، نحو: هو زيد شجاعاً، أي: أحقُّه. (٢) القراءتان في الكشاف ٤١٧/١، والبحر ٤٠٣/٢ . الآية : ١٨ ٧٥ سُورَةُ الْ عَشْرَانَ ورَفْعُهما على الخبرية لمبتدأ محذوف، أو البدلية من ((هو))، أو الوصفيةِ له؛ بناءً على ما ذهب إليه السكاكيُّ(١) من جواز وصف ضمير الغائب. وجعلُهما نعتاً لفاعلٍ «شهد)» بعید. وقد روي في فضل الآية أخبار؛ أخرج الديلمي عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً: ((لما نزلت الحمد لله ربِّ العالمين، وآية الكرسي، و(شَهِدَ اللهُ) و(قُلِ اَللَّهَُّ مَلِكَ الْمُلْكِ) إلى (يِغَيْرِ حِسَابٍ) تعلَّقن بالعرش، وقُلْنَ: أتنزِلُنا على قومٍ يعملون بمعاصيك؟ فقال: وعزَّتي وجلالي وارتفاع مكاني لا يتلوكنَّ عبدٌ عند دُبرِ كُلِّ صلاة مكتوبةٍ إلا غفرتُ له ما كان فيه، وأسكنتُه جنةَ الفردوس، ونظرتُ له كلَّ يومٍ سبعين مرَّة، وقضيتُ له سبعين حاجةً أدناها المغفرة))(٢). وأخرج ابن عَديِّ والطَّبرَانيُّ والبَيْهقيُّ - وضعَّفه - والخطيب وابنُ النجار، عن غالب القطّان قال: أتيتُ الكوفة، فنزلت قريباً من الأعمش، فلمّا كان ليلةُ أردتُ أن أنحدِرَ قام فتهَجَّد من الليل، فمرَّ بهذه الآية: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ إلخ، فقال: وأنا أشهدُ بما شهِدَ اللهُ تعالى به، وأستودِعُ اللهَ تعالى هذه الشهادةَ، وهي لي وديعةٌ عند الله تعالى. قالها مراراً، فقلتُ: لقد سمع فيها شيئاً! فسألته فقال: حدثني أبو وائل بن عبد الله، قال: قال: رسولُ الله وَلجر: ((يُجاء بصاحبها يومَ القيامة، فيقول الله تعالى: عبدي عَهِدَ إليَّ عهداً وأنا أحقُّ مَن وفَّى بالعهد، أَدخِلوا عبدي الجنة))(٣). (١) كذا في الأصل و(م)، والذي في البحر ٤٠٧/٢، والدر المصون ٨٢/٣: الكسائي. (٢) ذكره السيوطي في اللآلئ ٢٠٩/١-٢١٠، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن بحير بن ريسان، قال الذهبي في الميزان ٦٢١/٣: اتهمه ابن عدي، وقال ابن يونس: ليس بثقة، وقال أبو بكر الخطيب: كذاب. وأخرجه بنحوه من حديث عليٍّ كرم الله وجهه ابن السني في عمل اليوم والليلة (١٢٣) والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ٤٢٦/٢-٤٢٧، والواحدي في الوسيط ٤٢٦/١، وابن حبان في المجروحين ٢٢٣/١، وابن الجوزي في الموضوعات (٤٨٠). وفيه الحارث ابن عمير يروي عن الأثبات الموضوعات، وهذا حديث موضوع كما قال ابن حبان وابن الجوزي. (٣) الكامل لابن عدي ٢٠٣٥/٦، والمعجم الكبير (١٠٤٥٣)، والشعب (٢٤١٤)، وتاريخ بغداد ١٩٣/٧-١٩٤، وعزاه لابن النجار السيوطي في الدر المنثور ١٢/٢، وهو عند ابن سُؤَدَّةُ الْ عُقْرَانَا ٧٦ الآية : ١٩ وروي عن سعيد بن جبير: أنه كان حَوْلَ المدينة ثلاثُ مئٍ وستُّون صنماً، فلمَّا نزلت هذه الآيةُ الكريمة خُرْن سجَّداً للكعبة(١). ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ جملة مبتدأةٌ وقعَت تأكيداً للأولى، وتعريفُ الجزءين للحصر، أي: لا دين مَرْضيٍّ عند اللهِ تعالى سوى الإسلام، وهو على ما أخرج ابنُ جرير(٢) عن قتادة: شهادةُ أنْ لا إله إلا اللهُ تعالى، والإقرارُ بما جاء من عند الله تعالى، وهو دِينُ اللهِ تعالى الذي شَرَع لنفْسه، وبَعث به رُسُلَه، ودَلَّ عليه أولياءه، لا يقبلُ غيرَه، ولا يجزي إلا به. وروى عليٌّ بن إبراهيم، عن أمير المؤمنين كرَّم اللهُ تعالى وجهه أنه قال في خُطبة له: ((لأَنْسَبَنَّ الإسلام نسبةً لم يَنسبها أحدٌ قبلي: الإسلام هو التسليمُ، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرارُ هو الأداء، والأداء هو العمل، ثم قال: إنَّ المؤمن أخَذ دِينه عن ربِّه ولم يأخذه عن رأيه، إن المؤمن مَن يُعْرف إيمانه في عمله، وإن الكافر يُعْرَف كفره بإنكاره، أيُّها الناس دِينَكم دينكم؛ فإنَّ السيئةَ فيه خيرٌ من الحسنة في غيره، إنَّ السيئة فيه تُغْفَرُ، وإن الحسنة في غيره لا تُقبل)» (٣). وقرأ أبي: ((إن الدِّين عند الله للإسلام)) (٤). والكسائي: ((أنَّ الدِّين)) بفتح الهمزة(٥)، على أنه بدلُ الشيء من الشيء إن فسِّر الإسلام بالإيمان، وأريد به الإقرارُ بوحدانية الله تعالى والتصديقُ بها الذي هو (٦) الجزء الأعظم، وكذا إن فسِّر = الجوزي في العلل (١٤٦ -١٤٨). قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وَّر، تفرد به عمر بن المختار، وعمر يحدث بالأباطيل. وقال الذهبي في الميزان ٣٣١/٣: الآفة فيه من عمر؛ فإنه متهم بالوضع، فما أنصف ابن عدي في إحضاره هذا الحديث في ترجمة غالب. (١) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٣٦٢/١، والقرطبي في جامعه ٦٣/٥، والسيوطي في الدر المنثور ١٢/٢، ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذرِ. والله أعلم بصحته. (٢) في التفسير ٢٨١/٥ - ٢٨٢. (٣) مجمع البيان للطبرسي ٣٩/٣. (٤) الكشاف ٤١٩/١، وتفسير أبي السعود ١٨/٢. (٥) التيسير ص٨٧، والنشر ٢٣٨/٢. (٦) في الأصل: وهو، بدل: الذي هو. الآية : ١٩ ٧٧ سُورَةُ الِ عُقْرَانَ بالتصديق بما جاء به النبيُّ وَّهَ مما عُلم من الدِّين بالضرورة؛ لأن ذلك عينُ الشَّهادة بما ذكر باعتبار ما يَلزمها، فهي عينه مالاً. وأمَّا إذا فسِّر بالشريعة فالبدل بدلُ اشتمال؛ لأن الشريعة شاملةٌ للإيمان والإقرارِ بالوحدانية، وفِسَّرها بعضُهم بعلم الأحكام، وادَّعى أولويَّة هذا الشقِّ نظراً لسياق الكلام، مستدِلًا بأنه لم يقيد علم الأصول بالعندية؛ لأنها أمورٌ بحسب نفس الأمر لا تدور على الاعتبار، ولهذا تَّحدُ فيها الأديان الحقَّةُ كلُّها، وقيد كون الدِّين الإسلامَ بالعندية لأن الشرائع دائرة على اعتبار الشارع، ولهذا تغيَّر وتبدَّل بحسب المصالح والأوقات، ولا يخفى ما فيه . أو على أنَّ ((شَهِدَ)) واقعٌ عليه، على تقدير قراءة: ((إنه)) بالكسر كما أشير إليه(١). و((عند)) على كلِّ تقدير ظرفٌ، العاملُ فيه الثبوتُ الذي تشير إليه الجملة. وقيل: متعلِّق بكون خاصٌّ ينساق إليه الذهن يقدَّر معرفةً وقع صفةً لـ ((الدِّين))، أي: إن الدِّينَ المَرْضيَّ عند الله الإسلامُ. وقيل: متعلِّق بمحذوف وقع حالاً من ((الدِّين)). وقيل: متعلّق به. وقيل: متعلِّق بمحذوف وقع خبراً عن مبتدأ محذوف، والجملة معترضة، أي: هذا الحكم ثابتٌ عند الله. وأرى الكلَّ ليس بشيء: أما الأول: فلأنه خلافُ القاعدة المعروفة في الظروف إذا وقعت بعد النكرات. وأما الثاني: فلأن المشهور أنَّ ((إنَّ) لا تعمل في الحال. وأما الثالث: فلأنَّه لا وجه للتعلُّق بلفظ ((الدِّين)) إلا أنْ يُكتَفَى بأنه في الأصل بمعنى الجَزَاءِ . وأما الرابع: فلأنَّ التكلُّف فيه المستغنَى عنه أظهرُ من أنْ يَخْفَى. هذا وقد اختلف في إطلاق الإسلام على غير ما جاء به نبيُّنَا وَّة، والأكثرون على الإطلاق، وأظنُّ أنه بعدَ تحريرِ النزاع لا ينبغي أن يقع اختلافٌ. ﴿وَمَا أَخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ قيل: المراد بهم اليهودُ، واختلفوا فيما عَهِد إليهم موسى عليه الصلاة والسلام؛ أخرج ابن جرير(٢)، عن الربيع قال: إنَّ موسى (١) ينظر ما سلف ص ٧٢ من هذا الجزء. (٢) في التفسير ٢٨٣/٥-٢٨٤. سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ ٧٨ الآية : ١٩ عليه الصلاة والسلام لمَّا حضره الموتُ دعا سبعين حَبراً من أحبار بني إسرائيل، فاستودَعهم التوراةَ وجعلهم أمناءَ عليها، واستخلف يوشع بنَ نون، فلمَّا مضى القرن الأول والثاني والثالثُ وقعت الفُرقةُ بينهم، وهم الذين أوتوا العلم من أبناء السبعين، حتى أَهْرَاقوا بينهم الدماءَ، ووقع الشرُّ طلباً لسلطان الدنيا وملكِها وخزائنها وزخرفها، فسلَّط الله تعالى عليهم جبابرتهم. وقيل: النصارى، واختلفوا في التوحيد. وقيل: المراد بالموصول اليهود والنصارى، وبالكتاب الجنسُ، واختلفوا في التوحيد، وقيل: في نبوَّته وَّهِ. وقيل: في الإيمان بالأنبياء. والظاهر أن المراد من الموصول ما يعمُّ الفريقين، والذي اختلفوا فيه الإسلامُ، كما يُشعر به السياقُ، والتعبيرُ عنهم بهذا العنوان زيادةُ تقبيح لهم؛ فإن الاختلافَ بعد إتيان الكتاب أقبحُ، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمِّ الْعِلْمُ﴾ زيادةٌ أُخرى، فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أَزْيَدُ في القَباحة. والاستثناء مفرَّغ من أعمِّ الأحوال أو أعمِّ الأوقات، والمراد من مجيء العلم التمكّنُ منه لسطوع براهينه، أو المراد منه حصولُ العلم بحقيقة الأمر لهم بالفعل. ولم يقل: علموا - مع أنه أَخْصَرُ - إشارةً إلى أنه عُلم بسبب الوحي. وقوله سبحانه: ﴿بَغْيَّا بَيْنَهُمْ﴾ زيادةُ تشنيع، والاسمُ المنصوب مفعولٌ له لِمَا دلَّ عليه ((ما)) و((إلا)) من ثبوت الاختلاف بعد مجيء العلم، كما تقول: ما ضربتُ إلا ابني تأديباً، فلا دلالةَ للكلام على حصر الباعث، وادَّعاه بعضُهم، أي: إنَّ الباعث لهم على الاختلاف هو البغيُ والحسدُ لا الشبهةُ وخفاءُ الأمر، ولعلَّ انفهامَ ذلك من المقام، أو من الكلام؛ بناءً على جواز تعدُّدِ الاستثناء المفرَّغ، أي: ما اختلفوا في وقتٍ لغرَضٍ إلا بعد العلم لغرَضِ البغي، كما تقول: ما ضرَب إلا زيدٌ عمراً، ما ضرب أحدٌ أحداً إلا زيد عمراً. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِنَّايَتِ اَللَّهِ﴾ قيل: المراد بها حججه. وقيل: التوراة. وقيل: هي والإنجيل. وقيل: القرآن. وقيل: آياته الناطقة بأن الدِّين عند الله الإسلامُ. والظاهرُ العموم، أي: أيَّة آيةٍ كانت. والمراد بـ ((مَن)) أيضاً أعمّ من المختلفين المذكورين وغيرهم، ولك أن تخصّه بهم. الآية : ٢٠ ٧٩ سُوَرَةُ الغَزَانَ ، قائم مقام جواب الشرط علَّة له، أي: ومَن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ يكفر يُعاقِبْه اللهُ تعالى ويُجازِه عن قريب؛ فإنه سريع الحساب، أي: يأتي حسابُه عن قريب، أو يتمُّ ذلك بسرعة. وقيل: إن سرعة الحساب تقتضي إحاطة العلم والقدرة، فتفيد الجملةُ الوعيدَ، وباعتباره ينتظمُ الشرطُ والجزاءُ من غير حاجةٍ إلى تقدير، ولعلَّه أولى وأدقُّ نظراً. وفي إظهار الاسم الجليل تربيةٌ للمهابة وإدخال الرَّوعة، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفر إثرَ بيانِ حال أولئك المذكورين إيذانٌ بشدّة عقابهم. ﴿فَإِنّ ◌َبُوكَ﴾ أي: جادلوك في الدِّين بعد أن أقمتَ الحجج، والضميرُ للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى؛ قاله الحسن. وقال أبو مسلم: لجميع الناس. وقيل: وفد نصارى نجران؛ وإلى هذا يشير كلامُ محمد بن جعفر بن الزبير. ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ﴾ أي: أخلصتُ وخضعتُ بقلبي وقالبي ((الله)) لا أشرك به غيرَه. وفيه إشارة إلى أن الجدال معهم ليس في موقعه؛ لأنه إنما يكون في أمر خفيٍّ، والذي جادلوا به أمرٌ مكشوف، وحُكُمُ حاله معروف، وهو الدِّين القويم، فلا تكون المحاجَّةُ والمجادلة إلا مكابرةً، وحينئذٍ يكون هذا القول إعراضاً عن مجادلتهم . وقيل: إنه محاجَّة، وبيانُه أن القوم كانوا مقرِّين بوجود الصانع وكونِه مستحقاً للعبادة، فكأنه قال: هذا القول متفقٌ عليه بين الكلِّ، فأنا مستمسِكٌ بهذا القَدْرِ المتفَقِ عليه، وداعي الخُلقَ إليه، وإنما الخلاف في أمورٍ وراء ذلك؛ فاليهود يدَّعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدَّعون إلهية عيسى عليه السلام، والمشركون يدَّعون وجوب عبادة الأوثان، فهؤلاء هم المدَّعون فعليهم الإثبات، ونظير ذلك: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اٌلْكِلَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَتِ سَوَلِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّ نَعْبُدَ إِلَّا اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]. وعن أبي مسلم: أنَّ الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّوَنِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فكأنه قيل: فإنْ سُورَةُ العَمَانَ ٨٠ الآية : ٢٠ نازَعُوك يا محمد في هذه التفاصيل، فقل: أنا متمسك بطريق إبراهيم عليه السلام، وأنتم معترِفون بأنه كان محقًّا في قوله صادقاً في دِينه، فيكون من باب التمسُّك بالإلزامات، وداخلاً تحت قوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِلَتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]. ولعلَّ القول بالإعراض أَوْلى؛ لِمَا فيه من الإشارة إلى سوء حالهم وحظٌ مقدارهم . وعبَّرَ عن الجملة بـ ((الوجه)) لأنه أشرف الأعضاء الظاهرةِ، ومظهرُ القُوى والمشاعر، ومَجْمَعُ معظم ما يَقع به العبادة، وبه يَحصل التوجُّه إلى كلِّ شيء. وفتح الياءَ نافعٌ وابن عامر وحفص، وسكّنها الباقون(١). ﴿وَمَنِ أَتَّبَعَنِّ﴾ عطف على الضمير المتصل في ((أسلمتُ)) وحَسُنَ للفصل، أو مفعولٌ معه. وأُورد عليهما: أنهما يَقتضيان اشتراكهم معه ◌َّ في إسلام وجهه، وليس المعنى: أسلمتُ وجهي وهم أسلَموا وجوهَهم؛ إذ لا يصحُّ: أكلتُ رغيفاً وزيدٌ، أو: وزيداً، وقد أكَل كلٌّ منهما رغيفاً، فالواجب أن يكون (مَن)) مبتدأ والخبر محذوفٌ، أي: ((ومن اتبعن)) كذلك. أو يكون معطوفاً على الجلالة، وإسلامُه وَّ لمن اتبعه بالحفظ والنصيحة. وأجيب بأن فهم المعنى وعدمَ الإلباس يسوِّغ كِلا الأمرين، ويستغنى بذلك عن مؤونة الحذف، وتكلّفٍ خلافِ الظاهر جدّاً. وأثبت الياء في ((اتَّبعني)) على الأصل أبو عمرو ونافع(٢). وحذفَها الباقون. وحَذْفُها أحسن لموافقة خطّ المصحف، وقد جاء الحذفُ في مثل ذلك كثيراً كقول الأعشى: فهل يَمْنَعَنّي ارتيادي البِلا دَ مِنْ حَذَرِ الموتِ أنْ يَأْتِيَنْ(٣) (١) التيسير ص٩٣، والنشر ٢٤٧/٢، وفتح الياء أيضاً أبو جعفر. (٢) أي: وصلاً، وأثبتها في الوصل أيضاً أبو جعفر، وأثبتها وصلاً ووقفاً يعقوب، وحذفها الباقون. التيسير ص٩٣، والنشر ٢٤٧/٢. (٣) ديوان الأعشى ص٢٠٥.