Indexed OCR Text
Pages 441-460
التفسير الإشاري (٢٦٠) ٤٤١ سُورَةُ البَفَة الكبرياء حتى أُلبسه سناءً قدسي، فيتيه في بيداء التفكّر منعوتاً بصرف نور المحبة، واجعل النفس على جبل العزَّة حتى ألبسها نورَ العظمة لتصير مطمئنةً عند جريان ربوبيتي عليها، فلا تنازعني في العبودية ولا تطلب أوصاف الربوبية، واجعل الروحَ على جبل جَمال الأزل حتى ألبسها نورَ النور وعزَّ العزِّ وقدسَ القدسِ، لتكون منبسطةً في السُّكر مطمئنةً في الصحو عاشقةً في الانبساط راسخةً في التجلِّيات ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ ونادِهنَّ بصوت سرِّ العشق ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ إلى مَخْضِ العبودية بجمَال الأحدية ﴿وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ يعزُّك بعرفانك هذه المعاني، واطّلاعك على صفاته القديمة ﴿حَكِيمٌ﴾ في ظهوره بغرائب التجلِّ لأسرار باطِك. وقد يقال: أشار سبحانه بالأربعة من الطّير إلى القوى الأربعة التي تمنع العبد عن مقام العيان وشهود الحياة الحقيقية، ووقع في أثر أنها كانت طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة (١)، ولعل الطاوس إشارة إلى العُجْبِ، والديكَ إلى الشّهوة، والغراب إلى الحرص، والحمامَةَ إلى حبِّ الدنيا لإلفها الوَكْر والبُرْج. وفي أثر بدل الحمامة: بَّة، وفي آخر: نَسْراً، وكأن الأوَّل إشارة إلى الشَّره الغالب، والثاني إلى طول الأمل. ومعنى ((فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)) حينئذٍ: ضمَّهنَّ وأمِلهنَّ إليك بضبطها ومنعها عن الخروج إلى طلب لذَّاتها والنزوع إلى مألوفاتها، وفي الأثر أنه عليه الصلاة والسلام أُمر بأن يذبحها وينتفّ ريشَها، ويخلطَ لحومها ودماءها بالدّقِّ ويحفظ رؤوسها عنده(٢) ، أي: يمنعها عن أفعالها ويزيل هيئاتها عن النفس، ويقمَع دواعيها وطبائعها وعاداتها بالرِّياضة، ويبقي أصولها فيه، ثم أُمر أن يجعل على كلِّ جبلٍ من الجبال التي بحضرته، وهي العناصر الأربعة التي هي أركان بدنِه جزءاً منهنَّ، وكأنه عليه الصلاة والسلام أُمِرَ بقمعها وإماتتها حتى لا يبقى إلا أصولُها المركوزة في الوجود والمواد المُعدَّةُ في طبائع العناصر التي هي فيه. وفي رواية أن الجبال كانت سبعة(٣)، فعلى هذا يُشير بها إلى الأعضاء السبعة التي هي أجزاء البدن. وفي أخرى أنها كانت عشرة، وعليها ربما تكون إشارةً إلى الحواسِّ الظاهرة والباطنة. (١) أخرجه الطبري ٤/ ٦٣٤ عن مجاهد وابن زيد. (٢) أخرجه الطبري ٤/ ٦٤٤ بنحوه عن قتادة. (٣) أخرجه الطبري ٦٤٦/٤ عن السدي. سُورَةُ الْبَّفَقَة ٤٤٢ الآية : ٢٦١ وأشار سبحانه بالأمر بالدعاء إلى أنه إذا كانت هاتيك الصِّفات حيةً بحياتها كانت غيرَ منقادةٍ وحشيةً ممتنعةً عن قبول الأمر، فإذا قُتلت كانت حيةً بالحياة الحقيقية الموهوبة (١) بعد الفناء والمحو، وهي حياة العبد، وعند ذلك تكون مطيعةً مُنقادة متى دُعيت أَتَتْ سعياً، وامتثلت طوعاً، وذلك هو الفوز العظيم. ﴿وَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في وجوه الخيرات الشّاملة للجهاد وغيره، وقيل: المراد الإنفاق في الجهاد؛ لأنه الذي يُضاعَفُ هذه الأضعاف، وأما الإنفاق في غيره فلا يُضاعَفُ كذلك، وإنما تُجزى الحسنة بعشر أمثالها. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ خبرٌ عن المبتدأ قبله، ولا بدَّ من تقدير مضاف في أحد الطرفين، أي: مَثَلُ نفقةِ الذين .. كمثل حَبّة، أو: مَثَلُهم كمثل باذرِ حبَّةٍ، ولولا ذلك لم يصحّ التمثيل. والحَبَّة واحدة الحبِّ، وهو ما يزرع للاقتيات، وأكثر إطلاقه على البُرِّ، وبَذْرُ ما لا يُقْتات به من البَقلِ حِبة، بالكسر. ﴿أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ أي: أخرَجت تلك الحبةُ ساقاً تشغَب منه سبعُ شعبٍ لكلِّ واحد منها سنبلة ﴿فِي كُلِّ سُبْلَةِ مِّئَةُ حٌَّ﴾ كما نرى ذلك في كثير من الحَبِّ في الأراضي المغلَّة، بل أكثر من ذلك. والسُّنبلة على وزن (فُنْعلة)) فالنون زائدة لقولهم: أسبل الزرع، بمعنى سنبل، إذا صار فيه السُّنبل. وقيل: وزنه ((فُعْللة)»، فالنون أصلية. والأول هو المشهور. وإسناد الإنبات إلى الحبّة مجازٌ؛ لأنها سبب للإنبات، والمُنبِتُ في الحقيقة هو الله تعالى، وهذا التمثيل تصويرٌ للإضعاف كأنها حاضرة بين يدي الناظر، فهو من تشبيه المعقول بالمحسوس. ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ﴾ هذه المضاعفة، أو فوقَها إلى ماشاء الله تعالى، واقتصَر بعضُ على الأول، وبعضٌ على الثاني، والتعميم أتمُّ نفعاً ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ من عباده المُنفقين على حَسبٍ حالهم من الإخلاص والتَّعب وإيقاع الإنفاق في أحسن مَواقعه. أخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وأبي الدرداء وأبي هريرة وعمران ابن حصين وأبي أمامة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله ﴿ه، كلّهم (١) في (م): الموهومة. الآية : ٢٦٢ ٤٤٣ سُؤَدَّةُ الْبَعَة يُحدِّث عن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((مَنْ أَرسَل بنفقةٍ في سبيل الله وأقام في بيته، فَلَهُ بكلِّ درهم سبعُ مئة درهم، ومَن غزًا بنفسه في سبيل الله تعالى وأنفق في وجهه ذلك، فله بكلِّ درهمٍ يوم القيامة سبعُ مئة ألف درهم)) ثم تلا هذه الآية(١). وعن معاذ بن جبل: إن الغُزاة المُنفِقين قد خَبَّأ الله تعالى لهم من خزائن رحمته ما ينقطع عنه علمُ العباد. ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ﴾ لا يضِيق عليه ما يَتفضَّل به من الزيادة ﴿عَلِيمُ ﴾﴾ بنيّة المُنفِقِ وسائر أحواله. ومناسبةُ هذه الآية لِمَا قبلها هو أنه تعالى لمَّا ذكَر قصةَ المارِّ على القرية وقصةً إبراهيم عليه الصلاة والسلام - وكانا من أدلّ دليلٍ على البعث - ذكر ما ينتفع به يوم البعث وما يَجد جزاءه هناك، وهو الإنفاق في سبيل الله تعالى، كما أعقب قصةً ﴿الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أَلُوَفُ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] بقوله تعالى عزَّ شأنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وكما عقَّب قتلَ داودَ جالوتَ وقولَه تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] بقوله سبحانه: وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِنَّا رَزَقْتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] إلخ. وفي ذكره الحَبَّةَ في التمثيل هنا إشارةٌ أيضاً إلى البعث وعظيم القدرة؛ إذ مَن كان قادراً على أن يُخْرِجَ من حَبَّةٍ واحدةٍ في الأرض سبعَ مئةٍ حبةٍ، فهو قادرٌ على أن يُخرج الموتى من قبورهم بجامع اشتركا فيه مِن التغذية والنموِّ. ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾ استئنافٌ جيء به لبيان كيفية الإنفاق الذي بیَّن فَضْله. ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَّآ أَنْفَقُواْ﴾ أي: إنفاقهم، أو ما أنفقوه ﴿مَنَّا﴾ على المُنفَق عليه ﴿وَلَّ أَذْىٌ﴾ أي: له. والمَنُّ: عَدُّ(٢) الإحسان، وهو في الأصل: القطع، ومنه (١) سنن ابن ماجه (٢٧٦١)، وتفسير ابن أبي حاتم ٥١٥/٢، وهو عنده عن عمران بن حصين فقط. والحديث عندهما في إسناده الخليل بن عبد الله. قال الحافظ ابن حجر في التهذيب ٥٥٤/١: هو حديث منكر، والخليل بن عبد الله لا يعرف. (٢) في (م): عبد، وهو تصحيف. سُورَةُ الْبَقَة ٤٤٤ الآية : ٢٦٢ قولهم: حبل منين، أي: ضعيف. وقد يُطلق على النِّعمة؛ لأن المُنعِم يقطع من ماله قطعةً للمنعَم عليه. والأذى: التطاولُ والتفاخر على المنفَق عليه بسبب إنفاقه، وإنما قدَّم المنَّ لكثرة وقوعه، وتوسيط كلمة ((لا)) لشمول النفي لاتِّباع كلِّ واحدٍ منهما . و((ثم)) للتفاوت بين الإنفاق وترك المنِّ والأذى في الرُّتبة والبُعد بينهما في الدرجة، وقد استُعيرت من معناها الأصلي - وهو تباعُدُ الأزمنة - لذلك، وهذا هو المشهور في أمثال هذه المقامات. وذكر في ((الانتصاف)) وجهاً آخر في ذلك، وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها، وإرخاء الطُول في استصحابه، وعلى هذا لا تخرج عن الإشعار بُعد الزمن، ولكن معناها الأصلي: تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه، ومعناها المستعارة له: دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه. وعليه يُحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] أي: داوموا على الاستقامة دواماً مُتراخِياً ممتدَّ الأَمَدِ، وتلك الاستقامةُ هي المعتبرة، لاما هو منقطعٌ إلى ضدِّه من الحيد إلى الهوى والشَّهوات، وكذلك ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ﴾ إلخ، أي: يدومون على تناسي الإحسان، وعلى ترك الاعتداد به والامتنان، ليسوا بتاركيه في أزمنة ثم يئوبون إلى الإيذاء وتقليد المنِّ بسببه، ومثله يقع في السين نحو ﴿إِنّ ذَاهِبُ إِلَى رَبِى سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]؛ إذ ليس لتأثّر الهداية معنى، فيُحمل على دوام الهداية الحاصلة له، وتراخي بقائها، وتمادي أَمَدِها(١). وهو كلامٌ حسن، ولعلَّه أولى مما ذكروه؛ لأنه أبقى للحقيقة، وأقربُ للوضع على أحسن طريقة. والآية كما أخرج الواحديُّ عن الكلبي - والعهدةُ عليه - نزّلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عبد الرحمن فإنه جاء إلى رسول الله وعليه بأربعة آلاف درهم صدقةً، فقال: كان عندي ثمانية آلاف درهم، فأمسكتُ منها لنفسي وعيالي أربعةَ آلاف درهم، وأربعةُ آلاف أُقرِضُها ربي. فقال له رسول الله وَّه: (باركَ الله لك فيما أَمْسَكتَ وفيما أَعْطِيتَ)) وأما عثمان ◌َُه فقال: عليَّ جهازُ مَن لا جهاز له في غزوة تبوك. فَجهّز المسلمين بألف بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، وتصدَّق (١) الانتصاف (مع الكشاف) ٣٩٣/١. الآية : ٢٦٣ ٤٤٥ سُورَةُ الْبَحَقَة بُرُومَة - رَكِيَّةٍ كانت له - على المسلمين. وقال أبو سعيد الخدريُّ: رأيت رسول الله وَلّ رافعاً يديه يدعو لعثمان ويقول: ((يا ربّ عثمان بن عفان رضيتُ عنه فارضَ عنه» فما زال رافعاً يديه حتى طلع الفجرُ، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾ إلخ(١). ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ حَسْبَما وعدَهم في ضمير التمثيل(٢)، وهو جملةٌ من مبتدأ وخبر وقَعتْ خبراً عن الموصول، وفي تكرير الإسناد وتقييد الأجر بقوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ من التأكيد والتشريف ما لا يخفى. وكان مقتضى الظاهرِ أن يُدْخِلَ الفاء في خبر (٣) الموصول لتضمُّنه معنى الشرط، كما في قولك: الذي يأتيني فله درهمٌ، لكنه عدل عن ذلك؛ إيهاماً بأن هؤلاء المنفقين مستحقُّون للأجر لذواتهم، وما رَكز في نفوسهم من نِيَّةِ الخير، لا لوصف الإنفاق، فإنَّ الاستحقاق به استحقاقٌ وصفيٌّ، وفيه ترغيبٌ دقیق لا يهتدى إليه إلا بتوفيق. وجوِّز أن يكون تخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدَها؛ للإيذان بأنَّ ترتّب(٤) الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك إتباع المَنِّ والأذى أمرٌ بَيِّنٌ لا يحتاج إلى التصريح بالسببية. ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ المرادُ بيانُ دوام انتفائهما لا بيانُ انتفاءِ دوامهما، وقد تقدَّم الكلام على نظيرها . ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ أي: كلامٌ جميل يُرَدُّ به السائلَ، مثل: يرحمك الله، يرزقك الله، إن شاء الله تعالى أُعطيك بعد هذا ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: سترٌ لِما وقع من السَّائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسؤول، وصفحٌ عنه ﴿غيّرٌ﴾ للسائل ﴿مِّنْ صَدَقَةٍ﴾ عليه ﴿يَتْبَعُهَا﴾ من المتصدِّق ﴿أَذَّىّ﴾ له؛ لكونها مشوبةً بضررٍ ما يتبعها وخُلوص الأُوليين من الضَّرر. وقيل: يحتمل أن يُراد بالمغفرة مغفرة الله تعالى للمسؤول بسبب تحمله ما يكره (١) أسباب النزول للواحدي ص٨١، وقال الشهاب في الحاشية ٣٤١/٢: قيل: إنه لا أصل له في کتب الحديث. (٢) عبارة أبي السعود (والكلام من تفسيره ٢٥٨/١): حسبما وعد لهم في ضمن التمثيل. (٣) في(م): حيز. (٤) في (م): ترتيب. سُؤَدَّةُ الْجَبَة ٤٤٦ الآية : ٢٦٤ من السائل، أو مغفرةُ السائل ما يَشقُّ عليه من ردِّ المسؤول، ((خير)) للمسؤول من تلك الصدقة. وفيه أن الأنسبَ أن يكون المُفضَّل والمفضَّل عليه في هذا المُقام كلاهما صفَتي شخصٍ واحد، وعلى هذين الوجهين ليس كذلك، على أن اعتبار الخيرية فيهما يؤدّي إلى أن يكون في الصدقة (١) الموصوفة بالنسبة إليه خير في الجملة مع بطلانها بالمرَّة، وجَعْلُ الكلام من باب هو خيرٌ من لاشيء، ليس بشيءٍ. والجملة مستأنفة مقرِّرة لاعتبار ترك إتباع المنِّ والأذى، وإنما لم يذكر المنَّ لأنَّ الأذى يشمله وغيره، وذكره فيما تقدَّم اهتماماً به لكثرة وقوعه من المتصدِّقين وُسرٍ تحفُّظهم عنه. وصحَّ الابتداء بالنكرة في الأول لاختصاصها بالوصف، وفي الثاني بالعطف أو بالصفة المقدَّرة، وقد يقال: إن المعطوف تابعٌ لا يفتقر إلى مُسوِّغ. ﴿وَاللَّهُ غَنِىُّ﴾ عن صدقات العباد، وإنما أمرَهم بها لمصلحةٍ تعود إليهم، أو عن الصدقةِ بالمنِّ والأذى فلا يقبلها، أو غنيٌّ لا يُخرِجُ الفقراءَ إلى تحمُّل مؤنة المنِّ والأذى، ويرزقهم من جهة أخرى ﴿كَلِيمٌ ﴾ فلا يعجِّل بالعقوبة على المنِّ والإيذاء، لا أنهم لا يستحقونها بسببهما، والجملةُ تذييلٌ لِمَا قبلها، مُشتمِلةٌ على الوعد والوعيد، مُقرِّرة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السَّائل قطعاً. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أقبلَ عليهم بالخطاب إثرَ بيان ما بَيَّن بطريق الغيبة مبالغةً(٢) في إيجاب العمل بموجب النهي، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان. ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ أي: بكلِّ واحدٍ منهما؛ لأن النفي أحقُّ بالعموم وأدلُّ عليه، والمراد بالمنِّ: المنُّ على الفقير كما تقدَّم، وهو المشهور. وعن ابن عباس : المراد به المنُّ على الله تعالى. و((الأذى)): الأذى للفقير. واستشكل ابن عطية (٣) هذه الآية بأنَّ ظاهرها يستدعي أنَّ أجرَ الصدقة يَبطُل بأحد هذين الأمرين، ولا يمكن توجّه الإبطال بذلك إلى نفس الصدقة؛ لأنَّها قد ثبتَتْ في الواقع، فلا يُعقل إبطالها، ومن العقيدة أنَّ السيئات لا تُبطِل الحسنات، خلافاً للمعتزلة، والآيةُ أحد مُتمسَّكاتهم؟ (١) في (م): القصة والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٥٨/١، والكلام منه. (٢) في (م): البالغة والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود. (٣) في المحرر الوجيز ٣٥٧/١. الآية : ٢٦٤ ٤٤٧ سُورَةُ الْبَكَفَة وأجيب بأن الصدقة التي يعلم الله تعالی من صاحبها أنه یمنُّ ویؤذي لا تُقبل، حتى قيل: إنه سبحانه يجعل للمَلك علامةً فلا يَكتبها، والإبطال المُتنازع فيه إنما هو في عملٍ صحيح وقع عند الله تعالى في حيِّز القَبول، وما هنا ليس كذلك؛ فمعنى ((لا تبطلوا)) حينئذٍ: لا تأتوا بهذا العمل باطلاً. كذا قالوا، ولا يخفى أنه خلافُ الظاهر، إلا أن قوله تعالى: ﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ, رِقََّ النَّاسِ﴾ فيه نوعُ تأييدٍ له بناءً على أن ((كالذي)» في محلٌ نصبٍ إما على أنه نعتٌ لمصدر محذوف، أي: لا تُبطلوها إبطالاً كإبطال الذي .. إلخ، وإما على أنه حالٌ من فاعل ((لا تبطلوا))، أي لا تُبطلوها مُشابِهِين الذي يُنفق، أي: الذي يُبطل إنفاقه بالرِّياء، ووجهُ التأييد أن المُرائي بالإجماع لم يأتِ بالعمل مقبولاً صحيحاً، وإنما أتى به باطلاً مردوداً، وقد وقع التشبيه في البَيْن فتدبَّر. وانتصاب ((رئاء)) إما على أنه عِلَّةٌ لـ ((ينفق))، أي: لأجْل ريائهم، أو على أنه حال من فاعله، أي: يُنفق مالَه مُرائياً. وجَعْلُه نَعْتاً لمصدر محذوف، أي: إنفاقاً رياءَ الناس، ليس بشيءٍ، وقريبٌ منه جَعْل الجارِّ حالاً من ضمير المصدر المقدَّر؛ لأنه لا يتمثّی إلا على رأي سيبويه. وأصل «رثاء)»: رئاي، فالهمزة الأُولى عين الكلمة، والثانية بدل من ياء هي لام الكلمة(١)، لأنها وقعَتْ طرفاً بعد ألف زائدة، ويجوز تخفيف الهمزة الأولى بأن تُقلب ياءً فراراً من ثِقَلِ الهمزة بعد الكسرة، وقد قرَأ به الخزاعيُّ والشمُّوني وغيرهما(٢)، والمُفاعلة في فِعْله عند السمين(٣) على بابها، لأن المرائي يُري الناسَ أعمالَه والناسُ يُرونه الثناءَ عليه والتعظيم له. والمراد من الموصول ما يشمل المؤمن والكافر كما قيل. وغالب المفسرين على أن المراد به المنافق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾ حتى يرجو ثواباً، أو يخشى عقاباً . (١) لفظ: الكلمة، ليس في (م). (٢) وهي قراءة أبي جعفر. النشر ٣٩٦/١. والخزاعي: لعله إسحاق بن أحمد بن إسحاق بن نافع، أبو محمد المكي مقرئ المسجد الحرام، المتوفى سنة (٣٠٨هـ). غاية النهاية ١٥٦/١ . والشموني: هو محمد بن حبيب أبو جعفر الكوفي، مقرئ ضابط مشهور. قال عبد الله بن محمد بن هاشم الزعفراني: قرأت عليه سنة أربعين ومئتين. غاية النهاية ١١٤/٢ . (٣) في الدر المصون ٥٨٦/٢ . سُؤَدَّةُ الْبَّكْقَة ٤٤٨ الآية : ٢٦٤ ﴿فَثَلُهُ﴾ أي: المرائي في الإنفاق، والفاء لربط ما بعدها بما قبلها ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ أي: حَجَرٍ كبير أملسَ، وهو جمع صفوانة، أو صَفَا، أو اسم جنس، ورُجِّح بعود الضمير إليه مفرداً في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ أي: شيءٌ يسيرٌ منه ﴿فَأَصَابَهُ، وَاِلٌ﴾ أي: مطرٌ شديدُ الوَقع، والضمير للصفوان، وقيل: للتراب ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: أملَسَ ليس عليه شيء من الغبار أصلاً. وهذا التشبيه يجوز أن يكون مفرَّقاً، فنفاقُ(١) المنافقُ كالحجر في عدم الانتفاع، ونفقتُه كالتراب لرجاء النفع منهما بالأجر والإنبات، ورياؤه کالوابل المُذهِب له سريعاً، الضارِّ من حيثُ يُظَنُّ النفع. ولو جُعِلَ مرَّباً لصحَّ، وقيل: إنه هو الوجه، والأول ليس بشيء. ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ﴾ أي: لا يجدون ثوابَ شيء مما أنفقوا رياءً ولا ينتفعون به قطعاً، والجملة مُبيِّنة لوجه الشَّبه، أو استئناف مبنيٌّ على السؤال، كأنه قيل: فماذا يكون حالهم حينئذٍ؟ فقيل: لا يقدرون. وجَعْلُها حالاً من (الذي)) كما قال السمين(٢) مهزولٌ من القول كما لا يخفى، والضمير راجعٌ إلى الموصول باعتبار المعنى بعد ما رُوعي لفظه، إذ هو صفةٌ لمفردٍ لفظاً مجموع معنىّ، كالجمع والفريق، أو هو مستعمل للجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩] على رأيٍ، وقولِه: وإنَّ الذي حانَتْ بفلجٍ دماؤهم هم القومُ كلُّ القوم يا أُمَّ خالدٍ (٣) وقيل: إنَّ مَن والذي يتعاقبان، فعُومل هنا معاملته، ولا يخفى بُعْدُه. ورجوعُ الضمير إلى ((الذين آمنوا)) مِن قبلُ؛ بالالتفات، ممالا يلتفت إليه. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَّفِرِينَ (٣) إلى ما ينفعهم، والجملةُ تذييلٌ مُقرِّر لمضمون ما قبله، وفيه تعريضٌ بأن كلَّ من الرياء والمنِّ والأذى على الإنفاق من صفات الكفَّار، ولابُدَّ للمؤمنين أن يجتنبوها . ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: لطلب رضاهُ، أو طالبين (١) في الأصل و(م): فالنافق، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٤٢/٢. (٢) في الدر المصون ٥٨٨/٢. (٣) البيت للأشهب بن رُميلة، وهو في الكتاب ١٨٧/١، والخزانة ٢٥/٦. الآية : ٢٦٥ ٤٤٩ سُورَةُ الْبَّكَقَة له ﴿وَتَنْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ولتثبيت، أو مثبِّتين بعض أنفسهم على الإيمان، فـ((مِن)) تبعيضية، كما في قولهم: هَزَّ مِن عطفيه، وحَرَّك مِن نشاطه، فإنَّ للنفس قُوّى بعضها مبدأُ بذلِ المال، وبعضها مبدأُ بذلٍ الروح، فمن سخّر قوةً بذل المال لوجه الله تعالى فقد ثبّت بعضَ نَفْسه، ومن سخّر قوةً بذل المال وقوةَ بذل الروح فقد ثَبَّت كلَّ نفسه (١). وقد يُجعل مفعول ((تثبيتاً)) محذوفاً، أي: تثبيتاً للإسلام، وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم وقلوبهم، فـ ((مِن)) ابتدائية كما في قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]. ويحتمل أن يكون المعنى: تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنَّها صادقةُ الإيمان مخلصةٌ فيه، ويعضُده قراءة مجاهد: ((وتبييناً من أنفسهم))(٢). وجوِّز أن تكون ((من)) بمعنى اللام، والمعنى: توطيناً لأنفسهم على طاعة الله تعالى، وإلى ذلك ذهب أبو علي الجُبَّائي (٣)، وليس بالبعيد، وفيه تنبيه على أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكيةُ النفس عن البُخل وحُبِّ المال، الذي هو الداء العُضال، والرأسُ لكلِّ خطيئة. ﴿كَمَثَلِ جَنَِّم بِرَبْوَةٍ﴾ أي: بستان بَنشْزِ(٤) من الأرض، والمراد تشبيهُ نفقة هؤلاء في الزكاء بهذه الجنة، واعتبر كونها في ربوة؛ لأن أشجارَ الرُّبى تكون أحسنَ منظراً، وأزكى ثمراً؛ للطّافة هوائها وعدم كثافته بركوده. وقرأ ابن عامر وعاصم: ((برَبوة)) بالفتح، والباقون بالضم(٥)، وابن عباس بالكسر، وقرئ: ((رباوة))، وكلها لغات. وقُرئ: ((كمثل حبة)) بالحاء والباء (٦). ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ مطرٌ شديد ﴿فَانَتْ﴾ أي: أعطت صاحبها أو الناس، ونسبة الإيتاء إليها مجازٌ ﴿أُكُلَهَا﴾ بالضم: الشيء المأكول، والمراد ثمرها، وأُضيف إليها لأنَّها محلُّه أو سببه، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع بسكون الكاف تخفيفاً(٧). (١) في (م): نفس. (٢) الكشاف ٣٩٥/١. (٣) ذكره عنه الطبرسي في مجمع البيان ٣٣٥/٢. (٤) النَّشْز: المرتفع من الأرض. مختار الصحاح (نشز). (٥) التيسير ص ٨٣، والنشر ٢٣٢/٢. (٦) القراءات الشاذة ص١٦، وقد ذكر في ضبط ((رباوة)) ثلاثة أوجه: فتح الراء وضمها وكسرها. (٧) التيسير ص٨٣، والنشر ٢١٦/٢. سُوْلَةُ الْبََّنَة ٤٥٠ الآية : ٢٦٥ ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: ضِعْفاً بعد ضِعْف، فالتثنية للتكثير، أو مِثْلَي ما كانت تُثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من الوابل، أو أربعة أمثاله بناءً على الخلاف في أنَّ الضعف هل هو المِثل أو المثلان؟ وقيل: المرادُ تؤتي أَكُلَها مرَّتين في سنة واحدةٍ، كما قيل في قوله تعالى: ﴿تُؤْقِّ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥]. ونصبه على الحال من ((أُكلها)) أي: مضاعفاً. ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ﴾ أي: فَيُصيبها، أو: فالذي يصيبها طَلٌّ، أو: فطلِّ يَكفيها، والمراد أن خيرها لا يخلف على كل حالٍ لجَوْدتها وكرمٍ مَنْبتها ولطافةِ هوائها. والطَّلُّ: الرَّذاذُ من المطر وهو الليِّن منه. وحاصل هذا التشبيه أن نفقاتِ هؤلاء زاكيةٌ عند الله تعالى لا تضيع بحال، وإن كانت تتفاوت بحسب تفاوت ما يُقارنها من الإخلاص، والتعب، وحبِّ المال، والإيصال إلى الأحوج التَّقي وغيرِ ذلك، فهناك تشبيهُ حال النَّفقة النَّامية لابتغاء مرضاة الله تعالى الزاكية عن الأدناس لأنها للتثبيت الناشىء عن ينبوع الصدق والإخلاص بحالٍ جنةٍ ناميةٍ زاكية بسبب الربوة، وأحد الأمرين الوابل والطل، والجامع النموُّ المقرون بالزكاء على الوجه الأتم، وهذا من التشبيه المركّب العقلي. ولك أن تعتبر تشبيه حالٍ أولئك عند الله تعالى بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطّل، فكما أن كلَّ واحدٍ من المطرِين يُضَعِّف ◌ُكلَ تلك الجنة، فكذلك نفقتهم جلَّت أو قلَّت بعد أن يُطلب بها وجه الله تعالى زاكيةٌ زائدة في زُلفاهم وحسن حالهم عند ربِّهم جلَّ شأنه، كذا قيل، وهو مُحتَمِلٌ لأن يكون التشبيه حينئذٍ من المُفرَّق، ويحتمل أن يكون من المُرَكَّب، والكلام مساقٌ للإرشاد إلى انتزاع وجه الشَّبه وطريق التركيب، والفرقُ إذ ذاك بأن الحال للنفقة في الأول، وللمنفق في الثاني. والحاصل أن حالهم في إنتاج القُلِّ والكُثْر منهم الإضعافَ لأجورهم كحال الجنة في إنتاج الوابل والطلِّ الواصليْن إليها الإضعافَ لأثمارها. واختار بعضُهم الأوَّلَ، وأبى آخرون الثاني، فافهم. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ ﴾﴾ فيجازي كلَّ من المُخلص والمرائي بما هو أعلمُ به، ففي الجملة ترغيبٌ للأول، وترهيبٌ للثاني، مع ما فيها من الإشارة إلى الحطّ على الأخير حيثُ قصد بعمله رؤية مَن لا تُغني رؤيته شيئاً، وترَكَ وجهَ البصير الحقيقي الذي تُغني وتُفقر رؤيتُه عزَّ شأنُه. الآية : ٢٦٦ ٤٥١ سُورَةُ الْبَّكْرَة ﴿أَيُودُّ اعَدُكُمْ﴾ أي: أَيُحِبُّ أحدُكم، وكذلك قرأ عمرُ رڅله في رواية عنه، والهمزة فيه للإنكار ﴿أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ وَقُرئ: ((جنات))(١) ﴿مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ﴾ أي: كائنةٌ من هذين الجنسين النفيسين، على معنى أنهما الركن والأصل فيها، لا على أن لا یکون فیها غیرهما. والنخیل، قيل: اسم جمع، وقيل: جمع نَخْل، وهو اسم جنس جمعي، و((أعناب)) جمع عِنَبة، ويقال: عِنباء، فلا ينصرف لألف التأنيث الممدودة. وحيث جاء في القرآن ذِكْرُ هذين الأمرين فإنما ينصُّ على النخل دون ثمرتها، وعلى ثمرة الكَرْم دون شجرتها، ولعلَّ ذلك لأن النخلة كلَّها منافع، ونِعْمت العمّاتُ هي، أصلها ثابت وفرعها في السماء تُؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربِّها، وأعظمُ منافع الكَرْم ثمرتُه دون سائره، وفي بعض الآثار - ولم أجده في كتابٍ يُعوَّل عليه -: إنَّ الله تعالى يقول: أتكفرون بي وأنا خالقُ العِنَبِ(٢). والجَنَّةُ تُطلَقُ على الأشجار المُلتَفَّة المُتكاثفة، وعلى الأرض المُشتملة عليها، والأول أنسبُ بقوله تعالى: ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ إذ على الثاني يحتاج إلى تقدير مضاف، أي: من تحت أشجارها، وكذا يحتاج إلى جعل إسناد الاحتراق إليها فيما سيأتي مجازيًّا. والجملة في موضع رفع صفة ((جنة))، أو في موضع نصبٍ حالٍ منها؛ لوصفها بالجار والمجرور قبلُ. ﴿لَهُ فِيْهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ الظرف الأول في محلِ رفع خبر مقدَّم، والثاني حال من الضمير المستتر في الخبر، والثالث نعتٌ لمبتدأ محذوف، أي: رزق، أو ثمر كائن من كلِّ الثمرات، وجوِّز زيادة ((من)) على مذهب الأخفش، وحينئذ لا يحتاج إلى القول بحذف المبتدأ، وعلى التقديرين ليس المراد بالثمرات العموم، بل إنما هو الكثير. ومن الناس من جوَّز كون المراد من الثمرات المنافعَ، وهذا يجعل ذكر ذينك الجنسين لعدم احتواء الجنة على ماسواهما، ومنهم مَنْ قال: إن هذا من ذكر العامّ بعد الخاصِّ للتتميم، وليس بشيء. ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ أي: أَثَّر فيه علوُّ السِّن والشيخوخةُ، وهو أبلغُ من: كِرَ، (١) القراءات الشاذة ص١٦. (٢) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ٣١٧/١ ثم قال: هكذا اشتهر على الألسنة أنه حديث قدسي، ولم أر مَن ذكره. سُوَّةُ الْبَعَة ٤٥٢ الآية : ٢٦٦ والواو للحال، والجملة بتقدير ((قد)) في موضع نصب على الحال من فاعل ((يَوَدُّ»، أي: أيودُّ أحدُكم ذلك في هذه الحال التي هي مَظِنَّة شدَّة الحاجةِ إلى منافع تلك الجنة، ومَئِنَّةُ العَجْز عن تدارك أسباب المعاش. وقيل: الواو للعطف، ووُضِع الماضي موضعَ المضارع كما قاله الفراء (١). أو أوّل المضارع بالماضي، أي: لو كانت له جنَّة وأصابه الكِبر. واعترضه أبو حيَّان(٢) بأنَّ ذلك يقتضي دخولَ الإصابة في حيِّز التمنِّي، وإصابةُ الكِبَر لا يتمناها أحدٌ. والجواب بأنَّ ذلك غيرُ وارد لِمَا أنَّ الاستفهام للإنكار، فهو يُنكر الجمعَ بينهما = لا يخفى ما فيه. ﴿وَلَهُ ذُرِيَّةٌ مُعَفَآءُ﴾ في موضع الحال من الضمير في ((أصابه))، أي: أصابه الكِبَر، والحال أن له صِبيْةٌ ضعفاءُ لا يقدرون على الكَسْب وترتيبٍ معاشه ومعاشهم. والضُّعفاء جمع ضعيف، كَثُركاء جمع شريك، وترك التعبير بصِغار مع مُقابلة الكِبر؛ لأنه أنسبُ كما لا يخفى. وقرئ: ((ضِعاف))(٣). ﴿فَأَصَابَهَآ إعْصَارٌ﴾ أي: ريحٌ تستدير على نفسها وتكون مثل المنارة، وتسمى: الزَّوبعة، وهي قد تكون هابطةً، وقد تكون صاعدةً، خلافاً لِمَا يُفْهِمُه ظاهرُ كلام البعض من تخصيصها بالثانية. وسببُ الأُولى: أنه إذا انفصل ريحٌ من سحابة وقصدت النزول فعارضها في طريق نزولها قطعةٌ من السحاب وصدمتها من تحتها، ودَفَعها من فوقها سائرُ الرياح، بقيت ما بين دافِعَيْن: دافعٍ من العلوِّ ودافعٍ من السُّفلِ، فيَعْرِض من الدَّفعين المتمانعين أن تستديرَ، وربما زادها تَعوُّج المنافذ تلوِّياً كما يعرض للشّعَر أن يتجعَّد(٤) بسبب التواء مسامه. وسبب الثانية: أن المادة الريحية إذا وصلَتْ إلى الأرض وقرَعتها قرعاً عنيفاً، ثمَّ انبئَّتْ فلقيتها ريح أخرى من جهتها، التوتْ واستدارَتْ، وقد تحدثُ أيضاً من تلاقي ريحين شديدتين، وربَّما بلغت قوتُها إلى حيث تقلع الأشجارَ وتخطف المراكب من البحر. وعلامة النازلة أن تكون لفافتها(٥) تصعدُ وتنزل معاً كالراقص، وعلامة الصاعدة أن لا يُرى للفائفها إلا الصعود. وقد (١) في معاني القرآن ١/ ١٧٥ . (٢) في البحر المحيط ٣١٤/٢. (٣) البحر ٣١٤/٢. (٤) في(م): أن لا يتجعد. (٥) في (م): لفائفاً. الآية : ٢٦٦ ٤٥٣ سُورَةُ الْبَّفَقَة يكون كلٌّ منهما بمحض قدرة الله تعالى من غير توسطٍ سببٍ ظاهر. وربما اشتمل دور الزوبعة على بخارٍ مُشتعِلٍ قويٍّ، فيكون ناراً تدورُ أيضاً، ولتعيين هذا النوع وُصِفَ الإعصار بقوله سبحانه: ﴿فِيهِ نَّارٌ﴾ وتذكير الضمير لاعتبار التذكير فيه، وإنَّما سُمِّي ذلك الهواء إعصاراً لأنه يلتفُّ كما يلتفُّ الثوبُ المعصور، وقيل: لأنه (١) يَعصِر السحاب أو يَعْصِرُ الأجسامَ المارَّ بها. والتنوين في ((النار)) للتعظيم. ورُوي عن ابن عباس أن الإعصار: الريح الشديدة مطلقاً، وأن المراد من النار السَّموم. وذكر سبحانه الإعصارَ ووصفَه بما ذكر، ولم يقتصر على ذكر النار، كأن يقال: فأصابها نارٌ ﴿فَأَحْتَرَقَّتْ﴾؛ لما في تلك الجملة من البلاغة ما فيها لمن دقَّق النظرَ. والفعلُ المقرون بالفاء عطف على ((أصابها))، وقيل: على محذوفٍ معطوف عليه، أي: فأحرقَها ((فاحترقَتْ». وهذا كما رُوي عن السُّدي تمثيلٌ لحال مَنْ يُنفق ويضمُّ إلى إنفاقه ما يحبطه في الحسرة والأسّف إذا كان يوم القيامة واشتدَّتْ حاجتُه إلى ذلك ووجده هباءً منثوراً بحالٍ من هذا شأنه. وأخرج عبد بن حُميد عن عطاء، أن عمر بن الخطاب ﴿به قال: آيةٌ من كتاب الله تعالى ما وجدتُ أحداً يشفيني عنها: قوله تعالى: ﴿أَيَوَذُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ﴾ إلخ؟ فقال ابن عباس: يا أميرَ المؤمنين، إني أجد في نفسي منها. فقال له عمر: فلِمَ تحقِرُ نفسَك؟! فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مَثَلُ ضرَبه الله تعالى، فقال: أيحِبُّ أحدُكم أن يكون عُمَرَه يعمل بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كَبِرَتْ ستُّه، وقَرُبَ أجلُه، ورَقَّ عظْمُه، وكان أحوجَ ما يكون إلى أن يَخْتِمَ عمله بخير، عَمِل بعمل أهل الشَّقاء فأفسد عمله فأحرقه. قال: فوقَّعتْ على قلب عمر وأعجبته(٢). قال: قال وفي رواية البخاري والحاكم وابن جرير وجماعة عن ابن عباس عمر يوماً لأصحاب النبيِّ﴾: فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿أَيْوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ إلخ؟ قالوا: اللهُ تعالى أعلمُ. فغضب عمرُ، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن (١) في الأصل: كأنه. (٢) أورده عن عبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٤/ ٦٨٢. سُوَّةُ الْبَعْمَة ٤٥٤ الآية : ٢٦٧ عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: يا ابن أخي، قالْ ولا تَحْقِر نفسَك. قال ابن عباس ثًا: ضُربت لرجلٍ غنيٌّ عمل بطاعة الله تعالى، ثم بعث الله له الشيطان، فعمِل بالمعاصي حتى أحرق أعماله(١). قيل: وهذا أحسنُ من أن يكون تمثيلاً لمن يُبطل صدقته بالمنِّ والأذى والرياء، وفُصِلَ عنه لاتصاله بما ذكر بعده أيضاً؛ لأن ذلك لا عَمَلَ له، وأُجيب بأنَّ له عملاً يُجازَى عليه بحسب ظاهر حاله وظنّه، وهو يكفي للتمثيل المذكور، وأنت تعلم أن هذا لا يدفع أحسنيةً ذلك لا سيَّما وقد قاله ترجمان القرآن وارتضاه الأمير المحدَّٹ ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك البيان الواضح الجاري في الظهور مَجرى الأمور المحسوسة ﴿يُبَيِّنُّ اَللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَگُّونَ ﴾﴾ أي: کي تتفگّروا فيها وتَعْتَبِروا بما تضمَّتَتْه من العِبر، وتعملوا بمَوْجِبها، أو لعلكم تُعمِلون أفكارَكم فيما يفنى ويَضْمَحِلّ من الدنيا وفيما هو باق لكم في الأُخرى؛ فتَزْهَدون في الدنيا وتُنفقون مما أتاكم الله تعالى منها وترغبون في الآخرة، ولا تفعلون ما يُحزنكم فيها . ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ﴾ أي: جياد، أو حَلال ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: الذي كَسِبتموه، أو كَسْبكم، أي: مكسوبكم من النَّقد وعُروض التجارة والمواشي. وأخرج ابن جرير عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه قال: ((من طيبات ما كسبتم): من الذهب والفضة، وفي قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَغْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني من الحبِّ والثمر وكلِّ شيء عليه زكاة(٢). والجملة لبيان حال ما يُنْفَق منه إثرَ بيان أصل الإنفاق وكيفيَّته، وأعاد ((مِنْ)) في المعطوف لأنَّ كلَّا من المتعاطفين نوعٌ مستقل، أو للتأكيد، ولعلَّه أولى، وترك ذكر ((الطيِّبات)) لِعِلْمه مما قبله، وقيل: لعلمه مما بعده، وبعضٌ جعل ((ما)) عبارةً عن ذلك. (١) صحيح البخاري (٤٥٣٨)، والمستدرك ٢/ ٢٨٣، وتفسير الطبري ٦٨٣/٤. بلفظ :... قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غنيّ يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. (٢) تفسير الطبري ٤ / ٦٩٦-٦٩٧ . الآية : ٢٦٧ ٤٥٥ سُوَّةُ الْبَّكْرَة ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ أي: تقصدوا، وأصله: تتيَّمموا بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفاً، إما الأولى وإما الثانية على الخلاف، وقرَأ عبد الله: ((ولا تأمَّموا))، وابن عباس: (تُيُمِّموا)) بضم التاء (١)، والكلُّ بمعنى. ﴿اَلْخَيْثَ﴾ أي: الرديء، وهو كالطيِّب من الصفات الغالبة التي لا تُذكر موصوفاتها ﴿مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ الضمير المجرور للخبيث، وهو متعلِّق بـ ((تنفقون)) والتقديم للتخصيص، والجملة حال مقدَّرة من فاعل ((تَيَّمموا))، أي: لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه، أو من ((الخبيث))، أي: مختصًّا به الإنفاق. وأيًّا ما كان لا يَرِدُ أنه يقتضي أن يكون النهي عن الخبيث الصرف فقط، مع أنَّ المخلوط أيضاً كذلك؛ لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطونه(٢) من إنفاق الخبيث خاصَّةً. فعن عَبيدة السَّلماني قال: سألت عليًّا كرَّم الله تعالى وجهَه عن هذه الآية، فقال: نزلت في الزكاة المفروضة، كان الرجل يَعْمِدُ إلى التمر فيَضْرمُه، فيعزل الجيِّد ناحيةً، فإذا جاء صاحبُ الصَّدقة أعطاه من الرديء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (٣). وقيل: متعلّق بمحذوف وقَع حالاً من «الخبيث))، والضميرُ راجعٌ إلى المال الذي في ضمن القسمين، أو لـ ((ما أخرجنا))، وتخصيصه بذلك لأنَّ الرداءة فيه أكثر، وكذا الحُرمة لتفاوت أصنافه ومجالبه، و ((تنفقون)) حال من الفاعل المذكور، أي: ولا تقصدوا الخبيثَ كائناً من المال، أو مما أخرجنا لكم مُنفِقين إِيَّه. وقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُم بِعَّاخِذِيهِ﴾ حالٌ على كلِّ حال من ضمير ((تنفقون))، أي: والحال أنكم لستم بآخذيه في وقت من الأوقاتٍ أو بوجهٍ من الوجوه. ﴿إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ أي(٤): إلا وقت إغماضكم، أو: إلَّا بإغماضكم فيه. والإغماض كالغَمْض: إطباقُ الجَفْنِ لِمَا يعرض من الثَّوم، وقد استعيرهنا - كما قال (١) القراءتان في الكشاف ٣٩٦/١. (٢) في (م): يتعاطون. (٣) أخرجه الطبري ٤/ ٧٠٠ . (٤) لفظ: أي، من الأصل. سُوَّةُ الْبَادَة ٤٥٦ الآية : ٢٦٧ الراغب(١) - للتغافل والتساهل، وقيل: إنه كناية عن ذلك، ولا يخلو عن تساهل وتغافل. وذكر أبو البقاء(٢) أنه يستعمل متعدّيًّا - وهو الأكثر - ولا زماً مثل: أغضى عن كذا، والآية مُحتملة للأمرين، وعلى الأول يكون المفعول محذوفاً، أي: أبصاركم . والجمهور على ضمِّ التاء وإسكان الغين وكسر الميم؛ وقرأ الزهريُّ: ((تُغمِّضوا)) بتشديد الميم، وعنه أيضاً: ((تَغمضوا)) بضم الميم وكسرها مع فتح التاء، وقرأ قتادة: (تُغْمَضوا)) على البناء للمفعول(٣)، أي: تُحملوا على الإغماض، أو (٤) تُوجدوا مُغمضين، وكلا المعنيين مما أثبته الحُفَّاظ، ومَن حَفِظ حجةٌ على من لم يحفظ. والمُنسبك من ((أن)) والفعل على كل تقدير في موضع الجرِّ كما أشرنا إليه، وجوَّز أبو البقاء(٥) أن يكون في موضع النصب على الحالية، وسيبويه(٦) لا يجوِّز أن تقع ((أنْ)) وما في حيِّزها حالاً. وزعم الفراء(٧) أنَّ ((أنْ)) هنا شرطيّة؛ لأنَّ معناه: إنْ أغمضتم أخذتم، وينبغي أنُ يغمضَ طَرْفُ القَبول عنه. ومن البعيد في الآية ما قيل: إنَّ الكلام تمَّ عِند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَعَّمُوا الْخَيثَ﴾ ثم استؤنف، فقيل على طريقة التوبيخ والتقريع: ﴿مِّنْهُ تُنفِقُونَ﴾ والحال أنَّكم لا تأخذونه إلا إنْ أغمضتُم فيه، ومالُه الاستفهام الإنكاري، فكأنه قيل: أمِنه تُنفقون .. إلخ، وهو على بُعده خلافُ التفاسير المأثورة عن السلف الصالح ێ. ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ﴾ عن نفقاتِكم، وإنما أمرَكم بها لانتفاعكم، وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور عِلْمهم به توبيخٌ لهم على ما يَصنعون من إعطاء الخبيث، وإيذانٌ بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه عن شأنه. (١) في المفردات (غمض). (٢) في إملاء ما من به الرحمن ٥٣٨/١. (٣) تنظر هذه القراءات في المحتسب ١٣٩/١، والبحر ٣١٨/٢-٣١٩. (٤) في(م): أي. (٥) في إملاء ما من به الرحمن ٥٣٨/١. (٦) في الكتاب ٢/ ٣٩٠. (٧) في معاني القرآن ١٧٨/١ . الآية : ٢٦٨ ٤٥٧ سُورَةُ الْبَلَقَة ﴿حَبِيدُ ﴾﴾ أي: مستحِقٌّ للحمد على نِعَمِه، ومن جملة الحمدِ اللائق بجلاله تحرِّي إنفاق الطيِّب مما أنعم به، وقيل: حامدٌ بقبول الجيِّد والإثابة عليه. واحتُجَّ بالآية على وجوب زكاةٍ قليل ما تُخرجه الأرض وكثيرِه حتى البَقل. واستُدِلَّ بها على أن مَن زرع في أرضٍٍ اكتراها فالزكاةُ عليه لا على ربِّ الأرض؛ لأن ((أخرجنا لكم)) يقتضي كونه على الزرع، وعلى أن صاحب الحقِّ لا يُجبر على أخذ المعيب، بل له الردُّ وأخذُ سلیمٍ بدلَه. ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ استئناف لبيان سبب تيمُّم الخبيث في الإنفاق وتوهين شأنه، والوعدُ في أصل وضعه لغةً شائعٌ في الخير والشرِّ، وأما في الاستعمال الشائع فالوعدُ في الخير والإيعادُ في الشَّرِّ حتى يحملوا خلافه على المجاز والتَّهكم، وقد استعمل هنا في الشَّرِّ نظراً إلى أصل الوضع؛ لأن الفقر مما يراه الإنسان شرًّا، ولهذا يخوِّف الشيطانُ به المتصدِّقين، فيقول لهم: لا تُنفقوا الجيِّد من أموالكم، فإن (١) عاقبةً إنفاقكم أن تفتقروا، وتسمية ذلك وعداً مع أنه اعتُبر فيه الإخبار بما سيكون من جهة المُخبر، والشيطان لم يُضِفْ مَجيء الفقر إلی جهته، للإيذان بمبالغة اللَّعين في الإخبار بتحقُّق مجيئه، كأنه نزَّله في تقرير الوقوع منزلة أفعاله الواقعة حسب إرادته، أو لوقوعه في مقابلة وَعْده تعالى على طريق المُشاكَلة. ومن الناس مَن زعم أن استعمال الوعد هنا في الخير حسب الاستعمال الشائع، والمراد أن ما يُخوِّفكم به هو وعدُ الخير؛ لأن الفقرَ للإنفاق أجلُّ خير، ولا يخفى أنه بمراحل عن مذاق التنزيل. وقرئ: (الفُقْر)) بالضم والسكون، وبفتحتين وضمتين(٢)، وكلُّها لغات في الفَقْر، وأصله: كَسْرُ فَقَار الظّهر. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِلْفَعْشَاءِ﴾ أي: بالخَصْلة الفحشاء وهي البُخل وتركُ الصدقات، والعرب تُسمِّي البخيلَ فاحشاً، قال كعب(٣): (١) في (م): وأن. (٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ١٧، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢/ ٣٤٤. (٣) هو كعب بن سعد الغنوي، ويقال له: كعب الأمثال، لكثرة ما في شعره من الأمثال، ذكره ابن سلام في طبقة فحول أصحاب المرائي مع الخنساء وأعشى باهلة. طبقات فحول الشعراء ٢١٢/١، ومعجم الشعراء ص٢٢٨. والبيت في الأصمعيات ص٩٥، والاختيارین ص٧٥٥. سُورَةُ الْجَمَة ٤٥٨ الآية : ٢٦٩ أخي ما أخي(١)؟ لا فاحشٌ(٢) عند بيته ولا بَرِمٌ (٣) عند اللقاء هَيُوبُ والمراد بالأمر بذلك: الإغراءُ والحثُّ عليه، ففي الكلام استعارةٌ مصرِّحةٌ تبعيةٌ، وقيل: المراد بالفحشاء سائرُ المعاصي، وحملها على الزنا نعوذ بالله منه. وجوِّز أن تكون بمعنى الكلمة السيئة، فتكون هذه الجملة كالتأكيد للأُولى. وقَدَّم وعدَ الشيطان على أمره؛ لأنه بالوعد يحصل الاطمئنان إليه، فإذا اطمأنّ إليه وخاف الفقر تسلّط عليه بالأمر، إذ فيه استعلاء على المأمور. ﴿وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ في الإنفاق على لسان نبيِّكمِنَّهِ ﴿مَّغْفِرَةً﴾ لذنوبكم، وعن قتادة: لفحشائكم، والتنوين فيها للتفخيم، وكذا وصفها بقوله تعالى: ﴿مِّنْهُ﴾ فهو مؤكِّد لفخامتها، وفيه تصريحٌ بما عُلم ضمناً من الوعد، كما عملت مبالغةً في توهين أمر الشيطان. ﴿وَفَضّلًا﴾ أي: رزقاً وخلفاً، وهو المَروي عن ابن عباس ها، فتكون المغفرة إشارةً إلى منافع الآخرة، وهذا إشارةٌ إلى منافع الدنيا . وفي الحديث: ((ما مِنْ يوم يُصبحُ فيه العبادُ إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهمَّ أعطِ مُمسكاً تَلفا))(٤). وقدَّم منافعَ الآخرة لأنها أهمُّ عند المصدِّق بها، وقيل: المغفرة والفضل كلاهما في الآخرة، وتقديم الأول حينئذٍ لتقدُّم التخلية على التحلية، ولكون رفع المفاسدِ أولى من جَلْب المصالح، وفي الآية: ﴿فَمَن زُجْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وحذف صفة الثاني لدلالة المذكور عليها . ﴿وَلَّهُ وَسِعُ﴾ بالرحمة والفضل ﴿عَلِيمٌ (3)﴾ بما تنفقُونه، فيجازيكم عليه. والجملة تذييلٌ مُقرِّر لمضمون ما قبله. ومثلُها في التقرير (٥) قوله تعالى: ﴿يُؤْتِ آلْحِكْمَةَ﴾ أخرج ابنُ جریر وغیره، عن ابن عباس: أنها المعرفةُ بالقرآن ناسخِه ومنسوخه، ومُتشابهِه ومُحكمه، ومقدَّمه (١) في الأصل و(م): يا أخي، والمثبت من المصادر. (٢) في (م): فاحشاً. (٣) في المصادر: ولا وَرَعٌ، والورع: الجبان، القاموس (ورع). (٤) أخرجه أحمد (٨٠٥٤)، والبخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠) من حديث أبي هريرة ضـ (٥) كلمة: التقرير، ليست في (م). الآية : ٢٦٩ ٤٥٩ سُورَةُ الْبَلَقَة ومؤخّره، وحلاله وحرامه، وأمثاله(١). وفي رواية عنه: الفقهُ في القرآن، ومثله عن قتادة والضحاك وخلقٍ كثير. وما روى ابن المنذر(٢) عن ابن عباس أنَّها النبوة يمكن أن يُحمل على هذا؛ لِمَا أخرج البيهقيُّ عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: (مَنْ قرَأ ثلث القرآن أُعطي ثُلُثَ النبوة، ومَن قرأ نصفَ القرآن أُعطي نصفَ النبوة، ومَن قرأ ثُلثيه أُعطي ثُلثي النبوة، ومَنْ قرأ القرآن كلَّ أُعطي كلّ النبوة، ويقال له يوم القيامة: اقرأ وارقَ بكلِّ آيةٍ درجةً، حتى يَنْجَزَ ما معه من القرآن، فيقال له: اقبضْ فيقبض، فيقال له: هل تدري ما في يديك؟ فإذا في يده اليمنى الخُلد وفي الأخرى النعيم))(٣). وليس المراد من القراءة في هذا الخبر مُجرَّدَها؛ إذ ذلك مما يشترك فيه البَرُّ والفاجر، ولكن المراد قراءة بفقهٍ، ويُؤيِّد ذلك ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن أبي الدرداء: الحكمةُ قراءةُ القرآن والفِكرة فيه (٤). وعن مجاهد: أنها الإصابة في القول والعمل. وفي رواية عنه: أنها القرآن والعلم والفقه. وفي أخرى: العلم الذي تعُم مَنْفَعتُه وتَجِلُّ فائدتُه. وعن عطاء: أنها المعرفةُ بالله تعالى. وقال أبو عثمان: هي نورٌ يُفرق به بين الوسواس والإلهام. وقيل غير ذلك. وفي ((البحر))(٥): أن فيها تسعةً وعشرين قولاً لأهل العلم، قريب بعضُها من بعض، وعدَّ بعضهم الأكثر منها اصطلاحاً أو(٦) اقتصاراً على ما رآه القائل فرداً مهمًّا من الحِكمة، وإلا فهي في الأصل مصدرٌ من الإحكام، وهو الإتقان في عِلْم أو عَمَل أو قول، أو فيها كلُّها. وعن مقاتل أنها فُسِّرت في القرآن بأربعة أوجه: فتارةً بمواعظ القرآن، وأُخرى بما فيه من عجائب الأسرار، ومرَّة بالعلم والفَهم، وأُخرى بالنبوة. (١) تفسير الطبري ٨/٥-٩. (٢) كما في الدر المنثور ٣٤٨/١. (٣) شعب الإيمان (١٩٩٣)، وفي إسناده بشر بن نُمير القشيري، قال الذهبي في الميزان ٣٢٦/١: تركه يحيى القطان، وقال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال البخاري: مضطرب. وأخرجه الخطيب من حديث ابن عمر يا، وفي إسناده القاسم بن إبراهيم الملطي، قال الخطيب: كان كذاباً أفَّاكاً يضع الحديث. (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٥٣٣/٢. (٥) ٣٢٠/٢. (٦) في(م): و. سُورَةُ الْبَعَة ٤٦٠ الآية : ٢٦٩ وقيل: ولعلَّ الأنسبَ بالمقام ما ينتظم الأحكام المُبيَّنة في تضاعيف الآية الكريمة من أحد الوجهين الأولين. ومعنى إيتائها تبيينُها والتوفيق للعمل بها، أي: يُبَيِّنها ويُوفِّق للعلم والعمل بها ﴿مَن يَشَآءُ﴾ من عباده أن يؤتيَها إِيَّاه بموجب سَعة فَضْله وإحاطةِ عِلْمِه، كما آتاكم ما بيَّنه في ضمن الآي من الحِكم البالغة التي يدور عليها فَلَكُ منافِعكم، فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها . ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ بناء للمفعول؛ إمَّا لأن المقصودَ بيانُ فضيلة من نال الحِكْمةً بقطع النظر عن الفاعل، وإما لتعيُّن الفاعل. والإظهارُ في مقام الإضمار للاعتناء بشأن هذا المُظهر، ولهذاقُدِّم من قبلُ على المفعول الأول، وللإشعار بعلَّة الحُكم. وقرأ يعقوب: ((يؤتي)) على البناء للفاعل(١)، وجَعْلِ (مَن)) الشرطية مفعولاً مقدَّماً، أو مبتدأ والعائد محذوف، ويؤيِّد الثاني قراءةُ الأعمش: ((ومَنْ يُؤته الحِكْمة))(٢). ﴿فَقَدْ أُوتِى خيرًا﴾ عظيماً ﴿ڪثرًا﴾ إذْ قد جُمع له خير الدارين. أخرج الطبرانيُّ عن أبي أمامَة قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ لقمانَ قال لابنه: يا بنيَّ، عليك بمجالسة العلماء، واسمع كلامَ الحُكمَاء؛ فإن الله تعالى يُحيي القلبَ الميت بنور الحِكمة كما يُحيي الأرض الميتة بوابل المطر))(٣). وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله قال: قال رسول الله وَ له: ((لاحَسَدَ إلَّا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله تعالى مالاً فسلَّطه على هَلَكته في الحقِّ، ورجل آتاه اللهُ تعالى الحِكمة فهو يقضي بها ويُعلِّمها))(٤). وأخرج الطبرانيُّ عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَله: ((يبعث الله تعالى العبادَ يومَ القيامة، ثم يميز العلماء، فيقول: يامعشر العلماء، إني لم أَضَعَ فيكم عِلْمي لأُعذِّبكم، اذهبوا فقد غفرتُ لكم))(٥). وفي روايةٍ عن ثعلبة بن الحَكم أنه (١) النشر ٢٣٥/٢. (٢) القراءات الشاذة ص ١٧ . (٣) المعجم الكبير (٧٨١٠)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٤/١: فيه عبيد الله بن زحر وعلي بن یزید، وكلاهما ضعيف لا يحتج به. (٤) صحيح البخاري (٧٣)، وصحيح مسلم (٨١٦)، وهو في مسند أحمد (٣٦٥١). (٥) المعجم الأوسط (٤٢٧٦). قال الهيثمي في المجمع ٣٣٧/١: فيه موسى بن عبيدة الرَّبذي، وهو ضعيف جداً.